← Акыда

Акыда · id 14088

الاعتقاد الخالص من الشك والانتقاد

ابن العطار

Полный текст (430 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

الاعتقاد الخالص من الشك والانتقاد تأليف الإمام علاء الدين علي بن إبراهيم المعروف بابن العطار الشافعي (المتوفى: ٧٢٧ هـ) تحقيق الدكتور سعد بن هليل الزويهري إصدارات وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية - إدارة الشؤون الإسلامية دولة قطر بتمويل الإدارة العامة للأوقاف

стр. 2

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ

стр. 3

الاعتقاد الخالص من الشك والانتقاد

стр. 4

حقوق الطبع محفوظة الطبعة الأولى ١٤٣٢ هـ - ٢٠١١ م

стр. 5

المقدمة وتشتمل على ما يلي: أولاً: أهمية الموضوع وأسباب اختياره. ثانياً: خطة البحث. ثالثاً: منهج التَّحقيق والتَّعليق.

стр. 6

المقدمة إنَّ الحمد لله نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذُ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا. مَنْ يهده الله فلا مضلَّ له، ومن يضللْ فلا هاديَ له، وأشهدُ أن لا إله إلا الله وحده لا شريكَ له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٢]. ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء: ١]. ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (٧٠) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: ٧٠ - ٧١] (١). أما بعد: فإن هذه المقدمة تشتمل على ما يلي:

стр. 7

أولاً: أهمية الموضوع، وأسباب اختياره: إنَّ الاهتمام بعلم العقيدة من الثوابت عند المسلمين، والتي لا تقبل الجدل ولا المساومة؛ فلأجل عبادة الله وحده خَلَق اللهُ الخَلْق، وأنزل الكتب، وأرسل الرسل، وشرع الشرائع، وأقام الحسابَ عليها يوم القيامة، فريق في الجنة وفريق في السعير. فلذلك صار علمُ العقيدة أفضلَ العلوم وأجلَّها على الإطلاق؛ لأنه العلم بالله وأسمائه وصفاته، إذ شرفُ العلم بشرف المعلوم. وعليه فلا شكَّ أن أهمَّ علم يجب الاعتناءُ به حفظاً، وتعلماً، وتعليماً، وتأليفاً؛ هو علم العقيدة - أعني: عقيدة أهل السنة والجماعة -، ومن الطرق المعينة على ذلك: الاهتمام بمصنفاتهم، وخاصة الشاملة لأبواب العقيدة، الحاوية على كثير من الأدلة، والداحضة لشبهات المخالفين. ولقد اهتم سلفُنا بهذا العلم اهتماماً واضحاً، فالمكتبةُ الإِسلاميةُ مليئةٌ بمؤلفاتهم القيمة النافعة. وهناك مصنفاتٌ لم تر النور بَعْدُ من مصنفات أهل السنة والجماعة، ومنها: كتاب الاعتقاد الخالص من الشك والانتقاد لعلاء الدين أبي الحسن علي بن إبراهيم بن داود الشافعي، المعروف بابن العطار ﵀. وهناك أسباب دعتني لاختيار هذا الموضوع، منها: ١ - أهميةُ علم العقيدة - عقيدة أهل السنة والجماعة - مما يكون لزاماً على المختصين نشر وإحياء تراث أهل السنة والجماعة. ٢ - قيمةُ الكتاب العلمية بموضوعه ومباحثه، وذلك لأنه شاملٌ لمسائل الاعتقاد، مدعم بالأدلَّة السَّمعية والعقلية، وآثار الصَّحابة، وأقوال الأئمة.

стр. 8

٣ - امتاز هذا الكتابُ في عرضه لمباحث العقيدة بأسلوب التقرير، وابتعد عن أسلوب المناقشة والرَّدِّ، بالإضافة إلى يُسْر الكتاب، وسهولته، وإيجازه. ٤ - أن هذا الكتابَ لم يُطبع - كاملاً - من قبلُ، بل لم ير النور بعد، ففي إخراجه وطبعه وتحقيقه إسهامٌ في نَشْر مصنفات أهل السُّنة والجماعة. ٥ - مكانةُ المصنف العلمية، وأنه من الحفاظ الإثبات، بل يُعَدُّ من كبار الشافعية في زمنه، فهو من كبار تلاميذ النَّووي ﵀، ومن أثبت النَّاس في شيخه، ومن جانب آخر فهو شيخُ الحافظ الذهبي. ٦ - أن هذا الكتابَ لم يُحقَّق تحقيقاً علمياً وافياً، على نسخ خطية، يُضبط فيها النص ضبطاً صحيحاً، مع التعليق عليه تعليقاً يزيل إشكالاته، ويحلُّ مبهماته. لهذه الأسباب وغيرها اخترتُ أن يكون تحقيقُ هذا الكتاب موضوعَ الرسالة. ثانياً: خطة البحث: المقدمة، وتشتمل على ما يلي: أولاً: أهمية الموضوع، وأسباب اختياره. ثانياً: خطة البحث. ثالثاً: منهجي في التحقيق والتعليق. وقد جعلتُ البحثَ على قسمين: القسم الأول: الدراسة. ويشتمل على فصلين: الفصل الأول: ترجمة المؤلف. الفصل الثاني: دراسة الكتاب، وفيه مباحث:

стр. 9

المبحث الأول: عنوان الكتاب، ونسبته لمؤلفه. المبحث الثاني: مصادر المؤلف في كتابه. المبحث الثالث: عرض لأهم قضايا الكتاب. المبحث الرابع: منهج المؤلَّف في كتابه. المبحث الخامس: وصف النُّسخ الخطية. المبحث السادس: تقويم الكتاب. القسم الثاني: التحقيق. - الخاتمة. - الفهارس. ثالثاً: منهجي في التحقيق والتعليق: لقد بذلتُ جهداً - بحمد الله - في خدمة هذا الكتاب، وكان عملي فيه على النحو الآتي: أولاً: خدمة نصِّ الكتاب: ١ - جمعتُ ما أمكنني الحصول عليه من نسخ هذا الكتاب، وبلغت ثلاث نسخ، وجعلتُ إحداها أصلاً، وهي النسخة الظاهرية رقم (٢٩٦١) ورمزت لها بـ: (ص)، وقابلتها مع النسخ الأخرى: وهي النسخة الظاهرية الثانية رقم (٢٩٣٤)، ورمزت لها بـ: (ظ)، ونسخة مكتبة أثينا بروما، ورمزت لها بـ: (ن). ٢ - أثبتُّ نص النسخة الأصلية (ص) في المتن، ووضعت فوارق النسخ الأخرى في الحاشية؛ إلا ما بان خطؤه، أو ترجَّح لي أن ما في (ظ) أو (ن) هو الصواب، فأثبته في المتن بين معقوفتين هكذا [] وأبين ما في (ص) في الحاشية. ٣ - الكلمات والجمل المصححة في حاشية النسخ (ص) و (ظ) و (ن) أعدها من أصل هذه النسخ.

