Полный текст (94 стр.). Показаны 71–94 · переход к 76.
стр. 71
هذا كله سكت عنه القرآن، ومحال أن ينهي القرآن أو يأمر بمجهول لا يعلمه المكلفون. والتكليف عموماً لا يتعلق بالمجهولات، وسكوت القرآن عن بيان هذه الأمور المشار إليها في تحريم الربا، دليل "قرآني" قاطع على ما للسنة النبوية من شأن عظيم في مجال التشريع؛ لأن الله يقول: ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ﴾ [الأنعام: ١١٩] وهاهو ذا الربا ليس له تفصيل في القرآن، وهذا دليل أخر على أن السنة الثانتة ليست صادرة عن النبي شخصياً؛ وإنما هي بيان من الله يجريه على لسان رسوله ﷺ ، وتشريع مأذون فيه لصاحب الدعوة، لأنه من أمر الله الذي يجب على الرسول تبليغه للناس. ولا نمل من تكرار قوله ﷺ : "إني أوتيت القرآن ومثله معه".
ولذلك جاءت السنة ففصلت أحكام الربا كما فصلت غيرها من الأحكام المتلقة بأفعال المكلفين. فبينت البيوع الربوية؛ والمعاملات الربوية؛ والقروض الربوية. كما قسمت الربا قسمين:
- ربا فضل - وربا نسيئة وأضافت إلى ذاك محظورات أخرى تتعلق بإجراءات العقود الربوية؛ ومن كتابة× وإشهاد، وغيرها.
وهي في كل ذلك امتداد لبيان القرآن، تخصص ما عمم القرآن، وتقيد ما أطلق القرآن، وليس بينها وبين القرآن اختلاف، ولا خصومة، وهذا ما توهمه صاحب المشروع التعسفي لهدم السنة النبوية، "فزين له الشيطان سوء عمله فرأه حسناً" وقل لي بربك - بعد ما تقدم من بيان رسوخ السنة في حياة الأمة - هل يمكن عقلاً وواقعاً، وديناً وشرعاً أن تستغنى الأمة عن السنة النبوية،
стр. 72
وهي القائمة على منهج القرآن، ولولاها لغابت عنا حقائق لا تحصى ولا تعد يقوم عليها أمر التكليف؟ ألا تباً لهذا المشروع؛ وتبًا للأوهام التي سيطرت على واضعه.
* * *
стр. 73
(١٤) صلة السنة بالكتاب
السنة النبوية عند جميع علماء الأمة على اختلاف منازعهم وتحصصاتهم ثلاثة أقسام:
* الأول - السنة المؤكدة المقررة لما ورد في القرآن:
وضابطها: أن يأمر القرآن بأشياء، أو ينهي عن أشياء، فتأتي السنة مؤكدة ومقررة للأمر والنهي وما يشبههما.
فمثلاً: حرم الله الزنا وسماه فاحشة. فورد في السنة أحاديث تؤكد هذه المعاني، كقوله ﷺ : "لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن".
ومثلاً آخر: قبح القرآن النفاق، وذم المنافقين. وجاء في السنة أحاديث تقرر هذه المعاني، كقوله ﷺ : "آية المنافق ثلاثة: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا أئتمن خان". ومع مواكبة السنة للقرآن في هذا الحديث؛ فإن فيه نوعاً من التفصيل الشارح للنفاق.
* الثاني: السنة الشارحة أو المبينة:
وضابطها: أن تشرح، وتبين، وتفصل، وتخصص، وتقيد، ما يكون في القرآن من الآيات التي تحتاج إلي بيان، أو تفصيل، أو تخصيص، أو تقييد.
وقد تقدم لنا جمل زافيو في بيان هذا القسم؛ وأهميته في حياة الأمة.
стр. 74
*الثالث: السنة الشارعة: وهو نوعان:
* النوع الأول: شارعة تشريعاً مفصلاً لأحكام وردت في القرآن مجملة لا تفصيل فيها. وهذا النوع كما يطلق عليه شارعاً يطلق عليه أيضاً شارحاً.
