ويسمّى «النستعليق» على النحت لا على التركيب، وهو الخطّ الشائع أيّامئذ في بلاد فارس، المفيد الاقتصاد في استعمال الكاغد والورق وغيرهما، لتعليق العلوم والفنون على اختلافها، وقد أمره نصير الدين بكتابة الزيج الإيلخاني وغيره من كتب علم النجوم، وجمال خطّه بنوعيه ظاهر فيما بقي ووجد من كتبه ومنسوخاته، «كتلخيص معجم الألقاب» وكتاب «الأحكام»، و «كامل ابن الأثير»، قال الصلاح الصفدي في كتابه «أعيان العصر وأعوان النصر»: «وأمّا خطّ ابن الفوطيّ فلم أر أقوى منه ولا أبرع، ولا أسرح ولا أسرع، خطّ فائق، رافع رائق، بديع الى الغاية في تعليقه ... وكان يكتب من هذا الخطّ العجيب في كل يوم أربع كراريس، يأتي بها أنقش وأنفس من ذنب الطواويس، وأخبرني من رآه قال:
ينام ويضع ظهره الى الأرض، ويكتب ويداه الى جهة السقف. ولم أر له بعد هذا خطّا إلاّ وهو عجب».وقال الذهبي وتابعه ابن رجب: «كتب الكثير بخطّه المليح ... وله ذكاء مفرط وخطّ منسوب رشيق في غاية الحسن»، وقال ابن حجر العسقلاني: «كتب بخطّه المليح كثيرا جدّا ... وكان له نظم حسن، وخطّ بديع جدّا.
ملكت بخطّه «خريدة القصر» للعماد الكاتب في أربع مجلّدات، في قطع الكبير؛ وقدّمتها لصاحب اليمن فأثابني عليها ثوابا جزيلا جدّا، وكان مع حسن خطّه يكتب في اليوم أربع كراريس».
ودرس ابن الفوطيّ علوم الأوائل، ومنها الفلسفة على النصير الطوسيّ، كما يفهم من مترجميه، وحضر مجالس كبار العلماء في ذلك العصر؛ وكانوا يردون مراغة جماعات جماعات ووحدانا، وكتب دروس الحكمة لنفسه ولغيره كما ذكر هو نفسه، إلاّ أنّنا لم نجد في أقواله ولا في تآليفه ولا في أسمائها أثرا لتلك الحكمة، ولذلك لم يغل ابن حجر في نعته بالحكمة بل قال: «وكان له نظر في علوم الأوائل».
والله أعلم بذلك النظر، بعد أن لم نجد له من أثر، فالرّجل حنبليّ المذهب، سلفيّ المشرب، لا يعرّج صادقا على علوم الأوائل والفلسفة والحكمة وهواه في الحديث.
стр. 37
ولا شكّ في أنّ ابن الفوطيّ درس اللّغة العربيّة، وحفظ المقامات الحريريّة، كما ادّعى، إلاّ أنّه لم يدرس اللّغة دراسة حقّة، دلّ على ذلك اسلوبه القصير النفس، المكرور السجع، الخالي من كلّ أناقة، الضيّق الدائرة؛ ودلّ على ذلك ارتكابه أحيانا الغلط النحوي، أعني اللّحن، والخطأ الكتابي، كما هو ظاهر للعالم القارئ لما بقي من أجزاء كتابه «تلخيص معجم الألقاب»، ثمّ إنّ إقباله على تعلّم اللغة الفارسيّة بالتحقيق واللّغة المغولية على الراجح أوهن قدرته على اللّغة العربية، فظهرت العجمة في تركيب كلامه أحيانا، كتذكير المؤنّث وغيره؛ وربّما كان يكتب بالفارسيّة أحسن من كتابته بالعربيّة؛ إلاّ أنّنا لم نعثر على كتابة له بالفارسيّة غير ما نسخه منها في الكتب العربيّة ناقلا النصوص، وإن نعثر يوما ما ينبغ أن نعرضها على محسن متقن لتلك اللّغة ليحكم في أمرها.
إنّ ابن الفوطيّ قد تيسّر له أن يقضي من عمره أكثر من ست وخمسين سنة في خزانتي الرصد التي قيل: إنّها احتوت على أربعمائة ألف مجلّد، كما ذكرنا سابقا، وخزانة المدرسة المستنصريّة التي كان فيها ثمانون ألف مجلّد، فقرأ منها ما شاء، ونقل منها ما أراد، ونسخ منها ما شاء وكان من كتب نفيسة، ومخطوطات اخرى نادرة، وتواريخ عزيزة، وجوامع كتب التراجم والألقاب، والسّير والأنساب ما يعدّ بعشرات بل مئات، فضلا عن كتب الحديث ورجاله، وكتب المحاضرات والأخبار، ودواوين النثر والشعر، وكتب الرقائق والتصوّف والحكمة والطبّ والهيئة وما وراء الطبيعة، وغير ذلك كالحساب والهندسة.
وقد لهج ابن الفوطيّ بالتاريخ على اختلاف أنواعه المعروفة يومئذ، لأنّ العيش الصوفي يميل الى التاريخ، وفيه كثير من المواعظ والعبر، والحوادث والتجارب والغير، ولأنّه خير ما تقضى به الأوقات، وتستمتع به النفوس الحكيمة، ولأنّه يحتاج الى إمعان في إنعام الفكر وإضناء للدّماغ في الاستيعاب والإدراك، ولأنّ موادّه مهيّأة وافرة متكاثرة، ولأنّ ابن الفوطيّ كان يدّعي العروبة، ويحتج للانتماء الى الأمير معن بن زائدة الشيباني؛ ألا تقرأ قوله في آخر
стр. 38
تسميته نفسه «الشيباني» بخطّ يده. وقد ذكرنا أنّ ذلك ممّا حداه على تعلّم علم الأنساب، والأنساب من علوم التاريخ، ولأنّه خالط العلويّين، وتتلمذ على نسّابة مشهور منهم هو جمال الدين أحمد بن مهنّا العلويّ، والعلويّون مغرمون بالأنساب، وعرض بعض تآليفه على السيّد عميد الدين عبد المطّلب بن علي بن الحسن بن المختار، فطالع فيه، كما ذكر هو في ترجمته (١)، ولأنّ أكثر فنون التاريخ القديم لا تتعدّى النسخ والجمع والترتيب، وابن الفوطي ناسخ بارع استئلافا واحترافا.
ولم يقتصر ابن الفوطيّ على الجمع والاقتباس من الكتب، بل بعثه حبّه للسّماع، أعني سماع الأحاديث، على الاستكثار من ذلك، والسعي الى الشيوخ الرّواة، والقصد الى المعمّرين منهم والعلماء والادباء والشعراء يستمليهم أو يستكتبهم أو يسترويهم أو يستقرئهم أو يستنشدهم، وينقل عنهم بالمشافهة أو الإجازة أو المناولة، حتى لقد ذكر أنّ مشيخته احتوت على خمسمائة شيخ بين مسمع له ومجيز له الرواية عنه، وأنا أحسب هذه المشيخة مقصورة على رجال الحديث النبوي الشريف، وإلاّ فانّ الذين لقيهم وكتب عنهم أو استكتبهم يعدّون بآلاف، ولا أقول بالوف. ومنهم من لقيه مرّتين، ومنهم من لقيه ثلاث مرّات في ثلاثة مواضع، ولم ينكل عن النقل عنه في المرّات الثلاث، كما ذكر في سيرة كمال الدين أحمد بن أبي بكر البكري الزنجاني.
وقد حفظ ابن الفوطيّ في كتابه «تلخيص مجمع الآداب المرتّب على معجم الأسماء في معجم الألقاب» فوائد كثيرة وفيرة في الأدب والشعر والتاريخ والنثر الإخواني والنثر الديواني، لا توجد في كتاب غيره، فضلا عن التراجم التي كتبها لأعيان عصره وأماثل مصره، في عصر قلّ فيه المؤرّخون باللّغة العربية في البلاد الشرقية خاصّة، ولا سيّما العراق والجزيرة، وذلك لغلبة اللّغة الفارسية في عصر المغول. وإنّ هذا المعجم الوسيع المبني على الألقاب أوّلا، يدلّ دلالة واضحة على
стр. 39
كثرة مجموعات ابن الفوطيّ التاريخية ووساعة مطالعاته. ولا غرابة في ذلك، فقد كان يقيّد وينقل ويترجم ويستنشد ويستملي ويستكتب ويستقرئ طوال سيرته العلميّة (١) وسيرته الأدبيّة (٢). ولذلك قال ابن حجر العسقلاني في الدرر: «كان روضة معارف، وبحر أخبار».
