← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 1405

أخذ المال على أعمال القرب

عادل شاهين

Полный текст (816 стр.). Показаны 666–705 · переход к 671.

стр. 666

حينئذ الأكل من الغلة (١)، أمّا المال الناض فيبقى على المنع ويمكن الاستدلال للمنع بما استدل به من منع مطلقًا وهم أصحاب القول الثّاني وستأتي أدلتهم إن شاء الله تعالي. ثالثًا: أدلة القول الخامس: لم أقف على دليل صريح لأصحاب هذا القول الذين أجازوا الأكل للوصي في السَّفر فقط، ويمكن الاستدلال لهم بما يأتي: أن السَّفر يحتاج إلى كلفة ومشقة ولا يتسنى إِلَّا بدابة ونحو ذلك ممّا يلزم المسافر، ومصلحة ذلك راجعة إلى اليتيم، فتكون النفقة في ماله (٢). مناقشة الاستدلال: يمكن مناقشة القولين الخامس والسّادس وما استدل لهم به بما يأتي: أوَّلًا: أن مرد هذين القولين إلى قول القائلين بالمنع مطلقًا، وأمّا ما ذكروه من الاستثناء وهو الإباحة في السَّفر، والإباحة في الأكل من الغلة، فهو خارج محل النزاع، وذلك؛ لأنّ الأكل في حالة السَّفر إنّما هو راجع إلى اليتيم؛ لأنّ السَّفر من أجل ماله ومصلحته، والوصي في هذه الحالة يكون نائبًا محضًا بدليل أنّهم قالوا: إنَّ الوصي إذا رجع من السَّفر رد الدابة التي سافر عليها والثياب الّتي لبسها، قال أبو يوسف ﵀: "لا يأكل الوصي من مال اليتيم إذا كان مقيمًا، وإذا أراد أن يخرج في تقاضي دين لهم وإلي ضياع لهم فله أن ينفق ويكتسي ويشتري دابة، فإذا رجع رد الثِّياب الّتي عليه، إنَّ كان بقي منها شيئًا ويرد الدابة" (٣).

стр. 667

وأمّا الأكل من الغلة فهو كأكل التّمر من الجذوع وشرب اللبن من الضرع أمر متعارف بين الخلق متسامح فيه (١)، فهو خارج عما نحن فيه. رابعًا: أدلة القول الرّابع: لم أقف على دليل أو تعليل لأصحاب هذا القول القائلين بجواز الأكل لوصي الأب دون غيره، ولا أعرف له وجه صحيح؛ لأنَّ الله تعالى لم يفرق بين وصي الأب ووصي الحاكم، وإنّما جاء الإطلاق في الآية فيشمل الجميع، وإنّما حصل التفريق بين الغني والفقير (٢)، على ما سيأتي بيانه إن شاء الله تعالى. خامسًا: أدلة القول الثّالث: استدل أصحاب هذا القول القائلون بجواز الأكل من مال اليتيم حتّى مع الغنى بما يأتي: قالوا: إنَّ الوصي يأكل وإن كان غنيًا قياسًا على العامل على الزَّكاة، وأمّا قوله تعالى: ﴿وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ﴾ [النِّساء: ٦]، فالأمر فيها بالتعفف محمول على الاستحباب (٣). مناقشة الاستدلال: يمكن مناقشة هذا الاستدلال بأن هذا قياس في مقابلة النص فلا يعتد به، فإن الآية قد جاء فيها الأمر صريحًا بالاستعفاف إنَّ كان غنيًا، والأمر المطلق يقتضي الوجوب ما لم يصرفه صارف ولا صارف له هنا إلى الاستحباب (٤).

стр. 668

سادسًا: أدلة القول الثّاني: استدل أصحاب هذا القول القائلون بالمنع مطلقًا بما يأتي: الدّليل الأوّل: قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾ [النِّساء: ١٠]. وجه الاستدلال: أن الله تعالى حرم أكل أموال اليتامى أشد التّحريم، ويستثنى من ذلك ما كان على سبيل الأجرة أو البيع اللذين أباحهما الله تعالى (١). مناقشة الاستدلال: يمكن مناقشة هذا الاستدلال بأن المحرم في الآية إنّما هو أكلها على وجه الظلم، أمّا الأكل على وجه المعروف فلا تدل الآية على المنع منه، بل جاء القرآن بجوازه. الدّليل الثّاني: قالوا: إنَّ جواز الأكل بالمعروف من مال اليتيم الوارد في قوله تعالى: ﴿فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ منسوخ، والناسخ له: ١ - قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ [النِّساء:٢٩]. وجه الاستدلال: أن الأكل بالمعروف من مال اليتيم ليس بتجارة فلا يجوز الأكل منه. ٢ - قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا ...﴾ [النِّساء: ١٠]. وجه الاستدلال: أن الله تعالى حرم الأكل من مال اليتيم أشد التّحريم، إِلَّا ما كان على سبيل

стр. 669

الإجارة أو البيع، وليس الأكل بالمعروف واحدًا منهما (١). مناقشة الاستدلال: ناقش الإمام ابن العربي دعوى النسخ هذه فقال: "أمّا من قال: إنّه منسوخ فهو بعيد، لا أرضاه؛ لأنَّ الله تعالى يقول: ﴿فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ وهو الجائز الحسن، وقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا﴾ فكيف ينسخ الظلم المعروف، بل هو تأكيد له في التجويز؛ لأنّه خارج عنه مغاير له، وإذا كان المباح غير المحظور لم يصح دعوى نسخ فيه" (٢). سابعًا: أدلة القول الأوّل: استدل أصحاب هذا القول القائلون بجواز الأكل للوصي الفقير دون الغني بأدلة من القرآن والسُّنَّة والآثار والمعقول: أ - أدلتهم من القرآن: قال تعالى: ﴿وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النِّساء: ٦]. وجه الاستدلال: حيث بين ما يحل للوصي من مال اليتيم فأمر الغني بالإمساك، وأباح للوصي الفقير أن يأكل من مال وليه بالمعروف (٣). مناقشة الاستدلال: نوقش الاستدلال بهذه الآية، بأن الأمر بالإمساك فيها أمر استحباب وليس أمر وجوب (٤).

