← Общие книги

Общие книги · id 1409

الشبهات الثلاثون المثارة لإنكار السنة النبوية عرض وتفنيد ونقض

عبد العظيم المطعني

Полный текст (188 стр.). Показаны 176–188 · переход к 181.

стр. 176

متواتر" وهذان اصطلاحان فنيان لعلماء الحديث، أرادوا بهما ضبط بعض المسائل المتعلقة بشأن الحديث النبوي، وهما مصطلحان طرآ بعد عصر صدر الإسلام، ما في ذلك من ريب على أن هؤلاء العلماء حين قسموا الحديث هذا التقسيم الثنائي لم يحددوا بالضبط نهاية العدد الذي يعتبر به الحديث آحادياً، ولا بداية العدد الذي يعتبر به الحديث متواتراً. فبقى قدر مشترك بعد الحديثين الآحادي والمتواتر. وقد فهمت من كلام بعض ممنكري الحديث النبوي المعاصرين أنهم يفهمون أن حديث الآحاد هو ما رواه واحد عن واحد من بداية السند إلى نهايته، وهذا غير صحيح فقد يُروى حديث الآحاد عن عشرة في سلسلة السند ومع ذلك يظل حديث آحاد، ما داموا لم يحددوا بداية العدد الذي يكون به الحديث متواتراً. وقد تقدم أن حديث "من بدَّل دينه فاقتلوه" له ثلاث طرق سمعته من رسو الله ﷺ : طريق عن عائشة ﵂، وطريق عن ابن عباس ﵁، وطريق عن معاوية بن حيدة ﵁. وهذا جهل فاضح، إن لم يكن تجاهلاً قادحاً في سلامة النية، ونبل القصد. أقول: إن تقسيم الحديث النبوي إلى آحاد ومتواتر اصطلاح حادث بعد عصر صدر الإسلام، أما في صدر الإسلام الأول فإن الخلفاء الراشدين الأربعة كانوا يعملون بالحديث النبوي الصحيح، دون التفرقة بين ما كثر سامعوه عن رسول الله ﷺ ، وما قل سامعوه. إن الشرط الوحيد في قبول الحديث والعمل به هو "الصحة" وما كانوا ﵃ يطلبون امراً زائداً على الصحة ولا يقدح في ذلك أنهم كانوا - أحياناً - يطلبون مع راوي الحديث راوياً آخر قد سمعه من النبي ﷺ ، كما سمعه الراوي الأول.

стр. 177

أقول: ليس هذا قادحاً في قبول الصحابة الحديث مطلقاً دون النظر في كثرة الرواة وقتلهم، لأمرين: الأول: أن طلب الراوي الثاني لم يكن غالباً، بل ورد في بعض الحالات النادرة، ولم يحدث من أبي بكر إلا مرة واحدة ومن عمر ﵄ مرات قليلة. وكذلك عثمان وعلي ﵄. الثاني: أن طلب الخلفاء راوياً ثانياً يعاضد سماع الراوي الأول، لا يخرج الحديث من "الآحاد" إلى "التواتر" وهذا لا نزاع فيه. ويستنتج من هذا أن الخلفاء الراشدين، والصحابة، جيمعاً كانوا يعملون بالسنة الصحيحة، ولا يتجاوزون شرط الصحة من الحديث إلى أمر آخر زائد عن الصحة. فشرط العمل بالحديث هو رواية "الثقة" عن مثله. ومتى استوفى الحديث شرط الصحة وجب قبوله والعمل به، وعلى هذا جرى العمل عند رجال القرن الأول، وهو خير القرون مع تالييه الثاني والثالث. وقد يرد حديث الآحاد ولا يعمل به، لكن لا لأنه حديث آحاد. بل لأمر آخر يتعلق بسنده أو متنه مثل أن يكون له معارض أقوى منه. أو تكون في الحديث علة قادحة من علل المتن أو السند أو يكون مخالفاً لعمل أهل المدينة عند الإمام مالك ﵁. أو دل دليل على نسخه، أو تخصيصه بواقعة معينة. فإذا لم يكن في المسألة إلا حديث واحد مما أطلق عليه علماء الحديث أنه "حديث آحاد" وجب العمل به في المسألة المعروضة للفتوى أو الحكم، إذا كان راوية ثقة عن مثله، ولا يجوز رده. وهكذا كان يفعل الخلفاء الراشدون فإذا رددناه فلا يخلو الحال من أحد أمرين: الأول: أن نعمل بالرأي وهذا لا يجوز، لأن الرأي مقطوع بأنه ليس حكماً

