← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 1405

أخذ المال على أعمال القرب

عادل شاهين

Полный текст (816 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

الصندوق الخيري لنشر البحوث والرسائل العلمية (٣) الدراسات الفقهية (٣) أخذ المال على أعمال القُرَب تَأليف عَادِل شَاهِيْن محمَّد شَاهِيْن الجُزْءُ الأَوَّلُ كُنُوزْ إشْبِيْليَا للنشر والتوزيع

стр. 2

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ أصل هذا الكتاب رسالة ماجستير قدمت إلى قسم الفقه بكلية الشّريعة، جامعة الإمام محمّد بن سعود الإسلامية بالرياض، وتكونت لجنة المناقشة من: فضيلة الدكتور/ أحمد بن يوسف الدريويش ... رئيسًا فضيلة الدكتور/ إبراهيم بن عبد العزيز الغصن ... عضوًا فضيلة الدكتور/ صبري السعداوي مبارك ... عضوًا ونال بها الباحث درجة الماجستير بتقدير ممتاز.

стр. 3

أخذ المال على أعمال القُرَب

стр. 4

ح دار كنوز إشبيليا للنشر والتوزيع، ١٤٢٤هـ فهرسة مكتَبة الملك فهد الوطنية أثناء النشر شاهين، عادل بن شاهين محمّد أخذ المال على أعمال القرب./ عادل بن شاهين بن محمّد شاهين - الرياض ١٤٣٤ هـ ٨٤٠ ص؛ ١٧ × ٣٤ سم ردمك: ٩ - ٦ - ٩٤٦١ - ٩٦٠ (مجموعة) ٧ - ٧ - ٩٤٦١ - ٩٦٠ (ج ١) ١ - المعاملات (فقه إسلامي) ديوي ٢٥٣ أ- العنوان ٤٧٦٣/ ١٤٣٤ رقم الإيداع: ٤٧٦٣/ ١٤٢٤ رمك:٩ - ٦ - ٩٤٦١ - ٩٦٠ (مجموعة) ٧ - ٧ - ٩٤٦١ - ٩٦٠ (ج ١) مؤسسة سليمان بن عبد العزيز الراجحى الخيرية Sulaiman bin Abdul Aziz Al Rajhi ChARITABLE FOUNDATION جَميْع الحقُوق مَحفُوظَة الطَّبْعةُ الأولى ١٤٢٥ هـ -٢٠٠٤ م دار كُنُوزْ إشْبِيْليَا للنشر والتوزيع المملكة العربيّة السعودية ص. ب ١٣٣٧١ الرياض ١١٤٩٣ هاتف. ٤٧٤٢٤٥٨ - ٤٧٧٣٩٥٩ - ٢٩١٠٧٠٤ فاكس: ٤٧٨٧١٤٠ E-MAIL:eshbelia@hotmail.com

стр. 5

مقدّمَة إنَّ الحمد لله، نحمَدُهُ ونستعينهُ، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إِلَّا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٢]. ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النِّساء:١]. ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (٧٠) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ [الأحزاب: ٧٠، ٧١] أمّا بعد (١): فإن أصدق الحديث كلام الله، وخير الهدي هدي محمّد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النّار. أمّا بعد: فإنَّ الله ﵎ قد امتنّ على هذه الأُمَّة بمنن كثيرة وجليلة، أعظم هذه المنن: دين الإسلام، الّذي جعله الله ﵎ خاتم الأديان، لا يقبل من أحد

стр. 6

سواه، قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [آل عمران: ٨٥]. أرسل به خاتم النببين وأفضلَهم محمدا ﷺ ، فكانت بعثتُهُ مِنَّةً أخرى على المؤمنين، قال تعالى: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [آل عمران: ١٦٤]. جعل الله تعالى اتباعه فرضًا لازمًا، والتأسي به فوزًا وسعادةً في الدارين، قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا﴾ [الأحزاب: ٣٦]. وقال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ [الأحزاب: ٢١]. فكان أسعد النَّاس باتباعه والتأسي به هم أهل العلم، من العلماء العاملين، والأئمة الربانيين، الذين اختصهم الله تعالى من بين عباده بخشيته، فقال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر: ٢٨]. ثمّ أمر سائر النَّاس بسؤالهم والرجوع إلى أقوالهم، قال تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٤٣، الأنبياء: ١٧، وجعل علامة زيغهم وضلالهم ذهاب علمائهم، واتخاذهم الرؤوس من جُهَّالهم، فعن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (إنَّ الله لايقبضُ العلّمَ انتزاعًا ينتزعُهُ من العباد، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء، حتّى إذا لم يُبق عالمًا اتخذ النّاسُ رؤُوسًا جهالًا فسُئِلوا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا) (١).

стр. 7

ومن أجل ذلك كان الفقه في الدِّين من أجل الأعمال وأحبها إلى الله تعالى، ومن وفقه الله إلى التفقه في الدِّين فقد أراد به الخير، كما جاء في حديث معاوية بن أبي سفيان ﵁ قال: سمعت النّبيّ ﷺ يقول: (من يردّ الله به خيرًا يفقهه في الدِّين) (١). وإن من أشرفِ العلوم جمعًا، وأعظمِها خيرًا ونفعًا، علمَ الفقه، أو الفقه الإسلامي، فعظمة هذا العلم وشرفه تجل عن الوصف والإحاطة؛ ذلك أنّه أحكام تساير المسلم، وتلازمه في عموم مسالك حياته، سواء أكان ذلك فيما بينه وبين ربه ﵎، أم فيما بينه وبين عباد الله تعالى. ولقد منَّ الله عليّ وهو الكريم المنَّان، حين يسر لي القدوم إلى هذا البلد الكريم، الطيب أهله، وشرفني أعظم تشريف حين يسر لي الانتساب إلى جامعة إسلامية عظيمة، ألَّا وهي جامعة الإمام محمّد بن سعود الإسلامية، الّتي يشرف ويعتز كلّ طالب علم بالانتساب إليها، وقد نهلت من معين هذه الجامعة الّذي لا ينضب حين وفقني الله - عزَّ جلَّ -، للدراسة في كلية الشّريعة بالرياض - قسم الشّريعة -، فأنّهيت المرحلة الجامعية بتقدير (ممتاز)، ثمّ يسر الله التحاقي بالدراسات العلّيا، فأنّهيت السنة التمهيدية بتوفيق من الله تعالى، وبادرت البحثَ عن موضوع يصلح للتسجيل في درجة الماجستير في الفقه الإسلامي، فيسر الله هذا الموضوع، وهو: [أخذ المال على أعمال القُرب] أمّا أهمية هذا الموضوع وسبب اختياره، والخطة الّتي سرت عليها، والمنهج المتبع في دراسة مسالْل البحث، وما يتبع ذلك، فيتضح في النقاط التالية:

