← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 1405

أخذ المال على أعمال القرب

عادل شاهين

Полный текст (816 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.

стр. 631

المطلب الثّاني القاضي أو من ينيبه إذا قام القاضي بنفسه بمباشرة الصلح بين الخصوم أو أناب أحدًا من أعوانه للقيام بذلك، فإن ذلك من مهام القاضي وهو مندوب إلى الإصلاح بين الخصوم ويدلُّ لذلك: الدّليل الأوّل: قوله تعالى: ﴿وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾ [النِّساء: ١٢٨]. وجه الاستدلال: حيث دلت اللآية الكريمة أن الصلح خير، فكأن ردّ القاضي للخصوم حتّى يصطلحوا ردًا للخير (١). الدّليل الثّاني: ما روي عن عمر ﵁ قال: (ردوا الخصوم حتّى يصطلحوا، فإن فصل القضاء يورث الضغائن بين النَّاس) (٢). وجه الاستدلال: دلّ الأثر على أنّه يستحب للقاضي رد الخصوم إلى الصلح، وأن لا يبادر إلى القضاء لما يترتب عليه من إبقاء الضغائن في النفوس، وعليه فإنّه إذا قام القاضي

стр. 632

بالصلح أو ندب أحد أعوانه من الصلحاء الموثوق بهم، فإن ذلك لا يوجب عوضًا؛ لأنَّ القاضي يأخذ رزقه من بيت المال على عمله وهذا من عمله وسيأتي تفصيل ذلك (١).

стр. 633

المطلب الثّالث إذا تطوع إنسان بذلك إذا قام أحد أهل الخير والصلاح بالتدخل بين الخصوم، فأصلح بينهم فإن هذا من أحب الأعمال وأزكاها عند الله تعالى، وفي هذه الحالة فإنّه لا يستحق عوضًا على عمله هذا وذلك لما يأتي: الدّليل الأوّل: قوله تعالى: ﴿لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النِّساء: ١١٤]. وجه الاستدلال: دلت هذه الآية الكريمة على الترغيب في الإصلاح بين النَّاس وأن يقوم به الإنسان على وجه الاحتساب والإخلاص لله ابتغاء الثّواب الجزيل في الآخرة؛ لأنَّ من فعله لغير ذلك، فهو غير مستحق لهذا المدح والجزاء، بل قد يكون غير ناج من الوزر، وهذا يدلُّ على أنّه لا يجوز أخذ العوض على الإصلاح بين النَّاس؛ لأنَّ أخذ العوض ينافي الاحتساب (١). الدّليل الثّاني: يمكن الاستدلال لذلك بأن من قام بالإصلاح متطوعًا بذلك، فإنّه يكون متبرعًا به، وعليه فلا يجوز أخذ العوض على عمله في هذه الحالة. فإن غرم بسبب الإصلاح دينًا في ذمته، بأن يكون الصلح متوقفًا على المال، فيلتزم ذلك المال في ذمته حتّى يتم الصلح وترتفع العداوة وتزول الخصومة، فإنّه في

стр. 634

هذه الحالة قد أتى معروفًا كبيرًا، فيعطي من أموال الزَّكاة ما يسد به دينه وما تفرغ به ذمته. وقد دلّ على ذلك القرآن والسُّنَّة: أ - القرآن: قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ [التوبة: ٦٠]. وجه الاستدلال: دلت الآية الكريمة في قوله تعالى: ﴿وَالْغَارِمِينَ﴾ على أن الغارم يعطي من الزَّكاة ما يوفي به دينه، ومن ذلك الغارم لإصلاح ذات البين، قال الإمام القرطبي عند تفسير هذه الآية: "ويجوز للمتحمل في صلاح وبر أن يعطي من الصَّدقة ما يؤدِّي ما تحمل به، إذا وجب عليه وإن كان غنيًا" (١). ب - السُّنَّة: عن قبيصة بن المخارق الهلالي ﵁ قال: تحملت حمالة (٢) فأتيت رسول الله ﷺ أسأله فيها، فقال: (أقم حتّى تأتينا الصَّدقة فنأمر لك بها) قال: ثمّ قال: (يا قبيصة إنَّ المسألة لا تحل إِلَّا لأحد ثلاثة: رجل تحمل حمالة فعلت له المسألة حتّى يصيبها ثمّ يمسك ... " الحديث (٣).

стр. 635

وجه الاستدلال: دلّ الحديث على حل الزَّكاة للغارم لمصلحة غيره، وهو الغارم لإصلاح ذات البين، فيأخذ مقدار ما تحمله من الزَّكاة وإن كان غنيًا. وإعطاء المتحمل لإصلاح ذات البين أو الغارم لمصلحة الغير هو مذهب جمهور العلماء من المالكية (١) والشّافعيّة (٢) والحنابلة (٣). وقد استدلوا لمذهبهم بما تقدّم ذكره من أدلة. وخالف الحنفية في ذلك فقالوا: إنَّ المتحمل لا يعطي من الزَّكاة إِلَّا إنَّ كان لا يملك نصابًا، فاضلًا عن دينه كغيره من المدينين (٤). وقد استدلوا لمذهبهم بما يأتي: حديث معاذ حين بعثه النّبيّ ﷺ إلى اليمن فقال له: (فأخبرهم أن الله فرض عليهم زكاة تؤخذ من أغنيائهم وترد على فقرائهم) (٥). وجه الاستدلال: دلّ الحديث على أن الزَّكاة لا تعطى إِلَّا للفقراء وهم من لا يملكون مائتي درهم. مناقشة الاستدلال: أوَّلًا: أن ذكر الفقراء في الحديث إنّما خرج مخرج الغالب؛ لأنّهم أكثر من تدفع إليهم الصَّدقة، وحقهم آكد من غيرهم (٦).