стр. 178

لله ولا لرسوله، وحديث الآحاد الذي يرويه الثقة فهو فتوى أو حكم منسوب إلى النبي ﷺ ، سواء في ذلك أن يكون مفيداً للعلم، أو الظن القوى. فيكون العدول إلى الرأي مع وجود النص الشرعي حكماً بغير ما أنزل الله على رسوله، وبغير ما قضى به رسوله. الثاني: ألا نقضي في المسألة المعروضة، للفتوى أو للحكم بشيء, وحينئذ يكون فيما انتهينا إليه تعطيل لشرع الله وتعريض مشاكل الناس للاستفحال. وبعض الفقهاء يقدمون الحديث الضعيف على العمل بارأي، وهذه حيطة محمودة، فما بالك بالحديث الصحيح، الذي رواه العدل الضابط عن مثله؟! إن أكثر الأحكام الفقهية قائمة على الظن القوي وما في ذلك من حرج. وحديث الأحاد الذي رواه الثقة يفيد الظن القوي إن لم يفد العلم، فيجب العمل به. هذا، وقد حكى الإمام الرازي إجماع أصحاب رسول الله ﷺ على العمل بحديث رسول الله آحاد أو غير آحاد ولأهل العلم المحققين أدلة من عمل الرسول نفسه تؤكد وجوب العمل بأحاديث الآحاد. * منها: رسله وكتبه التي كان يبعث بها إلى رؤساء الشعوب والعشائر يدعوهم فيها إلى الإسلام، كالفرس والروم وأهل مصر وعشائر شبة الجزيرة العربية، مع جلال المهمة التي كانوا يضطلعون بها وهي أصل الدعوة إلى الإسلام. * ومنها كتبه وعماله إلى البلاد التي دخل أهلها الإسلام ولم يكونوا آلات صماء كما يقول بعض الناس، بل كانوا ينوبون عن رسول الله ﷺ في الفتوى والقضاء والفصل في الخصومات. وعلى نهجه سار الخلفاء الراشدون من بعده. * ومنها الأذان للصلوات الخمس، إن الذي كان يقوم به بلال ﵁ -

стр. 179

فيصحو من كان نائماً، ويتنبه من كان غافلاً، ويتذكر من كان ناسياً، ثم يهرع الجميع إلى المسجد، ومن كان ذا عذر صلى في بيته، بمقتضى الأذان الذي سمعه، وهو خبر آحاد ما في ذلك نزاع. وبعض الخلفاء كان يهم ليحكم في المسألة تعرض عليه برأية، ثم يتوقف ويسأل اصحاب رسول الله إن كان عندهم علم عن رسول الله في المسألة، فإذا وجد قضاء لرسول الله ﷺ قضى به وقال: لولا هذا لقضينا برأينا، حتى كان الذي أخبره بقضاء رسول الله رجلاً واحداً، وهذه أولى درجات حديث الأحاد، أعني رواية الواحد الفذ، فهل بعد هذا يسوغ أن يقال: أن أحاديث الآحاد لا تقبل ولا يعمل بها؟!. ثم ما أكثر الوقائع التي قضى فيها الخلفاء الراشدون بحديث الآحاد سواء كان الراوي أكثر من واحد أو واحداً فقط. فقد قضى به أبو بكر ﵁ في توريث الجدة من الأم السدس لما ذكر له الغيرة بن شعية، ومحمد بن مسلمة أن النبي ﷺ أعطاها السدس. وقضة به عمر بن الخطاب في دية "الجنين" إذا سقط بفعل فاعل، لما أخبره جمل بن مالك بأن رسول الله ﷺ قضى فيه بغرة (أمه - أو عبد) . وقضى به عمر بن الخطاب في أخذ الجزية من المجوس لما أخبره عبد الرحمن بن عوف بأن رسول الله ﷺ قال: "سُنوا فيهم سنة أهل الكتاب". وقضى به عثمان ﵁ في اعتداد المرأة المتوفى عنها زوجها في بيت الزوجية حتى تنقضي عدتها، لما أخبرته الفريعة بنت مالك أن الرسول ﷺ أمرها أن تعتد في بيت زوجها عقب مقتله وقال: "امكثي في بيتك حتى يبلغ الكتاب أجله" فقضى عثمان واقعة أخرى مماثلة لواقعة الفريعة عملاً بحديث الآحاد الذي أخبرته به الفريعة. وكذلك فعل علي بن أبي طالب ﵁، وقد روى عنه قوله: "كنت إذا سمعت من رسول الله ﷺ حديثاً نفعني الله به ما شاء أن