стр. 10

٤ - نظراً لأنَّ المؤلَّف ﵀ يكثر النقل، فإني أقابل بين الكتب التي نقل منها بالنص وبين النسخ الأخرى؛ مبيناً إن كانت هناك فروق في الحاشية، سواء عزا المؤلَّف إلى هذه الكتب أم لم يَعْزُ إليها. أما الكتب المطبوعة التي اعتمدتها في المقابلة، فهي: أ - صريح السُّنة، للإمام أبي جعفر محمَّد بن جرير الطبري، تحقيق بدر المعتوق، الطبعة الأولى عام ١٤٠٥ هـ، نشر دار الخلفاء للكتاب الإِسلامي - الكويت. ب - متن العقيدة الطحاوية، للإمام أبي جعفر الطحاوي الحنفي، الطبعة الأولى عام ١٤٠٨ هـ، نشر مكتبة ابن تيمية - القاهرة. ج - الأسماء والصِّفات، للإمام الحافظ أبي بكر أحمد بن الحسين البيهقي، تحقيق عبد الله الحاشدي، الطبعة الأولى عام ١٤١٣ هـ، نشر مكتبة السوادي - جدة، وكذلك طبعة دار الكتب العلمية - بيروت. د - عقيدة السلف وأصحاب الحديث، للإمام أبي عثمان إسماعيل بن عبد الرحمن الصابوني، دراسة وتحقيق الدكتور ناصر بن عبد الرحمن الجديع، الطبعة الأولى ١٤١٥ هـ، نشر دار العاصمة - الرياض. هـ - الشفا بتعريف حقوق المصطفى، للقاضي أبي الفضل عياض بن موسى اليحصبي، تحقيق علي محمَّد البجاوي، نشر دار الكتاب العربي - بيروت. و- إكمال المعلم بفوائد صحيح مسلم، للقاضي أبي الفضل عياض بن موسى اليحصبي، تحقيق يحيى إسماعيل، نشر دار الوفاء بمصر، الطبعة الأولى ١٤١٩ هـ (١).

стр. 11

٥ - ضبطتُ - ما أمكنني - نصَّ الكتاب بالشكل، مع مزيد من الاهتمام بالمشكل من الأسماء والألفاظ المختلفة. ٦ - قمتُ بتحديد بدايات الجمل، والفقرات، ونهاياتها. ٧ - لا أعتبر بعضَ الفروق التي لا تأثير لها مثل: ﵇ ويقابله ﷺ ، و ﵁ ويقابله ﵀ وغيرها من الجمل الدُّعائية. ٨ - قمتُ بتصحيح الأخطاء النحوية في (ص)، وغالباً لا أثبتها في فروق النسخ الأخرى. ٩ - قمتُ بحذف الكلمات المكررة والزائدة والخاطئة، التي لا يضيرُ حذفها. ١٠ - كتبتُ الآيات القرآنية وفق الرسم العثماني. ١١ - التزمتُ بعلامات التنصيص المعتبرة في البحث العلمي، حيث جعلتُ أحاديثَ الرسول ﷺ بين أقواس صغيرة هكذا ""، وما عدا أحاديث الرسول ﷺ من الآثار والأقوال فإني أجعلُها بين قوسين هكذا (). وقمتُ بوضع علامات الترقيم المختلفة التي تُيسَّر فَهْمَ النص، من فواصل، ونقاط، وعلامات تنصيص، وعلامات الجمل المعترضة، وعلامات التعجب، والاستفهام، وغيرها. ١٢ - قمتُ بترقيم فصول الكتاب، وجعلته بين قوسين هكذا: (). ١٣ - قمتُ بتحديد نهاية كلِّ صفحة في المخطوطة (ص) بوضع هذه العلامة (/) عقب الكلمة الأخيرة مباشرة.

стр. 12

ثانياً: منهجي في التعليق: وأهمُّ ما قمتُ به في تعليقي على النَّصِّ ما يلي: ١ - عزو الآيات الكريمة إلى سُورها، مع ذكر أرقامها. ٢ - خرجتُ الأحاديثَ من مصادرها الأصلية كالصِّحاح، والسُّنن، والمسانيد، والمعاجم، والمصنفات، وغيرها. فإذا كان الحديثُ في الصَّحيحين أو في أحدهما اكتفيتُ بعزوه إليهما أو إلى أحدهما، وإن كان في غيرهما أجتهدُ غالباً في تخريجه من مصادره، مع ذِكْر ما قاله العلماء قديماً وحديثاً في الحكم عليه إن وُجِدَ. وأذكرُ عند التخريج اسم الكتاب، والجزء، والصفحة، ورقم الحديث، والكتاب، والباب. ٣ - قمتُ بتخريج الآثار من مظانها ما أمكن، مع ذكر ما قاله العلماء في الحكم عليها إن وجد، وإيراد نصوص الأحاديث والآثار التي يشيرُ إليها المؤلف. ٤ - قمتُ بتوثيق نُقُولِ الكتاب، بإرجاعها إلى مصادرها، إلا إذا تعذَّر ذلك لعدم تيسُّر مصدره، أو عدم الاهتداء إلى مظانه. ٥ - ترجمتُ للأعلام الوارد ذِكْرهم في نَصِّ الكتاب؛ سوى الصحابة ﵃ لشهرتهم. ٦ - شرحتُ الألفاظ الغريبة الواردة في نص الكتاب، من خلال كتب اللغة، وغريب الحديث. ٧ - عرّفتُ الفِرق والمِلل والنِّحَل والأديان الواردة في النص. ٨ - عرَّفتُ الأماكنَ والبلدانَ غير المشهورة والواردة في النص. ٩ - عرَّفتُ المصطلحات والألفاظ الكلامية والفلسفية الواردة في النص.