стр. 636

ثانيًا: أن هذا الحديث عام مخصوص (١)، والذي خصصه قوله ﷺ : (لا تحل الصَّدقة لغني إِلَّا لخمسة وذكر منها: الغارم) (٢). ثالثًا: أن حصر ذلك في الفقراء فقط فيه إبطال لحق باقي الأصناف المنصوص عليها في آية الصدقات (٣). رابعًا: أن الغارم لإصلاح ذات البين، إنّما يوثق بضمانه، إذا كان مليئًا ولا ملاءة مع الفقر (٤). خامسًا: أن الغارم لمصلحة الغير يأخذ من الزَّكاة لحاجتنا إليه أشبه العامل والمؤلِّف (٥). وعليه فإن الراجح هو ما ذهب إليه جمهور الفقهاء من أن الغارم لإصلاح ذات البين يعطى من الزَّكاة قدر حمالته لوجود النص الصحيح الصريح في ذلك وهو حديث قبيصة المتقدم، والله تعالى أعلم.

стр. 637

المطلب الرّابع المحكَّم (١) التحكيم (٢) أحد طرق الإصلاح بين الخصوم، ووسيلة لإزالة الخصومة وحصول التوفيق بين أرباب النزاع. وهو مشروع بالكتاب (٣) والسُّنَّة (٤) والإجماع، فقد أجمع العلماء رحمهم الله تعالى على جواز التحكيم في أمور المسلمين، قال الإمام النوويّ رحمه الله تعالى: " ... وقد أجمع العلماء عليه، ولم يخالف فيه إِلَّا الخوارج فإنهم أنكروا على علي التحكيم" (٥). وأمّا ما يأخذ المحكم من مال على تحكيمه فعلى النحو التالي:

стр. 638

أوَّلًا: أخذه بلا شرط: إذا لم يشترط المحكَّم مالًا على تحكيمه، وقام الخصوم بإعطائه شيئًا من المال على سبيل الهدية، بعد انتهاء التحكيم مجازاة له على إحسانه فهذا لا خلاف فيه بين الفقهاء (١). ثانيًا: إذا اشترط المحكم أجرًا على عمله: إذا اشترط المحكم أجرة على عمله، فقد اختلف الفقهاء في حكم ذلك على قولين: القول الأوّل: يجوز أخذ الجعل على التحكيم لا الأجرة. وإلى هذا ذهب المالكية (٢)، والشّافعيّة (٣)، والحنابلة (٤)، واختاره ابن قيم الجوزية رحمه الله تعالى (٥). القول الثّاني: لا يجوز أخذ الجعل على التحكيم. وهذا مقتضى مذهب الحنفية (٦).

стр. 639

الأدلة والمناقشة: أوَّلًا: أدلة القول الثّاني: استدل هؤلاء بما يأتي: الحنفية لهم أصل في المنع من الاستئجار على الطاعات وهو: أن كلّ طاعة يختص بها المسلم لا يجوز الاستئجار عليها (١). ومن المعلوم أن التحكيم طاعة بل ومن أجل الطاعات، ولم يستثن المتأخرون من ذلك سوى تعليم القرآن والآذان والإمامة وتعليم الفقه للضرورة (٢)، فعلم من ذلك أن التحكيم لا يجوز أخذ العوض عليه. قال المرغيناني: "والأصل أن كلّ طاعة يختص بها السلم لا يجوز الاستئجار عليها عندنا" (٣). وقال ابن عابدين: " ... جميع ما قدمناه هو مذهب أئمتنا الثّلاثة ومن تبعهم من مشايخ المذهب المتقدمين، وحاصله منع الاستئجار والجعالة على شيء من الطاعات سواء كانت واجبة أم لا" (٤). مناقشة الاستدلال: يمكن مناقشة أصل الحنفية هذا بأنكم قد جوزتم الاستئجار على كثير من الطاعات كالآذان والإمامة والتعليم ونحو ذلك للضرورة، والتحكيم يدخل في ذلك نظزا لأهميته الشديدة وحاجة النَّاس الماسة إليه لقطع النزاع وفصل الخصومات وإزالة الشحناء، وحفظ الحقوق مع كثرة ما يقع من ذلك بين النَّاس في كلّ يوم

стр. 640

فكانت حاجتهم إلى التحكيم ضرصرة، وقد لا يوجد المحتسب فيتعطل هذا المنصب فتكثر العداوة والبغضاء بين النَّاس وربما تسفك الدماء. ثانيًا: أدلة القول الأوّل: استدل أصحاب هذا القول بما يأتي: الدّليل الأوّل: قالوا: إنَّ التحكيم عمل مباح، لا يتعين عليه، فجاز أخذ الأجرة عليه كسائر الأعمال المباحة (١). الدّليل الثّاني: قالوا: يجوز للمحكم أخذ الجعل على التحكيم كالقاضي لحاجة النَّاس ولئلا يتعطل هذا المنصب وتضييع الحقوق (٢). الدّليل الثّالث: القياس على القاسم، فكما أنّه يجوز للقاسم أخذ الأجرة على القسمة فكذلك المحكم، بجامع أن عمل كلّ منهما يؤدِّي إلى فض النزاع بين المتخاصمين، وليس لهما رزق من بيت المال على هذا العمل (٣). الترجيح: الّذي يظهر من خلال ما سبق هو رجحان القول الأوّل القاضي بجواز أخذ الجعل على التحكيم، لقوة ما علل به هؤلاء، وللفارق بين المحكم والقاضي، ولكون التحكيم عمل لا يلزم كلا الطرفين فهو أقرب إلى المباحات، والله تعالى أعلم.

стр. 641

المبحث الرّابع أخد المال على الوديعة (١) عقد الوديعة عند الفقهاء من عقود الإرفاق والإحسان والأمانة والتبرع، وهو سورة من صور التعاون على البرّ والتقوى بين المسلمين (٢).

стр. 642

أمّا ما يتعلّق بأخذ الأجرة على عقد الوديعة فبيان ذلك في المطلبين التالبين: المطلب الأوّل اشتراط الأجرة على عقد الوديعة لا خلاف بين الفقهاء في أن الأصل في الوديعة أنّها من عقود التبرعات الّتي تقوم على الرفق والمعونة والإحسان وتنفيس الكربة، وقضاء الحاجة، فمن قام بحفظها لصاحبها تبرعًا واحتسابًا للأجر من الله تعالى، فإن ذلك من أحب الأعمال وأفضلها وأن العبد يؤجر على ذلك من الله تعالى. أمّا إذا شرط الوديع أجرة على الوديعة في مقابل حفظها، وحرزها (١) فقد اختلف الفقهاء في ذلك على ثلاثة أقوال: القول الأوّل: لا يجوز أخذ الأجرة على الوديعة سواء أكانت أجرة حفظها أم أجرة حرزها. وإلى هذا ذهب الحنابلة (٢)، وبعض الشّافعيّة (٣). القول الثّاني: يجوز أخذ الأجرة على حرز الوديعة، أمّا أخذ الأجرة على حفظها فلا يجوز. وإلي هذا التفصيل ذهب المالكية (٤).