стр. 8

أوَّلًا: أهمية الموضوع: ترجع أهمية هذا الموضوع لما يأتي: ١ - إنَّ هذا الموضوع يتعلّق بجانب مهم وخطير في حياة المسلم، بل ومن أهم الجوانب في حياته، ألَّا وهو: علاقته بربه في عبادته إياه، وتقربه إليه، بالعبادات العملية، والمعاملات والولايات الشرعية، فكان لابد من دراسة هذا الجانب، وبيانه حتّى يكون المسلم على بصيرة من أمره في تقربه إلى ربه. ٢ - إنَّ هذا الموضوع يمسُّ كافة أفراد المجتمع, فهو يتعلّق بعباداتهم، ومعاملاتهم، وأهم ولاياتهم الشرعية، فهو يهم كلّ مسلم، فالحاجة إلى معرفة فقه هذا الموضوع عامة. ٣ - كثرة وقوع مسائل هذا الموضوع ودورانها في حياة المسلم، حيث نرى كثيرًا من العبادات والمعاملات والولايات الشرعية يؤخذ عليها الأعواض، فكان لابد من معرفة حكم هذه الأعواض على هذه القُرب. ثانيًا: أسباب اختيارالموضوع: يعود اختيار هذا الموضوع في مجمله إلى الأسباب التالية: ١ - أهمية هذا الموضوع، وقد سبق بيأنّها. ٢ - أن هذا الموضوع لم يسبق بحثه ولا جمعه على هذه الصورة - فيما أعلم -، وإنّما بحث الفقهاء جزئيات هذا الموضوع بحثًا مجملًا ثمّ بحثت بعض جوانبه من خلال بعض المؤلِّفات والرسائل العلمية, فجاءت هذه الرسالة لتجمع شتات هذا الموضوع في مكان واحد مع التوسع في دراسته، وترتيبه، والتفصيل فيه، وبيان الراجح في مسائله، وهذا ممّا يعود بالفائدة الكبرى على الباحث أوَّلًا، وعلى عموم المسلمين ثانيًا.

стр. 9

٣ - أن هذا الموضوع يمتاز بالشمولية، حيث شَمِلَ جُلَّ أبواب الفقه الإسلامي من عبادات ومعاملات وولايات شرعية، ممّا يمكّن الباحث من المرور بمعظم أبواب الفقه، ومسائله، وهذا ممّا يعود عليه بالفائدة الكبرى من حيث التحصيل العلّمي، والوقوف على نظام الفقه الإسلامي الشامخ. ٤ - كثرة النوازل الّتي وقعت في هذا العصر، والتي يتوقف معرفة الحكم فيها على معرفة الحكم في مسائل هذا البحث، فهذا البحث يعد تأصيلًا لتلك النوازل، وقاعدة يتبين من خلالها معرفة حكم هذه النوازل، كما هو الحال في غالب أعمال المصارف، أو ما يسمى بالبنوك. ٥ - تساهل كثير من المسلمين في هذا الجانب، وعدم مبالاتهم بمعرفة الحكم الشرعي في كثير من القرب من حيث أخذ العوض عليها، وقد يكون ذلك محرمًا، حتّى أضحى هذا الأمر كأنّه مجمع على جوازه لايجوز إنكاره، ولا الخوض فيه، إمّا لطول العهد بذلك، وإما لغلبة الشهوة، وحب المال، والحرص عليه، وجمعه من حلِّه ومن غير حلِّه، ممّا استدعى ذلك بحث كافة هذه القربات من حيث حكم أخذ العوض عليها، فيتضح ما يجوز من ذلك وما لايجوز. ثالثًا: الدراسات السابقة حول الموضوع: لقد كتبت حول هذا الموضوع بعض الكتب، والبحوث، تناولت بعض جوانب هذا الموضوع، وقد وقفت عليها، واستفدت من معظمها، فجزى الله تعالى أصحابها خيرًا، فبعض هذه المؤلِّفات وقفت عليها قبل تسجيل الموضوع، وقد ذكرتها في خطة البحث أثناء تسجيل الموضوع، والبعض الآخر وقفت عليه حين شارفت على الانتهاء من كتابة هذا البحث، ومن هذه المؤلِّفات: ١ - إقامة الدّليل والبرهان على تحريم الأجر على تلاوة القرآن: لفضيلة الشّيخ العلّامة محمّد بن عبد العزيز المانع (يرحمه الله تعالى) وهو كتيب صغير. وكما هو

стр. 10

ظاهر من عنوانه، فقد تناول مسألة واحدة، حيث جاء جوابًا على سؤال حول حكم الأجرة على تلاوة القرآن. ٢ - تيسير العلّيم في أخذ الأجر على القرآن والتعليم: لعصام بن مرعي؛ تعرض فيه مؤلِّفه لمسألة أخذ الأجرة على تعليم القرآن والعلّم الشرعي. وقد اجتهد مؤلِّفُه في سرد بعض الروايات الحديثية المتعلّقة بالمسألة، واجتهد كذلك في نقل كلام العلماء حولها. ٣ - القربات إهداؤها إلى الموتى والاستئجار عليها: للدكتور حسين عبد المجيد حسين أبو العلّا، وهو بحث صغير، كان الغرض من تأليفه بيان ما ينفع الميِّت في قبره، فجاء نصفه في مسألة: (هبة الثّواب)، ثمّ تكلم على بعض مسائل الموت، ثمّ ختم البحث بالكلام على إلاستئجار على بعض القرب على سبيل الإجمال. ٤ - أخذ الأجرة على أعمال الطاعات والمعاصي: للدكتور عبد الله بن محمّد الطريقي، وهو كتاب متوسط الحجم، تعرض فيه المؤلِّف لمسألة الإجارة على الطاعات في حوالي (١٠٠) صفحة تقريبًا. تكلم فيه عن حكم الإجارة على بعض الطاعات، وبعض الولايات الشرعية، إِلَّا أنّه أجمل القول فيه جدًا، ووصل الحال في بعض المسائل إلى حدّ الإضمار الشديد، والكتاب مفيد في بابه , فجزى الله مؤلفه خيرًا. ٥ - الاستئجار على فعل القربات الشرعية: لمؤلفه/ علي عبد الله حسن أبو يحيى، وهو كتاب مطبوع سنة ١٤١٨ هـ، كتب عليه: رسالة ماجستير بإشراف الدكتور/ عمر سليمان الأشقر. جاء الكتاب في حوالى (٢٠٠) صفحة تقريبًا، هو على صغره، وعدم استيعابه جيد في بابه , إِلَّا أن مؤلفه لم يتعرض لتأصيل الموضوع، وكذلك لم يتعرض لكثير من المسائل ومن ذلك كلّ مسائل المعاملات الشرعية وتطبيقاته المعاصرة، وكثيرٍ من مسائل العبادات وخاصة مباحث النِّيابة التي