стр. 13

١٠ - مناقشة آراء المصنَّف التي تحتاجُ إلى مناقشة وتعليق. ١١ - وضعتُ فهارس للكتاب، وتشملُ ما يلي: أ - فهرس للآيات. ب - فهرس للأحاديث. ج - فهرس للآثار. د - فهرس للأعلام. هـ - فهرس للفِرق والأديان. و- فهرس للكلمات الغريبة، والمصطلحات العلمية. ز - فهرس للأماكن. ح - فهرس للكتب الواردة في النص. ط - فهرس المصادر والمراجع. ي - فهرس الموضوعات (١). وأخيراً؛ فإني أحمد الله، وأشكره على جميع نعمه وآلائه، ثم أشكر فضيلة الشيخ المشرف: د. عبد العزيز بن محمَّد بن علي العبد اللطيف؛ الذي كان له الفضلُ بعد الله في إنجاز هذه الرسالة على الوجه المطلوب، والذي وهبني الكثير من وقته وجهده أثناء إعدادي لهذه الرسالة، وأسأل الله أن يجعلَ ذلك في موازين حسناته، وأن يعظم له المثوبة والأجر. وأشكر قبل ذلك والديَّ العزيزين؛ اللذين كانا وراء نجاحي في

стр. 14

هذه الرسالة بالنصح والدعاء، طالباً من الله أن يرزقني بِرَّهما، وأن يرحمها، ويُحْسِنَ لهما الختام. والشكر موصولٌ لجامعة الإِمام محمَّد بن سعود الإِسلامية ممثلة في مديرها، ووكلاء الجامعة، ومنسوبيها؛ إذ للجامعة الفضل بعد الله في فتح أبواب البحث الأكاديمي والعلمي، وتشجيع طلبة العلم لسلوكه. وكذلك أشكر كلَّ مَنْ أسهم وساعد في إتمام هذه الرسالة؛ بدءاً من عميد الكلية، ورئيس قسم العقيدة والمذاهب المعاصرة. كما أشكر كلَّ مَنْ أمدَّني بما أحتاجه من مراجع، ومصادر، ومشورة علمية، فجزاهم الله خير الجزاء. وفي الختام فهذا جهدُ المقلِّ، فما كان من صواب فمن الله ، وما كان من خطأ فمن نفسي والشيطان. والله أسأل أن يعينني على العمل بما علمت وَفْق مرضاته، وأن يرزقني الإخلاصَ في كلِّ قولٍ وعملٍ، إنه وليُ ذلك، والقادر عليه. وصلى الله وسلم على نبينا محمَّد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 15

القسم الأول: الدَّراسة ويشتملُ على فصلين: الفصلُ الأوَّل: ترجمة للمؤلف. الفصلُ الثَّاني: دراسة الكتاب، وفيه مباحث: المبحث الأول: عنوانُ الكتاب، ونسبته لمؤلفه. المبحث الثَّاني: مصادر المؤلف في كتابه. المبحث الثَّالث: عَرْض لأهم قضايا الكتاب. المبحث الرَّابع: منهجُ المؤلف في كتابه. المبحث الخامس: وصفُ النُّسخ الخطية. المبحث السَّادس: تقويمُ الكتاب.

стр. 16

الفصلُ الأول: ترجمة المؤلف وتشتملُ الترجمةُ على ما يلي: • تمهيد. • عصره. • اسمه، ونسبه. • أسرته. • مولده. • نشأته. • طلبه للعلم. • الرَّحلة في طلب العلم. • شيوخه. • تلاميذه. • صفاته، وأخلاقه. • مكانته العلمية. • تدريسه. • فتاواه. • مؤلفاته، وآثاره.

стр. 17

ترجمة ابن العطار (١) ﵀ • تمهيد: أُحبُّ أن أشيرَ إلى أن ابن العطار لم يترجمْ له في المصادر التي

стр. 18

بين أيدينا ترجمة تليق بمكانته العلمية، والغريب في الأمران معظم مَنْ ترجم له هم من معاصريه، أو من تلاميذه، أو من الطبقة التي بعدهم، وكان بإمكان هؤلاء أن يبينوا كثيراً من محاسن الشيخ ومناقبه وآثاره التي خلّفها لنا، والمدارس التي قامت على أكتافه؛ لأنهم عرفوه عن قرب، ورأوا آثاره العلمية بأعينهم، ثم إن هذا القليل الذي ذكروه عنه في ترجمته مكرر، ذلك أن أول من ترجم له هو تلميذه الذهبي، فقد ترجم له في أكثر كتبه، ولكن بما لا يتجاوز أسطراً. وكل من جاء بعده اعتمد في ترجمته على ما ذكره الذهبي؛ إلا بعض الزيادات التي ليست من جوهر الترجمة، ولعل عذر الذهبي في عدم التوسع في ترجمته أنه خصَّص معجماً لشيوخ ابن العطار، فلعله ترجم له قبل ذِكْر شيوخه ترجمة موسَّعة للمؤلف، فاكتفى في بقية كتبه بذكر قليلٍ من سيرته؛ اعتماداً على ما في ذلك الكتاب، ولكني لم أقفْ على ذلك الكتاب حتى هذه اللحظة. • عصره: اتسم عصرُ ابن العطار ﵀ بكثرة الأحداث، وتغير الدول، وقيام الفتن بين الفينة والأخرى، وشهد عصرُه فترةً من فترات ضعف المسلمين بعد الإطاحة بالخلافة العباسية على يد المغول، ولقد لعبتِ

