← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 1405

أخذ المال على أعمال القرب

عادل شاهين

Полный текст (816 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

عن غيره" مجرد زيادة للتوضيح، والبيان , لأنّ الملك - كما سبق - يقتضي الاختصاص، والاستبداد بالشيء. وقوله: "إذا أخذه من وجهه"، الراد به هو التملك المشروع. ويستفاد من تعريف الشاطبي شمول المال للعين، والمنفعة , وذلك من قوله: "ما يقع عليه الملك"، فإن كلمة (ما) جنس في التعريف، فهي تشمل العين، والمنفعة، وكذلك فإن المنفعة تمليك، ويقع عليها الملك، فلا خلاف في أنّها تكون محلًا للملك كما سبق (١). التعريف الثّالث: عرّفه بعض المالكية بقوله: "هو كلّ ما مُلك شرعًا، ولو قلَّ" (٢). وبمثل هذا التعريف عرَّفه الدردير (٣) بقوله: "كلّ ما يملك شرعًا ولو قل" (٤).

стр. 37

وهذه التعريفات تدل على شمول مفهوم المال للعين، والمنفعة عند المالكية (١)، حيث إنَّ المنفعة تملك شرعًا، فتكون محلًا للملك، كما في الإجارة، وهذا القدر متفق عليه بين الفقهاء، كما سبق بيانه. ثانيًا: المال عند الشّافعيّة: عرّف الشّافعيّة المال بتعريفات عديدة منها: التعريف الأوّل: ما نقل عن الإمام الشّافعيّ أنّه عرّف المال بأنّه "ما له قيمة يباع بها، وتلزم متلفه، وإن قلّت" (٢). ويتضح هذا التعريف عند التعليق على التعريف التالي: التعريف الثّاني: عرّفه النووي (٣) بقوله: "كلّ ما يتموّل وإن قلّ" (٤). وقد بين الإمام الشربيني (٥) هذا التعريف بقوله: "وهو كما قال الإمام: ما يسدّ مسدًا، أو يقع موقفًا من جلب نفع، أو دفع ضرر" (٦).

стр. 38

وهذا هو معنى قول الإمام الشّافعيّ السابق: "ما له قيمة". أمّا قوله: "يتموّل" فقد صردت هذه الكلمة كثيرًا فيما مرّ معنا من تعريفات، وقد نقل الإمام السيوطيّ (١) ضابطًا لهذه الكلمة عن الإمام الشّافعيّ؛ قال: "وأمّا المتموَّل فذكر الإمام له في باب اللقطة ضابطين: أحدهما: أن كلّ ما يقدر له أثر في النفع فهو متمول، وكل ما لا يظهر له أثر في الانتفاع فهو لقلته خارج عن المتمول. الآخر: أن المتمول هو الّذي يعرض له قيمة عند غلاء الأسعار، والخارج عن المتمول: هو الّذي لا يعرض فيه ذلك" (٢). التعريف الثّالث: عرّفه الزركشي (٣)، فقال: "المال: ما كان منتفعًا به، أو: مستعدًا لأنّ ينتفع به".

стр. 39

ثمّ قال: "وهو إمّا أعيان، أو منافع، والأعيان قسمان: جماد، وحيوان؛ فالجماد مال في كلّ أحواله، والحيوان ينقسم إلى ما ليس له بنية صالحة للانتفاع، فلا يكون مالًا، كالذباب، والبعوض، والخنافس، والحشرات. وإلى ما له بنية صالحة. وهذا ينقسم إلى: ما جبلت طبيعته على الشر، والإيذاء , كالأسد، والذئب، فليست مالًا، وإلى ما جبلت طبيعته على الاستسلام، والانقياد , كالبهائم، والمواشي فهي أموال. والسر فيه: أن استعمال الجمادات ممكن على سبيل القهر , إذ ليس لها قدرة، ولا إرادة يتصور منها الامتناع، وأمّا الحيوان فهو مختار في الفعل، فلا يتصور استعمالها إِلَّا بمساعدة منها، فإذا كانت مجبولة على طبيعة الاستسلام أمكن استعمالها، واستسخارها في المقاصد، بخلاف ما طبيعته الشر والإيذاء، فإنها تمتنع، وتستعصي، وتنتهي إلى ضد غرض المستعمل، ولهذا إذا صالت تلك الحيوانات التحقت بالمؤذيات طبعًا، في الإهدار" (١). ممّا سبق من تعريفات عند الشّافعيّة، يتبين لنا أن المالية قائمة بالمنافع، كما هي قائمة بالأعيان، وقد نصّ كثير من الشّافعيّة على ذلك (٢). ثالثًا: تعريف المال عند الحنابلة: عرّف الحنابلة المال بتعريفات كثيرة منها: التعريف الأوّل: عرّفه ابن قدامة (٣) بقوله: "هو ما فيه منفعة مباحة لغير ضرورة" (٤).

стр. 40

فخرج بقوله "منفعة": ما لا نفع فيه، كالحشرات. وبقوله "مباحة": ما فيه منفعة محرّمة , كالخمر، والخنزير، ونحوهما. وبقوله: "لغير ضرورة": ما فيه منفعة مباحة للضرورة , كالكلب (١). التعريف الثّاني: عرّفه بعضهم بقوله: "وهو ما يباح نفعه مطلقًا، أو اقتناؤه بلا حاجة" (٢). وهو قريب من التعريف الأوّل، وسبق بيان مفرداته. التعريف الثّالث: عرّفه بعضهم بقوله:"هو ما فيه منفعة مباحة لغير حاجة، أو ضرورة" (٣) وجاء في شرح التعريف: "فخرج ما لا نفع فيه أصلًا كالحشرات، وما فيه منفعة محرّمة كالخمر، وما فيه منفعة مباحة للحاجة كالكلب، وما فيه منفعة تباح للضرورة كالميِّتة في حال المخمصة، وخمر لدفع لقمة غص بها". ثمّ قال: "تنبيه" ظاهر كلامه هنا كغيره: أن النفع لا يصح بيعه، مع أنّه ذكَر في حدّ البيع صحته، فكان ينبغي أن

стр. 41

يقال هنا: كون المبيع مالًا، أو نفعًا مباحًا مطلقًا، أو يعرّف المال بما يعم الأعيان والمنافع" (١). وبالنظر في تعريفات الحنابلة السابقة يظهر أن الأمر كما قال صاحب الكشاف: أن هذه التعريفات لا توضح معنى المال عند الحنابلة؛ لعدم دخول المنافع فيها، وهي مال عندهم، فهي تعريفات غير جامعة. ومن مجمل تعريفات الجمهور السابقة للمال استخلص بعض الباحثين تعريفًا للمال بأنّه: "ما كان له قيمة مادية بين النَّاس، وجاز شرعاً الانتفاع به في حال السعة، والاختيار" (٢). وقد بيّن مراده بالتعريف فقال مبينًا مفرداته: - ما: جنس يشمل أي شيء سواء أكان عينًا أم منفعة، وسواء أكان شيئًا ماديًا أو معنويًا. - له قيمة مادية بين النَّاس: قيد لإخراج الأعيان، والمنافع الّتي لا قيمة لها بين النَّاس؛ كحبة قمح، أو قطرة ماء، وكمنفعة شم تفاحة. - وجاز شرعًا الانتفاع به: قيد لإخراج الأعيان، والمنافع الّتي لها قيمة بين النَّاس، ولكن الشّريعة أهدرت قيمتها، ومنعت الانتفاع بها , كالخمر، والخنزير، ولحم الميِّتة، ومنفعة آلات اللهو المحرمة. - في حال السعة والاختيار: قيد جيء به لبيان أن الراد بالانتفاع هو الانتفاع المشروع في حالة السعة والاختيار، دون حال الضّرورة، فجواز الانتفاع بلحم.