стр. 11

ينبني عليها حكم أخذ المال على هذه العبادات، وكذلك كثير من مسائل الولايات الشرعية، وإنّما تناول المسائل المشهورة في بعض الأبواب. ٦ - الإجارة على الأعمال الدينية: لمؤلفه/ مصطفى رشاد عزمي عبد الخالق، وهو عبارة عن رسالة ماجستير، من كلية الشّريعة، جامعة الأزهر بالقاهرة، نبهني إليها فضيلة المشرف - حفظه الله - حين قمت بإحضار فهارس الرسائل العلمية من كلية الشّريعة بالأزهر، وعندما يسر الله لي السَّفر إلى القاهرة قمت بالاطلاع عليها، فوجدتها مثل الكتاب الّذي سبق الحديث عنه آنفًا من حيث الكم والكيف إِلَّا أنّها دونه في الجودة. ولعلّ الجديد في بحثي هذا، كما هو ملموس من خلال المقارنة بين مسائله كمًا وكيفًا، وبين ما ذكرته عن الدراسات السابقة في موضوعه يظهر فيما يأتي: ١ - أنّه قدم دراسة متكاملة عن جلّ مسائل القُرب الموجودة في أبواب الفقه الإسلامي، إنَّ لم تكن كلها فيما بلغه ظني. ٢ - أنّه انفرد بمسائل كثيرة جدًا لم يتعرض لها أحد في الدراسات السابقة، ومن ذلك على سبيل المثال: الكلام عن المال والقرب بتفصيل واستيعاب، وكذلك ما يتعلّق بالقرب في أبواب المعاملات، وبخاصة عقود الإرفاق والإحسان، وتطبيقاتها المعاصرة في البنوك، أو المصارف، وكذلك بحث مسائل النِّيابة في العبادات بتفصيل، حيث إنها أصل هذا الباب من ناحية جواز أخذ العوض على هذه العبادات، أو عدم الجواز، وغير ذلك من المسائل الّتي تظهر من خلال الاطلاع على مسائل هذا البحث. ٣ - التفصيل الدقيق في مسائل كلّ باب - في الغالب -، وبخاصة باب العبادات ومحاولة حصر كلّ المسائل المتعلّقة بكل عبادة من العبادات، وبيان القول فيها.

стр. 12

٤ - التّحرِّي الشديد في نسبة الأقوال إلى قائليها، وفي نسبة المذاهب إلى أصحابها، وهذا من أكثر ما اعتنيت به في هذه الرسالة عناية فائقة، وبذلت في ذلك ما استطعته من وسع وطاقة. وأحسب أنّه إذا أضيف إلى ما ذكر، ما سيأتي، من دراسة في الباب التمهيدي، عن المال المأخوذ على القرب، وكذلك مفهوم القربة وأقسامها، وما تبع ذلك من تأصيل لهذا الموضوع، فإن ذلك قد يعطي دراسة متكاملة، أو تكاد عن القرب، وحكم أخذ المال عليها، ممّا قد يشكل - بمفهوم فقهاء العصر- نظرية متكاملة عن القرب، وما يتعلّق بها من أحكام، أو على أقل الأحوال يمهد الطريق لذلك، والله تعالى أعلم. رابعًا: خطة البحث: قمت بتقسيم مادة هذا البحث إلى مقدمة، وتمهيد، وبابين، وخاتمة، وهي إجمالًا على النحو التالي: المقدِّمة وهي تشتمل على ما يأتي: أوَّلًا: أهمية الموضوع. ثانيًا: أسباب اختياره. ثالثًا: الدراسات السابقة حول الموضوع. رابعًا: خطة البحث. خامسًا: المنهج الّذي سرت عليه في هذا البحث. سادسًا: الصعوبات الّتي عرضت أثناء البحث. سابعًا: الشكر والتقدير.

стр. 13

التمهيد في حقيقة المال والقرب وما يتعلّق بهما ويشتمل على مبحثين: المبحث الأوّل: حقيقة المال وما يتعلّق به. المبحث الثّاني: حقيقة القرب وما يتعلّق بها. الباب الأوّل أخذ المال على العبادات ويشتمل على خمسة فصول: الفصل الأوّل: أخذ المال على الصّلاة وما يتعلّق بها وتحته خمسة مباحث: المبحث الأوّل: أخذ المال على الصّلاة عن الغير. المبحث الثّاني: أخذ المال على الأذان والإقامة. المبحث الثّالث: أخذ المال على الإمامة والخطابة. المبحث الرّابع: أخذ المال على عمارة المساجد وصيانتها. المبحث الخامس: أخذ المال على الجنازة (تجهيز الميِّت ودفنه). الفصل الثّاني: أخذ المال على الزَّكاة والصيام وفيه ثلاثة مباحث: المبحث الأوّل: أخذ المال على الزَّكاة المبحث الثّاني: أخذ المال على الصِّيام وتحته مطلبان: المطلب الأوّل: أخذ المال على الصِّيام عن العاجز. المطلب الثّاني: أخذ المال على الصِّيام عن الميِّت.

стр. 14

المبحث الثّالث: أخذ المال على الاعتكاف وفيه مطلبان: المطلب الأوّل: أخذ المال على الاعتكاف عن الحي المطلب الثّاني. أخذ المال على الاعتكاف عن اليت الفصل الثّالث: أخذ المال على الحجِّ والعمرة وفيه أربعة مباحث: المبحث الأوّل: النِّيابة في الحجِّ والعمرة عن الحي وفيه مطلبان: المطلب الأوّل: النِّيابة في الحجِّ الواجب المطلب الثّاني: النِّيابة في حج التطوع المبحث الثّاني: النِّيابة في الحجِّ والعمرة عن الميِّت وفيه مطلبان: المطلب الأوّل: النِّيابة عن الميِّت في الحجِّ الواجب المطلب الثّاني: النِّيابة عن الميِّت في حج التطوع المبحث الثّالث: أنواع المال المأخوذ على الحجِّ والعمرة وفيه ثلاثة مطالب: المطلب الأوّل: النفقة وما في حكمها المطلب الثّاني: الجعالة المطلب الثّالث: الإجارة المبحث الرّابع: أخذ المال على ذبح الهدي والأضاحي ونحوهما وتحته مطلبان: المطلب الأوّل: النِّيابة في ذبح الهدي والأضاحي المطلب الثّاني: أخذ الأجرة على ذبح الهدي والأضاحي

стр. 15

الفصل الرّابع: أخذ المال على الجهاد وفيه ثلاثة مباحث: المبحث الأوّل: نفقة المجاهدين وتحته مطلبان: المطلب الأوّل: أخذ المجاهدين من الزَّكاة المطلب الثّاني: أخذ المجاهدين من بيت المال المبحث الثّاني: أخذ المال على القتال وفيه ثلاثة مطالب: المطلب الأوّل: استئجار المسلم للقتال المطلب الثّاني: أخذ الجعل على القتال المطلب الثّالث: إعطاء الأجير من الغنيمة المبحث الثّالث: أخذ المال على متعلّقات الجهاد وتحته ثلاثة مطالب: المطلب الأوّل: أخذ المال على المرابطة المطلب الثّاني: أخذ المال على حفظ الغنيمة المطلب الثّالث: ما يستحقه المعاون في الجهاد الفصل الخامس: أخذ المال على القرآن الكريم والعلّوم الشرعية وفيه مبحثان: المبحث الأوّل: أخذ المال على القرآن الكريم وفيه أربعة مطالب: المطلب الأوّل: أخذ المال على تعلم القرآن الكريم وتعليمه المطلب الثّاني: أخذ المال على تلاوة القرآن الكريم المطلب الثّالث: أخذ المال على كتابة المصحف وطباعته