стр. 643

القول الثّالث: يجوز مطلقًا أخذ الأجرة على حفظ الوديعة وعلى حرزها. وإلى هذا ذهب الحنفية (١)، وجمهور الشّافعيّة، وهو الصحيح عندهم (٢). الأدلة والمناقشة: أوَّلًا: أدلة أصحاب القول الثّالث: استدل أصحاب هذا القول على جواز أخذ الأجرة على الحفظ والحرز بما يأتي: الدّليل الأوّل: قالوا: إنَّ الواجب على الوديع هو أصل القبول للوديعة، دون إتلاف منفعته، ومنفعة حرزة في الحفظ بلا عوض (٣). الدّليل الثّاني: قالوا: يجوز أخذ الأجرة على الوديعة وإن كانت متعينة، قياسًا على أخذ الأجرة على تعليم الفاتحة وسقي اللبأ (٤) وإنقاذ الغريق وإن كانت متعينة بجامع أن كلا منها واجب متعين على المرء فعله (٥). ثانيًا: أدلة أصحاب القول الثّاني: استدل من قال بالتفصيل بما يأتي: قالوا: أمّا عدم أخذ الأجرة على الحفظ فذلك لما يأتي:

стр. 644

١ - إنَّ حفظ الوديعة نوع من الجاه وهو لا يؤخذ عليه أجرة كالقرض والضمان (١). ٢ - إنَّ عادة النَّاس أنّهم لا يأخذون لحفظ الودائع أجرة (٢)، وأمّا جواز أخذ الأجرة على الحرز فلأنّه لا يلزمه بذل منفعة حرزه بدون عوض (٣). ثالثًا: أدلة أصحاب القول الأوّل: استدل أصحاب هذا القول على المنع مطلقًا من أخذ الأجرة على الوديعة بما يأتي: الدّليل الأوّل: قالوا: إنَّ الأجر إنّما يكون في الإجارة على حفظ المال لا على الوديعة، وفي هذه الحالة يكون الآخذ أجيرًا لا وديعًا (٤). الدّليل الثّاني: قالوا: إذا أخذت الأجرة على الحفظ، فإن الوديعة في هذه الحالة تخرج عن اسمها، فلا تكون وديعة وإنّما هو إجارة على حفظ مال (٥). فهذه أدلة أصحاب هذا القول ويستدل لهم كذلك بأدلة أصحاب القول الثّاني، وهي الأدلة على عدم جواز أخذ الأجرة على حفظ الوديعة. الترجيح: الّذي يظهر رجحانه من الأقوال السابقة هو القول الأوّل القاضي بالمنع من أخذ المال على الوديعة، وذلك لما يأتي:

стр. 645

أوَّلًا: قوة أدلته بالمقارنة بأدة الأقوال الأخرى. ثانيًا: أن هذا القول هو الّذي يتفق مع طبيعة عقد الوديعة؛ إذ هو عقد تبرع ومعروف وإحسان وقربة إلى الله تعالى، فأخذ الأجرة عليه ينافي طبيعته ومقصوده. ثالثا: أننا إذا جوزنا أخذ الأجرة على الوديعة، فإننا بذلك نخرجها من بابها إلى باب آخر، وهو: حفظ المال بأجرة، وهذا ليس بمقصود هنا.

стр. 646

المطلب الثّاني التطبيق المعاصر لعقد الوديعة من التطبيقات المعاصرة لعقد الوديعة ما يسمى (بالودائع المصرفية) أو (الوديعة البنكية)، والكلام حولها على النحو التالي من خلال المسائل التالية: المسألة الأولى: التعريف بالوديعة البنكية عُرّفت الوديعة البنكية بتعريفات عديدة من أهمها: أن الوديعة البنكية هي: "مبلغ من النقود يودع لدى البنوك بوسيلة من وسائل الإيداع، فينشئ وديعة تحت الطلب أو لأجل محدد اتفاقًا، ويترتب عليه من ناحية البنك، الالتزام بدفع مبلغ معين من وحدات النقد القانونية، للمودع أو لأمره لدى الطلب أو بعد أجل" (١). المسألة الثّانية: أنواع الودائع البنكية تتنوع الودائع المصرفية وذلك بحسب تاريخ استردادها إلى ثلاثة أنواع: النوع الأوّل: الودائع الجارية (تحت الطلب): وهي المبالغ الّتي يودعها أصحابها في البنوك، ويجوز لهم سحبها واستردادها متى شاؤوا، وبدون سابق إخطار، ويلتزم البنك بردها فورًا إذا طولب بذلك. وهذا النوع لا تدفع البنوك لأصحابه فائدة، وذلك؛ لأنَّ المصارف لا تستطيع الاعتماد على هذا النوع من الودائع في تمويل نشاطها المصرفي، ولما تقتضيه الضّرورة من احتفاظ البنك في خزانته بأموال كافية لدفع قيمتها عند الطلب (٢).

стр. 647

النوع الثّاني: الودائع الثابتة (الودائع لأجل): هي عبارة عن المبالغ الّتي يضعها أصحابها في البنك بناء على اتفاق بينهما، بعدم سحب المودع لها أو شيئًا منها إِلَّا بعد مضي فترة زمنية محددة متفق عليها. وعليه فإن العميل لا يتمكن من سحب وديعته إِلَّا بعد انتهاء المدة المحددة، وتقوم المصارف بدفع فوائد على هذا النوع من الودائع، وتكون هذه الفوائد ثابتة وينسبه معينه في المائة تختلف حسب المدة المنصوص عليها في العقد، ويزيد مقدار هذه الفائدةُ كلما زادت المدة المحددة (١). النوع الثّالث: ودائع التوفير وهي عبارة عن المبالغ الّتي يودعها أصحابها في البنك بغرض التوفير والادخار، وينشئون بها حسابًا في دفتر خاص (دفتر التوفير) توضح فيه إيداعات ومسحوبات صاحبه. وتوجد حدود للسحب اليومي من الرصيد في هذا الدفتر، ولا يمكن لصاحبه سحب كامل رصيده دفعة واحدة (٢). ومن الملاحظ أن هذا النوع من الودائع ذو طبيعة مزدوجة إذ يلتقي مع الودائع الجارية في إمكان السحب منها متى شاء المودع لكن في الحدود المتفق عليها، كما أنّها تلتقي مع الودائع لأجل في أن المودع لا يمكنه سحبها دفعة واحدة، وكذلك فإن البنك يدفع فوائد عليها للموفرين كما الحال في الودائع لأجل (٣).