стр. 42

الميِّتة، أو الخّمْرِ، أو غيرهما من الأعيان المحرمة، لا يجعلها مالًا في نظر الشّريعة (١). وهذا التعريف متين وقوي، إِلَّا ما قد يردّ عليه في قوله: "قيمة مادية"، فإنّه قد يفهم منها إرادة الأعيان دون المنافع، ودون الأمور المعنوية , لأنّ كلمة: (مادية)، بالرجوع إلى معناها في اللُّغة نجد أنّها مشتقة من كلمة (مادة)، وهي لا تطلق إِلَّا على ما له جسم، ويشغل حيزًا من الفراغ (٢). وكذلك فإنّه في الاستعمال العربي يستعمل الشيء المادي في مقابلة الشيء المعنوي. وعليه، فكان عليه إطلاق القيمة دون تقييدها بالمادية، كما ورد في تعريف الإمام الشّافعيّ للمال - كما سبق - لتشمل أي قيمة، سواء أكانت قيمة مادية أم قيمة معنوية، وبهذا يتسع التعريف ليشمل كلّ الحقوق الّتي تكون محلًا للملك، سواء أكانت حقوقًا عينية، أم منافع، أم حقوقًا معنوية بكافة صورها، وأشكالها. وبناءً على ما ذكرته من تعريفات للمال عند الجمهور يتبين أن أساس المالية في نظرهم أمران: الأمر الأوّل: أن يكون الشيء له قيمة بين النَّاس مطلقًا، سواء أكان عينًا أم منفعة، أمّا إذا كان الشيء تافهًا لا قيمة له بين النَّاس , كحبة قمح، أو قطرة ماء، وغيرهما، كالحشرات، والهوام فإنّه لا يعدّ مالًا. الأمر الآخر: أنغ تكون القيمة ناتجة من الانتفاع بهذا الشيء انتفاعًا مشروعًا في حالة السعة والاختيار، فإن كان الشيء له قيمة بين النَّاس ولكن الشّريعة أهدرت

стр. 43

قيمته، ومنعت الانتفاع به كالخمر، والخنزير، ومنفعة آلات اللهو المحرمة فإنّه لا يعدّ مالًا، وكذا ما كان الانتفاع به في حال الضّرورة؛ كلحم الميِّتة، أو الخّمْرِ، ونحوهما للمضطر فإنها لا تعدّ مالًا. لأنّ الضّرورة تقدر بقدرها (١). ويلحظ كذلك أن الجمهور قد اتفقت كلمتهم على اعتبار المنافع أموالًا لإمكان حيازتها بحيازة أصلها، ولأنّها المقصودة من الأعيان، ولولاها ما طلبت، والطبع يميل إليها كذلك (٢). ومما لا شك فيه: أن تعريف الجمهور للمال هو الأولى بالأخذ والاعتبارة ذلك أن الأعيان لا تقصد الذاتها، بل لمنافعها، وعلى هذا أعراف النَّاس، ومعاملاتهم، وقد اعتبر الشّرع المنفعة مالًا، إذ جعلها مهرًا في النِّكاح. قال تعالى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ﴾ (٣)، فاشترط أن يكون المهر مالًا، فدل على كون المنفعة مالًا، ولولا ذلك لما جعلها مهرًا في النِّكاح (٤). وقد اعتبر الشارع المنفعة مالًا كما في عقد الإجارة، وإن كان للحنفية تأويل لذلك سبق بيانه، كما أننا نجد أن الحنفية يطلقون المال بما يشمل المنفعة في كثير من المواطن، ومن ذلك ما جاء في "بدائع الصنائع" في أكثر من موطن. ومن ذلك: ١ - جاء في بيان شرائط الموصى به، فذكر من شروطه ما نصه:

стр. 44

"وأمّا ما يرجع إلى الموصى به فأنواع منها أن يكون مالًا ... ومنها أن يكون مالًا متقومًا .... سواء" كان المال عينًا، أو منفعة عند عامة العلماء" (١). وقال في بيان حكم الوصيَّة: " .. أمّا الوصيَّة بالمال فحكمها ثبوت الملك في المال الموصى به للموصى له، والمال قد يكون عينًا، وقد يكون منفعة ..... " (٢). وهذا تصريح من الحنفية بأن المنفعة تكون مالًا. - كما أن الأخذ بمفهوم الجمهور للمال يسمح بتوسيع دائرة المال في هذا العصر لتشمل أشياء كثيرة لم تكن معروفة من قبل، مثل الأشياء المعنوية، وهي المعروفة بالحقوق الذهنية، وحقوق الابتكار، وهو ما سيأتي الكلام عليه من حيث حكم أخذ المال على هذه الحقوق - إن شاء الله تعالى -. - كما أن في إهدار المنافع، وعدم اعتبارها أموالًا، ضياعًا للحقوق، وتسليطًا للظلمة على منافع الأعيان الّتي يمتلكها غيرهم (٣). - وتظهر ثمرة الخلاف بين الحنفية والجمهور في مسائل منها: أوَّلًا: في باب الغصب: فمن غصب شيئًا، وانتفع به مدة، ثمّ ردّه إلى صاحبه، فعند الحنفية لا يضمن قيمة المنافع، إِلَّا إذا كان المغصوب عينًا موقوفة، أو مملوكة ليتيم، أو شيئًا معدًا للاستغلال، وهذا الاستثناء عند المتأخرين منهم فقط، وعند الجمهور يضمن قيمة المنافع؛ لأنّها أموال.

стр. 45

ثانيًا: في باب الإجارة: إذا استأجر شخص دارًا مدة معينة، ثمّ مات قبل انتهاء مدة الإجارة، فعند الحنفية: ينتهي العقد بموت المستأجر؛ لأنّ المنفعة ليست مالًا حتّى تورث، بينما الجمهور يقولون: إنَّ الورثة يحلون محل الميِّت حتّى تنتهي مدة الإجارة (١). بقيت كلمة فيما يتعلّق بمفهوم المال في الاصطلاح، وهي: أن الفقهاء، وإن اختلفوا في مالية المنافع، لكنهم متفقون على أنّها تكون محلًا للملك، فهم يقررون في كتاب الإجارة مثلًا - وقد سبق أن بينت ذلك -: أن المستأجر مالك لمنفعة العين المؤجرة، ويرددون ذلك في فروع كثيرة (٢).

