Полный текст (94 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [العنكبوت: ٥١]
هذه الآية أحد أدلته على اعتماد القرآن وحده في كفاية الأمة في مجال التشريع كله، والهداية كلها.
ونقول: إن الآية الكريمة في واد، وفهم صاحب المشروع في واد آخر!
فتعال ننظر معاً في الآيات التي سبقت هذه الآية في نفس السورة؟
﴿وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ (٤٨) بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا الظَّالِمُونَ (٤٩) وَقَالُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَاتٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّمَا الْآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥٠) أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [العنكبوت: ٤٨: ٥١]
المقام الذي وردت فيه هذه الايات هو مقام الحديث عن معجزة صاحب الرسالة ﷺ وهي "القرآن" بلا نزاع، ومع أن القرآن كان معروفاً للمشركين، وهم مقرون بأنه "طراز فريد من البيان". ومع هذا كانوا يتطلعون إلى معجزة غير القرآن تثبت بها صحة الرسالة، فرد الله عليهم هذا الإسراف في العناد، وأشار إلى أن القرآن وحده كاف في إثبات صدق الرسالة: يعني - أن القرآن في مجال الإعجاز هو وحده معجزة كبرى، فكان حرياً بهم - لو كانوا طالبي حق - أن يعتمدوه معجزة تفوق كل المعجزات".
стр. 37
هذا هو المقصود من الآية، أما صاحب المشروع قد جهل أو تجاهل هذا المعنى الواضح وضوح الشمس في رائعة النهار، وحرف معنى الآية وجعلها في غير مقامها الذي وردت فيه، ليضلل من يستطيع من قراء مشروعه بأن المسلمين لا حاجة بهم إلى أحاديث رسول الله ﷺ ؛ لأن القرآن وحده يكفيهم!!
* مقال ثان ساقه مع تحريف معناه:
هو حديث رواه الشيخان: أن النبي ﷺ قال" "ليردنَّ عليَّ أقوام أعرفهم ويعرفونني، ثم يحال بيني وبينهم - يعني: يوم القيامة - فأقوم: إنهم مني؟!. فيقال: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك، فأقول: سحقاًسحقاً لمن غير بعدي".
استدل صاحي المشروع بهذا الحديث على أن الزيادة أو التغير الذي حدث بعد موت النبي ﷺ وبسببه حيل بين النبي يوم القيامة وبين الذين زادوا وغيروا؟ هو أمرآن:
الأول: رواية أحاديث النبي ﷺ وتدوينها.
الثاني: اعتماد السنة مصدراً ثانياً في التشريع بعد القرآن.
مع أن المسلمين ليسوا بحاجة إليها لا من قريب ولا من بعيد!! وهذا الذي زعمه صاحب المشروع "رجس من عمل الشيطان".
ولو كان الأمر كما قال - وما أكذب ما قال - لكان جميع أصحاب رسول الله ﷺ ، وجميع التابعين، وتابعيهم، وتابعي تابعيهم، مغضوباً عليهم من الله، ومدعوا عليهم بالهلاك من الرسول نفسه؛ "سحقاً سحقاً لمن غير بعدب" لأن رجال القرون الثلاثة الأولى هم الذين رووا للأجيال سنة رسول الله ﷺ وهم الذين جمعوها في الكتب، وهم الذين دافعوا عنها ونقوها من الشوائب.
стр. 38
ولن يقف الأمر عند هذا الحد، بل سيدخل في الغضب الإلهي وفي دعاء النبي ﷺ بالهلاك، جميع علماء الأمة من بعد الصحابة، والتابعين، بجميع طبقاتهم، وجميع الذين اقتدوا بالأحاديث النبوية مع القرآن!
وجريمتهم التي اقترفوها عند صاحب المشروع - الشيطاني اللعين هي الجمع بين القرآن والأحاديث النبوية في الإيمان بهما مصدرين للتشريع، وفي العمل بهما في شئون الدنيا والدين! وإذا كان هؤلاء جميعاً مغضوباً عليهم وهالكين، فيا ترى: من سيبقى ناجياً من أمة محمد ﷺ ؟! ومن الذي سيبعث مع محمد ﷺ يمثل الأمة يوم يبعث الأنبياء مع أممهم؟!
ما هو الجواب على هذا التساؤل عزيزي القارئ؟
الجواب: بكل وضوح - هو صاحب المشروع التعسفي لهدم السنة النبوية، هو وحده سيكون أمة الإسلام يوم القيامة! وبهذا السخف واهراء يكون نوح ﵇ أكثر اتباعاً من خاتم الأنبياء ﷺ ، لأن نوحاً أمن به ثمانون تابعاً، أما خاتم الأنبياء فلم يؤمن به إلا رجل "فذ" واحد هو صاحب المشروع التعسفي لهدم السنة النبوية!
ويا ترى: من منا يسره أن يؤمن كما أمن هذا الرجل الفذ، الذي أوتى علم الأولين والآخرين؟ من؟ من؟ - لا أحد - إن دلالة هذا الحديث أبعد من هذا السخف الذي هرف به صاحب المشروع كبعد السماء من الأرض.
فدلالته هي: التحذير من الابتداع في العقائد، والعبادات، والمعاملات،
стр. 39
والأخلاق، وما أكثرها في دنيا الناس، بل إن مشروع هذا الدعي من أضل البدع وأشنعها، والتي جاء الوعيد الشديد لفاعليها في هذا الحديث النبوي المتفق عليه عند تاشيخين الجليلين الورعين: البخاري ومسلم (رضى الله عنهما) .
* مثال ثالث:
معروف عند علماء الحديث أن البخاري ﵁ كان يحفظ ستمائة ألف حديث. وأنه لم يدون منها في "صحيحه" سوى أربعة آلاف حديث غير المكرر.
ومعروف أن البخاري لم يكن يكتب في اليوم الواحد غير حديثين، وأن الزمن الذي استغرقه في تدوين الأربعة الاف حديث بلغ ست عشرة سنة كاملة، لأنه كان يثبت بكل دقة فيما يكتب، واكتفاءه بهذا القدر الضئيل (أربعة ألاف حديث) بالنسبة لما كان يحفظ يرجع إلى سببين:
الأول: شدة التحري في تدوين الحديث
الثاني: عد الإطالة التي تحتاج إلى وقت فير متاح. وهذا هو الحق المشهود به عند العلماء، أما صاحب المشروع التعسفي لهدم السنة النبوية، فيفسر سلوك البخاري الذي قدمناه بقوله:
"لم يكن يصح في نظر البخاري إلا حديث واحد من بين مائتين وخمسين حديثاً. وتلك ظاهرة خطيرة كانت تحتم على كل منصف عدم كتابة الحديث على الإطلاق"!
﴿كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا﴾ . [الكهف: ٥]
* * *
стр. 40
(٨) مهمة النبي عند صاحب المشروع
الهدف المقصود أولاً وبالذات لصاحب هذا المشروع هو إزاحة سنة رسول الله ﷺ عن ساحة المسلمين، وإذا قلنا أن الهدف هو إعدام السنة النبوية تماماً كنا صادقين تمام الصدق ذلك هو هدف صاحب المشروع، ومن تتاح له فرصة الإطلاع على هذا المشروع لا يخالجه أدنى شك فيما قلناه.
ولما كان هذا مطلباً بعيد المنال فإنه يمهد له بمقدمات ضافية استغرقت الجزء الأول كله، فصب جام غضبه على السنة النبوية سنداً ومتناً، ووصف روأة الحديث، وجامعية، وعلماء الأصول، والفقه، بالكذب، والخيانة" وتضليل الأمة، والذي ذكرناه في الحلقات السبع الماضية غيض من فيض مما حواه الجزء الأول من هذا المشروع الخبيث.