стр. 670

الجواب عن المناقشة: من المقرر عند جمهور الأصوليين أن الأمر المطلق إنّما هو للوجوب وليس للاستحباب، ما لم يصرفه صارف إلى الاستحباب، ولم يذكر من صرفه للاستحباب دليلًا على ذلك، فبقي الأمر في الآية على أصله وهو الوجوب. ب - أدلتهم من السُّنَّة: عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، قال: جاء رجل إلى النّبيّ ﷺ فقال: إنِّي فقير ليس لي شيء، ولي يتيم له مال، فقال ﷺ : (كلّ من مال يتيمك، غير مسرفٍ، ولا مبادر ولا متأثل) (١). وجه الاستدلال: حيث أباح النّبيّ ﷺ للرجل الأكل من مال اليتيم، وذلك لفقره وحاجته، ونهاه عن الإسراف ومجاوزه قدر الحاجة على أي صفةٍ كانت المجاوزة. جـ - أدلتهم من الأثر: الدّليل الأوّل: ما روي عن عمر بن الخطّاب ﵁ قال: إنِّي أنزلت نفسي من مال الله بمنزلة والي اليتيم، إنَّ احتجت أخذت منه، فإذا أيسرت رددته، وإن استغنيت استعففت (٢).

стр. 671

الدّليل الثّاني: ما ورد عن عائشة ﵂ في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ قالت: أنزلت في والي اليتيم أن يصيب من ماله إذا كان محتاجًا بقدر ماله بالمعروف (١). د - الأدلة من المعقول: قالوا: إنَّ الوصي، قد تصرف في مال من لا تمكن مراجعته فجاز له الأخذ بغير إذنه كعامل الصدقات (٢). الترجيح: بعد ذكر الأقوال وما استدل به لكل قول، وما ورد على هذه الأدلة من مناقشات وما أجيب به عنها يتبين رجحان القول الأوّل القاضي بجواز أكل الوصي من مال اليتيم إذا كان فقيرًا، أمّا الوصي الغني فلا يحل له الأكل من مال اليتيم. وتعود أسباب الترجيح لما يأتي: أوَّلًا: قوة أدلة هذا القول حيث جاءت صريحة وواضحة ومعظمها أدلة نصية. ثانيًا: أن هذا القول هو الموافق لما جاء في القرآن والسُّنَّة حيث جاءت الآية في ذلك صريحة وواضحة في المنع من الأكل للغني، والإباحة للفقير. ثالثًا: أنّه أمكن مناقشة أدلة الأقوال الأخرى ممّا يضعف من دلالتها.

стр. 672

المطلب الثّاني ما يأكله الولي هل يكون على سبيل الإباحة أم القرض بناءً على القول الراجح في المسألة السابقة وهو أنّه يجوز للوصي الفقير الأكل من مال اليتيم، فهل ما يأكله هو على سبيل الإباحة بمعنى أنّه لا يلزمه عوض ذلك إذا أيسر؟ أم أن ما يأكله يكون على سبيل القرض فيلزمه العوض ورد البدل إذا أيسر؟ اختلف الفقهاء في حكم ذلك على قولين: القول الأوّل: أن ما يأكله الوصي من مال اليتيم إنّما هو على سبيل الإباحة لا القرض فلا يلزمه العوض إذا أيسر. وإلى هذا ذهب جمهور الفقهاء من الحنفية، وهو قول الإمام أبي حنيفة رحمه الله تعالى (١)، وبه قال المالكية (٢)، وهو الأظهر عند الشّافعيّة (٣)، وهو الصحيح من المذهب عند الحنابلة (٤). القول الثّاني: أن ما يأكله الوصي من مال اليتيم إنّما هو على سبيل القرض فيلزمه العوض إذا أيسر. وإلى هذا ذهب بعض الحنفية (٥)، وهو قول عند الشّافعيّة (٦)، ورواية عن الإمام

стр. 673

أحمد رحمه الله تعالى (١). الأدلة والمناقشة: أوَّلًا: أدلة القول الثّاني: استدل أصحاب هذا القول بأدلة من القرآن والأثر والمعقول: أ - دليلهم من القرآن: قوله تعالى: ﴿وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا﴾ [النِّساء:٦]. وجه الاستدلال: حيث أمر الله تعالى بالإشهاد على الأيتام عند دفع المال إليهم، فدل ذلك على أن ما يأكله الوصي بالمعروف من مال اليتيم، إنّما هو على سبيل القرض؛ لأنّ الحاجة إلى الإشهاد إنّما تكون عند الأخذ قرضًا ليأكل منه، ولو كان المال في يد الوصي أمانة لما كان هناك حاجة إلى الإشهاد (٢). مناقشة الاستدلال: نوقش هذا الاستدلال بما يأتي: أوَّلًا: أن المراد بالآية هو الإشهاد على دفع مال اليتيم الّذي تحت يد الوصي، وهو وإن كان أمانة إِلَّا أن الأمر بالإشهاد هنا جاء تنبيهًا على التحصين وزوالًا للتهم ثمّ إنَّ كلّ مال قبض على وجه الأمانة بإشهاد لا يبرأ منه إِلَّا بالإشهاد على دفعه ومال اليتيم عند الوصي أمانة، فلو ضاع قبل قوله، فإذا قال دفعتُ لم يقبل إِلَّا بالإشهاد؛ لأنَّ الضياع لا يمكنه إقامة البينة عليه وقت ضياعه، فلا يكلف ما لا سبيل إليه، والبينة يقدر أن يقيمها وقت الدفع فتفريطه فيها موجب عليه الضمان (٣).

стр. 674

ثانيًا: أن المراد بالآية هو الإشهاد على مقدار ما أنفقه الوصي على اليتيم حتّى إذا وقع خلاف أمكن إقامة البينة (١). ب - الدّليل من الأثر: ما روي عن عمر بن الخطّاب ﵁ أنّه قال: إنِّي أنزلت نفسي من مال الله بمنزلة والي اليتيم، إن احتجت أخذت منه فإذا أيسرت رددته، وإن استغنيت استعففت (٢). وجه الاستدلال: حيث دل قول عمر ﵁ على أن ما يأخذه الوصي من مال اليتيم إذا احتاج إلى ذلك إنّما هو على سبيل القرض بدليل قوله: "فإذا أيسرت رددته". مناقشة الاستدلال: ناقش الإمام القرطبي في تفسيره هذا الاستدلال فقال: "إجماع الأُمَّة على أن الإمام الناظر للمسلمين لا يجب عليه غرم ما أكل بالمعروف؛ لأنَّ الله تعالى قد فرض سهمه في مال الله، فلا حجة لهم في قول عمر (فإذا أيسرت قضيت) أن لو صح" (٣). جـ - الدّليل من المعقول: قالوا: إنَّ أكل الوصي من مال اليتيم، استباحة بالحاجة من مال غيره، فلزمه قضاؤه كالمضطر إلى طعام غيره (٤). مناقشة الاستدلال: نوقش هذا الاستدلال بأنّه قياس مع الفارق، فإن المضطر إلى طعام غيره يكون العوض واجبًا عليه في ذمته؛ ولأنّه لم يأكله عوضًا عن شيء والوصي بخلافه (٥).

