مجمع الآداب في معجم الألقاب
تأليف
كمال الدين أبو الفضل عبد الرزاق بن أحمد
المعروف بـ «ابن الفوطي الشيباني» المتوفى سنة ٧٢٣ هـ
تحقيق
محمد الكاظم
[المجلد الأول]
стр. 2
المقدّمة
بسم الله الرّحمن الرّحيم الحمد لله على ما ألهم، وله الشكر على ما أنعم، والثناء بما قدّم، والصلاة والسلام على خير خلقه، وأفضل بريّته، وخاتم رسله، مولانا ومقتدانا أبي القاسم محمّد، وعلى سائر الأنبياء والأولياء والشهداء والصالحين والصدّيقين، لا سيّما على أمل الثوّار، وإمام الأحرار وسيّد الأبرار، بقيّة الله في خلقه، وحجّته على بريّته، الذي يطهّر الله به الأرض من دنس الشّرك والنّفاق والظّلم والإرهاق، الإمام الثاني عشر المهدي المنتظر، عجّل الله فرجه، وسهّل مخرجه، وجعلنا من أنصاره وأعوانه، آمين ربّ العالمين.
وبعد، فهذه مقدّمة وجيزة حول الكتاب وكاتبه وتقييمنا له، وكنّا قد عزمنا سلفا أن نؤخّر كتابتنا هذه الى آخر الكتاب وبعد الانتهاء من تنظيمه وتنضيده وتصحيحه حتى تكون أتمّ وأكمل، بيد أنّا حينما قدّمنا الكتاب برمّته للطّبع وانتهى القائمون بأمره من إنجاز نصفه وصفّ حروفه، طلب منّي بعضهم تقديم ما أردت تأخيره وتعجيل ما أردت تأجيله، فلبّيت رغبته رغم أنّ نسخة الكتاب لم تكن لديّ، فسجّلت هاهنا ما ساعدتني به الحافظة والانطباعات العامّة عن الكتاب ومؤلّفه، على أمل أن نقدّم لكم في آخر الكتاب كافّة النقاط المستخرجة من هذا الكتاب مرتّبة ومنمّقة بحسب الترتيب الزمنيّ ممّا يرتبط بالمؤلّف واسرته وتأليفه
стр. 3
ونشاطاته الفكرية والاجتماعية.
المؤلّف
ولا نورد هنا ما كتبه الآخرون عنه، ففي مقدّمة الدكتور مصطفى جواد والاستاذ القاسمي الكفاية فلاحظ، بل نحاول أن نقيّم شخصيّة المؤلّف حسبما لمسناه من كتابه هذا وتعرّفنا عليه بواسطة قلمه.
أمّا من الناحية العلمية فهو لا يتمتّع بإتقان فنّ من فنون العلم، على الرغم من مزاولته لفنّ التاريخ والحديث والرّجال والأدب وغيرها، واشتهاره ببعضها، فهذا كتابه ينبئك بالحق عن ضعفه ووهنه في كافّة المجالات ولا ينبئك مثل خبير.
وأمّا من الناحية الاجتماعية والاقتصادية، فهو من المتسكّعين على أبواب الملوك والسلاطين واللاّهثين خلف التجّار والأشراف والامراء دون أن يكون رأسا فيها، بل من المتطفّلين الذين لا يتمتّعون بإرادة حازمة ولا قرار صائب كيما يتحكّم بالظروف والأحوال والاتجاهات بدلا من تحكّمها به.
وأمّا من الناحية الدينية فهو وإن كان اسما وإرثا مسلما حنبليّا، ألاّ أنّه خال من التعصّب لمذهبه، بل وحتى الالتزام بمسائل الدين وضرورات الاسلام بشكل عام ممّا أفقده الاتّزان والاعتدال والسير على اصول قويمة وآداب رشيدة وسنن منجية، فشأنه شأن الكثير من الناس وأسلافهم في السير حسب الظروف الاجتماعية في حقّها وباطلها، فكأنّ الحق بالكثرة والغلبة والتحكّم والتسلّط لا الاهتداء بسنن الأنبياء والأولياء وكتب السماء وما والاها ومخالفة البدع والأهواء مع أنّه شاهد انهيار الحكم العبّاسي الجائر الفاسد وتزلزل أرباب الثروة والمكنة وتشتّتهم ودمارهم ومجيء الحكم المغوليّ الغاشم وما جرّ ذلك من ويلات ونكبات لأرباب الدنيا وطلاّبها، مع ذلك كلّه لم يعتبر ولم يتزوّد من دنياه الفانية للدار الباقية، هذا في الجانب العمليّ، أمّا الجانب النظري فإنّه كان يعي الكثير من امور الحق والباطل، وما عليه الناس من مواصفات حسنة وسيّئة، ﴿فَلِلّهِ الْحُجَّةُ﴾
стр. 4
الْبالِغَةُ فَلَوْ شاءَ لَهَداكُمْ أَجْمَعِينَ، فوعي الانسان غالبا أكثر من عمله، بل إنّ الاهتداء النظري حتمي ولو بصورة نسبية، أمّا الاهتداء العمليّ والسلوكي اختياري ﴿إِنّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ إِمّا شاكِراً وَإِمّا كَفُوراً﴾، فتبقى الجوانب النظرية ومشاهداته قابلة للمناقشة وللأخذ أو الرّدّ.
الكتاب
وقد جمع فيه بين معلوماته ومشاهداته الشخصية وبين ما استقاه من كتب التاريخ والحديث والرّجال ... التي كانت متوفّرة لديه بحسب شغله كمشرف على خزانة الكتب بالمستنصرية ببغداد وبالرصد بمراغة، وبحسب ارتباطاته العامّة مع العلماء والامراء ورحلاته وتنقّلاته في مدن العراق وإيران.
وأغلب المترجمين هم من أعلام القرن السادس والسابع والثامن.
أمّا معلوماته الشخصية فيعدّ قسما منها المنبع الوحيد أو المهم للتعرّف على أوضاع ورجال العهد الإيلخانيّ المغوليّ وخاصّة بما يرتبط بإيران والعراق، وذلك بعد سقوط الدولة العبّاسية، فالمعلومات الواردة عن نصير الدين الطوسيّ وأمثاله في هذا الكتاب في ثناياه اعتمادا واستطرادا كثيرة بحيث لو تجمع ويضمّ بعضها الى بعض تصير ترجمة وافية وموسّعة.
وإذا لاحظنا عدم تعصّبه الآنف الذكر وانفتاحه على مختلف التيّارات، وجدنا للكتاب ميّزة هامّة وهي سرد الحقائق والأوضاع كما هي دون تحامل أو تعنّت. إلاّ أنّه يؤخذ عليه في معلوماته الشخصية كثرة الأوهام والتخليط والتصحيف في الأسماء والأوصاف والألقاب والنّسب ممّا يبيّن بوضوح ضعف ضبطه وعدم دقّته. وأيضا قد يورد أسماء وألقابا لا فائدة فيها سوى تكثير السّواد وتضخيم الكتاب، فبدلا من أن يكون الهدف بيان الملقّبين الموجودين والمشهورين بتلك الألقاب وذكر حياتهم حتى يتسنّى للمراجع معرفة أسمائهم وأوصافهم، صار الهدف وكأنّه زيادة الألقاب والتفنّن في اختراعها واختلافها
стр. 5
بأسباب واهية حتى لو لم يكن المترجم يعرف بذلك نفسه ولم يلقّبه أحد قطّ به.
وأمّا معلوماته التي استقاها من الكتب المصنّفة فكثيرة، وفي مقدّمتها تآليف ابن أنجب وابن النجّار وابن الدبيثيّ والسمعانيّ وابن عساكر والقطيعيّ وابن الصابئ والعماد الاصبهانيّ وابن الشعّار وابن الجوزيّ وياقوت والسلفيّ، ولا يزال بعض المصادر التي ينقل عنها مفقودة أو مخطوطة لكنّها في الأغلب مطبوعة ومتوفّرة، بيد إنّ المصنّف لا يلتزم حرفيّا بنقل النّص عن تلك الكتب بل يغيّر ويبدّل دون إشارة، شأنه شأن الكثير ممّن تقدّم عليه من المؤلّفين أو تأخّر كابن كثير وغيره.
أسلوب التحقيق
باشرنا العمل في هذا المجال على أساس ما أنجزه المرحوم الدكتور مصطفى جواد والاستاذ القاسمي فهذّبناه وذهّبناه، فدقّقنا في كافّة التعاليق على الطبعة الاولى؛ فما وجدناه صحيحا وكاملا أو كان غير مخلّ بالتحقيق أبقيناه في محلّه ووضعناه بين قوسين إشارة الى أنّه منهما، وأضفنا من التعاليق ما رأيناه مناسبا لعمل التحقيق بالاستعانة من الكتب المطبوعة الموجودة لديّ، وحاولنا جهد الامكان ذكر مصادر الترجمة حتى للمذكورين استطرادا في هذا الكتاب، واستخرجنا كافّة الأحاديث المذكورة في الكتاب استطرادا، وعملنا للكتاب فهارس متنوّعة شاملة للأعلام والمترجمين والمدن والنّسب والكتب، فصار الفهرس مفتاحا للتطلّع على خبايا الكتاب وزواياه حسبما شاء المراجع، ورتّبنا الكتاب والفهارس حسب تسلسل التراجم وأرقامها ولم نغيّر شيئا من ترقيم الدكتور مصطفى جواد سوى ما اشتبه عليه الأمر في عزّ الدين، حيث جعل مجموعة من الملقّبين بعز الدين في آخر الملقّبين بعز الدين وفتح لهم عنوانا باسم ملحق الملقّبين بعز الدين الذين ضاعت أسماؤهم من الكتاب، بينما المصنّف لم يكن من خطّته وضع ملحق لأي باب من أبواب الكتاب ولم يفعل ذلك قطّ، بل ولم يكن بحاجة الى ذلك، إذ أنّه جعل كافّة من وجده بعد الفراغ من التصنيف في
стр. 6
مكانه، وهذا القسم الذي جعله الدكتور في الآخر هو من أوّل الكتاب كما يؤكّده ترقيم النسخة الخطّيّة بل وترتيب الأسماء بالمقدار الذي تعرّفنا عليه يدلّل عليه.