وصاحب المشروع يناور أحياناً حتى لا توجه إليه نهمه "إنكار السنة النبوية" تماماً من ألفها إلى يائها، لذلك تراه هويلة يقر بمقدار ضئيل من الأحاديث، منها: أحاديث رأها توافق هواه، كحديث النهي عن كتابة السنة، أما بقية الأحاديث التي يقرها فهي عنده أشبه ما تكون بجثث "محنطة" لا روح فيها. أما أن يكون للحديث النبوي دور في التشريع، أو في هداية الأمة، فهذا عمىّ وضلال، مدعياً أن القرآن وحده هو مصدر التشريع الوحيد للأمة! وفي ذلك يقول: "ذلك أن في القرآن الكريم وحده الكفاية كل الكفاية للأمة الإسلامية، ولغيرها من جميع الوجوه كما قال سبحانه: "أو لم
стр. 41
يكفهم أنا أنزلنا عليك الكتاب يتلى عليهم" وقد بينا من قبل خطأ الاستدلال بهذه الآية".
أما مهمة الرسول ﷺ عند خذا "المهووس"! فقد اقتصرت هدايته للمسلمين، على تلاوة واتباع القرآن الكريم. وهذا هو أساس الدسن، وأصل التشريع، والمنهاج الحق، والدستور القويم"!!
- يعني - أن مهمة الرسول - عند هذا الضال - هي أن يبدأ تلاوة القرآن بـ "بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ" ثم يختمها بـ "صدق الله العظيم" وإذا ما تكلام صاحب المشروع على الرسول فإنه يسمح له بتفسير القرآن فقط، ومع هذا التكرم "الحاتميط من صاحب المشروع على سيد ولد آدم فإنه ينسف ما تكرم به فيقول: "لا تصدقوا أن ما في كتب الحديث المعتمدة كلها هي كلام رسول الله.؛ لا. إنما هي أقوال رجال، نقلت عبر أجيال من خلال أناس كثيرين غير معصومين، يخطئون ويصيبون، وينسون ويذكرون، ويفرحون ويغضبون، وهذا النقل كان بعد مائتي سنة من وفاة النبي ﷺ "!!
ومعنى هذا الكلام - بكل وضوح - أن الأمة الإسلامية لم يصلها من كلام رسول ﷺ شيء على الإطلاق، ولذلك فإن صاحب المشروع التعسفي لهدم السنة النبوية يسخر من العلماء حين يقولون:
قال رسول الله ﷺ ويرميهم بالكذب، والإفتراء على خاتم الأنبياء!
أليس هذا هدماً حقيقياً لا مبالغة فيه لسنة من أرسله الله للناس كافة بشيراً ونذيراً، وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً؟!
إن المبشرين والمستشرقين الحاقدين على صاحب الرسالة الخاتمة، لم
стр. 42
يبلغوا عشر معشار لجاجة هذا الرجل، وقبح بهتانه على الإسلام، وكتاب الإسلام، ورسول الإسلام.
والقارئ الكريم الذي صحبنا في هذه الحلقات، قد يظن أن صاحب المشروع هذا ينقد بعضاً من الأحاديث ويترك بعضاً - وإن أدعىهو ذلك وهذا الظن مدفوع - لأن الرجل يفصح - بكل صراحة ووقاحة - أنه يريد هدم السنة النبوية كلها، مهما بلغت من الصحة والحسن، وفي ذلك يقول بالحرف:
"إننا تحب أن نؤكد أخيراً - كمت قلنا قبل ذلك - أننا لم نقصد بنقدنا للحديث المروي عن النبي ﷺ ما هو معمول به عند فرقة بعينها من فرق المسلمين، كأهل السنة، أو الشيعة، أو غيرهما. وإنما نحن نقصد بذلك رواية الحديث على العموم! ولو كانت عند كل فرق المسلمين جميعاً، لأننا نناقش المسألة من حيث المبدأ، وليس من حيث التخصيص، أو التعيين، قاصدين من وراء ذلك أن نبين أن أدلة الأحكام، ليست إلا القرآن الكريم، وليس لأيو رواية - مهما صحت - من روايات الحديث"!!
واضح من كلامه هذا أنه ينكر السنة النبوية تماماً، ويحاول جاهعهداً أن يمحو أثرها من واقع المسلمين، بل ومن كونها المصدر الثاني من مصادر التشريع الإسلامي!
السنة كالتوارة المحرفة!
وقد علم - مما سبق - أن صاحب المشروع لا يؤمن بأي حديث من أحاديث رسول الله ﷺ لذلك فالأحاديث عنده مثل التوارة المحرفة التي هي بحوزة اليهود الآن، وهذا ليس افتراء منا على صاحب المشروع، بل هو كلامه
стр. 43
بلفظه ومعناه، وها نحن ننقلع بكل أمانه:
"ولذلك فإننا ننبه إلى أننا أوردنا حديثاً في كلامنا، فإنما نورده لنقيم به الحجة على الخصم الذي يأخذ - يعني "يؤمن" - به، وليس لآنه عندنا مما تثبت به الأحكام، فإن رد المجادل إلى ما يؤمن به هو أدعى إلى ظهور الحق من رده إلى ما لا يؤمن به، وتلد قاعدة شرعية وعقلية ثابتة عند سائر العقلاء من الناس دون استثناء.
"وهي في الأحكام الشرعية، كما نحتج على أهل التوراة بالتوراة التي بين أيديهم، وعلى أهل الإنجيل بالإنجيل الذي هو معهم ... "!!
أيها القارئ الكريم: هل بقى لديك أدنى شك في خبث هذا المشروع وصاحبه، بعد أن تأكد لك من كلامه أنه ينكر السنة النبوية كلها، بل يريد هدمها من أساسها، وهدم السنة معناه هدم للإسلام؟!
ثم يقول كاشفاً لقراء مشروعه عن خبث طويته:
"وهذا ما يشرح للقارئ سبب إيرادنا لبعض الأحاديث ... ثم عودتنا بعد ذلك لنقده أو رفض متنه والحكم عليه بالفساد"!
- يعني - أنه لا يؤمن بأحاديث النبي ﷺ ، وإنما يضطر لذكر بعضها جدلاً ومماحة، وهو إن ذكرها في موضع بلا نقد، عا في موضع أخر فنقدها، وحكم عليها بالفساد.
وقد يدهشك - عزيزي القارئ - إذا قلت لك: إن صاحب هذا المشروع التعسفي لهدم السنة النبوية، أستاذ في إحدى جامعاتنا المصرية يعمل في بعض فروع الطب البيطري؟!.
* * *
стр. 44
(٩) تساؤلات وإجابات
رأينا - فيما تقدم - إلى أي مدى يمقت صاحب هذا المشروع سنة خاتم الأنبياء ﷺ ، ومدى توهمه أن بين القرآن والسنة عداءّ، وخصومة، وتنافراً، فراح يزب عن القرآن ويحميه من جور السنة.
وقد علمت أن فريقاً من جهلة الشباب وقعوا فريسة لأضاليله؛ فهم لا يقولون - كما يقول المسلمون -: ﷺ وينكرون الشفاعة العظمى؛ لأنها لم ترد في القرآن؛ بل وردت في السنة: والسنة عند صاحب المشروع ومن اتخدع به؛ هي مجموعة من الافتراءات والأكاذيب؛ قالها أقوام غير أمناء؛ ولم يقلها النبي ﷺ .