стр. 16

المطلب الرّابع: أخذ المال على إجارة المصحف وبيعه المبحث الثّاني: أخذ المال على العلوم الشرعية وفيه ثلاثة مطالب: المطلب الأوّل: أخذ المال على طلب العلم المطلب الثّاني: أخذ المال على تعليم العلوم الشرعية المطلب الثّالث: أخذ المال على كتابة العلم الشرعي الباب الثّاني أخذ المال على المعاملات والولايات الشرعية وفيه فصلان: الفصل الأوّل: أخذ المال على المعاملات وفيه ستة مباحث: المبحث الأوّل: أخذ المال على القرض المبحث الثّاني: أخذ المال على الضمان والكفالة وفيه مطلبان: المطلب الأوّل: أخذ المال على الضمان المطلب الثّاني: أخذ المال على الكفالة المبحث الثّالث: أخذ المال على الصلح المبحث الرّابع: أخذ المال على الوديعة المبحث الخامس: أخذ المال على نظارة الوقف المبحث السّادس: أخذ المال على الوصايا الفصل الثّاني: أخذ المال على الولايات الشرعية وفيه أربعة مباحث:

стр. 17

المبحث الأوّل: أخذ المال على الإمامة العظمى (نفقة الإمام) المبحث الثّاني: أخذ المال على القضاء والشهادة وتحته مطلبان: المطلب الأوّل: أخذ المال على القضاء وفيه ثلاث مسائل: المسألة الأولى: ما يأخذه القاضي من مال على قضائه المسألة الثّانية: ما يأخذه أعوان القاضي المسألة الثّالثة: ما يأخذه المأذون الشرعي على عقود الأنكحة المسألة الرّابعة: ما يأخذه القسام المطلب الثّاني: أخذ المال على الشّهادة المبحث الثّالث: أخذ المال على الإفتاء المبحث الرّابع: أخذ المال على الحسبة (الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر) الخاتمة وقد اشتملت على ملخص للرسالة مع إبراز أهم النتائج الّتي توصل إليها الباحث من خلال هذه الدراسة. الفهارس وهي عبارة عن: ١ - فهرس المصادر والمراجع ٢ - فهرس الموضوعات

стр. 18

خامسًا: منهج البحث: اتبعت في هذا البحث المنهج التالي: ١ - صورت المسألة المراد بحثها تصويرًا دقيقًا، قبل بيان حكمها؛ وذلك ليتضح المقصود من دراستها. ٢ - إذا كانت المسألة من مواضع الاتفاق، فقد ذكرت حكمها مقرونًا بدليله، مع توثيق الاتفاق من مظانه المعتبرة مع الإتيان بنصوص الفقهاء الدالة على ذلك عند الحاجة. ٣ - إذا كانت المسألة من مسائل الخلاف، فقد اتبعت في دراستها ما يأتي: أ - تحرير محل الخلاف، إذا كانت بعض صور المسألة محل خلاف وبعضها محل اتفاق. ب - ذكر الأقوال في المسألة، وبيان من قال بهذه الأقوال من أهل العلم، ويكون عرض الخلاف حسب الاتجاهات الفقهية. ج - الاقتصار على المذاهب الفقهية المعتبرة، مع العناية بذكر ما تيسر الوقوف عليه، من أقوال السلف الصالح، وإذا لم أقف على المسألة في مذهب ما، فأسلك بها مسلك التخريج، ما استطعت إلى ذلك سبيلًا. د - توثيق الأقوال من كتب أهل المذهب نفسه مع مراعاة التّرتيب الزمني بين المذاهب , فأذكر المذهب الحنفي أوَّلًا، ثمّ المالكي، ثمّ الشّافعيّ، ثمّ الحنبلي، ثمّ الظاهري - إنَّ وجد - مع مراعاة التّرتيب الزمني كذلك للمصادر والمراجع داخل كلّ مذهب. هـ - استقصاء أدلة الأقوال ما أمكن، مع بيان وجه الدلالة، وذكر ما يردّ عليها من مناقشات، وما يجاب به عنها. و- ذكر الأقوال مرتبة بحسب قوتها؛ فاذكر القول الراجح أوَّلًا، ثمّ الّذي يليه في القوة، وهكذا، إلى أن أنتهي بأضعف الأقوال، وهي الأقوال المرجوحة.

стр. 19

و - ذكر الأقوال مرتبة بحسب قوتها , فأذكر القول الراجح أوَّلًا، ثمّ الّذي يليه في القوة، وهكذا، إلى أن أنتهي بأضعف الأقوال، وهي الأقوال المرجوحة. ز- عند ذكر أدلة الأقوال، فقد ذكرت أدلة القول الأضعف أوَّلًا، أو المرجوح، ثمّ الّذي يليه في القوة إلى أن أنتهي بأدلة القول الراجح. ح - ذكر سبب الخلاف، إنَّ وجد. ط - الترجيح بين الأقوال، مع بيان سببه، وذكر ثمرة الخلاف إنَّ وجدت. ٤ - الاعتماد على أمهات المصادر والمراجع الأصيلة عند تحرير الأقوال، وتوثيق المذاهب، وتخريج الأقوال، وذكر الأدلة. ٥ - العناية بضرب الأمثلة، وبخاصة الواقعية. ٦ - التركيز على موضوع البحث وتجنب الاستطراد ما أمكن. ٧ - تجنب ذكر الأقوال الشاذة. ٨ - العناية بدراسة، ما جد من القضايا ممّا له صلة واضحة بالبحث. ٩ - ترقيم الآيات وبيان أسماء السور. ١٠ - تخريج الأحاديث النبوية، بذكر من أخرجها من العلماء، مع بيان ما ذكره أهل الشأن في درجتها من حيث الصِّحَّة والضعف ما أمكنني ذلك، إِلَّا أن يكون الحديث في الصحيحين، أو أحدهما، فأكتفي بذلك. ١١ - تخريج الآثار في مصادرها الأصيلة، وذكر الحكم عليها إنَّ وجد. ١٢ - التعريف بالمصطلحات، وشرح الغريب. ١٣ - العناية بقواعد اللُّغة العربيّة، والإملاء، وعلامات الترقيم. ١٤ - ترجمة الأعلام غير المشهورين، سواء أكانوا من الصّحابة، أم من غيرهم , وذلك عند ورود العلم لأول مرّة. ١٥ - جعلت خاتمة للبحث، وهي عبارة عن ملخص للرسالة، تعطي سورة واضحة لما تضمنته الرسالة، مع إبراز أهم النتائج.