هذا ما تيسّر لنا على سبيل الاختصار، ونترككم أوّلا مع مقدّمة الاستاذ مصطفى جواد، ثمّ في بداية حرف الكاف مع مقدّمة الاستاذ القاسميّ، وفي نهاية الكتاب مع ذكر النقاط المستخرجة من هذا الكتاب حرفيّا حول المؤلّف وبحسب الترتيب الزمني، وربّما استدركنا بعض ما فاتنا ممّا ينبغي استدراكه هناك.
ولم نبق شيئا من أمر التحقيق إلاّ وأنجزناه حسب الوسع والحاجة، سوى أنّنا لم نوفّق الى يومنا هذا من عرضه على المخطوط حتى نتأكّد تماما من موافقة الفرع للأصل وإن كنّا لا نزال في صدد تحصيل نسخته وإنجاز ذلك.
وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين.
قم المقدّسة - عيد الفطر المبارك عام ١٤١٤ هـ.ق محمّد الكاظم
стр. 7
مقدّمة الدكتور مصطفى جواد
على الطبعة الأولى
تقدمة وتبيان
أعظم كتب الألقاب في تاريخ العرب هو «معجم الألقاب» تأليف كمال الدين أبي الفضل عبد الرزّاق بن أحمد المعروف بابن الفوطيّ البغدادي المؤرّخ الأديب المولود ببغداد سنة ٦٤٥ هـ، المتوفّى بها سنة ٧٢٣ هـ.
وتاريخ الألقاب عند العرب والمسلمين واسع الميدان، بعيد المدى (١)، قد ألّف فيه المتقدّمون والمتأخّرون، والقدامى والمعاصرون، ممّا هو مذكور في فهارس الكتب، وتراجم العلماء. إلاّ أنّ «مجمع الآداب المرتّب على معجم الأسماء في معجم الألقاب» الذي أشرنا إلى مختصر اسمه أبسط تأليف في الألقاب، وتلخيصه المعثور على جزءين منه، لا يزال يحتل الصدارة في هذا الفنّ من فنون التاريخ؛ بما حوى من أفانين الألقاب ووفارة الملقّبين؛ وما تحلّى به من الترتيب والجدولة طولا وعرضا، وأفقيّا وعموديّا (٢)، وتلك الوفارة في الملقّبين كان نتيجة لكثرة مطالعة المؤلّف لكتب التاريخ والأدب، ولكثرة الكتب في ذينك الفنّين. وقد
стр. 8
تهيّأ له ذلك بكونه، سنين كثيرة، من القوّام على شؤون أعظم دارين للكتب في عصره، وهما: دار كتب المدرسة المستنصريّة ببغداد؛ ودار كتب الرّصد بمراغة في أذربايجان، فلذلك يعدّ كتابه أجزل كتب الألقاب فائدة، وأجمع كتب التاريخ للتراجم ذوات الألقاب، مضافا إلى أنّه أرّخ ملوكا وسلاطين وأعيانا وعلماء وأدباء وشعراء وذوي فنون، في عصر قلّ فيه المؤرّخون، وقلّت فيه التواريخ في المشرق، وندرت كتابة التاريخ فيه باللغة العربيّة، وإلى أنّه لم يقتصر في التأريخ على قطر دون قطر؛ ولا على عصر دون عصر، منذ أيّام الجاهليّة حتى الرّبع الأوّل من القرن الثامن للهجرة؛ فنشر هذا التراث العظيم الكريم كان من أوجب الواجبات الأدبيّة.
وفي هذه السنوات الأخيرة توفّر أحد الباحثين الفضلاء، وهو حسن باشا أحد الدكاترة في التاريخ ومدرّسيه في كليّة الآداب بجامعة القاهرة، على تأليف كتاب في الألقاب (١) الاسلاميّة؛ وممّا يبعث على الاستغراب في عمله الأدبي أنّه لم يطّلع على تلخيص معجم الألقاب الذي هو العمدة في هذا الباب، ولا استفاد من كتاب الحوادث ... ولا من الجامع المختصر لابن الساعي. وها نحن أولاء نترجم المؤلّف بشيء من التفصيل.
стр. 9
ابن الفوطيّ (١)
٦٤٢ - ٧٢٣ هـ
١٢٤٤ - ١٣٢٣ م
في اليوم السابع عشر من المحرم سنة ٦٤٥ الهجرية، ولد في درب القوّاس من المحلّة الخاتونية الخارجة عن دار الخلافة العبّاسيّة في شرقيّ بغداد، وليد مبارك العمر، مأمول الخير، منتظر المستقبل، هو الوليد الذي قدّمه إلينا التاريخ باسم «كمال الدين أبي الفضل عبد الرزّاق بن أحمد بن محمد المعروف بابن الفوطيّ البغداديّ المؤرّخ الأخباري المحدّث».
ولد ابن الفوطيّ في بيت من بيوتات أعيان الحنابلة، كان يدّعي النسب الى العرب، والانتماء الى الأمير الكبير معن بن زائدة الشيباني منهم؛ وكانوا من أهل مرو بخراسان، كالإمام أحمد بن حنبل الشيباني، صاحب المذهب، ومن قبيلته نفسها على حسب دعواهم، وكانت محلّتهم الخاتونية الخارجة بحكم مجاورتها لدار الخلافة العبّاسيّة من مواطن أرباب الثراء، وأهل الوجاهة والجاه، وذوي الجدّة واليسار، ولمّا ولد دعي أحد المنجّمين؛ وهو مجد الدين أبو الفرج محمّد بن
стр. 10
محمّد الموصليّ المنجّم، لعمل مولده على حسب طريقة أهل التنجيم، فعمله كما كان يعمل عليه القوم لأولادهم.
وكان والده تاج الدين أحمد بن محمّد من الوجهاء والمختلفين الى مجالس الزهّاد والصالحين والمحدّثين والادباء والمتصوّفة؛ وكان أخوال والده من بيّاعي الفوط فعرف بابن الفوطيّ نسبة الى أخواله، وجاء في نسبه أيضا «ابن الصابونيّ»، وكانت والدته من بيت معروف بالرئاسة والتقدّم في الدولة العبّاسيّة؛ ومشهور بنسب «الظهيريّ» فعمّها كمال الدين أبو شجاع محمد بن سعيد بن الظهيريّ، كان تارة حاجب باب النوبيّ كما في سنة ٥٨٣ هـ من خلافة الإمام الخليفة العظيم الناصر لدين الله؛ وتارة حاجب باب المراتب كما في سنة ٦٠٢ هـ؛ وكان حاجب باب يتولّى شؤون الأمن والشرطة في بغداد؛ وحاجب باب المراتب يتولّى حجابة آخر أبواب دار الخلافة، وهو مدخل شريف من مداخل دار الخلافة.
كان مولد ابن الفوطيّ في خلافة المستعصم بالله الشهيد آخر الخلفاء العبّاسيّين ببغداد، وكانت خلافته برهة اختلال في شؤون الدولة، واضطراب في الحكم والسلطان، وتضاؤل في جسم الدولة العبّاسيّة، أدت الى نحولها وانحلالها، ثمّ الى سقوطها وزوالها على يدي الطاغية هولاكو بن تولي بن جنكيز خان التّتار.
وكان لابن الفوطيّ أخ اسمه عبد الوهاب، ولقبه بدر الدين، لم نعلم من أحواله شيئا سوى ما هو آت في سيرة أخيه.
وقد نشّئ ابن الفوطيّ تنشئة أبناء الأعيان في ذلك الزمان؛ وحضر مند الصّبا مع والده مجالس الوعّاظ والصوفيّة المذكّرين والادباء الرّواة؛ ولقي معه الزهّاد والدّعاة الى الله تعالى، فتبرّك بهم وباركوه على قلّة هذه الوجهة عند الحنابلة، وندور المولّين لها منهم، وأحضره والده أيضا مجالس كبراء المذهب الحنبليّ في أيّامه. واتّصل بأبناء الامراء الادباء؛ كما ذكر في ترجمة أبي نصر
стр. 11
محمّد (١) ابن الأمير سيف الدين أيدمر المستعصميّ، مؤلّف كتاب «الجوهر الفريد وبيت القصيد (٢). قال: هو «من أبناء الامراء الأعيان العظماء، ذكر لي أنّه ولد ببغداد رابع رجب سنة تسع وثلاثين وستمائة ... وكان بيني وبينه معرفة وصداقة واتّحاد منذ سنة خمسين [وستمائة]، ولمّا قدمت بغداد كنت أتردّد الى خدمته ويشرّفني أيضا بحضوره ...».
ودرس مقامات الحريريّ، وسمع الحديث النّبويّ مع ذي قرابته قوام الدين أبي الفضل عبد القاهر بن محمد بن الفوطيّ. فقد قال في ترجمة: «كان شابّا ذكيّا، اشتغل (٣) على والده موفّق الدين، ودرس عليه كتاب الألفيّة لابن معطى، وكان رفيقي في حفظ المقامات الحريريّة وسماع الأحاديث النبويّة، على شيخنا الصاحب الشهيد محيي الدين يوسف بن الجوزي استاذ الدار (٤). وسلم ببغداد في الواقعة؛ وتعلّم صنعة التجارة ومهر فيها، ونسب إليه أنّه كان يكاتب ملوك الشام، وأرادوا تصديعه فهرب الى دمشق (والفرار ممّا لا يطاق من سنن المرسلين)،
стр. 12
ومات بدمشق سنة سبع وثمانين وستمائة ... (١)».
وكانت دراسته المقامات على موفّق الدين أبي محمد، عبد القاهر بن محمد ابن الفوطيّ المذكور؛ قال في موجز سيرته: «كان من الادباء الأعيان والفضلاء البلغاء، أرباب البيان الفصحاء ... وكان خال والدي، وحفّظني المقامات الحريريّة، وأسمعني بقراءته جامع الترمذي وغيره ... واستشهد في الوقعة سنة ست وخمسين وستمائة».
ومن الأحاديث التي سمعها على محيي الدين يوسف بن الجوزي «الأحاديث الثمانيّة»، ويرويها محيي الدين بن الجوزي عن الخليفة المعتصم بالله.