стр. 19

الفتنُ والأطماعُ الشخصية دورها في زيادة عدم الاستقرار السياسي في البلاد الإِسلامية، الأمر الذي أضعف كيانَ الدولة الإِسلامية وخاصة بعد سقوط بغداد على يد هولاكو، حيث تلا ذلك اضطرابٌ عظيم، وإن كان الأمر تراوح بين نصر وهزيمة من آن لآخر بين التتر والمسلمين، ولعلّي أُلخَّص عصره فيما يلي: أولاً: أهم الملوك: نظراً لكثرة قيام الدول وزوالها، وسرعة المتغيرات السياسية، فقد أكثر الملوكُ والسلاطين، وسأقتصر على أهمهم في حياة ابن العطار ﵀ وهم: ١ - المستعصم بالله، وهو آخرُ الخلفاء العباسيين، وهو عبد الله أبو أحمد بن المستنصر أبي جعفر منصور بن محمَّد الطاهر ابن الإِمام الناصر أحمد، كان ضعيفَ الرأي، قد غلب عليه أمراءُ دولته لسوء تدبيره، تولى الخلافةَ بعد موت أبيه المستنصر، سنة أربعين وستمئة، وكانت مدة خلافته ١٦ سنة تقريباً (١). ٢ - الملك الظاهر بيبرس، كان ملكاً جليلاً شجاعاً مهيباً، ملك الديار المصرية والشام وغيرها، وفتح الفتوحات الجليلة، وأصله مملوك قبجاقي الجنس، تولى السلطنة بعد أن قام بقتل الملك المظفر قطز سنة ثمان وخمسين وستمئة، وكانت مدة مملكته سبع عشرة سنة تقريباً، وتوفي سنة ست وسبعين وستمئة (٢). ٣ - السلطان الملك المنصور قلاوون الصالحي، كان ملكاً مهيباً، حليماً، قليل سفك الدماء، كثير العفو، شجاعاً، فتح الفتوحات العظيمة

стр. 20

مثل المرقب وطرابلس؛ التي لم يجسر أحد من الملوك مثل صلاح الدين الأيوبي وغيره على فتحهما، وكسر جيش التتر على حمص وكانوا في جمع عظيم، توفي في عام ٦٨٩ هـ، وكانت مدة توليه الملك نحو إحدى عشرة سنة تقريباً، بداية من عام ٦٧٨ هـ (١). ٤ - السلطان محمَّد الناصر بن قلاوون، والذي تولى الحكم صغيراً بعد مقتل أخيه الأشرف عام ثلاث وتسعين وستمئة، وتوفي ابن العطار ﵀ عام ٧٢٤ هـ ولا زال الملك الناصر على كرسيه (٢). ثانياً: أهم الأحداث: - في عام ٦٥٥ هـ ظهرت نار بالحرة عند مدينة الرسول ﷺ ، وكان لها بالليل ضوء عظيم يظهر من مسافة بعيدة جداً، ولعلها النارُ التي ذكرها الرسول ﷺ من علامات الساعة، وأنها تضيء لها أعناق الإبل ببصرى (٣). - في أول سنة ٦٥٦ هـ قصد هولاكو ملك التتر بغداد، ودخلها في العشرين من المحرم، وقتل الخليفة المستعصم بالله، وسبب ذلك أنَّ وزيرَ الخليفة مؤيد الدين ابن العلقمي كان رافضياً، وكان أهلُ الكرخ أيضاً رافضة، فجرتْ فتنةٌ بين السُّنة والشِّيعة، فأمر أبو بكر ابن الخليفة وركن الدين الدوادار العسكر، فنهبوا الكرخ، وهتكوا النساء، فعظم ذلك على الوزير ابن العلقمي، وكاتب التتر وأطمعهم في ملك بغداد، فساروا قاصدين بغداد في جحفل عظيم، وخرج عسكر الخليفة لقتالهم، فاقتتلوا قتالاً شديداً، فانهزم عسكر الخليفة، ودخل بعضهم بغداد، وسار بعضهم إلى جهة الشام، ونزل هولاكو على بغداد، وقتل الخليفة

стр. 21

ومعظم كبار الدولة والعلماء ووجوه الناس في كمين بمؤامرة الخائن ابن العلقمي مع هولاكو، وهكذا سقطت الخلافة العباسية التي دامت أكثر من خمسمئة سنة (١). - في سنة ٦٥٨ هـ وصل التتر إلى حلب، وملكوها، ووقعت فيها موقعة عين جالوت العظيمة؛ التي انتصر فيها المسلمون على التتار بقيادة الملك المظفر قطز (٢). - في عام ٦٦٣ هـ سار الملك الظاهر بيبرس من الديار المصرية إلى قيسارية لفتحها في الشام في منتصف جمادى الأولى، ثم سار إلى أرسوف ونازلها وفتحها في جمادى الآخرة، وفي هذه السنة في التاسع عشر من ربيع الآخر هلك قائد المغول وملك التتر هولاكو (٣). - في عام ٦٦٤ هـ خرج الملك الظاهر بعساكره العظيمة من الديار المصرية إلى الشام، وجهز جيشاً إلى ساحل طرابلس، ففتحوا يافا، ثم فتحوا أنطاكية وحلباً وغيرها من بلاد الشام (٤). - في عام ٦٧٦ هـ توفي الملك الظاهر بيبرس بدمشق، ومدة مملكته ١٧ سنة وشهران وعشرة أيام، وكان ملكاً جليلاً، شجاعاً، عاقلاً، مهيباً ﵀، واستقر الملك السعيد بركة ابن الملك الظاهر في مملكة مصر والشام في أوائل ربيع الأول من هذه السنة (٥). - في عام ٦٧٨ هـ خلع العساكر الملك السعيد، وأقاموا مكانه سلامش ابن الملك الظاهر بيبرس، ولقبوه الملك العادل، وعمره إذ

стр. 22

ذاك سبع سنين، ولكنه أزيل من الحكم في السنة نفسها، وفيها تمت البيعة للملك المنصور قلاوون الصالحين (١). - في عام ٦٨٤ هـ فتح قلاوون المرقب، وهو حصن في غاية العلو والحصانة، لم يطمع أحد من الملوك الماضين في فتحه، وفيها أيضاً فتوح صهيون، وكذلك في هذه السنة كانت ولادة الملك ناصر الدنيا والدين محمَّد ابن السلطان الملك المنصور سيف الدنيا والدين (٢). - في عام ٦٩٣ هـ كان مقتل السلطان الملك الأشرف، وفيها تولى السلطنة الملك الناصر (٣). - في عام ٦٩٤ هـ كانت وفاة صاحب اليمن الملك المظفر شمس الدين يوسف ابن الملك المنصور عمر بن علي بن رسول بقلعة تعز، وكانت مدة ملكه نحو ٤٧ سنة، وملك بعده ابنه الأكبر الملك الأشرف عمر بن يوسف (٤). - في عام ٦٩٨ هـ قتل الملكُ المنصورُ حسامَ الدين لاجين صاحبَ مصر والشام، وفيها كانت وفاة الملك المظفر صاحب حماة (٥). - في عام ٦٩٩ هـ سقطت دمشق في أيدي التتر، وانهزم المسلمون في الشام (٦).