ولم نجد عند ابن الفوطيّ ميلا الى الفقه واصوله، ولا ألفينا في كتابه نكتا فقهيّة، لأنّه ابتدأ صباه بدراسة الأدب وسماع الحديث؛ ولم يرغبه والده في الفقه، ولم تكن سنّه قبل أسر المغول له متأهّلة لدراسة الفقه، وفيه الاصول والاستدلال والاستنباط والعلّة والمعلول والقياس والاستصحاب، واصول الفقه - في رأيي - من العلوم التي تساعد على فهم الحكمة والفلسفة، فلو كان ابن الفوطيّ درس اصول الفقه لسهّل ذلك عليه أن يستوعب فنون الحكمة من علوم الأوائل، ثمّ إنّ المربى الذي عاش فيه بمراغة لم يفتح له مجالا لدراسة الفقه واصوله وفروعه، لأنّها كانت في ذلك المربى من العلوم الثانوية، على أنّ تهاونه بعلوم الأوائل حفظ عليه دينه وصانه من بلاء الإلحاد. غير أنّ عفيف الدين المطريّ قال، كما جاء في تذكرة الحفّاظ: «بلغني أنّه كان يخلّ بالصلوات، ويدخل في بلايا»، وقال الذهبي نفسه: «وبعض الفضلاء تكلّم في عدالته، وكان ربّما يشرب المسكر»، وزاد ابن رجب في ذيل طبقات الحنابلة وقد تكلّم في عقيدته وفي عدالته: «وسمعت من بعض شيوخنا ببغداد شيئا من ذلك».وقال ابن حجر في لسان الميزان نقلا عن الذهبي: «كانت في دينه رقّة»، ونقل عن الذهبيّ أيضا في ذيل العبر: «أنّ له هنات وبوائق».
فإن كان أراد بالعقيدة عقيدة الإسلام، فالمتكلّم في عقيدته لم يكن على
стр. 40
صواب؛ وإن أراد له مخالفته لعقيدة الحنابلة، فذلك أمر ممكن، لأنّه كما ذكرنا قبلا قد خرج من دائرته الاجتماعية الضيّقة وساح في البلاد، وخالط مختلف طبقات العباد، واتّسعت آفاق فكره باطّلاعه على كتب الحكماء الطبيعيّين ولو لم يستوعب دراسة الحكمة ولا استوفاها، واتّصل بأهل المذاهب الاخرى ولا سيّما الشافعية، وقد تصوّف بسببهم مجبرا مظؤورا، وخالط الشيعة الإمامية علماءها ونسّابيها كعبد الكريم بن طاوس، فقد ساكنه في مشهد البرمة ببغداد، ورضيّ الدين علي ابن طاوس الصغير النقيب، وقد رافقه في السفر الى السلطانية، كما مرّ، والنصير الطوسيّ، وقد تتلمذ عليه والتجأ إليه ووجد فيه المفيد المعين، والمساعد، وخالط غيرهم ممّن ذكرهم في معجمه، وعرّفنا منهم جماعة انضمّ على أسمائها وسيرها الجزءان المعثور عليهما من التلخيص. وأمّا شربه المسكر فقد صرّح هو نفسه بما يشعر به في ترجمة الوزير غياث الدين محمد ابن الوزير رشيد الدين، وقد تقدّم، وأمّا صحّة عقيدته الاسلامية عموما فثابتة بما كان ينعى على ذوي العقيدة السيئة والمتفلسفين الذين لا يقولون بالشريعة المحمّدية، كما ذكر هو (١). وأمّا عدالته فقد ذكرنا أنّ قاضي القضاة الحسن بن القاسم النيلي قبل شهادته سنة ٧٠٨ هـ من غير تزكية؛ وفي ذلك ما فيه من جليل التعديل، ولعلّه كان في زمان أعوزت فيه الشهود المزكّون الذين تقبل شهادتهم فيه.
إنّ ابن الفوطيّ، وإن ألّف بمراغة كتاب «من قصد الرصد» وسمع جماعة من الشيوخ والعلماء فيها وفي غيرها من بلاد الفرس، فأعظم سعيه في سماع الشيوخ وجمع الأحاديث قد ابتدأ بعد رجوعه الى بغداد سنة ٦٧٩ هـ لأنّ بغداد يومئذ لا تزال معدن الرّواة والمحدّثين، ومباءة العلماء والفضلاء، وإن ذهب كثير منهم بالسيف في واقعة المغول سنة ٦٥٦ هـ ولأنّ الكوفة كانت تحتفظ بجماعة من شيوخ الإماميّة وشيوخ الحنفيّة، هم منية طالب الحديث وطلبة متمني الرواة؛ ولأنّ الحلّة احتضنت الأدب العربيّ بعموم معناه بعد سقوط بغداد بأيدي المغول،
стр. 41
وآل مهنا الحسنيّون الذي خالطهم ابن الفوطيّ مخالطة تامّة وروى عن جماعة منهم؛ ولذلك سافر الى الحلّة وإن كان سفره في طلب الرّزق أيضا.
إنّ الذي رفع مقام ابن الفوطيّ هو زيادته على كتابة من كتب من المؤرّخين قبله، وذلك بذكره حوادث عصره ومعاصريه. ولذلك استأهل أن يذكر في كتب التاريخ والتراجم الجليلة، مثل كتب شمس الدين الذهبيّ، وكتب الصفديّ، وتاريخ ابن رافع السّلاّميّ، وكتب غيرهم من المؤرّخين غير العراقيّين؛ فضلا عن العراقيّين على قلّتهم بعد ذلك العصر. وقد استحقّ أن يذكره الذهبيّ بقوله في «تذكرة الحفّاظ»: «ابن الفوطيّ العالم البارع، المتقن المحدّث، الحافظ المفيد، مؤرّخ الآفاق، معجز أهل العراق، كمال الدين أبو الفضائل عبد الرزّاق بن أحمد (١) ...».وقال مؤلّف كتاب «غاية الاختصار» في خبر رواه: «حدّثني الفاضل المؤرّخ العلاّمة أبو الفضل عبد الرزّاق بن أحمد الشيباني» يعني ابن الفوطيّ، وقد وصفه ب «الفاضل العلاّمة».وقال الذهبيّ في موضع آخر: «ما كان ابن الفوطي بدون أبي الفرج الأصبهاني (٢)».وقد قدّمنا قول ابن حجر في «الدّرر»: «إنّه كان روضة معارف وبحر أخبار».وفي التسوية بينه وبين أبي الفرج الأصفهاني نظر أيّ نظر، وذلك لاختلاف المذهب والمشرب والموضوعات.
وأقول المؤرّخين في مدحه كثيرة، من ذلك قول الذهبيّ في «تذكرة الحفّاظ»: «ابن الفوطيّ العالم البارع المتقن المحدّث الحافظ المفيد».وقوله في موضع آخر وهو «المعجم المختصّ»: «المحدّث البارع العالم المتفنّن مؤرّخ الدنيا» «فاق علماء الآفاق في علم التاريخ وأيّام الناس، وصنّف في ذلك وقر بعير بخطّه
стр. 42
المنسوب وعبارته العذبة ... أجاز لنا غير مرّة، ومع سعة معرفته لم يكن بالمتثبّت فيما يترجمه، ولا يتورّع في مديح الفجّار، وفي دينه رقّه، ويأخذ جوائز التّتار والله يسامحه».
وإطالة الله تعالى عمره جعلته مرغوبا في حديثه، متوقا الى سماعه، مطلوب الإجازة، وقد استجازة شمس الدين الذهبيّ وغيره من أعلام المحدّثين، كما مرّ نقله آنفا. واستجازه الفريقان، فريق السّنّة وفريق الشيعة، كالسيّد تاج الدين محمد بن القاسم بن معيّة الحسني النسّابة، ونقل كثيرون من تآليفه في التاريخ والأنساب.
وقد ألّف ابن الفوطيّ في علوم الحديث والأدب والشعر، فضلا عن التاريخ والتراجم والأنساب، بمعناها المفهوم اليوم.