стр. 675

ثانيا: أدلة القول الأوّل: استدل أصحاب هذا القول بأدلة من القرآن والسُّنَّة والأثر والمعقول: أ - دليلهم من القرآن: قوله تعالى: ﴿وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النِّساء: ٦]. وجه الاستدلال: أن الله تعالى قد أمر بالأكل بالمعروف من مال اليتيم، ولم يذكر العوض فأشبه سائر ما أمر بأكله (١). ب - دليلهم من السُّنَّة: عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: جاء رجل إلى النّبيّ ﷺ فقال: إنِّي فقير ليس لي شيء ولي يتيم له مال فقال ﷺ : (كلّ من مال يتيمك، غير مسرف، ولا مبادر، ولا متأثل) (٢). وجه الاستدلال: حيث أذن النّبيّ ﷺ للوصي الأكل من مال اليتيم ولم يذكر العوض، فدل ذلك على أن ما يأكله الوصي إنّما هو على سبيل الإباحة. جـ - دليلهم من الأثر الدّليل الأوّل: ما ورد عن عائشة أم المؤمنين ﵂ أنّها قالت في وصي اليتيم: يصيب من ماله إذا كان محتاجًا بقدر ماله بالمعروف (٣).

стр. 676

الدّليل الثّاني: عن القاسم بن محمَّد قال: جاء رجل إلى ابن عبّاس ﵄ فقال: إنَّ في حجري أموال يتامى، وهو يستأذنه أن يصيب منها، فقال ابن عبّاس ﵄: ألست تبغي ضالتها، قال: بلى. قال: ألست تهنأ جرباها؟ قال: بلى، قال: ألست تلوط حياضها؟ قال: بلى، قال: ألست تفرط عليها يوم وردها؟ قال: بلى، قال: فأصب من رسلها -يعني من لبنها- (١). وجه الاستدلال من الأثرين: حيث رخصت أم المؤمنين وكذلك ابن عبّاس ﵃ للوصي الأكل من مال اليتيم في مقابل عمله في ماله، فإذا كان الأكل عوض العمل، لم يجب على الوصي رد ما أخذ؛ لأنّه كالأجرة. د - الدّليل من المعقول: الدّليل الأوّل: أن ما يأكله الوصي إنّما هو عوض عمله فلم يلزمه بدله كالأجير والمضارب (٢). الدّليل الثّاني: أنّه لو وجب على الوصي القضاء إذا أيسر، لكان واجبًا في الذِّمَّة قبل اليسار، فإن اليسار ليس سببًا للوجوب، فإذا لم يجب السبب الّذي هو الأكل لم يجب بعده (٣).

стр. 677

الترجيح: بعد عرض الأدلة لكل قول، وذكر ما ورد عليها من مناقشات، يظهر رجحان القول الأوّل القائل بأن الوصي إنّما يأكل من مال اليتيم على سبيل الإباحة فلا يلزمه عوض إذا أيسر. ويعود ترجيح هذا القول لما يأتي: أوَّلًا: قوة ما استدل به أصحاب هذا القول حيث جاءت أدلتهم قوية خالية من المناقشات. ثانيًا: أن هذا القول جاء موافقًا لظاهر النصوص من القرآن والسُّنَّة، حيث دل القرآن بظاهره على جواز الأكل من مال اليتيم عند الحاجة على سبيل الإباحة، وذلك في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾، ولم تذكر الآية عوضًا عند اليسار، فدل ذلك على الإباحة. ثالثًا: أن أمكن مناقشة ما استدل به أصحاب القول الآخر من أدلة ممّا يضعف من دلالتها وحجيتها.

стр. 678

المطلب الثّالث أخذ الأجرة على الوصاية إذا طلب الوصي أجرةً على نظره وعمله في مال اليتيم، وقضاء حوائجه فهل يجوز له ذلك؟ اتفق الفقهاء رحمهم الله تعالى على أن الوصي إذا طلب أجرة على عمله في مال اليتيم، ورعايته له، فعلى الحاكم أو القاضي أن يفرض له أجرة على عمله ونظره في شئون اليتيم، بقدر أجرة مثل عمله وشغله. قال ابن نجيم: "الوصي إذا نصبه القاضي وعين له أجرًا بقدر أجرة مثله جاز" (١) وقال أبو الحسن التسولي (٢): "على القاضي أن يفرض للوصي أجرة على نظره بقدر شغله بالنظر في مال اليتيم، من تصرف في غلات أصوله، وشراء نفقته إذا طلب الوصي ذلك" (٣). وقال الشربيني: "وإن كان الناظر في أمر الطفل أجنبيًا فله أن يأخذ من مال الطفل قدر أجرة عمله" (٤). وقال البهوتي: "ويجوز أن يجعل الموصي أو الحاكم للوصي جعلًا" (٥).

стр. 679

وقال ابن حزم: "فإن أبي الوصي من النظر لليتيم، ولم يجد الحاكم من ينظر له حسبة، فليستأجر له وكيلًا ناظرًا، وهذا إنّما هو حظ اليتيم فهذا جائز بلا خلاف" (١). وقال ﵀: " ... لكن إنَّ احتاج استأجره له الحاكم بأجرة مثل عمله" (٢). وقد استدل الفقهاء لذلك بما يأتي: الدّليل الأوّل: قالوا: إنَّ الوصاية بمنزلة الوكالة، والوكالة يجوز أخذ الأجرة عليها فكذلك الوصاية (٣)، وعلى هذا فإنّه يجوز للوصي أخذ الأجرة كالوكيل. الدليل الثّاني: قالوا: إنَّ أخذ الأجرة على الوصاية، داخل في عموم أمره ﷺ بالمؤاجرة فتجوز (٤). الدّليل الثّالث: أن الوصي يجوز له أخذ الأجرة قياسًا على غيره من الإجراء، فإن الوصي يجوز أن يستأجر له الإجراء إذا كان اليتيم محتاجًا إلى ذلك بأجرة معلومة فكذلك يجوز للحاكم أو القاضي أن يستأجر الوصي بأجره معلومة كغيره من الإجراء (٥). الدّليل الرّابع: قالوا: إنَّ الأجرة على الوصاية إنّما هي في مقابلة العمل، والعمل حق للوصي فجاز أخذ الأجرة عليه (٦).