стр. 23

- في عام ٧٠٠ هـ تدارك الله المسلمين بلطفه، فانتصروا على التتر في الشام، واستعادوا بلادهم مرة أخرى (١). - في عام ٧٠٢ هـ دخل التتر مرة أخرى إلى بعض ولايات الشام، ولكنهم ذاقوا الهزيمة مرة أخرى، وانتصر عليهم المسلمون انتصاراً عظيماً في وقعة شقحب (٢). - في عام ٧٠٩ هـ كان مسير السلطان الملك الناصر إلى ديار مصر، واستقراره في سلطنته، وقبض هناك على بيبرس الجاشنكير الذي كان متولياً على مصر (٣). - في عام ٧١٥ هـ كان فتح ملطية على يد سيف الدين تنكز ومن معه من المسلمين ضد النصارى (٤). - في عام ٧٢١ هـ كانت وفاة صاحب اليمن الملك المؤيد داود بن المظفر يوسف ابن عمر بن علي بن رسول (٥). • اسمه ونسبه: هو علاء الدين علي بن إبراهيم بن داود بن سلمان بن سليمان، أبو الحسن الشافعي، المعروف بابن العطَّار. اتفق المترجمون له على سَرْد نَسَبه إلى داود، واقتصر الجمهور منهم على ذلك؛ لأن ذِكْر هذا القدر من النسب مع الأوصاف الأخرى؛ التي اكتسبها؛ تكفي لتحديد شخصيته، ومجالات تخصصه، ومنهم من

стр. 24

زاد على ذلك، ولكنهم اختلفوا، فقال فريق منهم الذهبي: (١) داود بن سليمان، وقال آخرون: داود بن سلمان بن سليمان، وعلى رأسهم ابن قاضي شهبة (٢). والذي أميل إليه، وأرجحه، هو ما ذهب إليه الذهبي؛ لأمور كثيرة، منها: ما عرف عن الذهبي من الدقة، وتقدمه على غيره في معرفة الرجال؛ ولأن للذهبي مزيد اختصاص بابن العطار، فالذهبي تلميذ لابن العطار، وفوق ذلك هو أخوه لأمه من الرضاعة (٣)، ثم إنه عمل معجماً له في شيوخه، كما سيأتي - إن شاء الله -. • أسرته: المصادرُ التي بين أيدينا شحيحةٌ بأخبار أسرته من الوالدين والأقارب، إلا ما ذكره الحافظ ابن حجر من أن أباه كان عطاراً، ويلقب بموفق الدين، وجدّه طبيباً (٤)، وأشار إلى ذلك النعيمي في ترجمته، حيث قال: (علاء الدين أبو الحسن بن الموفق العطار ابن الطبيب ...) (٥)، وبهذا يظهر أنهم لم يكونوا من أهل العلم، بل ذكر النعيمي أن والده كان يهودياً (٦)، ولم أر من ذكر ذلك غيره مع كثرتهم، فإن كان الأمر كما ذكر تكون أسرته من الأسر العربية التي تهودت في جزيرة العرب والشام، وبقيت كذلك في ظل الدولة الإِسلامية؛ كما تدل

стр. 25

عليه سلسلة نسبه من الأسماء العربية الخلص، فيكون أبوه قد أسلم قديماً بدليل أنه كان يُلقَّب بموفق الدين. • مولده: وُلد ابنُ العطار يوم عيد الفطر سنة أربع وخمسين وستمئة، ولم يختلف المترجمون له على سنة ولادته، وكذا يوم ولادته، إلا ما قال ابنُ جابر الوادي آشي - أحد معاصريه -: مولده ليلة الفطر أو قبلها بليلة بالتردد (١). قلتُ: ولعل الذي ساعد على ضبط تاريخ ولادته كونه ولد في تلك المناسبة العظيمة، وإلا فإن الغالب في تراجم أهل العلم عدم ضبط تاريخ ولادتهم؛ لأنهم يولدون كبقية الأبناء، وليس لهم عند ذلك ما يميزهم، بخلاف حالهم عند الممات، فموتُ أحدهم يكون له وقعٌ أليمٌ في نفوس تلاميذه ومحبيه، فيكون ذلك أدعى لحفظ تاريخ وفاته. • نشأته: لم تتحدثِ المصادرُ عن نشأته، ولكن المعهود في طلب العلم البدء بحفظ القرآن الكريم، ثم بمبادئ العلوم في مختصرات المتون، كما هي العادة المتبعة آنذاك في تعليم الأطفال، لا سيما وقد أشار غيرُ واحدٍ من العلماء أنه حفظ القرآن في بداية أمره، هذا من جهة، ومن جهة ثانية أن بلوغَه هذه المنزلة العالية في العلم دليلٌ على اشتغاله في تحصيل العلم في الصِّغر. ومما يؤكَّد ذلك ما ذكره ابنُ العطار نفسه في ترجمة الإِمام النووي، حيث قال: (وكانت مدةُ صحبتي له مقتصراً عليه دون غيره من أول سنة سبعين وستمئة وقبلها بيسير إلى حين وفاته) (٢)، أي: إن أول

