← Общие книги

Общие книги · id 1408

أخطاء وأوهام في أضخم مشروع تعسفي لهدم السنة

عبد العظيم المطعني

Полный текст (94 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الكتاب: أخطاء وأوهام في أضخم مشروع تعسفي لهدم السنة المؤلف: د. عبد العظيم إبراهيم محمد المطعني الناشر: مكتبة وهبة الطبعة الأولى ١٤١٩ هـ - ١٩٩٩ م عدد الأجزاء: ١ تنبيه: [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع] جَزَى اللَّهُ كَاتِبَهُ وَمَنْ تَحَمَّلَ نَفَقَةَ الْكِتَابَةِ خَيرَ الجَزَاءِ وَأَوفَاهُ.

стр. 2

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ تقديم هذا الكتاب الذي بين يديك عبارة عن مقالات نشرت في جريدة "عقيدتي" الأسبوعية التي تصدر عن دار التحرير للطبع والنشر والتوزيع "الجمهورية". وقد تم نشرها تباعاً فيما بين عامى ١٩٩٦ - ١٩٩٧ م وقد أثرنا نشرها في هذا الكتاب في (سلسلة لا بد من دين الله لدنيا الناس) تلبية لرغبة أبداها بعض الغيورين على دينهم، ولتيسير الإطلاع عليها، نظراً لخطورة الموضوع الذي تصدت له، والله خير حافظاً وهو أرحم الراحمين. القاهرة - الظاهر ١٤١٩ هـ - ١٩٩٨ م المؤلف عفا الله عنه

стр. 3

(١) الهجوم على السُّنة قديماً وحديثاً تعرضت السنة النبوية الشريفة؛ وهي المصدر الثاني للتشريع الإسلامي بعد كتاب الله العزيز، لتهجمات، وانتقاضات منذ زمن بعيد. وفي العصر الحديث تلقف المبشرون والمستشرقون كرة هذه اللعبة الشيطانية الخبيثة، وطفقوا يقذفونها في كل اتجاه دون إصابة الهدف منها، ثم توقف دورهم بعد طول يأس. وانتقلت (اللعبة الماكرة) إلى أيدي فريق من المسلمين، واقتحموا (الخطوط الحمراء) ، ورددوا شبهات المبشرين والمستشرقين، منهم من يكتفي بالمقالات السيارة، ومنهم من يؤلف كتباً، يظهرون في (الملعب) واحداً إثر آخر. وعلى الرغم من زيف أعيرتهم الطائشة في غير وازع من دين أو خلق. وعلى كثرة ما أطلعت عليه من محاولاتهم اليتئسة في هدم السنة، أو التقليل من شأنها، فإنه لم يتفق لي بعد كتاب (أضواء على السنة المحمدية) لأبي رية أن أطلعت على مشروع تعسفي ضخم لهدم السُّنة النبوية والتهجم على علماء الحديث وأئمة الفقه وأصوله وبعض الصحابة من هذا المشروع الذي نتعرض له - هنا - وقد أطلق عليه واضعه اسم (تبصير الأمة بحقيقة السنة) .

стр. 4

هذا المشروع التعسفي الضخم له هدف واحد - وهو: عزل سنة صاحب الدعوة عن الواقع العملي في حياة الأمة. وإبعاد صاحب الدعوة - نفسه - عن أي دور عملي في إطار الرسالة. فهو أشبه ما يكون - في هذا المشروع - بآلة صماء تحمي ما يقال. إنه مجرد "مبلغ" أما أقواله، وأفعاله، وتقريراته، فهي "هوامش" مزورة مفتراة، وتسجيلها في كتب الحديث أول نكبة حلت بالأمة, فضلت بعد هدى، وأنحرفت بعد استقامة، وتفرقت بعد اجتماع، وضعفت بعد قوة. وصاحب المشروع التعسفي الضخم أوتى قوة هائلة على الجدل التحكمي، والحجاج العضلي، والإسهاب العليل، والإسراف في رمي سلف الأمة الصالح بالجهل والغفلة، والكذب والخيانة، وهذا قوله بالحرف الواحد-: "إن الأصل في رواية الحديث كان الكذب والخيانة، وأن الاستثناء من ذلك كان الصدق والأمانة"!! وقال في وصف الحديث النبوي الذي اهتم السلف الصالح بجمعه وحفظه: "وصار للحديث كيان تفصيلي جديد، وإن كان هشاً، حتى دخل في حياة المسلمين كأنه من أساسيات الدين" وهذا المشروع دعوة إلى أن ترفع الأمة "سنة خاتم النبيين" وتضع مكانها هذا "المشروع التعسفي الضخم". وتحرق كتب الحديث كلها لتذروها الرياح؛ لأنها كتبت بغير إذن من الشرع، ولأن الذين كتبوها غاب عنهم المنهج العلمي الصحيح؛ فكذبوا على رسول الله ﷺ ؛ واستخفوا عقول الأمة!!

стр. 5

وقد آن الأوان بعد أربع عشر قرنا عاشتها الأمة الإسلامية في ضلال أن يبصرها "رجل واحد" اهتدى إلى المنهج العلمي الصحيح؛ الذي غاب طوال هذه المدة عن مليون عالم من المحدثين، والمفسرين، والأصوليين، والفقهاء!! هذه هي خلاصة ما يدعو إليه صاحب هذا المشروع "العميل"؟. وقد وصفنا هذا المشروع بأنه "ضخم" لأن الذي بين أيدينا (الجزء الأول) من ثلاثة أجزاء وعد المؤلف بإنجازها. وقد تجاوزت صفحات الجزء الأول ستمائة صفحة من القطع الكبير، أي أن هذا المشروع من المتوقع أن يبلغ ألفى صفحة أو تزيد، وهذا "الكم الهائل" من الصفحات لم يعرف له مثيل في "موضوعه". * أما أنا "تعسفي" فإن منهج المؤلف فيه منهج عضلي هجومي، قائم على الأخطاء الفاحشة، والأوهاوم الطائشة والأكاذيب الماكرة. وأكاد أجزم أن كل صفحة لا تخلو من خطأ أو وهم. وليأذن لي القارئ الكريم في إغفال اسم المؤلف، والإكتفاء بكشف ما في مشروعه من أخطاء وأوهام، وجرأة غير محمودة على تسفيه علماء الأمة، وبخاصة علماء الحديث ﵃ حيث لم يسلم من تسفيه أحد منهم، لا البخاري، ولا مسلم، ولا غيرهما. أما "السُّنة النبوية" فهي المقصودة بالهدم الكامل، إلا طائفة من الأحاديث تفضل صاحب المشروع التعسفي بالرضا عنها، والسماح لها بالوجود، ولكنه رضا "زي قلته" - كما يقول المثل العامي المعروف - لأن صاحب المشروع يسمح لها بالوجود لفظاً؛ أما أن يكون لها دور في حياة المسلم فلا؛ بل وألف لا!