ومن الشيوخ المدرّسين الذين حضر مجالستهم، كمال الدين أبو الحسن علي بن محمّد بن وضاح، الشهراباني الأصل، البغدادي، الفقيه الحنبلي مدرّس الحنابلة في المدرسة المستنصرية، قال: «وقد رأيته قبيل الواقعة وتردّدت اليه في خدمة والدي - رحمهما الله -»، ومن الشيوخ الادباء الرّواة الذين حضر مجالسهم مع والده، كمال الدين أبو الحسن علي بن عسكر، الحمويّ الأصل البغدادي، ووالده عسكر الحموي التاجر كان سيّد ياقوت الروميّ، والى نسب سيّده عسكر انتسب «حمويّا»، فعرف بياقوت الحمويّ. قال في سيرته الموجزة:
«كان صدرا كاملا، ورئيسا فاضلا، وكان من جيراننا في المحلّة الخاتونية الخارجة، وحضرت مجلسه في خدمة والدي تاج الدين [أحمد] في جماعة كانوا يسمعون عليه (معجم الادباء) بروايته عن مصنّفيه ياقوت مولاهم. ثبّتني في ذلك شيخنا جلال الدين بن عكبر»، وإنّما ثبّته جلال الدين عبد الجبّار بن عكبر، لأنّه كان صبيّا يومئذ.
وحضر مجلس فخر الدين أبي الحسن علي بن محمد الخفاجي الشاعر الناسخ قال: «كان صديق والدي، رأيته كثيرا، وسمعت إيراده للأشعار ... وكان
стр. 13
طيّب الإنشاد، عذب الإيراد، توفّي بعيد الواقعة».
وكان من رفقائه في أوّل سماعه أيام الصّبا مجد الدين أبو المعالي نصر بن عبد الله بن أحمد الحربي الحنبلي الأديب، ومحبّ الدين أبو سعد أحمد بن عبد الواحد البصريّ الشاهد العدل؛ وقوام الدين أبو الفضل محمد بن الفوطيّ المذكور آنفا.
وقد ظهر ميله مبكّرا الى الأدب والتاريخ وعلم النّسب، فضلا عن علم الحديث المشهور بين الحنابلة، وزاد من إقباله على علم النّسب وجدانه أهله ينتسبون الى معن بن زائدة الشيبانيّ، وقد ولّد ذلك في نفسه التفوّق والترفّع، وإن عرف بالتواضع ووطاءة الجانب في آخر عمره، لما قاساه من أحداث الزمان، ولما أناءه من عبء السنين الفادح. وذلك الولوع بعلم النّسب ساعد على تكوّن ملكته التاريخيّة؛ فلا أنساب بلا تاريخ؛ وقد أخذ منذ عنفوان شبابه يقيّد مواليد الشيوخ ووفياتهم، ويثبّت في مجموعه فوائدهم، على عادة طلاّب الحديث الفوقة.
стр. 14
ابن الفوطيّ أسيرا في أيدي المغول
ولمّا بلغ ابن الفوطيّ السنة الرابعة عشرة من عمره أي سنة ٦٥٦ هـ، دخل المغول بغداد فاتحين، بقيادة طاغيتهم الجبّار هولاكو؛ فقتّلوا أهلها تقتيلا، ونكلوا بهم تنكيلا، وسلبوا ونهبوا وعذّبوا وفعلوا الأفاعيل. وكان من القتلى الخليفة الشهيد المستعصم بالله وابناه الأكبر والأوسط أحمد وعبد الرّحمن؛ وأسروا الشبّان والصبيان واسترقّوهم وسخّروهم، فكان عبد الرزّاق بن الفوطيّ وأخوه عبد الوهاب في جملة أسرى المغول من بغداد، جرى عليهما الاسترقاق، وتعذّر على أخيه الإباق، فقد بقي حتى سنة ٦٥٩ هـ أسيرا مستعبدا، وذكر عبد الرزّاق في كتابه «تلخيص مجمع الآداب في معجم الألقاب» هذا أنّه هو نفسه كان أسيرا أيضا سنة ٦٥٧ هـ، فقد قال في ترجمة قطب الدين عبد القادر (١) بن حمزة الأهريّ الحكيم الصوفي: «رأيته سنة سبع وخمسين [وستمائة]، وكنت أسيرا، فدعا لي وأنفذني الى كليبر، الى صاحبه شمس الدين حبش الفخّار، فأقمت تحت كنفهم مديدة»، وبقي أسيرا حتى سنة ٦٥٩ هـ، فقد هرب فيها من الكفّار وتحرّر.
ولم نجد في هذا الخبر تفصيل كيفيّة كونه أسيرا، ولا وجدنا السبب في استطاعة الشيخ قطب الدين الأهري إنفاذه الى قرية كليبر، كما لم نعرف حقيقة أسر المغول له، فنعلم مقدار تصرّفه في المعيشة أسيرا، غير أنّه افتدى أخاه بدر الدين عبد الوهاب المقدّم ذكره، ودفع في فدائه مائة دينار (٢)، وهي قسط من أقساط الفدية صغير أو كبير. قال في ترجمة كمال الدين أبي الفضل محمّد بن أبي الفضائل النخجواني الطبيب المتصوّف: «كان حكيما فاضلا، له معرفة بالتدبير (٣)
стр. 15
والعلاج والتقدير. قدم أهر الى خدمة مولانا قطب الدين الأهريّ، ليشتغل عليه، ولبس الخرقة من خدمته (١) (كذا)، وأقام بزاويته، واجتمعت بخدمته سنة ثمان وخمسين وستمائة، وكان قد رأى لي مناما، وأنا يومئذ صغير السنّ، أسير، بشّرني بالخلاص، وأن يرتفع قدري، فحصل لي ببركته ما رآه لي، والحمد لله على إفضاله».
وبعد هرب ابن الفوطيّ من أيدي المغول وتحرّره؛ انضوى الى الحكيم الفاضل العليم وزير الطاغية هولاكو نصير الدين أبي جعفر محمد بن محمد الطوسيّ، ولم نقف على الطريقة التي سلكها في الانضواء إليه، غير أنّنا نعلم أنّ نصير الدين كان حكيما واسع الافق، بعيدا عن التعصّب الأعمى، علميّ النزعات، ولولا انضمامه أو ضمّه الى بطانة هولاكو الطاغية الجبّار، لأجمعت الامّة على تعظيمه وتبجيله وإجلاله، وأيّا كان الأمر، فقد صار كمال الدين ابن الفوطيّ في عداد طلاّبه وأتباعه، ولعلّه اختاره لما رآه عليه من أمارات الأدب، ولما فيه من الرغبة في العلم والفلسفة وتعلّم الفارسيّة.
стр. 16
ابن الفوطيّ في دار العلم النصيريّة
ولمّا أنشأ نصير الدين الطوسيّ دار العلم والحكمة والرّصد بمراغة من مدن أذربيجان، وهي أوّل مجمع علمي حقيقي «أكاديميّة» في القرون الوسطى بالبلاد الشرقية، فضلا عن الأقطار الغربية الجاهلة أيّامئذ، أسند إليه الخزن في خزانة كتب الرّصد؛ وقد كان النصير الطوسي جمع فيها أربعمائة ألف مجلّد، حملها إليها من مختلف الأصقاع. وحضر ابن الفوطيّ قسما من دروس النصير؛ وعني بتعلّم الخطّ وتجويده عناية تامّة؛ وكتب على بعض الخطوط المنسوبة، أي ذات الطريقة الفنّيّة المنسوبة الى أحد مشاهير الكتّاب الخطّاطين، فأجاد الثلث، والنسخي التعليقيّ، كما هو واضح من خطّه في «مجمع الآداب» وكان يكتب بذلك الاسلوب الدروس وغيرها من المجموعات لنفسه وغيره، قال في ترجمة كمال الدين أفلاطون الهندي: «هو ممّن قصد حضرة مولانا [نصير الدين الطوسي]- طاب ثراه - بمراغة، سنة ثمان وخمسين وستمائة؛ ولم يك عنده استعداد لتحصيل، بل كان يدئب نفسه في كتابة ما يريد أن يقرأه من دروس الحكمة، وتتعسّر عليه معرفتها، فكان مولانا نصير الدين يأمرني أن أكتب له درسه، فقلت له يوما: هب أنّي أكتب درسه، [أ] أحفظه عنه؟».
стр. 17
إقامته في مراغة وتكوّن ثقافته وعائلته
باشر ابن الفوطي الخزن بخزانة كتب الرصد بمراغة؛ وطالع كثيرا من كتبها على اختلاف أنواعها وموضوعاتها، وجمع منها مجاميع، واقتبس، وصنّف، وألّف، واستخلص لنفسه منها، ونسخ لغيره توريقا، واتّصل بفئات من العلماء والادباء وأرباب الفنّ وأهل السياسة، على تباين أجيالهم واختلاف بلادهم ومللهم؛ فاتّسعت ثقافته العلمية، وثقافته الأدبية، وثقافته الاجتماعية. وخرج من الدائرة الضيّقة التي كان فيها ناشئا، وسلخ صباه عليها، وقضى عنفوان شبابه بها. ورأى في مراغة - وهي يومئذ عاصمة الدولة الايلخانية - ما لم يره في مدينة اخرى سوى بغداد، من مظاهر التمدّن، ومجامع العلماء، وزمر الواردين من طلاّب العلم، وروّاد الجاه، وخطّاب الولاية والإمارة والوزارة، وعبّاد الملك والمناصب، والمعتفين والمسترفدين والشاكرين والشاكين. فضلا عن رخاء العيش وهناءته والرفهنية والدّرز للذين لا يزاولون الحرب والسياسة بأنواعها.
وتزوّج ابن الفوطيّ بمراغة زوجا لمّا أقف على جيلها ولا على مذهبها. إلاّ أنّ الغالب على الظنّ أنّها كانت حنبليّة المذهب مثله؛ فولدت له - أو اخرى غيرها وهو الظاهر - من الذكور أبا المعالي محمّدا (١) وأبا سهل؛ ولم أقف على غير
стр. 18
كنيته المذكورة، وقد ذكر ابن الفوطيّ أنّ ابنه أبا سهل تزوّج بنت قطب الدين سنجر بن عبد الله الرومي الصاحبيّ. ومن الثابت عندنا أنّ ابن الفوطيّ ولدت له بنت بمراغة، ثمّ تزوّجها رجل خراساني مؤدّب اسمه علي بن عمر فولدت له مولودا سماه عمر، وكنّاه أبا المجد، ولقبه مجد الدين. قال ابن الفوطيّ في تلخيص سيرته: «مجد الدين أبو المجد عمر بن علي بن عمر الخراساني ثمّ المراغي المؤدّب ... أبو المجد سبطي، ولد بمراغة سنة ثمان وسبعين وستمائة ...».