стр. 46

المطلب الثّاني أنواع المال المأخوذ على القرب يتتبع كلام العلماء حول أنواع المال المأخوذ على أعمال القرب تبين أنّها في مجملها سبعة أنواع، وسيكون الحديث عنها في الفروع الآتية: الفرع الأوّل: الرزق، والعطاء، والفرق بينهما. الفرع الثّاني: الإجارة. الفرع الثّالث: الجعالة. الفرع الرّابع: الهِبَة، والفرق بينها، وبين الهدية، والصدقة. الفرع الخامس: الوقف. الفرع السّادس: الوصيَّة. الفرع السابع: الزَّكاة.

стр. 47

الفرع الأوّل الرزق، والعطاء، والفرق بينهما أوَّلًا: تعريف الرزق: ١ - الرزق في اللُّغة: - بكسر الراء -: ما ينتفع به، - وبفتحها -: العطاء أو العطاء الجاري. فالرِّزق: بالكسر مأخوذ من رَزَقَ، وهو: ما ينتفع به، والجمع أرزاق. والرَّزق: بالفتح: هو العطاء، أو العطاء الجاري. يقال: كم رزقك في الشهر؟: كم راتبك؟. يقال: رزَق الخلقَ رَزقًا ورِزقًا، فالرَّزق - بفتح الراء - هو المصدر الحقيقي، وبالكسر: الاسم. ويجوز أن يوضع موضع المصدر (١). والأرزاق نوعان: ظاهرة للأبدان , كالأقوات. وباطنة للقلوب، والنفوس؛ كالمعارف، والعلّوم. والرزق يقال للعطاء الجاري تارة، دنيويًا كان، أو أخرويًا، وللنصيب تارة، ولما يصل إلى الجوف، ويتغذى به تارة، يقال: أعطى السلطان رزق الجند، ورزقت علمًا (٢). ٢ - الرزق في الاصطلاح: عرّف العلماء الرزق بتعريفات عدة منها: التعريف الأوّل: "أنّه: ما يفرض في بيت المال بقدر الحاجة، والكفاية مشاهرة، أو مياومة (٣).

стр. 48

التعريف الثّاني: "أنّه: ما يجعل لفقراء المسلمين، إذا لم يكونوا مقاتلين" (١). التعريف الثّالث: "أنّه: ما يخرجه الإمام كلّ شهر للمرتزقة من بيت المال" (٢). التعريف الرّابع: "أنّه: هو ما يرتبه الإمام من بيت المال لمن يقوم بمصالح السلمين" (٣). التعريف المختار: التعريفات السابقة في مجملها متقاربة، وأرجحها هو التعريف الأخير لما يأتي: ١ - أنّه جمع كلّ القيود في التعريفات قبله , لأنّ الإمام يرتب الأرزاق حسب المصلحة، فإذا اقتضت المصلحة جعل الرزق يوميًا - جاز ذلك، أو شهريًا جاز، أو سنويًا جاز كذلك. ٢ - أن قوله: "لمن يقوم بمصالحع المسلمين" يشمل كلّ أنواع المرتزقة من قضاة، وجند، ومدرسين، ونحو ذلك، وهذا هو المراد بالبحث هنا، وهذا هو الرزق بمعناه الخاص عند الفقهاء، وهو الرزقال في يكون من بيت المال، وسيأتي الرزق بمعناه العام، وهو ما يأخذ من بيت المال، ومن غيره. ثانيًا: تعريف العطاء: ١ - العطاء في اللُّغة: هو التناول، واسم لما يعطى , فالعطاء مأخوذ من العطو، وهو: التناول، ومنه المعاطاة، وهي: المناولة: والعطاء والعطية: اسم لما يُعطى، والجمع: عطايا، وأعطية، وأُعطيات (٤).

стр. 49

٢ - العطاء في الاصطلاح: عرّفه العلماء بعدة تعريفات منها: التعريف الأوّل: أنّه: "ما يفرض في بيت المال، في كلّ سنة، لا بقدر الحاجة، بل بصبره، وعنائه في أمر الدِّين" (١). التعريف الثّاني: أنّه: "ما يخرجه الإمام في كلّ عام للمرتزقة من بيت المال" (٢). التعريف الثّالث: أنّه: "ما يفرض للمقاتل في بيت المال" (٣). وهذه التعريفات كذلك متقاربة في المعنى. ثالثًا: الفرق بين الرزق والعطاء: هناك من العلماء من فرق بين الرزق والعطاء، ومنهم من لم يفرق بينهما. فأمّا الذين فرقوا فقد فرقوا بينهما من ناحيتين: الناحية الأولى: التفريق بينهما من جهة الآخذ: وهؤلاء خصوا الرزق بما يعطى لفقراء المسلمين، وبعضهم خصه بمن يقوم بمصالح المسلمين، وأمّا العطاء فخصوه بالمقاتلة. الناحية الأخرى: التفريق بينهما من حيث الزمن: وهؤلاء فرقوا بين الرزق والعطاء من حيث الزمن، فجعلوا الرزق لما يكون كلّ شهر، أو كلّ يوم، والعطاء لما يكون في كلّ سنة. وهناك من العلماء من لم يفرق بين الرزق والعطاء، بل نجدهم في غالب استعمالاتهم لا يفرقون بينهما، فيطلقون الرزق على العطاء، والعطاء على الرزق (٤).

стр. 50

ومن ذلك: قول الماوردي (١): "وأمّا تقدير العطاء فمعتبر بالكفاية حتّى يستغني بها عن التماس مادة تقطعه عن حماية البيضة" (٢). وقال النووي: "يفرق الإمام الأرزاق في كلّ عام مرّة، ويجعل له وقتًا معلومًا لايختلف، وإذا رأى مصلحة أن يفرق مشاهره ونحوها فعل" (٣). وأصرح من ذلك ما ذكره صاحب تحرير المقال، حيث عرّف الرزق في اللُّغة بالعطاء، ثمّ عرّفه في الشّرع، فقال: "فعلم من هذا أن اسم الرزق في عرف الفقهاء لكل ما يجوز إخراجه من بيت المال، والمرتزق: كلّ من يرتبط به مصلحة" (٤). فظهر من ذلك أن العلماء في استعمالاتهم لا يفرقون بين الرزق والعطاء، بل يطلقون الرزق على كلّ ما يخرج من بيت المال للمستحقين، سواء كانوا من الجند، أم من القضاة، والمفتين، أم من غيرهم. رابعًا: إطلاق لفظ الرزق، هل هو خاص بما يؤخذ من بيت المال ؟: من المعلوم أن ما يُعطى على القرب الّتي تكون من مصالح المسلمين كالقضاء، والإفتاء، والإمامة، والأذان، ونحو ذلك، قد يكون من بيت المال، وقد يكون من