стр. 6

وتسأله عن السبب في هدم السنة فيجيبك على الفور، ومرات متعددة - ويقول: "القرآن وحده يكفي!! ولسنا في حاجة إلى أي شيء غيره!! لا في عقائد، ولا في عبادات، ولا في معاملات، ولا في أي شيء كان"!! ووصفنا هذا العمل بأنه: "مشروع تعسفي ضخم" لأن صاحبه يدعو الأمة إلى العمل به وطرح ما عداه ليكون لها مصدر تشريعي واحد، هو القرآن؟ ويصف "المؤلف" علماء الأمة بالسفة والغفلة، لأنهم كتبوا حديث النبي ﷺ ، وفي ذلك يقول: "لو أنهم التزموا منهاج نبيهم ﷺ بعدم كتابة الحديث النبوي بأي سبيل". هذا كلامه - بالحرف الواحد - وهو يدل دلالة قاطعة على مراد مؤلف هذا المشروع، وهو: أولاً: هد السنُّة النبوية من الأساس. ثانياً: تسفيه علماء الأمة: وفي مقدمتهم علماء الحديث، والفقه "الذين اعتمدوا تلك الصياغة المزيفة" - في نظر صاحب المشروع - واتخذوها مصدراً ثانياً للتشريع، فحدث للأمة - بسببها - ما حدث من نكبات"!! وبجانب هذا الهدف "الأم" من المشروع فتح المؤلف جبهات متعددة، وأطلق صوبها أعيرة صوتية طائشة. وقد نبهني بعض الغيورين على الدين إلى وجود هذا المشروع، وأن بعضاً من أئمة المساجد الضعيفي التكوين علمياً، قد تأثروا به؛ وصدقوا ما فيه من ادعاءات. وهذا ما حملنا على مواجهته، وكشف زيفه. تطويقاً للفتنة، مع العلم أننا في هذه المواجهة سنكتفي بما يظهر للناس أوهام هذا المشروع،

стр. 7

وزيفه، وأباطيله، أما أن نتصدى لكل ما فيه؛ فهذا يحتاج إلى صفحات أضعاف ما كتب هو؛ لأن في كل صفحة من المشروع باطلاً يرد عليه. وفي المقال الآتي نبدأ بمواجهة أباطيل هذا المشروع - وأولها: هل كان جمع الحديث النبوي وكتابته بدعة وضلالة لم يأذن بها الدين؟ وهل كان العمل بالحديث هو سبب النكبة عند المسلمين؟ * * *

стр. 8

(٢) كتابة الحديث النبوي أشرنا فيما سبق إلى أن أول خطأ نواجهه في المشروع التعسفي الضخم لهدم السنُّ النبوية، وإقصائها عن المجالات العملية في حياة الأمة، هو إدعاء صاحب المشروع أن كتابة الحديث النبوي وجمعه في كتب الحديث لم يكن مأذوناً فيه شرعاً. بل هو بدعة ضالة حدثت بعد صدر الإسلام الأول (عصر الرسول والخلفاء الراشدين) وأن هذه البدعة هي سبب نكبة المسلمين، وارتدادهم من الهدى إلى الضلال، وأن الأمة لم تكن في حاجة إلى أحاديث رسول الله ﷺ . ولم يتورع صاحب المشروع من وصف ـأحديث النبي ﷺ بأنها خرافات! بل قال - بالحرف الواحد -: "وهكذا يتضح لك كم غيبوا عقول الأمة - يقصد علماء الحديث - وحجبوها عن الحق، وطمسوا أعينها عن النور"!! الخطأ والوهم في هذا الكلام: هذا الكلام الذي نقلناه عن صاحب المشروع مبنى على خطأ شنيع، ووهم أوهى من بيت العنكبوت، فقد تصور المؤلف أن هناك عداء حاداً بين القرآن وبين السنُّة. القرآن يقول للسنُّة: إما أنا وإما أنت؟ والسنة تقول للقرآن: إما أنا وإما أنتظ فهما عند صاحب هذا المشروع التعسفي لهدم السنة النبوية نقيضان لا يجتمعان معاً في حياة الأمة وتوجيهها، ولو لم يكن هذا التصور هو عقيدة صاحب المشروع لما ضاق ذرعاً بمجاورة النة للقرآن. وهذا - كما يدرك القارئ - خطأ شنيع، ووهم بالغ، فالقرآن والسنة خيطان في نسيج واحد.

стр. 9

فالقرآن - مثلاً - أعلن كلمة التوحيد مرات عديدة، وحث على الصلاة؛ والزكاة؛ والصيام؛ والحج في آيات متعددات. فإذا جاء في الحديث الذي رواه الشيخان عن ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: "بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، والحج، وصوم رمضان" يكون بين القرآن والسنة عداء ومخالفة؟! فأين العداء والمخالفة بين القرآن والسنة في هذا الحديث والآيات التي تقرر هذه الدعائم الخمس التي هي أركان الإسلام؟ هذا مثال. ومثال ثان: القرآن يأمر بأداء الأمانات إلى أ÷لها، فيقول في ذلك ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾ (النساء: ٥٨) فهل إذا جاء في الحديث النبوي قوله ﷺ : "أدَ الأمانة إلى من إئتمنك، ولا تخن من خانك" يقال أن بين القرآن وبين السنة نفاراً شديداً، وأن أحدهما يحل محل الآخر، ومحال أن يجتمعا؟ ومثال ثالث: ينهى القرآن الحكيم عن الفرار يوم الزحف من مواجهة العدو، فيقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ﴾ (الأنفال: آية ١٠)

стр. 10

وجاءت السنة النبوية وعدت التولى يوم الزحف من الكبائر، فهل يكون بينها وبين القرآن اختلاف أم ائتلاف؟ لقد وهم صاحب المشروع التعسفي لهدم السنة. فأوقعه وهمه في هذا الخطأ الشنيع. ويقيناً أن هذا عمل عدواني متعمد من صاحب المشروع، ليس منشؤه الجهل بصلة السنة بالكتاب؛ لأننا قد تأكدنا من الإطلاع على الجزء الأول من مشروعه أنه يعلم ما قاله علماء الأمة عن صلة السنة بالكتاب. وهي: *سنة شارحة لما في الكتاب من إجمال. *وسنة مقررة مؤكدة لما في الكتاب من أوامر ونواه وغيرهما. *وسنة مستقلة تقرر أحكاماً، أو تضيف قيداً لما في القرآن. وهذا النوع قليل جداً، ومأذون فيه للنبي ﷺ وسيأتي في موضعه - إن شاء الله تعالى. أقول: مع علم صاحب المشروع بهذه الحقائق فقد أصر مئات المرات على رفض السنة، وعد اعتبارها والعمل بها زيادة في الدين. وأتهم السلف الصالح من علماء الأمة بالجها، والغفلة، والكذب على رسول الله ﷺ ..!! النهي عن كتابة الحديث النبوي: ومن الشبهات الني أستند إليها صاحب المشروع التعسفي الضخم لهدم السنة النبوية، ما ذهب إليه من أن النبي ﷺ نهى الصحابة عن أن يكتبوا عنه شيئاً غير القرآن، وأن الصحابة التزموا بهذا المنهاج حتى نهاية عصر

стр. 11

الخلفاء الراشدين، وكان ذلك هو سبب قوتهم، ولكن حين ابتدع التابعون وتابعوهم بدعة رواية الحديث وكتابته في صحف ومسانيد؛ حدث التحول الخطير من الهدى إلى الضلال -هذا ملخص ما قال. دحض هذه الشبهة: تمسك صاحب المشروع بشبهة ثانية نشأت عن قصور فهمه وفهم أمثاله لما ورد عن رسول الله ﷺ أنه قال: "لا تكتبوا عني، ومن كتب عني شيئاً غير القرآن فليمحه، وحدثوا عني ولا حرج، ومن كذب علي متعمداً فليتبوأ مقعده من النار" رواه مسلم في "صحيحه". وهذا الحديث لا تنازع في ثبوته، ومع هذا فإنه لا حجة فيه لصاحب المشروع؛ ولا لأمثاله من قبله ومن بعده على أن السنة ليست من الدين، أو أن الأمة ليست بحاجة إليها. ولو أن صاحب المشروع التعسفي لهدن السنة النبوية تنبه إلى ما ورد في الحديث من الإذن بالتحديث عنه ﷺ بلا أدنى حرج، ومن التحذير من الكذب عليه في الرواية، لو فطن إلى هذا لما ساغ له أن يقول حرفاً واحداً مما قاله في هدم السنة النبوية. فالحديث ليس فيه إلا النهي عن الكتابة، أما السماع عنه ﷺ ثم تبليغ ما قاله فليس هذا بمحظور، وإنما المحظور هو تعمد الكذب عليه ﷺ . فكان حرياً بصاحب المشروع أن يفطن إلى هذه "الخصوصية"، ثم يبحث عن علة النهي عن الكتابة، مع الإقرار برواية المكتوب. وعلماء الحديث الذين رماهم صاحب المشروع بالسفه، والجهل،

