← Общие книги

Общие книги · id 1409

الشبهات الثلاثون المثارة لإنكار السنة النبوية عرض وتفنيد ونقض

عبد العظيم المطعني

Полный текст (188 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

الشبهة السابعة والعشرون دعوى مخالفة السنة للعقل ومما يروجه منكرو السنة ادعاؤهم أن السنة ورد فيها أحاديث كثيرة تخالف العقل، وهدفهم إحداث ثلمة في صرح السنة، تضاف إللاى ما قدموه من شبهات، معتقدين أن هذه الشبهات يقوى بعضها بعضاً، وأنها لابد من إحداث الهدف المقصود في النهاية إذا أمكن لهذه الشبهات أن تترسب في أذهان الناس، أو فإنها ستحدث إرباكاً عندهم يزعزع إيمان العامة في السنة، ويزيل عنها ثواب القداسة الذي ألبسها إياه القائمون على شئون التقديس كما يحلو لبعضهم أن يقول. تفنيد هذه الشبهة ونقضها: نريد أولاً أن نلفت نظر القراء إلى أن المقصود بهذه الشبهة فوق المقصود "الأم" لهم من هذه الشبهات جميعاً، وهو إنكار السنة النبوية الظاهرة. المقصود الخاص بهذه الشبهة هو تكذيب المعجزات المادية، التي أجراها الله على يد رسوله الكريم بالإضافة إلى المعجزة المعنوية الخالدة، وهي القرآن الكريم. وهي معجزات كثيرة أوصلها الإمام البيهقي في كتابه العظيم المسمى دلائل النبوة إلى ما يقارب الألف معجزة. كما أحصى كثيراً منه الإمام ابن كثير في كتابه المسمى "شمائل الرسول" وتحدث عنها الإمام ابن تيمية في كتابه المسمى "الجواب الصحيح لمن بدَّل دين المسيح" وقد بيَّن أن الله تعالى أيد محمداً ﷺ بمعجزات من جنس ما أيد به جميع رسله الكرام. وقد صرَّح بعضهم بإنكار بعض المعجزات مع ورود الإشارة إليها في القرآن الكريم:

стр. 142

مثل شق الصدر، والمعراج، والبراق، والصلاة في بيت المقدس بالأنبياء وانشقاق القمر. ومثل حنين الجزع إليه، وتكليم بعض الحيوانات العجماوات له ونبع الماء من بين اصابعه، وتكثير الطعام القليل حتى يشبع العدد الكثير. والعلم بالحديث النفسي لدى الآخرين. كل هذه عندهم أكاذيب؛ لأنها تخالف العقل، فيجب ردها وعدم الإيمان بها. كما يدرجون تحت هذه الشبهة كل ما تحدث به ﷺ من الغيبيات، وإن كانوا يدعون إلى تكذيب الغيبات بإعمال شبهة أخرى هي "مخالفة القرآن"، وقد تقدم لنا تفنيدها ونقضها". هل من الممكن مخالفة السنة للعقل؟ وللإجابة على هذا السؤال لابد من تمهيد، وخلاصته: أن الممنوع عقلاً نوعان: الأول: ماله سبب أو علة يتوقف عليها وجوده، فإن العقل يمتع وقوعه إذا لم يسبقه سببه أو علته، مثل الارتواء بدون شرب الماء، والشبع بدون تناول غذاء والصعود إلى الفضاء بدون حامل أو دافع، والإحراق بدون مماسة نار، والإنجاب بدون لقاء الزوجين أو ذكر وأنثى، والإسماع بدون صوت، وعبور البحر بدون وسيلة ناقلة أو سباحة، ومماسة جسم لآخر بدون اقتراب. والعلم بما يدور في النفس بدون إفصاح، والإبصار بالأشياء بدون إيقاع النظر عليها. هذه الصور كلها يمنع العقل وقوعها لعدم تقدم أسبابها أو عللها عليها. ومنع العقل لوقوع هذه الأشياء نسبي كما سيأتي. النوع الثاني: ما ليس له سبب أو علة بتوقف وجوده عليها وهذا يمنعه العقل منعاً مؤبداً، ولا يحدث في المنع خلل أبداً.

стр. 143

وهذا ما يسمى بالبدائة العقلية، أو الضرورات العقلية مثل ما تقدم الوالد على ابنه في الوجود الزمني، وكون الجزء أصغر من الكل، والواحد نصف الاثنين، واليوم واسطة بين أمس وغد، وامتناع اجتماع النقيضين وارتفاعهما من المحل كالموت والحياة، والوجود والعدم، فلا يكون إنسان ما، أو اي كائن مما تحله الحياة، لا يكون حياً ميتاً في آن واحد، ولا يكون لا حياً ولا ميتاً في آن واحد. ومثل اجتماع الضدين فلا يكون الشيء أبيض وأسود في آن واحد. ومقل أن الشيء غير نفسه، وأن يكون أمس هو اليوم أو غداً. هذه الصور كلها، وغيرها كثير، يمنع العقل حدوثها منعاً قاطعاً في جميع الأزمان والأكوان. وبناء على ما تقدم نقول بكل حزم وإصرار: أن الحديث النبوي لم يرد فيه مثال واحد يخالف حكم العقل في النوع الثاني، ومن يدعي هذا فعليه أن يأتينا بالدليل ونتحدى منكري السنة مجتمعين ومفترقين أن يجدوا في السنة ما يدل على هذه المخالفة لأنه مستحيل، والمستحيل لا تتعلق به إرادة ولا قدرة. فهو - كاسمه - مستحيل أبداً أما النوع الأول، وهو تخلف السبب أو لعلة مع وجود المسبب فإن السنة تتفوق فيه على العقل، ولا يكون إلا على سبيل المعجزة لنبي، أو الكرامة لولي، أو الاستدراج لشقي. وما جعل الله هذه المعجزات الخارقة لكل مألوف عقلي أو علمي، إلا ليقهر بها غرور العقل وغرور العلم. وإلا فماذا يملك العقل من نجاة إبراهيم ﵇ من النار التي أضرمها له أولياء الشيطان ثم ألقوه فيها فلم تمسه بسوء قط وماذا يملك العقل من شأن عصى موسى ﵇ في أوضاعها الثلاثة: مرة تنقلب ثعباناً يبطل السحر، ومرة ينفلق بها البحر اثنى عشر فلقاً كل فقل كالطود العظيم. ومرة يضرب بها الحجر فيتدفق منه الماء عيوناً اثنتى عشرة كالفلوق التي حدثت في الضربة الأولى.

стр. 144

إن ضربة من الضربتين هرب بها الماء، والأخرى حضر بها الماء فكم - يا ترى - يلزم الآن من التجهيزات التكنولوجية لفلق البحر اثنى عشر فلقاً؟! وكم يا ترى يلزم من الإجراءات التكنولوجية الحديثة لتدفق اثنتى عشرة عيناً من الصحراء. وهل تستطيع كل الوسائل الحديثة المتطورة أن تفجر الماء من حجر؟! وهل تستطسع الوسائل العلمية الحديثة، العالية الكفاءة أن تسخر الجن والطي وجميع القوى الطبيعية كالريح وإسالة الطاقة من الأرض كما حدث من قدرة الله لسليمان ﵇؟ وهل تستطيع جميع القوى البشرية ومخترعاتها المذهلة أن تعيد الروح بعد مفارقتها لجسد ميت، كما أجرى الله ذلك على يد عبده ورسوله عيسى ﵇، معجزة له على عناد بني إسرائيل وكفرهم. وهل تستطيع وسائل النقل المعاصرة أن تقتلع قصراً لرئيس أو ملك أو أمير في لحظة هي خارج نطاق الزمن عبر آلاف الكيلو مترات دون أن يصيبه أدنى خلل في نظامه وديكوراته كما صنع الله ذلك معجزة لرسوله ﵇؟! وهلا يستطيع جيش حديث مزود بكل أسلحة الدمار الشامل أن يقتلع قرية من أساسها ويعلو بها إلى طبقات الفضاء الأعلى ثم يلقيها على الأرض مرة أخرى سطحها أسفل، وقاعها أعلى كما صنعت القدرة الإلهية مع قوم لوط؟ أين العقل هنا؟ وماذا يملك إلا التسليم العاجز الخذول؟ ونسأل منكري السنة، أو منكري أحاديث المعجزات النبوية لرسول الإسلام نسألهم هذا السؤال وعليهم أن يجيبوا عليه لأنفسهم - بكل صراحة، لتعرفوا حجم باطلكم. هذه الوقائع المذهلة، التي ايد الله بها بعض رسله، واشرنا إليها دون الآيات التي قصتها علينا توخياً للإيجاز، هذه الوقائع - بلا ريب - تخالف العقل مخالفة، من النوع الأول الذي بيناه في التمهيد الذي تقدم.