стр. 26

لقياه بالنَّووي عندما كان عمره خمسة عشر سنة، وحينها شرع في قراءة كتب الفقه الطوال عليه تصحيحاً وتعليقاً، ومعناه أنه قبل ذلك قد تحصَّل على علوم كثيرة كعلم العربية، والقراءات، وحفظ المتون. • طلبه للعلم: قد ذكرنا في بداية نشأته شيئاً من طلبه للعلم على الظن والتخمين، ولكن المراد بهذا العنوان هو معرفة الوقت؛ الذي عرف فيه طلبه للعلم، وبيان حاله في الطلب. ومما لا شكَّ فيه أنه اشتهر بطلب العلم عند النَّاس، حين اجتمع بالإمام النَّووي، وقرأ عليه معظمَ مصنفاته، وظهرتْ منه في ذلك الوقت المبكر ملامحُ طالب العلم من الجِدَّ والإقبال عليه بكلَّه، مما جعل الإِمام النَّووي يعتني به، ويشفق عليه، ويخصُّه بمزيد اهتمام من بين تلاميذه، وفي ذلك يقول ابنُ العطار: (فقرأت عليه الفقه، تصحيحاً، وعرضاً، وشرحاً، وضبطاً، خاصاً وعاماً، وعلوم الحديث، مختصره وغيره، تصحيحاً، وحفظاً، وشرحاً، وبحثاً، وتعليقاً، خاصاً وعاماً، وكان ﵀ رفيقاً بي، شفيقاً علي، لا يمكّن أحداً من خدمته غيري، على جهد مني في طلب ذلك منه، مع مراقبته لي ﵁ في حركاتي وسَكَناتي، ولُطْفه بي في جميع ذلك، وتواضعه معي في جميع الحالات، وتأديبه لي في كل شيء حتى الخطوات، وأعجز عن حَصْر ذلك. وقرأتُ عليه كثيراً من تصانيفه ضبطاً، وإتقاناً. وأذن لي ﵁ في إصلاح ما يقع لي في تصانيفه ... ، وقال لي: (إذا انتقلتُ إلى الله تعالى؛ فاتمم "شرح المهذَّب" من هذه الكتب). فلم يقدَّر لي) (١).

стр. 27

وطالِبٌ يعطيه الإِمام النَّووي كل هذا الاهتمام، ليس كأي طالب، وإنما ذلك لما ظهر من ابن العطار من مخايل الذكاء، وكمال الفهم، مع قوة العزيمة، والجِدّ في طلب العلم، فرأى الإمامُ النَّووي أن يتعهده بالرعاية والعناية؛ ليشد عضده، ويقوي ساعده؛ علَّه يكون في مصافِّ أهل العلم مستقبلاً. • الرحلة في طلب العلم: الرحلةُ في طلب العلم سُنَّة العلماء، خاصة المحدِّثين منهم، ولكن جرتِ العادةُ أن الطالبَ لا يسافر من بلدته إلا بعد أن يأخذَ من شيوخها، ويستوعب ما لديهم، ثم يتوجَّه إلى الأقطار، قاطعاً الفيافي، متحملاً المشاق في سبيل العلم. وللرحلة مزايا عديدة، أهمها: اللقاء بالمشايخ الكبار في كل فن، ونقل العلوم التي ينفردُ بها أهلُ كل منطقة، والوقوف على طريقة كل قوم في تدريس العلوم، إضافةً إلى معرفة عادات كل قوم، ومسالك حياتهم، وكل ذلك بلا ريبٍ يساعدُ الطالبَ على توسيع مداركه ومعارفه. وصاحبنا الذي نقومُ بترجمته واحد من هؤلاء، فإنه قد حمل عصا الترحال يجوبُ الآفاق، ويقطع الفيافي؛ إلا أن مترجميه مع كثرتهم لم يعنوا بتتبع رحلاته، ولكن تيسَّر لي - بحمد الله - معرفة معظم الأماكن؛ التي رحل إليها من خلال شيوخه؛ الذين سمع منهم في أماكن متفرقة. حيث سمع بمكة من أبي اليُمْن بن عساكر، وبالمدينة من أحمد بن محمَّد النصيبي، وبالقدس من قطب الدين الزهري (١)، وبنابلس من

стр. 28

العماد عبد الحافظ (١)، وبالقاهرة من الأبرقوهي (٢)، وابن دقيق العيد (٣) ((٤). وقد أجملها الحافظ ابن حجر بقوله: (سمع بالحرمين ونابلس والقاهرة من عدة أشياح يزيدون على المئتين) (٥). وبهذا النقل ندركُ أنه قد دخل معظم الحواضر الإِسلامية؛ التي كانت عامرةً بالنشاط العلمي، إضافةً إلى موطنه دمشق. وبعد ذلك التطواف، استقرَّ به المقامُ في داره بدمشق، وجلس للتدريس والتأليف، فرحل إليه الطلابُ من أقاصي البلاد. • شيوخه: إن شيوخَ ابن العطار كثيرون؛ بحيث يصعب على المرء حصرهم، إذ إنه لطول رحلته تلك لقي أعداداً من أهل العلم في كلَّ بلدة، لا سيما والناس في ذلك الزمن كانوا يتفاخرون بكثرة الشيوخ.

стр. 29

ومما يدلُّ على كثرة شيوخه أن تلميذه الذهبي خرّج له معجماً لشيوخه في مجلد، ذكر ذلك الذهبي (١)، وهذا المعجمُ الذي ألفه الذهبي في شيوخ ابن العطار لم أقف عليه، ولم أعرف عددَ شيوخ ابن العطار بالتحديد، وإن كان صنيع الذهبي يوحي بكثرتهم؛ لأنه لم يزد على قوله: (خرّجت له معجماً في مجلد). إلا أنَّ السّبكي أشار إلى عدد شيوخه في معجم الذهبي بقوله: (وخرّج له شيخنا الذهبي معجماً نيّف فيه على ثمانين شيخاً) (٢). وهذا العددُ الذي ذكره الذهبي من شيوخه ليسوا كلَّ شيوخه, بدليل أن الحافظ ابن حجر ذكر أنه سمع من عدة أشياح يزيدون على المئتين (٣)، وأما الذين ذكروا أنه سمع من شيوخه في ترجمته، فهم قلة، ذلك أن الذهبي - وهو عمدة من جاء بعده - لم يذكر أحداً من شيوخه غير النَّووي في جميع الكتب التي ترجمه فيها؛ لأنه استوفى شيوخه في المعجم الذي وضعه خصيصاً لشيوخه. ومن شيوخه: النَّووي (٤)، .........................

стр. 30

وابن عبد الدَّائم (١)، وابن أبي اليسر (٢)، وابن أبي الخير (٣)، وابن

стр. 31

مالك شيخ العربية (١)، وخطيب بيت الآبار (٢)، والقطب بن أبي عصرون (٣)، وإلياس بن علوان المقرئ (٤)، وأبو اليمن ابن عساكر (٥)، وأحمد بن محمَّد النصيبي (٦)، ................. .