ومن أمثلته: تفصيل أحكام الربا الذي ورد تخريمه والنهي عنه في القرآن، فأحكام الربا التفصيلية طريقها السنة، والنهي عنه وتحريمه طريقه القرآن ومثله أيضاً: أحكام الصلاة، فالموجود في القرآن الأمر بإقامتها وفرضيتها، ثم تكلفت السنة بأحكامها التفصلية، التي تعددت الأحاديث النبوية في بيانها، والتي حفلت بها كتب الفقه، وكتب أحاديث الأحكام - مثل - "بلوغ المرام" لابن حجر العسقلاني، و"نصب الراية في تخريج أحاديث الهداية" للزيلعى و"إحكام الأحكام شرح عمدة الأحكام" لابن دقيق العيد" و"صحيح ابن خزيمة"، و"نيل الأوطار" للشوكاني، ومن قبل ذلك كله "الموطأ" للإمام مالك. وهذه الكتب لا تقتصر على بيان السنة في الصلاة فقط بل تعم كل أعمال المكلفين.
* أما النوع الثاني من السنة الشارعة، فهي التي تتعلق بأشياء أخرى تحليلاً أو تحريماً: إضافة إلى ما ورد في القرآن من أحكام.
وهذا النوع قليل جداً في نفسه وبالنسبة لما عداه من أقسام السنة، ومن أمثلته ما يأتي:
١- حرم القرآن الأمهات والأخوات من الرضاعة. فقال تعالى ﴿.... وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ﴾ [النساء: ٢٣]
стр. 75
ولم يحرم القرآن نكاح غير الأمهات الأخوات من الرضاعة وجاءت السنة ووسعت دائرة التحريم من الرضاعة فقال ﷺ : "يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب".
- أي - البنات من الرضاعة، والعمات من الرضاعة، والخالات من الرضاعة، وبنات الأخوة من الرضاعة، وبنات الأخت من الرضاعة ... إلخ
كذلك حرم القرآن الجمع بين الأختين في عصمة زوج واحد في وقت واحد، وصل في قوله تعالى - عطفاً على الأنكحة المحرمة -: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ﴾
ثم أضافت السنة تحريم الجمع بين البنت وعمتها، وبين البنت وخالتها. وبين ﷺ علة التحريم بقوله: "إنكم إن فعلتم ذلك قطعتم أرحامكم".
٢- زكاة عيد الفطر، والحكمة من تشريعها "التوسعة على الفقراء والمساكين". وهذه الزكاة والأحكام المتعلقة بها: من يخرجها؟ وعمن يخرجها؟ ووقت إخراجها؟ والأنواع التي تخرج منها؟ ومقاديرها؟ ... كل هذا ليس له ذكر في القرآن، وإنما طريقه السنة الثانية.
٣- في التحريم الناشئ عن الرضاع، لم يرد في القرآن متى يحرم الرضاع النكاح، ولا القدر الذي يثبت به التحريم.
لقد سكت القرآن عن هذا، ثم بينه السنة زمناً وقدراً:
стр. 76
زمناً: أن يكون الرضاع قبل أن يفطم الرضيع، ويستغنى بالطعام عن اللبن.
- وقدراً: أن يكون المحرم خمس رضعات مشبعات مافرقات. وفي كل هذا - وغيره- لم تخاتلف السنة الكتاب؛ لأن المخالفة تكون لو كانت السنة تأمر، بما نهى عنه الكتاب، أو تنهي عما أمر به الكتاب؛ وهذا لم يحدث قط.
وحاشا أن يكون الرسول في هذا مشرعاً من تلقاء نفسه؛ لأن الشريع بلاغ، والبلاغ لا يكون إلا عن الله الذي اصطفاه رسولاً، وأنزل عليه وحيه الأمين، ولو كان الرسول تجاوز ما لم يأذن الله تعالى له فيه لما سكت القرآن عنه لحظة؛ والله هو القائل: ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ (٤٤) لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ (٤٥) ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ﴾ [الحاقة: ٤٤ - ٤٦] ولم يحدث للنبي عقاب من الله، بل حدث في حجة الوداع أن أعلن الله كمال الدين فقال: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينً﴾ [المائدة: ٣]
فهل - يا ترى - كان هذا الإعلان الإلهي سيكون لو كان محمد ﷺ زاد في الدين شيئاً لم يأذن الله له فيه؟ هذا، وقد أثبت بعض الباحثين الأصولين أن: كل تشريع مستقل حاءت به السنة - على ندرته - له أصل أصيل في كتاب الله العزيز. ولولا خشية الإطالة لذكرنا ما قيل في هذا المجال. وهكذا يبدو التوافق التام بين الكتاب والسنة، وإن غاب على بعض المتعجلين، والأمر كما قال الشاعر:
ماضر شمس الضحى في الأفق طالعة * إن لم ير ضوءها من ليس ذا بصر
стр. 77
وبهذا تتهاوى شبهات صاحب المشروع التعسفي لهدم السنة النبوية هوياً إثر هوى.