كما علمنا - أيضاً - أن صاحب المشروع لا يطرح مشروعه في المكتبات العامة؛ ولكن يتصرف فيه بمعرفته هو وحده؛ يعطيه أو يبيعه لمن يثق هو فيه؛ أو لمن يزكيه واحد ممن يثق هو فيهم، وهذه خطة ماكرة، وكأن صاحب المشروع يريد أم يُكَون له "حزب شيطاني" في الظلام، فإذا كثر اتباعه، وقويت شوكتهم، فلا بأس من الجهر والإعلام به ورفع راية الجهاد في سبيل الله؟!.
وفي هذه الحلقة نطرح بعض التساؤلات؛ ثم نجيب عليها في إيجاز؛ تطويقاً لهذه "السموم"؛ التي يصنعها هذا الرجل الغريب الأطوار.
صاحب المشروع يدعو الأمة إلى طاعة الله وفق ما جاء في القرآن وحده، ويحذرها من اتباع سنة رسول الله ﷺ . هذا هو هدف المشروع. وبناءً عليه
стр. 45
نسأل هذا السؤال: هل صاحب المشروع مطبع لله وفق ما جاء في القرآن وحده؟ والجواب - بكل اختصار - لا. فليس هو بطائع لله وفق ما جاء في القرآن - كما يروج في مشروعه - وهذا للأسباب الآتية:
١- قوله تعالى في كتابه العزيز: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ [النساء: ٥٩]
نادى الله المؤمنين من أمة محمد ﷺ ، وأمرهم بطاعته، وطاعة رسوله مع تكرار فعل الأمر ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ﴾ و ﴿أَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾
وطاعة الرسول تكون بأمرين:
الأول - اتباع القرآن الذي نزل عليه نزل.
الثاني: اتباع هديه المتمثل في أقواله، وأفعاله، وتقريراته، المتصلة بالدعوة والتبليغ.
ثم أمر الأمة لأمراً ضمنياً مندرجاً في طاعة الله، وطاعة رسوله؛ وهو: ﴿وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾
ولك أن تسأل: لماذا أفرد الله طاعة رسوله بعد طاعته هو، ثم أدرج طاعة أولي الأمر ولم يفردها، فهم لم يقل: "وأطيعوا أولي الأمر منكم".
والجواب: إن طاعة الرسول طاعة مطلقة، لأنه لم يدع إلا إلى ما أمر الله تعالى به؛ أو نهى هنه؛ فهم معصوم من الأخطاء. والأهواء؛ في مقام التبليغ عن
стр. 46
ربه جل وعلا ﴿مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى (٢) وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم: ٢ - ٣]
أما أولو الأمر - امراء وعلماء - فليسوا معصومين، لذلك أدرج الله طاعتهم وفي طاعة رسوله، فإذا أمروا أو نهوا بغير ما أنزل الله وقال رسوله، فلا طاعة لهم، وفي ذلك يقول ﷺ : "لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق". وبهذا يتبين أن صاحب المشروع التعسفي لهدم السنة النبوية، حين رفض طاعة رسول الله، رفض في الوقت نفسه طاعة الله وفق ما جاء في القرآن الذي يتشدق بحبه، ويتظاهر بعطفه عليه! ولو كان طائعاً لله لأطاع رسوله ﷺ ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ .
٢- وقال الله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧]
والرسول لم يؤتنا القرآن وحده، وإنما أتانا القرآن والسنة معاً، كما قال هو ﷺ .
"أتيت القرآن ومثله معه"، والأمة الراشدة أخذت في كل عصورها، حتى في عصور ضعفها، ما أتاها به رسول الله ﷺ من كتاب وسنة، تنفيذاً لأمر ربها جل وعلا. أما صاحب المشروع التعسفي لهدم السنة النبوية فقد رفض أخذ الإثنين معاً: رفض السنة، فرفض القرآن الآمر بأخذها، فليس هو بطائع لله، ولا وفق السنة، لأنه يرفضها، ولا وفق القرآن، لأنه رفض ما أمر به القرآن، وما نهى عنه، فلم ينته عما نهى عنه ىالقرآن، ولم يمتثل بما أمر به القرآن، "وذلك هو الخسران المبين".
стр. 47
٣ قوله الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا﴾ [الأحزاب: ٣٦]
فالله قضى في كتابه العزيز أمراً، وهو طلعته جل وعلا وطاعة رسوله ﷺ ، ورسوله قضى الأمر نفسه الذي قضاه الله، فدعي إلى طاعة الله، وإلى طاعته هو نفسه فيما يبلغ عن الله، سواء كان المبلغ به قرآناً، أو سنة.
وصاحب المشروع التعسفي لهدم السنة النبوية يزعم أنه يتبع ما قضي الله تعالى به. وهذا خطأ ووهم. لأنه رفض ما قضي به رسول الله ﷺ فما هو تصنيفه حسب هذه الآية؟ هو بلا نزاع داخل في الضلال المبين ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا﴾ لأنه ليس قاضياً بما قضى به الله، ولا بما قضى به رسول الله، وتلك هي المعصية التي يتصف مرتكبها - حسب دلالة الآية القطعية - بـ "الضلال المبين".
٤- وقال الله تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ [النساء: ٥٩]
في هذه الآية الكريمة يحدد الله لعباده المؤمنين من أمة سيد المرسلين وخاتم النبيين ﷺ إذا اختلفوا في شيء ما، يحدد لهم طريقين أو مرجعين لحسم النزاع:
стр. 48
الأول - ما أنزل الله في كتابه العزيز وهو "القرآن" المصدر الأول للهداية والتشريع في الإسلام.
الثاني: فإذا لم نجد في كتاب الله تعالى حكماً فاصلاً في المسائل المتنازع فيها انتقلنا إلي "سنة النبي" ﷺ وهي المصدر الثاني للهداية والتشريع في الإسلام.
و"السنة" أخذاً بدلالة هذه الآية الحكيمة المحكمة، ركن ركين من أركان الإسلام، إعتقاداً، وتشريعاً، وتطبيقاً، وطاعة، وصاحب المشروع الذي يتظاهر بالعوة إلى العمل بالقرآن، في الوقت نفسه يرفض سنة رسول الله ﷺ وبالتالي يترتب على هذا رفضه للعمل بالقرآن، لأنه رفض السنة التي أمر بالرجوع إليها القرآن، فلا هو بالقرآن عامل، ولا لربه مطيع فكيف يتحمس للعوة للعمل بالقرآن، ولطاعة الله وفق ما جاء في القرآن وهو من الذين جعلوا القرآن "عضين" يؤمنون ببعضه، ويكفرون ببعض؟!
إنه ليس بتابع للقرآن، ولا بتابع للسنة، ولا بتابع لهما معاً.
٥- وقال جل شأنه: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: ٦٥]
في هذه الآية الحكيمة المحكمة يقسم الله بذاته العلية أن قوماً لا يرتضون رسول الله ﷺ حكماً عدلاً بينهم، ولا يرضون الرضا القلبي الخالص بكل حكم يحكم به، أو قضاء يقضيه، أو قول يبلغه فإن هؤلاء القوم لا يكونون مؤمنين.
стр. 49
ولا فرق بين أن يحكم رسول الله ﷺ بحكم نزل به القرآن، أو حكم صدر عنه بقول من عنده باعتباره رسولاً مأذوناً له بالحديث عن الله جل وعلا. ولا فرق بين هذا ولا ذاك، لأنه في مقام التبليغ، وفي مقام تقرير الأحكام الشرعية معصوم عن الخطأ، كما قال هو ﷺ لعبد الله بن عمرو بن العاص: "أكتب عني، فوالذي نفسي بيده لا يخرج من فمي إلا الحق".