стр. 51

غيره من الجمعيات الخيرية، أو الأفراد، ونحو ذلك، فهل يطلق على ما يؤخذ من غير بيت المال على هذه الأعمال رزقًا، أم أن إطلاق لفظ الرزق خاص بما يؤخذ من بيت المال؟ الّذي يظهر من كلام العلماء، أن لفظ الرزق ليس خاصًا بما يؤخذ من بيت المال، فقد يكون من فرد، أو جهة بر، ونحو ذلك، إِلَّا أن الغالب أن الرزق يكون من بيت المال، وعلى هذا يحمل كلام من خصه ببيت المال من العلماء، وتقدمت تعريفاتهم للرزق، وأن - غالبها يدور حول ما يكون من بيت المال. إِلَّا أنّه توجد نصوص كثيرة عن العلماء تفيد عدم خصوصية ذلك ببيت المال، ومن ذلك: ١ - ما قاله ابن قدامة في المغني: "فإن لم يكن للقاضي رزق، فقال: لا أقضي بينكما حتّى تجعلا لي رزقًا عليه جاز، ويحتمل أن لا يجوز" (١). والشّاهد من الكلام واضح، وهو أن الرزق قد يكون من الخصمين. ٢ - ما قاله صاحب نهاية المحتاج (٢): "ويجوز للواحد من الرعية أن يرزقه من ماله" (٣). ٣ - ما قاله شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "أمّا ما يؤخذ من بيت المال فليس عوضًا وأجرة، بل رزق للإعانة على الطّاعة، فمن عمل منهم لله أثيب، وما يأخذه

стр. 52

فهو رزق للمعونة على الطّاعة، وكذلك المال الموقوف على أعمال البرّ، والموصى به كذلك، والمنذور كذلك ليس كالأجرة" (١). حيث جعل شيخ الإسلام ما يؤخذ من الأموال الموقوفة على أعمال البرّ، والموصى بها، والمنذورة، ونحوها رزقًا، وليس أجرة. فدل ذلك على أن إطلاق لفظ الرزق ليس خاصًا بما يؤخذ من بيت المال. وقد نقل الخلاف في ما يؤخذ من الوقف، واختار أنّه رزق؛ قال: "وما يأخذه الفقهاء من الوقف: هل هو إجارة، أو جعالة، أو كرزق من بيت المال؛ فيه أقوال ثالثها: المختار" (٢). أي: أن المختار فيما يؤخذ من ريع الوقف أنّه رزق، وليس بأجرة، ولا جعالة. وعليه، فما يؤخذ على أعمال البرّ، ومصالح المسلمين سواء كان من بيت المال، أو من غيره فهو رزق، وعلى هذا جرى اصطلاح الفقهاء. قال النووي: "وللإمام أن يرزق من مال نفسه، ويجوز للواحد من الرعية، وحينئذ لا حجر، فيرزق كم شاء، ومتى شاء" (٣). وقال في موضع آخر: "ولو رزق الإمام القاضي من مال نفسه، أو رزقه أهل ولايته أو واحد منهم .. لا يجوز له قبوله" (٤).

стр. 53

وقد استفاض في جواز أخذ الرزق من غير بيت المال، إذا تعذر ذلك من بيت المال، الماوردي في الحاوي حيث قال: "وإذا تعذر رزق القاضي من بيت المال، وأراد أن يرتزق من الخصوم، فإن لم يقطعه النظر عن اكتساب المادة، إمّا لغنائه بما يستجده، وإما لقلة المحاكمات الّتي لا تمنعه من الاكتساب لم يجز أن يرتزق من الخصوم، وإن كان يقطعه النظر عن اكتساب المادة مع صدق الحاجة جاز له الارتزاق منهم" (١). ثمّ ذكر لجواز الارتزاق من غير بيت المال ثمانية شروط، ثمّ قال: "فإن اجتمع أهل البلد مع إعواز بيت المال على أن يجعلوا للقاضي من أموالهم رزقًا دارًا جاز، وكان أولى من أن يأخذه من أعيان الخصوم (٢). فهذه نقول كثيرة وصريحة عن العلماء في أن الرزق ليس خاصًا بما يؤخذ من بيت المال، بل يجوز الارتزاق من غيره، وإن شددوا في ضوابط ذلك. وعليه، فسوف نعرّف الرزق بمعناه العام في المسألة التالية. خامسًا: تعريف الرزق بمعناه العام: بعد ما تقدّم من ذكر تعريفات الرزق، والعطاء، والفرق بينهما، وأنّه لا فرق بينهما في غالب استعمالات الفقهاء، وبعد بيان أن الرزق ليس خاصًا بما يؤخذ من بيت المال، بل قد يكون مصدره الإمام، أو الفرد، أو الجمعية الخيرية، ونحو ذلك من الهيئات الخيرية المختلفة، بعد كلّ ذلك يمكن تعريف الرزق بمفهومه العام بأنه: "ما يأخذه المسلم إعانة له على أعمال القرب الّتي يتعدى نفعها للمسلمين".

стр. 54

شرح التعريف: فقولنا: ما يأخذه المسلم: يشمل ما يأخذه المسلم سواء أكان ذلك من بيت المال، أوما ينوب منابه في هذا العصر على ما تقدّم بيانه، أم من أي جهة أخرى كالإمام، أو الفرد، أو الهيئات الخيرية المختلفة. وقولنا: المسلم: يخرج الكافر؛ لأنّه ليس من أهل الرزق، لأنّ الرزق يراعى فيه جانب الاحتساب، والتقرب إلى الله، لا المعاوضة، وحينئذ يكون ما يأخذه المسلم ليس عوضًا، بل إعانة على الطّاعة. والكافر مقصوده المعاوضة - لا غير -؛ لأنّه ليس من أهل القرب. وقولنا: إعانة له: يخرج ما كان على سبيل المعاوضة كالإجارة، والجعالة. وقولنا: على أعمال القرب: يخرج الأعمال الّتي ليست قربًا في نفسها؛ كالبناء، والخياط، ونحوهما. وهي الأعمال الّتي لا يختص المسلم بفعلها، بل يفعلها المسلم، والكافر. وقولنا: الّتي يتعدى نفعها للمسلمين: يخرج القرب الّتي لا يتعدى نفعها فاعلها؛ كصلاة الإنسان لنفسه، وحجه لنفسه، وصيامه لنفسه، وتطوعه لنفسه، ونحو ذلك.

стр. 55

الفرع الثّاني الإجارة نظرًا لأهمية الإجارة، وتعلّقها الشديد بمباحث الرسالة ولأن أخذ الأجرة على القربات ممّا جرى فيه الخلاف أكثر من غيره من أنواع المال، من أجل ذلك سوف أتكلم عنها بشيء من التفصيل وذلك في حدود ما يخدم مباحث هذه الرسالة - إن شاء الله تعالى - وذلك من خلال المسائل التالية وأقول وبالله التوفيق: المسألة الأولى: تعريف الإجارة: أوَّلًا: الإجارة في اللُّغة: هي العقد المعروف، وتطلق على الأجر: وهو الجزاءعلى العمل. فالإجارة: من أَجَرَ يأجر، وهو: ما أعطيت من أجر في عمل. والإجارة: اسم للأجرة، ثمّ اشتهرت في العقد. والأَجرة، والإِجارة، والأُجارة، والأَجارة: ما أعطيت من أجر. والأَجر: الجزاء على العمل، والجمع أجور. والأجر: الثّواب، وما يستحق على عمل الخير، ولذا يُدعى بها؛ يقال: أعظم الله أجرك (١). ثانيًا: الإجارة في الاصطلاح: عرّف العلماء الإجارة بتعريفات عديدة، لا تختلف فيما بينها كثيرًا، إِلَّا في بعض القيود الّتي يرى بعض العلماء أنّها ضرورية، فزادوها في التعريف، إِلَّا أن مفهوم