السنة من عند الله:
السنة الثابتة هي من عند الله تعالى مثل الكتاب العزيز وإن اختلفت طرق التلقي فيهما. وهذا حق نجده في القرآن وليس دعوى.
﴿وبالبينات والزبر بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ وفي هذا الخطاب تحديد جلي لصلة السنة بالكتاب، فكل ما صدر عن رسول الله ﷺ من أقوال. وأفعال في مجال التبليغ كأن بياناً للكتاب. وهذا هو صريح القرآن.
- ثم في سورة القيامة (الآيات - ١٦ - ١٩) خاطب الله رسوله الكريم خطاباً ثانياً جاء فيه: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (١٦) إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ (١٧) فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ (١٨) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾
قارن بين البيانين في كل من سورتى (النحل) و (القيامة) تجد البيان في النحل موكولاً إلى النبي "أي لتبين" أنت يا محمد للناس الذكر - بمعنى - القرآن الذي أنوله الله إلى الناس.
وتجد البيان في سورة القيامة صادراً من الله ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ .
стр. 78
ومعنى هذا بكل وضوح: إن أقوال النبي وأفعاله وتقريراته التي بين بها الكتاب هي بيان الله، وإن أسند إلى النبي.
فالسنة - إذن - من عند الله تعالى، ولم يقل محمد ﷺ شيئاً من تلقاء نفسه.
وصاحب المشروع يكرر كثيراً وجوب إلى القرآن وحده، وها هو ذا القرآن يضيف السنة إلى الله تعالى، فعليه إن كان مخلصاً في دعواه؛ أن يؤمن بالسنة طاعة لله وفق ما جاء في القرآن.
* * *
стр. 79
(١٥) وقف أحاديث الآحاد
باشر صاحب المشروع العمل في مشروعه، وهو يحمل فكرة شنيعة سيطرت عليه سيطرة تامة، فأرته الحق باطلاً، والباطل حقاً، وراح يتتبع كل شبهة تفيده في الإنتصار لما يريد. وتلك الفكرة مكونة من ادعاءين:
الأول: كفاية القرآن لمتطلبات الأمة في كل ما تحتاج إليه في الحياة دون إضافة أي شيء آخر مهما كان مصدره.
الثاني: طرد السنة النبوية من حياة الأمة، واعتبار كتابة الأحاديث النبوية "كلها" بدعة؛ والعمل بها زيادة في الدين، وهي سبب نكبة المسلمين!!
وقد عشنا من قبل مع كثير من أخطائه وأوهامه في الجزء الأول من مشروعه الضخم.
وفي هذه الحلقة نتعرض لشبهة أخرى من شبهاته: وهي ما كتبه حول أحاديث الآحاد وترك العمل بها كلية فلا يقبل منها حديث واحد مهما بلغ من درجات التوثيق والصحة!
قال هذا بعد إشاراته المتكرة بأن معظم الأحاديث المنسوبة إلى رسول الله ﷺ كانت من روايات الآحاد، وقليل منها موصوف بالتواتر، والموصوف بالتواتر عنهد هو أقوال الرواة إفتروها على الرسول كذباً وخداعاً؛ أو رووها عنه بالمعنى، فهي - إذن - ليست من كلامه ﷺ كما يدعي صاحب المشروع!!
стр. 80
وبذلك ينسف السنة كلها نسفاً، فلا يبقى منها أثر واحد تطمئن إليه الأمة!!
وحديث الآحاد: هو ما رواه عدد قليل - واحد، أو اثنان، أو ثلاثة، أو أربعة - ولم يبلغ حد التواتر.
أما الحديث المتواتر: فهو ما رواه جماعة مستفيضة (كثيرة) من أول طبقة فيه إلى آخر طبقة ينتهي عندها سند الحديث.
وهذه القضية (قضية العمل بالآحاد) محسومة من قديم: حسمها علماء الحديث، والأصوليون، والفقهاء، وجمهور الأمة.
فقد نشأ الخلاف حول قبول حديث الآحاد والعمل به منذ قرون قبل مجيء صاحب المشروع؛ بل ومن عهد النبي نفسه، وخالفائه الراشدين، وجميع أصحابه، وعلى هذه السنة مضى أئمة المذاهب الفقهية وتلاميذهم وعلماء الأمصار وغيرهم.
وصار من المعلوم لإسلامياً قبول حديث الآحاد والعمل به على وجه الوجوب، وللعمل به عند الجمهور شروط:
الأول: أن يكون رواته من العدول الضابطين الثقات - أي - سلامة السند من النقد والطعن.