ولو كان المقصود من الاية الحكم بما في القرآن وحده لقيل: "حتى يحكموك بالقرآن فيما شجر بينهم". ولما خلت الآية من هذا القيد صارت دلالتها العموم الشامل للقرآن الكريم، وللسنة النبوية الشريفة.
وصاحب المشروع لا يعترف بالسنة مطلقاً، وإن راوغ في بعض المواضع، فضلاً عن أن يؤمن بها مصدراً للتشريع فهل هو بذلك طائع لله - كما يدعي - وفق ما جاء به القرآن؟! تأمل عزيزي القارئ - ثم أحكم.
* * *
стр. 50
(١٠) أدلة الأحكام المتفق عليها
وفقنا في الحلقة السابقة على صور من المخالفات القطعية الصارخة، التي وقع فيها صاحب المشروع بالنسبة للقرآن نفسه، الذي يزعم أنه المصدر "الأوحد" في الهداية والتشريع. ثم رفضه للسنة النبوية رفضاً كلياً، ووصفه للأحاديث التي رواهاى الصحابة، ونقلها عنهم التابعون - بكل طبقاتهم - بأنها خرافات وأكاذيب!!
وفي هذه الحلقة نكشف - بعون الله تعالى - عن وجه أخر قبيح كل القبح لهذا المشروع الرامي لهدم الإسلام كله، وليس هدم السنة النبوية وحدها.
الخروج عن إجماع الأمة:
لقد خرج هذا المشروع على إجماع كل طوائف الأمة، خاتصتها وعامتها، وش عن النهج السوي الذي سارت عليه الأمة سلفاً وخلفاً. فسلف الأمة وخلفها بعد تقديمهم القرآن على كل ما عداه في الهداية والتشريع، أفسحوا صدورهم ببشاشة الإيمان، وسماحة الإسلام، ومرونة أصول الأحكام، فاتفقوا على أن "أدلة الأحكام" في الشريعة الإسلامية هي الأصول الأربعة على هذا الترتيب:
الأصل الأول - (الكتاب) :
والمراد بعه "القرآن العظيم"، وهو مصدر كل المصادر، وبه يبدأُ، ولا يلتفت إلى غيره إذا ظفرت الأمة بحاجتها فيه.
стр. 51
الأصل الثاني - (السنة) :
وهي كل ما ثبت عن النبي ﷺ من أقواله، وأفعاله، وتقريراته، فيما يتصل بالبلاغ والتشريع.
وهي مقدمة على ما بعدها، تالية لما قبلها (وهو الكتاب) في المرتبة والعمل.
وإذا وجدنا فيها الحكم الذي نبغيه، فلا ناتفت إلى شيء بعدها.
الأصل الثالث - (الإجماع) :
وهو اتفاق علماء المسلمين في أي عصر من العصور على حكم شرعي في مسألة ما، حيث لا يعرف لهم مخالف، فيصير هذا الإجماع مصدراً من مصادر التشريع.
والدليل على هذا آية من القرآن، وحديث من السنة:
- أما الآية فهي قول الله تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء: ١١٥]
فقوله ﴿سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ هو الإجماع.
- وأما الحديث فهو قوله ﷺ : "لا تجتمع أمتي على ضلالة" وله نظائر أخرى من لفطه وبمعناه تعاضده وتقويه.
стр. 52
الأصل الرابع - (القياس) :
وهو مصدر مرن يمكن أن نطلق عليه "ميزان الطوارئ" أي ما يطرأ في الحياة من وقائع ليس لها حكم معين، لا في الكتاب، ولا في السنة، ولا في الإجماع. وطريق معرفة حكمها هو الإجتهاد عن طريق القياس، فيبحث المجتهدون عن أشباه ونظائر لها ويقيسون حكمها عليها، فإذا أتحدث علة الحكم في السابق واللاحق حكم للاحق بحكم السابق.
* وللقياس ضوابط شتى نختار منها هذا الضابط. "القياس: _ هو حمل مجهول على معلوم لاشتراكه في علة حكمه"
وهذا القياس وقع في عصر النبوة على لسان النبي نفسه، وفي عصر الخلفاء الراشدين، وفي العصور التالية، وله مبحث مهم عند علماء "أصول الفقه" لم يخل منه كتاب من كتبهم، ثم عند الفقهاء في مجال العمل والتطبيق واستباط الأحكام.
وكل قياس لابد له من سندٍ شرعي من كتاب أو سنة أو إجماع.
هذه الأصول الأربعة قد أجمع عليها علماء الأمة، ولم يشذ عنها أحد، اللهم إلا القياس ففيه خلاف لا يعتد به.
وتسمى هذه المصادر الأربعة - عند الأصوليين - بـ "أدلة الأحكام المتفق عليها".
فإذا عدنا إلى صاحب المشروع وجدناه قد خرق هذا الإجماع خرقاً شنيعاً، حيث لم يعترف بثلاثة مصادر تشريعية مجمع عليها وهي: _
стр. 53
* السنة المطهرة.
* الإجماع القائم.
* القياس المؤسس على سند شرعي.
وهذا ما حدث منه الآية الكريمة الحكيمة: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى﴾ [النساء: ١١٥]
فهو قد شاقق الرسول فرفض السنة
ورفض الإجماع وهو سبيل المؤمنين
ورفض القياس وهو معتمد عند الرسول وأصحابه والمؤمنين جميعاً وصاحب المشروع حر - في الدنيا- فيما يعتقد، أما أن يفرض أخطاءه، وأوهامه، وأضاليله على الأمة، فيقدم لها هذا المشروع بقصد تبصيرها - كما يدعى - فهذا يجب أن يحاصر ويقاوم، ويقضي على هذه الفتنة فتوأد في مهدها.
صورة أخرى للخروج:
إذا كان صاحب المشروع قد خرق الإجماع القائم بين علماء الأمة سلفاً وخلفاً بإعدامه ثلاثة أصول تشريعية قام الإجماع عليها، فإن له صورة أخرى خرج فيها عن منهاج المسلمين. فهو مع إنكاره مصادر التشريع الثلاثة المجمع عليها أنكر أيضاً مصادر أخرى للتشريع. وذلك أن علماء الأمة واجهوا مستجدات الحياة، وهي في ازدياد جيلاً لعد جيل، واجهوها بمناهج تشريعية أخرى مستعدة أساساً من القرآن الكريم، والسنة المطهرة، ومقاصد الإسلام
стр. 54
المتفق عليها، وبتلك المناهج ظهرت مرونة الشريعة الإسلامية، وصلاحها - فعلاً - لكل زمانٍ ومكانٍ.
وهذه المكناهج تسمى بـ: "أدلة الأحكام المختلف فيها" أي أن الفقهاء توزعوها فمنهم من يرى العمل بطائفة منها ويرد الطائفة الأخرى، ولكنها معمول بها كلها عند مجموعهم، وهي في إيجاز: (الاستحسان - الاستصحاب - المصالح المرسلة - سد الذرائع - شرع من قبلنا - قول الصحابى - عمل أهل المدينة - العرف والعادة)
هذه المناهج أو المصادر قد ساعدت على تطويق كل ما يجد في الحياة، وللعمل بها شروط - عند الأصوليين -، وكلها تستند إلى النصوص والمقاصد الشرعية، فمثلاً: عمل أهل المدينة من أدلة الأحكام عن الإمام مالك ﵀، وعمل أهل المدينة المستمر إذا تعارض مع حديث أحاد قدم العمل به على العمل بالحديث.
وحجة الإمام مالك في ذلك: أن أهل المدينة عايشوا النبي ﷺ عشر سنين، وهم أحفظ من غيرهم للسنن العملية وسلوك النبي في حياته.
وتقديم السنة العملية على السنة القولية إذا تعارضت السنتان أرجح، لجواز أن تكون ناسخة للحديث القولي.