стр. 56

الإجارة واضح تمامًا عند العلماء، وهم متفقون على معظم قيودها، سواء ذكروها، أم لا. وسأذكر طرفًا منها، ثمّ أبين الراجح منها - إن شاء الله تعالى -. التعريف الأوّل: عرّف الحنفية الإجارة بعدة تعريفات منها "أنّها عقد على المنفعة بعوض" (١). التعريف الثّاني: عرفها بعضهم بأنّها "عقد على منفعة معلومة، بعوض معلوم، إلى مدة معلومة" (٢). التعريف الثّالث: عرفها المالكية بتعريفات كثيرة منها: "هي عقد معاوضة على تمليك منفعة بعوض" (٣). التعريف الرّابع: عرّفها المالكية كذلك بأنّها "عقد معاوضة على تمليك منفعة كائنة، أو مجعولة في نظير عوض أمدًا معلومًا، أو قدرًا معلومًا" (٤). التعريف الخامس: عرّفه"لشافعية بأنّها: "عقد على منفعة مقصودة معلومة قابلة للبذل، والإباحة بعوض معلوم" (٥). التعريف السّادس: عرّفها الحنابلة بأنّها: "عقد على منفعة مباحة معلومة، مدة معلومة، من عين معينة، أو موصوفة في الذِّمَّة، أو عمل معلوم بعوض معلوم" (٦). ولا تكاد تختلف عبارات الحنابلة كثيرًا في تعريفهم للإجارة.

стр. 57

التعريف المختار: والذي أراه راجحًا من هذه التعريفات هو تعريف الحنابلة؛ لما يأتي: أوَّلًا: أنّه بيّن حقيقة الإجارة، وميزها عن غيرها بأوضح عبارة. ثانيًا: أنّه جمع معظم القيود الّتي جاء ذكرها في بقية التعريفات، وزاد عليها ببيان حقيقة الإجارة بنوعيها. بقي من المناسب ذكر تعريف الأجرة، أو الأجر: عرّفها العلماء بأنّها: "هي العوض الّذي يدفعه المستأجر للمؤجر في مقابلة المنفعة الّتي يأخذها منه" (١). وقيل: "هي العوض الّذي يُعطى مقابل منفعة الأعيان، أو منفعة الآدمي" (٢). وهذه التعريفات هي المعنى الثّاني للإجارة حيث إنَّ لها معنيين، أو إطلاقين: الإطلاق الأوّل: أنّها تطلق على عقد الإجارة نفسه. والإطلاق الآخر: على الأجرة، أو العوض المأخوذ على المنفعة (٣). المسألة الثّانية: حكم الإجارة وأدلة مشروعيتها: اتفق جمهور الفقهاء من المتقدمين، والمتأخرين، على مشروعية الإجارة لا خلاف بينهم في ذلك، وقد شذّت طائفة من المتأخرين كالأصم (٤)،

стр. 58

وابن علية (١)، فقالا بعدم مشروعيتها - كلما حُكي عنهما -، وهذا شذوذ لا قيمة له، ولا يُعَدّ خرقًا للإجماع (٢). قال الموفق ابن قدامة: "الأصل في جواز الإجارة الكتاب والسُّنَّة والإجماع"، ثمّ قال: "وأجمع أهل العلم في كلّ عصر، وكل مصر على جواز الإجارة، إِلَّا ما يُحكى عن عبد الرّحمن بن الأصم أنّه قال: لا يجوز؛ لأنّه غرر ... " (٣). وقد دل على مشروعية الإجارة الكتاب، والسُّنَّة، والإجماع: أوَّلًا: أدلة مشروعية الإجارة من الكتاب: وردت كثير من آيات الكتاب تدل على مشروعية الإجارة نذكر بعضًا منها: ١ - قوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [الطّلاق: ٦]. قال الشّافعيّ ﵀ مبينًا وجه الاستدلال من هذه الآية: "فأجاز الإجارة على الرضاع، والرضاع يختلف لكثرة رضاع المولود، وقلته، وكثرة اللبن، وقلته، ولكن لما لم يوجد فيه إِلَّا هذا جازت الإجارة عليه، وإذا جازت عليه جازت على مثله، وما هو في معناه، وأحرى أن يكون أبين منه" (٤). ٢ - قوله تعالى: ﴿قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَاأَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ (٢٦) قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِنْدِكَ﴾ [القصص: ٢٦، ٢٧].

стр. 59

قال الشّافعيّ: "قد ذكر الله سبحانه تعالي أن نبيًا من أنبيائه أجر نفسه حججًا مسماة ملكه بها بضع امرأة، فدل على تجويز الإجارة، على أنّه لا بأس بها على الحجج، إنَّ كان على الحجج استأجره، وإن كان استأجره على غير حجج فهو تجويز الإجارة بكل حال" (١). قال القرطبي (٢) في تفسيره: "قوله تعالى: ﴿قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَاأَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ﴾ [القصص: ٢٦] دليل على أن الإجارة كانت عندهم مشروعة معلومة، وكذلك كانت في كلّ ملة، وهي من ضرورة الخليقة، ومصلحة الخلطة بين النَّاس، خلافًا للأصم حيث كان عن سماعها أصم" (٣). ثانيًا: الأدلة من السُّنَّة: دلت نصوص كثيرة من السُّنَّة القولية، والفعلية، والتقريرية على مشروعية الإجارة أذكر منها: ١ - عن عائشة ﵂ قالت: (استأجر رسول الله ﷺ ، وأبوبكر رجلًا من بني الدِّيل هاديًا خريتًا، هو على دين كفار قريش) (٤).

стр. 60

وجه الاستدلال: حيث دل هذا الحديث دلالة ظاهرة على مشروعية الإجارة، وهو من السُّنَّة الفعلية، حيث استأجر رسول الله ﷺ ، وأبويك ﵁ هذا الرَّجل ليدلُّهما على الطريق الموصلة إلى المدينة عندما هاجرا إليها. (٢) عن أبي هريرة ﵁ عن النّبيّ ﷺ قال: (قال الله تعالى: ثلاثة أنا خصمهم يوم القيامة: رجل أعطى بي ثمّ غدر، ورجل باع حرًا فأكل ثمنه، ورجل استأجر أجيرًا استوفى منه ولم يعطه أجره" (١). وجه الاستدلال: حيث جاء التهديد والوعيد لمن منع أجرة الأجير بعد استيفاء المنفعة منه، فلو لم تكن الإجارة جائزة لما جاء هذا التهديد، ولجاء النّهي عنها؛ لأنّ النّهي عن المنكر واجب، فدل على جواز الإجارة. ثالثًا: الإجماع: ممّا يقطع بمشروعية الإجارة إجماع الصّحابة، والتابعين، ومن بعدهم من فقهاء الأُمَّة المعتبرين - ومنهم الأئمة الأربعة - على مشروعية الإجارة ليس بينهم في ذلك خلاف، وقد نقل الإجماع جمع من أهل العلم منهم: ١ - قال الشّافعيّ: "الخبر وإجماع الفقهاء بإجازة الإجارة ثابت عندنا (٢). ٢ - قال ابن المنذر (٣): "وأجمعوا على أن اللإجارة ثابتة" (٤).