الثاني: سلامة متن الحديث من النقد - أي أن يكون الحديث مذكوراً بكل ألفاظه، ولم يحذف منها شيء وأن لا يكون له خبر أخر معارض له: وأقوى منه.
стр. 81
وهكذا ترى جمهور الأمة يستوثقون من حديث الآحاد قبل العمل به، فإذا ردوا بعضاً منه لم يكن سبب الرد كونه حديث أحاد؛ وإنما يكون سبب الرد أمراً أخر خاصاً بالحديث الأحادى المردود.
هذا هو مذهب جمهور العلماء في كل عصر ومصر، ولم يشذ عنهم إلا الخوارج والمعتزلة، فهم يرفضون حديث الآحاد جملة وتفصيلاً، وما أكثر ما شذ هؤلاء عن إجماع الأمة ولهم شبهات واهية - كشبهات صاحب هذا المشروع - تمسكوا بها في إسقاط خبر الآحاد، رغم أخذ الرسول ﷺ وصحابته به قولاً وعملاً، ويار الجمهور من بعدهم على مذهبهم إلى يومنا هذا.
ثم جاء صاحب المشروع التعسفي لهدم السنة النبوية ونهج على نهج المعتزلة والخوارج وبعض الأفراد.
والذي نريد أن نوضحه - للقارئ الكريم - هنا هو أخطاء صاحب المشروع وأوهامه في رفض الأدلة التي أستند إليها الجمهور في قبول خبر الواحد؛ ووجوب العمل به بالشروط التي يجب توافرها في سنده ومتنه. فصاحب المشروع مجادل بارع؛ ولكنه ليس لد دارية بفقه اللغة ومرامي الكلام، فأخذ بهرف بمالاً يعرف دون أن ينتبه إلى عور ما يقول. ونسق إلى القراء الكرام بعض سقطاته في فهم النصوص القرآنية وغير القرآنية.
استدل الجمهور على وجوب العمل بخبر الآحاد - بشروطه - بقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾ [الحجرارت: ٦] لأن الآية تفيد
стр. 82
وجوب التثبت من خبر الفاسق، وهذا يفهم منه قبول خبر غير الفاسق (العدل) ، وهذا يسمى بـ "دلالة المفهوم".
ولتوضيحه نقول: إن المعانى نوعان:
- معنى يفهم من اللفظ مباشرة - مثل أن تقول: - "إلزم مصاحبة الصالحين". فالأمر بمصاحبة الصالحين معنى مفهوم من اللفظ مباشرة، وهذا المعنى يفهم منه النهي عن مصاحبة غي الصالحين، فالمعنى الأول يسمى معنى منطوق اللفظ، والثاني معنى مفهوم من معنى اللفظ، أو هو معنى المعنى لا معنى اللفظ المباشر.
وهذا ما استدل به الجمهور أما صاحب المشروع فيشَّنُع على الجمهور لاستدلالهم بالمعنى المفهوم من المعنى قال:
"حيث زعموا أن الآية الكريمة دليل على قبول خبر الواحد متى كان عدلاً، نظراً لأن التبين المأمور به - هنا - إنما يتعلق بخبر الفاسق وحده، فصار عدم التثبيت ثابتاً في حق العدل من الناقلين" هذا قوله. ثم بنى عليه أن الاستدلال بالمعنى المفهوم باطل، وإنما يكون الاستدلال بالمعنى المنطوق، وراح يستدل على ذلك بذكر آيات ليعجز بها الجمهور منها:
﴿وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٨٤] ، ثم يقول: "الذي يكون من نتائج الأخذ بمفهوم المخالفة أن الصيام شر للصائمين إن كانوا لا يعلمون".
стр. 83
هذا ما فهمه صاحب المشروع التعسفي من الآية، وهو فهم مريض يدل على الجهل بمعاني الأساليب؛ لأن قوله تعالى: ﴿إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ ليس شرطاً في خيرية الصيام كما فهم صاحب المشروع؛ بل هو أسلوب يراد به الإلهاب والتهييج وتحريك المشاعر للإقبال على الصيام، وأمثال هذا الموضع لا تكاد تحصى في القرآن الكريم.
وقد أراد صاحب المشروع من قوله هذا أن يقول لعلماء الأمة: إن دلالة المفهوم باطلة؛ بدلالة ما فهمه هو وحده من أية الصيام هذه.