ومثلاً أخر: أن قول الصحابي يتعين الأخذ به عند الإمام الشافعي ﵀ إذا لم يعرف له مخالف من أدلة الشرع.
هذه السياحة الواسعة في مجال التشريع، يحاول صاحب المشروع أن يقلصها أو يقضي عليها تماماً، وهو بهذا ينسف جهود مليون عالم مسلم، على مدى أربعة عشر قرناً من الزمان، ويزج بالأمة إلى الضيق والحرج، وهو يتبع غير سبيل المؤمنين.
* * *
стр. 55
(١١) أدلة الأحكام من القرآن
يهدف المشروع - كما تقدم - إلى هدم السنة النبوية جملة وتفصيلاً، وهدم السنة وهي المصدر الثاني في التشريع الإسلامي، توطئة لهدم كل الأدلة الأحكام؛ سواء كانت متفقاً عليها؛ كالإجماع، والقياس؛ أو مختلفاً فيها اختلافاً نسبياً: كسد الذرائع؛ والاستحسان؛ والمصالح المرسلة؛ والاستصحاب؛ وشرع من قبلنا؛ وعمل أهل المدينة - في حياة الرسول وبعدها - عند الإمام مالك خاصة.
هذه دعوى ماكرة؛ وإن طلاها مروجها بالعسل؛ متدثراً بدعوى الاكتفاء بالقرآن؛ وهي كلمة حق أريد بها باطل؛ درى صاحب المشروع أم لم يدر. وهو في هذه الدعوى مخالف للقرآن؛ مشاق لرسول الإسلام؛ متبع غير سبيل المؤمنين.
لأن أدلة الأحكام كلها - المتفق عليها؛ والمختلف فيها - أسلاك مضيئة؛ تستمد ضوءها من القرآن؛ ولا تخرج عنه؛ ولا عن هداه؛ وكليات أوامره؛ ونواهيه؛ وتوجيهاته؛ هي المرجع الذي لا محيد عنه في كل دليل من أدلة الأحكام؛ وتوجيهاته؛ هي المرجع الذي لا محيد عنه في كل دليل من أدلة الأحكام؛ والقرآن نفسه هو الذي دل عليها؛ أو أوما إليها؛ ولا يوجد دليل منها ليس له بالقرآن صلة.
السنة عند علماء الأمة:
العمل بالسنة النبوية وهي المصدر الثاني للتشريع في الإسلام، دل على العمل بها القرآن في آيتين آمرتين لا نزاع فيهما:
стр. 56
الآية الأولى: قول الله تعالى: ﴿. . . فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ [النساء: ٥٩] .
فلا خلاف بين العلماء في أن الرد إلى الله هو الرد إلى كتابه العزيز - القرآن - فهو أصل الأصول في الإسلام، ويجب الرجوع إليه عند الخلاف.
أما الآية الثانية فهي قوله تعالى ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧] أما الإجماع فدليله من القرآن هو قوله تعالى ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء: ١١٥] .
ودليله من السنة: هو قوله ﷺ : "لا تجتمع أمتي على ضلالة".
فالإجماع أصل من أصول التشريع الإسلامي، وليس معنى كونه أصلاً أن يكون مستقلاً بنفسه بل لابد له من سند من الكتاب أو السنة.
أما القياس: فهو النوع الرابع من أدلة الأحكام المتفق عليها، وهو حجة عند علماء الشريعة، ودليله من القرآن - كما ذكر العلماء - قول الله تعالى ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا﴾ [النساء: ١٠٥] .
ونحن نضيف إلى هذه الآية آية أخرى من سورة النساء أيضاً، آخذين فيها بالقاعدة الأصولية: "العبرة بعموم اللفظ، لا بخصوص السبب" وهي قوله تعالى: ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى
стр. 57
الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [سورة النساء: ٨٣] .
فاللجوء عند احتدام المشكلات يكون إلى أهل الذكر؛ وهو قادرون - بتوفيق الله - "بعد البحث والنظر" على فهم وعلم ما الأمة في حاجة إليه.
كما نضيف آية ثالثة، وهي قوله تعالى:
﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ﴾ [آل عمران: ١٥٩] . والمشاورة اجتهاد، والاجتهاد بحث للوصول إلى الحق ولو بغلبة الظن والترجيح، وطريقة القياس.
سد الذرائع:
إن علماءنا الأفذاذ البررة لم يبتدعوا شيئاً ليس له صلة بالقرآن، بل كل ما توصلوا إليه من أدلة الأحكام قبسات منيرة من أضواء القرآن الوهاجة.
وقد عرضنا - فيما سبق - أدلة الأحكام المتفق عليها عند علماء الأمة، وبينا أخطاء وأوهام صاحب المشروع التعسفي في إنكاره لهذه الأدلة.
وها نحن نبين أخطاءه في هدم الأدلة المختلف فيها.
وقد ذكرنا هنا سد الذرائع للتنبيه على ما يحمله المشروع التعسفي من دعاوى ماكرة ليس لها وجه من الصواب.
فـ "الذريعة" هي الوسيلة إلى الشيء، والمراد من "سدها" عند العلماء غلقها وتعطيلها إذا كانت تؤدي إلى مفسدة أو ضرر. وهي من الأدلة المختلف فيها:
стр. 58
- فالمالكية، والحنابلة: يتوسعون في العمل بسد الذرائع.
- والحنفية، والشافعية: يضيقون العمل بها.
وسد الذرائع معناه: إغلاق المنافذ التي يترتب عليها مفسدة أو ضرر، وبيان ذلك في إيجاز:
* رجل أشاد عمارة لتأجير وحداتها. فعل يجوز له أن يؤجر "محلاً" لرجل علم أنه يبيع فيه الخمور ويتاجر في المحظور شرعاً وقانوناً؟
الجواب: أن الأصل في التأجير الإباحة. لكن لما كان هذا التأجير طريقاً للضرر والإفساد، فإن الفقهاء يحرمونه، وهم هنا يحكمون على الوسيلة بحكم الغاية منها.
* تاجر سلاح جاءه نفر يشترون منه أسلحة، ولكنه علم أنهم سيقطعون الطريق بهذا السلاح، ويعتدون به على الأبرياء، وينتهكون الأعراض. فهل يجوز له أن يبيعهم السلاح؟
الجواب: أن البيع في الأصل مباح. ولكنه لما كان وسيلة إلى محرم، فإن الفقهاء - بإعمال سد الذرائع - يجعلون هذا البيع حراماً، لأنه سيكون وسيلة للحرام.
فانظر إلى سعة أفق شريعتنا الطاهرة، وإلى صلاحيتها لاستيعاب كل ما يحتاج إليه الأمة لتحقيق سلامتها وأمنها، وملاحقة كل التصرفات، وإخضاعها للتوجيه السامي، المنبثق من كتاب الله تعالى، وسنة رسوله ﷺ وعلى طرافة هذا المبدأ "سد الذرائع" فإن العلماء التمسوا لشريعته دليلاً من القرآن الحكيم.
стр. 59
فوجدوه - بفضل الله تعالى ومنه - في قوله سبحانه: ﴿وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ. . . .﴾ [الأنعام: ١٠٨] .
نهى الله المؤمنين أن يسبوا أصنام المشركين: لا لأن سب الأصنام حرام؛ ولكن لأنه وسيلة ينقذ منها المشركون إلى سب الله سبحانه.
وأزن بين سعة أفق هؤلاء العلماء، وبين ضيق أفق صاحب المشروع التعسفي لهدم السنة النبوية. ثم أحكم على المشروع وصاحبه، بما يحكم به على كل من يشق عصى الطاعة ويحارب الله ورسوله والمؤمنين.