стр. 61

٣ - قال ابن قدامة: "أجمع أهل العلم في كلّ عصر، وفي كلّ مصر على جواز الإجارة" (١). وقد نقل الإجماع كثير من أهل العلم من كافة المذاهب، وفيما ذكرناه كفاية (٢). المسألة الثّالثة: أقسام الإجارة: قسم الفقهاء الإجارة إلى ضربين: الضرب اللأول: إجارة عين. الضرب الآخر: إجارة الذِّمَّة. الضرب الأوّل: إجارة العين: وهي الّتي يلتزم فيها الأجير بتسليم نفسه للمستأجر؛ ليعمل عنده مدة من الزمن، أو تسليم عين معينة بالرؤية، أو الإشارة، أو الصِّفَة، حتّى يتمكن المستأجر من استيفاء المنفعة، سواء من ذلك الشخص، أو من تلك العين. وهذا الضرب ينقسم إلى قسمين: القسم الأوّل: أن تكون على مدة معلومة؛ نحو: إجارة الدَّار شهرًا، أو الأرض عامًا، أو عبدًا للخدمة، أو الرعي مدة محددة، أو أن يستأجر رجلًا يبني معه يومًا، أو يخيط له شهرًا. ويسمى هذا الأجير بالأجير الخاص؛ وذلك لأنّ المستأجر يختص بمنفعته في مدة الإجارة لا يشاركه فيها غيره. القسم الآخر: إجارة العين على عمل معلوم، نحو: إجارة الدابة للرُّكوب من موضع كذا إلى موضع كذا، أو إجارة بقر لحرث مكان، أو دياس زرع، أو استئجار

стр. 62

عبد ليدلُّه على الطريق، ونحو ذلك. الضرب الآخر: إجارة الذِّمَّة: وهذا النوع خاص بالآدمي جائز التصرف؛ لأنّها عقد على منفعة في الذِّمَّة مضبوطة بصفات السلم (١). ويسمى الأجير فيها بالأجير المشترك. نحو الخيَّاط الّذي يتقبل لجماعة، وكذلك القصَّار (٢)، ومن في معناه، فتكون منفعته مشتركة بينهم (٣). المسألة الرّابعة: أركان عقد الإجارة: يختلف الفقهاء في عدد أركان عقد الإجارة؛ وذللث تبعًا لاختلافهم في مفهوم الركن، والخلاف في ذلك دائر بين الجمهور من جهة، وبين الأحناف من جهة. فالجمهور يرون: أن الركن هو ما "يتوقف عليه وجود الشيء، وإن لم يكن جزءًا من حقيقته". وبناء على ذلك كانت أركان عقد الإجارة ثلاثة على الإجمال، وستة على التفصيل (٤): الركن الأوّل: الصيغة، وتشمل الإيجاب، والقبول.

стр. 63

الركن الثّاني: العاقدان، وهما: المؤجر، والمستاجر. الركن الثّالث: العِوضان، وهما: الأجرة، والمنفعة. وعند الحنفية: أن الركن: هو "ما توقف عليه وجود الشيء، وكان داخلًا في الماهية". وعليه، فإن ماهية العقد عندهم، وحقيقته: هي الصيغة فقط. وهي ركن الإجارة الوحيد عندهم (١). وأمّا بقية الأركان الّتي ذكرها الجمهور، فهي عندهم شرط لتحقق الماهية، ومن أطراف العقد، ومقوماته. ورغم هذا الخلاف فإن الكل متفقون على أنّه لا قيام للعقد إِلَّا باجتماع ذلك كله، فآل الخلاف إلى خلاف لفظي، لا ثمرة له في الفروع - والله أعلم- (٢). ممّا سبق يتبين لنا أن من أركان عقد الإجارة: المنفعة، بل هي المقصودة أصلًا من الإجارة، وما عقدت الإجارة إِلَّا من أجلها. ونظرًا لأهميتها، وتعلّقها بمباحث الرسالة نذكر شروطها إجمالًا، ومن خلال تلك الشروط يتبين لنا شيء من سبب الخلاف فيما يتعلّق بأخذ المال على القرب المختلفة. وهذه الشروط هي: الشرط الأوّل: أن تكون المنفعة معلومة (٣). اشترط الفقهاء في المنفعة أن تكون معلومة علمًا يمنع المنازعة، ويرفع الخلاف؛

стр. 64

لأنّها المعقود عليها، فاشترط العلم بها كالثّمن في البيع. الشرط الثّاني: أن تكون المنفعة مباحة لغير ضرورة (١). بمعنى: أن تباح مطلقًا، بخلاف ما يباح للضرورة، كاستئجار أواني الذهب، أو استئجار الكلب، ونحوهما، فإن هذه الأشياء لا يجوز العقد عليها إِلَّا للضرورة. الشرط الثّالث: أن تكون المنافع مقدورة على تسليمها (٢). وهذا محل اتفاق بين العلماء؛ فما لا يقدرعلى تسليمه لا يجوز العقد عليه. الشرط الرّابع: ألَّا يترتب على استيفاء المنفعة استهلاك العين (٣). اشترط الجمهور في المنفعة عدم استهلاك العين، نحو استئجار الشمع للإضاءة، والصابون للغسل به؛ لأنّ هذه الأشياء لا ينتفع بها إِلَّا بإتلاف عينها. الشرط الخامس: أن تكون للمنافع قيمة مالية (٤). حتّى يتأتى بذل الأجرة في مقابلتها، فإن لم تكن لها قيمة مالية فلا يجوز العقد عليها. ومثال ذلك: الأعمال المحرمة كتعليم الموسيقى، والغناء، والعمل في مصانع الخمور، ونحو ذلك.

стр. 65

الشرط السّادس: أن تكون منفعة العمل حاصلة للمستأجر (١). اشترط الفقهاء لصحة عقد الإجارة أن تكون منفعة العمل حاصلة للمستأجر؛ لأنّها عوض الأجرة الّتي بذلها من أجل الحصول على المنفعة، فإن لم تكن حاصلة له كانت الإجارة باطلة، فإن كانت المنفعة راجعة للمؤجر، أو لغيرهما كانت الإجارة باطلة. وتكون كذلك في حالتين: الأولى: إذا كان العمل واجبًا على العامل. الأخرى: إذاكان العمل ليس واجبًا عليه، ولكنه لا يجزئ عن غيره، فلا يجوز لمسلم أن يصلّي الظهر بأجرة؛ لأنّ هذا العمل واجب عليه من الله تعالى فلا يستحق الأجرة عليه، وكذلك لا يجوز لأحد أن يستاجر من يصلّي عنه الظهر مثلًا؛ لأنّها عبادة بدنية لا تقبل النِّيابة، وكذلك جميع العبادات المتعينة. ومن هنا كان لهذ الشرط أثر كبير في اختلف العلماء في حكم أخذ المال على بعض القربات، وكان سبب الخلاف فيها وصول النفع إلى المستأجر أو عدم وصوله، وهذا ما سوف يكون محل البحث في مسائل هذه الرسالة- إن شاء الله تعالى-. وبعد أن ذكر الإمام النووي هذا الشرط قال: "وأكثر العناية في هذا الشرط بالقُرب" (٢).