стр. 648

المسألة الثّالثة: التكييف الفقهي للودائع المصرفية بعد التعريف بالودائع المصرفية وبيان أنواعها يتبين أن هذه الودائع ليست ودائع حقيقية بالمفهوم الشرعي للوديعة، وإنّما هي سورة من صور الإقراض، فالودائع المصرفية في حقيقتها تنطوي على عقد قرض وتسميتها بالوديعة لا يغير هذه الحقيقة، وذلك لأنّ الوديعة الشرعية لها خصائص وآثار تميزها، ومن ذلك: ١ - أن الوديع يلتزم بحفظ الوديعة ويلتزم بردها بذاتها فإن تصرف فيها فإن ذلك يعد خيانة للأمانة، بينما العرف في المصارف أنّهم يملكون الوديعة ويتصرفون فيها ولا يحتفظون بعينها ويضمنون مثلها. ٢ - أن الوديعة إذا تلفت بقوة قاهرة من غير تعد ولا تفريط من المودَع أو ضاعت بغير صفة فلا ضمان عليه، وهذا محل اتفاق بين الفقهاء. أمّا في غير المصارف فإننا نجد أنّهم ملزمون بردها وضامنون لها، ولو تلفت بغير تفريط. ٣ - لو أفلس المصرف، ففي هذه الحالة لا يعامل المودع على أساس أنّه مالك للوديعة فتكون له الأولوية على الغرماء، ولكنه يعامل في هذه الحالة على أساس أنّه دائن عادي يخضع لقسمة غرمائه. ممّا سبق يتبين أن هذه الخصائص المميزة لعقد الوديعة الشرعية لا تسري على الوديعة المصرفية، وأن حقيقتها الظاهرة أنّها قرض لا وديعة بالمفهوم الشرعي (١). ومما يؤيد هذا أن الإيداع المصرفي لم يكن من أجل الحفظ كما هو الشأن في الوديعة الشرعية، وإنّما انطوى على إذن صريح باستعمال الوديعة (٢)، والوديعة هنا نقدية، وهي ممّا يهلك بالاستعمال فتصبح قرضًا يملكه البنك ويتحمل خطر هلاكه

стр. 649

ولو بقوة قاهرة (١)، بقي أن إطلاق اسم الوديعة على هذه الأموال الّتي تتلقاها البنوك، حتّى اشتهرت باسم الودائع المصرفية، لا يغير من حقيقتها وهي كونها قرضًا، وإنّما أطلق عليها اسم الودائع؛ لأنّها تاريخيا بدأت بشكل ودائع وتطورت خلال تجارب البنوك واتساع أعمالها إلى قروض، فظلت تحتفظ من الناحية اللفظية باسم الودائع، وإن فقدت المضمون الفقهي لهذا المصطلح (٢). وقد ذهب البعض إلى التفريق بين أنواع الودائع ففرقوا بين الوديعة الجارية (تحت الطلب)، وبين الوديعة لأجل، فعدوا الوديعة المؤجلة قرضًا، والوديعة تحت الطلب وديعة حقيقية بالمعنى الشرعي للوديعة (٣). وفي الحقيقة أن هذا تفريق بعيد لا يلتفت إليه؛ لأنَّ ما ذكر سابقًا عن حقيقة الوديعة الشرعية لا يمكن بحال أن يسري على أحكام الوديعة الجارية (تحت الطلب)، فلا يمكن للوديعة تحت الطلب أن تكون وديعة حقيقية إِلَّا إذا توفرت فيها جميع خصائص وسمات الوديعة الشرعية وهذا لا يقول به أحد. وذهب البعض إلى تكييف الوديعة المصرفية على أنّها إجارة شرعية بناءً على أن بعض الفقهاء عد الوديعة الشرعية بأجرة من قبيل الإجارة وقد عللوا ذلك: بأن عقد الإجارة ينصب على بيع المنفعة أي الخدمة وهي هنا تتمثل في قيام المصرف بأداء خدمة (منفعة) لعميله من حيث تولية حفظ النقود أو المستندات المودعة بمعرفة

стр. 650

العميل وإعادتها إليه عند الطلب أو في الأجل المحدد حسب الاتفاق، ومن ثمّ تعتبر هذه الأعمال مشروعة والأجرة المحددة لها باتِّفاق المصرف والعميل مشروعة أيضًا (١). وهذا الرأي كما هو واضح ظاهر البطلان لما يأتي: أوَّلًا: أن الأجرة على الوديعة مختلف فيها بين الفقهاء، وتقدم أن الراجح عدم جواز أخذ الأجرة على الوديعة. ثانيًا: أن الأجرة على الوديعة -على القول بجوازها- إنّما هي على مجرد الحفظ والحرز، أمّا البنك فإنّه يتصرف في الوديعة ويتملكها بمجرد وضعها في البنك ويجني فوائدها وأرباحها، وعليه فإن عمل الوديع غير عمل البنك. ثالثًا: أن الواقع في الودائع المصرفية أن الّذي يدفع هو البنك حيث يقوم بدفع فائدة محددة للوديع كما تقدّم بيان ذلك. وعليه فإن تخريج الودائع البنكية على أنّها إجارة كلام لا يستقيم ولا يمكن أن تسري على الودائع البنكية أحكام الإجارة الشرعية، ولا يتفق هذا مع واقع عمل البنوك. المسألة الرّابعة: حكم الفوائد المأخوذة على الودائع المصرفية تقدّم أن الصحيح الّذي ذهب إليه جلَّ الفقهاء المعاصرين والباحثين أن الودائع بأنواعها ما هي إِلَّا قروض من العميل للبنك. وعليه فإن الفائدةُ الّتي يدفعها البنك للعميل تدخل في نطاق الرِّبَا المحرم إذ تعد هذه الودائع عبارة عن إقراض بفائدة. أمّا في الودائع إلى أجل: فإنها تعد إقراض إلى أجل بفائدة ففيها ربا الفضل وربا النسيئة فأمّا ربا الفضل: فالزيادة الّتي يدفعها المصرف للمودع بناءً على الاتفاق السابق بينهما تعتبر ربا