وبقي قسم من تآليفه في التراجم، ولم نجد له كتابا أدبيّا فيما بقي من المخطوطات، ك «درر الأصداف» الآتي ذكره قريبا، وقد عالج ابن الفوطيّ نظم الشعر، فيما يسمّى اليوم بالمناسبات؛ وشعره وسط أو دون الوسط. قال في مدح عماد الدين (١) خضر بن ابراهيم التبريزي:
أرى أهل دار الملك تبريز كلّهم ... يميلون نحو الكفر في كلّ موطن
وما فيهم غير الرئيس المعظّم ال ... عميد عماد الدين بمؤمن
كمؤمن حاميم الذي جاء ذكره ... ويقرأ في نصّ الكتاب المبيّن
ورثى فلك الدين محمد بن أيدمر المستعصمي (٢) بقوله من أبيات أوائلها:
ربع المعالي أضحى دارس الدّمن ... والفضل بعدك أمسى ذا [بل الغصن]
يا أيّها الفلك الدوّار جرت ولم ... تعدل على فلك الدين الفتى [الفطن]
стр. 43
الفاضل الكامل المحمود سيرته ... العالم العامل المشكور [ذو المنن]
وقال في مطايبة فخر الدين الحسن بن الحسين الزرندي:
أيّها الفخر الزرنديّ ... أنت عندي كشهند (١)
فتحاكيه بثقل ... ويحاكيك ببرد
стр. 44
تآليف ابن الفوطيّ
قال شمس الدين الذهبيّ في تذكرة الحفّاظ: «كتب من التواريخ ما لا يوصف، ومصنّفاته وقر بعير ... وعمل تاريخا كبيرا لم يبيّضه، ثمّ عمل اخر دونه في خمسين مجلّدا أسماه (مجمع الآداب في معجم الأسماء على معجم الألقاب) وألّف (درر الأصداف في غرر الأوصاف) وهو كبير جدّا. ذكر أنّه جمعه من كتاب مصنّف من التواريخ والدواوين والأنساب والمجاميع، [وهو] عشرون مجلّدا، بيّض منها خمسة، وكتاب المؤتلف والمختلف، رتّبه مجدولا، وله كتاب (التواريخ على الحوادث) وكتاب (حوادث المائة السابعة) والى أن مات، وكتاب ([نظم] الدّرر الناصعة في شعراء المائة السابعة)، في عدّة مجلّدات».
وذكر غير الذهبيّ أنّه جمع الوفيّات من سنة ستمائة في كتاب سماه «الحوادث الجامعة والتجارب النافعة الواقعة في المائة السابعة».وهو هو الكتاب الذي ذكره الذهبيّ. وذيّل على تاريخ ابن الساعي شيخه نحوا من ثمانين مجلّدة، عمله للصاحب علاء الدين عطا ملك الجويني، وله كتاب «تلقيح الأفهام في تنقيح الأوهام» وأشياء كثيرة في الأنساب وغيرها، ووفيات اخرى.
هذا ما ذكره المؤرّخون من تآليفه، وهم الذهبيّ، والصفديّ، وابن حجر العسقلانيّ، وابن رجب البغداديّ، وشمس الدين السخاويّ، مؤلّف «الإعلان بالتوبيخ لمن ذمّ التاريخ»، وجميع مؤلّفاته خالية من الحكمة والفلسفة، وكلّ شيء من علوم الأوائل. وها نحن أولاء نتكلّم على مؤلّفاته المذكورة في مواضع اخرى بالترتيب الذي ارتأيناه:
١ - مجمع الآداب المترتّب على معجم الأسماء في معجم الألقاب:
هكذا وردت تسميته في آخر الجزء الرابع منه، المؤرّخ بسنة ٧١٢ هـ والتسمية مصدّرة بكلمة «تلخيص ...».وقد جاء في أوّل كتاب الغين منه: «كتاب
стр. 45
الغين من كتاب مجمع الآداب في معجم الألقاب» وجاء في أوّل كتاب القاف منه:
«كتاب القاف من كتاب مجمع الآداب على معجم الأسماء في معجم الألقاب» وجاء في أوّل كتاب الكاف من الجزء الخامس: «كتاب الكاف من كتاب مجمع الآداب في معجم الألقاب».وكرّر ذلك في أوّل كتاب اللاّم، وأوّل كتاب الميم، فالمؤلف لم يقتصر على تسمية واحدة، ولم يذكر التلخيص إلاّ في آخر الجزء الرابع على حسب تجزئته. وممّن ذكر مجمع الآداب لا تلخيصه كاتب جلبي في «كشف الظنون» قال: «مجمع الآداب في معجم الأسماء والألقاب، لكمال الدين عبد الرزّاق ابن أحمد بن محمد المعروف بابن الفوطيّ البغدادي المتوفّى سنة ٧٢٣ هـ ثلاث وعشرين وسبعمائة» ذكر أنّه في خمسين مجلّدا. وقد كان ذكره في باب الميم في كشف الظنون في ثبت التواريخ باسم «مجمع الآداب» فقد وقال في مادّة تاريخ: «تاريخ ابن الفوطيّ، متعدّد كالذيل على الجامع المختصر لشيخيه ابن الساعي، والحوادث الجامعة، ومجمع الآداب».وذكره شمس الدين السخاوي باسم «معجم الآداب ومعجم الأسماء على الألقاب».
وهذا الكتاب الضخم الذي هو أكبر كتاب في الألقاب في التاريخ الاسلامي لم نجد له ذكرا كثيرا ولا قليلا، بل وجدناه مذكورا نادرا في نقل متأخّر زمان ناقله وهو رئيس لجنة التصحيح بمطبعة دار الكتب العربية الكبرى، وهو الشيخ محمد الزهري الغمراوي، قال في آخر «شرح نهج البلاغة» تأليف عزّ الدين عبد الحميد ابن أبي الحديد المدائني الأديب المؤرّخ العلاّمة مترجما له: «نقلت من كتاب معجز الآداب في معجم الألقاب، تأليف الشيخ الإمام أحمد بن محمد بن أبي المعالي (كذا) الشيباني القوطي (كذا) الذي فاق في معرفة التاريخ جميع أقرانه وأربى في علم الآداب على أبناء زمانه ...».
ونرى ما ذكره من ترجمة عزّ الدين عبد الحميد بن أبي الحديد موافقا لما ذكره محمد باقر الخونساري في كتابه «روضات الجنّات» من غير أن ينصّ على اسم كتاب ابن الفوطيّ الذي نقل منه، ولا شك في أنّ الذي ذكره الخونساري هو
стр. 46
من الأصل نقلت منه الترجمة التي أثبتها رئيس لجنة تصحيح الكتب المذكور آنفا في آخر شرح نهج البلاغة، وكلا الخبرين لا يدلّ إيجابا على وجدانهما نسختين من كتاب «مجمع الآداب» ولا وجدان الجزء الذي يليه في ترجمة عزّ الدين عبد الحميد ابن أبي الحديد، ولو كان الكتاب موجودا حقّا في زمانهما لأشار اليه الخونساري في الأقل، ولكنّه لم يقل إلاّ «وقد ذكره الشيخ أبو الفضل عبد الرزّاق ابن أحمد بن محمد بن أبي المعالي الشيباني الفوطيّ، الأديب المؤرّخ المشهور بنسبه الذي تصدّر به العنوان الى قولنا: الاصولي».
وأمّا ناشر «شرح نهج البلاغة» فلو كان وجد مجمع الآداب أو جزءا منه لافتخر بالإشارة اليه ولم يخطئ في تسمية المؤلف، فقد سماه (أحمد بن محمد بن أبي المعالي الشيباني القوطيّ) ولا في تسمية الكتاب (معجز الآداب) فالصحيح أنّه (عبد الرزّاق بن أحمد) و «الفوطيّ» بالفاء لا القاف. وأنّ الكتاب «مجمع الآداب».والظاهر لنا أنّ كلاّ منهما وجد ترجمة الشارح على نسخة عتيقة من شرح نهج البلاغة، كتب عليها ناسخها أو صاحبها ترجمة ابن الفوطيّ، فجاءت على الصورتين: المختصرة التي نقلت في الروضات، والمفصّلة التي في آخر شرح نهج البلاغة؛ ولكنّهما بتقادم الزمان وكثرة تناول الكتاب وتصفّحه ذهب من نسخة القاهرة اسم المؤلف عبد الرزّاق. ومن نسخة إيران ذهب آخر الترجمة، إلاّ أنّ الذي ينعى على الخونساري أنّه لم يذكر مرجع ترجمته؛ ولعلّه نقلها من كتاب آخر فأراد أن يحتاز لنفسه فضل الوجدان.
ويظهر لنا أنّ ابن الفوطيّ لم يتمّ كتابه (مجمع الآداب) أو لم يبيّضه كلّه لاتّساعه وكثرة أجزائه، فعمد الى تأليف التلخيص كما سيأتي بيانه.
٢ - درر الأصداف في غرر الأوصاف:
وقد ذكرنا ناقلين أنّه كتاب كبير، وأنّ ابن الفوطيّ مؤلفه قال: إنّه جمعه من ألف مصنّف من التواريخ والدواوين وكتب الأنساب والمجاميع؛ وإنّه عشرون
стр. 47
مجلّدا بيّض منها خمسة. والظاهر لنا أنّ الكتاب لم يشتهر، لأنّ ثلاثة أرباع الأجزاء بقيت في تسويدها. ولم نجد له ذكرا في غير ترجمة المؤلف وبعض كتبه.