وإذا حسبنا أنّ كلمة الولد تعني «الابن» في ذلك العصر وبعض ما قبله وبعض ما بعده، وكما استعمله هو وآخرون قبله يثبت عندنا أنّه كان له من الأولاد الذكور أكثر من اثنين، فقد قال في بعض التراجم: «وقد كتب الإجازة لي ولأولادي سنة ثمان وسبعين [وستمائة]».
وقد ذكر ابن الفوطيّ مرارا رجوعه إلى بغداد سنة ٦٧٩ هـ؛ إلاّ أنّه لم يذكر أنّه استصحب عائلته إليها، بل ذكر أنّه احتاج الى نفقة لعياله بمراغة؛ فأنفذ الى بعض الفضلاء بكتب من كتبه، ليرهنها عنده على عشرين دينارا؛ فأعاد إليه الكتب والدنانير تفضّلا منه.
كان رزق ابن الفوطيّ ممّا يجري عليه وهو طالب علم، وخازن كتب الرّصد، وناسخ ومورق للهوين المعنيّين بالكتب؛ فقد ذكر أنّه نسخ بمراغة سنة ٦٦٦ هـ كتاب «الزّبدة (١) الطبّيّة» المجدول. وكان يتجر بالكتب فيشتريها ويبيعها، ولم يكن ذا سعة في الرّزق في مراغة، ولا في غيرها من البلدان التي أقام فيها، وقد ثبت عندنا أنّه بعد عوده الى بغداد كان ينسخ الكتب للناس توريقا أيضا، ويستوفي الاجرة للعيش (٢) بها، وهذه القلّة في الرّزق أثّرت في سيرته، وذلك
стр. 19
ظاهر فيما يقوله في أثناء التراجم من استرفاده واستعانته واعتفائه؛ ولا أخشى أن أقول: من استجدائه الأدبيّ.
وقد توفّي نصير الدين الطوسيّ، شيخ ابن الفوطيّ والحفيّ به والمفضّل عليه سنة «٦٧٢ هـ» وبقي بعده «المجمع العلمي» الذي سمّيناه دار العلم والحكمة، والرّصد اللّذان أنشأهما بمراغة على أحسن أحوالهما في رعاية أبناء له ثلاثة فضلاء وجهاء، هم صدر الدين علي، وأصيل الدين حسن، وفخر الدين أحمد، وقد ولي أحمد بعد أبيه غالب مناصبه، وبقي ابن الفوطيّ على خزنه بخزانة كتب الرّصد؛ فكان بيده مفتاح الرّصد أيضا، ولبث في كنفهم ورعايتهم، وقد ألّف بمراغة فيما ألّف كتاب «تذكرة الرّصد».وسمّاه في موضع آخر «كتاب من قصد الرّصد»؛ وروى عن الزوّار نثرا وشعرا في مقاصد مختلفة، وأتقن اللغة الفارسية ليستطيع العيش في بلاد الفرس، ويعايش زوجته الفارسية اللغة، كما هو الظاهر وقرأ دواوين المشهورين من الشعراء الفرس ونثّارهم؛ كديوان المعزّي، والعنصريّ، واللاّمعيّ، وأشعار أحمد ابن نيّال المراغي ورسائله الفارسية؛ فضلا عن دواوين لشعراء عرب ورسائل لنثّار من نثّارهم. وقد ألّف مجموعا أدبيّا بالفارسية، ومدح رجالا بأنّهم يحسنون الفارسية، وفي ذلك دلالة على علمه بها.
وقد سمع ابن الفوطيّ في بلاد العجم، في كينونته الاولى بها، طائفة من شيوخ الحديث، وأهل الأدب والشعراء. وضمّن مشيخته للمحدّثين ما أشرنا اليه آنفا من تقييد الوفيّات بالمواليد، وإثبات الأحاديث والفوائد والأناشيد.
فممّن استجازهم لنفسه من أشهر المشاهير «سعدي» الشاعر الفارسيّ الكبير الشهير، صاحب الديوان المعروف، ومؤلّف «كلستان (١)» أي روضة الورد
стр. 20
وغيره. وطاف ابن الفوطيّ في البلاد الفارسية، وأقام في عدّة بلدان منها، فقويت ثقافته بالدراسة، والنساخة، والمطالعة، والسّماع، والمحاضرة، والمحاورة، والمدارسة، والمجالسة، والمحادثة، والتطواف، فضلا عمّا كان حفظه في أيّام صباه ببغداد، وقد كنّا ذكرنا بعض ما بعثه على الولوع بالأنساب والتاريخ والتراجم، وكانت حصائل ثقافته الأدبية، تآليفه التي اضطمت عليها صفاح التاريخ، والتي ذكرت أسماؤها في كتبه، ونرى من الواجب علينا أن نذكر أنّنا لم نجد له أثرا حكميّا ولا فلسفيّا، مع وصف المؤرّخين له بالحكيم والفيلسوف، ومع ذكرهم أنّه درس الحكمة والفلسفة على النصير الطوسيّ، ومع قوله: إنّه كان يكتب الدروس لبعض التلامذة.
стр. 21
عودة ابن الفوطيّ إلى بغداد
قدّمنا في كلامنا على سيرته في مراغة، أنّه ذكر مرارا أنّه عاد الى بغداد سنة ٦٧٩ هـ، إلاّ أنّه لم يستصحب عياله؛ ولو فعل ذلك لأشار إليه، وما ذكر رهنه طائفة من كتبه على عشرين دينارا ليبعث بها أو يقسم منها إلى العيال بمراغة، ولم نقف على قول له نعرف به من بقي في الحياة من أهله وأقربائه الأدنين، وأقربائه الأبعدين، سوى ما ذكره في سيرة قوام الدين محمد بن عبد القاهر بن الفوطيّ النجّار، وقد مضت الإشارة إليه.
كانت عودة ابن الفوطي الى بغداد في أيّام السلطان (١) أباقا بن هولاكو، وفي ولاية علاء الدين عطا ملك الجويني على بغداد والعراق من قبل أباقا المذكور، وكانت بغداد قد عادت الى حالة ازدهار وطمأنينة، واطّردت فيها مجاري الحياة أحسن اطراد، وجرت امور مدارسها ومساجدها ومشاهدها وربطها وزواياها وأوقافها على أحسن حال، حتى لقد قيل: إنّها كانت إذ ذاك في حال حسنة هي خير من حالها على عهد الخليفة المعتصم قتيل المغول، وما كان أسوأها من حال! وقد ذكر ابن الفوطيّ أنّ علاء الدين الجويني هو الذي أعاده إلى بغداد. قال في موجز سيرته: «قدم بغداد حاكما عليها في أيّام الإيلخان الأعظم هولاكو بن جنكيز خان، وحاكما في جميع العراق سنة سبع وخمسين [وستمائة]، واستقامت به امور الخلائق، وأعاد رونق الخلافة ... وهو الذي أعادني إلى مدينة السلام، وفوّض إليّ كتابة التاريخ والحوادث، وكتب لي الاجازة بجميع مصنّفاته، وأملى عليّ شعره بقلعة تبريز سنة سبع وسبعين
стр. 22
[وستمائة] (١)».
ولم تدم رعاية علاء الدين الجويني لابن الفوطي أكثر من سنتين، وكذلك عناية أخيه شمس الدين محمد بن محمد الجويني؛ فلم تدم طويلا وانقطع إفضاله عليه. فقد توفّي علاء الدين في ذي الحجّة سنة ٦٨١ هـ، وقتل صبرا أخوه شمس الدين سنة ٦٨٣ هـ بعد اختلال حاله وسوء مآله. ومن الغرابة بمكان أنّ ابن الفوطيّ أقام لمّا قدم بغداد في مشهد البرمة (٢) في المحلّة الجعفرية؛ ولا يستغرب أن يكون للبرمة مشهد، فقد بنى لبولة الخليفة العبّاسي قبّة عالية وعمارة عرفت في أيّام ابن الفوطيّ بمشهد البولة (٣)، وكانت سكناه بمشهد البرمة مع شيخه غياث الدين عبد الكريم بن طاوس العلويّ الشيعيّ الإماميّ، ولهذه الصحبة أثر في سيرته، خدع بعض الباحثين فظنّه شيعيّا، مع أنّه كان حنبليّا بإجماع من ذكر مذهبه وكونه مترجما في ذيل طبقات الحنابلة لابن رجب، وقد كنت ذكرت في الكلام على صباه وأوّل شبابه أنّ والده كان يحضره مجالس الصوفية، وكان ذلك غير مألوف عند الحنابلة؛ فالتصوّف من خصائص الشافعيّة إلاّ من ندر من الحنابلة. ثمّ إنّ معاشرته للحكماء بمراغة وغيرها، كنصير الدين الطوسيّ، قوّت نفسه على احتمال عيش التصوّف وخشونة العيش، بله أنّ في سكنى المشاهد والربط والزوايا تخفيفا لعبء مؤونة العيش؛ ولم يكن هو مستغنيا عن ذلك التخفيف. ثمّ إنّه قد ظئر على لبس خرقة التصوّف؛ إلاّ أنّه لم يطق الإقامة الدائمة في الرباط ولا في مشهد البرمة.
ويذكر ابن الفوطيّ ما يدلّ على أنّه كان في سنة (٦٨٠ هـ) مقيما في داره ببغداد، وفيها نسخ كتاب «التنجيم» الذي أشرت اليه آنفا، وقد جاء في آخر
стр. 23
الكتاب «علّقه ... عبد الرزّاق بن أحمد بن محمد البغدادي، بمنزله بالخاتونية الخارجة من شرقيّ مدينة السلام، في يوم الخميس العاشر من شوّال سنة ثمانين وستمائة ...»، وفي سنة ٦٨١ هـ كان ساكنا برباط الإبريّ، من شرقي بغداد أيضا.