стр. 651

صريحًا؛ لأنّه سلف وزيادة. وأمّا ربا النسيئة فلتأجيل ما يدفعه المصرف (المقترض) للمودع (المقرض)، وهذا من الرِّبَا المحرم بالكتاب والسُّنَّة الإجماع (١). وأمّا في الودائع الجارية: فإن رب المال وإن كان لا يتقاضى فائدة عليها من البنك إِلَّا أن هذا النوع من الودائع تترتب عليه محاذير شرعية كثيرة منها: ١ - أنّها تعد قرضًا؛ لأنَّ ملكية العميل تزول نهائيًا عن المبلغ الّذي وضعه لدى البنك، ويصبح للبنك السلطة الكاملة على التصرف فيه، وهذا ما لا يتفق مع طبيعة الوديعة الشرعية (٢). ٢ - أن إيداع هذه الأموال في البنوك الربوية، يساعد هذه البنوك على استغلالها بالرِّبَا، وهذا فيه أكبر عون على الإثم والعدوان، والتعاون على الإثم أمر محظور بنص القرآن يجب الابتعاد عنه (٣). وعليه فإن المسلم الّذي يحتاط لدينه ويريد الابتعاد بماله عن الحرام فعليه أن يتحرى الحلال الطيب في ماله، وفي كلّ شؤونه، فإن كان عنده فضل مال يريد الحفاظ عليه فعليه أن يلجأ أوَّلًا إلى المصارف الإسلامية الّتي لا تتعامل بالرِّبَا المحرم، فإن تمكن من استئجار الخزائن الحديدية ليدع فيها أمواله فهذا طيب وإلا وضعها في الحسابات الجارية أو تحت الطلب، دون أن يأخذ عليها أي فائدة، والله تعالى أعلم.

стр. 652

المبحث الخامس أخذ المال على نظارة الوقف ناظر الوقف هو من يقوم بإدارة الوقف، والعناية بمصالحة من عمارة، وإصلاح، واستغلال، وبيع غلات، ونحو ذلك ممّا يلزم للوقف حتّى يتحقق غرض الواقف منه، وكذلك القيام بصرف ما اجتمع عنده من غلات الوقف إلى المستحقين (١). فإذا وقف إنسان وقفًا معينًا، وعين له ناظرًا يقوم بشئونه وصرف غلته إلى المستحقين، وجعل الواقف للناظر أجرة من ريع الوقف، فهل يستحق الناظر هذا الأجرة؟ وإذا لم يجعل له الواقف أجرة، فهل يجوز له أخذها من ريع الوقف مطلقًا أم لا بد من إذن القاضي؟، وإذا قلنا باستحقاق الناظر للأجرة فما هو مقدارها؟ بيان ذلك كله في المطالب التالية:

стр. 653

المطلب الأوّل إذا شرط الواقف للناظر أجرة اتفق الفقهاء رحمهم الله تعالى على أن الناظر على الوقف يستحق الأجرة على عمله، إذا شرطها له الواقف من ريع الوقف وهذا الاستحقاق هو من حيث الجواز وعدمه (١). وقد استدلوا على جواز ذلك بأدلة من السُّنَّة والآثار والمعقول: أ - أدلتهم من السُّنَّة: الدّليل الأوّل: عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (لا يقتسم ورثتي دينارًا ما تركت بعد نفقة نسائي، ومؤنة عاملي فهو صدقة) (٢). وجه الاستدلال: حيث دل الحديث على جواز إعطاء العامل على الوقف أجرته منه، قال ابن حجر في شرحه للحديث: "وهو دال على مشروعية أجرة العامل على الوقف" (٣). ب - الأدلة من الآثار: الدّليل الأوّل: ما رواه نافع عن ابن عمر ﵄: "أن عمر اشترط في وقفه أن يأكل

стр. 654

من وليه ويؤكل صديقه غير متمولٍ مالًا" (١). وجه الاستدلال: حيث دلّ فعل عمر ﵁ أن الناظر على الوقف يستحق ما شرطه له الواقف، حيث إنَّ عمر ﵁ اشترط لناظر وقفه أن يأكل منه بقدر عمالته (٢). الدّليل الثّاني: ما يروى عن علي بن أبي طالب ﵁: أنّه جعل للعبيد الذين وقفهم مع صدقته، يقومون بعمارة صدقته (٣). وجه الاستدلال: قال الطرابلسي (٤): " ... وما فعله علي ابن أبي طالب ﵁ حيث جعل نفقة العبيد الذين وقفهم مع صدقته ليقوموا بعمارته من الغلة وهذا بمنزلة الأجير في الوقف" (٥). جـ - الأدلة من المعقول: قياس الناظر على الأجير في الوقف، وبيان ذلك: أنّه كما يجوز للناظر أن يستأجر الأجراء، لما يحتاج إليه من عمارة الوقف وصيانته، وإصلاحه، ونحو ذلك، جاز له أن يأخذ أجرًا على نظارته إذ هو في حكمهم (٦).

стр. 655

المطلب الثّاني إذا حدد الواقف للناظر مقدار الأجرة اتفق الفقهاءكذلك على أن الواقف إذا شرط أجرة للناظر وحدد مقدارها أن الناظر يستحق جميع هذه الأجرة سواء أكانت بقدر أجرة المثل أم أقل أم أكثر، وهذا الاتفاق في الجملة على تفصيل بينهم في بعض الجزئيات (١). وقد استدلوا على ذلك بما يأتي: قالوا: إنّه لما جاز أن يقدر للناظر مالًا معلومًا، يأخذه في كلّ سنة أر في كلّ شهر، من غلة الوقف، من غير أن يشترط عليه القيام بأمر الوقف جاز له أن يقدر له ذلك مع تكليفه بالقيام بالوقف من باب أولى (٢).