стр. 32

والعماد عبد الحافظ (١)، وابن دقيق العيد (٢)، وغيرهم كثير (٣). • تلاميذه: • ما استقرّ بابن العطار ﵀ المقام في دمشق بعد رحلاته في طلب العلم، قصده الكثيرُ من طلبة العلم للانتفاع بعلمه وحضور مجالسه، كيف لا وقد ورث علمَ شيخه النَّووي ﵀، وإضافةً إلى ذلك فقد درّس، وتولى مشيخة بعض المدارس العلمية، ودور الحديث، والتي حضرها الكثيرُ من طلبة العلم، وهذا يؤكد أن تلاميذه وأتباعه كُثر، وممن سمع منه: كمال الدين ابن الزملكاني (٤)، وشمس الدين ابن

стр. 33

الفخر (١)، وشهاب الدين ابن المجد (٢)، وعلم الدين البرزالي (٣)، وأبو القاسم المقاتلي (٤)، ومحيي الدين الهذباني (٥)، وبرهان الدين أبو إسحاق التنوخي (٦)، والإمام الذهبي (٧)، وغيرهم كثير.

стр. 34

• صفاته وأخلاقه: اكتسب ابن العطار صفات وألقاباً عدة كغيره من العلماء. فقد ترجم له تلميذه الذهبي في تذكرة الحفاظ (١)، وفي المعجم المختص للمحدثين (٢)، ومعنى ذلك أنه في نظر هذا الإِمام الناقد: محدث حافظ، إضافة إلى فنه الذي برع فيه وهو الفقه؛ ولهذا وصفه الذهبي وغيره بالإمام الفقيه المفتي، وهذه الأوصاف لا تطلق إلا على من له معرفة تامة بالفقه وأصوله. وكذلك وصفه الذهبي وغير واحد بأنه بقية السلف (٣)، وهذا الوصف يطلق عادة على من كان على مذهب السلف الصالح عقيدة وعلماً وعملاً، وصاحب الترجمة كذلك، فها هو قد ألف هذا الكتاب الذي نحن بصدد تحقيقه في بيان عقيدة السلف الصالح، في وقت انتشرت فيه المذاهب الكلامية، وقلَّ من كان على مذهب أهل السنة، وكان ﵀ معروفاً بالعبادة والزهد، قال الذهبي: له فضائل وتألُّه (٤)، ولا غرابةَ في ذلك، فهو تلميذُ إمام الزهد في عصره - النَّووي - كما سبق أن أشرنا إليه.

стр. 35

وقال الصفدي: (كان فيه زهد، وورع بلغ الجهد، وتعبد، وأمر بالمعروف) (١). • مكانته العلمية: لقد تبوأ ابنُ العطار ﵀ مكانةً رفيعةً في العلم، شهد له بذلك معاصروه من أهل العلم، ويدلُّ على مكانته في العلم أمور، منها: ١ - أن الإِمام النَّووي - ومكانته في العلم معروفة - أوصاه إذا توفاه الله أن يكمل شرحَ المهذب، قال: (دفع لي ورقةً بعدَّة الكتب التي كان يكتب منها، ويصنف بخطه، وقال لي: إذا انتقلت إلى الله تعالى؛ فأتمم شرحَ المهذب من هذه الكتب)، قال ابنُ العطار: (فلم يقدَّرْ ذلك لي) (٢). إنَّ إسنادَ النَّووي هذه الوظيفةَ - وهي إكمالُ هذا الكتاب الذي يُعَدُّ أفضل كتبه - دليل على مكانة ابن العطار، وشهادة من النووي له بالتقدم، وليس هذا فحسب بل إنَّ النووي حين رأى مقدرته، وعلوَّ كعبه في العلم، أذن له في إصلاح ما يقعُ له في تصانيفه، يقول: (فأصلحت بحضرته أشياء، فكتبه بخطه، وأقرَّني عليه) (٣). ٢ - ثناء أهل العلم عليه: قال الذهبي: (كان صاحبَ معرفة حسنة، وأجزاء وأصول، خرّجت له معجماً في مجلد) (٤). وقال أيضاً: (وتفقه على الشيخ محيي الدين النووي، وسمع

стр. 36

وكتب الكثير، وحدث، ودرَّس، وأفتى مشيخة النورية (١)، والعلمية (٢)، والقبجية (٣)، وغير ذلك، وصنَّف أشياء مفيدة، خرّجت له معجماً في مجلد) (٤)، وقال أيضاً: (ويلقب بمختصر النووي) (٥). وفي هذا ردّ على اليافعي، حيث قال - بعد قوله: (له فضل، وتألُّه، واتّباع) -: (هكذا ذكر الذهبي، ولم يذكر ما قد عرف واشتهر وشاع، وتقرر عنه أنه من أصحاب الشيخ معتمد الفتاوى محيي الدين النووي) (٦). قلت: والذي أوقعه في هذا الوهم أنه قرأ ترجمة ابن العطار في العبر للذهبي، فظن أنه لم يزد على ذلك في بقية كتبه، والحقيقة خلاف ذلك، والناس في ترجمته عيال على كتب الذهبي، كما أشرت إلى ذلك في بداية الترجمة. وقال ابنُ كثير: (سمع الحديث، واشتغل على الشيخ محيي الدين النووي، ولازمه؛ حتى كان يقال له: مختصر النووي، وله مصنفات وفوائد، ومجاميع وتخاريج) (٧).

стр. 37

وقال ابنُ تغري بردي: (كان فقيهاً محدثاً، وكانوا يسمونه مختصر النووي، ودرَّس، وأفتى سنين، وانتفع به الناس) (١). وقال الصَّفدي: (وكان فقيهاً أفتى ودرس، وركب الجادة في العلم، وألج وعرّس، وجمع وصنف، ونسخ الأجزاء وألَّف، ودار مع الطلبة ووطّف) (٢). ومما يدل على اجتهاده، وحبه الخير، وحرصه على إيصاله إلى الآخرين، ما ذكره ابنُ جابر الوادي آشي بقوله: (وأصابه ألم - وهو الفالج - تعطَّل به عن التصرف، وبقي مقعداً، ولكن قواه الله فكتب بشماله الدواوين، وهو الآن يكتب بها الفتاوى، قال لي: ما كتبتُ بها قبل هذا الألم قط، فلله الحمد أن متَّعني بالكتْب بها) (٣). ٣ - هذه المؤلفات النفيسة التي كتبها في كل فن، هي خير شاهد على تبحره في فنون من العلم، وسيأتي ذكرها في المبحث الخاص ببيان مؤلفاته. ٤ - أنه تولَّى التدريس في دار الحديث، ومدرسة القوسية والنورية والعلمية وغير ذلك، وسيأتي ذكر ذلك بالتفصيل - إن شاء الله - في مبحث تدريسه. ولا يخفى أنه لم يكنْ يتولى تدريسَ هذه المدارس إلا مَنْ كان على قدرٍ عالٍ من العلم، والإحاطة بفنون متنوعة؛ لكثرة وجود أهل العلم، فكونه يتمُّ ترشيحه من بين أئمة ذلك الزمن في تلك المنطقة، دليلٌ على تفوقه وسبقه في هذا المجال. وكلُّ هذه الأدلة تنطق بأن ابن العطار من كبار علماء زمانه علماً،