стр. 180

ينفعني، وإذا حدثني أحد من اصحاب رسول الله ﷺ استحلفته، فإذا حلف لي صدقته"؟! هذا هو موقف الأمة من صدر الإسلام إلى يوم الناس هذا، يعملون بالحديث النبوي (الصحيح) ولم يفرقوا بين حديث رواه واحد أو اثنان أو ثلاثة وحديث رواه أربعون، فما أبعد منكري السنة عن الحق في كل شبهاتهم التي يثيرونها لإبطال سنة نبي الرحمة ﷺ قاتلهم الله أنى يؤفكون. * * *

стр. 181

الشبهة الثالثة والثلاثون السنة ليست حُجَّة في الدين هذا هو المراد لمنكري السنة من كل محاولاتهم اليائسة وشبهاتهم الفارغة، التي أثارها ضد السنة المطهرة وكما يرى القارئ أن هذه الشبهة موضوعة لكي يتعاملوا بها مع السنة وهي حقيقة لم ينالوا منها، أعني أنها شبهة وضعت متضمنة الاعتراف منهم ببقائها رغم محاولات التشكيك والمحو الكلي للسنة، فقد قدروا في أنفسهم أنه من المستحيل أن يصيبوا السنة في مقتل، أو ينجحوا في عزلها عن الأمة، أو عزل الأمة عنها. وما دام الأمر كذلك فليحولوا كيدهم إياها وجهة أخرى، وليقولوا للمسلمين: إن هذه السنة التي تبتت لديكم ثبوت ضوء الشمس لقرص الشمس ليست مصدراً للتشريع مع القرآن، فالقرآن وحده يكفي، وضم السنة إليه بدعة وضلالة، هي التي كانت السبب في نكبة المسلمين، من عهد الشافعي إلى هذا اليوم؟! وإنكار حجية السنة أمر بدأه الزنادقة قديماً في حياة الإملم الشافعي، وقد رد عليهم هذا الإمام الجليل في المناظرة القيمة، التي جرت بينه وبين أحد الزنادقة. وسجلها الإمام ﵁ في كتابه "جماع العلم" فليرجع إليه من شاء فإنه - والحمد لله - مطبوع ومتداول بين أهل العلم كما أنه مطبوع ضمن كتاب "الأم" الجزء السابع. وممن أنكر حجية السنة قديماً الغلاة من الروافض وغيرهم وليس لهم سند واحد مقبول، سوى المغالطات والأوهام. أما حديثاً فقد استندوا في إنكارهم لحجية السنة بشبهات أوهى من بيت العنكبوت.