стр. 656

المطلب الثّالث إذا لم يعين الواقف للناظر أجرة اختلف الفقهاء فيما إذا لم يعين الواقف للناظر أجرة، فهل يجوز للناظر أخذها مطلقًا أم لا بد من إذن القاضي؟ اختلف الفقهاء في ذلك على ثلاثة أقوال: القول الأوّل: لا يجوز للناظر أخذ أجرته من الوقف إِلَّا بإذن القاضي أول ان معروفًا بأخذ الأجرة على مثل هذه الأعمال. وهذا هو الصحيح. من المذهب عند الحنفية (١)، وهو قياس المذهب عند الحنابلة (٢). القول الثّاني: لا يجوز للناظر أخذ أجرته من الوقف إِلَّا بإذن القاضي. وبهذا قال بعض الحنفية (٣) وبه قال أكثر الشّافعيّة (٤). القول الثّالث: يجوز للناظر أخذ أجرته من الوقف مطلقًا، دون توقف ذلك على إذن القاضي. وهذا قول عند الحنفية (٥)، وبه قال بعض الشّافعيّة (٦).

стр. 657

الأدلة والمناقشة: أوَّلًا: أدلة أصحاب القول الثّالث: استدل هؤلاء بما يأتي: قالوا: إنَّ الناظر لا يقبل القوامة ظاهرًا إِلَّا بأجرة، وهذا هو المعروف والمعهود، والمعروف عرفًا كالمشروط شرطًا (١)، وعليه فلا يتوقف استحقاق الناظر للأجرة على إذن القاضي (٢). مناقشة الاستدلال: يمكن مناقشة هذا الدّليل بما يأتي: أن هذا الدّليل محمول على ما إذا كان الناظر معروفًا بأخذ الأجرة على مثل هذه الأعمال، أمّا إذا كان غير معروف بأخذ الأجرة، فإن المفهوم من الدّليل أنّه لا يأخذ وهذا يوافق ما قاله أصحاب القول الأوّل، وهو الصحيح عند التحقيق كما سيأتي. ثانيًا: أدلة أصحاب القول الثّاني: استدل هؤلاء بما يأتي: قالوا: إنَّ الناظر إذا عمل وقد علم أنّه لم يشترط له شيء كأجرة على عمله، ولم يطلبه، دلّ ذلك على أنّه متبرع بعمله فلا يستحق شيئًا (٣). مناقشة هذا الدّليل: يمكن مناقشة هذا الدّليل، بأنّه محمول على ما إذا كان الناظر غير مشهور بأخذ

стр. 658

الأجرة على مثل هذه الأعمال، أمّا إذا كان مشهورًا بذلك ومعروفًا به، فإنّه يأخذ أجرته، لما تقدّم من الدّليل على ذلك. ثالثًا: أدلة أصحاب القول الأوّل: استدل هؤلاء على الجواز بما استدل به أصحاب القول الثّالث وقد تقدّم واستدلوا على المنع إذا لم يكن ثمّ عرف بذلك بما استدل به أصحاب القول الثّاني. الترجيح: الّذي يظهر رجحانه من الأقوال السابقة، بعد ذكر ما استدلوا به ومناقشته، هو القول الأوّل، القاضي بالمنع من استحقاق الناظر للأجرة إِلَّا بإذن القاضي أو كان مشهورًا بأخذ الأجرة على مثل هذه الأعمال، وذلك لأنَّ فيه جمع بين الأقوال كلها، فإن القول الثّاني يحمل على ما إذا كان الناظر غير مشهور بأخذ الأجرة، وبهذا لا يتعارض مع القول الأوّل، كذلك القول الثّالث، فإنّه من خلال ذكر دليله ومناقشته تبين أنّه يعود في حقيقته إلى القول الأوّل (١).

стр. 659

المطلب الرّابع مقدار أجرة الناظر إذا لم يحددها الواقف اختلف الفقهاء رحمهم الله تعالى في مقدار أجرة الناظر إذا لم يحددها الواقف على قولين: القول الأوّل: أن الناظر في هذه الحالة له أجرة المثل. وإلى هذا ذهب جمهور الفقهاء، فقد قال به: الحنفية على الصحيح المشهور من المذهب (١)، وبه قال المالكية (٢)، وبعض الشّافعيّة (٣)، وهو قول الحنابلة (٤). القول الثّاني: أن الناظر لا يستحق إِلَّا الأقل من أجرة المثل أو نفقته بالمعروف، وبه قال بعض الشّافعيّة (٥). الأدلة والمناقشة: أوَّلًا: أدلة القول الثّاني: قالوا: إنَّ إعطاء الناظر الأقل من نفقته وأجرة مثله، هو الأحوط للوقف (٦).

стр. 660

مناقشة الاستدلال: يمكن مناقشة هذا الدّليل بأن ما يأخذه الناظر إنّما هو في مقابل جهده وعمله وقيامه على شئون الوقف، فيجب مراعاة ذلك، وهذا لا يتحقق إِلَّا بأجرة المثل؛ لأنّ إعطاء الناظر الأقل من أجرة المثل فيه هضم لحقه وهذا لا يجوز. ثانيًا: أدلة القول الأوّل: استدل هؤلاء بما يأتي: قالوا: إنَّ إعطاء الناظر أجرة المثل هو المعهود والمتعارف عليه فيجب المصير إلى ذلك، كأن الواقف شرطها في وقفه؛ لأنَّ المعهود كالمشروط (١). الترجيح: من خلال ذكر الأدلة وما نوقشت به يتبين رجحان القول الأوّل القاضي بإعطاء الناظر أجرة المثل، إذا لم يعين له الواقف شيئًا ويعود هذا الترجيح لما يأتي: ١ - قوة ما عللوا به حيث جاء متمشيًا مع العرف والعادة في مثل هذه الأمور. ٢ - أن هذا القول يحقق مبدأ العدل في التعامل، وذلك بعدم إعطاء الناظر أقل ممّا يستحقه؛ لأنَّ في ذلك ظلمًا له، وكذلك بعدم الأخذ من الوقف أكثر ممّا يجب؛ لأنّ في ذلك ظلمًا للموقوف عليهم، فكانت أجرة المثل أعدل وأقوم للطرفين.