стр. 20

١٦ - ذيلتُ الرسالة بفهارس علمية تقدّم ذكرها. سادسًا: الصعوبات: واجهتني بعض الصعوبات أثناء إعداد هذا البحث منها: ١ - طول البحث وسعة عناوينه، حيث شمل جلَّ أبواب الفقه، بدءًا من الأذان، وانتهاء بالشهادات، هذا عدا الباب التمهيدي وما فيه من مسائل كثيرة. ٢ - كثرة وتنوع المال المأخوذ على القرب، من رزق، وإجارة، وجعالة، ونفقة، وهدية، وزكاة، وغير ذلك من الأنواع، ممّا يقتضي التنبه لذلك في كلّ مسألة، وبيان ما يجوز منها وما لا يجوز. ٣ - تداخل كثير من مسائل البحث وتشابهها، ممّا اقتضى عند الفصل بينها وتحريرها جهدًا كبيرًا ومضنيًا. ٤ - كثرة المصادر والمراجع الّتي يلزم الرجوع إليها في كلّ مسألة، وهذا يتطلب كثيرًا من الجهد، والوقت. ٥ - تشعب مسائل البحث، وتفرقها في أبواب شتى، وأحيانًا في غير مظنها، ممّا اقتضى الرجوع في كلّ مسألة إلى أبواب كثيرة من أبواب الفقه، وقراءتها بكاملها غالبًا، ممّا اقتضى جهدًا، ووقتًا كبيرين. شكر وتقدير وعرفان: عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (لا يشكرُ اللهَ من لا يشكرُ الناسَ). وفي رواية: (من لم يشكرِ الناسَ لم يشكرِ اللهَ) (١).

стр. 21

فإني بهذه المناسبة الكريمة المباركة، أرى لزامًا عليَّ - عملًا بقول النّبيّ ﷺ ، واعترافًا بالجميل، وإحقاقًا للحق - أن أتقدم بالشكر الجزيل، والثناء العاطر، والعرفان، لكل من أعان وساهم؛ حتّى وصلت إلى هذه المرحلة، ولترى هذه الرسالةُ النورَ، وإن أولى النَّاس بالشكر والتقدير، هذه المملكة الحبيبة، المملكة العربيّة السعودية ملكًا وحكومة وشعبًا، على ما قدموه، ويقدمونه للعلّم، وأهله، ليس في داخل المملكة فحسب، وإنّما في العالم أجمع، وما أنا وغيري من طلبة العلم إِلَّا ثمارًا من غراسهم , فاللهَ أسألُ - بمنه وكرمه - أن يجزي هذه البلادَ الطيبةَ وأهلها خير الجزاء، على ما يقومون به خدمةً للعلّم وأهله، وأخص بالشكر والتقدير والعرفان خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبد العزيز آل سعود - حفظه الله - ولي أمر هذه البلاد وراعي نهضتها، سائلًا الله أن يحفظه من كلّ سوء، وأن ينعم عليه بالصحة والعافية. كلما أخص بالشكر والثناء، جامعة الإمام محمّد بن سعود الإسلامية، تلك الجامعة الفتية، زادها الله رفعة وتقدمًا ممثلة في مديرها، معالي الأستاذ الدكتور/ عبد الله بن يوسف الشبل - حفظه الله - على ما يقوم به من جهد مبارك للارتقاء بهذه الجامعة، حتّى تبلغ الذروة في عطائها والنهوض بأبنائها؛ لبلوغ ذرا المجد والتقدم والازدهار، وعلى ما خصني به من تفضله بقبولي في مرحلة الدراسات العلّيا بهذه الكلية المباركة، وكذا أصحاب الفضيلة وكلاء الجامعة، وكافة القائمين على شؤونها، لهم جميعًا جزيل الشكر والثناء. كما أرفع أسمى آيات الشكر والتقدير، إلى الكلية الحبيبة إلى نفوسنا جميعًا، إلى كلية الشّريعة بالرياض، ذلك الصرح العلّمي الشامخ، والتي سعدتُ كما سعد غيري بالتشرف بالانتساب إليها والدراسة فيها، ممثلة في فضيلة، أستاذي، الأستاذ الدكتور/ عبد الرّحمن بن محمّد السدحان، عميد الكلية - حفظه الله تعالى، ووكيليها

стр. 22

- وفقهما الله تعالى- على ما يقومون به من جهد مبارك تجاه أبنائهم من طلبة العلم في هذه الكلية. كما أتوجه بالشكر والثناء إلى فضيلة الشّيخ الدكتور رئيس قسم الفقه بالكلية، وكافة أعضاء هيئة التدريس بالقسم من أساتذة ومحاضرين ومعيدين، وكافة الزملاء، لهم جميعًا مني الشكر والثناء. هذا وأخص بالشكر والثناء العاطر، والمحبة الخالصة، فضيلة الشّيخ الدكتور/ أحمد بن يوسف الدريويش، شيخي، وأستاذي، الّذي تفضل، وتكرم بالإشراف على هذه الرسالة، والذي ما فتئ يتعهدُني بالرعاية والتوجيه والتسديد، والنصح، وفتح لي صدره، وأفسح لي في وقته وجهده، وأولاني بكل عناية ورعاية، وصبر على ما كان مني من أذى، فجزاه الله عني خير الجزاء، وأسأل الله أن يبارك في عمره وعمله، وأهله وماله كما أتوجه بالشكر والتقدير إلى الشيخين الكريمين والأستاذين الفاضلين، فضيلة الشّيخ الدكتور/ إبراهيم بن عبد العزيز الغصن عضو هيئة التدريس بكلية الشّريعة وأصول الدِّين بالقصيم، وفضيلة الشّيخ الدكتور/ صبري السعداوي مبارك عضو هيئة التدريس بكلية الشّريعة بالرياض على تفضلهما بقبول مناقشة هذه الرسالة والحكم عليها، وأرجو الله أن يجزيهما عني خير الجزاء وأن يجعل ذلك في موازين حسناتهما. كما أخص بالشكر والثناء كلّ من كان سببًا في قدومي إلى هذه البلاد الطيبة، والتحاقي بهذه الجامعة المباركة وهم: - فضيلة الشّيخ العلّامة/ محمّد بن صاع العثيمين، عضو هيئة كبار العلماء ﵀. - فضيلة الأستاذ الدكتور معالي الشّيخ/ عبد الله بن عمر نصيف، نائب رئيس مجلس الشورى، والأمين العام لرابطة العالم الإسلامي سابقًا، حيث كان له الفضل بعد فضل الله الواسع في قدومي إلى هذه المملكة الحبيبة، وقد أولاني بكل أنواع الرعاية والاهتمام فجزاه الله عني خير الجزاء.

стр. 23

كما أتوجه بالشكر والتقدير لفضيلة شيخي الشّيخ الأستاذ الدكتور/ عبد الله بن سعد الرشيد على ما أولاني به من رعاية أبوية كريمة , فجزاه الله عني خير الجزاء، كما أشكر كافة الإخوان الكرام الذين وقفوا يحانبي، حتّى أنجزت هذه الرسالة , فلهم جميعًا مني أسمى آيات الشكر والتقدير. وبعد: فإن هذه الرسالةَ جهدُ المقل، وحيلة العاجز، وهي قبل كلّ شيء عملٌ بشريٌّ يعتريه النقص والخطأ، فما كان فيها من صواب فالفضل فيه لله وحده منةً منه وكرمًا، وما كان فيها من خطأ فمني، ومن الشيطان، وأستغفر الله من ذلك، وأتوب إليه. وفي الختام أسأل الله أن يجعل هذا العمل خالصًا لوجهه الكريم، وأن يدخره لي قربة إليه، كما أساله أن يرزقني العلم النافع، والعمل الصالح، وأن يغفر لي ولوالدي، ولمشايخنا، ولجميع المسلمين الموحدين. وصلّى الله على محمّد وعلى آله وصحبه أجمعين، والحمد لله رب العالمين.