стр. 680

الفصل الثّاني أخذ المال على الولايات الشرعية وفيه أربعة مباحث: المبحث الأوّل: أخذ المال على الإمامة العظمى (نفقة الإمام) المبحث الثّاني: أخذ المال على القضاء والشهادة المبحث الثّالث: أخذ المال على الإفتاء المبحث الرّابع: أخذ المال على الحسبة (الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر)

стр. 681

المبحث الأوّل أخذ المال على الإمامة العظمى (نفقة الإمام) الإمامة العظمى (١) هي أجل منصب وأرفع ولاية بعد النبوة، وكان من نعم الله على هذه الأُمَّة، أن ندب لها زعيمًا، خلف به النبوة، وحاط به الملة، وفوض إليه السياسة، ليصدر التّدبير عن دين مشروع، وتجتمع الكلمة على رأي متبوع، فكانت الإمامة أصلًا عليه استقرت قواعد الملة، وانتظمت به مصالحع الأُمَّة (٢). وقد أجمعت الأُمَّة على وجوب عقد الإمامة، وأجمعوا كذلك على أن طاعة الإمام الواجب إمامته، فرض في كلّ أمر ما لم يكن معصية وأن القتال دونه فرض، وخدمته فيما أمر به واجبة، وأحكامه وأحكام من ولاّه نافذة، وعزل من عزل نافذ (٣).

стр. 682

والإمام هو العامل الأوّل في مصلحة المسلمين، ولذا فإن الفقهاء قد بينوا كلّ ما يتعلّق به من أحكام ومن ذلك ما يستحقه من نفقة لنفسه وعياله من بيت المال وبيان ذلك على النحو التالي: اتفق الصّحابة ﵃ ومن بعدهم من العلماء على أن الإمام تجب له النفقة لنفسه ولعياله ومن يمونه بالمعروف من بيت المال (١). قال الإمام السرخسي: "وتجب للإمام نفقته في بيت المال قدر ما يغنيه يفرض له ذلك" (٢). وقال الدردير: "وله: أي الإمام، النفقة من بيت المال على نفسه وعياله بالمعروف" (٣). وقال الإمام النوويّ: "وكذا الإمام يأخذ لنفسه ما يليق به من الخيل والغلمان والدار الواسعة" (٤). وقال الإمام البغوي: "يجوز للوالي أن يأخذ من بيت المال قدر كفايته من النفقة والكسوة لنفسه، ولمن يلزمه نفقته، يتخذ منه مسكنًا وخادمًا" (٥). وقد استدل الفقهاء على هذا الاتفاق بما يأتي:

стр. 683

الدّليل الأوّل: ما ورد عن المستورد بن شداد قال: سمعت النّبيّ ﷺ يقول: (من كان لنا عاملًا، فليكتسب زوجة، فإن لم يكن له خادم فليكتسب خادمًا، فإن لم يكن له مسكن فليكتسب مسكنًا) (٢). وجه الاستدلال: دلّ الحديث على أنّه يجوز للوالي أن يأخذ من بيت المال قدر كفايته من النفقة والكسوة لنفسه، ولمن يلزمه نفقته ويتخذ لنفسه منه مسكنًا وخادمًا (٣). الدّليل الثّاني: ما ورد عن عبد الله بن بريدة عن أبيه عن النّبيّ ﷺ قال: (من استعملناه على عمل فرزقناه رزقًا، فما أخذ بعد ذلك فهو غلول) (٤). وجه الاستدلال: دل الحديث على أنّه يجوز أخذ الرزق من بيت المال على أعمال الولاية والإمارة (٥). الدّليل الثّالث: ما ورد عن عائشة ﵂ قالت: لما استخلف أبو بكر الصديق ﵁ قال: لقد علم قومي أن حرفتي لم تكن تعجز عن مؤونة أهلي وشغلت بأمر المسلمين، فسيأكل آل أبي بكر من هذا المال واحترف للمسلمين فيه (٦).

стр. 684

وجه الاستدلال: دل قول الصديق ﵁ على أن من شغل بأمر المسلمين حقيق أن يأكل هو وعياله من بيت المال (١). وقال ابن التين (٢): "وفيه دليل على أن للعامل أن يأخذ من عرض المال الّذي يعمل فيه قدر حاجته، إذا لم يكن فوقه إمام يقطع له أجرة معلومة" (٣). الدّليل الرّابع: ما روى عن عمر ﵁ قال: إنِّي أنزلت مال الله تعالى مني بمنزلة مال اليتيم، إن استغنيت استعففت، وإن افتقرت أكلت بالمعروف (٤). وفي رواية لأثر عائشة ﵂ السابق: "فلما استخلف عمر ﵁ أكل هو وأهله من المال - أي مال المسلمين- واحترف في مال نفسه" (٥). وجه الاستدلال: دل فعل عمر ﵁ على أن الإمام يجوز له أخذ ما يحتاجه وعياله من بيت المال. الدّليل الخامس: اتفاق الصّحابة ﵃ على أنّه يفرض للإمام في بيت المال ما يكفيه وعياله بالمعروف (٦).

стр. 685

المبحث الثّاني أخذ المال على القضاء والشهادة وفيه مطلبان: المطلب الأوّل أخذ المال على القضاء وفيه أربع مسائل: المسألة الأوّل: ما يأخذه القاضي من مال على قضائه القضاء (١) من أجل الولايات الشرعية، وأرفعها مكانة، وأشدها خطرًا، وأعظمها أثرًا في المجتمع، وذلك لما يترتب عليه من حصول الاستقرار واستتباب الأمين وظهور العدل، وانحسار الظلم، وإنهاء الخصومة فيصبح النَّاس بذلك آمنين على أنفسهم وأعراضهم وأموالهم. وقد وفرت الشّريعة الغراء لهذا المنصب الرفيع، كلّ عوامل النجاح والاستقرار والثبات، بما يكفل للقاضي القيام بعمله على أحسن وجه. وقد اعتنى الفقهاء رحمهم الله تعالى بأحكام القضاء، كما بينوا آداب القاضي، ومن ذلك ما يأخذه القاضي من مال على منصب القضاء وهذا هو المراد بالبحث في

стр. 686

هذه المسألة، وتفصيل ذلك في الفروع التالية: الفرع الأوّل: أخذ الرزق على القضاء من بيت المال: تفاوتت أنظار الفقهاء في هذه المسألة فمنهم من أطلق جواز أخذ الرزق من بيت المال على القضاء سواء أكان القاضي غنيًا أم فقيرًا، تعين عليه القضاء أم لا، ومنهم من فرق بين الغني والفقير فمنع من الأخذ مع الغني وأجاز الأخذ مع الفقر، وعلى هذا فإن القاضي لا يخلو من حالتين: الحالة الأولى: إذا كان القاضي فقيرًا: في هذه الحالة اتفق الفقهاء رحمهم الله تعالى على أنّه يجوز للقاضي إنَّ كان فقيرًا محتاجًا أن يأخذ الرزق من بيت المال على قضائه، فيأخذ ما يكفيه وعياله، وأنّه ينبغي للإمام أن يوسع على القاضي وعلى عياله في ذلك (١). وعمدة هذا الاتفاق ما يأتي: الدّليل الأوّل: عن عائشة ﵂ قالت: لما استخلف أبو بكر الصديق ﵁ قال: لقد علم قومي أن حرفتي لم تكن تعجز عن مؤونة أهلي، وشغلت بأمر المسلمين، فسيأكل آل أبي بكر من هذا المال، واحترف للمسلمين فيه (٢).