стр. 661

المبحث السّادس أخذ المال على الوصايا (١) المراد بهذه المسألة هو ما يأخذه الوصي أو الموصي إليه من مال في مقابل القيام على شئون الصغير الّذي هو اليتيم (٢)، أو المجنون تربية وتعليمًا، كذلك النظر في أموالهم بالمحافظة عليها وتنميتها، وكذلك تزويج البنات، وغير ذلك ممّا يعهد إليه به الموصي، وعليه فتكون الوصيَّة هنا على معنى الإيصاء (٣). فإذا أقام الإنسان غيره مقامه بعد وفاته في تدبير شئون أولاده الصغار ورعايتهم وغير ذلك، فهل يجوز للوصي في هذه الحالة الأكل من مال اليتيم أم لا؟ وما هو مقدار ما يأكله؟ وهل يفرق بين الوصي الغني وبين الوصي الفقير؟ وهل ما يأخذه الوصي من مال هو على سبيل القرض أم على سبيل الإباحة فيملكه بذلك؟ وهل يجوز للوصي أخذ الأجرة على عمله أم لا؟

стр. 662

وحاصل ما يأخذه الوصي، إمّا كفايته بالمعروف أو أجرة مثله، وبيان حكم ذلك في المطالب التالية: المطلب الأوّل الأكل بالمعروف من مال اليتيم اختلف الفقهاء في حكم أكل الوصي من مال اليتيم بالمعروف (١) على سبعة أقوال: القول الأوّل: يجوز للوصي إذا كان فقيرًا، أن يأكل من مال اليتيم بالمعروف، أمّا إذا كان غنيًا فلا يجوز له ذلك. وإلى هذا ذهب جمهور العلماء من الحنفية (٢)، والمالكية (٣)، وهو الصحيح عند الشّافعيّة (٤)، والمشهور من المذهب عند الحنابلة (٥)، واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى (٦)، وتلميذه ابن القيم رحمه الله تعالى (٧).

стр. 663

القول الثّاني: لا يجوز مطلقًا للوصي أن يأكل من مال اليتيم، سواء كان الوصي فقيرًا أم غنيًا. وإلى هذا ذهب بعض الحنفية (١)، وهو قول الظاهرية (٢)، وهو قول عند الحنابلة (٣)، ونسبه ابن حزم إلى ابن عبّاس ﵄ (٤)، ونسبه القرطبي في تفسيره إلى مجاهد (٥). القول الثّالث: يجوز مطلقًا للوصي أن يأكل من مال اليتيم سواء أكان الوصي غنيًا أم فقيرًا. وإلى هذا ذهب بعض الشّافعيّة (٦)، وبعض الحنابلة (٧). القول الرّابع: يجوز لوصي الأب خاصّة أن يأكل من مال اليتيم بالمعروف، وأمّا وصي الحاكم، فلا يجوز له الأكل من مال اليتيم مطلقًا (٨). وبه قال الحسن بن صالح بن حيّ (٩).

стр. 664

القول الخامس: التفريق بين السَّفر والحضر، فيمنع من الأكل، إنَّ كان مقيمًا معه في المصر، فإذا احتاج أن يسافر من أجله، فله أن يأخذ ما يحتاج إليه، ولا يقتني شيئًا. وبه قال أبو حنيفة ﵀ وصاحباه أبو يوسف ومحمد بن الحسن (١). القول السّادس: يجوز للوصي الأكل بالمعروف ممّا يجني من الغلة، فأمّا المال الناض (٢) فليس له الأكل منه. وإلى هذا أبو قلابة. القول السابع: يجوز الأكل من مال اليتيم للحاجة والضرورة فقط. وإلى هذا ذهب الشّعبيّ رحمه الله تعالى، وهو مروي عن ابن عبّاس (٣) ﵄، وهو اختيار ابن جرير في تفسيره (٤). الأدله والمناقشة: أوَّلًا: أدلة القول السابع: استدل أصحاب هذا القول القائلون بجواز الأكل من مال اليتيم للضرورة بما يأتي:

стр. 665

الدّليل الأوّل: عن عكرمة عن ابن عبّاس ﵄ قال: قوله تعالى: ﴿وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النِّساء: ٦]: إذا احتاج اضطر (١). وجه الاستدلال: وجه الاستدلال من هذا الأثر ظاهر، وهو أنّه لا يجوز للولي الأكل من مال اليتيم إِلَّا عند الضّرورة والحاجة. الدّليل الثّاني: إنَّ مال اليتيم لا يأكل منه الوصي إِلَّا للضرورة والحاجة قياسًا على الأكل من الدِّم ولحم الخنزير (٢). مناقشة الاستدلال: نوقش ما استدل به أصحاب هذا القول وهو أن الأكل من مال اليتيم لا يجوز إِلَّا للضرورة والحاجة، بأنّه استدلال لا معنى له؛ لأنّه إذا اضطر هذا الاضطرار كان له أخذ ما يقيمه من مال يتيمه أو غيره من قريب أو بعيد (٣). ثانيًا: أدلة القول السّادس: لم أقف على دليل لأصحاب هذا القول القائلين بجواز الأكل من الغلة فقط، ويمكن أن يستدل له بما يأتي:

стр. 666

حينئذ الأكل من الغلة (١)، أمّا المال الناض فيبقى على المنع ويمكن الاستدلال للمنع بما استدل به من منع مطلقًا وهم أصحاب القول الثّاني وستأتي أدلتهم إن شاء الله تعالي. ثالثًا: أدلة القول الخامس: لم أقف على دليل صريح لأصحاب هذا القول الذين أجازوا الأكل للوصي في السَّفر فقط، ويمكن الاستدلال لهم بما يأتي: أن السَّفر يحتاج إلى كلفة ومشقة ولا يتسنى إِلَّا بدابة ونحو ذلك ممّا يلزم المسافر، ومصلحة ذلك راجعة إلى اليتيم، فتكون النفقة في ماله (٢). مناقشة الاستدلال: يمكن مناقشة القولين الخامس والسّادس وما استدل لهم به بما يأتي: أوَّلًا: أن مرد هذين القولين إلى قول القائلين بالمنع مطلقًا، وأمّا ما ذكروه من الاستثناء وهو الإباحة في السَّفر، والإباحة في الأكل من الغلة، فهو خارج محل النزاع، وذلك؛ لأنّ الأكل في حالة السَّفر إنّما هو راجع إلى اليتيم؛ لأنّ السَّفر من أجل ماله ومصلحته، والوصي في هذه الحالة يكون نائبًا محضًا بدليل أنّهم قالوا: إنَّ الوصي إذا رجع من السَّفر رد الدابة التي سافر عليها والثياب الّتي لبسها، قال أبو يوسف ﵀: "لا يأكل الوصي من مال اليتيم إذا كان مقيمًا، وإذا أراد أن يخرج في تقاضي دين لهم وإلي ضياع لهم فله أن ينفق ويكتسي ويشتري دابة، فإذا رجع رد الثِّياب الّتي عليه، إنَّ كان بقي منها شيئًا ويرد الدابة" (٣).