стр. 66

مسألة: الفرق بين الرزق والإجارة: بعد بيان معنى الرزق، ومعنى الإجارة، من المهم أن أذكر الفرق بينهما، حيث إنَّ عليهما مدار البحث، ونجد غالبًا أن الرزق متفَق على جوازه، بخلاف الإجارة؛ فإنها محل خلاف في جلَّ ما يردّ معنا من مسائل. ومن الفروق الّتي ذكرها العلماء بين الرزق والإجارة ما يأتي:- أوَّلًا: أن الرزق أدخل قي باب الإحسان، وأبعد عن باب المعاوضة، والإجارة أدخل في باب المكايسة (١)، وأبعد من باب المسامحة، وإن كان كلّ منهما بذل مال بإزاء المنافع من الغير. ثانيًا: أن الأرزاق يجوز فيها الدفع، والقطع، والتقليل، والتكثير، والتغيير والإجارة لا يجوز فيها ذلك؛ لأنّها عقد، والوفاء بالعقود واجب. وأمّا الأرزاق فمعروف يصرف بحسب المصلحة. ثالثًا: أن الأجرة في الإجارات تُورث، ويستحقها الوارث، ويطالب بها، وأمّا الأرزاق فلا تورث، ولا يحق للوارث المطالبة بها؛ لأنّها معووف غير لازم لجهة معينة. رابعًا: أن الأرزاق يجوز نقلها من جهاتها إذا تعطلت، أو وجدت جهة أولى من الجهة الأولى، والإجارة لا يجوز فيها ذلك؛ لأنّها عقد، والوفاء به واجب (٢). خامسًا: أن الأرزاق لا يشترط فيها ما يشترط في عقد الإجارة من حيث المدة،

стр. 67

أو العمل المعين المعلوم. سادسًا: أن الرزق إذا أعطاه الإمامُ الشخصَ، وكان زائدًا عما يستحقه ذلك الشخص - سواء كان قد أعطاه غلطًا منه أو جورًا - فإن المعْطى لا يستحق ذلك الزائد، بل يبقى أمانة في يده، يجب ردّها إلى بيت المال، وللإمام نزعه منه، ولو كان إجارة، لم يجز للإمام انتزاع الزائد، وكان ملك المعطى ثابتًا عليها؛ لأنّ الإجارة تنعقد بأجرة المثل، وبأكثر منها، إذا كان الحال والاجتهاد اقتضى ذلك (١). سابعًا: أن الرزق يكون غالبًا مقدرًا بالكفاية، فيعطى العامل منه ما يكفيه وعياله، وأمّا الأجرة فتكون حسب التراضي بين الطرفين، لو زاد عن حد الكفاية، أو قلّ (٢).

стр. 68

الفرع الثّالث الجعالة أوَّلًا: الجعالة في اللُّغة: الجعالة مثلثة الجيم؛ يقال: جُعالة، وجِعالة، وجَعالة. والجُعْل، والجُعالة، والجِعالة، والجَعالة، والجَعيلة: ما يُجعل للإنسان على الأمر يفعله. وهي أعم من الأجرة، والثواب (١). ثانيًا: الجعالة اصطلاح الفقهاء: أ- الجعالة عند الحنفية: إذا نظرنا في كتب الحنفية لا نجد بابًا، ولا فصلًا لما يسمى بالجعالة، كما هو الحال عند باقي المذاهب، وبالتالي فإنهم لم يعرَّفوها، وإن عرفوها، فإنّما يرجع ذلك إلى عدم مشروعية الجعالة عندهم. فالبعض يرى أنّها من الإجارة الفاسدة، والبعض يرى أنّها من الإجارة الباطلة، إِلَّا أن ثمَّة حالة واحدة يوجب فيها الحنفية الجعالة استحسانًا، وسوف يأتي بيان ذلك: أمّا من جعل الجعالة من الإجارة الفاسدة فقد عللوا ذلك بما يأتي: ١ - أن العقد في الجعالة لم يوجه إلى معين يقبل العقد ليتحقق الإيجاب والقبول. ومن المعلوم أن العامل في عقد الجعالة قد يكون مجهولًا، وفي هذه الحالة ينتفي العقد؛ قال السرخسي (٢): "وهذا شيء يأباه القياس؛ لأنّ العقد مع المجهول لا ينعقد

стр. 69

وبدون القبول كذلك ... " (١). ٢ - أن في الجعالة تعليقًا للتملك على الخطر، وهو قمار، والقمار حرام؛ قال السرخسي: " .... ثمّ إنَّ هذا تعليق استحقاق المال بالخطر، وهو قمار، والقمار حرام في شريعتنا ... " (٢). وعدّها ابن عابدين من الإجارة الباطلة، حيث جُهل الطرف الثّاني، أو علم، ولكنه أمكنه أخذ الجعل دون القيام بعمل، فلو قال رجل ضل له شيء: من دلني على كذا فله كذا، قال ابن عابدين: "فهو على وجهين: إن قال ذلك على سبيل العموم بأن قال: من دلني، فالإجارة باطلة؛ لأنّ الدلالة، والإشارة ليست بعمل يستحق به الأجر، وإن قال على سبيل الخصوص: بأن قال لرجل بعينه: إنَّ دللتني على كذا فلك كذا، إنَّ مشى له فدله، فله أجر المثل للمشي لأجله؛ لأنّ ذلك عمل يستحق بعقد الإجارة، إِلَّا أنّه غير مقدر بقدر، فيجب أجر المثل، وإن دله بغير مشي فهو والأول سواء" (٣). فعلى هذا، إنَّ تعين العامل فهي فاسدة، وإلا فهي باطلة. وثمَّ حالة واحدة يوجب فيها الحنفية الجعالة كما سبق أن ذكرنا، وهي الجعالة الناتجة عن ردّ العبد الآبق؛ وذلك صيانة للمال من الضياع، ولاتفاق الصّحابة على ذلك، واستدلوا بما يأتي: ما روي من حديث سعيد بن المرزبان، عن أبي عمرو الشيباني؛ قال: كنت جالسًا عند عبد الله بن مسعود ﵁، فجاء رجل، فقال: إنَّ فلانًا قدم بإباق من القوم

стр. 70

فقال القوم: لقد أصاب أجرًا؛ فقال عبد الله بن مسعود: "وجعلًا، إن شاء من كلّ رأس أربعين درهمًا" (١). قال السرخسي معقبًا على هذا الأثر: "وفي هذا الحديث بيان أن الراد يثاب؛ لأنّ عبد الله بن مسعود ﵁ لم ينكر عليهم إطلاق القول بأنّه أصاب أجرًا، وفيه دليل على أنّه يستحق الجعل على مولاه، وهو استحسان أخذ به علماؤنا ﵏، وفي القياس لا جعل، ولكنا تركنا القياس؛ لاتفاق الصّحابة ﵃، فقد اتفقوا على وجوب الجعل، لأنّ ابن مسعود ﵁ قال في مجلسه ما قال، وقد اشتهر عنه ذلك لا محالة ولم ينكر عليه أحد من أقرانه، وقد عرض قوله عليهم لا محالة، والسكوت بعد ذلك عن إظهار الخلاف لايحل لمن يعتقد خلافه، فمن هذا الوجه يثبت الإجماع منهم، ثمّ هم اتفقوا على أصل وجوب الجعل، وإن اختلفوا في مقداره ... " (٢). غير أن ذلك ليس بمطّرد عند الحنفية، حيث لم يوجبوا الجعل في الحيوانات الضالة؛ لعدم تحقق الخطورة، ولذا قال الكاساني: "فكان استحقاق الجعل طريق صيانة الآبق عن الضياع، وصيانة المال عن الضياع واجب، فكان المالك شارطًا للأجر عند الأخذ والردّ دلالة، بخلاف الضالة؛ لأنّ الدابة إذا ضلت فإنها ترعى في