стр. 12

والكذب، والخيانة لفت نظرهم النهي عن الكتابة، كما وقفوا على "الخصوصية" الدقيقة التي عجز فهم صاحب المشروع عن الوصول إليها، ثم انتهوا إلى غير ما انتهى هو إليه. لم يفهموا كما فهم أن السنة "منكر" ليست من الدين، ولكنهم فهموا من النهي عن كتابة الحديث في أول الأمر أنه كان خشية أن يختلط نص الحديث بنصوص القرآن التي كان النبي ﷺ يأمر بكتابتها فور تلقيها من أمين الوحي جبريل ﵇ وهذا هو الحق الذي يهدي الله إليه طالبي الحق، كما قال : ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ . فالنهي عن كتابة الحديث كان "سياسة مرحلية"، الحكمة فيه ما أشرنا إليه نقلاً عن علمائنا الأتقياء، وليس لأن الحديث ليس من الدين، وأن الأمة ليست في حاجة إليه - كما أدعى صاحب المشروع التعسفي. ومن أقطع الأطلة على ذلك: أن النبي ﷺ أمر في مرحلة تالية لمرحلة النهي، أمر بكتابة الحديث عنه لما زال المانع منها وبانت خصائص القرآن وظهرت سماته المميزة له عن كلام البشر. فقد أخرج ابن عبد البر في كتابه "جامع بيان العلم وفضله": أن عبد الله بن عمر بن العاص كان يكتب كل شيء يسمعه من رسول الله ﷺ فقال له بعض الصحابة: إنك تكتب كل شيء تسمعه من رسول الله. ورسول الله ﷺ بشر قد يغضب فيقول ما لا يتخذ شرعاً عاماً. فرجع عبد الله بن عمرو إلى رسول الله ﷺ وذكر له ذلك فقال له ﵊: "

стр. 13

أكتب عني، فوالذي نفسي بيده ما خرج من فمي إلا الحق". علماء الحديث لم يرفضوا الحديث الأول الناهي عن الكتابة، وجمعوا بينه وبين حديث الإذن بالكتابة، فقالوا: إن حديث النهي كان أولاً، وحديث الإذن كان ثانياً. فصار الإذن ناسخاً للنهي. وهذه هي سمة العلماء المخلصين. أما صاحب المشروع التعسفي لهدم السنة النبوية فقد تمسك بحديث النهي وأنكر حديث الإذن. وليس هنا من شيم البحث العلمي النزية. * * *

стр. 14

(٣) تحرج الصحابة من كتابة الحديث وروايته ومن الشبهات التي تذرع بها صاحب المشروع أن صحابة رسول الله ﷺ كانوا يتحرجون من رواية الحديث وكتابته، وأن الخلفاء الراشدين كانوا ينهون حفاظ الحديث عن التحديث به، بل كانوا يزجرون من يكثر من التحديث عنه ﷺ . وهذه الشبهه لم ينفرد بها صاحب المشروع بل قال بها غيره. دحض هذه الشبهة: لا تنازع في أن كثيراً من صحابة رسول الله ﷺ كانوا يتحرجون من رواية الحديث - أي - من ترديده، وأنهم كثيراً ما كانوا يتثبتون حينما يسمعون حديثاً من أحد الرواة، وليس معنى هذا رفضهم للسنة، أو أنها ليست من الدين، بل كانوا يقفون هذا الموقف حتى يتأكدوا من صحة ما يروى عن النبي ﷺ . وهذا ظاهر من رواية ذكرها صاحب المشروع من أن أبا بكر الصديق ﵁ كان قد جمع أحاديث من غيره في صحيفة، ثم أمر بنته عائشة ﵂ بحرقها. فقالت له: لم تحرقها؟!! فقال لها: خشيت أن أموت وهي عندي فيكون فيها أحاديث عن رجل قد أئتمنته ووثقت به، ولم يكن كما حدثني، فأكون قد نقلت ذلك، وهذا لا يصلح. هذه الرواية تدل على حرص الصحابة - رضوان الله عليهم - على التدقيق فيما يروى عن صاحب الدعوة ﷺ ، وهذه محمدة لهم تبعث في

стр. 15

قلوبنا الإطمئنان بما ينسب عن الثقات إلى رسول الله ﷺ . أما صاحب المشروع التعسفي لهدم السنُّة النبوية فقد عقل عليها قائلاً: "وحسب المصنف - يعني (نفسه) أن يرى هذه الرواية. . . ويتأمل فيها ليعلم حقيقة الكارثة التي أصابت الخلق - يعني (علماء الحديث) من هذه الأمة بترك منهاج السلف. . الذين لم يقبلوا - ليلة واحدة - أن يبيت أحدهم - يعني (أبا بكر) وعنده بعض الأحاديث المكتوبة. .". ثم يقول: "وهل يمكن لأحد أن يجد بعد هذه الرواية مخرجاً لتبرير وجمع وتدوين الحديث". وغير خاف على القارئ الكريم أن الواقعة في واد وأن ما بناه عليها صاحب المشروع في واد آخر. فأبو بكر أحرق الصحيفة خشية أن يكون فيها حديث لا يصح إسناده إلى الرسول ﷺ . وصاحب المشروع عزا سبب إحراقها إلى أن بها أحاديث مكتوبة. وهذا ما يدعو إلى العجب من حال رجل يزعم أنه يسير على منهج بحث علمي دقيق. وكأن الشاعر عناه بقوله الحكيم: سارت مشرقة وسرت مغرباً شتان بين مشرق ومغرب أما شبهة نهي الخلفاء عن الإكثار من التحديث عن رسول الله ﷺ التي كانت محفوظة في صدور الرجال، فكان نت الحيطة الاقتصاد في سوقها، وعدم الإسراف في التحديث بها. على أن هناك حقيقة يجب أن نضعها في الاعتبار هي:

стр. 16

أن كراهة كثرة التحديث في عصر الخلفاء لم تكن شاملة لكل الأحاديث، بل كانت مقصورة على أحاديث الرخُص خشية أن يركن إليها الناس ويتركوا أحاديث العزائم. كذلك كانوا يكرهون ذكر الأحاديث التي قد يكون فيها "مشكلات" يصعب فهمها على عامة الناس. وقد اعتنى علماء الحديث من بعد بهذا النوع وعالجوه علاجاً علمياً جيداً، مثل "مشكل الآثار" للطحاوي، و"تأويل مختلف الحديث" لابن قتيبة. هذا النوعان هما اللذان كانا موضع كراهة الإكثار منهما. أما أحاديث العمل والأحكام الفقهية وكل ما يتعلق بأعمال المكلفين إيجاباً وحظراً، فهذه لم تكن محظروة ولا منهياً عنها. وهذا ما غفل عنه، أو تغافل عنه دعاة هدم السنة النبوية ومنهم صاحب هذا المشروع التعسفي. ثم من أين علم صاحب المشروع أن الخلف انحرفوا عن منهج السلف في رواية الحديث وتدوينه؟ مع أنهم - في حقيقة الأمر - ساروا على المنهج نفسه. ووضعوا ضوابط دقيقة لمن تقبل روايته ولمن ترد روايته. وفحصوا أحوال الرواة فحصاً دقيقاً، وصنفوهم طبقات على حسب سرتهم، ووضعوا درجات لكل طبقة - مثل: "ثقة - صدوق - مقبول - مردود.... إلخ"، وإذا روى الحديث عن ثقات وكان في سلسلة الرواة من ليس "ثقة" حكموا على الحديث بحكم يليق به من الضعف وغيره، وصنفوا الأحاديث أصنافاً ثلاثة: صحيح، وحسن، وضعيف.