قال ابن الفوطيّ في ترجمة بعض الادباء من الملقّبين بعز الدين الذين ضاعت أسماؤهم: «رأيت له مجموعا بخزانة كتب الرصد سنة ثلاث وستين وستمائة، وكتبت منه الى كتاب (درر الأصداف في غرر الأوصاف) وفيه فصل في ذكر ما يكتب على المناديل، من ذلك:
أنا محسودة على ... شرف القدر والعلى
في يدي سبطة الأنا ... مل مرموقة الحلى
* * *
أنا منديل عاشق ... مغرم القلب وامق
صاغني كفّ غادة ... في الصناعات حاذق
إن جرى دمعه لبي ... ن حبيب مفارق
صنته عن وشاته ... وعيون الخلائق».
ولم يذكر مؤلف «كشف الظنون» هذا الكتاب في كشفه، ولا رأيت له ذكرا في غير «تلخيص مجمع الآداب» والتواريخ المترجمة لابن الفوطيّ و «الإعلان والتوبيخ لمن ذمّ التاريخ» لشمس الدين السخاوي.
٣ - نظم الدّرر الناصعة في شعراء أهل المائة السابعة (١):
وسماه في الإعلان بالتوبيخ: (أشعار أهل العصر)، وسماه جماعة: (الدّرر الناصعة) وقد نقلنا ذلك، وكذلك قال الصفديّ في مقدّمة كتابه «الوافي بالوفيّات»
стр. 48
قال: «الدّرر الناصعة في شعراء المائة السابعة لابن الفوطيّ» وذكره مؤلفه في «تلخيص مجمع الآداب»، قال في ترجمة عزّ الدين أبي الحسن علي (١) بن عبد الوهاب البغدادي المعروف بسبط المعمار: «كتبت عنه في كتابي نظم الدّرر الناصعة في شعراء أهل المائة السابعة».وقال في ترجمة عماد الدين أبي جعفر (٢) محمد بن علي بن علوان الشيباني الحلّي، المعروف بابن الرفاعي الأديب الفقيه المقرئ: «كتبت شعره في أشعار أهل العصر».وقال في ترجمة كمال الدين أبي الفتوح حيدر بن محمد بن زيد العلوي الموصلي النقيب: «وأشعاره مذكورة في كتاب نظم الدّرر الناصعة في شعراء المائة السابعة».وكرّر ذلك كثيرا في كتابه، بحيث لم يدع شكّا في كونه أتمّ تأليف الكتاب المذكور، وما من شك في أنّه استعان في تأليفه هذا الكتاب بكتاب شيخه تاج الدين بن أنجب المعروف بابن الساعي المؤرّخ الكبير الأديب، وهو كتاب «لطائف المعاني في شعراء زماني»، وكتاب «عقود الجمان في شعراء الزمان» تأليف ابن الشعار الموصليّ المتوفّى كابن الساعي في القرن السابع للهجرة؛ وكان أسبق وفاة من ابن الساعي. وذكر هذا الكتاب شمس الذهبي في كتاب «المشتبه في أسماء الرّجال».قال في نسب التبريزي والنيريزي: «وبنون مكسورة ثمّ ياء نيريز من أعمال فارس، خطيبها أبو الحسن علي بن محمد بن على النيريزي؛ وكان من العلماء، له تفسير، ذكره ابن الفوطيّ في كتاب نظم الدّرر الناصعة في شعراء المائة السابعة ...».
٤ - التاريخ على الحوادث:
ذكر المؤرّخون أنّه ينتهي بخراب بغداد، يريدون تخريب الطاغية هولاكو التتري إيّاها سنة ٦٥٦ هـ، وقد استمرّ ابن الفوطيّ، في الحقيقة، على تسجيل الحوادث الى ما قبل وفاته، دلّ على ذلك إيماؤه في مطاوي التلخيص الى ذلك غير
стр. 49
مرّة (١).
٥ - كتاب النسب المشجّر:
ذكره ابن الفوطيّ نفسه في لقب «القمر» لأبي نوفل عبد مناف بن قصيّ ابن كلاب القرشيّ، قال: «له مع سطيح وشقّ حكايات ذكرها في كتاب النسب المشجّر» ولم أجد له ذكرا في غير هذا الكتاب.
٦ - تذكرة من قصد الرصد:
وسماّها أحيانا «كتاب من قصد الرصد» و «ذكر من قصد الرصد».يعني بالرصد رصد نصير الدين الطوسيّ، وقد مرّت الإشارة اليه. وقد ذكر هذا الكتاب في التلخيص غير مرّة (٢)، ولم أجد له ذكرا في غيره من الكتب والتواريخ، ومن حسن الحظ أنّ ابن الفوطيّ نقل منه عدّة تراجم بل أكثر تراجمه على الظاهر الى كتاب تلخيص مجمع الآداب.
٧ - بدائع التّحف في ذكر من نسب من العلماء الى الصنائع والحرف:
لم يذكره المؤرّخون في ترجمة ابن الفوطيّ؛ وذكره الذهبي في كتابه «المشتبه
стр. 50
في أسماء الرّجال» ص ٩٨، قال: «وكليب بن قيس اللّيثي الجرّار الذي وثب على أبي لؤلؤة فقتله أبو لؤلؤة، ذكره ابن الفوطيّ في كتاب بدائع التحف في ذكر من نسب من العلماء الى الصنائع والحرف، وقال: إنّما قيل له الجرّار لإقدامه على الحرب».
٨ - مشيخته:
وسماّها أحيانا: «دفتر الإجازات» لغلبة اللغة الفارسية على لسانه، ذكرها في التلخيص (١) وورد ذكرها في موضع آخر (٢).
٩ - مجموع الأدب الفارسيّ:
وقد ذكرنا أنّ ابن الفوطيّ تعلّم اللغة الفارسية وأتقنها وقرأ دواوين شعرائها المشهورين، ورسائل كتّابها البارعين، وأنّه كان ينعت جماعة ممّن يترجمهم من المعاصرين له بإتقان اللغة الفارسية أو الإجادة في إنشادها والإحسان لبلاغتها، وذلك ممّا يدل على تمهّره فيها، وقد جمع مجموعا من الأدب الفارسي، ذكره هو في التلخيص، قال في ترجمة فخر الدين أبي محمد بن عبد الله (٣) بن جامع النطالي الأصفهاني الصوفي: «قدم علينا مراغة سنة إحدى وسبعين وستمائة. وكان شيخا طوالا، حسن الأخلاق، وقد سافر الكثير، وعاشر الملك والفقير، وروى عن الكبير والصغير، وكانت له مجموعة قد كتبها من أفواه المسافرين بالفارسية، كتبت منها مقطعات حسنة الى المجموع الفارسيّ ...».
стр. 51
١٠ - الدرّ النظيم فيمن تسمّى بعبد الكريم:
ذكره ابن الفوطيّ نفسه في ترجمة غياث الدين أبي المظفّر عبد الكريم (١) بن جمال الدين أحمد بن موسى بن طاوس العلوي الحسني، قال: «وكتبت لخزانته كتاب الدّر النظيم في ذكر من تسمّى بعبد الكريم».وهو ضرب طريف من التأليف، اريد به الإعراب عن سعة الاطّلاع على التراجم لا غير، والتقرّب الى السيّد الفقيه المذكور بسبب من أسباب الأدب، وذلك بذكر الأسمياء من العلماء والشعراء والادباء والفقهاء والمحدّثين وغيرهم.
١١ - الحوادث الجامعة والتجارب النافعة الواقعة في المائة السابعة:
هكذا سماه ابن رجب في ذيل طبقات الحنابلة قال: «وذكر غير الذهبي أنّ ابن الفوطيّ جمع الوفيات من سنة ستمائة، سماه الحوادث الجامعة والتجارب النافعة الواقعة في المائة السابعة».والذهبيّ سماه: «كتاب حوادث المائة السابعة والى أن مات».وفي الحق أنّ حصر المؤلف وقصره لتأليفه على المائة السابعة، يدفع قول الذهبيّ، فكيف يكون «حوادث المائة السابعة» وهو مستمرّ الى سنة وفاته وهي سنة ٧٢٣ هـ؟ وسماه مؤلّف كشف الظنون «الحوادث الجامعة والتجارب النافعة في المائة السابعة، لكمال الدين عبد الرزّاق بن أحمد المعروف بابن الفوطيّ البغدادي المتوفّى سنة ثلاث وعشرين وسبعمائة»، وقد كان قال في مادّة التاريخ: «تاريخ ابن الفوطيّ متعدّد كالذيل على الجامع المختصر لشيخه ابن الساعي والحوادث الجامعة (في الوفيّات) ومجمع الآداب» وقد نقلنا هذا القول آنفا، وكرّر حاجي خليفة ذكر الحوادث الجامعة في ثبت كتب التاريخ المجرّد.