وهو رباط ثقة الدولة علي بن محمد الدّرينيّ زوج فخر النساء شهدة بنت أحمد الإبريّ وكان شافعيّا. وكذلك كانت زوجه المذكورة، وانتقاله المفاجئ من داره إلى رباط ثقة الدولة يبعث على العجب ويحدو على المساءلة؛ فيجوز أنّه رهن داره وسكن الرباط، ويجوز أنّه تولّى الإشراف على أوقاف الرباط، مع كونه حنبليّا، وذلك من النوادر، وسيأتي ما يؤيّد أنّه تولّى الإشراف في بعض مباني الأوقاف.
وكان ﵀ كثير الحركة في طلب الرّزق وعلم الحديث والأدب، يسترفد الولاة والتنّاء (١)، وأرباب الثراء؛ يستملي العلماء والادباء والشعراء والمحدّثين؛ ويستكتب الذين يلقاهم نبذا من مرويّاتهم، وقطعا من أشعارهم إن كانوا شعراء أو عالجوا النظم. ففي سنة ٦٨١ هـ التي ذكرنا أنّه كان فيها ساكنا برباط الأبريّ، سافر الى الحلّة كما ذكر هو نفسه في «تلخيص معجم الألقاب» وسافر إلى الكوفة، وكان يستعين على رقّة حاله برقّة قلوب الأثرياء والامراء والكبراء، وكثيرا ما صرّح بما أصابه من إحسان المحسنين ورفد الرافدين ونعمى المفضلين في أثناء التراجم، وهذا يدلّ على كرم خلقه وتواضعه وشكرانه للإحسان، على عكس كثير من المسترفدين المرفودين.
والظاهر أنّه كان، في أثناء إقامته ببغداد، يكثر الاختلاف الى الربط لكونها تحيا على الأوقاف، ولأنّها مأوى الفضلاء والعلماء والوافدين من الفقراء وملتقاهم. وقد قدّمنا أنّه ولد له ابنه أبو المعالي محمد سنة ٦٨٥ هـ فهل معنى ذلك أنّه تزوّج ثانية، واستقرّ في داره ببغداد بعد انزياح علّته أو أنّه استجلب عياله من
стр. 24
مراغة، فولدت له الخراسانية أبا المعالي محمدا ببغداد؟ هذا ما لا أستطيع الجواب عنه. غير أنّه في أثناء إقامته في مسقط رأسه بغداد لم يكن مستغنيا عن التوريق والنسخ بالأجرة؛ فقد استرجحنا أنّه كتب «الكامل» في التاريخ لابن الأثير، لأحد المستنسخين لا لنفسه؛ وكان نسخه إيّاه سنة ٦٩١ هـ بمحروسة مدينة السلام، كما جاء في آخر المجلّد الثاني من الكتاب بخطّه (١).
стр. 25
إشرافه على دار الكتب المستنصريّة
وسفراته إلى أذربيجان وغيرها
وقد توصّل ابن الفوطيّ الى أن يكون مشرفا على دار كتب المدرسة المستنصرية وخزانة كتبها على الوجه الصحيح، لأنّ دار كتب المستنصرية لم تكن مفصولة عنها، وكانت خزانة حافلة بالوف مجلّدات من الكتب على اختلاف أنواعها، قيل: إنّها احتوت على ثمانين ألف مجلّد أكثرها نفيسة، بخطوط منسوبة أو رائقة، وقد وصفها وصفا موجزا في ترجمة قطب جهان أبي المحامد حمد بن عبد الرزّاق الخالدي قاضي قضاة الممالك، قال: «قدم علينا بغداد في خدمة أخيه، لما قدمها صحبة العسكر الإيلخاني سنة ست وتسعين وستمائة، وحضر عندنا في خزانة كتب المدرسة المستنصرية في جماعة من علماء قزوين، فلمّا عاين تلك الكتب المنضّدة، والتي لم يوجد مثلها في العالم، لم يطالع منها شيئا، لكنّه سأل: «هل تحتوي هذه الخزانة على الهياكل السبعة؟ فقد كان لي نسخة مذهّبة، شذّت عني أريد أن أستكتب عوضها (١)».واعتراف ابن الفوطيّ بأنّ كتب المستنصرية لم يوجد مثلها في العالم، مع علمه بخزانة كتب الرصد بمراغة المقدّم ذكرها، شهادة بأنّها كانت أجلّ وأنفس من خزانة كتب الرصد على وفارة كتبها.
وقد ذكر ابن الفوطيّ أنّه كان مشرفا على خازن كتب المستنصرية، محيي الدين أبي المحامد يحيى بن إبراهيم الخالدي المتوفّى سنة ٦٨٢ هـ فولايته الإشراف إذن كانت قبل تلك السنة؛ وذكر في موجز السيرة لبعض الفضلاء، أنّه
стр. 26
أخذ من خزانة كتب المستنصرية كتاب «المصابيح» سنة ٦٨٧ هـ.وهذا يعني كينونته في المستنصرية مشرفا أو خازنا في تلك السنة، والأوّل أقرب الى الواقع؛ فقد ذكر أنّ مجد الدين أبا عبد المجيد بن عبد الله الصبّاغ البغدادي الحكيم الطبيب المعروف بسنجر قدم بغداد سنة ٦٨٨ هـ ومعه فرمان بخزانة كتب المستنصرية؛ وكان ابن الفوطيّ في سنة ٦٩٨ هـ على وظيفته في خزانة الكتب المذكورة، على ما ذكر هو في موجز سيرة فاضل من الفضلاء. وفي ترجمة السلطان محمود (١) غازان بن أرغون ابن أباقا بن هولاكو، يقول: «وقدم غازان مدينة السلام، وصلّى صلاة الجمعة في جامع السلطان، ودخل الى خزانة الكتب بالمدرسة المستنصرية؛ ومعه رشيد الدين [فضل الله الوزير]، وفي خدمتهم جماعة من المقرّبين؛ وكنت يومئذ مع جمال الدين ياقوت [المستعصمي] الخازن».وذكر في أثناء التراجم أنّه كان بخزانة الكتب سنة ٦٩٩ هـ، ويذكر المؤرّخون أنّه تولّى أمر خزانة الكتب حتى وفاته سنة ٧٢١ هـ، قال الذهبي: «وولي خزانة كتب المستنصرية، فبقي عليها واليا إلى أن مات (٢)».وقال زين الدين بن رجب:
«وولي خزن كتب المستنصرية، فبقي عليها إلى أن مات (٣). وهذا قول بالجملة؛ وأمّا القول بالتفصيل فينبغي أن تطرح من هذه البرهة الأزمان التي سافر فيها من بغداد الى بلاد الفرس وأذربايجان، مدعوّا أو منتجعا أو شاكيا أو زائرا، والأزمان التي أقامها هناك. والمهم في هذا الأمر أنّه كان يلي أمر الخزانة المذكورة قبيل وفاته؛ وليس في نصوص التاريخ ما يدفع ذلك، ولا يعد ذلك وهما من المؤرّخين المذكورين ولا ممّن تابعهما عليه (٤)، كما أيقن بعضهم تسرّعا وتترّعا مع اعترافهم
стр. 27
بأنّ الاستنابة في ولاية الخزانة قد جرت العادة بها (١).
ووجدنا في التراجم التي أثبتها ابن الفوطيّ في الجزءين من أجزاء «تلخيص معجم الألقاب» ما يدلّ على أنّه كان ببغداد سنة «٧٠٠ هـ» وسنة «٧٠٢ هـ» حتى سنة «٧٠٣ هـ» وبعض سنة «٧٠٤ هـ» ففي هذه السنة قصد ابن الفوطيّ مقرّ السلطان غياث الدين محمد أولجايتو خربنده بن أرغون بن أباقا ابن هولاكو في أذربيجان، وكان تولّي سلطان جديد في عصر الدولة الإيلخانية، يعني في الأعم الأغلب، تبديلا في السياسة، وتغييرا في المظاهر، واستبدالا برجال الحكم والقضاء، كما جرت العادة به في أكثر الدول الوراثية الحكم، العاطفية السياسة. وخصوصا بعد أن أسلم السلطان غازان، وهو أخو السلطان الجديد الماضي الذي سلبه الموت سلطانه، فصارت الدولة الإيلخانية دولة مسلمة خارجة عن حيّز قانون جنكيز خان، وكتابه الشرعي المعروف باليسق أو إلياسه، فكانت الآمال المزمومة، والرغبات المكتومة، والمطامع المكظومة، سرعان ما تنطلق في الحكم الجديد لنيل المراتب والمناصب، أو للشكوى وذكر المثالب للانتقام والصّدام، يضاف ذلك إلى أنّ أرباب المناصب بالعراق لم يكن لهم بدّ من الجدّ والاجتهاد في الحفاظ على مناصبهم، فضلا عن أرواحهم في عصر كانت تراق فيه الدماء بأوهى الأسباب، معدودة أقرب عقاب، فكان الناس يدافعون عن أنفسهم ومناصبهم في بلاط السلطان الإيلخاني، لكثرة التحاسد والتنافس والسعايات، والتماكس في الولايات، والاستباق في الوشايات، ذلك لأنّ اولئك الملوك كانوا غرباء، فلم يكونوا من أهل البلاد، ولا من أصل سكّانها، ولم يكن لهم علم بأحوال الولاة والحكّام والمتصرّفين، سوى ما يقفهم عليه
стр. 28
رجال البلاط من المسلمين المقرّبين الموثّقين عندهم حسب. وكان الحفاظ على المناصب يستوجب إيفاد الوفود إلى حضرة السلطان الإيلخاني، وسدّة وزيره، ومقام كبراء الدولة الحافين به، والامراء المكناء عنده مستحقبين الوصايا والهدايا، ويحضر أحيانا أرباب المناصب بأعيانهم. ولا يبعد أن يكون ابن الفوطيّ ممّن أصابه حيف، أو ممّن سعوا في تحقيق أمل كان مزعوما أو دعي إلى عمل فسافر إلى حضرة السلطان المذكور، وتعرف تلك الحضرة بالأوردو (الكلمة التركية المغولية) أي المخيّم والمعسكر بالعربية، وقد ذكر ابن الفوطيّ في كتابه المذكور أنّه سافر الى الأوردو سنة ٧٠٤ هـ مع النقيب الطاهر رضي الدين أبي القاسم (١) علي بن طاوس الحسينيّ.