стр. 17

كما وضعوا لسند الحديث ومتنه ضوابط حكيمة من خلالها نستطيع أن نحكم على الحديث بالقبول أو الرد. وكان جُماع الحديث يشدون الرحال - أحياناً - ويقطعون آلاف الأميال طلباً لسماع حديث واحد من راويه. ومن العجيب أن صاحب المشروع يعرف ذلك كله، وقد استفاد منه كثيراً في مشروعه، ومع هذا ينكر فضل علماء الحديث، ويرميهم بكل نقيصة، ويتوعدهم بالويل والثبور وعظائم الزمور؟ ولولا جهود علماء الحديث وثروتهم العلمية لضمر الجزء الأول من مشروعه "الوارم" إلى عُشر ما هو علية. وعلى عكس ما يرمى به صاحب المشروع علماء الحديث من الخلف - بعد عصر الخلفاء الراشدين -، فإننا نقول بكل ثقة. "إن أحاديث رسوا الله ﷺ نالت من العناية والاهتمام والتمحيص على أيدي هؤلاء العلماء الأفذاذ ما لم تحظى به في عصر سابق أو لاحق". وبخاصة حين ظهر الوضع والإفتراء في الحديث بعد عصر الخلفاء، فقيض الله جل وعلا لسنة رسوله ﷺ جيشاً جراراً من العلماء الأتقياء الأبرار وجمعوا ما صح وما حسن من الأحاديث بسندها ومتنها بمختلف طرقها، ونصوا على أسباب الصحة والحسن فيها. كما جمعوا الأحاديث الضعيفة وبينوا أسباب ضعفها، ثم جمعوا ما شاع من أحاديث مكذوبة ونصوا على أسباب وضعها. وفي منهج الإمام البخاري ما يدحض إفتراءات صاحب المشروع على علماء الخلف ﵃.

стр. 18

فقد توخى الإمام البخاري في "جامعه الصحيح" الروية والأناة، حيث صنفه في ستة عشر عاماً وقد جمع فيه تسعة آلاف واثنين وثمانين حديثاً (بالمكرر) وفي ذلك يقول: "أخرجت هذا الكتاب - يعني (الجامع الصحيح) . . . من نحو ستمائة ألف حديث، وصنفته في ست عشرة سنة، وجعلته بيني وبين الله" وهذا يدل على حرصه الشديد على أنه لا يكتب في "صحيحه" حديثاً إلا بعد التحري عنه والتثبت منه، فكان يدون كل يوم حديثين فقط، وقد عهد على نفسه أن يتوضأ ويصلي ركعتين بنية الإستخارة لكل حديث - يقول: "ما وضعت في الصحيح حديثاً إلا اغتسلت قبل ذلك وصليت ركعتين" فإذا شرح الله صدره للحديث المستخار من أجله كتبه، وإلا فلا، فأين التساهل في النقل عن رسول الله ﷺ عند هؤلاء الأتقياء البررة. إن من علامات الساعة الصغرى: "أن يسب أخر الأمة أولها". نبرأ إلى الله - سبجانه وتعالى - من هذا السلوك الطائش. * * *

стр. 19

(٤) الرواية بالمعنى من الشبهات التي أثارها صاحب المشروع، متابعاً في إثارتها غيره من خصم السنة - قديماً - والمبشرين والمستشرقين - حديثاً -، مثل المستشرق اليهودي المجري: جولد تسيهر. عدو السنة الألد. ومحمود أبو رية صاحب كتاب: "أضواء على السنة المحمدية". من تلك الشبهات شبهة أن الأصل في رواية الحديث النبوي كانت بالمعنى لا باللفظ، - يعني - أن راوي الحديث كان بعد سماعه الحديث من رسول الله ﷺ كان يردده بألفاظ من عنده لا بالألفاظ التي سمعها. وهي شبهة قديمة - كما تقدم -، وقد تصدى لها علماء الحديث وكشفوا عن زيفها. يقول صاحب المشروع التعسفي لهدم السٌنة النبوية: "إن الرواية بالمعنى كانت هي الأصل بالفعل عند السابقين، ولكن علماء الحديث ظلوا يخففون من ثقل هذه الحيقيقة على العقول، حتى لا يفزع الناس من تلقي أحكام تقال في الدين عبر أجيال متلاحقة بطريق الرواية بالمعنى، حتى أن الإمام الشافعي جعل ذلك أصلاً من الأصول الشرعية التي لا ينبغي أن يفزع الناس منها". وقد رتب صاحب المشروع على هذا الأصل الذي أدعاه؛ وهو رواية الحديث بالمعنى أموراً، منها: * أن ما اشتملت عليه كتب الحديث من أقوال منسوبة إلى

стр. 20

رسول الله ﷺ هي ليست أقواله: وإنما هي أقوال رجال يخطئون ويصيبون ولا يوثوق بهم؟!. * أن الأحكام التي تُفْهم من هذه الأقوال إنما هي آراء أولئك الرجال، وليست أحاكاً شرعية؟!. * أن رجال الحديث خدعوا الأمة طوال أربعة عشر قرناً، وأوهموها بأن الأحاديث هي من كلام رسول الله، وهي ليست من كلامه، ولم يصرحوا للأمة بحقيقة الأمر لئلا تفزع من تلك الحقيقة؟! * وأن الإمام الشافعي له ضلع في تلك الجرائم، وكذلك أئمة المذاهب الفقهية الأخرى؛ حيث جعلوا تلك الأحاديث المزورة أصلاً ثانياً من أصول التشريع؟!. هذا ما يسعى إليه صاحب المشروع التعسفي لهدم السنة النبوية؛ حيث يروج في مشروعه الخبيث التشكيك في السنة جملة وتفضيلاً، وهو يزعم أنه حامل مشعل التبصير، ورائد المنهج العلمي الصحيح، الذي جهله أو تجاهله حماة السنة وعلماؤها الأفذاذ؟!. دحض هذه الافتراءات: الصواب الذي لا محيد عنه أن الأصل المجمع عليه في رواية الحديث أن روايته كانت بالألفاظ لا بالمعاني؛ كما زعم صاحب المشروع - ناعقاً بما نعق به أمثاله من قبل. أما رواية الحديث بالمعنى فهو موضع حرج شديد عند الرواة، وهم جميعاً

стр. 21

من أصحاب رسول الله ﷺ ؛ لأنهم هم وحدهم الذين روَوا ونقلوا ما سمعوه منه، ولم يشاركهم في ذلك أحد. أما التلبعون فهم الذين سمعوا الحديث من أصحابه، والصحابة مشهود لهم بالعدل والاستقامة بصريح القرآن في قوله تعالى: ﴿لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: ١١٧] وكذلك التابعون في قوله تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [التوبة: ١٠٠] وفي الحديث الصحيح: "خير القرون قرني، ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم". وعن هؤلاء البررة الكرام وصل إلينا كتاب الله العزيز، وعنهم أخذنا السنة النبوية الطاهرة، فهل يقع في وًهْم واهم - غير صاحب المشروع - أن هؤلاء الصفوة من الأصحاب، ثم التابعين يتهاونون في النقل عن رسول الله ﷺ ويزورون أحاديثه!! ومن الذي قاوم ظاهرة وضع الحديث ووقف لها بالمرصاد إلا التابعون الذين رماهم صاحب المشروع بالسفة والكذب على رسول الله ﷺ والتغرير بالأمة، وخداعهم إياها. والراوية بالمعنى التي استسمن صاحب