стр. 145

هل أنتم مؤمنون بها؟ إن كنتم مؤمنين بها فيلزمكم الإيمان بالأحاديث التي قصت علينا مثل ما قص القرآن في سور: (الأنبياء والمائدة وآل عمران وغيرها) . وإن اصررتكم على تكذيبكم لهذه الآحاديث لزمكم أن تكذبوا القرآن لأنه روى مثل ما روت هذه الأحاديث. فأنتم محجوجون من كل جهة، مقهورون أمام صولة الحق. فماذا أنتم فاعلون؟! وبهذا تندفع هذه الشبهة كما اندفع غيرها. ويفوت منكري السنة غرضهم الذي رتبوه عليها. إن ورود أحاديث المعجزات في سنة محمد ﷺ ليس عيباً ترد به هذه السنة، ويحكم عليها بالتزوير والبطلان بل هي دعامة من دعائم الإيمان، كان من الممكن أن تقود هؤلاء الآبقين من رحابة الحق، إلى سجين الباطل، كان من الممكن أن تقودهم إلى الإيمان الراسخ والتصديق الجازم بما جاء به محمد ﷺ من عند ربه (كتاباً وسنة) لو أنهم فتحوا للإيمان قلوبهم وأصغوا إليه أسماعهم، وأرحبوا لهة عقولهم وقطعوا ما بينهم وبين الشيطان من علائق ووساوس، أيعجز الله عن شق القمر لرسوله، وقد شق البحر لموسى ﵇. ايمتنع على الله أن يجري الماء بين أصابع رسوله الكريم وقد فجره من حجر أملس لموسى علسه السلام. أيستحيل على الله أن يكثر الطعام لرسوله، وقد أنزله مائدة جاهزة من السماء لعيسى ﵇؟! لقد أخلصنا لكم القول، وبقى بيننا وبينكم قوله تعالى: ﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا﴾ [الكهف: ٢٩] . * * *

стр. 146

الشبهة الثامنة والعشرون دعوى مخالفة السنة للقرآن ....؟ إن منكري السنة المعاصرين، يكثرون من ذكر هذه الشبهة - الآن - فقد طالعتنا كثير من الصحف الجديدة، والمجلات التي لها غرام بالسير في الممنوع، وتاريخ في ترويج الأباطيل، وكل ما ينافي الإسلام، طالعتنا هذه الصحف والمجلات بمقالات متكررة، يستخدم كاتبوها شبهة مخالفة السنة للقرآن، في الوصول إلى أغراضهم الخبيثة، وسعيهم الدءوب في إزالة الإسلام، وفي مقدمتها سنة من أرسله الله رحمة للعالمين، ظانين أن هذه الشبهة هي الضربة القاضية للهدى النبوي، والمصدر الثاني من مصادر التشريع في الإسلام، لأن مخالفة القرآن أمر مرفوض عند المسلمين فلماذا - إذن - لا ينسفون السنة بإدعاء مخالفتها للقرآن؟ إنها فرصة ذهبية لهؤلاء المارقين الجهلة، اليذن يقتفون آثار الزنادقة القدامى، حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلوه. فالزنادقة - قديماً - ادعوا هذه الدعوة، من الذين آمنوا بأفواهم ولم تؤمن قلوبهم. وساقوا بين يدى هذه الدعوى الشيطانية حديثاً قالوا فيه إن رسول الله ﷺ قال: "ما أتاكم عني فأعرضوه على كتاب الله، فإن وافق كتاب الله فأنا قلته، وإن خالف كتاب الله فلم أقله أنا". قال أهل العلم والبصر بالحديث النبوي: إن هذا الحديث موضوع ومكذوب على رسول الله، وأن الزنادقة والخوارج هم الذين اخترعوه من عند أنفسهم تبعاً لأهوائهم. وممن قضى عليه بالوضع الإمام عبد الرحمن بن مهدي شيخ الإمام البخاري. وبعض العمانء جارَوْا الخصم الذين وضعوا هذا الحديث ليبطلوا دعواهم، فقالوا: قج عرضنا حديثكم هذا على كتاب الله فوجدناه مخالفاً للقرآن، لأننا لم

стр. 147

نجد في القرآن "أن لا نقبل من حديث رسول الله ﷺ إلا ما وافق القرآن، بل وجدنا كتاب الله يطلق التأسي والأمر بطاعته ويحذر من مخالفة أمره على كل حال". تطبيقات: ولهم على هذه القاعدة تطبيقات كان الباعث عليها عندهم أحد أمرين: أما الجهل إن كانوا صادقين عند أنفسهم فيما يقولون وإما العناد والتجاهل، ليشتروا بآيات الله ثمناً قليلاً من مال أو شهرة أو هما معاً، ونسوق فيما يأتي نماذج من تطبيقاتهم الجاهلة. رجم الزاني المحصن: عدالة الإسلام اقتضت أن تكون جميع العقوبات الدنيوية مناسبة للجرائم المعاقب عليها، فلم يضع القرآن عقوبة شديدة على جرائم خفيفة، ولا عقوبة خفيفة على جرائم "غليظة" هذا مبدأ عام في الإسلام. وقد تكون الجرائم المعاقب عليها واحدة في حقيقتها وصفاتها ثم تختلف العقوبة الموضوعة لها مراعاة للظروف التي وقعت فيها الجريمة. وهذا نراه بكل وضوح في جريمة "الزنى" إذا وقعت من غير متزوج، وهو ما يعبر عنه الفقه بـ "غير المحصن" أو وقعت من المتزوج، وهو المعبر عنه في الفقه بـ "المحصن" وعدم الإحصان يكون غالباً في مرحلة الشباب، وهي أكثر مراحل العمر إحساساً بالغريزة "الجنسية" وإلحاحاً لإشباعها، ويكون الشباب أضعف ما يكونون على قدرة على كبح جماحها ومقاومتها. وهذا ظرف مخفف للعقوبة على جريمة الزنى إذا وقعت في هذه الأحوال. لذلك جعل الإسلام عقوبتها الجلد مائة مرة، جاء ذلك في قوله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور: ٢] .

стр. 148

أما المتزوج إذا زنى، وعنده من الحلال ما يغنيه عن الزني رجلاً كان أو امرأة، فهذه الجريمة تقع منه ولا عذر له فيها، ولذلك جعل الإسلام عقوبة هذه الجريمة هي الرمي بالحجارة حتى الموت، ويطلق الفقه على هذه العقوبة مصطلح "الرجم". والعقوبة الأولى (الجلد مائة) ثابتة بالنص القرآني كما تقدم. أما العقوبة الثانية "الرجم" فطريق ثبوتها هي السنة النبوية القولية والعملية على حد سواء. السنة القولية: * حديث عبادة بن الصامت: " ... البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام. والثيب بالثيب جلد مائة، والرجم". * حديث ابن مسعود مرفوعاً: "لا يحل امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: الثيب الزاني، والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة". *وروى أبو دواد والحاكم مثله من حديث عائشة ﵂، مع بعض الاختلاف في اللفظ، لكن المعنى فب الحديثين واحد. السنة العملية: الوقائع التي حدثت في عصر النبوة، وتم فيها رجم الزناة المحصنين مشهورة، واشهرها واقعتان هما: رجم النبي ﷺ ماعزا لما جاءه مقرأ بأنه زنى، ثم رجم "الغامدية" التي صلى عليها النبي صلاة الجنازة بعد رجمها، وأثنى على حسن توبتها والرجوع إلى الله. ثم نهج الخلفاء الراشدون ﵃ نهج الرسول في رجم الزناة المحصنين، واتفق على عقوبة "الرجم" علماء الأمة. ومن يرجع إلى مباحث "الحدود" في كتب الفقه يتبين له أن رجم الزناة المحصنين هو الموقف الثابت في الإسلام قولاً وعملاً، وما تزال بعض الأقطار الإسلامية تطبق هذه العقوبة، ولا ترى فيها خروجاً عن شريعة الله، وهذا هو الحق والصواب.