стр. 667

وأمّا الأكل من الغلة فهو كأكل التّمر من الجذوع وشرب اللبن من الضرع أمر متعارف بين الخلق متسامح فيه (١)، فهو خارج عما نحن فيه. رابعًا: أدلة القول الرّابع: لم أقف على دليل أو تعليل لأصحاب هذا القول القائلين بجواز الأكل لوصي الأب دون غيره، ولا أعرف له وجه صحيح؛ لأنَّ الله تعالى لم يفرق بين وصي الأب ووصي الحاكم، وإنّما جاء الإطلاق في الآية فيشمل الجميع، وإنّما حصل التفريق بين الغني والفقير (٢)، على ما سيأتي بيانه إن شاء الله تعالى. خامسًا: أدلة القول الثّالث: استدل أصحاب هذا القول القائلون بجواز الأكل من مال اليتيم حتّى مع الغنى بما يأتي: قالوا: إنَّ الوصي يأكل وإن كان غنيًا قياسًا على العامل على الزَّكاة، وأمّا قوله تعالى: ﴿وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ﴾ [النِّساء: ٦]، فالأمر فيها بالتعفف محمول على الاستحباب (٣). مناقشة الاستدلال: يمكن مناقشة هذا الاستدلال بأن هذا قياس في مقابلة النص فلا يعتد به، فإن الآية قد جاء فيها الأمر صريحًا بالاستعفاف إنَّ كان غنيًا، والأمر المطلق يقتضي الوجوب ما لم يصرفه صارف ولا صارف له هنا إلى الاستحباب (٤).

стр. 668

سادسًا: أدلة القول الثّاني: استدل أصحاب هذا القول القائلون بالمنع مطلقًا بما يأتي: الدّليل الأوّل: قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾ [النِّساء: ١٠]. وجه الاستدلال: أن الله تعالى حرم أكل أموال اليتامى أشد التّحريم، ويستثنى من ذلك ما كان على سبيل الأجرة أو البيع اللذين أباحهما الله تعالى (١). مناقشة الاستدلال: يمكن مناقشة هذا الاستدلال بأن المحرم في الآية إنّما هو أكلها على وجه الظلم، أمّا الأكل على وجه المعروف فلا تدل الآية على المنع منه، بل جاء القرآن بجوازه. الدّليل الثّاني: قالوا: إنَّ جواز الأكل بالمعروف من مال اليتيم الوارد في قوله تعالى: ﴿فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ منسوخ، والناسخ له: ١ - قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ [النِّساء:٢٩]. وجه الاستدلال: أن الأكل بالمعروف من مال اليتيم ليس بتجارة فلا يجوز الأكل منه. ٢ - قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا ...﴾ [النِّساء: ١٠]. وجه الاستدلال: أن الله تعالى حرم الأكل من مال اليتيم أشد التّحريم، إِلَّا ما كان على سبيل

стр. 669

الإجارة أو البيع، وليس الأكل بالمعروف واحدًا منهما (١). مناقشة الاستدلال: ناقش الإمام ابن العربي دعوى النسخ هذه فقال: "أمّا من قال: إنّه منسوخ فهو بعيد، لا أرضاه؛ لأنَّ الله تعالى يقول: ﴿فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ وهو الجائز الحسن، وقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا﴾ فكيف ينسخ الظلم المعروف، بل هو تأكيد له في التجويز؛ لأنّه خارج عنه مغاير له، وإذا كان المباح غير المحظور لم يصح دعوى نسخ فيه" (٢). سابعًا: أدلة القول الأوّل: استدل أصحاب هذا القول القائلون بجواز الأكل للوصي الفقير دون الغني بأدلة من القرآن والسُّنَّة والآثار والمعقول: أ - أدلتهم من القرآن: قال تعالى: ﴿وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النِّساء: ٦]. وجه الاستدلال: حيث بين ما يحل للوصي من مال اليتيم فأمر الغني بالإمساك، وأباح للوصي الفقير أن يأكل من مال وليه بالمعروف (٣). مناقشة الاستدلال: نوقش الاستدلال بهذه الآية، بأن الأمر بالإمساك فيها أمر استحباب وليس أمر وجوب (٤).

стр. 670

الجواب عن المناقشة: من المقرر عند جمهور الأصوليين أن الأمر المطلق إنّما هو للوجوب وليس للاستحباب، ما لم يصرفه صارف إلى الاستحباب، ولم يذكر من صرفه للاستحباب دليلًا على ذلك، فبقي الأمر في الآية على أصله وهو الوجوب. ب - أدلتهم من السُّنَّة: عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، قال: جاء رجل إلى النّبيّ ﷺ فقال: إنِّي فقير ليس لي شيء، ولي يتيم له مال، فقال ﷺ : (كلّ من مال يتيمك، غير مسرفٍ، ولا مبادر ولا متأثل) (١). وجه الاستدلال: حيث أباح النّبيّ ﷺ للرجل الأكل من مال اليتيم، وذلك لفقره وحاجته، ونهاه عن الإسراف ومجاوزه قدر الحاجة على أي صفةٍ كانت المجاوزة. جـ - أدلتهم من الأثر: الدّليل الأوّل: ما روي عن عمر بن الخطّاب ﵁ قال: إنِّي أنزلت نفسي من مال الله بمنزلة والي اليتيم، إنَّ احتجت أخذت منه، فإذا أيسرت رددته، وإن استغنيت استعففت (٢).
следующие страницы →