стр. 687

وجه الاستدلال: دل الأثر على أن من شغل بأمر المسلماين فله أن يأكل هو وعياله من بيت المال ما يكفيهم بالمعروف، إنَّ لم تكن له كفاية في ماله؛ لأنّ الصديق ﵁ كان كاسب أهله فلما انقطع عن الكسب بسبب الخلافة لم تعد له كفاية فكانت كفايته في مال المسلمين والقاضي مثله لانقطاعه عن الكسب لنفسه وعياله بسبب القضاء والانشغال بأمر المسلمين فكانت كفايته في مالهم. الدّليل الثّاني: ما روي عن عمر ﵁ قال: إنِّي أنزلت مال الله تعالى مني بمنزلة مال اليتيم، إنَّ استغنيت استعففت، وإن افتقرت أكلت بالمعروف (١). وجه الاستدلال: يمكن توجيه الاستدلال بأنّه لما جاز للخليفة الارتزاق مع الحاجة، لانشغاله بأمر المسلمين، فكذلك القاضي. الدّليل الثّالث: قالوا: إنَّ القاضي قد فرغ نفسه لعمل المسلمين، فلا بد له من الكفاية ولا كفاية له، فكانت كفايته وكفاية عياله في بيت المال (٢). الدّليل الرّابع: قالوا: إنَّ القاضي محبوس بحق العامة، فكان عاجزًا عن الكسب، فلو لم يأخذ كفايته لنفسه وعياله ومن يمونهم من أهله وأعوانه احتاج أن يأخذ من أموال النَّاس فيأخذ الرشوة وذلك حرام (٣).

стр. 688

الحالة الأخرى: إذا كان القاضي غنيًا: إذا كان القاضي غنيًا غير محتاج للرزق من بيت المال فهل يجوز له في هذه الحالة الارتزاق من بيت المال أم لا؟ اختلف الفقهاء في ذلك على قولين: القول الأوّل: يجوز للقاضي أخذ الرزق من بيت المال وإن كان غنيًا. وإلى هذا ذهب الحنفية في الأصح (١)، والحنابلة في الصحيح من المذهب (٢)، وهو قول الظاهرية (٣). القول الثّاني: لا يجوز للقاضي أخذ الرزق من بيت المال إنَّ كان غنيًا، وإلى هذا ذهب بعض الحنفية (٤)، وبه قال المالكية (٥)، والشّافعيّة (٦)، وهو وجه عند الحنابلة (٧) وإليه مال ابن القيم رحمه الله تعالى (٨).

стр. 689

سبب الخلاف: بين الإمام ابن قيم الجوزية سبب الخلاف في هذه المسألة فقال رحمه الله تعالى: "أصل هذه المسألة عامل الزَّكاة وقيم اليتيم فإن الله تعالى أباح لعامل الزَّكاة جزأ منها فهو يأخذه مع الفقر والغنى ... وأمّا ناظر التيم فالله تعالى أمره بالاستعفاف مع الغنى وأباح له الأكل بالمعروف مع الفقر ... والحاكم (القاضي) فرع متردد بين أصلّين، عامل الزَّكاة وناظر اليتيم، فمن نظر إلى عموم الحاجة إليه وحصول الصلحة العامة به ألحقه بعامل الزَّكاة فيأخذ الرزق مع الغنى، كما يأخذه عامل الزَّكاة، ومن نظر إلى كونه راعيًا منتصبًا لمعاملة الرعية بالأحظ لهم ألحقه بولي اليتيم، إنَّ احتاج أخذ، وإن استغنى ترك" (١). الأدلة والمناقشة: أوَّلًا: أدلة القول الثّاني: استدل أصحاب هذا القول، القائلون بعدم جواز أخذ الرزق على القضاء من بيت المال مع الغنى بما يأتي: الدّليل الأوّل: إنَّ القضاء يختص فاعله أن يكون من أهل القربة فلم يجز أخذ الأجرة عليه كالصلاة (٢).

стр. 690

مناقشة الاستدلال: يمكن مناقشة هذا الدّليل بما يأتي: أن هذا الدّليل لا يصح إيراده هنا؛ لأنّه خاص بالمنع من الاستئجار على القضاء، وهذا لا خلاف فيه، وإنّما الكلام هنا عن الرزق، وهو جائز على أعمال القرب؛ لأنّه ليس من باب المعاوضة، إنّما هو من باب الإعانة على الطّاعة. الدّليل الثّاني: قالوا: إنَّ القاضي إنّما يأخذ الرزق من بيت المال لحاجته إليه، فإذا كان غنيًا، فلا حاجة له إلى أخذ الرزق، فلا يجوز (١). مناقشة الاستدلال: يمكن مناقشة هذا الدّليل بما يأتي: أن القاضي لا يأخذ الرزق لحاجته فقط وإنّما يأخذ؛ لأنّه حبس نفسه لمصلحة المسلمين، ولم يردّ نصّ يخص الرزق بالعامل الفقير فقط دون الغني، بل وردت كثير من الأدلة تدل على جواز أخذ العامل للرزق مطلقًا غنيًا كان أم فقيرًا، وستأتي هذه الأدلة مفصلة عند ذكر أدلة أصحاب القول الأوّل. الدّليل الثّالث: قالوا: إنَّ عدم أخذ الرزق إذا كان القاضي غنيًا، أبلغ في المهذَّبة وأدعى للنفوس إلى اعتقاد التعظيم والجلالة (٢). مناقشة الاستدلال: يمكن مناقشة هذا الدّليل بما يأتي:

стр. 691

أن القاضي إنّما يأخذ الرزق من بيت المال، وبيت المال جهة عامة وأمواله مصروفة في مصالحع المسلمين العامة، وهذا منها، فالأخذ منه لا يترتب عليه شيء ممّا ذكر في الدّليل، وإنّما قد يردّ ذلك إذا كان ما يأخذه القاضي من الخصوم وليس من بيت المال. الدّليل الرّابع: قالوا: إنَّ القاضي كولي اليتيم، لا يجوز له أخذ الرزق من بيت المال على القضاء، إِلَّا إذا كان فقيرًا، فالوصي يعمل في مال اليتيم كما أن القاضي يعمل للمسلمين، فكل منهما منتصبًا لمعاملة الرعية بالأحظ لهم، فإن احتاج أخذ وإن استغنى ترك (١). مناقشة الاستدلال: يمكن مناقشة هذا الدّليل بأن القاضي فرع متردد بين أصلّين، عامل الزَّكاة وناظر اليتيم، وإلحاقه بعامل الزَّكاة أولى لعموم الحاجة إلى القاضي وحصول المصلحة العامة به، وللأدلة الدالة على جواز الرزق مع الغني وستأتي عند ذكر أدلة القول الأوّل. ثانيًا: أدلة القول الأوّل: استدل أصحاب هذا القول بأدلة كثيرة من السُّنَّة والأثر والمعقول. أ - أدلتهم من السُّنَّة: الدّليل الأوّل: عن عبد الله بن السعدي ﵁ أنّه قدم على عمر بن الخطّاب ﵁ من الشّام، فقال عمر: ألم أحدّث أنك تلي من أعمال النَّاس أعمالًا، فإذا أعطيت العُمالة كرهتها؟ فقلت: بلى، فقال عمر ﵁: فما تريد إلى ذلك؟ فقلت: إنَّ لي أفراسًا وأعبدًا وأنا بخير، وأريد أن تكون عُمَالتي صدقة على المسلمين، فقال له عمر: لا تفعل، فإني

стр. 692

كنت أردت مثل الّذي أردت، فكان رسول الله ﷺ يعطيني العطاء فأقول: أعطه أفقر إليه مني، فقال رسول الله ﷺ : (خذه فتموله، وتصدق به، ما جاءك من هذا المال، وأنت غير مشرف، ولا سائل فخذه، وما لا تتبعه نفسك) (١). وجه الاستدلال: دل الحديث على أن من شغل بشيء من أعمال المسلمين، جاز له أخذ الرزق على عمله ذلك كالولاة والقضاة وجباة مال الفىء وعمال الصَّدقة ونحوهم لإعطاء رسول الله ﷺ عمر العُمالة على عمله، ولا فرق في ذلك بين الغني والفقير لأنَّ ابن السعدي وعمر كانا من الأغنياء ومع ذلك أخذا الرزق على عملهما (٢). الدّليل الثّاني: عن جابر أن رسول الله ﷺ استعمل عتّاب بن أسيد على مكّة وفرض له عُمالته أربعين أوقية من فضة (٣). وجه الاستدلال: حيث دلّ فعل النّبيّ ﷺ مع عتاب بن أسيد على جواز أخذ الرزق على العمل في مصلحة المسلمين دون فرق بين غنى وفقير، حيث لم يستفصل عن حالة أسيد من حيث الفقر والغنى. فدلّ ذلك على الجواز مطلقًا فكذلك القاضي؛ لأنَّ كلا منهما عامل للمسلمين.

стр. 693

ب - الأدلة من الآثار الدّليل الأوّل: عن عائشة ﵂ قالت: لما استخلف أبو بكر الصديق ﵁، قال: لقد علم قومي أن حرفتي لم تكن تعجزُ عن مؤونة أهلي، وشغلت بأمر المسلمين، فسيأكل آل أبي بكر من هذا المال واحترف للمسلمين فيه (١). الدّليل الثّاني: عن عائشة ﵂ قالت: لما أستخلف عمر ﵁ أكل هو وأهله (٢). وجه الاستدلال من الأثرين السابقين: حيث دل فعل الصّحابة ﵃ على أن من عمل للمسلمين فإنّه يأكل من أموالهم من بيت المال، والقاضي قد شغل بعمل المسلمين فيأكل من بيت المال غنيًا كان أم فقيرًا (٣). مناقشة الاستدلال: يمكن مناقشة هذه الآثار بما يأتى: أن الصّحابة ﵃ إنّما أكلوا بقدر الحاجة والضرورة أي مع الفقر والحاجة لا مع الغني بدليل قول عمر ﵁: "إنَّ استغنيت استعففت، وإن افتقرت أكلت بالمعروف" (٤). الجواب عن المناقشة: أجيب عن هذه المناقشة بأن فعل عمر ﵁ محمول على الورع، إذ الخليفة ليس

стр. 694

كالوصي، ولكن عمر بورعه جعل نفسه كالوصي (١)، ويؤيد هذا فعل عمر بعد ذلك، حيث فرض الرزق لمن تولى القضاء ووسع عليهم في ذلك كما سيأتي. الدّليل الثّالث: ما ورد أن عمر ﵁ رزق شريحًا (٢) وسلمان بن ربيعة (٣) الباهلي على القضاء (٤). الدّليل الرّابع: عن ابن أبي ليلى قال: بلغني أن عليًا رزق شريحًا خمسمائة (٥). الدّليل الخامس: ما روي أن عمر ﵁ كتب إلى معاذ بن جبل وأبي عبيده ﵄ حين بعثهما إلى الشّام، أن انظروا رجالًا من صالحي من قبلكم، فاستعملوهم على القضاء وأوسعوا عليهم وارزقوهم واكفوهم من مال الله (٦).

стр. 695

وجه الاستدلال من الآثار السابقة: حيث دل فعل الصّحابة ﵃ على جواز إرزاق القضاة من بيت المال مطلقًا غنيا كان أم فقيرًا، إذ لم يردّ في هذه الآثار تقييد ذلك بالفقير دون الغني. جـ - الأدلة من المعقول: الدّليل الأوّل: قالوا: إنَّ بالناس حاجة إلى القضاء، ولو لم يجز فرض الرزق للقاضي، لتعطل القضاء، وضاعت الحقوق (١). الدّليل الثّاني: قالوا: إنَّ القاضي يجوز له أخذ الرزق على القضاء وإن كان غنيًا قياسًا على عامل الزَّكاة، بجامع عموم الحاجة إلى كلّ منهما، وحصول المصلحة العامة بهما (٢). مناقشة الاستدلال: نوقش هذا الدّليل بأنّه قياس القاضي على عامل الزَّكاة قياس مع الفارق وبيان ذلك: "أن عامل الزَّكاة مستأجر من جهة الإمام لجباية أموال المستحقين لها وجمعها فما يأخذه بعمله كمن يستأجره الرَّجل لجباية أمواله، وأمّا الحاكم فإنّه منتصب لإلزام النَّاس بشرائع الرب ﵎ وأحكامه، وتبليغها إليهم فهو مبلغ عن الله تعالى بفتياه، ويتميز عن المفتي بالإلزام بولايته وقدرته، والمبلغ عن الله تعالى الملزم للأمة بدينه لا يستحق عليهم شيئًا، فإن كان محتاجًا فله من الفيء ما يسد حاجته" (٣).