стр. 22

المشروع ورمها، واتخذ منها وسيلة لهدم السنة، لم تقع بالصورة التي زعم أنها شملت الأحاديق كلها؛ بل إن الثابت أنها كانت ضرورة، أو رخصة في أضيق الحدود إذا اضطر الراوي إليها. وأنها كانت تقع في بعض الألفاظ - أحياناً - مثل وضع كلمة مكان أخرى يؤدي معناها، أو في أداة من أدوات العطف. وأنها لم تقع تعمداً ولا اختياراً، بل إذا نسى الراوي لفظاً في حديث يسوقه للاستشهاد به على أمر. وأنها كانت تقع في الراوية الشفيهة العابرة لا في تدوين الحديث وكتابته، وأن من كان يروى أمراً بالمعنى كان ينبه إلى تلك الراوية حتى لا يفهم السامع أنها من كلام النبي ﵊. وهذا كله كان في القرن الأول قبل تدوين الحديث، فلما أستقر تدوين الحديث بلفظه ومعناه منع العلماء روايته بالمعنى. قال الماوردي: "إذا نسى اللفظ جاز - يعني (الرواية بالمعنى) - لا سيما أن تركه قد يكون كتماناً للأحكام، فإن لم ينسه لم يجز أن يورده بغيره؛ لأن في كلامه ﷺ من الفصاحة ما ليس في غيره". وقال السيوطى عن الصحابة إذا روَوْا بالمعنى: "وكان أصحاب رسول الله ﷺ إذا اضطروا إلى الرواية بالمعنى، أو شكوا في اللفظ النبوي، أو في بعضه، أوردوا عقب الحديث لفظاً يفيد التصون والتحوط، وهم أعلم الناس بمعاني الكلام، لعلمهم بما في الرواية بالمعنى من الخطر، - يعني - أن الصحابة - رضوان الله عليهم - كانوا إذا روَوْا شيئاً من حديث رسول الله ﷺ بالمعنى - اضطراراً لا اختياراً - نبهوا بعد الفراغ من سوق الحديث إلى ما رووه منه بالمعنى. ولهذا التنبيه قائدتان:

стр. 23

الأولي: دفع اعتقاد السامع أن اللفظ المروي بالمعنى من كلام الرسول ﷺ . الثانية: الحث على التثبيت عند تدوين الحديث من اللفظ النبوي الذي عبر عنه بلفظ أخر يؤدي معناه. كل هذه الحقائق الثوابت جهلها أو تجاهلها صاحب المشروع التعسفي لهدم السنة النبوية. فهل إذا أساء به الظن قراء مشروعه يكونون قد تجاوزوا الحقيقة؟ إن كلامه الذي نقلنا بعضاً منه دعوة صريحة وملحة إلى التشكيك في كل ما رواه حتى الثقات عن رسول الله ﷺ . وكفى بذلك هدماً للسنة النبوية: مع ما لها في حياة المجتمعات الإسلامية من رسوخ؛ وسعة توجيه في عظائم الأمور ودقائقها. ويضيف إلى هذه الشبهة شبهة أخرى واهية؛ وهي أن علماء اللغة رفضوا الاستشهاد بالأحاديث لشكهم فيها؟! وهذا غير مسلم على إطلاقه. فالذي تحرج من الاستشهاد بها نقرمنهم، والجمهور على خلافهم، ومن يطلع - ولو عابراً - على كتب النحو، والصرف، ومعاجم اللغة، وفقه اللغة يجد المئات من الأحاديث التي أوردها اللغويون في مصنفاتهم. ولولا خشية الإطالة لذكرنا بعضاً منها. ولو فرضنا جدلاً أن هذا موقف اللغويين جميعاً - لا سمح الله - فإنه يكون موقفاً شاذاً لا تأثير على سلامه السنة من التزوير، وعلماء الحديث - بلا نزاع - كانوا أكثر ضبطاً، وأحكام مناهج، وأشد احتياطاً من علماء اللغة في تمحيص الرواية، والتمييز بين صحيحها وعليلها.

стр. 24

(٥) الخروج عن المنهج العلمي من يزعم أن ينتهج المنهج العلمي الصحيح في موضوع ما من موضوعات البحث والدارسة، فإن عليه أولاً: أن يحدد سمات ذلك المنهج، وعليه ثانياً: أن يلتزمه بكل حرص في أثناء العمل، وأن ينحى عواطفه وأهواءه جانباً، وعليه ثالثاً: أن لا يزن بميزانين، ولا يكيل بمعيارين؛ بل يحكم المنهج العلمي الذي ارتضاه بغية الوصول إلى "نتائج" سليمة. وهذا ما لم نره عند صاحب المشروع التعسفي لهدم السنة النبوية، ولخروجه عن المنهج العلمي الذي يقره العقلاء والعلاماء. ولهذا الخروج عند صاحب المشروع صور عديدة. تعرى مشروعه "العاري" بالطبع عَّرياً بعد عُرى، وهذه "الخروجات" تنسف مشروعه "المنسوف" بطبعه نسفاً بعد نسف. ولكي يطمئن القارئ إلى صحة ما نقول، نضع بين ناظرية بعض الأمثلة: "الكتابة" لا..... "الحفظ" نعم! : تقدم لنا صاحب المشروع رافض كل الرفض لكتابة الحديث النبوي في مصنفات أياً كانت: مسانيد، أو صحاحاً، أو جوامع، أو سننا. وحكم بأن تدوين الأحاديث في كتب بدعة ضالة أحلت الأمة دار البوار. وكم كان طرويا نشوان بالرواية التي ذكرها عن أبي بكر ﵁ حين أمر بإحراق

стр. 25

صحيفة كان قد كتب فيها بعض أحاديث رسول الله ﷺ . وعلل صاحب المشروع - كما تقدم - إحراقها بأنها كانت بها أحاديث مكتوبة! هذا موقفه من كتابة الحديث النبوي. ونريد - الآن - أن نسأل سؤالاً، ثم نجيب عليه نحن معاً - الكاتب والقراء -، ثم ندع الإجابة إلى أن تعود إليها في وقتها. السؤال: ما المقصود من كتابة أي شيء؟ الجواب: هو الحفظ، والتوثيق ليكون المكتوب موجوداً إذا نسيته الذاكرة هذا ما يقصده العقلاء من كتابة أي شيء، فالكتابة إذن هي: تدويم الحفظ واستمراره. وقد عرفناه أن صاحب المشروع يقول بالنسبة للحديث النبوي: "الكتابة" لا، أما "الحفظ" عن ظهر قلب أي حفظ الحديث النبوي والتحديث به، فلا مانع منه عند صاحب المشروع. وأغلب الظن أن صاحب المشروع أررااد أن يملص من مواجهة معارضيه الذين يقرون بكتابة الحديث والتحديث به، ويرووت في ذلك أحاديث عن صاحب الدعوة أمر فيها برواية الحديث عنه وتحديث الناس بها، شريطة أن يتحروا الصدق في تحمل الحديث عنه، وتبليغ الناس به، مثل قوله ﷺ ".... وحدثوا عني ولا حرج، ومن كذب عليَّ متعمداً فليتبوأ مقعده من النار". وقوله ﷺ : "نضَّر الله أمراً سمع مني شيئاً فبلغه كما سمع، فرب مبلغ أوعى من سامع".