ومثال ثان: هو قوله تعالى: ﴿إِنِّي لَا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ﴾ [النمل: ١٠]
حيث زعم أن مفهوم المخالفة - هنا - يفيد أن غير المرسلين - وإن كانوا أتقياء - يخافون لدى الله. وفهمه هما كفهمه في آية الصيام. منشأ هذا الفهم الباطل أن صاحب المشروع لا يعرف مقاصد المتكلم من كلامه، والمقصود من الآية - هنا - نفي خوف المرسلين لدى الله دون التعرض لخوف غيرهم أو أمنهم.
ومثال ثالث: قوله تعالى: ﴿ومَا كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُدًا﴾ [الكهف: ٥١]
فهم صاحب المشروع أن مفهوم المخالفة هنا هو أن الله يتخذ غير المضالين أعواناً ومساعدين، وهذا فهم سخيف؛ لأن الله ليس في حاجة إلى أعوان لا من الهادين ولا من المضلين، وإنما خص المضلون هنا بالحديث
стр. 84
لمناسبه المقام، فإن ما قبل هذه الآية وما بعدها حديث عن أولياء الشيطان والمشركين. (راجع سورة الكهف: ٥٠: ٥٣)
قبول الظن ورفضه:
ويتمسك صاحب المشروع في رفض خبر الآحاد بأن علماء الحديث قالوا: إنه يفيد الظن وسرعان ما يذكر قول الله تعالى: ﴿إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا (٢٨) فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنَا وَلَمْ يُرِدْ إِلَّا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾ [النجم: ٢٨ - ٢٩]
هنا اعتمد صاحب المشروع التعسفي الظن لقتل حديث الآحاد.
والظن ورد مرات أخرى في القرآن في مقام المدح والثناء، مثل ما حكى الله عمن يؤتي كتابه بيمينه: ﴿إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيَهْ﴾ [الحاقة: ٢٠] ، ومثل: ﴿الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ [البقرة: ٤٦] ، وعلى طريقته في اتباع هواه يفرق بين الظن الممدوح في القرآن وبين الظن الذي يفيده خبر الواحد، فالأول يقين، والثاني وهم، هذا هو المنهج العلمي الصحيح عند صاحب المشروع. الكيل بمعيارين. وهذا دأبة في مشروعه، وهو يعلم أن الظن الذي يفيده خبر الآحاد هو ما لا يمكن دفع الدلالة على الحق معه وليس الوهم.
* * *
стр. 85
(١٦) حديث ضمة القبر
في المقالات السابقة كانت موادهتنا للمنهج النظري الذي بنى عليه صاحب المشروع أخطاءه وأوهامه وعلى طول ما كتبنا لم نبلغ عشر معشار ما في هذا المشروع من أخطاء وأوهام، وحسبنا ما قلناه عن منهجه النظري المعوج كل الاعوجاج ونريد أن نعرض نماذج سريعة من أخطائه وأوهامه في تطبيقه منهجه المعوج على بعض الأحاديث. وبالطبع فإن كل تطبيقاته أصابها الاعوجاج الناشئ عن المنهج الذي جرى عليه التطبيق والأمر كما قال الشاعر
* وهل يستقيم الظل والعود أعوج *
وقبل التعرض لأخطائه وأوهامه في التطبيق نضع أمام القراء حقيقة لابد منها:
تلك الحقيقة أن أكثر النماذج التي أخضعها صاحب المشروع للتطبيق، هي نماذج معلولة كان لعلماء الحديث فضل السبق في دراستها وتمحيصها، وتأويل ما احتاج إلى تأويل ميها. ولكن صاحب المشروع يريد أن يظهر لقراء مشروعه، أو ضحاياه أنه البطل الهمام الذي اهتدى إلى ما لم يهتد إليه الأقدمون. متمثلاً بلسان حاله أو مقاله قول الشاعر المزهو بنفسه:
إني وإن كنت الأخير زمانه
لآت بما بم تستطعه الأوائل
стр. 86
ورحم الله امرأ عرف قدر نفسه، كما ورد في الحديث الشريف.
ومن الأحاديث الصحيحة التي قضى الشروع بتزويره على النبي، حديث رواه الترمذي عن أبي هريرة ﵁ قال فيه: "قال رسول الله ﷺ : إذا قبر الميت أتاه ملكان أسودان....، ثم جاء في الحديث: فيقال للأرض التئمي عليه، فتلتئم عليه فتختلف أضلاعه فلا يزال معذباً حتى يبعثه الله" ثم ذكر حديثاً أخر عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : "إن للقبر ضغطه" صاحب المشروع له كتاب خاص - غير هذا، ينفي فيه عذاب القبر أساساً، وليس ضمة القبر وحدها، ثم تراه بعد ذلك يسخر من هذا الحديث، ومن المؤمنين به، ويزعم أن هذه الضمة عند المؤمنين بها تكون للكافر عقاباً على كفره، وللمؤمن عقاباً على معاصيه؟!