* * *
стр. 60
(١٢) عرضنا - فيما سبق - وضع، السنة ومكانتها الرفيعة عند علماء الأمة ، وعرفنا كيف احتفوا بها؛ وأنزلوها حيث أمرهم الله، فكانت عندهم هي المصدر الثاني للتشريع الإسلامي، الملتئمة مع القرآن تمام الإلتئام.
كان القرآن والسنة مزيجاً من العداية والنور؛ يكونان شيئاً واحداً هو دين الله ، كما يتكون الماء الذي جعله الله سبباً للحياة ونمائها من عنصري الهيدروجين والأكسوجين، لا يمكن فصل أحدهما عن الآخر، مادام الدين هو الدين، والماء هو الماء.
ونريد أن نوجز الحديث الآن عن السنة ودورها العظيم المبارك في حياة الأمة العملية بعد أن بينا مكانتها عند علماء الأمة.
السنة في حياة الأمة:
احتياج المسلم في حياته اليومية إلى العمل بسنة الصادق المصدوق ﷺ أشد من احتياجه إلى الماء والهواء، في كل ما يفعل لدنياه ودينه. وفي السطور الآتية نماذج سريعة للعمل بالسنة في مختلف المجالات:
الطهارة:
اشترط القرآن لقربان الصلاة "الطهارة" ولكنه لم يفصل أحوال تلك الطهارة بعد الإشارة إلى الماء والتراب أداتين للتطهر، "الماء" أصل، و"التراب" -
стр. 61
الصعيد الطيب - بدل من ذلك الأصل، فجاءت السنة وبينت أن المطلوب تطهيره هو ثلاثة أشياء: البدن والتوب والمكان. كما أن القرآن لم يبين الماء الذي تصح به الطهارة الشرعية، فبينته السنة بأنه الذي لم يتغير أحد أوصافه الثلاثة وهي: الطعم واللون والرائحة كما وضحت السنة متى يتنجس الماء؛ ومتى لا يتنجس.
ولم يبين القرآن حدود الأجزاء التي يجب غسلها أو مسحها بالماء في الوضوء، وتكفلت السنة ببيان ذلك كله.
والقرآن لم يذكر إلا سبباً واحداً لاستعمال التراب في الطهارة "التيمم" ذلك السبب هو: فقد الماء. والسنة أضافت سببين - وهما:
وجود الماء مع عدم القدرة على استعماله؛ أو شدة الحاجة إليه.
أو أدى استعمال الماء إلى زيادة مرض؛ أو تأخر الشفاء منه.
الصلاة:
ليس في القرآن إلا الأمر بإقامة الصلاة؛ والثناء على الذين يقيمونها. أما كيف ندخل في الصلاة؛ وكيف نركع؛ وكيف نسجد؟ وما هي الصلوات المفروضة وغير المفروضة؛ وبداية ونهاية كل فرض منها زمنياً؟ وماذا نقرأ وجوباً فيها واختياراً؛ وماذا نقول في حالتي الركوع والسجود والجلوس الأوسط والأخير؟ وما الذي تصير به الصلاة صحيحة؛ وما الذي يبطلها؟ وكم عدد الركعات في كل فرض؟ وكيفية القراءة في الصلوات النهارية والليلية؟ وما هي أركان الصلاة وسننها ومندوباتها ومكروهاتها؟ كل ذلك ليس له تفصيل
стр. 62
في القرآن. وسكون القرآن عن بيان هذه الأمور ليس عجزاً؛ بل لحكمة يعرفها من شرح الله صدره للإسلام.
فجاءت السنة وأوضحت ذلك كله. فقالت لنا السنة؛ الدخول في الصلاة يكون بـ"التكبير"؛ والخروج منها يكون بـ"التسليم" والقراءة الواجبة هي "أم الكتاب (الفاتحة) "؛ والقراءة الاختيارية هي أي سورة من سور القرآن، أو بضع آيات؛ أو آية واحدة كاملة المعنى. ثم أجابت عن كل التساؤلات المتعلقة بالصلاة سواء التي ذكرناها والتي لم نذكرها.
وبينت ما أجعل في القرآن من مثل قوله: "أركعوا واسجدوا" وإن الركوع هو - الإنحناء الذي يشبه خطين يصنفان زاوية مستقيمة يسوي فيها الراكع ظهره بصلبه غير منكس الرأس ولا شاخصه، وأن السجود يكون بلصق سبعة أعضاء على الأرض:
الجبهة، واليدان؛ والركبتان؛ والرجلان. وأن في كل ركعة سجدتين. ونسأل صاحب المشروع التعسفي لهدم السنة النبوية؛ كيف نستخرج هذه الدقائق الخفية من القرآن؟ وهل بين تفصيل السنة لها وبين القرآن عداوة وجفاء؟
إن السنة ما هي إلا إمتداد للقرآن. تبين إذا أبهم، وتفصل إذا أجمل، وتتكلم إذا سكت.
ولا يفيد صاحب المشروع التعسفي أن يقول أن الصلاة ركن عملي؛ تكفي فيه حكاية الأفعال؛ لأن هذا الركن العملي له فقه قولي: رواه الثقات من
стр. 63
الرجال؛ ونقلوه لنا بأمانة؛ مثل قوله ﵊ ؛ "لا صلاة لمن لم يقرأ بأم الكتاب" وغير ذلك كثير.... كثير.
الصيام:
في القرآن لا نجد سوى الأمر بالصيام إذا جاء وقته، ثم حدد - بعد ذلك - بدايته ونهايته هما: من طلوع الفجر إلى غروب الشمس، كونه إمساكاً عن شهوة البطن.
لكن جاءت السنة بإضافات كثيرة في هذا الواجب، فبينت أن الكف عن شهوة الفرج واجب في حال الضيام، كما بينت مكروهات الصيام ومبطلاته، وكيفية قضائه، والكفارات الواجبة عن تعمد الإفطار بغير عذر. كما أوضحت السنة أموراً أخرى متعلقة بالصيام يضيق عن ذكرها المقام.
الزكاة:
في الزكاة اكتفى القرآن بوجوب إخراجها: والمصارف التي تستفيد منها؛ والثناء على مخرجيها، المقرون - غالباً - بالثناء على مقيمي الصلاة.
ولكننا لا نجد في القرآن تحديد "الأموال" التي تجب فيها الزكاة والتي لا تجب فيها، ولا المقدار المخصوص الذي إذا بلغه المال وجبت فيه الزكاة، ولا النسبة التي يجب إخراجها، ولا تحديد الزمن الذي يبقى فيه المال في يد "المالك"، وهو - مرور حول كامل، كشرط مهم لإيجاب الزكاة فيه، وإيجاب إخراجها.
لكن السنة النبوية المطهرة تكفلت ببيان ذلك كله، وفصلت القول فيه
стр. 64
تفصيلاً مما يسر على المكلفين فهم هذا الركن "الزكاة" الذي هو أحد دعائم الإسلام، ولولا بيانات السنة لـ "كليات" القرآن لما أهتدى أحد إلى تأدية هذا الركن العظيم.
وما أكثر بيانات السنة في هذا المجال الإسلامي الحيوي.
الحج:
يلحظ من له صلة وثيقة بالقرآن؛ أنه توسع في ذكر الأحكام التفصيلية المتعلقة بمناسك الحج، ومع هذا النوسع فقد ترك للسنة النبوية فراغات هائلة لتقوم هي بملئها، ومع ذلك:
* الميقات الزمني الذي تؤدى فيه هذه الفريضة المقدسة، فالذي في القرآن والحج أشهر معلومات فجاءت السنة وبينت المراد من هذه الأشهر.