وأغلب ظنّي أنّ ابن الفوطيّ سافر إلى حضرة السلطان محمّد أولجايتو، بدعوة من أصيل الدين الحسن بن نصير الدين الطوسيّ، وترغيب من رشيد الدين فضل الله الوزير، أو أحد أتباعه للنسخ والمقابلة، لأنّ خطّه كان جميلا ونسخه كان سريعا، على ما ذكر المؤرّخون ولا سيّما الصلاح الصفدي، يؤيّد ذلك الظنّ الغالب أنّ ابن الفوطيّ قال في ترجمة عفيف الدين محمد القاشي النقّاش: «رأيته بأرّان في مخيّم السلطان، وهو ينقش في كتاب المولى الوزير الحكيم رشيد الدين سنة خمس وسبعمائة، وفي سنة ٧٠٦ هـ كان بتبريز، كما صرّح به في ترجمة قطب الدين محمد ابن عمر بن أبي الفضل التبريزيّ الفقيه القاضي نائب قاضي القضاة (٢)، وكان فيها أيضا سنة ٧٠٧ هـ كما ذكر في ترجمة عزّ الدين الحسين بن سعد الله بن حمزة العلويّ العبيدليّ (٣)، وسافر في السنة نفسها الى السلطانية، كما صرّح به في ترجمة عزّ الدين بن محمود الشرواني
стр. 29
المعروف باليامجي (١)؛ وترجمة مجد الدين اسماعيل بن يحيى الشيرازي القاضي.
ولبث ابن الفوطيّ في أذربيجان في معسكر السلطان أولجايتو، ومعيّة أصيل الدين الحسن بن نصير الدين، ورعاية الوزير رشيد الدين من سنة ٧٠٤ هـ إلى سنة ٧٠٧ هـ أي ثلاث سنوات أو أقل منها، ولم يبق ست سنوات كما قال بعض الباحثين، ألا تراه يقول في ترجمة القاضي عزّ الدين الحسن بن القاسم ابن هبة الله النيلي المالكيّ قاضي قضاة العراق: «وشهدت عنده في ... سنة ثمان وسبعمائة من غير تزكية أحد، وذكر للقاضي تاج الدين علي بن أبي القاسم السبّاك أنّني عنده عدل ثقة، فأثنى مولانا تاج الدين أيضا (٢)».وفي هذا الخبر دلالة على أنّ ابن الفوطيّ جعل من الشهود المعدّلين بمدينة السلام بغداد في سنة ٧٠٨ هـ، وأنّه كان فيها في تلك السنة، وكان ببغداد أيضا في سنة ٧٠٩ هـ (٣) فقد قال في ترجمة محيي الدين أحمد بن اللّيثي الفقيه: «ولمّا خرج والده من بغداد كان في خدمته وانتقل إلى شيراز وأقام بها ... وجاءنا نعيّه سنة تسع وسبعمائة ...».
فقوله: «وجاءنا نعيّه» اصطلاح تاريخي يقوله المؤرّخ حينما يكون مقيما في بلده، فيجيئه نعيّ المترجم. فان كان في غير بلده عند ورود النعيّ ذكر البلد الذي هو فيه.
وقد كان ابن الفوطيّ في سنة «٧١٠ هـ» بالسلطانيّة (٤) وهذا يعني أنّه ترك
стр. 30
العراق سنة «٧٠٩ هـ» أو سنة «٧١٠ هـ» إلى أذربيجان ومدينة السلطان. قال في سيرة عماد الدين (١) الحسن بن الحسين الاستراباذي: «اجتمع به ابنه أبو المعالي محمد، لما عبر باستراباذ في جمادى الاولى سنة عشر وسبعمائة، لمّا جاء إليّ بالسلطانية من بغداد فأشكره عندي (كذا) وقال: أنشدني وكتب لي بخطّه ...».
والظاهر لنا أنّ ابن الفوطيّ عاد الى بغداد مستصحبا ابنه أبا المعالي محمدا؛ فقد قال في ترجمة عزّ الدين محمد بن محمد القوهذي الرازي: «... اجتمعت بخدمته بهول جغان من أرّان سنة خمس وسبعمائة ... وقدم بغداد في حضرة الوزير الأعظم تاج الدين علي شاه في ذي الحجّة سنة اثنتي عشرة وسبعمائة؛ وهو محمود السيرة وحضرته ولم أذكر له شيئا من حالي (٢)».فابن الفوطيّ كان ببغداد في سنة ٧١٢ هـ أيّام قدوم علي شاه الوزير إيّاها. والظاهر أنّ حاله التي لم يذكر منها شيئا للوزير، هي عزل جمال الدين عبد الله بن محمد بن علي العاقولي، قاضي القضاة، له عن ولاية شيء من الأوقاف كان يليه؛ فانّ ابن العاقولي في سنة ٧١٢ هـ صار إليه أمر الأوقاف، فعزل ابن الفوطيّ عمّا كان يليه، ولم نقف على سبب عزله سوى ما يبادر الى الذهن أوّل وهلة من كونه مقصّرا، أو كون ولايته مخالفة لشرط الواقف، كأن يكون شافعيا: مع أنّ ابن الفوطيّ حنبليّ، وهو ما نستشفّه من الأخبار في ترجمة عزّ الدين الحسين (٣) بن علي بن محمد الخواري قال في ذكره: «حصل بيني وبينه معاملة من جهة الوقف، وكان يشتري ثمرة البستان الديباجي الموقوف على رباط الكاتبة [شهدة] بنت الإبريّ. ولمّا ولي ابن العاقولي وكنت قد بعته منه واستسلفت ثمنه للزحمات التي كان أصلها تولية ركن الدين العلويّ ...».وقال في ترجمة عزّ الدين الحسين (٤) بن محمد بن عبيد الله
стр. 31
ابن النيّار البغدادي: «وناب قبيل الواقعة الصّماء التي عمّت الناس بتولية جمال الدين عبد الله العاقولي ... وعزلني ابن العاقولي عمّا كان بيدي، فتركت الترداد إليهم، وذلك سنة اثنتي عشرة وسبعمائة، وقد ذكرت ذلك مستوفى في «التاريخ على الحوادث المرتّب على السنين» والله المستعان على جفاء [الزمان]».وهنا اعترف ابن الفوطيّ بأنّه قد سبّ وشتم وثلب وذمّ.
وكان بعض أصدقاء ابن الفوطيّ يحسب أنّ الرجاء والتوسّل والضراعة تعيد ابن الفوطيّ الى ولايته للوقف المذكور، إلاّ أنّه لم يفعل ذلك وكأنّه ندم على ذلك (١). وقد علمنا ممّا نقلنا أنّه كان ببغداد في سنة ٧١٢ هـ، كما ذكرنا آنفا، وقد حرم رزقه من نظارة الوقف، كما قال هو نفسه، مدّة سنتين يعني الى سنة ٧١٤ هـ وهو مقيم ببغداد. وكان ممّا اشتغل به في تلك السنة مقابلة «جامع التواريخ» تأليف الوزير رشيد الدين، قال في ترجمة كمال الدين موسى بن عبد الله الأردبيلي: «وهو الآن بالمدرسة الغزانية (٢)، سنة أربع عشرة وسبعمائة؛ وفي خدمته اتّفقت مقابلة كتاب «جامع التواريخ» الذي صنّفه المخدوم العادل رشيد الدين».ويؤيّد كونه ببغداد سنة ٧١٤ هـ ما قاله في ترجمة مجد الدين أحمد بن محمد بن سكينة، قال: «وقد أنعم جمال الدين بن العاقولي (٣) وأمر بكتابة محضر ليأخذ له الرباط المنسوب إلى سكينة بالمشرعة ... من بنات ابن سكينة. فكتبت
стр. 32
له صورة النسب في ربيع الآخر سنة أربع عشرة وسبعمائة؛ وهو المستحقّ للنظر في الرباط المذكور لإفضاله ومعرفة أدبه».
كان ابن الفوطيّ بارعا، وناسخا مجوّدا، ومتقنا للّغة الفارسية، فكان اشتغاله بالمدرسة الغزانية في الظفرية من شرقي بغداد مخفّفا لمؤونة العيش. ولا أحسب أنّ اشتغاله في المدرسة المذكورة كان مقصورا على مقابلة الشيخ رشيد الدين الموسوم بجامع التواريخ، بل كان ينسخ ويقابل في أكثر تآليفه.
وفي شهر ربيع الآخر من سنة ٧١٦ هـ سافر ابن الفوطيّ الى السلطانية شاكيا أو مسترفدا؛ فقد كان يودّ عزل جمال الدين بن العاقولي عن الأوقاف، ولعلّه سعى في ذلك في تلك السفرة. ويفهم من موجز ترجمته لغياث الدين محمد (١) بن رشيد الدين الوزير أنّه عطف عليه. قال: «استدعاني الى خدمته ليلة النصف من شعبان الواقع في سنة ست عشرة وسبعمائة بالمدرسة الرشيدية المنسوبة الى [والده]، في جماعة من الأعيان والعلماء والأكابر والفضلاء، فصلّينا في داره العامرة، ولما انقضت الصلاة أمر بإحضار أهل الطّرب وما يتعلّق بأسباب الجمعيّا [ت] من الفواكه ... وأنواع المشروب، وأحيينا تلك اللّيلة في خدمته».