ثم يستخدم منهج بحثه العلمي الصحيح - كما يدعى - في تكذيب هذا الحديث فيقول: إن هذا الحديث مكذوب لإنه يخالف الحس والواقع، فما أكثر القبور التي تفتح بعد دفن الموتى فيها - سواء في ذلك قبور المؤمنين والكافرين - فلم يشاهد فاتحوها جدرران القبر قد التصقت ببعضها، ولا أضلاع الموتى قد تداخلت ولا أجسادهم قد تهتكت؟!
هذا هو المنهج العلمي الصحيح في البحث والاستدلال. والقارئ يعلم أن صاحب المشروع لا يؤمن بحديث رسول الله ﷺ ، وإنما يؤمن بالقرآن وحده، فلنترك مواجهته بالحديث النبوي إلى مواجهته بالقرآن فنقول له:
إن منهجك في تكذيب كل خبر أو قصة لا تقع تحت واحدة من الحواس الخمس منهج مطرد عندك بالطبع وعليك أن تلتزم به. وهذا أمر مفروغ منه يا
стр. 87
صاحب المشروع. فما رأيك إذا عرضنا عليك أخباراً وردت في القرآن الأمين مثل هذا الحديث الذي قضت ببطلانه جهلاً:
وفي سورة [الأنفال: ٥٠ - ٥١] جاء في قوله تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ (٥٠) ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾
ما رأيك في هذا الخبر يا صاحب المشروع؟ هل هو مزور على الله؟ ومن وضع التابعين أو تابعيهم؟ أم هو قرآن نزل به الروح الأمين، لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه. تنزيل من حكيم حميد.
ليست هذه مشكلتك. وإنما مشكلتك أن هاتين الآيتين تثبتان أن الملائكة تضرب أهل الكفر عند الموت على وجوههم وعلى أدبارهم، وتقول لهم ذلك بما قدمت أيديكم وأن الله ليس بظلام للعبيد.
والموتى يموتون وأهلهم جلوس حولهم، وأحياناً غير أهلهم مع أهلهم، فهل سمعت أن أهل كافر سمعوا أصوات ضرب على الوجوه والأدبار، لو كان هذا يحدث لما بقى على وجه الأرض كافر، ولأمن من في الأرض كلهم جميعاً إذا عرضنا عليك هذا الخبر القرآني هل تصدقه مع أنه لم يقع تحت حس، أو على حسب تعبيرك أنت مخالف للحس، هل تصدقه لإنك - كما تقول - تؤمن بالقرآن وحده هادياً ومشرعاً؟ أم تكذبه وتطبق عليه بدعة مخالفة الحس التي طبقتها على الحديث وجزمت بتكذيبه.
إنك من سوء حظك محكوم عليك لا محكوم لك في الإجابتين.
стр. 88
إذا قلت اصدقه لإني أوم بالقرآن قلنا لك يلزمك أن تؤمن بالحدث الذي حكمت عليه بالتزوير، لأنك أمنت بنظيره في القرآن، وكلاهما لم يقع تحت حسى.
وإذا قلت لا أومن بالخبر القرآني ما دام لم يقع تحت حسى، قلنا لك.
هذا فراق بيننا وبينك، والسلام على من أتبع الهدى؟!
فها آن الآوان لتراجع نفسك؟ أم أنت مصر على ما تقول؟ إن الأفة القائلة، التي أصابتك - وأنت طبيب - أنك لم تفرق بين شئون الدنيا وشئون الآخرة، بل خلطت بينهما فاختلط عليك الأمر.
لأن شئون الدنيا - يا صاحب المشروع الهدام - شهادة تقع تحت الحس.
وشئون الآخرة غيب لا تقع تحت حس. ولو كنت اهتديت إلى هذا الفرق العظيم لما ورطت نفسك فيما لم يورط فيه نفسه أبو جهل وكم كان الشاعر حكيماً حين قال:
وما انتظار أخي الدنيا بنافعه
إذا استوت عنده الأنوار والظُلم
стр. 89
(١٧) حديث: إذا أنزل الله بقوم عذاباً
من الأحاديث التي قضى صاحب المشروع التعسفي لهدم السنة النبوية - بتكذيبه - جهلاً كذلك - هذا الحديث الذي جعلناه عنواناً لهذه المقالة.