стр. 149

مغالطات منكري السنة: منكرو السنة يقولون إن أحاديث ووقائع رجم الزناة المحصنين أحاديث ووقائع باطلة، لم يقلها النبي ولم يرجم زانياً، حتى وإن وردت هذه الأحاديث والوقائع في صحيحى البخاري ومسلم، وفي غيرهما من كتب الصحاح؟! هكذا يقولون بكل إصرار وجزم، والسبب عندهم أن هذه الأحاديث والوقائع مخالفة للقرآن، لأن القرآن حدد عقوبة الزنا بالجلد مائة، في الآية الثانية من سورة "النور" ولم يفرق بين الزاني المحصن وغير المحصن. ومادامت هذه الأحاديث والوقائع مخالفة للقرآن فهي إذن باطلة، ومكذوبة على النبي ﷺ . تفنيد هذه الشبهة ونقضها: ونحن نواجه هذه الشبهة - هنا - شبهة مخالفة السنة للقرآن نواجهها باعتبارين: الأول: مواجهة الشبهة نفسها دون النظر إلى النماذح التطبيقية التي يذكرونها شواهد عليهت. وهذه المواجهة سنرجئها إلى نهاية الحديث عنها. الثاني: مواجهة الشبهة بالنظر إلى النماذج التطبيقية عنهدم واحداً واحداً. وهذا ما نبدأ به الآن، فتقول. أن قولهم أن أحاديث رجم الزاني المحصن باطلة؛ لأنها جاءت مخالفة للقرآن. هذا القول لا يصدر إلا عن أحد رجلين: رجل حسن النية، ولكنه جاهل بالقرآن والسنة، معاً ورجل سيء النية، سواء صحب سوء نيته جهل أو لم يصحبه جهل فهذه الأحاديث وما صاحبها من وقائع عملية لا مخالفة بينها وبين القرآن، إلا في أوهام الجهلة، والمعاندين. تحريم الفساد: د فالقرآن الكريم يجرَّم الفساد والإفساد في الأرض في عدة مواضع: ففي سورة البقرة: يقول : ﴿وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ [البقرة: ٦٠] .

стр. 150

وفي سورة الأعراف يقول: ﴿وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا ... ﴾ [الأعراف: ٥٦] وفي سورة القصص يقول: ﴿وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ....﴾ [القصص: ٧٧] عقوبات المفسدين وما دام الفساد والإفساد في الحياة مُحَرَّماً ومنهياً عنه كان من الحكمة وضع عقوبات دنيوية عاجلة، على أنواع من الفساد تضر بحياة الأفراد والجماعات. وفي هذا ورد قوله تعالى في سورة المائدة: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ﴾ [المائدة: ٣٣] في هذه الآية الحكيمة وضع الله أربع عقوبات لجرائم الإخلال بالأمن العام والخاص وانتهاك الحرمات. وهي الجرائم التي يصدق عليها وصف محاربة الله ورسوله، والإفساد في الأرض. الزنى محاربة وإفساد: والزني، من أبشع الجرائم الخلقية، المسقطة للمروءة والشرف. وقد أجمعت الرسالات السماوية على تأثيمه وزجر مقترفيه. ونظرة خاطفة إلى سرد العقوبات الأربع التي وردت في آية "المائدة" تريك أن القرآن جعل الغقوبة الأولى هي "التقتيل" وهو مأخوذ من الفعل: "أن يُقَتَّلوُا". فالزنى من أفحش أنواع الفساد والإفساد في الأرض. والرجم الذي ورد في السنة الطاهرة عقوبة للزناة المحصنين نوع من "التقتيل" الذي ورد في آية "المائدة" عقوبة أولى على محاربة الله ورسوله والإفساد في الأرض. فالقرآن والسنة في توافق تام في تحديد هذه العقوبة. فأين - يا ترى -

стр. 151

مخالفة السنة للقرآن في تحديد الرجم للزناة المحصنين، كما يزعم منركو السنة النبوية؟! بل إننا نرى دقة متناهية بين معنى الرجم ومعنى التقتيل. فالرجم هو الرمي بالحجارة حتى الموت. فأسباب الموت فيه بطيئة ومتكررة. وهذا المعنى هو الذي يفهم من "التقتيل" لأنه مصدر الفعل الثلاثي المضعف (قتَّل) على وزن "فعَّل" وهو يفيد معنى التكرار والتتابع المفهوم من لفظ "الرجم" لإن فيه تتابعاً بين القذف بالحجارة حتى الموت فأين دعاة مخالفة السنة للقرآن من هذه الدقائق والأسرار الملجمة لكل أفَّاك أثيم؟ لا وصية لوارث: ومن الأحاديث التي عدوها مخالفة للقرآن، قوله ﷺ "لا وصية لوارث" وهذا الحديث له منزلة عظمى في التشريع الإسلامي غابت عن منكري السنة، ثم قابلوا بين هذا الحديث وبين قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ ... ﴾ [البقرة: ١٨٠] . وظهر لهم من خلال هذه المقابلة، أن الآية والحديث متعارضان: الآية تحث على الوصية عند الموت للوالدين والأقربين، والوالدان من ورثة الميت بلا جدال، وكذلك الأقربون كالإخوة والأخوات والأبناء، وهم أقرب فروع الميتن أما الحديث فينفي صحة الوصية للوراث، سواء كان اصلاً للميت كالأب والجد، أو فرعاً كالابن زابن الأبن وهذا حملهم على القول بأن الحديث باطل لم يقله النبي ﷺ ؛ لأنه - عندهم - مخالف للقرآن. لقد حفظوا شيئاً وعغابت عنهم اشياء. ولو أنهم كانوا بصراء بتاريخ التشريع لما وقعوا في هذه الورطة، أو هه الفضيحة الناشئة عن جهلهم بالقرآن والسنة معاً، لأن مخالفة التي خُدعوا بها مخالفة ظاهرية، أما عند التحقيق فلا مخالفة أبداً بين هذه الآية وبين هذا الحديث.

стр. 152

هذه الآية نزلت قبل آيات المواريث في سورة النساء والتي بدأت بقوله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ....﴾ [النساء: ١١] . وكان المتبوع عند الناس قبل نزل آيات التوريث أن المالك حر في توزيع تركته، غير ملزم بنظام معين وربما حرم الأبناء آباءهم وأمهاتهم من منحهم شيئاً من أموالهم وهم في ساعة الاحتضار، وهذا غبن للأباء والأمهات، فنزلت الآية تذكر الأبناء بما لوالديهم عليهم من حقوق، تستوجب الإحسان إليهم، وتخصيص مقدار من أموال التركة لهم، وللأقربين الأدنين ولما نزلت آيات التوريث، ووزع الله تركة الميت توزيعاً عادلاً بين أصوله وفروعه، وبين الأزواج، وحدد الله أنصباء الأباء والأمهات فيما بين الثلث والسدس وكذلك الأبناء والإخوة والأخوات. وبعد هذا التحديد الإلزامي لانصباء الوالدين والأقربين صار من الظلم أن يجمع الوالدان والأقربون بين نصيب كل منهم من تركه المتوفي، وبين مال يستحقونه عن طريق الوصية. لذلك اذن الله لرسوله الكريم أن يقول "لا وصية لوارث" تحقيقاً للعدل والإنصاف. فالوصية شرعت في ظل حرمان الوالدين والأقربين من تركة المتوفي، وبعد توزيع التركة إلزامياً على الوالدين والأقربين، لم يعد للوصية لهم سبب وجيه. هذا هو فقه هذه المسألة، وبه يزول توهم مخالفة السنة للقرآن، ومحال أن يكون بين السنة والقرآن مخالفة ظاهرة أو خفية. لكن منكري السنة يتخذون من جهلهم المركب بالقرآن والسنة، وقيم الإسلام ومبادئه السامية، يتخذون من هذا الجهل قاضياً على حقائق الإسلام. ومع هذا الجهل يتباكون بدموع "الثعالب" على حاضر الأمة ومستقبلها، ويجعلون سنة خاتم النبين هي السبب في تخلف الأمة وضياعها ﴿كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا﴾ [الكهف: ٥] .

стр. 153

من بدل دينه فاقتلوه: من الأحاديث التي قضى هؤلاء الجهلة، بأنها مكذوبة على رسول الله ﷺ ، هذا الحديث: "من بدَّل دينه فاقتلوه" وهو حديث صحيح، مروي عن رسول الله من ثلاث طرق: فقد أخرجه البخاري في كتاب الجهاد من حديث ابن عباس ﵄. وأخرجه الطبراني المعجم الكبير من حديث معاوية بن حيدة كما أخرجه في الأوسط من حديث عائشة مرفوعاً ﵂. وكلهم رواه عن رسول الله بهذه الصياغة "من بدَّل دينه فاقتلوه". ومع هذا لم يتورع منكرو السنة من الحكم عليه بالبطلان لأنه - عندهم - مخالف للقرآن، ولهم في توهم هذه المخالفة مقولات منكرة، نكتفي بذكر اثنتين منها، الأولى: أنه مخالف لقوله تعالى: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ ... ﴾ [البقرة: ٢٥٦] . الثانية: فهمهم المغلوط لقوله تعالى في سورة النساء: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلًا﴾ [النساء: ١٣٧] . فقد فهموا هذه الآية على غير المراد منها، وقالوا إن المرتدين في هذه الآية كانوا يخرجون من الإيمان إلى الكفر، ثم من الكفر إلى الإيمان، ثم إلى الإزدياد من الكفر، ولو كانت عقوبة المرتد هي القتل، كما ورد في الحديث، لقُتِل هؤلاء المرتدون من أول مرة خرجوا فيها من الإيمان إلى الكفر، أما بقاؤهم يترددون بين الإيمان والكفر ثلاث مرات، فهذا دليل على أن المرتد لا يقتل على ردته؟! وخلاصة القول عندهم أن القرآن لم يحدد عقوبة دنيوية للمريد عن دينه. والقرآن هو الأصل، إذن فلا يقام أي وزن لهذا الحديث المخالف للقرآن؟!