стр. 24

التمهيد حقيقة المال والقُرَب ومايتعلّق بهما ويشتمل على مبحثين: المبحث الأوّل: حقيقة المال وما يتعلّق به المبحث الثّاني: حقيقة القرب وما يتعلّق بها

стр. 25

المبحث الأوّل حقيقة المال وما يتعلّق به المطلب الأوّل التعريف بالمال وفيه فرعان: الفرع الأوّل تعريف المال في اللُّغة المال في اللُّغة، مأخوذ من مادة (مَوَلَ)، والميم، والواو، واللام كلمة واحدة، تقول: تموَّل الرَّجلُ؛ أي: اتخذ مالًا، ومال: يَمَال: إذا كثر ماله (١)، هذا ما يتعلّق بأصل الكلمة. وبالرجوع إلى معاجم اللُّغة العربيّة، يتبين أنّه لايوجد تعريف دقيق، ومحدد لهذه الكلمة، وهذا يُعطي دلالة واضحة على أن العرف له مدخل كبير في تحديد مفهوم هذه الكلمة، فكل ما عُدّ مالًا في العرف فهو داخل تحت مفهوم هذه الكلمة. ومن أجل ذلك قد تفاوتت عبارات أصحاب المعاجم عند تعريفهم للمال , فمرة يقولون في تعريفه: المال معروف (٢)، وأخرى يقولون: المال: ما ملكته من كلّ شيء (٣)، أو من جميع الأشياء (٤).

стр. 26

وبعضهم يعرّف المال بذكر أنواعه , قال ابن الأثير (١): "المال في الأصل: ما يُملك من الذهب، والفضة، ثمّ أطلق على كلّ ما يُقتنى، وُيملك من الأعيان، وأكثر ما يطلق المال عند العرب على الإبل , لأنّها كانت أكثر أموالهم" (٢). وقيل: "المال: كلّ ما يملكه الفرد، أو تملكه جماعة من متاع، أو عروض تجارة، أو عقار، أو نقود، أو حيوان , وجمعه أموال، وأطلق في الجاهلية على الإبل" (٣). هذا ما ذكره علماء اللُّغة، والذي يظهر أن تحديد مفهوم المال في اللُّغة إنّما هو راجع إلى عرف النَّاس في معاشهم بحسب ما يفهمون، ويألفون، والذي يدلُّ على ذلك ما يأتي؟ أوَّلًا: أن لفظة (مال) من الكلمات القديمة، والمشهورة في لغة العرب، فلا يعقل أن تترك كلّ هذه المدة دون أن يكون لها معنى، أو مفهوم واضح في حياة النَّاس، إذ المال قِوام الجماعة، وعصب حياتها. ثانيًا: أن لفظة (مال) قد تكررت في الكتاب والسُّنَّة عشرات المرات، ولم يأت من الشارع تحديد مفهوم لها , فعُلِمَ من ذلك أنّه تركها لعرف النَّاس، وفهمهم،

стр. 27

فكل ما عُدّ مالًا في العرف فهو مال، ولذا قال الفيومي (١) في المصباح المنير: "فقول الفقهاء: ما يتموّل. أي: ما يعدّ مالًا في العرف" (٢). والذي نأخذه من المعاجم اللغوية: أن المال: هو ما تملّكه الإنسان، وحازه بالفعل من كلّ شيء، وهذا الإطلاق يشمل العين، والمنفعة؛ فالأعيان نحو ما مثلوا به، كالذهب، والفضة، والحيوان، والنبات، وغير ذلك. والمنفعة: نحو الرُّكوب للدابة، واللبس للثوب، والسكنى للدار، وغير ذلك. وأمّا ما لايملكه الإنسان، ولم يدخل في حيازته بالفعل فلا يُعد مالًا في اللُّغة. الفرع الثّاني المال في الاصطلاح الشرعي اتّجه الفقهاء، في تعريفهم للمال، إلى اتجاهين مختلفين، وهذا الاختلاف مردّه إلى اختلافهم، في مالية المنافع، وعدم ماليتها. فأصحاب الاتجاه الأوّل: وهم جمهور الفقهاء، يرون أن المنافع أموال. وبناء على ذلك، فقد اشتملت تعريفاتهم للمال على المنفعة. وأمّا أصحاب الاتجاه الآخر: وهم الحنفية، فإنهم لايرون أن المنافع تُعد مالًا، وبالتالي لم يدخلوها في تعريفاتهم للمال. فيتحصل لنا ممّا سبق أنّه يوجد اصطلاحان للمال:

стр. 28

الاصطلاح الأوّل: اصطلاح الجمهور. الاصطلاح الآخر: اصطلاح الحنفية. وسوف أذكر أوَّلًا تعريف الحنفية للمال، ثمّ أعقبه بتعريف الجمهور على النحو التالي: أوَّلًا: تعريف المال اصطلاح الحنفية: يذكر الحنفية في مؤلفاتهم تعريفات كثيرة للمال، وهم وإن اتفقوا فيما بينهم على فهم حقيقة المال، وتحديد ذلك المفهوم عندهم، إِلَّا أنّهم اختلفوا في التعبير عن ذلك؛ فجاءت عباراتهم متنوعة، وما ذلك إِلَّا طمعًا في الوصول إلى تعريف دقيق لمفهوم المال في الاصطلاح الشرعي. وأكثر من تعرض لتعريف المال هو ابن نجيم (١)، حيث نقل عدة تعريفات للمال عن كثير من علماء الحنفية المتقدمين. وسأسوق هذه التعريفات، وغيرها ممّا هو موجود في كتب الحنفية حتّى يتضح من خلالها مفهوم المال عندهم. فمن تلك التعريفات ما يلي: التعريف الأوّل: قالوا في تعريفه: (هو اسم لما هو مخلوق لإقامة مصالحنا به، ولكن باعتبار صفة

стр. 29

التمول والإحراز) (١). التعريف الثّاني: قالوا: (هو ما من شأنّه أن يدخر للانتفاع به وقت الحاجة) (٢). التعريف الثّالث: أن المال هو: "كلّ ما يتملكه النَّاس، من نقد، وعروض، وحيوان، وغير ذلك" (٣). وعقب على هذ"لتعريف ابن نجيم بقوله: "إِلَّا أن في عُرفنا يتبادر من اسم المال النقد، والعروض" (٤). التعريف الرّابع: أن المال هو: "ما يتمول، ويدخر للحاجة"، وسيأتي تعريف التمول. وعقب عليه ابن نجيم بقوله: "وهو خاص بالأعيان، فخرج تمليك النافع" (٥). التعريف الخامس: أن المال هو: "ما يميل إليه الطبع، ويمكن ادخاره لوقت الحاجة". وقد عقب صاحب هذا التعريف عليه بقوله: "والمالية إنّما تثبت بتمول النَّاس كافة، أو بتقوم البعض، والتقوم يثبت بها، وبإباحة الانتفاع له شرعًا. فما يكون مباح الانتفاع بدون