وتمام الحديث كما جاء في صحيح البخاري رضى الله تعالى عنه:
"إذا نزل الله بقوم عذاباً أصاب العذاب من كان فيهم، ثم بعثوا على أعمالهم رواه ابن عمر، وصاحب المشروع حرف لفظا لم يرد في روايات الحديث كلها لا عند البخاري ولا عند مسلم الذي شارك البخاري في رواية هذا الحديث. تلك اللفظة هي "حسب أعمالهم" والوارد في جميع الروايات:
إما "على أعمالهم" وإما "على نياتهم" هذه لمحة عابرة لا نعَّول عليها في المواجهة.
أسباب التكذيب
وأسباب تكذيب هذا الحديث عن المؤلف أمران:
الأول: مخالفته للقرآن؟
الثاني: مخالفته للحس المشاهد والواقع. فقد زين الشيطان له سوء فهمه قرآم حسناً فقال: "فهذا الحديث أيضاً مما يكذبه الحس فضلاً عن تكذيب القرآن الكريم له"؟! ثم راح يسوق حشداً من الآيات بستشهد بها على أن القرآن يكذب هذا الحديث. الذي يقدح - كما يقول هو - في العدل الإلهي. ومن تلك الآيات التي أساء فهمها والاستشهاد بها على أوهامه ما يأتي:
стр. 90
﴿وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ﴾ - ﴿وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلَّا وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ﴾ - ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾ ثم ﴿لَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾
ذكر صاحب المشروع هذه الآيات - وغيرها - وتوهم - أن بينها وبين الحديث الذي جزم بتكذيبه حرباً ضروساً فلم يملك إلا التجرؤ الشنيع على تكذيب الحديث. ولو كان صاحب المشروع ذا صلاحية علمية لما تصدى له من دراسة الحديث - تطاولاً - لما غلبه الشيطان على أمره وأكفر لسانه وقلمه.
فالعدل الإلهي حقيقة لا يرتاب فيها مؤمن، وصَدِْقُ صاحب الرسالة فينا صحت روايته عنه حقيقة لا يرتاب فيها مؤمن، وإجتماع هاتين الحقيقتين معاً في الاعتقاد الجازم هو الإيمان المنجي، والإيمان بأحداهما دون الأخرى إيمان مردود على صاحبه ولا وزن له عند الله.
وبعض هذه الآيات التي استشهد بها خاص بعذاب الاستئصال كما حدث لأهل سبأ، وقد أشار القرآن وهو ينذر مشركي العرب فقال: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا فَتِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ إِلَّا قَلِيلًا وَكُنَّا نَحْنُ الْوَارِثِينَ﴾ ثم قال: ﴿وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلَّا وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ﴾ ولهذه الآية نظائر في القرآن الكريم وبعضها خاص بالجزاء في الآخرة، ومنها قوله تعالى: ﴿لَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ ومن أصول الإيمان أن الله لا يظلم أحداً لا في الدنيا ولا في الآخرة" وهذا ما أريد من تلك الآيات.
ولم يخرج الحديث الذي قضي صاحب المشروع بتكذيبه عما دلت عليه الآيات. وإنما أبصر المؤلف جزءاً من الحديث وعمى عليه الجزء الآخر.
الجزء الذي أبصره هو: "إذا أنزل الله بقوم عذاباً أصاب العذاب من كان فيهم".
стр. 91
والجزء الذي عمى عليه "ثم بعثوا على أعمالهم"
فالحديث يقرر عدالة الله كما تقررها الآيات سواء بسواء.
فإذا غضب الله على قوم وسلط عليهم عذاباً عاماً أو خاصاً فهلكوا أو ماتوا، وفيهم طائفة من الصالحين، فإنهم يستوون في المصير الدنيوي، ثم يفترقون في الدار الآخرة فريق في الجنة، وفريق في السعير بل إن السنة النبوية الشريفة ترفع هؤلاء الصالحين الذين يموتون في الكوارث إلى درجات الشهداء فأين الظلم الإلهي يا صاحب المشروع في هذا الحديث وأمثاله؟!
هذه واحدة. أما الثانية فنقول لك فيها بصوت عال يسمع من في القبور: إن هذا الحديث الذي قضيت بتكذيبع متفق ١٠٠% مع القرآن، ولا يوجد بينهما مثقال ذرة من خلاف, وفي هذا الموضوع الذي تجادل أمت فيه ولم تملك من أدوات الجدال إلا الوهم.