وقد كان في خزانة الأب أنستاس ماري الكرملي اللغوي كتاب تاريخ مخروم الأوّل، مبدأ الباقي منه سنة ٦٢٦ هـ ومنتهى الباقي منه سنة (٧٠٠ هـ)، وهو
стр. 52
مخطوط بخطّ عصريّ حديث يغلب عليه الضعف. منسوخ على نسخة محفوظة في خزانة كتب الاستاذ المحقّق أحمد باشا تيمور، وكان التيموري أهدى النسخة المنسوخة الى الأب المذكور، وقد انتسخت نسخة على نسخة الأب؛ وكلّمت أحد الكتبيّين وهو نعمان الأعظميّ في أن أتولّى نشرها والتعليق عليها وينفق هو على ذلك، فوافق، ولكن جهل اسم الكتاب كان يحول دون نشره. فاسترجح الباحث المحقّق يعقوب نعوم السركيسي البغدادي كون المخطوط المذكور «الحوادث الجامعة» لانطباق اسمه على المخطوط التاريخي الموجود، وشايعناه في هذا الاسترجاح وطبعناه باسم «الحوادث الجامعة والتجارب النافعة في المائة السابعة» ببغداد سنة ١٩٣٢ م - ١٣٥١ هـ.
وقد أجلنا الفكر، وأعملنا الروية، وأعدنا غير مرّة تصفّح هذا الكتاب، فانتهى بنا الرأي الى استحالة أن يكون هو «الحوادث الجامعة» لابن الفوطيّ، وبيّنّا الاستحالة على امور، أوّلها: خفاء ذاتيّة المؤلف وشخصيّته، بحيث يمكن عدّة جامعا لأخباره من التواريخ الاخرى، سوى إشارات قليلة جدّا، يجوز أن يكون المؤلّف بها معاصرا لقسم من الحوادث، مع أنّ ابن الفوطيّ ظاهر الذاتيّة في مؤلّفاته، يدلّ على ذلك كتابه هذا «تلخيص مجمع الآداب» فهو كثير القول فيه:
«قلت، ورأيت، وسمعت، وصديقنا، ورفيقنا، وشيخنا، والمحسن إلينا، والمفضّل علينا، ومولانا، وحدّثنا، وقال لنا، وحكى لنا، وكتب إلينا، وأجاز لنا، وما أشبه ذلك».فلم يكن إذن مانع من ظهور شخصيّته في كتاب التاريخ المذكور لو كان هو مؤلّفه. والأمر الثاني: اختلاف اسلوبي المؤلّفين في طريقة الاقتصاص والنقل والاقتباس؛ والأدلّة على ذلك كثيرة جدّا. والثالث: اختلاف خطّي المؤلّفين اختلافا مبينا، مستدلّين على ذلك بخطّ ابن الفوطيّ في التلخيص، وكتاب الأحكام، وكامل ابن الأثير المقدّم ذكره؛ بخطّ مؤلّف التاريخ المذكور؛ والذي دلّ على كونه المؤلّف هو أنّه ألصق قصاصة ورقة على كل خبر وجد خيرا منه، فأحلّه مكانه. والرابع: هو كون الحوادث الجامعة في الوفيات، كما ذكر ابن رجب وحاجي خليفة، وهذا في الحوادث والوفيات، ويتوخّى الحوادث قبل الوفيات.
стр. 53
والخامس: أنّ مؤلّف هذا التاريخ ذكر مؤرّخين من أساتذة ابن الفوطيّ، كابن الساعي، وظهير الدين الكازروني، ونقل من تواريخهما كأنّهما غريبان عنه وبعيدان عن عصره، مع أنّ ابن الفوطيّ يصرّح كثيرا بأسمائهما في التلخيص.
والسادس: عدم العاطفة الدينيّة على المسلمين في كتاب التاريخ المذكور؛ فهو لم يذكر كلمة «شهادة» ولا كلمة «استشهاد» في حادثة استيلاء هولاكو على بغداد.
فما استحقّ منه كلمة الشهادة الخليفة المستعصم بالله، ولا ابناه أحمد وعبد الرحمن، ولا العلماء، ولا الامراء، ولا الأطفال، ولا النّساء. وكذلك من قتل بعدهم بسيوف المغول، مع أنّ ابن الفوطيّ مع عيشه بين المغول برهة وخدمته لهم، يذكر شهداء تلك الواقعة الفظيعة بكلمة الشهادة أو الاستشهاد، وذلك أمر ذو بال. والسابع:
هو نقل مؤلّف هذا التاريخ عن جماعة لم ينقل عنهم ابن الفوطيّ، كعفيف الدين أبي عبد الله محمد ابن أحمد المعروف بابن البديع. فقد ذكره مؤلّف التاريخ في ترجمة علم الدين أحمد ابن عبد الرحمن الشارمساحي، ولم ينقل قول ابن البديع فيه.
والثامن: هو أنّ مؤلّف التاريخ المقدّم ذكره، نقل أخبارا عن غيره، ومن كتب من التاريخ خاصّة بسنين. وكان ابن الفوطيّ قد سمع بعض تلك الأخبار، وشهد بعضا بحيث يحتاج الى مؤرّخ ينقلها من كتبه، كقتل فخر الدين مظفّر بن الطراح بدار النيابة ببغداد سنة ٦٩٤ هـ.مع أنّ مؤلّف التاريخ المذكور آنفا يقول في قصيدة ابن الطراح التي قالها قبل أن يقتل: «ووجدت بخطّه ...».
ولنا أدلّة اخرى لا يسع المقام سردها، وفيما قدّمها ما يكفي في نفي نسبة الكتاب الى ابن الفوطيّ. ولعلّه تأليف «محبّ الدين أبي العبّاس أحمد بن يوسف بن أبي بكر العلوي الكرجيّ ثمّ البغدادي المقرئ» ذكره ابن الفوطيّ في الجزء الخامس من تلخيص مجمع الآداب، وذكر أنّه كان مقرئا من العلماء الثقات والحفّاظ الأثبات. وكان كثير المطالعة، عارفا باللّغة، ورتّب شيخا بدار القرآن المعروفة بالبشيريّة نسبة الى باب بشير، زوج الخليفة المستعصم بالله على شاطئ دجلة ببغداد، وأنّه ولد سنة ٦٥٧ هـ وتوفّي سنة ٧٢١ هـ وصنّف تاريخا على السنين.
стр. 54
فهذا العلويّ مباين لبني العبّاس بالوراثة، ومولود في أيّام حكم هولاكو لإيران والعراق، ومسقط رأسه بلدة كرج من بلاد الجبال؛ وهو ناشئ في دولتهم وولاية حكّامهم، ومساير لسياستهم؛ فهو يذكرهم بالتعظيم ويمدحهم ويستعيذ بالله من حال من يقتلونه أو ينزلون به أشدّ العقوبة، ولا يتناولهم بكلمة ذمّ أو مؤاخذة. وهذا الأمر ظاهر في كتاب التاريخ المذكور.
١٢ - تلخيص مجمع الآداب:
من أجزائه هذا الكتاب، المقدّم ذكره في الكلام على مجمع الآداب الذي يجب أن يعدّ أصلا له ومعينا، وقد وجد من التلخيص جزءان من أيّام البحث عن الكتب العربية المهمّة الى الآن؛ وهما الجزء الرابع والجزء الخامس، والرابع ناقص الأوّل، وهو - أي الرابع - من مخطوطات دار الكتب الظاهريّة الحافلة بدمشق، كان القائمون بأمرها قد اشتروه من بعض الحجازيين، وذلك يدلّ على أنّ طائفة من تآليف ابن الفوطيّ نقلت بعد وفاته من بغداد الى مكّة المكرّمة، فبيعت هناك.
وقد ذكر الباحث العراقي يعقوب نعوم سركيس أنّ الاستاذ عيسى اسكندر المعلوف نمّق مقالة في وصف الجزء الرابع من مجمع الآداب في الصفحة ٢٦٣ من المجلّد التاسع من مجلّة العرفان اللّبنانية الصيداوية المشهورة (١). وذكر كتاب نادر في موضوع طريف مفيد، كالألقاب وتراجم أصحابها، ونشر وصفه في مجلّة كالعرفان، كان كافيا في التنبيه عليه، وجذب الأنظار اليه، للاستفادة والاقتباس منه، وتزوّد أدب وتاريخ من مطالعته لمن يشاء المطالعة.