стр. 182

منها استدلالهم بقوله تعالى: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٣٨] فقد جزموا أن المراد من الكتاب في الآية الكريمة هو القرآن، ومعنى هذا عندهم أن القرآن مشتمل على جميع الأحكام المتعلقة بأعمال المكلفين ولو كان عند هؤلاء ذرة من عقل لبان لهم خطأ قولهم، إذ لا دليل على أن الكتاب في الآية هو "القرآن" فقج ذهب كثير من أهل العلم إلى أن المراد به اللوح المحفوظ، الذي حوى ما كان وما هو كائن وما سيكون حتى يرث الله الأرض ومن وما عليها. وهذا التفسير لا يترتب عليهى أي حرج عند من يقول به. أما من قال إنه القرآن فإنه يضع نفسه في مأزق خانق للأنفاس. فماذا يقولون لمن يسألهم عن أعداد الركعات في كل فريضة من الصلوات الخمس. وماذا يقولن لمن يسألهم أين نجد في القرآن أنواع الأموال التي تجب فيها الزكاة؟ وماذا يقولون لمن يسألهم أين نجد في القرآن الأموال الربوية وغير الربوية؟ وماذا يقولون لمن يسألهم أين نجد في القرآن صيغة الأذان الذي يردد خمس مرات كل يوم وليلة؟! إن هذه الأسئلة لا نهاية لها ولن يجدوا لها جواباً في القرآن الكرم مهما تكلفوا أو تماحكوا. وحتى من قال من غير منكري مصدرية السنة في التشريع إن المراد من الآية يحتمل أن يكون القرآن قالوا: إن القرآن احتوى على كليات التشريع لا تفصيلاته وإنما تركت التفصيلات للسنة فوفت بها حق الوفاء وكانت السنة - بهذا الاعتبار - مصدراً للتشريع عند هؤلاء المعتدلين المؤمنين بالله ورسوله، أما منكرو مصدرية السنة في التشريع فقد قضوا على أنفسهم بالجهل والسفه، أو بالجهالة والعناد.

стр. 183

كما استدلوا بقوله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩] ووجه الاستدلال بهذه الآية عندهم: أن الله تعهد بحفظ الذكر، وهو القرآن، ولم يتعهد بحفظ السنة فلو كانت السنة مصدراً تشريعياً مع القرآم لتعهد الله بحفطها كما تعهد بحفظ القرآن؟! وهذا القول ينم عن جهل فاضح لا محالة، لأن السنة النبوية بيان أو تبيين للذكر، وفي ذلك يقول الحق : ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [النحل: ٤٤] * اشتملت الآية على ثلاثة أعمال، هي: * إنزال الذكر على محمد ﷺ ، وهذا العمل هو عمل الله . * تبيين الذكر للناس، وهو عمل النبي ﷺ . * العمل الثالث هو التفكير، وهو عمل الناس المنزل إليهم الكتاب، والصلة بين هذه الأعمال محكمة فالتنزيل ينشأ عن التبيين، والتبيين ينشأ عنه التفكير وإقامة الحجة لله على الناس. فدور الرسول - هنا - تبيين ما في التنزيل، وتبيين الرسول هو سنته القولية والعملية، ولولا هذه السنة ما عرف الناس للتفكر طريقاً. ويترتب على هذا أن التبيين له عند الله ما للمبيَّن، وهو الذكر، أو أن النبيين هو الذكر الثاني بعد القرآن، وحفظ هذا الذكر ضرورة من ضرورات الرسالة والتبليغ لذلك هيأ الله لسنة رسوله رجالاً أفذاذاً جمعوها ودونوها ونقوها من الدخيل والعليل، والمكذوب الموضوع. ولولا عناية الله وحفظه لسنة رسوله، لأنها تبيين لكتابه العزيز، لضاعت في ركام التاريخ. ومن هذا يتضح أم الآية الحكيمة: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ

стр. 184

لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩] لا دليل فيها لمنكري حجية السنة مهما احتالوا. فالخيبة ملازمة لهم ملازمة ظلالهم لأجسادهم. اما استدلالهم بأن السنة ظنية لا قطعية، فمردود عليهم هذه "الظنية" كما توصف بها السنة يوصف بها كثير من أدلة الأحكام في القرآن: لأن القرآن وإن كان قطعى الثبوت فدلالاته الاحتمالية أو الظنية لا تكاد تحصى. ولم يجرؤ أحد أبداً على القول بأن القرآن ليس مصدراً للتشريع فيما كانت دلالته احتماليه ظنية وهؤلاء يلزمهم أن يسووا بين ظنيات السنة، وظنيات القرآن، فإما أن يقروا بهما معاً فيهتدوا وإما أن ينكروهما معاً فيضلوا. وإذا قالوا إن بين ظنيات القرآن وظنيات السنة فرقا هو: أن ظنيات السنة تكوزن في أصل الدليل، وهو الحديث، ثابت أم غير ثابت. وظنيات القرآن لا تكون في أصل الدليل، وإنما في فهم معنى الدليل. إذا قالوا هذا، قلنا لهم: إن المعتبر في القرآن والسنة معاً هو النظر في الدلالة لا في أصل الدليل وحده، لأن ظنية الدليل يترتب عليها ظنية الدلالة. فالمعول عليه في القرآن والسنة هو الدلالة المستفادة من الدليل (الآية - الحديث) فالأمر يؤول في النهاية إلى الدلالة. وظنية الدلالة كما توجد في السنة توجد في القرآن. فماذا تفرقون بين المتساويين أيها المرجفون.؟ إن الإصرار على الباطل، مع جلائل الحق، أمر يدعو إلى الإتهام يسوء النية والقصد، لا بالخطأ في الاستدلال. وهذا ديدن منكري السنة، منذ أول شبهة تصدينا لها من شبهاتهم إلى هذه الشبهة التي هي آخر مسمار في نعوشهم. ولكنه مسمار غليظ وستكوى به وجوههم وجنوبهم وظهورهم في نار جهنم. حجية السنة: لم تطاوعنا النفس أن نكتب "أدلة حجية السنة" لأن السنة ليست في

стр. 185

حاجة - ورب السموات والأرض - إلى سوق أدلة على أنها حجة في الدين، لذلك اكتفينا بعبارة "حجية السنة" بدلاً من ذكر كلمة "أدلة" قبلها، لما عرفت من أن السنة ليست في حاجة إلى أدلة على إثبات حجيتها في الدين، بل في كل صغيرة وكبيرة في حياة المسلمين: أفراداً وجماعات، وشعوباً، وأمة. ولكننا - من باب إلزام الخصم الجاهل العنيد - نذكر شيئاً من الحقائق الدامغة، التي تبين أن السنة أصل عظيم من أصول الدين، بل هي شطر الإيمان، ولا إيمان لمن يجحد سنة خاتم النبيين. وهذه الحقائق إما من القرآن نفسه، الذي يدعى هؤلاء الزنادقة أنهم يؤمنون به - وحده - وإما من غير القرآن أما التي من القرآن فهي الحقائق الآتية: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ [النساء: ٥٩] أثبتت هذه الآية طاعة خاصة للرسول بعداعة الله وأوجبت عند النزاع في شيء الرد إلى الرسزل بعد الرد إلى الله وقد أجمع علماء الأمة أن الرد إلى الله هو الاحتكام إلى كتابه العزيز وأن الرد إلى الرسول هو الاحتكام إلى سنته القولية والعملية ولو يم يكن في القرآن عن السنة إلا هذه الآية لما طلبنا مزيداً يثبت لنا حجية السنة. ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [النساء: ٦٤] وهذه الآية نص قطعي الثبوت والدلالة على وجوب طاعة الرسل جميعاً، سواء في ذلك طاعتهم فيما أنزل إليهم، وما قالوه هم، لأنهم معصومون من الخطأ في التبليغ، وإن كره الكافرون. ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: ٦٥]