وممّا يثبت سفرته المذكورة الى السلطانية قوله في سيرة عزّ الدين (٢) أبي المظفّر يحيى بن شمس الدين محمد الجويني الكاتب: «ولمّا قصدت الحضرة، في شهر ربيع الآخر سنة ست عشرة وسبعمائة، كان عزّ الدين قد ظهر أنّه لم يقتل»، وقوله في سيرة محيي الدين عبد القادر بن أحمد الصرصري: «وسمع مولانا قاضي قضاة الممالك شرقا وغربا نظام الحق والدين أبو المكارم عبد الملك بن محمد القزويني ثم المراغي قوله بمحروسة السلطانية في يوم الجمعة الخامس والعشرين من شهر ربيع الآخر سنة ست عشرة وسبعمائة أو شافهه بالعدالة ...»، وقوله في
стр. 33
موجز ترجمة محيي الدين عيسى بن أبي المجد الشرواني: «واجتمعت بخدمته مع مولانا المعظّم الفاضل نجم الدين أبي بكر بن محمد الطشتي في دار قضاة الممالك نظام الحق والدين (١)، في أوائل جمادى الآخرة سنة ست عشرة وسبعمائة؛ وهو شيخ فاضل عالم، حسن الأخلاق».وقال في سيرة مجد الدين عبد الكريم بن حاجي بن الياس المراغي: «رأيته بمحروسة السلطانية في المرّة الثانية، سنة ست عشرة وسبعمائة وكتبت منه ما لم أعرفه من الأحوال».وقال في ترجمة عزّ الدين (٢) طاهر بن محمد بن أبي بكر التبريزي: «رأيته مع عمّه عماد الدين المفضل، في حضرة سعد الدين هبة الله بن عبد المحسن الجوهري، بالسلطانية سنة ست عشرة وسبعمائة».وفي مختصر سيرة عزّ الدين الحسين (٣) بن أبي الفخر الجاردهي: «رأيته في بيوت الخاتون المعظّمة حاجية خاتون في شهر ربيع الآخر سنة سبع عشرة وسبعمائة».
وقد أطلت في إثبات ذلك، لأنّ بعض الباحثين ادّعى أنّ ابن الفوطيّ عاد الى بغداد سنة ٧١٦ هـ، وذلك وهم مبين. وقد انصرمت سنة ٧١٦ هـ وسنة ٧١٧ هـ وابن الفوطي بالسلطانية؛ ولعلّه كان كما كان في سفرته الاولى ينسخ ويقابل، ويعين على التأليف، وربّما كلّف الترجمة من الفارسية الى العربية في خدمة رشيد الدين؛ ولعلّ السبب في الانصراف التام لخدمة الوزير المذكور هو وفاة مخدومه وابن أستاذه وحاميه أصيل الدين الحسن بن نصير الدين الطوسيّ سنة ٧١٥ هـ.
وفي سنة ٧١٨ هـ عاد ابن الفوطيّ الى بغداد. استدللنا على ذلك بأنّه ذكر خبرين لتعديلين جريا ببغداد ذكر رجل مقيم بها (٤)، وكان التعديل الأوّل في شهر
стр. 34
رمضان، والتعديل الثاني في شوّال، فابن الفوطي عاد الى بغداد قبل هذين الشهرين من سنة ٧١٨ هـ، وفي شهر جمادى الاولى من تلك السنة، قتل الوزير ابن رشيد الدين بأمر من السلطان أبي سعيد بهادر خان بن السلطان محمد أولجايتو، ولمّا قتل الوزير المذكور كان ابن الفوطيّ ببغداد، والفرق بين جمادى الاولى وشهر رمضان ثلاثة أشهر في الأقلّ. وكان من توفيق الله تعالى له أنّه عاد قبل قتل الوزير، ولولا ذلك ما سلم من الأذى، لأنّه كان في خدمته ومن أتباعه، وإن كان في زمرة الناسخين والكتّاب، ففي ساعة الغضب وعسر الحساب لا يتحدّد الأذى والعقاب.
واستمرّ ابن الفوطيّ على الإقامة ببغداد من سنة ٧١٨ هـ الى سنة ٧٢٣ هـ وفيها توفّي مفلوجا عن إحدى وثمانين سنة، وكانت وفاته في آخر نهار الاثنين غرّة المحرّم؛ وقيل في ثالثه، وقيل في ثاني عشره من تلك السنة، وكانت مدّة إصابته بالفالج أكثر من سبعة أشهر، ودفن في الشونيزية مقبرة الصوفية، وهي أقرب الى شرقيّ بغداد من مقبرة الإمام أحمد بن حنبل بباب حرب؛ وإن كانتا بالجانب الغربيّ، وكانت على سيرة ابن الفوطيّ مسحة من التصوّف، وإن ظئر عليه ظأرا بأسباب مختلفة، فالتعوّد باستمرار الزمن يكون عادة، وكان هو صوفي السيرة والمعيشة دون المشرب والذوق. وربّما كان في دفنه هناك سبب لا نزال نجهله ممّا يخصّ سيرة ابن الفوطيّ من حيث الوفاء بحقوق المذهب الحنبلي وسلوك الطريقة السلفيّة والقيام بالفرائض والسّنن.
стр. 35
سيرته العلمية وآثاره الأدبيّة ومنها التاريخ
ذكرنا في أثناء الكلام على سيرة حياته، إن صحّ التعبير، شيئا من سيرته العلمية. وذلك للاتّصال الوثيق بين السيرتين، بحيث يتعذّر الفصل بينهما فصلا تامّا، ونحن نحاول ها هنا أن نتكلّم على سيرته العلمية، وآثاره ببعض تفصيل، فابن الفوطيّ كان والده قد هيّأه لدراسة الأدب وإتقان الحديث النبويّ وعلومه، كشأن أبناء الطبقة الوسطى من المجتمع الإسلامي العراقيّ في القرن السابع للهجرة وما قبله؛ وهم الأعيان إذا عدّدنا الطبقة الاولى طبقة الامراء، وقد ذكر هو في تلخيص معجم الألقاب أنّه درس المقامات الحريريّة، كما نقلناه من قبل، وسمع جامع الترمذي في الحديث، كما قدّمنا ذكره، قبل أن يبلغ الرابعة عشرة من عمره، ولكن مثل هذه الدراسة تكون، كما هو معروف، قليلة الفوائد لصغر السنّ.
فالحشد اللّغوي الذي احتوت عليه المقامات الحريريّة، وغريب الحديث الذي اشتمل عليه جامع الترمذيّ، ليسا ممّا يستوعبه ويعيه تلميذ فيما دون الرابعة عشرة من العمر بأيّام أو أشهر، ولا ممّا يفهمه، فالدراسة التي درسها ابن الفوطيّ قبل أسره ونقله الى خارج العراق أي قبل سنة ٦٥٦ هـ التي قرضت فيها الدولة العبّاسيّة إنّما كانت أشبه بالأحلام، إلاّ أنّ فائدتها الجليلة كانت في إنقاذ ابن الفوطيّ من الامّيّة وفي تعليمه الكتابة، أعني إقداره على القراءة والكتابة، وهما بابا التثقّف والتعلّم الأوحدان.
والظاهر أنّه تعلّم مبادئ الخطّ على مؤدب حسن الخطّ، وأنّه كان له ميل الى جمال الخطّ. فلمّا هرب من أسر الكفّار، وأراد بهم التّتار، والتجأ الى نصير الدين الطوسيّ بمراغة سنة «٦٦٠ هـ» وانتظم في سلك أتباعه وتلامذته، ووكل اليه أمر خزانة كتب الرصد، اجتهد في تحسين خطّه. لأنّ من لوازم الخازن في خزائن الكتب ودورها أن يكون حسن الخطّ، وقد أتقن خطّ النستعليق
стр. 36
ويسمّى «النستعليق» على النحت لا على التركيب، وهو الخطّ الشائع أيّامئذ في بلاد فارس، المفيد الاقتصاد في استعمال الكاغد والورق وغيرهما، لتعليق العلوم والفنون على اختلافها، وقد أمره نصير الدين بكتابة الزيج الإيلخاني وغيره من كتب علم النجوم، وجمال خطّه بنوعيه ظاهر فيما بقي ووجد من كتبه ومنسوخاته، «كتلخيص معجم الألقاب» وكتاب «الأحكام»، و «كامل ابن الأثير»، قال الصلاح الصفدي في كتابه «أعيان العصر وأعوان النصر»: «وأمّا خطّ ابن الفوطيّ فلم أر أقوى منه ولا أبرع، ولا أسرح ولا أسرع، خطّ فائق، رافع رائق، بديع الى الغاية في تعليقه ... وكان يكتب من هذا الخطّ العجيب في كل يوم أربع كراريس، يأتي بها أنقش وأنفس من ذنب الطواويس، وأخبرني من رآه قال:
ينام ويضع ظهره الى الأرض، ويكتب ويداه الى جهة السقف. ولم أر له بعد هذا خطّا إلاّ وهو عجب».وقال الذهبي وتابعه ابن رجب: «كتب الكثير بخطّه المليح ... وله ذكاء مفرط وخطّ منسوب رشيق في غاية الحسن»، وقال ابن حجر العسقلاني: «كتب بخطّه المليح كثيرا جدّا ... وكان له نظم حسن، وخطّ بديع جدّا.
ملكت بخطّه «خريدة القصر» للعماد الكاتب في أربع مجلّدات، في قطع الكبير؛ وقدّمتها لصاحب اليمن فأثابني عليها ثوابا جزيلا جدّا، وكان مع حسن خطّه يكتب في اليوم أربع كراريس».
ودرس ابن الفوطيّ علوم الأوائل، ومنها الفلسفة على النصير الطوسيّ، كما يفهم من مترجميه، وحضر مجالس كبار العلماء في ذلك العصر؛ وكانوا يردون مراغة جماعات جماعات ووحدانا، وكتب دروس الحكمة لنفسه ولغيره كما ذكر هو نفسه، إلاّ أنّنا لم نجد في أقواله ولا في تآليفه ولا في أسمائها أثرا لتلك الحكمة، ولذلك لم يغل ابن حجر في نعته بالحكمة بل قال: «وكان له نظر في علوم الأوائل».
والله أعلم بذلك النظر، بعد أن لم نجد له من أثر، فالرّجل حنبليّ المذهب، سلفيّ المشرب، لا يعرّج صادقا على علوم الأوائل والفلسفة والحكمة وهواه في الحديث.