وكان الاستاذ الشاعر الكبير الشيخ محمد رضا الشبيبي، قد اطّلع على الجزء الرابع المذكور من تلخيص مجمع الآداب أيّام كينونته بدمشق من سنة ١٩٢٠ م - ١٣٣٨ هـ وطالعه ونقل طائفة من فوائده الأدبية وفوائده التاريخية، كما ذكر لنا ولغيرنا، ولمّا استوزر للمعارف في أحد استيزارات الدولة إيّاه، أو عز
стр. 55
بتصوير نسخة منه على نسخة دار الكتب الظاهرية فصوّرت سنة ١٩٣٨ م - ١٣٥٧ هـ، ووضعت في المكتبة العامّة ببغداد، التابعة لوزارة المعارف. ثمّ نقلت الى مكتبة المتحفة العراقية في مديرية الآثار العامّة ببغداد. واطّلعت أنا عليها سنة ١٩٤٢ م وبدأت بانتساخها لنفسي، وخزانة كتبي، فأكملت نسخها في يوم الأربعاء الرابع والعشرين من شهر تشرين الثاني سنة ١٩٤٣ م وإذ كانت النسخة مختلفة التجليد والترتيب شرعت في نسخها ثانية على وجهها الصحيح فكان لي بذلك منها نسختان.
стр. 56
وصف النسخة التي في الظاهريّة
جاء في فهرس المخطوطات التاريخية وملحقات التاريخ بدار الكتب الظاهرية: «تلخيص مجمع الآداب لابن الفوطيّ (١)، الجزء الرابع (٢) من تلخيص كتاب مجمع الآداب المرتّب على معجم الأسماء في معجم الألقاب. مؤلّفه عبد الرزّاق بن أحمد الفوطيّ الشيباني [٧٢٣ هـ: شذرات ٦: ٦٠] وهو كتاب لم يؤلّف مثله قبله ولا بعده، جمع فيه رجال الإسلام (٣)، ورتّبهم على حروف ألقابهم، ثمّ في ألقابهم على أسمائهم، ورتّبه على خمسة جداول، أوّلها: لألقابهم، ثانيها: لأسمائهم، ثالثها: لنسبتهم، رابعها: لاختصاصهم، خامسها: لشيء من ترجمتهم اختصرها وأوجزها (٤)؛ ولم يخلّ بهذا الترتيب أبدا. وقد جعل الجداول الأربعة في صفحة، والترجمة في الصفحة المواجهة [لها].يبتدئ هذا الجزء
стр. 57
بعز الدين الحسن بن يوسف ابن الحسن الموصلي البغداديّ الفقيه؛ وينتهي بالقيل وائل بن حجر الحضرمي الصحابي. وفي كل صفحة عشرة أسماء، حدّد لها جداول مستعرضة (١) بعددها، وقد ترد الأسماء بين الجداول المستعرضة، وذلك ما أضافه المؤلّف على هذه النسخة بعد كتبه لها. أمّا الترجمة فترد ضمن جداولها، بخطّ يكبر ويصغر ويستوي على طول الورقة (٢)، أو يأتي مستعرضا، أو مائلا حسبما يراه المؤلّف وتمضي يده، وكثيرا ما تخرج الترجمة من جدولها لكبرها أو لإضافات إليها وعدد التراجم في هذا الجزء ينوف على (٢٥٠٠٠ ترجمة)، وإذا فرض أنّ الكتاب في ثماني مجلّدات مثل هذا يكون مجموع التراجم قد نيّف على ١٠٠٠٠ ترجمة.٢٥٥ ورقة، ٢٥ * ١٥ سم، عدد الاسطر لا يطرد، و ٣ سم حاشية عليها تعليقات في كثير من محالها، خطّ فارسيّ متقن في الأسماء، مستعجل وصغير في التراجم، علّقه المؤلّف سنة ٧١٢ هـ.تاريخ ٢٦٧ (٣)».
وقد فاتته في هذه الفهرسة أربعة امور:
أوّلها: أنّ الجزء ناقص الأوّل، دلّ على ذلك أنّ العنونة التي اعتادها المؤلّف في أوّل كل حرف ليست موجودة في أوّل الجزء، كقوله وكتابته في أوّل العين والصاد: «العين والصاد وما يثلّثهما».ودلّ أيضا أنّ مثل عزّ الدين إبراهيم بن أحمد ابن عبد المحسن الفاروثي، وعزّ الدين إبراهيم بن الحسن الجويني، وعزّ الدين إبراهيم بن عبد الله المقدسي الزاهد، وعزّ الدين إبراهيم بن علي بن عبد السلام، وعزّ الدين إبراهيم بن محمد السويديّ، وعزّ الدين إبراهيم بن أبي علي الشيرازي، وعزّ الدين إبراهيم بن محمد بن عبد الملك بن المقدّم، وعزّ الدين إبراهيم بن محمد بن طرخان الطبيب، وعزّ الدين أحمد بن إبراهيم الفاروثي،
стр. 58
وعزّ الدين أحمد بن أسعد بن المظفّر لم يذكر أحد منهم في هذا الجزء. وغير معقول أن يمهلهم كلّهم، مع أنّ أكثرهم عراقيّون، وهم أقرب الى الترجمة من غيرهم، لاشتهار تراجمهم.
والأمر الثاني: هو أنّه لم ينبّه على اختلال تجليد هذا الجزء، بحيث صارت جملة أسماء مقابلة لغير تراجم أصحابها، وجملة تراجم مقابلة لغير أسماء أصحابها، فأصبح الجزء موهمة ومزلّة ومزلقة. فقد وهم في النقل منه جماعة من الباحثين والناقلين والمعنيّين بالتراجم (١)، وصار بعضه خطرا على الثقافة التاريخية، كما نبّهنا عليه في منشوراتنا ومقالاتنا، وصرفنا الهمّة الى إصلاح هذا الجزء حتى أعدنا الأوراق الضوالّ الى مواضعها الأصلية. فمن الأسماء التائهة طائفة وجدنا تراجم أصحابها، ومن التراجم التائهة طائفة وجدنا أسماء أصحابها، وطائفة من هذه وتلك تعرّفنا أسماء أصحابها وتراجمهم، ونقلناها من كتب اخرى؛ وبقيت طائفة رابعة خلوا من مقابلها، وذلك لعجزنا عن تلافي نقصانها. وهذا المجهود الذي جهدناه لا يعلم حقيقته إلاّ الراسخون في هذا الفنّ من فنون التاريخ. وقد استأذنّا مدير دار الكتب الظاهرية في إصلاح خلل التجليد في النسخة، فوجدنا منه توقا وشوقا، فأصلحناها، ورقّمناها ترقيما جديدا صحيحا، وكانت مديرية الثقافة في سورية قد صوّرت نسخة على الأصل المختلّ، فأصلحناها لها لتسهيل المقابلة والتصحيح عند الطبع.
والأمر الثالث: هو أنّ الجزء الرابع يبدأ بعز الدين، وبحرف الألف من الأسماء، لا بعز الدين وحرف الحاء كما ذكر المفهرس الفاضل من أنّ أوّله «عزّ الدين الحسن بن يوسف بن الحسن الموصلي»، نستدل على ذلك بأنّ في أوّل صفحة من الباقي من الكتاب ترجمة «عزّ الدين بن الحدّاد»، تليها ترجمة
стр. 59
«عزّ الدين أبي الفتح بن إسماعيل الشيرازي»، ويأتي في الصفحة بعينها ترجمة «عزّ الدين أبي العبّاس أحمد بن سلمان بن أبي بكر المعروف بابن الأصفر المستعمل الحريمي»، ومن البديهي أنّ «أحمد» قبل «الحسن» في الترتيب المعجميّ.
والأمر الرابع: هو أنّ النسخة قد أصاب أطرافها أوراقها تآكل وتمزّق، لأنّها لم تكن من الكاغد القويّ الفاخر؛ فقوّيت أطراف الأوراق بوريقات جديدة؛ وأجحفت تلك الوريقات بطائفة من أطراف الحواشي، فذهبت أخبار تاريخية قد تكون مفيدة جدّا وخصوصا تواريخ الوفيات.
والأمر الخامس: ذلك أنّ المؤلّف ﵀ كتب في النسخة الأصلية اللّقب والاختصاص بالحمرة، كما أنّه جعل للاسم ثلاثة جداول، أوّلها: للكنية وللاسم. وثانيها: لاسم الأب. وثالثها: للجدود. وعلى ذلك فيشتمل الوجه الأيمن من المخطوطة على ستّة جداول والوجه الأيسر على جدول سابع.
ولتلخيص مجمع الآداب هذا ذكر في أنساب الطالبيّين المعروف (بعمدة الطالب في أنساب آل أبي طالب)، وقد سمّى مؤلّف الأنساب مؤلّف مجمع الآداب تارة «قوام الدين عبد الرزّاق بن الفوطيّ» وتارة اخرى «جمال الدين ابن الفوطيّ (١). ونحن نقدّر أصل الكتاب بستة أجزاء، وقد طبع الجزء الخامس بلاهور فيما بين سنة ١٩٣٩ وسنة ١٩٤٧ م ملحقا بمجلّة الكليّة الشرقية المسماة «أورينتل كالج ميكزين»، قام على طبعه الاستاذ محمد عبد القدّوس القاسميّ، وقد بدأ بطبع الجزء الرابع، إلاّ أنّ الطبع سقيم والتصحيح قليل وضئيل، وقد وقع إليّ من مطبوع الجزء الرابع أربعمائة وسبع وتسعون ترجمة، آخرها ترجمة «عزّ الدين أبي نصر محمود بن محمد بن خطيران الهمذاني الرئيس».