* المواقيت المكنية التي ينبغي أن يبدأ عندها الإرام بالحج، أو العمرة، بالنسبة لكل الأقطار الإسلامية.
* تحديد مرات السعي بين الصفا والمروة بـ "بسبعة أشواط"، وتحديد الطواف حول البيت بـ "سبعة" كذلك.
* بيان أهم أركان الحج "الوقوف بعرفة" وتحديد الزمن الذي يكون فيه من أيام ذي الحجة.
* بيان واجبات الحج والواجب في الحج ما ينجبر بالدم، وهو دون الركن، ولا يبطل الحج بتركه.
стр. 65
* كيفية الإحرام، وما يحرم فعله وقت الإحرام بالحج أو العمرة أو هما معاً.
* تحديد عدد الجمرات ووقت رميها.
هذا قليل من كثير من بيانات السنة النبوية الشريفة في أركان الإسلام العملية.
وهذا العرض الموجز يرينا إلى أي مدى بلغ المشروع التعسفي لهدم السنة النبوية في الإفتراء على الله تعالى ورسوله ﷺ ، والتطاول على رجالات الأمة؛ الذين جاهدوا في الله حق جهاده فهداهم سبله، تحقيقاً لوعده الكريم: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ .
تأصيل الأعمال:
أي عمل يبذله المكلف له شرط عظيم في تمييزه وتأصيله: حتى يؤتي ثمرته المرجوة منه. وهذا الشرط أصل من أصول الدين، وهو "النية". وقد تكلفت السنة النبوية الطاعرة ببيانه في قوله ﷺ :
"إنما الأعمال بالنيات" والنية مطلوبة في جميع العبادات والقربات، والله يعامل عباده حسبنياتهم، وأي عمل صالح يخلو من النية والقصد فهو رد على صاحبه.
فهل يستطيع صاحب المشروع التعسفي لهدم السنة النبوية أن يدلنا على موضع وجوبها في آيات الذكر الحكيم؟
أم أن القرآن تركها لبيان صاحب الرسالة الذي لا ينطق عن الهوى ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ ؟!
стр. 66
(١٣) الأذان والربا
في مواجهة مشروع هدم السنة النبوية نواصل الحديث الآن - إتماماً لما قدمناه في الحلقة الماضية - عن أهمية السنة في حياة الأمة: في كل صغيرة وكبيرة؛ في شئون الحياة، ولنبدأ حديثنا بـ:
الأذان:
الأذان هو النداء الإسلامي الخالد، الذي يكرر في البيئات الإسلامية في المسجد الواحد في اليوم والليلة خمس مرات.
وقد أثبتت الدراسات الحديثة أن كلمات الآذان لا تنقطع عن الرفع ولا دقيقة واحدة؛ حشب خطوط الطول على سطح الكرة الأرضية، إذ من المعلوم - جغرافياً - أن المسافة بين خطي طول هي أربع دقائق، وأن صيغة الآان حسب الأداء الشرعي تستغرق أربع دقائق، فإذا أذن لصلاة الفجر في المساجد الواقعة على خط الطول رقم "واحد"، فإن المؤذنين لا يكادون ينتهون من "لا إله إلا الله" وهي الجملة الأخيرة في الأذان. نقول: لا يكادون يفرغون منها إلا وقد بدأ مؤذنو المساجد الواقعة على خط طول رقم "إثنان" بالجمل الأولى من الآذان: الله أكبر. الله أكبر ... وهكذا حتى آخر خط طول رقم "٣٦٠" من ناحية المغرب.
стр. 67
ومعنى هذا أن الأذان يردد في النهار والليلة "١٤٤٠" دقيقة، وهي حاصل ضرب "٤ × ٣٦٠" بعدد خطوط الطول شرقاً وغرباً.
ووظيفة الأذان هي - الإعلام بدخول وقت الصلاة ليؤديها المكلفون في وقتها، وتأدية الصلاة في وقتها من أفضل الأعمال - كما جاء في الحديث الشريف.
وهي تشتمل على تعظيم الله (الله أكبر) ، والإقرار له بالوجدانية (أشهد أن لا إله إلا الله) ، ولرسوله بصدق رسالته (أشهد أن محمداً رسول الله) ، والدعوة إلى الإقبال على الصلاة وترك العوائق الشاغلة عنها (حي على الصلاة) ، والإقبال على الفلاح (حي على الفلاح) ثم تكرر تعظيم الله مرة أخرى، (الله أكبر. الله أكبر) ثم ختم النداء بتقرير الوحدانية (لا إله إلا الله) .
وصاحب المشروع التعسفي لهدم السنة النبوية له في هذا دعويان:
* دعوى إكتفاء المسلمين بالقرآن وحده دون أي شيء آخر.
* دعوى إزاحة السنة عن واقع المسلمين؛ لأنها أقوال مكذوبة عن رسول الله؛ إبتدعها التابعون بعد مائتي سنة من وفاة النبي ﷺ !
إننا نسأل صاحب هذا المشروع التعسفي وأمثاله؛ ممن ينكرون حجية السنة؛ نسألهم فرادى ومجتمعين: أين نجد صيغة الأذان التالية في القرآن؟
الله أكبر. الله أكبر الله أكبر. الله أكبر.
стр. 68
أشهد أن لا إله إلا الله
أشهد أن لا إله إلا الله
أشهد أن محمداً رسول الله
أشهد أن محمداً رسول الله
حي على الصلاة حي على الصلاة
حي على الفلاح حي على الفلاح
الله أكبر الله أكبر
لا إله إلا الله
أين نجد هذه الصيغة في القرآن؟ ليس لهم على هذا السؤال جواب؟ لأن كل ما في القرآن عن الأذان آيتان؛ سمي الأذان فيهما بالنداء؛ وهما:
- الآية الأولى: ﴿وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ اتَّخَذُوهَا هُزُوًا وَلَعِبًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْقِلُونَ﴾ [المائدة: ٨٥]
- الآية الثانية: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [الجمعة: ٩]
стр. 69
ومع هذه الإشارات القرآنية يبقى الأذان؛ أو تبقى الأمة في أمس الحاجة إلى الإجابة على هذا السؤال:
ما هو الأذان؟ بل ما هي مفرداته؟ وجمله؟ وتراكيبه؟
سكت القرآن عن كل هذا لا سهواً ولا نسياناً، لأن لله رسولاً أميناً، صادقاً، مأذوناً له بالحديث عن الله تعالى كما يريه الله سبحانه جاءت السنة بتفصيل كل تلك الحقائق رواية عنه.
فهل الذين رووا عن رسول الله ﷺ كذبوت عنه؛ وهم أصحابه المشهود لهم بالفضل؟!
وهل التابعون الذين نقلوا لنا هذه الروايات؛ افتروا على رسول الله فنسبوا إليه ما لم يقله - كما يدعي صاحب المشروع؟
وهل السنة النبوية زيادة في الدين - كما توهم صاحب المشروع؟
أم أن الأمر كما قال الله ﴿فَمَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا﴾
الربا:
الربا في الإسلام من الكسب الخبيث، وقد حمل القرآن الحكيم على الربا والمرابين حملة عنيفة، وتهددهم بالخسران في الدنيا وسوء المصير في الآخرة، ونفر الناس من أخذ الربا، وحذر المؤمنين ودعاهم إلى التخلص منه
стр. 70
فوراً، وإلا فإن الحرب من الله ورسوله ستحل عليهم، والويل كل الويل لمن يحاربه الله تعالى ويحاربه رسوله ﷺ .