стр. 26

وقوله ﷺ : "نضَّر الله أمراً سمع منا حديثاً فحفظه حتى يبلغه، فرب مبلغ أحفظ له من سامع". هذه الأحاديث ذكرها صاحب المشروع، ثم قصر دلالتها على الحفظ في الصدور، والتبليغ الشفهي لا غير، دون الكتابة، والتدوين، والتوثيق. ثم أضاف إليها حديثاً أخرجه البخاري في "صحيحه" نصه: "ليبلغ الشاهد الغائب؛ فإن الشاهد عسى أن يبلغ من هو أوعى منه". ثم يعلق صاحب المشروع على هذه الأحاديث فيقول: " ... وهذا يوضح تمام الوضوح؛ أن المراد هو الحفظ الذي يصلالناس منه إلى ما يعينهم على فهم الآيات الكريمة، وتعديل الأيام فيه [؟!] فتثبت وتنفى، وترفع وتخفض؛ بحيث لا يبقى بجانب القرآن الكريم إلا ما يصلح بالفعل - بحكم الواقع والمدارسة الواعية - لما يقال من روايات، له أن يبقى معه - أي مع القرآن - دون أدنى تكلف ... "!! تأمل هذا الكلام تجده ملئياً بالأوهام والدسائس الشنيعة، فمثلاً: من أين فهم صاحب المشروع أن هذه الأحاديث تمنع من كتابة السنة وتدوينها وتوثيقها؟ ثم أليس توثيق كتابة الحديث مثل حفظه ذهنياً؟ بل هو وسيلة ذان شأن عظيم في الإعانة على الحفظ الذهني والتثبت إذا اعترى الذاكرة سهو، أو نسيان، أو شك، أو اختلاط. وعلى أي أساس علمي صحيح فرق صاحب المشروع بين الحفظ الذهني والحفظ التدويني؟

стр. 27

وإذا غضضنا الطرف عن هذه المغالطات؟ فإنا نقف أمام عبارة صاحب المشروع: "وتُعدل الأيام فيه" يعني - في الحديث الذي أمر رسول الله ﷺ بحفظه ذهنياً، وتبليغه شفهياً. "فثبت وتنفى، وترفع وتخفض. . ." هذا هو تعديل الأيام في الحديث المحفوظ. ولنا أن نتساءل - مع القارئ -: أليس هذا الكلام دعوة صريحة لتحريف السنة المحفوظة؟ تحريف بالإثبات مرة، وبالحذف مرة، وهذا عدوان على "سنة رسول الله ﷺ يود صاحب المشروع لو كان قد حدث. ثم تحريف أخر في نطق الفاظ الحديث نطقاً بغير معناها. لا مناص من هذا الفهم الذي فهمناه، وهذا يفسر لنا لماذا كره صاحب المشروع كتابة الحديث وتدوينه في مجلدات، لأن كتابة الحديث تحميه من التحريف بكل صوره، سواء ان تحريفاً بالنقص، أو تحريفاً بالزيادة، أو تحريفاً باللحن في الضبط النحوي والصرفي. أما لو ظل الحديث غير مكتوب، فإنه يتعرض لعوامل التعرية والقرض، والمحو، والتغيير، والتبديل. والكلام الذي نقلناه عن صاحب المشروع - آنفاً - له نظير آخر يقول فيه بالحرف: "ومنه نرى أن السنة لم يكن لها لتكتب بأي حال من الأحوال ... "

стр. 28

وقال أيضاً: "وبذلك نرى أن كل الأحاديث الواردة في هذا الشأن بصريح اللفظ إنما جاءت بصيغة تدل على كون المراد من رواية الحديث - أصلاً وفرغاً - إنما هو البلاغ الشفهي، الذي يقوم كبيان توضيحي يأخذ منه الناس بقدر ما يحفظون، وتبقى النصوص القرآنية مقدمة كما أنزلت". صاحب المشروع التعسفي مُصِرٌ كل الإصرار على أن كتابة السنة كانت خطأ ويوضح - هنا - سراً جديداً لم يعرفه أحد من قبل. ذلك السر هو: أن كتابة أي شيء معناه: التقديس. والتقديس لا يكون لكلام إلا للقرآن وحده، فكان ينبغي عدم كتابة السنة لئلا تنطبق عليها خصائص التقديس بمجرد أن تكتب"؟! الناس - عامتهم وخاصتهم - يعلمون أن سمات التقديس وخصائصه لها اعتبارات معلومة، وليس منها الكتابة، وأن المقدس مقدس كتب أو لم يكتب، وأن غير المقدسيظل غير مقدس كتب أو لم يكتب. هذا هو ما يعرفه الناس علماء وغير علماء. ولكن صاحب المشروع التعسفي لهدم السنة النبوية، وهو في الوقت نفسه صاحب المنهاج العلمي الوحيد في تمحيص السنة وعلوم الأولين والآخرين، يفاجئ القراء بمنهج علمي فذ منقطع النظير: * يفرق بين المتساويين كما فرق بين الحفظ الذهني والحفظ التوثيقي، وكلاهما يعاضد الآخر.

стр. 29

* ثم يضيف إلى مصطلحات العلوم والفنون؛ مصطلحاً جديداً مبتكراً لا علم لأحد به: فالكتابة هي مصدر التقديس، وما لا يكتب لا قدسية له. وبناءً على هذا المصطلح فإن خمريات امرئ القيس، وأبي نواس نصوص مقدسة. ولماذا؟ لأنها نصوص مكتوبة. هذا هو المنهج العلمي الصحيح الواعي الذي يستخدمه صاحب المشروع التعسفي لهدم السنة النبوية؟! * * *

стр. 30

(٦) تحري معاني النصوص في إطار التعسف العضلى الذي يسود ما لدينا من أعمال المشروع الذي نكشف زيفه في هذه العجالات، نرى صاحبه يعمد إلى نصوص من القرآن، ومن السنة ويتعسف في إخضاعها لمراده الكريه، وهدمه للسنة الشريفة، وهو يزعم بين الحين والحين أنه ينهج نهجاً علمياً صحيحاً مائة في المائة. ولكي يشاركنا القارئ في الحكم على المنهج الذي سلكه صاحب المشروع، وبيان عوره، نسوق المثال الآتي: المثال: هو قوله تعالى: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ (١٤٤) وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَابًا مُؤَجَّلًا وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الْآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ﴾ [آل عمران الآية ١٤٤ - ١٤٥] هاتان الآيتان نزلتا عقيب غزوة أحد، تنكر على من فر من المسلمين من ميدان القتال، متأثراً بالشائعة التي أطلقت والقتال دائر. بأن محمداً قتل في المعركة، فنزلت الآيتان تنعيان على الذين تأثروا بالشائعة ولاذوا بالفرار. موضحتين أن محمداً ﷺ بشر ورسول، وهو لابد أن يموت كما مات من قبله من الرسل ﵈ وقوله تعالى في الآية الأولى:

стр. 31

﴿انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ﴾ تمثيل رائع لما حدث منهم فروا من ميدان القتال، حتى لكأنهم سقطوا فعلاً على أقفائهم هاوين إلى الأرض هرباً من الموت، والموت الذي لا يقربه صمود، ولا يدفعه هروب. هذه مجمل معنى الآيتين، ولكن صاحب المشروع التعسفي لهدم السنة النبوية، طبق منهاجه العلمي العجيب فاستخراج لنا من الآيتين معنى غريباً كل الغرابة، لا يتصوره من الآيتين جن أو إنس ولا ملك! ؟ المعنى الذي استخرجه صاحب المشروع هل تتصور عزيزي القارء أن صاحب المشروع فهم من قول الله تعالى: ﴿انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ﴾ أن المراد: كتابة السنو النبوية، وتدوين الأحاديث، وإشراكها مع القرآن في هداية الأمة!!! وأن هذا تحويل خطير، ونكسة أشار إليها القرآن، وأنها ستحدث بعد موت النبي ﷺ ؟! ولكي يطمئن القارئ إلى صحة ما نقول نسرد عليه بعضاً من أقوال صاحب المشروع في معنى الآيتين: صاحب المشروع يجزم بأن من التحول الخطير في أوضاع الأمة بعد وفاة النبي، وانقضاء عهد الخلفاء الراشدين؛ هو بدعة كتابة الحديث النبوي، وجعله مصدراً من مصادر التشريع الإسلامي، وفي ذلك يقول: "وهكذا كان الأمر ... وفي غفلة من التحقيق العلمي القاطع، ونشوة من التقليد "الظني الذائع، قام للحديث المروي عن النبي ﷺ كيان، وأصبح له مكانه طارئة بجانب قدسية القرآن الكريم".