وقد ارتكب ناشره الفاضل أوهاما لا يصحّ السكوت عليها، مع أنّه في
стр. 60
رأينا، من أحقّ من يتصدّى لنشر مثل هذا الكتاب؛ ومن تلك الأوهام ما وقع في الترجمة الثانية عشرة (١) على حسب ترقيم الناشر. ونصّ الترجمة: «عزّ الدين أبو العبّاس أحمد بن عبد الحميد بن عبد الهادي المقدسي الحنبلي: من شيوخ صدر الدين إبراهيم بن سعد الدين محمد بن المؤيّد الحمويهيّ الجوينيّ في معجم شيوخه .. وكانت وفاته في النصف من شعبان، سنة ثلاث عشرة وستمائة ودفن بباب حرب».
إنّ الفقرة في أوّلها: «وكانت وفاته» وآخرها «بباب حرب» ليست من ترجمة هذا الرجل، بل هي من ترجمة الوارد قبله. وقد أبقى الناشر نصّها أبتر، وهو عزّ الدين أبو المعالي أحمد بن أبي الرضا عبد الله بن علي بن علي يعرف بابن السمين البغدادي المحدّث: (ذكره) الحافظ محبّ الدين أبو عبد الله بن النجّار في تاريخه وقال: كان من أولاد المحدّثين المعروفين بالطب، سمع أبا نصر يحيى بن موهوب بن ... وطبقته؛».
ودليلنا على ما قلنا هو نصّ المؤرّخين، قال جمال الدين محمد بن سعيد المعروف بابن الدّبيثيّ الواسطيّ: «أحمد بن عبد الله بن أحمد بن علي بن علي السمين أبو المعالي بن أبي الرضا بن أبي المعالي، هذا لم يكن مشهورا بالطلب، سمع شيئا يسيرا بإفادة أبيه من أبي نصر يحيى بن موهوب بن السّدنك وغيره، كتبنا عنه أحاديث يسيرة وكان خيّرا، وتوفّي ليلة الخميس تاسع عشر شعبان سنة أربع عشرة وستمائة ودفن بباب حرب (٢)».
وقال زكي الدين عبد العظيم بن عبد القويّ المصريّ في وفيات سنة ٦١٤ هـ: «وفي شعبان توفّي الشيخ الصالح أبو المعالي أحمد بن أبي الرضا عبد الله بن أبي المعالي أحمد بن علي بن علي بن عبد الله بن سلامة، المعروف بابن السمين
стр. 61
البغدادي، سمع بإفادة أبيه من أبي نصر يحيى بن موهوب بن السّدنك وغيره وحدّث، وهو من بيت الحديث (١)».
وقال شمس الدين الذهبي: «أحمد بن عبد الله بن أحمد بن السّمين أبو المعالي: من أولاد المحدّثين، سمع يحيى بن السّدنك، كتبنا عنه. توفّي في شعبان سنة ثلاث عشرة وستمائة (٢)».وذكر في ملحق ذيل طبقات الحنابلة «٢: ٤٦٥».
هذا من جهة ابن السّمين، أمّا عزّ الدين أبو العبّاس أحمد بن عبد الحميد ابن عبد الهادي المقدسيّ الحنبليّ، فمن الرجال المعروفين في التاريخ؛ ولا يجوز أن تلتبس أخباره بأخبار غيره عند من بلغ من فنّ التراجم أطوريه. جاء في شذرات الذهب في وفيات سنة (٧٠٠ هـ): «وفيها توفّي العزّ أبو العبّاس أحمد بن العماد عبد الحميد ابن عبد الهادي بن يوسف بن محمد بن قدامة المقدسيّ الصالحيّ الحنبليّ، روى عن الشيخ الموفّق وابن أبي لقمة وابن راجح وموسى بن عبد القادر وطائفة، وخرّج له مشيخة سمعها خلق؛ وزاره نائب السلطان، وتوفّي في ثالث المحرّم. وله ثمان وثمانون سنة (٣)».
فهذا مثال من الأوهام؛ ولا نود أن نطيل البحث بذكر غيره، فله موضع غير هذا.
стр. 62
وزارة الثقافة والإرشاد القومي بدمشق
وفضلها في نشر الجزء
قد كان المجمع العلميّ العراقيّ قرّر طبع هذا الجزء الرابع من الكتاب سنة ١٩٤٨ م. ثمّ قرّر المباشرة بطبعه في كتابه المؤرّخ ١٩٥١/ ٨/١٥ م ذي العدد ٧٢٦؛ إلاّ أنّ بعض الفضلاء، رجا من المجمع تأخير طبعه؛ لأنّ له دراسة في سيرة ابن الفوطيّ وما يتعلّق بها، وهذا مرجعه الأعظم ومعتمده الأقوم، وكان يحسب أنّ نشر نصوص المرجع تهوين لدراسته وإيهاء وإيهان، بله أنّ له مجموعة نصوص مختارة من الجزء، يودّ نشرها قبل نشر الجزء؛ وحال بذلك دون إخراجه مطبوعا في سلسلة مطبوعات المجمع العلمي المذكور، طوال هذه السنين العشر.
ولما أيقنت باليأس من هناك، يمّمت وجهي شطر وزارة الثقافة والإرشاد القومي بسورية؛ فالمخطوط هو من كتب دار الكتب الظاهرية بدمشق، وهذه الوزارة أظهرت من الحدب على التراث القوميّ الأدبيّ، والحرص عليه، ونشره في دنيا العرب والمسلمين، ما حداني على القصد إليها، والاعتماد عليها، في نشر هذا الجزء الذي بذلت مجهودا كبيرا ومديدا في إصلاحه والتعليق عليه؛ فضلا عن نسخي إيّاه مرّتين، كما ذكرت آنفا، وما كدت أطلب إليها ذلك إلاّ جاءني الوفاق على نشره، واستعجالها إيّاي في الإرسال بمسوّدات الجزء إليها لطبعه، فحملت المسودّات معي، وسافرت الى دمشق؛ فقدّمتها الى مديرية الشئون الثقافية في الوزارة، لطبعها على النحو الذي اتّفقنا عليه بالمراسلة، وقد جادت الوزارة عليّ - كما قال بعض الادباء القدامى - بالورق والورق؛ ولقيت من الاستاذ الدكتور العالم المحقّق عبد الهادي هاشم كل القبول والتشجيع؛ بحيث يعدّ من العقوق للأدب أن لا أذكر اسمه في هذا التقديم، شاكرا له ذلك التقويم والتكريم، وينبغي أن لا أنسى عون الأديب الألمعيّ الاستاذ عدنان آل الدرويش على تسهيل أمر
стр. 63
النشر، فأنا أذكره مثنيا عليه، ثناء حسنا، وقد شفعا فضلهما بفضل ثان وعزّزاه به، وهو مساعدتهما إيّاي على المقابلة بين النصوص المنسوخة وأصل الكتاب المصوّر؛ وتقويمهما ما «شطح» القلم في نسخه بداع من السرعة، وبسبب من سوء تجليد الجزء، وتباعد ما بين الأوراق التي يجب التئامها والتحامها، وإنّي لراج أن يقتدي بهما غيرهما ممّن يقوّمون التراث العربيّ الإسلاميّ، ويقدّرونه حقّ تقويمه وقدره، فيجودوا عليّ بتصحيح أو تنقيح غير متناسين أنّي استفرغت الطاقة، فأتيت بما أستوجب به الإنصاف منهم. والله تعالى الموفّق للصّواب، إنّه نعم المولى ونعم النصير.
بغداد ١٣٨٢ هـ - ١٩٦٢ م مصطفى جواد
стр. 64
ما تبقّى
من حرف العين
من كتاب
مجمع الآداب في معجم الألقاب
стр. 65
[تتمة العين والزاء]
١ - [عزّ الدين أحمد بن الحدّاد (١) .....].
ذكره شيخنا تاج الدين في تاريخه وقال: كان فخر ... بالديوان وهو ان يكون عارفا بأحوال من تقدمه من حواشي الديوان من أرباب المشاهرات وأصحاب المعاملات، ولما مات كاتب السلة عز الدولة هبة الله بن زطينا قام عزّ الدين بن الحداد مقامه وكان عارفا بالأدب والكتابة ولم يتزوج وكان يخدمه غلام له. وتوفي في جمادى الآخرة سنة أربع وخمسين وستمائة عن سبعين سنة.
٢ - [عز .... أحمد ....].