стр. 71

المراعي المألوفة، فيمكن الوصول إليها بالطلب عادة، فلا تضيع دون الأخذ، فلا حاجة إلى الصيانة بالجعل" (١). تنبيه: ذكر بعض الحنفية تعريفًا للجعل، فقال: "وحقيقة الجعل: ما يجعل للإنسان في مقابلة شيء يفعله" (٢). وهذا ليس تعريفًا اصطلاحيًا بالمعنى المعروف عند الفقهاء، وإنّما هو مفهوم الجعل في اللُّغة، وقد سبق ذكر ذلك. ب - الجعالة عند المالكية: عرّفها المالكية بأنّها: "عقد معاوضة على عمل آدمي بعوض غير ناشئ عن محله به، لا يجب إِلَّا بتمامه" (٣). وقيل: "هي الإجارة على منفعة مظنون حصولها" (٤). جـ - الجعالة عند الشّافعيّة: عرّفها الشّافعيّة بأنّها: "التزام عوض معلوم على عمل معين، أو مجهول، بمعين، أو مجهول" (٥). د - الجعالة عند الحنابلة: عرّف الحنابلة الجعالة بتعريفات كثيرة أجمعها ما ذكره صاحب الإقناع بقوله:

стр. 72

"هي جعل شيء معلوم كلأجرة، لمن يعمل له عملًا مباحًا، ولو مجهولًا على مدة، ولو مجهولة" (١). فهذه التعريفات السابقة كلها متقاربة في المعنى ليس بينها اختلاف، وتؤدي الغرض، وهو بيان حقيقة الجعالة، إِلَّا أن تعريف الحنابلة زاد قيدًا مهمًا، وهو تقييد العمل في الجعالة بكونه "مباحًا"، وبهذا القيد تخرج الجعالة على الأشياء المحرمة، أو الّتي يكون فيها العمل محرمًا. وزاد المالكية قيدًا، وهو قوله: "لايجب إِلَّا بتمامه"، فإن الجعل في الجعالة لا يجب على الجاعل إِلَّا بعد تمام العمل، فإن كان الفسخ من الجاعل قبل تمام العمل فللعمل أجرة المثل على عمله. مسألة: الفرق بين الإجارة والجعالة: ذكر العلماء فروقًا كثيرة بين الإجارة والجعالة، وهي: أوَّلًا: أن الإجارة عقد لازم بين الطرفين، والأجرة تجب على العاقد، شيئًا فشيئًا للعامل. وأمّا الجعالة فعقد جائز من الطرفين لكل منهما فسخه، والعوض لايجب إِلَّا بعد إنجاز العمل، إِلَّا إذا كان الفسخ من الجاعل بعد الشروع في العمل فللعمل أجرة مثل عمله (٢). ثانيًا: أن الجعالة تصح مع جهالة العمل، بخلاف الإجارة؛ فيجب فيها تعيين العمل (٣).

стр. 73

ثالثًا: أن الجعالة تصح مع العامل غير المعين، بينما الإجارة لا تصح إِلَّا مع تعيين العامل (١). رابعًا: لا يشترط في الجعالة تلفظ العامل بالقبول، بخلاف الإجارة، فإنها يشترط فيها قبول العامل؛ وذلك مقتضى لزوم عقد الإجارة (٢).

стр. 74

الفرع الرّابع الهِبَة وما في معناها أوَّلًا: تعريف الهِبَة: ١ - الهِبَة في اللُّغة: الهِبَة في اللُّغة: العطيّة الخالية من الأعواض والأغراض. يقال: وهَبَ له الشيء، يَهَبُه وهْبًا، ووَهَبًا، وهبة: أعطاه إياه بلا عوض. والهِبَة: أن تجعل مِلْكَكَ لغيرك بغير عوض (١). والإيهاب: قبول الهِبَة، والاستيهاب: سؤال الهِبَة. ورجل وهَّاب، ووهَّابة: كثير الهِبَة، والهاء للمبالغة (٢). ٢ - الهبة في الاصطلاح: عرّف العلماء الهِبَة بتعريفات كثيرة اتفقت معظمها على أن الهِبَة هي: "تمليك مال بلا عوض" (٣). وزاد بعض الحنفية، والشّافعيّة، والحنابلة "في الحياة" (٤). وذلك لإخراج الوصيَّة؛ لأنّها تمليك مال بلا عوض بعد الموت. وزاد بعض الشّافعيّة، وبعض الحنابلة "تطوعًا" (٥). ليخرج الواجب من الزَّكاة، والكفارة، ونحوهما.

стр. 75

وبناء على ما تقدّم يمكن تعريف الهِبَة بأنّها: "تمليك مالٍ بلا عوضٍ في الحياة تطوعًا". ثانيًا: الفرق بين الهِبَة والهدية والصدقة والعطية: يجمع هذه المصطلحات الأربعة أن كلًا منها: "تمليك بلا عوض". وقد فرق العلماء بينها، فقالوا: - إنَّ التمليك بلا عوض هبة، وتكون على سبيل المواصلة، والوداد. - فإن انضم إليه حمل الموهوب من مكان إلى مكان الموهوب له إعظامًا له، أو إكرامًا فهو: هدية. - وإن كان التمليك للمحتاج تقربًا إلى الله، طلبًا لثواب الآخرة فهو صدقة. - ويعمها جميعًا لفظ العطيّة. - وقد يراد بالعطية: "الهِبَة في مرض الموت" (١). قال الإمام النووي: "والتمليك المحض ثلاثة أنواع: الهِبَة، والهدية، وصدقة التطوع، وسبيل ضبطها أن نقول: التمليك لا بعوض: هبة، فإن انضم إليه حمل الموهوب من مكان إلى مكان الموهوب له إعظامًا له، أو إكرامًا، فهو هدية، وإن انضم إليه كون التمليك للمحتاج تقربًا إلى الله تعالى، وطلبًا لثواب الآخرة، فهو صدقة، فامتياز الهدية عن الهِبَة بالنقل والحمل من موضع إلى موضع، ومنه إهداء النَّعم إلى الحرم، ولذلك لايدخل لفظ الهدية في العقار بحال؛ فلا يقال: أهدى إليه دارًا، ولا أرضًا، وإنّما يطلق ذلك في المنقولات كالثياب، والعبيد، فحصل من هذا أن هذه الأنواع تفترق بالعموم والخصوص، فكل هدية وصدقة هبة، ولا تنعكس (٢).
следующие страницы →