стр. 30

تمول النَّاس لايكون مالًا ,كحبة حنطة، وما يكون مالًا بين النَّاس، ولا يكون مباح الانتفاع، لا يكون متقومًا؛ كالخمر. وإذا عدم الأمران لم يثبت واحد منهما؛ كالدم" (١). اهـ. وقد نقل هذا التعريف ابن عابدين (٢) في حاشيته، وعلق عليه بقوله: "وأنّه خرج بالإدخار المنفعة، فهي ملك لا مال , لأنّ الملك ما من شأنّه أن يتصرف فيه بوصف الاختصاص" (٣). التعريف السّادس: أن المال هو: "اسم لغير الأدمي، خلق لمصالح الآدمي، وأمكن إحرازه، والتصرف فيه على وجه الاختيار" (٤). وقد عقب صاحب هذا التعريف عليه بقوله: "والعبد وان كان فيه معنى المالية، لكنه ليس بمال حقيقة، حتّى لايجوز قتله، وإهلاكه" (٥). وقد ذكلر ابن عابدين التعريف السابق، والتعقيب عليه في حاشيته، ثمّ عقب على ذلك كله بقوله: " قلتُ: وفيه نظر , لأنّ المال المنتفع به في التصرف على وجه الاختيار، والقتل، والإهلاك ليس بانتفاع، ولأن الانتفاع بالمال يعتبر في كلّ شيء بما

стр. 31

يصلح له، ولايجوز إهلاك شيء من المال بلا انتفاع أصلًا , كقتل الدابة بلا سبب موجب" (١). وهذا التعريف قد اختاره الشّيخ محمّد أبو زهرة (٢)، وقد علّق عليه بقوله: "وهذا التعريف كامل صحيح، وإن كان فيه نقص، فهو أنّه لم يشمل الإنسان المسترق، وهو نقص فيه كمال؛ لأنّ الإنسان لايعتبر مالًا في أصله، والمالية أمر عارض للعبيد، ويحسن رفعها ما استطاع الإنسان إلى ذلك سبيلًا، وهذا أمر مقرر في الإسلام" (٣). التعريف السابع: أن المال هو: "موجود يميل إليه الطبع، ويجرى فيه البذل، والمنع" (٤). وقد نقل ابن عابدين هذا التعريف في حاشيته، واختاره، وعلّق عليه بقوله: "فالأولى ما في الدرر من قوله: المال: موجود يميل إليه الطبع ... إلخ، فإنّه يخرج بالموجود: المنفعلة، فافهم، ولايرد أن المنفعة تملك بالإجارة، لأنّ ذلك تمليك لا بيع حقيقة، ولذا قالوا: إنَّ الإجارة بيع المنافع حكمًا أي: أن فيها حكم البيع، وهو التمليك لا حقيقته ... " (٥).

стр. 32

التعريف الثّامن: وهو تعريف مجلة الأحكام العدلية (١)، وقد جاء فيه أن المال هو: "ما يميل إليه الطبع، ويمكن ادخاره لوقت الحاجة، منقولًا كان، أو غير منقول" (٢). هذه مجمل التعريفات الّتي وقفت عليها في كتب الحنفية. وهذه التعريفات على الرغم من تنوعها، وكثرتها، لم تسلم من النقض من متأخري الحنفية، وقد اعتُرض عليها بما يأتي: أوَّلًا: أن طباع النَّاس تختلف في ميلها، وتناقضها , فلا تصلح أن تكون أساسًا، ولا مقياسًا لتمييز المال من غير المال. ثانيًا: أن من المال أنواعًا لا يمكن ادخارها؛ كالخضراوات، والثمار الطازجة مع أنّها أموال مهمة بين النَّاس. ثالثًا: أن من الأموال ما تعافه النفس، ولا يميل إليه الطبع , كالأدوية الكريهة، وهي أموال ثمينة لا يشملها التعريف (٣). ولما كانت هذه التعريفات لا تعبر عن حقيقة المال في الذهب الحنفي فقد حاول بعض الباحثين المعاصرين تعريف المال تعريفًا سليمًا خاليًا من الاعتراضات السابقة؛

стр. 33

فعرّف المال في نظر فقهاء المذهب الحنفي بأنّه: "كلّ عين ذات قيمة مادية بين النَّاس" (١). وعرّفه بعضهم بقوله: "ما يمكن حيازته، وإحرازه، والانتفاع به انتفاعًا معتادًا (٢). من خلال تعريفات الحنفية السابقة للمال يلحظ أنّهم يشترطون لتحقق مالية الشيء أمرين: الأمر الأوّل: أن يكون هذا الشيء ماديًا يمكن إحرازه، وحيازته. وعليه، فلا تكون المنافع، والديون، والحقوق المحضة مثل حق التعلي (٣)، والشُّفعَةِ (٤)، ونحوها، لا تكون أموالًا، كذلك الأمور المعنوية , كالشرف، والذكاء، والصحة، لا تكون أموالًا. ولا يشترط كذلك أن يكون الشيء مملوكًا بالفعل حتّى يكون مالًا، بل يكفي إمكان تملُّكه، وحيازته. وعليه، فالصَّيد في الفلاة، والطير في السَّماء يعتبر مالًا؛ لإمكان إحرازه، وتملكه. الأمر الآخر: أن يكون هذا الشيء منتفعًا به، ويكون هذا الانتفاع معتادًا.

стр. 34

وعليه، فالطعام الفاسد، ولحم الميِّتة، ليسا بمالٍ؛ لأنّه لا ينتفعٍ بهما أصلًا. وحبة القمح، وقطرة الماء ليستا بمال , لأنّهما لا ينتفع بهما انتفاعًا معتادًا. والمراد بالانتفاع هنا: هو الانتفاع الشروع في حالة السعة، والاختيار، دون حالة الضّرورة، فجواز الانتفاع بلحم الميِّتة في حال الضّرورة لا يجعل منه مالًا. وليس المقصود بالانتفاع هنا انتفاع النَّاس كافة. بل يكفي انتفاع بعضهم. وعليه، فلا تزول مالية الشيء إِلَّا إذا ترك النَّاس كلهم تموُّله، ولم تكن له منفعة أصلًا، أمّا إذا ترك بعض النَّاس تموله، وبقي منتفعًا به عند بعضهم فلا تزول ماليته كالملابس القديمة الّتي يستعملها بعض النَّاس دون البعض الآخر" (١). ثانيًا: المال في اصطلاح الجمهور: تقدّم معنا أن اختلاف الجمهور مع الحنفية في تعريف المال في الاصطلاح راجع إلى أن الحنفية لا يرون مالية المنافع، بخلاف الجمهور، الّذي يرى أن المنافع أموال. وعليه، فإن تعريف الجمهور للمال سيكون أوسع من تعريف الحنفية، حيث يشتمل على المنافع، بل تتسع دائرة الأموال عند الجمهور لتشمل ما يُعرف في هذا العصر بالحقوق المعنوية. وسأذكر جملة من تعربفات الجمهور للمال ثمّ أذكر التعريف المختار. أوَّلًا: المال عند المالكية: التعريف الأوّل: عرّفه ابن عبد البرّ (٢) بقوله: "المعروف من كلام العرب: أن كلّ