стр. 696

الترجيح: بعد عرض الأقوال وذكر ما استدل به أصحاب كلّ قول، وما ورد على هذه الأدلة من مناقشات وما أجيب به عنها يتبين بوضوح رجحان القول الأوّل وهو جواز أخذ الرزق على القضاء من بيت المال وإن كان القاضي غنيا، وذلك لما يأتي: ١ - قوة ما استدل به أصحاب هذا القول، حيث جاءت أدلتهم في معظمها صريحة في الدلالة على المطلوب، ومن ذلك حديث ابن السعدي حيث جاء نصا صريحًا في جواز الأخذ مع الغنى، بل في استحباب ذلك. ٢ - أن هذه السنن الصحيحة الصريحة جاءت مؤيدة بفعل أصحاب النّبيّ ﷺ حيث اتخذوا القضاة وارزقوهم من بيت المال ووسعوا عليهم في ذلك كما تقدّم. ٣ - أن أخذ الرزق مع الغنى أعون في العمل وألزم للنصيحة من التارك، قال ابن حجر مبينا ذلك: "أن الأخذ أعون في العمل وألزم للنصيحة من التارك؛ لأنّه إنَّ لم يأخذ كان عند نفسه متطوعًا بالعمل فقد لا يجدُّ جدّ من أخذ ركونًا إلى أنّه غير ملتزم بخلاف الّذي يأخذ فإنّه يكون مستشعرًا بأن العمل واجب عليه، فيجدّ جدّه فيها" (١). ٤ - أن بعض العلماء نقل الإجماع على جواز الرزق على القضاء مطلقًا دون تفريق بين غنى وفقير ومن ذلك: ١ - قال أبو علي الكرابيسي (٢): "لا بأس للقاضي أن يأخذ الرزق على القضاء عند أهل العلم قاطبة من الصّحابة ومن بعدهم، وهو قول فقهاء الأمصار، لا أعلم

стр. 697

بينهم اختلافًا" (١). ٢ - نقل الحافظ ابن حجر الإجماع عن بعض العلماء فقال: "وقال غيره: أخذ الرزق على القضاء إذا كانت جهة الأخذ من الحلال جائز إجماعًا، ومن تركه إنّما تركه تورعًا" (٢). ٣ - قال القرافي: "القضاة يجوز أن يكون لهم أرزاق من بيت المال على القضاء إجماعًا" (٣). ٥ - أن أدلة القول الآخر جاءت كلها أدلة عقلية، وقد أمكن مناقشتها جميعًا بما يضعف من دلالتها، وعلى فرض التسليم بعد مناقشتها فإنها لا تنهض لمعارضة الأدلة النصية من السُّنَّة والأثر الّتي استدل بها أصحاب القول الأوّل. وعلى هذا فإنّه ينبغي للإمام أن يعطي القاضي كفايته وكفاية من يعول من بيت المال، ويوسع عليه في ذلك، ويكفيه همّ دنياه ممّا يجعله مرتاح البال خالي الذهن، ومن نظر في الصفات المطلوية في القاضي، وما يجب أن يكون عليه حال القضاء بين النَّاس أيقن بصحة هذا القول. والله تعالى أعلم.

стр. 698

الفرع الثّاني أخذ الرزق على القضاء من الخصوم إذا تعذر رزق القاضي من بيت المال، إمّا لخلوه من المال أو لقلتها أو لأيّ سبب آخر، فهل يجوز للقاضي في هذه الحالة أخذ الرزق على قضائه من الخصوم؟ أوَّلًا: إذا كان غنيًا: اتفق الفقهاء رحمهم الله تعالى على أن القاضي إذا كان له ما يكفيه وعياله فليس له أخذ شيء من الخصوم (المتداعبين) (١). واستدلوا لذلك بما يأتي: الدّليل الأوّل: قالوا: إنَّ الأخذ من الخصوم مع عدم الحاجة يعد من أكل أموال النَّاس بالباطل فلا يجوز (٢). الدّليل الثّاني: قالوا: إنَّ الأخذ من الخصوم يورث تهمة في حق القاضي، ويؤدِّي إلى الميل في الحكم فلا يجوز (٣). الدّليل الثّالث: قالوا: إنَّ عدم أخذ القاضي الرزق من الخصوم، أبلغ في المهذَّبة وأدعى للنفوس

стр. 699

إلى اعتقاد التعظيم والجلالة، وعليه فلا يجوز أخذ الرزق من الخصوم مع الكفاية (١). ثانيًا: إذا كان القاضي فقيرًا: إذا كان القاضي فقيرًا ليس له كفاية من ماله، فهل يجوز له في هذه الحالة الأخذ من أعيان الخصوم أم لا؟ اختلف الفقهاء في ذلك على ثلاثة أقوال: القول الأوّل: يجوز الأخذ من أعيان الخصوم إذا كان يقطعه النظر عن الاكتساب مع صدق الحاجة، وذلك بشروط ثمانية (٢). وإلى هذا ذهب الإمام الماوردي من الشّافعيّة (٣). القول الثّاني: لا يجوز مطلقًا أخذ الرزق على القضاء من أعيان الخصوم، وإلى هذا ذهب جمهور العلماء من الحنفية (٤)، والمالكية (٥) والشّافعيّة (٦) وهو وجه عند الحنابلة (٧). القول الثّالث: يجوز مطلقًا أخذ الرزق من أعيان الخصوم. وبه قال بعض الشّافعيّة (٨)، وهو المشهور من المذهب عند الحنابلة (٩).

стр. 700

الأدلة والمناقشة أوَّلًا: أدلة القول الثّالث: الدّليل الأوّل: قالوا: إنّه إذا لم يأخذ من الخصمين مع حاجته، أدى ذلك إلى تعطيل القضاء والفصل بين النَّاس ولا سبيل إلى التعطيل لما يترتب على ذلك من المفاسد (١). الدّليل الثّاني: القياس على التحكيم، فكما يجوز أخذ الرزق من الخصمين على التحكيم فكذلك القضاء؛ لأنَّ كلا منهما عمل مباح (٢). الدّليل الثّالث: القياس على الوصي وأمين الحاكم، فكما أنّه يجوز للوصي وأمين الحاكم الأكل من مال اليتيم بقدر الحاجة فكذلك القاضي؛ لأنّه مع عدم الرزق من بيت المال لا يتعين عليه الحكم فجاز أخذ الرزق من الخصوم بقدر الحاجة (٣). ثانيًا: أدلة القول الثّاني: استدل أصحاب هذا القول بما يأتي: قالوا: إنَّ أخذ الرزق من أعيان الخصوم على القضاء بينهم يورث تهمة في حق القاضي ويؤدِّي إلى الميل في الحكم، فيمنع ذلك سدًا لذريعة أخذ الرشوة على الحكم، وما يترتب على ذلك من الميل والجور في الأحكام (٤).