стр. 32

"وهو وضع شاذ؛ لأن الأمر لم يكن كذلك أيام النبي ﷺ ، ولا أيام صحابته الأفاضل ولا أيام الخلفاء الراشدين على وجه الخصوص، حيث اكتفت هذه العصور بالقرآن الكريم دستوراً أوحد، لا يشركه أي شيء أخر على الإطلاق"! ويقول: "وهكذا ذاع الأمر، وشيئاً فشيئاً تتابع عليه الأئمة الأربعة. وعلماء كثيرون من بعدهم.... كأنما أمرهم بذلك القرآن الكريم ... وكل ذلك ليس له وجود بأي حال من الأحوال"! ويقول في الحديث عن الفقهاء، والأصوليين، وعلماء الحديث: "قد حاولوا تضليل عوام الأمة بصرفهم عن الحقيقة بأقوال هشة، وآراء واهية، وروايات فاسدة - يعني أحاديث النبي جملة - جعلت الكثير منهم - أي من عوام الأمة - يلتبس عليهم أمرهم - أي أمر علماء الحديث، والفقه، والأصول، - حتى ظنوا بدين الله غير الحق، ووهموا في أحكام الشريعة البينة، فحسبوا أن التقرب إلى الله يكون باتباع الكتاب والحديث معاً، وهو زيادة على الحق، ودعوى بغير دليل، وافتراء على الله رب العالمين"!! * تعقيب: صاحب المشروع التعسفي لهدم السنة النبوية، أفصح عن مراده من هذا المشروع في هذه الأقوال التي نقلناها عنه، أفصح عن مراده بكل وضوح حيث عدَّ كتابة الحديث نوعاً من التحول الخطير الذي حدث بعد وفاة النبي، وهو التحول الذي حذرت منه - على حد قوله - أيتا آل عمران السابقتان، وحيث جعل اتباع الحديث النبوي مع القرآن زيادة

стр. 33

في الدين، ودعوى بغير دليل، وافتراء على الله رب العالمين. وهنا نقول: إن هذا المشروع التعسفي، وإن كان الظاهر منه هو هدم السنة النبوية، فإنه في الواقع مشروع لهدم الإسلام كله. ذلك لأننا بمقتضى هذا المشروع - إذا أصابتنا لوثته - ينبغي أن نبادر فوراُ إلى: أولاً: إحراق كل كتب الحديث، وفي مقدمتها: كتب البخاري، ومسلم، والترمذي، وأبي داود، وابن حبان، وابن ماجه، وأحمد، والدارمي، وابن خزيمة، والنسائي، والدارقطنى.... إلخ. ثم نحرق شروح هذه الكتب، وما أكثرها. ثانياً: إحراق كتب أصول الفقه، وفي مقدمتها "الرسالة" للإمام الشافعي، و"البرهان" لإمام الحرمين الجويني، و"المحصول" للرازي، و"المستصفى" للغزالي، و"البحر المحيط" للزركشي، و"الأحكام" للآمدى، ونظيره لابن حزم ... إلخ. ثالثاً: إحراق كتب الفقه، وفي مقدمتها: كتاب "الأم" للإمام الشافعي، و"الموطأ" للإمام مالك، ثم "المدونه الكبرى" له أيضاً، و"المغنى" لابن قدامة، و"بدايع الصنائع" للكاسانى، ثم كل ما يتعلق بالفقه الإسلامي مما لا حصر له. والسبب - كما يوضح صاحب المشروع التعسفي - أن هذه الكتب ونظائرها إما قائمة على الحديث النبوي وحده، وهو ليس من الدين في شيء أو أشركت الحديث مع القرآن.!! ويترتب على هذا - لا قدر الله - هدم أركان الإسلام، فلا ندري كيف

стр. 34

نجمع بين الشهادتين، ولا ندري كيف نصلي، ولا كيف نزكي، ولا كيف نؤدي الصيام صحيحاً، ولا كيف نحج ولا نعتمر، ثم تنهدم معالم المعاملات من بيع وشراء، ورهن وحواله، ووكالة وسلم، ومزارعة، ومساقاة، وجعل، وعقود زواج،. . . . إلخ ثم تصبح الأمة في أمس الحاجة إلى رسول جديد يبين لها ما أنزل الله في كتابه. ولكن بشرط أن نأمن من ظهور مشروع تعسفي أخر يحكم على الرسول الجديد بمثل ما حكم به هذا المشروع على هدم سنة خاتم النبيين ﷺ وسبحان الله القائل في محكم كتابه الخاتم: ﴿وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ﴾ [المؤمنون: الآية ٧١] * * *

стр. 35

(٧) نصوص أخرى حُرِّف معناها يخطو صاحب المشروع خطوة تعسفية أخرى في هدم السنة النبوية، فيسرق نصوصاً وَهِمَ كل الوهم في فهمها إن كان فعلاً صاحب منهج علمي صحيح - كما يدعي، أو خاب كل الخيبة في الاستدلال بها على صحة دعواه بأن "الأحاديث المدونة في كتب الصحاح، والمسانيد، والجوامع، والسنن، مكذوبة على رسول الله ﷺ ...."!! ونذكر للقارئ بعض الأمثلة على "جهل صاحب المشروع الموضوع لهدم السنة النبوية" فضحاً لسوء فهمه، وشناعة عدوانه على مصدر تشريعي ذي شأن عظيم في الإسلام. * فمثلاً: هو يدعي أن القرآن - وحده - يكفي الأمة في الالتزام بطاعة الله في العقائد، والعبادات، والمعاملات، وكل ما يتصل بالعلاقة بين الخالق والمخلوق، وبين الخلق بعضهم ببعض....إلخ. أما السنة كلها أقوالاً، وأفعالاً، وتقريرات، فلا حاجة إليها في حياة المسلمين أفراداً، وجماعات. هذه هي الدعوى، فبم استدل صاحب المشروع عليها؟ هو في الواقع حاطب ليل، يقبض بيده على "الثعبان" يحسبه "خشبة"، وعلى "العقرب" يحسبها "ثمرة"! فأنظر معي في هذا الدليل الذي ذكره:

стр. 36

﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [العنكبوت: ٥١] هذه الآية أحد أدلته على اعتماد القرآن وحده في كفاية الأمة في مجال التشريع كله، والهداية كلها. ونقول: إن الآية الكريمة في واد، وفهم صاحب المشروع في واد آخر! فتعال ننظر معاً في الآيات التي سبقت هذه الآية في نفس السورة؟ ﴿وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ (٤٨) بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا الظَّالِمُونَ (٤٩) وَقَالُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَاتٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّمَا الْآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥٠) أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [العنكبوت: ٤٨: ٥١] المقام الذي وردت فيه هذه الايات هو مقام الحديث عن معجزة صاحب الرسالة ﷺ وهي "القرآن" بلا نزاع، ومع أن القرآن كان معروفاً للمشركين، وهم مقرون بأنه "طراز فريد من البيان". ومع هذا كانوا يتطلعون إلى معجزة غير القرآن تثبت بها صحة الرسالة، فرد الله عليهم هذا الإسراف في العناد، وأشار إلى أن القرآن وحده كاف في إثبات صدق الرسالة: يعني - أن القرآن في مجال الإعجاز هو وحده معجزة كبرى، فكان حرياً بهم - لو كانوا طالبي حق - أن يعتمدوه معجزة تفوق كل المعجزات".