كان عالما فاضلا له معرفة بتفسير القرآن المجيد، كثير التلاوة له، رأيت له تعليقات في التفسير والحديث، نقلت منها قوله: «قد ضرب الله تعالى المثل بما قلّ وذلّ من البعوض والذباب وما أشبهها، فذكر فى كتابه العزيز العنكبوت والذرّ والنمل والكلب والحمار والهدهد والذباب والغراب والفيل والذئب والخيل
стр. 66
والبغال والبقر والمعز والضأن والنعجة والبعوضة والحوت والنون، فذكر منها أجناسا جعلوا مثلا في الذلّة والقلّة والضعف والوهن.
٣ - [عز .... أحمد ......]. (١)
سيّد كبير وشيخ خطير قدم علينا حاجا في سنة ثمان وثمانين وستمائة، ونزل عندنا بمحلة الخاتونية واجتمع اليه الفقراء والغرباء من أهل شيراز وأصبهان ويزد وغيرها من بلاد العجم وكان معه مال يخرجه عليهم وعمل سماعا عاما اجتمع فيه ما ينيف على خمسمائة انسان واجتمعوا في دار الصاحب عزّ الدين الحسن بن علّجة، وكانت ليلة مشهودة وأحيوها تارة بالسماع وتارة بالقراءة الى الصباح، ذكروا أنه أخرج فيها ما ينيف على الألف.
٤ - [عزّ الدين أبو الفتح أحمد بن اسماعيل الشيرازى] . (٢)
ذكره شيخنا منهاج الدين أبو محمد النسفي في كتابه وقال: كان الشيخ عزّ الدين أبو الفتح خطيب الجامع العتيق بشيراز والمحدث بدار الحديث الغياثية، روى لنا عن مجد الدين أبي عبد الله محمد بن أسعد بن ابراهيم الفرغاني وغيره، كتبت عنه وقرأت عليه صحيح أبي عبد الله البخاري، بروايته عن موفق الدين أبي القاسم علي بن أبي سعيد المعروف بالمؤتمن الاصفهاني [عن ثابت بن
стр. 67
محمد الخجندي] عن أبي الوقت سنة ست وسبع وثمانين [وستمائة] وتوفي ليلة الجمعة السابع والعشرين من شهر رمضان سنة ثمان وثمانين وستمائة، ودفن عند آبائه في المصلّى.
٥ - [عز ..... أحمد .....].
من أولاد الأمراء والأكابر، وسمع معنا على شيخنا كمال الدين أبي الفرج عبد الرحمن بن عبد اللطيف المقرئ البزّاز، وكان شابا كيّسا فطنا، له معرفة بالأدب والفقه محبّا للعلماء، كتبت له في تذكرته فوائد عن الشيوخ والعلماء سنة إحدى وتسعين وستمائة.
٦ - [عزّ الدين أحمد ..... الرفاعي] . (١)
من أولاد المشايخ العارفين المقيمين بأم عبيدة بالبطائح وكان عالما زاهدا، سمعت الشيخ محمد بن عبد الله الخرزي البطائحي بمراغة يقول:
سمعت الشيخ عزّ الدين ينشد:
مولاي ليس لعيش لست حاضره ... قدر ولا قيمة عندي ولا ثمن
ولا فقدت من الدنيا ولذتها ... شيئا إذا كان عندي وجهك الحسن
٧ - [عز .... أحمد .......].
стр. 68
كان من العلماء الأدباء، وهو صاحب المقامات الأدبية التي انشأها رأيتها ونقلت من عشره الذي أورده فيها:
المرء في ذا الزمان بالنشب ... لا بغزير العلوم والنسب
والناس أعداء كل ما جهلوا ... ما ضاع فيهم الاّ أخو أدب
ومن يكن منهم أخا جدة ... فهو الرفيع المحل والرتب
فهذه العلّة التي منعت ... أن يتجلّى ما بينهم نسبي
اسمي سعيد إذا سألت وما ... حظّي غير الشقاء والتعب
٨ - [عزّ الدين أبو بكر احمد بن أبي عبد الله الحسين بن أحمد بن علي بن
موسى القنائي الكاتب] .
ذكره الحافظ أبو عبد الله بن الدبيثي في تاريخه [قال]: كان كاتبا سديدا (١)، سمع أبا الفضل بن ناصر السلامي وجماعة من طبقته وتولى الإشراف على السواد، وكان حسن السيرة مشكورا في ولايته وكانت وفاته في شهر ربيع الأول سنة ستمائة.
٩ - [عز ..... أحمد .......].
ذكره شيخنا العدل ظهير الدين أبو الحسن علي بن الكازروني في تاريخه وقال: شهد عند أقضى القضاة كمال الدين عبد الرحمن بن عبد السلام اللمغاني سنة إحدى وأربعين وستمائة ولم يزل على قدم الصيانة والعفاف، وتوفي في خامس شعبان
стр. 69
١٠ - [عزّ الدين أبو العباس أحمد بن سلمان بن أبي بكر الحريمي المعروف بابن
الأصفر المستعمل] . (١)
ذكره الحافظ أبو عبد الله بن الدبيثي في تاريخه وقال: سمع أبا بكر أحمد بن علي ابن الأشقر [الدلال] قال: وتوفي سنة ست عشرة وستمائة.
١١ - [عزّ الدين أبو المعالي أحمد (٢) بن أبي الرضا عبد الله بن أحمد بن علي
ابن علي، يعرف بابن السمين، البغدادي المحدّث].
ذكره الحافظ محبّ الدين أبو عبد الله ابن النجّار في تاريخه وقال: كان من أولاد المحدّثين المعروفين بالطلب، سمع أبا نصر يحيى بن موهوب ابن [السّدنك (٣)] وطبقته، وكانت وفاته في النصف من شعبان سنة ثلاث عشرة
стр. 70
وستمائة، ودفن بباب حرب (١).
١٢ - [عزّ الدين أبو العباس أحمد (٢) بن عبد الحميد بن عبد الهادي المقدسيّ
الحنبليّ].
من شيوخ صدر الدين ابراهيم (٣) بن سعد الدين محمد بن المؤيد
стр. 71
الحمّوئي (١) الجوينيّ في معجم شيوخه.
١٣ - عزّ الدين أبو العباس أحمد بن عبد الرحيم بن أحمد بن جدّا (٢) الهيتيّ
الكاتب المعدّل.
من بيت معروف بالكتابة والرئاسة والنظر والتقدّم. وكان محمود الطريقة، ذكره شيخنا تاج الدين أبو طالب (٣) بن أنجب فى تاريخه وقال: رتّب العدل عزّ الدين ناظرا بالحديثة (٤)، نقلا من أشراف «الديوان المفرد (٥)» وقال: وفي سنة
стр. 72
أربعين وستمائة رتب ناظرا بديوان الابنية (١) وخلع عليه بدار الوزارة ثم استعفى في صفر سنة إحدى وأربعين وستمائة.
١٤ - عزّ الدين أبو الرضا أحمد بن عبد الملك بن عبد الله الكوّاز (٢) البصري
القاضي.
من بيت العلم والعدالة والفقه والأدب، شهد عند قاضي القضاة عزّ الدين أحمد بن محمود الزنجاني في العشرين من المحرّم سنة إحدى وثمانين وستمائة، وولي القضاء بتكريت ولم تطل أيامه بها وعزل ورتّب عوضه القاضي شرف الدين إبراهيم بن عثمان الكليني (٣) وولي عزّ الدين المذكور القضاء بالنيل (٤)
стр. 73
وتكلموا فيه فعزل في صفر سنة ثلاث وثمانين [وستمائة].
١٥ - عزّ الدين (١) أبو العباس أحمد بن علي بن الحسن بن معقل بن المحسّن
المهلّبي الحمصي الشاعر الشيعي.
стр. 74
من فضلاء العصر، وعلماء وأدباء الدهر وشعرائه، رأيت ديوانه بخزانة كتب الرصد (١) سنة ثلاث وستين [وستمائة] وكان يتشيع، وله في مدح أهل
стр. 75
البيت ﵈ قصائد كثيرة. ومن قوله في الغزل:
لائمي في حبّ عتب ... جرت في لومي وعتبي
كيف لي بالصّبر عمّن ... ملكت عيناه قلبي
غادة ذلّ لها بالد .... ... دلّ منّا كلّ صعب
راح دمعي سربا إذ ... سنحت ما بين سرب
لهواها مخلب [قد] ... أنشب الحبّ بقلبي
١٦ - عزّ الدين أبو محمد أحمد بن علي بن محمد السندواني (١) المتأدب.
رأيت بخط بعض الأدباء قال: أنشدني عزّ الدين السّندواني:
لا ترد من خيار دهرك خيرا ... فبعيد من السّراب الشراب
رونق كالحباب (٢) ... يعلو على الكأ
س ولكن تحت الحباب الحباب