стр. 154

تفنيد هذه الشبهة ونقضها: قاتل الله الجهل، فإنه سبب كل بلية، وقاتل الله العناد، فإنه مطية الهلاك. هذه الشبهة سواء كان الباعث عليها الجهل أو العناد، فهي شبهة واهية، لا تثبت أمام الحق. والحديث الذي قضوا فيه بمخالفته للقرآن متفق مع القرآن تمام الأتفاق، وإليك البيان: أولاً: قوله تعالى: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ لم يرد في مقام الحديث عن الدرة والمرتدين، وإنما ورد في مقام الدعوة إلى الإيمان بوجه عام، فهو نظير قوله تعالى: ﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا﴾ [الكهف: ٢٩] . والمعنى أن الرسول، والدعاة معه أو من بعده، ليس من الواجب عليهم حمل الناس بالإكراه على الدخول في الدين، بل عليهم البلاغ الواضح، فمن آمن فقد اهتدى، ومن ظل على كفره فحسابه على الله. هذا هو معنى هذه الآيات. والحديث بيان لعقوبة من كان مؤمناً فكفر. وبهذا يتبسن أن للآية ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ مقاماً غير مقام الحديث "من بدَّل يدنه فاقتلوه" إذن فالجهة - كما يقول الأزهريون - منفكة، وهذا معناه أنه لا تعارض بين الآية والحديث، ولا مخالفة في الحديث للقرآن. ثانياً: أما آية النساء، التي حكت قصة آمنوا ثم كفروا، ثم آمنوا ثم كفروا، ثم أزدادو كفراً، فلا تعارض بينها وبين الحديث كذلك. لأن هذه الآية تصف أحوال المنافقن "السرية" أو النفسية، والمنافقون - كما هو معروف - كانوا يحرصون دائماً على إظهار الإيمان. سواء كان إيماناً مصطنعاً أو شعروا بإيمان حقيقي في لحظات عابرة. إذن فإن تنقلهم بين الكفر والإيمان كان أحوالاً نفسية، لم يظهروها لغيرهم. والإسلام - في الدنيا - يجرى أحكامه على ظاهر الحال، أما السرائر فأمرها موكول إلى الله قطعاً.

стр. 155

وصفوة القول مما تقدم أننا أزلنا شبهة مخالفة هذا الحديث للقرآن بأقطع البراهين. وبقى علينا أن تثبت موافقته للقرآن رغم أنوف آباء ذر. موافقة الحديث للقرآن: هذا الحديث الذي عده هؤلاء الحمقى مخالفاً للقرآن هو في الواقع الذي لا يُدفع موافق للقرآن، ودليلنا من القرلآن هو الآتي: أولاً: أن قوله ﷺ "من بدَّل دينه فاقتلوه" هو - بلا نزاع - قضاء قضى به رسول الله، وقضاء رسول الله واجب الطاعة كقضاء الله نفسه . بل هو قضاء الله نفسه، لأنه هو الذي قرر هذا في قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا﴾ [الأحزاب: ٣٦] أليس هذا هو كلام الله ؟ ثانياً: أن هذا القضاء النبوي "من بدَّل دينه فاقتلوه" حكم أتانا به الرسول، الذي لا ينطق عن الهوى، ولم يقل إلا حقاً. ونحن بصريح القرآن مأمورون بطاعة هذا الرسول في كل ما أمر به، أو نهى عنه: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا....﴾ [الحشر: ٧] ومن قبل هاتين الآيتين كان قوله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ [النساء: ٥٩] وقد بينت هذه الآية أن للرسول طاعة كطاعة الله. والطاعة الخاصة له ﷺ تكون في سنته المضافة إلى القرآن وسنة الرسول هي بالإجماع: * أحاديثه التي صح صدورها عنه. * أفعاله في مقام التشريع والتبليغ عن الله. * تقريراته وموافقاته لأعمال تقع أمامه من غيره، فلم ينه عنها. هذا هو الحق. وماذا بعد الحق إلا الضلال.

стр. 156

خطأهم في فهم المخالفة: منكرو السنة النبوية، ليس لهم في هذه السوق بضاعة رائجة، ولا سلاح يحققون به انتصاراً، لذلك تكبو كل خطوة يخطونها في هذه المسالك الوعرة. وعلى كثرة ما يكتبون لا تجد لهم صواباً واحداً يعتد به، وهذا أمر بدهي لأن العود الأعوج لا يستقيم له ظل. ولو شاب الغراب. ففي هذه الشبهة، شبهة مخالفة السنة للقرآن، تراهم يسيئون فهم هذه المخالفة المدعاة، ويوسعون - جهلاً - من مفهومها على خلاف ما يرى علماء الأمة، وأئمة الهدى منذ عصر الإسلام الأول وإلى الأن. وهذا الفهم المعوج لمفهوم المخالفة، أوقعهم في الوحل، أو في خندق ضيق خانق للأنفاس. فموافقة، السنة للقرآن - عندهم - تكون يترديد السنة معاني القرآن بألفاظها، أو ما هو قريب من ألفاظها. فمثلاً قوله ﷺ "أدَّ الأمانة إلى من أئتمنك" موافق للقرآن، لأن الله يقول: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ [النساء: ٥٨] وكل ما عدا هذا فهو من قبيل المخالفة للقرآن لا الموافقة فقد ضيقوا مفهوم الموافقة ووسعوا مفهوم المخالفة فوقعوا في نحاذير لا نهاية لها، لأن موافقة، الأحاديث للقرآن في اللفظ والمعنى معاً أمر نادر الوقوع، والتمسك به يحدث فجوات واسعة بين القرآن والسنة، وهذا ما جعل منكري السنة أضحوكة الأضاحيك عند العقلاء وأهل العناد منهم يقصدون ذلك قصداً، لأنه أعون لهم على تحقيق مآربهم ومآرب أعداء الإسلام من الإسلام نفسه. الموازنة على ثلاث درجات علماء الحق ﵃، جعلوا الموازنة بين السنة والقرآن على ثلاث درجات، بالنظر إلى جميع ما أطلق عليه أنه حديث، أي ما يشمل الأنواع الأربعة، وهي:

стр. 157

* الحديث الصحيح. * الحديث الحسن. * الحديث الضعيف. * الحديث الموضوع. والدرجات الثلاث هي: الأولى: ما وافق القرآن من الأحاديث. الثانية: ما لم يوافق القرآن منها. الثالثة: ما لم يوافق القرآن ولم يخالفه. وأحاديث الدرجة الأولى، وهي ما وافق القرآن هي من السنة إذا صح سندها، وسلم متنها. أما ما يندرج تحت مفهوم الدرجة الثانية، وهي ما ثبت مخالفته للقرآن، فهذه ليست من السنة، ومحال أن تكون نسبتها إلى الرسول صحيحة، فهي أحاديث مكذوبة قطعاً. ثم اصطلحوا على تسميتها بالأحاديث "الموضوعى" أما أحاديث الدرجة الثالثة، وعي ما لا مخالفة فيها للقرآن ولا موافقة، فهي مثل أحاديث الدرجة الأولى إذا صح سندها، وسلم متنها، فهي من حديث الرسول ﷺ . وهي أكثر أحاديث السنة في الواقع ونفس الأمر. وليس في قولهم: "ما لم يوافق القرآن ولم يخالفه" جمع بين النقيضين كما يبدو من ظاهر العبارة، لأن مرادهم منها ما سكت عنه القرآن ولم يذكره، أو هو "المسكوت عنه في القرآن" وهذا النوع لا ترى فيه موافقة، للقرآن ولا ترى فيه مخالفة له في الوقت نفسه. فمثلاً قوله ﷺ "إذا سمعتم المؤذن فقولوا كما يقول" لا موافقة فيه للقرآن؛ لأن القرآن لم يذكر هذا القول.