قال الله ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ﴾ [البقرة: ٢٧٥]
وقال - تعالى ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٦]
وقال - سبحانه ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٢٧٨) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢٧٨ - ٢٧٩]
وقال - جل وعلا - ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (١٣٠) وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٠ - ١٣١]
هذه الحملة القرآنية العنيفة ترينا أن الربا تجارة خاسرة في الدنيا ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا﴾ وتؤكد هذا المعنى آية أخرى ﴿وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلَا يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ﴾ [الروم: ٣٩]
وأن المرابين مسخوط عليهم من الله ورسوله، وأن سوء المصير هو نهايتهم ومع هذا يبين القرآن ما هو الربا حتى يحذره المؤمنون، ويمتثلوا أمر الله فيجتنبوه. كما لم يبين القرآن المعاملات الربوية من قروض وبيوع وعقود، ولم يذكر الأموال التي يوصف التعامل بها بالربا في بعض الحالات.
стр. 71
هذا كله سكت عنه القرآن، ومحال أن ينهي القرآن أو يأمر بمجهول لا يعلمه المكلفون. والتكليف عموماً لا يتعلق بالمجهولات، وسكوت القرآن عن بيان هذه الأمور المشار إليها في تحريم الربا، دليل "قرآني" قاطع على ما للسنة النبوية من شأن عظيم في مجال التشريع؛ لأن الله يقول: ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ﴾ [الأنعام: ١١٩] وهاهو ذا الربا ليس له تفصيل في القرآن، وهذا دليل أخر على أن السنة الثانتة ليست صادرة عن النبي شخصياً؛ وإنما هي بيان من الله يجريه على لسان رسوله ﷺ ، وتشريع مأذون فيه لصاحب الدعوة، لأنه من أمر الله الذي يجب على الرسول تبليغه للناس. ولا نمل من تكرار قوله ﷺ : "إني أوتيت القرآن ومثله معه".
ولذلك جاءت السنة ففصلت أحكام الربا كما فصلت غيرها من الأحكام المتلقة بأفعال المكلفين. فبينت البيوع الربوية؛ والمعاملات الربوية؛ والقروض الربوية. كما قسمت الربا قسمين:
- ربا فضل - وربا نسيئة وأضافت إلى ذاك محظورات أخرى تتعلق بإجراءات العقود الربوية؛ ومن كتابة× وإشهاد، وغيرها.
وهي في كل ذلك امتداد لبيان القرآن، تخصص ما عمم القرآن، وتقيد ما أطلق القرآن، وليس بينها وبين القرآن اختلاف، ولا خصومة، وهذا ما توهمه صاحب المشروع التعسفي لهدم السنة النبوية، "فزين له الشيطان سوء عمله فرأه حسناً" وقل لي بربك - بعد ما تقدم من بيان رسوخ السنة في حياة الأمة - هل يمكن عقلاً وواقعاً، وديناً وشرعاً أن تستغنى الأمة عن السنة النبوية،
стр. 72
وهي القائمة على منهج القرآن، ولولاها لغابت عنا حقائق لا تحصى ولا تعد يقوم عليها أمر التكليف؟ ألا تباً لهذا المشروع؛ وتبًا للأوهام التي سيطرت على واضعه.
* * *
стр. 73
(١٤) صلة السنة بالكتاب
السنة النبوية عند جميع علماء الأمة على اختلاف منازعهم وتحصصاتهم ثلاثة أقسام:
* الأول - السنة المؤكدة المقررة لما ورد في القرآن:
وضابطها: أن يأمر القرآن بأشياء، أو ينهي عن أشياء، فتأتي السنة مؤكدة ومقررة للأمر والنهي وما يشبههما.
فمثلاً: حرم الله الزنا وسماه فاحشة. فورد في السنة أحاديث تؤكد هذه المعاني، كقوله ﷺ : "لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن".
ومثلاً آخر: قبح القرآن النفاق، وذم المنافقين. وجاء في السنة أحاديث تقرر هذه المعاني، كقوله ﷺ : "آية المنافق ثلاثة: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا أئتمن خان". ومع مواكبة السنة للقرآن في هذا الحديث؛ فإن فيه نوعاً من التفصيل الشارح للنفاق.
* الثاني: السنة الشارحة أو المبينة:
وضابطها: أن تشرح، وتبين، وتفصل، وتخصص، وتقيد، ما يكون في القرآن من الآيات التي تحتاج إلي بيان، أو تفصيل، أو تخصيص، أو تقييد.
وقد تقدم لنا جمل زافيو في بيان هذا القسم؛ وأهميته في حياة الأمة.
стр. 74
*الثالث: السنة الشارعة: وهو نوعان:
* النوع الأول: شارعة تشريعاً مفصلاً لأحكام وردت في القرآن مجملة لا تفصيل فيها. وهذا النوع كما يطلق عليه شارعاً يطلق عليه أيضاً شارحاً.
ومن أمثلته: تفصيل أحكام الربا الذي ورد تخريمه والنهي عنه في القرآن، فأحكام الربا التفصيلية طريقها السنة، والنهي عنه وتحريمه طريقه القرآن ومثله أيضاً: أحكام الصلاة، فالموجود في القرآن الأمر بإقامتها وفرضيتها، ثم تكلفت السنة بأحكامها التفصلية، التي تعددت الأحاديث النبوية في بيانها، والتي حفلت بها كتب الفقه، وكتب أحاديث الأحكام - مثل - "بلوغ المرام" لابن حجر العسقلاني، و"نصب الراية في تخريج أحاديث الهداية" للزيلعى و"إحكام الأحكام شرح عمدة الأحكام" لابن دقيق العيد" و"صحيح ابن خزيمة"، و"نيل الأوطار" للشوكاني، ومن قبل ذلك كله "الموطأ" للإمام مالك. وهذه الكتب لا تقتصر على بيان السنة في الصلاة فقط بل تعم كل أعمال المكلفين.
* أما النوع الثاني من السنة الشارعة، فهي التي تتعلق بأشياء أخرى تحليلاً أو تحريماً: إضافة إلى ما ورد في القرآن من أحكام.
وهذا النوع قليل جداً في نفسه وبالنسبة لما عداه من أقسام السنة، ومن أمثلته ما يأتي:
١- حرم القرآن الأمهات والأخوات من الرضاعة. فقال تعالى ﴿.... وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ﴾ [النساء: ٢٣]
стр. 75
ولم يحرم القرآن نكاح غير الأمهات الأخوات من الرضاعة وجاءت السنة ووسعت دائرة التحريم من الرضاعة فقال ﷺ : "يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب".
- أي - البنات من الرضاعة، والعمات من الرضاعة، والخالات من الرضاعة، وبنات الأخوة من الرضاعة، وبنات الأخت من الرضاعة ... إلخ
كذلك حرم القرآن الجمع بين الأختين في عصمة زوج واحد في وقت واحد، وصل في قوله تعالى - عطفاً على الأنكحة المحرمة -: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ﴾
ثم أضافت السنة تحريم الجمع بين البنت وعمتها، وبين البنت وخالتها. وبين ﷺ علة التحريم بقوله: "إنكم إن فعلتم ذلك قطعتم أرحامكم".
٢- زكاة عيد الفطر، والحكمة من تشريعها "التوسعة على الفقراء والمساكين". وهذه الزكاة والأحكام المتعلقة بها: من يخرجها؟ وعمن يخرجها؟ ووقت إخراجها؟ والأنواع التي تخرج منها؟ ومقاديرها؟ ... كل هذا ليس له ذكر في القرآن، وإنما طريقه السنة الثانية.
٣- في التحريم الناشئ عن الرضاع، لم يرد في القرآن متى يحرم الرضاع النكاح، ولا القدر الذي يثبت به التحريم.
لقد سكت القرآن عن هذا، ثم بينه السنة زمناً وقدراً:
следующие страницы →