стр. 701

ثالثًا: أدلة القول الأوّل: استدل الماوردي لما ذهب إليه بما يأتي: أن أخذ القاضي للرزق من الخصمين إنّما هو للضرورة والحاجة (١) لئلا يتعطل القضاء، وبالتالي تضيع الحقوق، وتكثر الخصومات. والقول بالجواز عند الماوردي للضرورة مقيد بثمانية شروط لا بد من توفرها، قال الماوردي: "وإن كان يقطعه النظر عن اكتساب المال مع صدق الحاجة جاز له الارتزاق منهم على ثمانية شروط" (٢). ثمّ ساق رحمه الله تعالى الشروط الثمانية على النحو التالي: الشرط الأوّل: أن يعلم به الخصمان قبل التحاكم إليه، فإن لم يعلما به إِلَّا بعد الحكم لم يجز أن يرتزقهما. الشرط الثّاني: أن يكون رزقه على الطالب والمطلوب، ولا يأخذه من أحدهما، فيصير به متهما. الشرط الثّالث: أن يكون عن إذن الإمام لتوجه الحق عليه، فإن لم يأذن به الإمام لم يجز. الشرط الرّابع: أن لا يجد الإمام متطوعًا، فإن وجد الإمام متطوعًا لم يجز. الشرط الخامس: أن يعجز الإمام عن دفع رزقه، فإن قدر عليه لم يجز.

стр. 702

الشرط السّادس: أن يكون ما يرتزقه من الخصوم غير مؤثر عليهم، ولا مضر بهم، فإن أضر بهم أو أثر عليهم لم يجز. الشرط السابع: أن لا يستزيد على قدر حاجته، فإن زاد عليها لم يجز. الشرط الثّامن: أن يكون قدر المأخوذ مشهورًا يتساوى فيه جميع الخصوم، وإن تفاضلوا في المطالبات؛ لأنّه يأخذه على زمان النظر فلم تعتبر مقادير الحقوق، فإن فاضل بينهم فيه لم يجز، إِلَّا أن يتفاضلوا في الزّمان فيجوز. ثمّ قال رحمه الله تعالى: "وفي مثل هذا مضرة تدخل على جميع المسلمين، ولئن جازت في الضرورات، فواجب على الإمام وكافة المسلمين أن تزال مع الإمكان، إمّا بأن يتطوع منهم بالقضاء من يكون من أهله، واما أن يقام لهذا بكفايته؛ لأنّه لا كانت ولاية القضاء من فروض الكفايات كان رزق القاضي بمثابة ولايته" (١). الترجيح: بعد ذكر الأقوال وعرض الأدلة لكل قول يتبين أن القول الراجح هو القول الأوّل القائل بجواز أخذ الرزق من الخصمين للضرورة بعد توفر الشروط الثمانية المذكورة. ولكن الّذي يظهر أنّه لا تعارض بين هذه الأقوال وذلك لما يأتي:

стр. 703

١ - أنّه يمكن حمل قول من منع مطلقًا على غير المحتاج، قال زكريا الأنصاري (١) الشّافعيّ: "واستشكل عدم جواز ذلك بأن الرافعي رجح في الكلام على الرشوة جوازه وأسقطه النوويّ ثمّ، ويجاب: بأن ما هناك في المحتاج وما هنا في غيره" (٢). ٢ - وأمّا قول من جوز مطلقًا فإنهم قد عللوا ذلك بالحاجة والضرورة. وبهذا تأتلف الأقوال في القول بجواز أخذ الرزق من الخصوم للحاجة والضرورة. وأمّا ما ذكر من شروط، فإنّه يلاحظ أن هذه الشروط عبارة عن ضوابط شرعية تحكم عمل القاضي، وتضبط مسألة أخذ الرزق من غير بيت المال، وكل ذلك حتّى لا يدب الشرّة في نفس القاضي إلى أموال النَّاس، فينفتح بذلك باب الرشوة في الحكم، وهذا فيه من الفساد ما فيه، والفقهاء لا يخالفون في ذلك بل هم أحرص النَّاس على نزاهة القاضي وإعفافه وضبط سلوكه، بما يضمن عدم الميل في الحكم. وعليه فإن هذا القول يعد أعدل الأقوال وأولاها بالترجيح، لقوته وإحكامه وعدم مخالفة الأقوال الأخرى له في حقيقة الأمر. والله تعالى أعلم.

стр. 704

الفرع الثّالث الاستئجار على القضاء اختلف الفقهاء في حكم الاستئجارعلى القضاء على قولين: القول الأوّل: لا يجوز مطلقًا الاستئجار على القضاء. وإلى هذا ذهب جمهور الفقهاء، فبه قال الحنفية (١)، والمالكية (٢)، وهو المذهب عند الشّافعيّة (٣)، وبه قال الحنابلة (٤). وقد نقل بعض الفقهاء الاتفاق على هذا القول، ومن ذلك: قال ابن قدامة: "وأمّا الاستئجار على القضاء فلا يجوز ... ، ولا نعلم فيه خلافًا" (٥). وقال ابن حجر: "واتفقوا على أنّه لا يجوز الاستئجار عليه" (٦). وقال الإمام القرافي: "ولا يجوز أن يُستأجروا على القضاء إجماعًا" (٧) وهذه الاتفاقات محل نظر لوجود الخلاف، كما هو ظاهر.

стр. 705

القول الثّاني: يجوز الاستئجار على القضاء. وبه قال بعض الشّافعيّة وهو وجه في المذهب (١)، وذلك إذا عين ما يقضي به وعليه (٢)، وبه قال الظاهرية، وخصوه بالإمام فقط دون غيره (٣). قال الإمام النوويّ: "ولا يجوز عقد الإجارة على القضاء، وفي فتاوى القاضي حسين وجه أنّه يجوز، والمذهب الأوّل، وبه قطع الجمهور" (٤). وقال ابن حزم: "وإجارة الأمير من يقضي بين النَّاس مشاهرة جائزة" (٥). الأدلة والمناقشة: أوَّلًا: أدلة القول الثّاني: استدل أصحاب هذا القول بما يأتي: الدّليل الأوّل: أن الاستئجار على القضاء داخل في عموم أمره ﵁ بالمؤاجرة فيجوز (٦). مناقشة الاستدلال: يمكن مناقشة هذا الاستدلال بما يأتي: أن هذا العموم مخصوص بالأدلة الكثيرة على المنع من الاستئجار على القضاء، وستأتي.
следующие страницы →