стр. 38

وعملاً، وتأليفاً، وتدريساً، مع ما عرف به من الزهد، والعبادة، والصبر على قضاء الله وقدره مما أصابه من مرض الفالج؛ الذي استمر معه إلى وفاته طيلة عشرين عاماً، ﵀ رحمة واسعة. بقي أن أشيرَ إلى ما ذكره الصَّفدي في ترجمته، ونقله عنه ابنُ حجر أنه: (عُقد يوماً مجلس بمشهد عثمان في أيام الأمير سيف الدين تنكز ﵀ فطلب العلماء والفقهاء، وغصّ المجلس بالأعيان، فما كان إلا أن جاء الشيخ علاء الدين ابن العطار، وقد حمله اثنان في محفَّته على عادته، فلما رآه الشيخُ كمال الدين ابن الزملكاني، وقد دخلا به، قال: أيش هذا؟ من قال لكم تأتون بهذا، ورده تنكز إلى برّا، وجلس خارج الشباك، إلا أن ابن الزملكاني لحق كلامه بأن قال: قلنا لكم تحضرون العلماء، ما قلنا لكم تحضرون الصلحاء) (١)، وعليه بني ابن حجر قوله: (ولم يكن - أي: ابن العطار - بالماهر مثل الأقران؛ الذين نبغوا في عصره، حتى إنه عقد مجلس فحضره العلماء ...) فذكر القصة. أما ما ذكره الحافظ ابن حجر أنه لم يكن بالماهر مثل الأقران في عصره، إن كان يقصد أنه لم يكن مثل شيخه النووي في العلم، ولا مثل معاصريه كابن تيمية وابن كثير، ولم يبرز في العلم كما برز بعض تلاميذه كالذهبي، فهذا صحيح، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء. أما ما صنعه ابنُ الزملكاني بابن العطار، وردّه من مشاركة مجلس العلماء بحجة أنه لم يكن من أهل العلم فهو غير مقبول، ولا يوافقه عليه منصفٌ عرف ابن العطار، ومنزلته في العلم، والظاهر أن ابن الزملكاني كان مترئساً على المجلس، ولكون الأمير سيف الدين حاضراً

стр. 39

كره أن يحضر هذا الشخص المريض المحمول على المحفة المجلس؛ ظناً منه أن حضوره غير لائق بمجلس يحضره الأعيان. والعجيب أن كمال الدين ابن الزملكاني ممن سمع من ابن العطار، واستفاد منه، بل إن الصَّفدي حين شرع بذكر بعض تلاميذه بدأ به، فقال: (وسمعه الشيخ كمال الدين ابن الزملكاني بقراءته سنة سبع وتسعين، وابن الفخر، وابن المجد، والمجد الصيرفي، والبرزالي، والمقاتلي) (١). ورحم الله الإِمام الذهبي حين يعترفُ له بالفضل عليه، منوهاً بذكره في جميع كتبه، فيقول بعد ذكر سيرته ومؤلفاته: (انتفعت به، وأحسن إلي باستجازته لي كبار المشيخة) (٢). • تدريسه: لم يتقلد ابنُ العطار منصباً رسمياً، وإنما تولى التدريسَ في مدارس علمية لنشر العلم بين طلابه، كما سبق أن ذكرته، ومن تلك المدارس: ١ - دار الحديث النُّورية: وهي التي بناها نورُ الدِّين محمود زنكي الملك العادل التركي، قال ابنُ كثير: (في شوال سنة أربع وتسعين وستمئة باشر مشيخة دار الحديث النورية الشيخ علاء الدين ابن العطار عوضاً عن شرف الدين المقدسي) (٣). ٢ - دار الحديث القوصية: نسبة إلى واقفها، ويقال له: القوصي، وهي بالرحبة من الجامع الأموي بدمشق، وتعتبر من مدارس الشافعية،

стр. 40

قال النُّعيمي في كتاب الدارس: (لم نعلم ممن ولي مشيختها سوى الشيخ علاء الدين ابن العطار) (١). ٣ - دار الحديث الدوادارية: نسبة إلى بانيها وواقفها الأمير علم الدين سنجر الدويدار التركي الصالحي، كان من نجباء الترك وشجعانهم وعلمائهم، وله أوقاف بدمشق والقدس، توفي سنة تسع وتسعين وستمئة، وقبل وفاته بسنة قال ابنُ كثير: (وفي سنة ثمان وتسعين وستمئة، وقف علم الدين سنجر الدويدار رواقه داخل باب الفرج، مدرسة ودار حديث، وولي مشيختها الشيخ علاء الدين ابن العطار، وحضر عنده القضاة والأعيان، وعمل لهم ضيافة) (٢)، وكذلك تولى غيرها من المدارس الأخرى. • فتاواه: كان لابن العطار كغيره من أعيان العلماء فتاوى تصدر منه رداً على أسئلة ترد إليه من أقطار العالم، وحصل له في بعضها الأذى من قبل بعض مناوئيه. قال صلاح الدين الصَّفدي: (وفي شهر ذي القعدة سنة أربع وسبعمئة تكلم الشيخ شمس الدين ابن النقيب (٣) وجماعة في بعض الفتاوى الصادرة عن الشيخ علاء الدين ابن العطار، وأن فيها تخبيطاً ومخالفة لمذهب الشافعي، وأنه ينبغي للفقهاء والقضاة النظر في ذلك،
следующие страницы →