стр. 37
ولا شكّ في أنّ ابن الفوطيّ درس اللّغة العربيّة، وحفظ المقامات الحريريّة، كما ادّعى، إلاّ أنّه لم يدرس اللّغة دراسة حقّة، دلّ على ذلك اسلوبه القصير النفس، المكرور السجع، الخالي من كلّ أناقة، الضيّق الدائرة؛ ودلّ على ذلك ارتكابه أحيانا الغلط النحوي، أعني اللّحن، والخطأ الكتابي، كما هو ظاهر للعالم القارئ لما بقي من أجزاء كتابه «تلخيص معجم الألقاب»، ثمّ إنّ إقباله على تعلّم اللغة الفارسيّة بالتحقيق واللّغة المغولية على الراجح أوهن قدرته على اللّغة العربية، فظهرت العجمة في تركيب كلامه أحيانا، كتذكير المؤنّث وغيره؛ وربّما كان يكتب بالفارسيّة أحسن من كتابته بالعربيّة؛ إلاّ أنّنا لم نعثر على كتابة له بالفارسيّة غير ما نسخه منها في الكتب العربيّة ناقلا النصوص، وإن نعثر يوما ما ينبغ أن نعرضها على محسن متقن لتلك اللّغة ليحكم في أمرها.
إنّ ابن الفوطيّ قد تيسّر له أن يقضي من عمره أكثر من ست وخمسين سنة في خزانتي الرصد التي قيل: إنّها احتوت على أربعمائة ألف مجلّد، كما ذكرنا سابقا، وخزانة المدرسة المستنصريّة التي كان فيها ثمانون ألف مجلّد، فقرأ منها ما شاء، ونقل منها ما أراد، ونسخ منها ما شاء وكان من كتب نفيسة، ومخطوطات اخرى نادرة، وتواريخ عزيزة، وجوامع كتب التراجم والألقاب، والسّير والأنساب ما يعدّ بعشرات بل مئات، فضلا عن كتب الحديث ورجاله، وكتب المحاضرات والأخبار، ودواوين النثر والشعر، وكتب الرقائق والتصوّف والحكمة والطبّ والهيئة وما وراء الطبيعة، وغير ذلك كالحساب والهندسة.
وقد لهج ابن الفوطيّ بالتاريخ على اختلاف أنواعه المعروفة يومئذ، لأنّ العيش الصوفي يميل الى التاريخ، وفيه كثير من المواعظ والعبر، والحوادث والتجارب والغير، ولأنّه خير ما تقضى به الأوقات، وتستمتع به النفوس الحكيمة، ولأنّه يحتاج الى إمعان في إنعام الفكر وإضناء للدّماغ في الاستيعاب والإدراك، ولأنّ موادّه مهيّأة وافرة متكاثرة، ولأنّ ابن الفوطيّ كان يدّعي العروبة، ويحتج للانتماء الى الأمير معن بن زائدة الشيباني؛ ألا تقرأ قوله في آخر
стр. 38
تسميته نفسه «الشيباني» بخطّ يده. وقد ذكرنا أنّ ذلك ممّا حداه على تعلّم علم الأنساب، والأنساب من علوم التاريخ، ولأنّه خالط العلويّين، وتتلمذ على نسّابة مشهور منهم هو جمال الدين أحمد بن مهنّا العلويّ، والعلويّون مغرمون بالأنساب، وعرض بعض تآليفه على السيّد عميد الدين عبد المطّلب بن علي بن الحسن بن المختار، فطالع فيه، كما ذكر هو في ترجمته (١)، ولأنّ أكثر فنون التاريخ القديم لا تتعدّى النسخ والجمع والترتيب، وابن الفوطي ناسخ بارع استئلافا واحترافا.
ولم يقتصر ابن الفوطيّ على الجمع والاقتباس من الكتب، بل بعثه حبّه للسّماع، أعني سماع الأحاديث، على الاستكثار من ذلك، والسعي الى الشيوخ الرّواة، والقصد الى المعمّرين منهم والعلماء والادباء والشعراء يستمليهم أو يستكتبهم أو يسترويهم أو يستقرئهم أو يستنشدهم، وينقل عنهم بالمشافهة أو الإجازة أو المناولة، حتى لقد ذكر أنّ مشيخته احتوت على خمسمائة شيخ بين مسمع له ومجيز له الرواية عنه، وأنا أحسب هذه المشيخة مقصورة على رجال الحديث النبوي الشريف، وإلاّ فانّ الذين لقيهم وكتب عنهم أو استكتبهم يعدّون بآلاف، ولا أقول بالوف. ومنهم من لقيه مرّتين، ومنهم من لقيه ثلاث مرّات في ثلاثة مواضع، ولم ينكل عن النقل عنه في المرّات الثلاث، كما ذكر في سيرة كمال الدين أحمد بن أبي بكر البكري الزنجاني.
وقد حفظ ابن الفوطيّ في كتابه «تلخيص مجمع الآداب المرتّب على معجم الأسماء في معجم الألقاب» فوائد كثيرة وفيرة في الأدب والشعر والتاريخ والنثر الإخواني والنثر الديواني، لا توجد في كتاب غيره، فضلا عن التراجم التي كتبها لأعيان عصره وأماثل مصره، في عصر قلّ فيه المؤرّخون باللّغة العربية في البلاد الشرقية خاصّة، ولا سيّما العراق والجزيرة، وذلك لغلبة اللّغة الفارسية في عصر المغول. وإنّ هذا المعجم الوسيع المبني على الألقاب أوّلا، يدلّ دلالة واضحة على
стр. 39
كثرة مجموعات ابن الفوطيّ التاريخية ووساعة مطالعاته. ولا غرابة في ذلك، فقد كان يقيّد وينقل ويترجم ويستنشد ويستملي ويستكتب ويستقرئ طوال سيرته العلميّة (١) وسيرته الأدبيّة (٢). ولذلك قال ابن حجر العسقلاني في الدرر: «كان روضة معارف، وبحر أخبار».
ولم نجد عند ابن الفوطيّ ميلا الى الفقه واصوله، ولا ألفينا في كتابه نكتا فقهيّة، لأنّه ابتدأ صباه بدراسة الأدب وسماع الحديث؛ ولم يرغبه والده في الفقه، ولم تكن سنّه قبل أسر المغول له متأهّلة لدراسة الفقه، وفيه الاصول والاستدلال والاستنباط والعلّة والمعلول والقياس والاستصحاب، واصول الفقه - في رأيي - من العلوم التي تساعد على فهم الحكمة والفلسفة، فلو كان ابن الفوطيّ درس اصول الفقه لسهّل ذلك عليه أن يستوعب فنون الحكمة من علوم الأوائل، ثمّ إنّ المربى الذي عاش فيه بمراغة لم يفتح له مجالا لدراسة الفقه واصوله وفروعه، لأنّها كانت في ذلك المربى من العلوم الثانوية، على أنّ تهاونه بعلوم الأوائل حفظ عليه دينه وصانه من بلاء الإلحاد. غير أنّ عفيف الدين المطريّ قال، كما جاء في تذكرة الحفّاظ: «بلغني أنّه كان يخلّ بالصلوات، ويدخل في بلايا»، وقال الذهبي نفسه: «وبعض الفضلاء تكلّم في عدالته، وكان ربّما يشرب المسكر»، وزاد ابن رجب في ذيل طبقات الحنابلة وقد تكلّم في عقيدته وفي عدالته: «وسمعت من بعض شيوخنا ببغداد شيئا من ذلك».وقال ابن حجر في لسان الميزان نقلا عن الذهبي: «كانت في دينه رقّة»، ونقل عن الذهبيّ أيضا في ذيل العبر: «أنّ له هنات وبوائق».
فإن كان أراد بالعقيدة عقيدة الإسلام، فالمتكلّم في عقيدته لم يكن على
стр. 40
صواب؛ وإن أراد له مخالفته لعقيدة الحنابلة، فذلك أمر ممكن، لأنّه كما ذكرنا قبلا قد خرج من دائرته الاجتماعية الضيّقة وساح في البلاد، وخالط مختلف طبقات العباد، واتّسعت آفاق فكره باطّلاعه على كتب الحكماء الطبيعيّين ولو لم يستوعب دراسة الحكمة ولا استوفاها، واتّصل بأهل المذاهب الاخرى ولا سيّما الشافعية، وقد تصوّف بسببهم مجبرا مظؤورا، وخالط الشيعة الإمامية علماءها ونسّابيها كعبد الكريم بن طاوس، فقد ساكنه في مشهد البرمة ببغداد، ورضيّ الدين علي ابن طاوس الصغير النقيب، وقد رافقه في السفر الى السلطانية، كما مرّ، والنصير الطوسيّ، وقد تتلمذ عليه والتجأ إليه ووجد فيه المفيد المعين، والمساعد، وخالط غيرهم ممّن ذكرهم في معجمه، وعرّفنا منهم جماعة انضمّ على أسمائها وسيرها الجزءان المعثور عليهما من التلخيص. وأمّا شربه المسكر فقد صرّح هو نفسه بما يشعر به في ترجمة الوزير غياث الدين محمد ابن الوزير رشيد الدين، وقد تقدّم، وأمّا صحّة عقيدته الاسلامية عموما فثابتة بما كان ينعى على ذوي العقيدة السيئة والمتفلسفين الذين لا يقولون بالشريعة المحمّدية، كما ذكر هو (١). وأمّا عدالته فقد ذكرنا أنّ قاضي القضاة الحسن بن القاسم النيلي قبل شهادته سنة ٧٠٨ هـ من غير تزكية؛ وفي ذلك ما فيه من جليل التعديل، ولعلّه كان في زمان أعوزت فيه الشهود المزكّون الذين تقبل شهادتهم فيه.
إنّ ابن الفوطيّ، وإن ألّف بمراغة كتاب «من قصد الرصد» وسمع جماعة من الشيوخ والعلماء فيها وفي غيرها من بلاد الفرس، فأعظم سعيه في سماع الشيوخ وجمع الأحاديث قد ابتدأ بعد رجوعه الى بغداد سنة ٦٧٩ هـ لأنّ بغداد يومئذ لا تزال معدن الرّواة والمحدّثين، ومباءة العلماء والفضلاء، وإن ذهب كثير منهم بالسيف في واقعة المغول سنة ٦٥٦ هـ ولأنّ الكوفة كانت تحتفظ بجماعة من شيوخ الإماميّة وشيوخ الحنفيّة، هم منية طالب الحديث وطلبة متمني الرواة؛ ولأنّ الحلّة احتضنت الأدب العربيّ بعموم معناه بعد سقوط بغداد بأيدي المغول،