стр. 186

وهذه الآية نص قطعي الثبوت والدلالة على وجوب طاعة رسولنا الكريم محمد ﷺ ، وأن الإيمان لا يتحقق قط إلا بالإيمان به بعد الإيمان بالله، وتحكيم الرسول ﷺ هو تحكيمه شخصياً في حياته، والاحتكام إلى سنته بعد وفاته حتى تقوم الساعة. ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا﴾ [الأحزاب: ٣٦] وهذه الآية نص قطعي الثبوت والدلالة على وجوب طاعة الرسول مثل وجوب طاعة الله . وطاعة الرسول الخاصة تكون باتباع سنته، ومن يحد عنها ضل ضلالاً ظاهراً. ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧] وهذه الآية نص إلهي محكم قطعي الثبوت والدلالة، يأمر الله فيها الأمة بطاعة رسوله ﷺ في ما أمر به وفيما نهى عنه. أي الإيمان بسنته القولية والعملية، والاحتكام إليها إذا لم نجد الحكم في كتاب الله. ولكن هؤلاء المرجفين، او منكري السنة قد يملى عليهم الشيطان ليقولوا: إن المراد هو القرآن يبلغه النبي، وليس المراد سنة النبي؟ إذا قالوا هذا كان الرد المفحم عندنا جاهزاً، وهو قوله تعالى في شأن خصوم الدعوة: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا﴾ [النساء: ٦١] فقد أفرد الله رسوله بالمجئ إليه وإلى سنته، بعد أن أفرد المجئ إلى ما أنزله عليه وهو القرآن. فهل بعد هذا يطلب مؤمن عنده ذرة من عقل دليلاً على حجية السنة من القرآن؟

стр. 187

الحقائق من غير القرآن: ونعني - هنا - بغير القرآن أمرين: الأول: موقف أهل الذكر من علماء الأمة. الثاني: واقع الأمة في حياتها. أما ألول فقد أجمع علماء الأمة على أن أدلة الأحكام المتفق عليها بينهم أربعة، هي: الكتاب - السنة - الإجماع - القياس. فجعلوا السنة كما عملوا من كتاب ربهم، هي مصدر التشريع الثاني بعد القرآن ولم يشذ منهم واحد عن هذا الإجماع، وهو المشار إليه في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء: ١١٥] ثم أجمعوا - مرة أخرى - على علاقة السنة بالقرآن فحصروها في ثلاث: * سنة مؤكدة لما في القرآن كتحريم الزنى، والربا. * سنة شارحة، بإذن الله، كتحريم الجمع بين البنت وعمتها أو خالتها في عصمة رجل واحد في وقت واحد، والشارع الحق هو الله. أما السنة فهي أمارة ذلك الشرع عن الله. رغم أنوف آباء ذر؟! هذه هو إجماع الأمة، ولا يشذ عنه إلا هاك له سوء المصير. وأما الأمر الثاني، وهو واقع حياة الأمة، فإن كل طاعة تقع منها لله فيها توجيه من كتابه وتوجيه من سنة رسوله الكريم، بل إن التوجيهات النبوية في أمور التكليف أكثر من التوجيهات القرآنية، ولولا السنة ما اهتدت الأمة إلى كيفى تُصلي، وكيف تصوم، وكيف تزكي، وكيف تحج، وكيف تبيع وكيف تشتري، إن السنة هي روح الكتاب، والإسلام هو القرآن والسنة، ليس القرآن

стр. 188

فحسب، وليس السنة فحسب ولن يُقبل الله إيمان من آمن بالقرآن وحجد السنة، ولا إيمان من آمن بالسنة وجحد القرآن. ولا عداء ولا منافرة بين كتاب الله وسنة رسوله. هذا، وقد بدأنا هذه المواجهة مع منكري السنة وكان رصيدهم ثلاثاً وثلاثين شبهة أوحاها إليهم الشيطان وها نحن قد فرغنا من هذه المواجهة، ورصيدهم ثلاثة وثلاثون صفراً من الأوهام، لم ينالوا من سنة خاتم النبيين شيئاً. وسيظل الحق هو الحق، والباطل هو الباطل والحمد لله رب العالمين. وصلى الله وسلم على من أرسله الله رحمة للعالمين. ورضى الله عن أصحابه وتابعيه إلى يوم الدين ﴿وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا﴾ [الإسراء: ٨١] . المؤلف: عفا الله عنه القاهرة عصر الأحد ١٩/٤/١٤٢٠ هـ الموافق ١/٨/١٩٩٩م