стр. 158

وليس فيه مخالفة للقرآن، لأن القرآن لم يرد فيه ما ينهى المسلم عن هذا الترديد لقول المؤذن. ومثلاً آخر، قوله ﷺ : "الخيل معقود في نواصيها الخير" لا مخالفة فيه ولا موافقة للقرآن، لأن القرآن سكت عنه، ولم يرد فيه نص يخالف ما قرره النبي في فضل الخيل. هذا هو الحق الأبلج الذي عليه العلماء البررة الورعون فقد أجمعوا على أن الحديث النبوي لا يمكن أن تقع بينه وبين القرآن مخالفة لأن السنة بيان أمين صادق للقرآن، ولن يخالف البيان الأمين الصادق مقاصد المبَّين قال : ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٤] وأحاديث الدرجة الثالثة من درجات الموازنة بين السنة والقرآن لا تكاد تحصى، لأنها دارت مع مقاصد الكتاب العزيز في كل شئون الحياة. ومنكرو السنة لما وسعوا من دائرة المخالفة، بين السنة والقرآن قضوا على أحاديث الثالثة، وهي الأحاديث التي نطقت حيث سكت القرآن، قضوا عليها بالبطلان جميعاً لأنها عندهم مخالفة للقرآن، أو أن البطلان هو لازم مذهبهم ومن يتتيع ما يكتبونه - الآن - في الصحف والمجلات، أو الكتب التي يصدرونها، يجدهم يتهافتون حول الإسراف في رفض الأحاديث، ورفض ما بني عليه من تشريعات وأحكام فقية تتعلق بالعبادات والمعاملات والأخلاق والسلوك وربما العقائد والأصول. نوعا الموافقة: علماء الأمة - سلفاً وخلفاً - مجمعون على موافقة كل ما صح صدوره عن رسول الله ﷺ للقرآن، سواء في ذلك أقواله وأفعاله وتقريراته، ولم يشذ منهم أحد، ولكن لا على طريقة منكري السنة، الت ي تقدم بيانها. وقالوا: إنة موافقة السنة للقرآن على نوعين: أحدهما: موافقة جلية واضحة لا تحتاج إلى طول نظر وفكر وذلك

стр. 159

مثل الأحاديث في تاثيم الربا، وبر الوالدين، والتمسك بالكتاب والسنة فهذه تجد الموافقة بينهما وبين آيات القرآن جلية واضحة كالشمس في صافية النهار. والثاني: موافقة دقيقة فيها نوع خفاء، تحتاج إلى طول نظر وفكر. وقد ظفرنا - نحن - بقبس منها حين أثبتنا الموافقة بين رجم الزناة المحصنين، الذي ثبت بطريق السنة، وبين مبادئ القرآن الكلية في تحديد العقوبات الأربع على جرائم محاربة الله ورسوله، والسعي في الأرض فساداً في قوله : ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا....﴾ [المائدة: ٣٣] حيث ظخر لنا توافق الرجم مع "التقتيل". أصلان كليان: فإذا لم يسعفنا النظر في كتاب الله بوجه للموافقة بين حديث صح صدوره عن رسول الله ﷺ ، وبين القرآن فإن في القرآن أصولاً كلية عامة تضفى على الحديث صفة الموافقة، وتنفي عنه وصمة المخالفة. ويكفينا هنا أن نذكر منها اصلين، وإن كانت الإشارة إليهما قد تقدمت: أولهما: قوله تعالى في سزرة الأحزاب: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا﴾ [الأحزاب: ٣٦] والثاني: في سورة الحشر: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧] أن هذين الأصلين كافيان لمواجهة الشغب الذي يثيره زنادقة العصر من منكري السنة، وادعائهم أنها، أو كثير منها مخالف للقرآن. ورحم الله عمر بن الخطاب ﵁، فقد قال في هؤلاء المارقين وأمثالهم:

стр. 160

"ستأتي أقوام يجادلونكم بمتشابه القرآن، فخذوهم بالأحاديث، لأن أهل السنن أعلم بكتاب الله". متى تجب موافقة السنة للقرآن؟ لا خلاف بين علماء الأمة سلفاً وخلفاً حول موافقة السنة للقرآن، وأن في القرآن أصولاً لا تحمل عليها السنة في كل ما ورد فيها، وأن ما ثبت خلافه للقرآن - يقيناً - مما ينسب إلى رسول الله ﷺ ، فهو صحيح النسبة إليه، وقد عرفنا أن طريقة علماء الأمة من موافقة السنة للقرآن تختلف عن تصورات منكري السنة وأوهامهم الباطلة في هذا المجال. وبقى فرع مهم ينبغي الإشارة إليه، وهو أن موافقة السنة للقرآن واجبة وجوباً قطعياً في الأحاديث والأفعال والتقريرات المتعلقة بأفعال المكلفين في العقائد والعبادات والمعاملات والأخلاق. هذا موضع إجماع بين العلماء على اخالاف تخصصاتهم في علوم الإسلام: مفسرون، ومحدثون، وأصوليون، وفقهاء، ومتكلمون قال الإمام الشاطبي في كتابه الموافقات [٤/٥٧] ما يلي "والثاني: أن لا يقع - يعني الحديث النبوي - موقع التفسير ولا فيه معنى تكليف اعتقادي أو عملي، فلا يلزم أن يكون له أصل في القرآن، لأنه امر زائد على موقع التكليف ... فالسنة إذا خرجي عن ذلك فلا حرج، وقد جاء من ذلك في الصحيح، كحديث أبرص وأقرع وأعمى، وحديث جريح العابد، ووفاة موسى، وجمل من قصص الأنبياء ﵈، والأمم قبلنا، مما لا ينينى عليه عمل، ولكن في ذلك من الاعتبار على نحو ما في قصص القرآن ... " وصفوة القول: أن موافقة السنة للقرآن إنما تجب في شئون التكليف الاعتقادي والعملي، أما فيما عذا هذا فالموافقة ليست واجبة، فقد تنفرد السنة بأمور ليس لها وجود في القرآن، وقد يكون لها وجود في القرآن والسنة معاً، لكن التوافق ليس مطلوباً، وقد أشار الإمام الشاطبي - كما تقدم - إلى بعض ما انفردت

стр. 161

به السنة، ونحن نضيف إلى ما قاله قصة الرجل الذي قتل تسعاً وتسعين نفساً ثم سأل هل له من توبة، فأفتى المسئول بأنه لا توبة له فقتله وأكمل به المائة، ثم سأل آخر: هل له من توبة، فأفتاه بأن له توبة فتاب. هذه القصة لم ترد في القرآن، ومع هذا لا يعتبر الحديث الذي قصها مخالفاً للقرآن. وقصة اصحاب الأخدود وردت في القرآن في سورة "البروج" كما وردت في أحاديث القصص النبوي، ولو كانت السنة قد انفردت بذكرها لما كانت مخالفة للقرآن مخالفة ينسحب اثرها على الحديث بالبطلان. * * *

стр. 162

الشبهة التاسعة والعشرون الوضع في الأحاديث المقصود من الوضع في الحديث النبوي، هو الافتراء والاختلاق أي صياغة كلام في الشئون الدينية، وإسنادها إلى الرسول ﷺ ، على أنه هو قائلها زوراً وافتراء عليه، وهذه الظاهرة لا ينكرها أحد، وهي موضع إجماع عند علماء الحديث وغيرهم من علماء الأمة. لكن منكري السنة المعاصرين وبعضاً من أسلافهم يملأون الدنيا صياحا للتهويل من شأن هذه الشبهة، والقصد عندهم معروف، وهو التشكيك في ميراث الأمة من رسولها ﷺ ، يريدون أن يعتقد للناس سريان الوضع على الأحاديث المتداولة في كتب الصحاح والسنن وغيرها، وهم يعولون على هذه الشبهة كثيرا لأن علماء الأمة - كما تقدم - معترفون بظاهرة الوضع في الحديث، وما دام الأمر - كذلك - فلماذا لا يطرقون الحديد وهو ساخن؟! ويتصل بهذه الشبهة شبهة أخرى، وهي ما يطلق عليه عند علماء الأحاديث مصطلح "الاسرائيليات" ولم نفرد لهذه الشبهة مبحثا خاصا بها، لأنها تندرج - في الواقع - في ظاهرة الوضع بمعناها العام. وإن كان بين الشبهتين فرق فهو الآتي: إن الباعث على الوضع عند غير بني إسرائيل له صور متعددة سيأتي الحديث عنها بإذن الله. أما الوضع عند اليهود (بني إسرائيل) فيكاد الباعث عليه أن يكون محصوراً في الكيد في الإسلام، وتضليل المسلمين في عقيدتهم وسلوكياتهم في الحياة. تفنيد هذه الشبهة ونقضها: لو كانت ظاهرة الوضع في الحديث قد غفل عنها علماء الأمة من محدثين