стр. 35

تُمول، وتملك فهو مال" (١). ثمّ ذكر في موضع آخر تعريف المال فقال: "والعلّم محيط، واللسان شاهد في أن ما تملك، وتمول يسمى مالًا" (٢). وعلى هذا، فتعريف المال عند ابن عبد البر هو: "كلّ ما تُمول، وتُملك". فقوله: "كلّ ما تُمُوِّل، وتملك"، يشمل الأعيان، والمنافع. التعريف الثّاني: عرّفه الشاطبي (٣) بأنّه: "ما يقع عليه الملك، ويستبد به المالك عن غيره إذا أخذه من وجهه" (٤). فقوله: "ما يقع عليه الملك". حيث انطلق في تعريفه من كون المال محلًا للملك، والملك في حقيقته اختصاص المالك بهذا الشيء، بحيث يكون له الانتفاع، والتصرف فيه بكل أنواع الانتفاع، والتصرف، والاختصاص لايتعلّق إِلَّا بماله قيمة مادية بين النَّاس، وإلا فلا معنى للاختصاص به، وعلى هذا فيكون قوله: "ويستبد به المالك

стр. 36

عن غيره" مجرد زيادة للتوضيح، والبيان , لأنّ الملك - كما سبق - يقتضي الاختصاص، والاستبداد بالشيء. وقوله: "إذا أخذه من وجهه"، الراد به هو التملك المشروع. ويستفاد من تعريف الشاطبي شمول المال للعين، والمنفعة , وذلك من قوله: "ما يقع عليه الملك"، فإن كلمة (ما) جنس في التعريف، فهي تشمل العين، والمنفعة، وكذلك فإن المنفعة تمليك، ويقع عليها الملك، فلا خلاف في أنّها تكون محلًا للملك كما سبق (١). التعريف الثّالث: عرّفه بعض المالكية بقوله: "هو كلّ ما مُلك شرعًا، ولو قلَّ" (٢). وبمثل هذا التعريف عرَّفه الدردير (٣) بقوله: "كلّ ما يملك شرعًا ولو قل" (٤).

стр. 37

وهذه التعريفات تدل على شمول مفهوم المال للعين، والمنفعة عند المالكية (١)، حيث إنَّ المنفعة تملك شرعًا، فتكون محلًا للملك، كما في الإجارة، وهذا القدر متفق عليه بين الفقهاء، كما سبق بيانه. ثانيًا: المال عند الشّافعيّة: عرّف الشّافعيّة المال بتعريفات عديدة منها: التعريف الأوّل: ما نقل عن الإمام الشّافعيّ أنّه عرّف المال بأنّه "ما له قيمة يباع بها، وتلزم متلفه، وإن قلّت" (٢). ويتضح هذا التعريف عند التعليق على التعريف التالي: التعريف الثّاني: عرّفه النووي (٣) بقوله: "كلّ ما يتموّل وإن قلّ" (٤). وقد بين الإمام الشربيني (٥) هذا التعريف بقوله: "وهو كما قال الإمام: ما يسدّ مسدًا، أو يقع موقفًا من جلب نفع، أو دفع ضرر" (٦).

стр. 38

وهذا هو معنى قول الإمام الشّافعيّ السابق: "ما له قيمة". أمّا قوله: "يتموّل" فقد صردت هذه الكلمة كثيرًا فيما مرّ معنا من تعريفات، وقد نقل الإمام السيوطيّ (١) ضابطًا لهذه الكلمة عن الإمام الشّافعيّ؛ قال: "وأمّا المتموَّل فذكر الإمام له في باب اللقطة ضابطين: أحدهما: أن كلّ ما يقدر له أثر في النفع فهو متمول، وكل ما لا يظهر له أثر في الانتفاع فهو لقلته خارج عن المتمول. الآخر: أن المتمول هو الّذي يعرض له قيمة عند غلاء الأسعار، والخارج عن المتمول: هو الّذي لا يعرض فيه ذلك" (٢). التعريف الثّالث: عرّفه الزركشي (٣)، فقال: "المال: ما كان منتفعًا به، أو: مستعدًا لأنّ ينتفع به".

стр. 39

ثمّ قال: "وهو إمّا أعيان، أو منافع، والأعيان قسمان: جماد، وحيوان؛ فالجماد مال في كلّ أحواله، والحيوان ينقسم إلى ما ليس له بنية صالحة للانتفاع، فلا يكون مالًا، كالذباب، والبعوض، والخنافس، والحشرات. وإلى ما له بنية صالحة. وهذا ينقسم إلى: ما جبلت طبيعته على الشر، والإيذاء , كالأسد، والذئب، فليست مالًا، وإلى ما جبلت طبيعته على الاستسلام، والانقياد , كالبهائم، والمواشي فهي أموال. والسر فيه: أن استعمال الجمادات ممكن على سبيل القهر , إذ ليس لها قدرة، ولا إرادة يتصور منها الامتناع، وأمّا الحيوان فهو مختار في الفعل، فلا يتصور استعمالها إِلَّا بمساعدة منها، فإذا كانت مجبولة على طبيعة الاستسلام أمكن استعمالها، واستسخارها في المقاصد، بخلاف ما طبيعته الشر والإيذاء، فإنها تمتنع، وتستعصي، وتنتهي إلى ضد غرض المستعمل، ولهذا إذا صالت تلك الحيوانات التحقت بالمؤذيات طبعًا، في الإهدار" (١). ممّا سبق من تعريفات عند الشّافعيّة، يتبين لنا أن المالية قائمة بالمنافع، كما هي قائمة بالأعيان، وقد نصّ كثير من الشّافعيّة على ذلك (٢). ثالثًا: تعريف المال عند الحنابلة: عرّف الحنابلة المال بتعريفات كثيرة منها: التعريف الأوّل: عرّفه ابن قدامة (٣) بقوله: "هو ما فيه منفعة مباحة لغير ضرورة" (٤).

стр. 40

فخرج بقوله "منفعة": ما لا نفع فيه، كالحشرات. وبقوله "مباحة": ما فيه منفعة محرّمة , كالخمر، والخنزير، ونحوهما. وبقوله: "لغير ضرورة": ما فيه منفعة مباحة للضرورة , كالكلب (١). التعريف الثّاني: عرّفه بعضهم بقوله: "وهو ما يباح نفعه مطلقًا، أو اقتناؤه بلا حاجة" (٢). وهو قريب من التعريف الأوّل، وسبق بيان مفرداته. التعريف الثّالث: عرّفه بعضهم بقوله:"هو ما فيه منفعة مباحة لغير حاجة، أو ضرورة" (٣) وجاء في شرح التعريف: "فخرج ما لا نفع فيه أصلًا كالحشرات، وما فيه منفعة محرّمة كالخمر، وما فيه منفعة مباحة للحاجة كالكلب، وما فيه منفعة تباح للضرورة كالميِّتة في حال المخمصة، وخمر لدفع لقمة غص بها". ثمّ قال: "تنبيه" ظاهر كلامه هنا كغيره: أن النفع لا يصح بيعه، مع أنّه ذكَر في حدّ البيع صحته، فكان ينبغي أن
следующие страницы →