стр. 37

هذا هو المقصود من الآية، أما صاحب المشروع قد جهل أو تجاهل هذا المعنى الواضح وضوح الشمس في رائعة النهار، وحرف معنى الآية وجعلها في غير مقامها الذي وردت فيه، ليضلل من يستطيع من قراء مشروعه بأن المسلمين لا حاجة بهم إلى أحاديث رسول الله ﷺ ؛ لأن القرآن وحده يكفيهم!! * مقال ثان ساقه مع تحريف معناه: هو حديث رواه الشيخان: أن النبي ﷺ قال" "ليردنَّ عليَّ أقوام أعرفهم ويعرفونني، ثم يحال بيني وبينهم - يعني: يوم القيامة - فأقوم: إنهم مني؟!. فيقال: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك، فأقول: سحقاًسحقاً لمن غير بعدي". استدل صاحي المشروع بهذا الحديث على أن الزيادة أو التغير الذي حدث بعد موت النبي ﷺ وبسببه حيل بين النبي يوم القيامة وبين الذين زادوا وغيروا؟ هو أمرآن: الأول: رواية أحاديث النبي ﷺ وتدوينها. الثاني: اعتماد السنة مصدراً ثانياً في التشريع بعد القرآن. مع أن المسلمين ليسوا بحاجة إليها لا من قريب ولا من بعيد!! وهذا الذي زعمه صاحب المشروع "رجس من عمل الشيطان". ولو كان الأمر كما قال - وما أكذب ما قال - لكان جميع أصحاب رسول الله ﷺ ، وجميع التابعين، وتابعيهم، وتابعي تابعيهم، مغضوباً عليهم من الله، ومدعوا عليهم بالهلاك من الرسول نفسه؛ "سحقاً سحقاً لمن غير بعدب" لأن رجال القرون الثلاثة الأولى هم الذين رووا للأجيال سنة رسول الله ﷺ وهم الذين جمعوها في الكتب، وهم الذين دافعوا عنها ونقوها من الشوائب.

стр. 38

ولن يقف الأمر عند هذا الحد، بل سيدخل في الغضب الإلهي وفي دعاء النبي ﷺ بالهلاك، جميع علماء الأمة من بعد الصحابة، والتابعين، بجميع طبقاتهم، وجميع الذين اقتدوا بالأحاديث النبوية مع القرآن! وجريمتهم التي اقترفوها عند صاحب المشروع - الشيطاني اللعين هي الجمع بين القرآن والأحاديث النبوية في الإيمان بهما مصدرين للتشريع، وفي العمل بهما في شئون الدنيا والدين! وإذا كان هؤلاء جميعاً مغضوباً عليهم وهالكين، فيا ترى: من سيبقى ناجياً من أمة محمد ﷺ ؟! ومن الذي سيبعث مع محمد ﷺ يمثل الأمة يوم يبعث الأنبياء مع أممهم؟! ما هو الجواب على هذا التساؤل عزيزي القارئ؟ الجواب: بكل وضوح - هو صاحب المشروع التعسفي لهدم السنة النبوية، هو وحده سيكون أمة الإسلام يوم القيامة! وبهذا السخف واهراء يكون نوح ﵇ أكثر اتباعاً من خاتم الأنبياء ﷺ ، لأن نوحاً أمن به ثمانون تابعاً، أما خاتم الأنبياء فلم يؤمن به إلا رجل "فذ" واحد هو صاحب المشروع التعسفي لهدم السنة النبوية! ويا ترى: من منا يسره أن يؤمن كما أمن هذا الرجل الفذ، الذي أوتى علم الأولين والآخرين؟ من؟ من؟ - لا أحد - إن دلالة هذا الحديث أبعد من هذا السخف الذي هرف به صاحب المشروع كبعد السماء من الأرض. فدلالته هي: التحذير من الابتداع في العقائد، والعبادات، والمعاملات،

стр. 39

والأخلاق، وما أكثرها في دنيا الناس، بل إن مشروع هذا الدعي من أضل البدع وأشنعها، والتي جاء الوعيد الشديد لفاعليها في هذا الحديث النبوي المتفق عليه عند تاشيخين الجليلين الورعين: البخاري ومسلم (رضى الله عنهما) . * مثال ثالث: معروف عند علماء الحديث أن البخاري ﵁ كان يحفظ ستمائة ألف حديث. وأنه لم يدون منها في "صحيحه" سوى أربعة آلاف حديث غير المكرر. ومعروف أن البخاري لم يكن يكتب في اليوم الواحد غير حديثين، وأن الزمن الذي استغرقه في تدوين الأربعة الاف حديث بلغ ست عشرة سنة كاملة، لأنه كان يثبت بكل دقة فيما يكتب، واكتفاءه بهذا القدر الضئيل (أربعة ألاف حديث) بالنسبة لما كان يحفظ يرجع إلى سببين: الأول: شدة التحري في تدوين الحديث الثاني: عد الإطالة التي تحتاج إلى وقت فير متاح. وهذا هو الحق المشهود به عند العلماء، أما صاحب المشروع التعسفي لهدم السنة النبوية، فيفسر سلوك البخاري الذي قدمناه بقوله: "لم يكن يصح في نظر البخاري إلا حديث واحد من بين مائتين وخمسين حديثاً. وتلك ظاهرة خطيرة كانت تحتم على كل منصف عدم كتابة الحديث على الإطلاق"! ﴿كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا﴾ . [الكهف: ٥] * * *

стр. 40

(٨) مهمة النبي عند صاحب المشروع الهدف المقصود أولاً وبالذات لصاحب هذا المشروع هو إزاحة سنة رسول الله ﷺ عن ساحة المسلمين، وإذا قلنا أن الهدف هو إعدام السنة النبوية تماماً كنا صادقين تمام الصدق ذلك هو هدف صاحب المشروع، ومن تتاح له فرصة الإطلاع على هذا المشروع لا يخالجه أدنى شك فيما قلناه. ولما كان هذا مطلباً بعيد المنال فإنه يمهد له بمقدمات ضافية استغرقت الجزء الأول كله، فصب جام غضبه على السنة النبوية سنداً ومتناً، ووصف روأة الحديث، وجامعية، وعلماء الأصول، والفقه، بالكذب، والخيانة" وتضليل الأمة، والذي ذكرناه في الحلقات السبع الماضية غيض من فيض مما حواه الجزء الأول من هذا المشروع الخبيث. وصاحب المشروع يناور أحياناً حتى لا توجه إليه نهمه "إنكار السنة النبوية" تماماً من ألفها إلى يائها، لذلك تراه هويلة يقر بمقدار ضئيل من الأحاديث، منها: أحاديث رأها توافق هواه، كحديث النهي عن كتابة السنة، أما بقية الأحاديث التي يقرها فهي عنده أشبه ما تكون بجثث "محنطة" لا روح فيها. أما أن يكون للحديث النبوي دور في التشريع، أو في هداية الأمة، فهذا عمىّ وضلال، مدعياً أن القرآن وحده هو مصدر التشريع الوحيد للأمة! وفي ذلك يقول: "ذلك أن في القرآن الكريم وحده الكفاية كل الكفاية للأمة الإسلامية، ولغيرها من جميع الوجوه كما قال سبحانه: "أو لم
следующие страницы →