стр. 163

ومفسرين، وأصوليين وفقهاء، ولم يكتشفها إلا منكرو السنة المعاصرون، لكان لهم حق في ترويجها والاستناد إليها في إنكارهم للسنة، ولما استطاع أحد الوقوف أمامهم فيما يقولون ولكن لسوء حظهم، وفضح أمرهم، وتسجيل الخزي عليهم، أن علماء الأمة منذ البدء الواسع في تدوين الحديث وجمعه، فطنوا إلى وجود هذه الآفة، وحاصروها من كل جهة، وأبطلوا مفعولها تماماً، ومنكرو السنة ذرات في عالم الغيب، ليس لهم وجود إلا في علم الله المحيط، الذي لا يعزب عنه شيء في الأرض ولا في السماء وصدق رسولنا الكريم القائل: "إذا لم تستح فاصنع ما شئت". جهود السلف الصالح: لقد بذل سلفنا الصالح، رضوان الله عليهم - جهوداً شاقة في التصدي لظاهرة الوضع، ونشأ علم النقد "الحديثي" من أجل تمييز الحديث النبوي من الحديث الموضوع المختلق، الذي لم يقله ﷺ . بل تناول النقد الأحاديث غير الموضوعة، وصنفوها أصنافاً ثلاثة على معايير النقد الدقيق الذي أخضعوا له كل ما روي عن النبي ﷺ ، فكانت هذه الأصناف. * الحديث الصحيح. * الحديث الحسن. * الحديث الضعيف. كما صنفوا الأولين باعتبار كثرة الرواة وقلتهم للحديث الواحد صنفين آخرين: حديث مشهور (متواتر) وحديث غير مشهور (آحاد) ثم صنفوا الحديث الضعيف أصنافا عدة، مثل: المرسل - المقطوع - الموقوف - المعضل - المرفوع - الغريب - الشاذ - المسند - المتصل - المدلس - المتروك - المنقطع - المضطرب - المنكر - إلخ ... إلخ.

стр. 164

وكل هذه "الألقاب" أو الأوصاف، كانت ثمرة لقواعد النقد الدقيقة الحكيمة، التي وضعها هؤلاء الرجال الأفذاد. الحديث الموضوع: درس علماء الحديث ظاهرة الوضع دراسة فاحصة، سواء كان الواضع من بني إسرائيل أو من غيرهم. وما وضعه بنو إسرائيل أطلقوا عليه مصطلح "الإسرائيليات" سواء كانت في الحديث أو التفسير أو في السيرة والتاريخ. أما ما وضعه غير بني إسرائيل فقد درسوا أسباب الوضع فيه ثم نصوا على الأحاديث الموضوعة، وجمعوها في مصنفات خاصة بها، وبينوا الأسباب التي حملتهم على الحكم عليها بالوضع، أحيانا من دراسة السند، وأخرى من دراسة المتن. فلو أن حديثا في سلسلة سنده عشرة رواة عدول تقبل روايتهم، إلا واحداً منهم مطعون فيه، فإنهم لا يقبلون روايته، ويحكمون بوضع الحديث أو ضعفه - ولم يجعلوا كثرة الرواة العدول شفيعا في قبول الحديث، الذي في سنده كذاب أو مدلس، وهذا شدة حيطة منهم في نسبة الحديث إلى رسول الله ﷺ . كما نصوا على أسباب الوضع فأحكموا القول، وأصابوا، ومن أسبابه التي ذكروها: * التعصب للأجناس أو البلدان. * التعصب للفرق الكلامية والفقهية والسياسية. * أصحاب الأهواء والبدع الذين يرجون لأهوائهم ويدعون الناس لاتباع بدعهم. * القصاصون والإخباريون الذين يريدون جذب الناس للاستماع إليهم، مثل الفنانين - الآن - المغرمين بالشهرة وإعجاب "الجماهير" بهم.

стр. 165

والمعروف أن ظاهرة الوضع في الحديث ظهرت متأخرة عن بدء التدوين، ولما فشا أمرها شمر لها العلماء عن ساعد الجد، ونشأ نتيجة لذلك: علم الجرح والتعديل: وفيه رصد العلماء أحوال الرواة مثل الكذب، والابتداع والتساهل، والغفلة والنسيان. والتعصب، واتباع الهوى في جانب التجريح. أما في جانب التعديل فسجلوا ما كان عليه المعدلون واحداً واحداً من العدالة والضبط، والعدالة وصف جامع لصفات الكمال في الرواة. فعلم الجرح والتعديل ديوان شامل لكل الرواة، سواء كانوا رواة الحديث الصحيح، أو رواة الحديث الحسن، أو رواة الحديث الضعيف، أو رواة الحديث الموضوع؛ أسماؤهم، وكناهم، وألقابهم، وصفاتهم الخلقية، إنه أشبه ما يكون بـ"ذاكرة الكمبيوتر" الحديث خازن لمعلومات تسعف المحتاج إليها عند الطلب. وبمعونتها يحكم على الحديث المروي بما يستحقه من الصفات والألقاب: الصحة والحسن، والضعف والوضع كل ذلك تم ومنكرو السنة المعاصرون لم يكونوا في الوجود شيئاً مذكورا. وبعض الوضاعين كانوا كما يزورون متن الحديث يزورون السند، ويختارون الرواة - أحياناً - من المعروفين بالصدق والعدالة والضبط، وهذا ما كان يخدع نقاد الحديث، لأنهم كما يعرفون الوضع عن طريق المتن، يعرفونه عن طريق لسند، وهذه هي محاصرة للوضع من كل جهة، التي أشرنا إليها في بداية هذا المبحث. والأمارات التي تدل على الوضع من النظر في المتن هي كما يأتي: * ركاكة التركيب أو الألفاظ، مما يقطع أنه لا يصدر عن فصيح عالم بصحة البيان، ومرامي الكلام، أو وجود خطأ لغوي نحوي أو صرفي. * مخالفة الحس والمشاهدة - (في غير المعجزات) كما ورد في

стр. 166

حديث موضوع أن سفينة نوح طافت بالبيت سبعا، وصلت متجهة إلى الكعبة. * مخالفة ضرورات العقل، التي أشرنا إليها في شبهة ادعائهم أن السنة تخالف العقل، لا مخالفة مطلقاً، لأن أحاديث المعجزات الصحيحة خارقة للمعهود العقلي. * مخالفة الحقائق التاريخية المقطوع بها، مثل أن النبي ﷺ وضع الجزية على أهل خيبر عام (٧ هـ) والجزية شرعت بعد فتح خيبر، ولم تكن مشروعة فبلها ولا في أثنائها. * إذا وافق الحديث هوى الراوى المتعصب لهواه. * دلالة الحديث على ثواب عظيم مرتب على طاعة يسيرة، أو على وعيد شديد عقوبة على معصية صغيرة وهذه مجرد نماذج تدل على الوضع في الحديث من ناحية المتن. أمارات الوضع فب السند: أمارات الوضع في السند كثيرة، من أشهرها: * أن يكون الراوي معروفاً بالكذب فيحكم على الحديث بالوضع، لكن بشرط أن لا يكون للحديث طريق أخرى راويها ثقة معروف عند نقاد الحديث بالعدالة. * أن يعترف الراوي بالكذب، كنوح بن أبي مريم الذي أعترف بأنه وضع بعض أحاديث فضائل سور القرآن، ليجذب الناس إلى القرآن ويصرفهم عن اللهو.؟ * أن يثبت أن الراوي روى عن شيخ ثبت أنه لم يلقه أو مات قبله، أو ولد بعده. * أن يفهم من الحديث أن راوية يروج لشيء نافع له خاصة كبائع الهريسة الذي وضع "الهريسة تشد الظهر" وهكذا.

стр. 167

والخلاصة: إن هذه الشبهة لا جدوى فيها لمنكري السنة، وهي شبهة بائرة كما بارت كل الشبهات المتقدمة، وذلك لأن آفة الوضع حسمها العلماء ﵃، قبل انصراف القرن الثامن الهجري، ووصلت إلينا محسومة. وغضافة إلى أمارات الوضع في السند والمتن ترك لنا سلفنا العظيم مصنفات عديدة نصوا فيها على الأحاديث الموضوعة، منها: * الموضوعات لابن الجوزى (٣ أجزاء) * الفوائد المجموعة في الأحاديث الموضوعة للشوكانى (جزء واحد) * تنزية الشريعة المرفوعة عن الأخبار الشنيعة الموضعة (جزآن) للكتانى. * الالئ المصنوعة في الأحاديث الموضوعة (جزءان) للجلال السيوطى. * * *