أفتح المصحف يا صاحب المشروع، وقف عند سورة الأنفال، ثم اتل أياتها، فإذا وصلت إلى الآية رقم (٢٥) فستجدها تقول بصوت يجوب ما بين السماء والأرض.
﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ وأسأل نفسك وأنصفها في الحواب: ما الفرق بين هذه الآية الحكيمة الني لا سبيل لتكذيبها وبين الحديث الذي تجرأت على تكذيبه.
ونزيدك وضوحاً: أرجع إلى كتب اللغة وابحث عن معنى الفتنة وستجد الإجابة أن الفتنة مشتقة من "الفتن" وهو وضع الذهب على النار ليظهر جيده
стр. 92
من رديئه، أو أصيله من مغشوشه. . . فإذا خطوت خطوة أخرى نحو علم البيان ستجده يقول لك: استعيرت الفتنة - بمعنى الفتن - من صَلْىِ الذهب بالنار للشدائد والمحن التي يبتلي الله بها عباده للتمييز بين الصادق والكاذب والصابر والجزع.
ثم اقرأ سورة العنكبوت ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ (٢) وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾ واضمم إلى هذا كله [الأنبياء: ٣٥] :
﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ﴾
مخالفته للحس:
مما تقدم ظهر بكل قوة وجلاء أن الحديث لا يخالف القرآن، بل هما في غاية الوفاق، وهو الأمر الذي جهله صاحب المشروع المشئوم.
وبقى علينا أن نبطل شبهة صاحب المشروع الثانية التي زعم فيها أن هذا الحديث يخالف الحس والواقع المشاهد، وفيها يزعم أن الله إذا سلط كارثة، على قوم عزل الصالحين منهم وأهلك الظالمين. ولن نطيل معه هنا؛ لإن شبهته أو هي من بيت العنكبوت ويكفي أن نسوق هذه الأمثلة، من واقع حياتنا المعاصرة - نحن المصريين - فنقول:
* حادث طائرة المصرية القادمة من ليبيا التي حطمتها إسرائيل في السبعينات على أرض سيناء، وفيها أكثر نت ثلاثمائة مدني: رجال - نساء - أطفال أليست هذه كارثة وقعت، ويعلم الله. فهل كان ركابها جميعاً هم
стр. 93
الظالمين في العالم كله؟ وهل الأطفال الأبرياء الذين لقوا مصرعهم كانوا مجرمين؟. وبقية المصريين ملائكة؟ أننهم شهداء بررة مظلومون لا ظالمون - أعني - ركاب الطائرة، أذن الله لإسرائيل أن ترتكب تلك الجريمة النكراء ليزيدهم الله طغياناً وطفرا، ونسأل المؤلف: لماذا لم يعزل الله الأطفال الذين قتلوا. . . .؟ هل تتهم الله بالظلم بناء على فهمك العاجز عن ادراك حقائق الإيمان؟ أم نقول إن هذه الكارثة لم تقع.
- ومثال ثان: الزلزال الذي وقع بمصر عام ١٩٩٢م هل الذين أضيروا فيه بالموت أو التشريد هم الظالمون الوحيدون في مصر، وأن جميع الذين نجوا ملائكة بررة؟ وما أكثر الأطفال الذين ماتوا في تلك الكوارث فلماذا لم يعزلهم الله، ثم يهلك من هلك من الكبار الظالمين، أتتهم الله بالظلم أو تقول لم يقع زلزال ولم يمت أطفال؟
ومثال أخير: حادث عمارة "مركز أشعة مصر" الذي وقع في الشتاء الماضي ومات فيه نساء ورجال وشباب وأطفال هل أولئك كانوا هم أظلم الظالمين في مصر، لذلك جمعهم الله في ذلك المكان ثم سَّوى طوابق العمارة عليهم, لا نزاع أن في كل كارثة يكون بين الضحايا أبرياء صالحون. ومع ذلك يصيبهم ما يصيب غيرهم. والإبتلاء هو سنة لله غي عباده. فدع الملك للمالك، واعتصم بكتاب الله وينة رسوله لتنجو من هذا الزلل، وناجه بما ناجاه به الشاعر الحكيم.
يا حاكمى وحكيمى أفعالك الكل حكمة.
هذا ما أردنا به كشف ما في كتاب "تبصير الأمة بحقيقة السنة" من
стр. 94
أخطاء وأوهام متعمدة، لئلا ينخدع أحد بما في هذا الكتاب "العميل" من اعتداءات على سنة إمام المرسلين ﴿وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ﴾ .
* والحمد لله رب العالمين *
المؤلف
عفا الله عنه