стр. 168

الشبهة الثلاثون جامعو السنة كتبوها مكرهين ؟! عنوان ضخم، ووصف مفزع، فإذا فتشت وراءه لم تجد لهذا "القول" أبا ولا أما. وهذا يؤكد أن منكري السنة يتهافتون - دائماً - وراء تصيد الشبهات لإنكار شطر الإيمان. وفي هذه الشبهة يزعمون أن جامعي السنة لم يكتبوها مختارين، بل كتبوها مكرهين، وأن الأمراء أكرهوهم على كتابتها، ولولا إكراه الأمراء ما كتبوها، وما كنت تسمع عن رجل اسمه البخاري، أو مسلم أو غيرهما؟! ويستندون في هذه التهمة "الضخمة" على كلام كتبه المستشرق اليهودي الأصل (جولدزيهر) عن الإمام الزهرى نقله محرَّفاً ولو كان نقله "صواباً" ما وجد فيه منكرو السنة الآن أو شياطين الإنس مغمزاً في حديث رسول الله ﷺ . وها نحن أولاً نكشف باطلهم بحق الله، فإذا هو زاهق. تفنيد هذه الشبهة ونقضها: لم يكن تدوين المعارف والعلوم منتشراً في صدر الإسلام بل كانوا سعتمدون على الحفظ، وقوة الذاكرة. وقد كان هذا ملاحظاً في كل العلوم العربية والشرعية، وليس مقصوراً على علم الحديث وحده، لأن التدوين بدأ وئيداً في أواخر القرن الثاني الهجري، ثم فشا أمره في القرنين الثالث والرابع، وبلغ ذروته في الرابع كما هو معروف. والقرنان الثالث والرابع الذهبي في التأليف والتدوين العربي الإسلامي. الواقعة قبل التحريف: جاء في طبقات ابن سعد وتاريخ ابن عساكر أن الإمام الزهرى كان يمتنع عن

стр. 169

كتابة الأحاديث الشريفة للناس، ويكتفي بإسماعهم الحديث لئلا يتكلوا على الكتابة ويهملون الحفظ، وفي عهد هشام بن عبد الملك أشار على الزهرى أن يكتب لولده - ولد هشام - اربعمائة حديث ليحفظها، فامتنع الزهرى، لكن هشاماً ألح عليه حتى وافق الزهرى. ولما كتب الأحاديث الأربعمائة خرج فقال للناس، الذين كانوا يطلبون أن يكتب لهم الأحاديث فيمتنع، قال لهم بصوت عال: "أيها الناس: إنَّا كنا منعناكم أمراً - اي كتابة الأحاديث لهم - وقد بذلناه الآن لهؤلاء. وأن هؤلاء الأمراء اكرهونا على كتابة الأحاديث، فتعالوا حتى أحدثكم بها، فحدثهم بالأربعمائة حديث". هذه هي الواقعة بكل ملابساتها، ومما يحمد للزهرى فيها أنه أبراً ذمته، وسوَّى بين جميع طلاب العلم، وبين ابن الحليفة كما وضح للناس السبب في كتابته الأحاديث لابن هشام وهو غلحاح هشام عليه كما جاء ذلك واضحاً في كلامه، الذي رواه ابن عساكر وابن سعد، وشاركهما الخطيب في ذكره. الواقعة بعد التحريف: كان جولدزيهر أول من حرَّف عبارة الإمام الزهرى تحريفاً خطيراً أفسد المعنى المراد عند الإمام الزهرى. فقد حرَّف عبارة الزهرى "أكرهونا على كتابة الأحاديث" إلى قوله: "أكرهونا على كتابة أحاديث"؟! والفرق بين العبارتين كبير وخطير: فعبارة الإمام الزهري معناها أن هشاماً أكرهه على كتابة أحاديث رسول الله ﷺ . ومعنى عبارو زيهر أن هشاما أكره الزهرى على كتابة أحاديث مفتراة لم يقلها النبي ﷺ ؟!.

стр. 170

والمقصود من هذا التحريف عند زيهر ومشايعيه أن الزهرى كان أول من تعمد الكذب على رسول الله ثم تتابع جامعو السنة في "فبركة الأحاديث" دون أن يكون لها من الصحة نصيب؟! هذه هي الحقيقة، وأنت ترى أن هذه الشبهة لم تقم على أي أساس سوى التحريف المتعمد، ولا عجب، فإن اليهود - ومنهم جولدزيهر - لهم مهارة في التحريف والخيانة، فقد حرَّفوا التوارة وشوهوا صورة الحق فيها، فما الذي يمنع زيهر من تزوير النصوص الإسلامية تزويراً يحقق بعض أو كل مطامع اليهود في تشويه الإسلام، أو القضاء عليه؟! وليست مشكلتنا اليوم مع جولدزيهر، فقد هلك هو وهلك معه حقده على الإسلام. وإنما مشكلتنا معه هؤلاء "الخوانة" الذين اتخذوا من سنة رسول الله ﷺ "غرض" يطلقون عليه سهامهم الطائشة بسوء نية، وسوء لسان. وتراهم لم يقفوا عند المعنى الذي أراده سلفهم "زيهر" بل ضخَّموا هذه "الفرية" وادعوا أن السنة "كلها" كتبت في "قصور الأمراء" وعلى "أهوائهم" وهي الشبهة التي رصدناها وعرضناها من قبل ثم فندناها ونقضناها بأسلوب علمي موضوعي لا تهافت فيه ولا تحامل والحق لا يحتاج أنصاره في الدفاع عنه إلى استخدام سلاح الباطل فدعائم انتصار الحق كامنة في الحق نفسه. امتناع الزهرى أولاً: وليس في امتناع الزهرى عن كتابة الحديث أولاً، ولا في إعلانه عن كراهيته للكتابة أمام هشام ثانياً، ليس في هذين ما يمكن ترشيحاً وتقوية لادعاءات منكري السنة الآن، ولا لجولدزيهر من قبل. جولدزيهر يقلو إن الإمام الزهرى اعترف بصراحة عن تزويره أحاديث عن رسول الله ﷺ استجابة لرغبة الخليفة هشام بن عبد الملك. وهذه كله وَهْم مغلوط، ولا يُفهم منه أن موقف الزهرى كان لاعتقاده أن السنة مزورة، لأن هذا الموقف مثله الخليفة الأول أبو بكر الصديق من جمع

стр. 171

القرآن في مصاحف كما وقفه زيد بن ثابت الأنصاري حين عهد إليه الشيخان أبو بكر وعمر ﵄ بجمع القرآن، وقال إنه لو كُلَّف بنقل جبل لكان أهون عليه من جمع القرآن. والأمور العظيمة يخشى الأتقياء وأهل الورع الإقدام عليها تقديراً لها، ورؤية أنفسهم أضأل ما يكونون أما عظمتها مثل الفتيا، ما أكثر من كان لا يجرؤ عليها من اصحاب رسول الله ﷺ وهم أهل التقوى والقضاء. فهل يقول هؤلاء الآبقون إن معارضة أبي بكر ﵁ أولاً في جمع القرآن في مصاحف كانت لريب في نفسه نحو القرآن، وهل يقولون إن زيد بن ثابت كره أن يقوم بجمع القرآن من صدور الحفاظ، ومن الرقاع لاعتقاده أن القرآن لا يوثق بروايته وحفظه؟! إنهم لن يستطيعوا - لأسباب كثيرة - أن يقولوا بهذا. ونسألهم - بناء على ما تقدم - ما الفرق بين موقفى أبي بكر وزيد بن ثابت، وبين موقف الزهرى؟! هل عندكم من علم فتخرجوه لنا يا حزب الشيطان؟!. * * *

стр. 172

الشبهة الحادية والثلاثون السنة لا تستقل بالتشريع هذه الشبهة من القسم الثالث، كما أشرنا في المدخل، والقسم الثالث هو الشبهات التي يتعامل بها منكرو السنة مع السنة إذا يئسوا من التشكيك فيها، ومن محوها من الوجود. في هاتين الحالتين: اليأس من التشكيك، واليأس من المحو، يتعامل هؤلاء الماكرون مع السنة بشبهات لا تمس صحة صدورها على النبي ﷺ بل يحاولون "تحنيط" السنة ونزع ما فيها من فيوضات روحانية، وهي كالماء في حياة الأمة، الذي لا تحيا بدونه أبداً. وخلاصة هذه الشبهة أن السنة غير صالحة لتشريع ما لم يرد في القرآن، بل هي بيان للقرآن وكفى. ويعتبرون كل حكم تشريعي كانت السنة هي الدليل عليه، مخالفاً للقرآن، وما يخالف القرآن يكون باطلاً. وصدور هذه منهم يتطبق عليه القول المأثور: "كلمة حق أريد بها باطل". وقد بيَّنا في شبهة "مخالفة السنة للقرآن" أن لا مخالفة قط بين السنة والقرآن، سواء كانت بياناً له، أو دليلاً تشريعياً مستقلاً، فليرجع إليه من يريد خشية الإطالة، بذكره مره ثانية. تفنيد هذه الشبهة ونقضها: لا ينكر منصف، ولا عاقل أن أحكام الشريعة حوت كثيراً من الأحكام التي دليلها المباشر هو السنة، أما القرآن فسكت عنها تفصيلاً وإن لم تخل "كلياته" من الإيماء إليها إجمالاً، وهذه هي عقيدة السلف والخلف، وإن جحد الجاحدون، أو جهل الجاهلون، أو أرجف المرجفون، أو نكب عن الصراط القويم الناكبون.

стр. 173

والأحكام المتعلقة بأفعال المكلفين، التي وردت عن طريق السنة أكثر من أن تّحصى، ومنها على سبيل التمثيل: * زكاة الفطر، وما يتعلق بها من أحكام، لم يكن لها دليلاً إيجاب إلا ما ورد في السنة، وكذلك الأنواع التي تُخرج منها. * تحريم الجمع بين البنت وعمتها أو خالتها في عصمة زوج واحد في وقت واحد، وقد بيَّن النبي ﷺ الحكمة التشريعية في منع هذا الجمع. ولم يرد في القرآن إلا تحريم هذا الجمع بين الآختين فحسب. * أضافت السنة إلى المحرم نكاحهن من "القريبات" عن طريق العلاقة النسبية، ما ماثل تلك العلاقة من الرضاع، فقال: "يحرم من الرضاع ما حرم من النسب". والذي ورد تحريمه من الرضاع في القرآن هو: الأمهات من الرضاعة، والأخوات من الرضاعة؟ (أنظر الآية [٢٣] من سورة النساء.) * أضافت السنة إلى المحرم أكله في القرآن من الميتة ولحم الخنزير والدم المسفوح، إلخ تحريم أكل كل ذي مخلب من الطير، وكل ذي ناب من السباع، وأكل لحوم الحمر الأهلية، وهذه لم يرد تحريمها في القرآن منصوصاً عليه مفصلاً. * واستقلت السنة بتقرير "الشفعة" للجار، وكونه أحق من غيره بما جاوره من مملوكات عقارية لجاره إذا زهد فيها وعرضها للبيع. ولا نجد في القرآن إلا الأمر والترغيب في الإحسان إلى الجار. * والقرآن حرم أكل الميتات على الإطلاق، وورد في السنة ميتة البحر فهي حلال، وعليه العمل حتى اليوم، والحديث رواه أبو هريرة "هو الطهور ماؤه الحل ميتته" جواباً لمن سأل النبي عن الوضوء من البحر. * بينت السنة ميراث ما زاد على الاثنتين من البنات في قوله تعالى ﴿فَإِنْ

стр. 174

كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ﴾ [النساء: ١١] وسكت القرآن عن ميراث البنتين، فبينت السنة أن لهما الثلين إذا لم يكن لهما معصب. فقد روى جابر ﵁ أن امرأة جاءت إلى رسول الله ﷺ كان قد مات زوجها. فأخذ أخوه كل ماله ولها بنتان منه، فقضى ﷺ للزوجة بالثمن وللبنتين بالثلثين، لأخي الميت الباقي، ولعله ﷺ قاس شأن البنتين على شأن الأختين، إذ جعل الله لهما ثلثى ما ترك أخوهما إذا لم يكن له ولد وارث، أنظر الآية رقم [١٧٦] من سورة النساء. * لم يرد في القرآن أن حكم الجنين الذي يوجد في بطن أمه ميتاً بعد ذبحها شرعاً. هل يحرم أكله لأنه ميت؟ فبينت السنة أن زكاة أمه زكاة له فيجوز أكله. قال ﷺ : "زكاة الجنين زكاة أمه" والحديث مروي من عدة طرق أنظر الموافقات للشاطبي [جـ ٤ ص ٣٩] . هذا غيض من فيض من الأحكام المتعلقة بأعمال المكلفين استقلت السنة فيها بالتشريع. ومعنى استقلال السنة بالتشريع أنها كانت دليل الحكم وأمارته، لا أن الرسول هو المشرع من غير إذن من الله فصاحب التشريع هو الله سواء كان دليل الحكم هو القرآن أو الحديث النبوي. لكن منكري السنة يتعامون عن كل هذا مع وضوحه. ولا جرم فإن الغاية عندهم تبرر الوسيلة. ويمكرون ويمكر الله، والله خير الماكرين. * * *

стр. 175

الشبهة الثانية والثلاثون مَنْعُ العمل بأحاديث الآحاد هذه الشبهة كالتي قبلها، موضوعة للتعامل مع السنة في حالتى الفشل في التشكيك فيها، وفي محوها كلية. وكان لسان حالهم - بعد لسان مقالهم - يقول: سلمنا أن السنة صحيحة وبريئة، من كل المآخذ، ومع هذا فليس لها درو في التشريع، لأنها أحاديث رواها أفراد (آحاد) وأحاديث الآحاد لا يجوز العمل بها، لأنها لا تفيد اليقين، أما غير الآحاد من الأحاديث فهو نادر الوجود في السنة. فماذا بقى لنا - بعد ذلك - من الأحاديث النبوية تتخذه مصدراً تشريعياً ثانياً بعد القرآن؟ لا شيء يبقى منها! إذن، فالسنة سواء سلمت من الطعون، أو لم تسلم لا غناء فيها للمسلمين، فينبغي إبعادها عن حياتهم فوراً؟! وهو - الآن - أعني منكري السنة - يُعَوَّلون على هذه الشبهة، لأن خلافاً قديماً وقع بين العلماء حول حديث الآحاد. هل يُعْمَلُ به أو لا يُعْمَل؟ و'ذا كان يُعْمَل به فما هو مجال العمل به؟ عام يشمل العقائد والحدود، أم خاص في غير العقائد والحدود؟ هذا الخلاف مشهور، وقد أولاه علماء أصول الفقه والفقه عناية فائقة، ووصلت إلينا هذه القضية محسومة بأدلتها، وواقعيتها. في حياة المسلمين، بما لا يدع مجالاً للغط أو تشوية جانب الحق فيها، ولكن منكري السنة قوم يشغبون. تفنيد هذه الشبهة ونقضها: تقدم في شبهة "ندرة المتواتر" أن الحديث النبوي ينقسم قسمين باعتبار كثرة رواة الحديث الواحد وقلتهم. فما كان عدد رواته قليلاً، واحداً فما فوقه، سمى الحديث "حديث آحاد" وما كان رواته كثرة مستفيضة سمى "الحديث

стр. 176

متواتر" وهذان اصطلاحان فنيان لعلماء الحديث، أرادوا بهما ضبط بعض المسائل المتعلقة بشأن الحديث النبوي، وهما مصطلحان طرآ بعد عصر صدر الإسلام، ما في ذلك من ريب على أن هؤلاء العلماء حين قسموا الحديث هذا التقسيم الثنائي لم يحددوا بالضبط نهاية العدد الذي يعتبر به الحديث آحادياً، ولا بداية العدد الذي يعتبر به الحديث متواتراً. فبقى قدر مشترك بعد الحديثين الآحادي والمتواتر. وقد فهمت من كلام بعض ممنكري الحديث النبوي المعاصرين أنهم يفهمون أن حديث الآحاد هو ما رواه واحد عن واحد من بداية السند إلى نهايته، وهذا غير صحيح فقد يُروى حديث الآحاد عن عشرة في سلسلة السند ومع ذلك يظل حديث آحاد، ما داموا لم يحددوا بداية العدد الذي يكون به الحديث متواتراً. وقد تقدم أن حديث "من بدَّل دينه فاقتلوه" له ثلاث طرق سمعته من رسو الله ﷺ : طريق عن عائشة ﵂، وطريق عن ابن عباس ﵁، وطريق عن معاوية بن حيدة ﵁. وهذا جهل فاضح، إن لم يكن تجاهلاً قادحاً في سلامة النية، ونبل القصد. أقول: إن تقسيم الحديث النبوي إلى آحاد ومتواتر اصطلاح حادث بعد عصر صدر الإسلام، أما في صدر الإسلام الأول فإن الخلفاء الراشدين الأربعة كانوا يعملون بالحديث النبوي الصحيح، دون التفرقة بين ما كثر سامعوه عن رسول الله ﷺ ، وما قل سامعوه. إن الشرط الوحيد في قبول الحديث والعمل به هو "الصحة" وما كانوا ﵃ يطلبون امراً زائداً على الصحة ولا يقدح في ذلك أنهم كانوا - أحياناً - يطلبون مع راوي الحديث راوياً آخر قد سمعه من النبي ﷺ ، كما سمعه الراوي الأول.

стр. 177

أقول: ليس هذا قادحاً في قبول الصحابة الحديث مطلقاً دون النظر في كثرة الرواة وقتلهم، لأمرين: الأول: أن طلب الراوي الثاني لم يكن غالباً، بل ورد في بعض الحالات النادرة، ولم يحدث من أبي بكر إلا مرة واحدة ومن عمر ﵄ مرات قليلة. وكذلك عثمان وعلي ﵄. الثاني: أن طلب الخلفاء راوياً ثانياً يعاضد سماع الراوي الأول، لا يخرج الحديث من "الآحاد" إلى "التواتر" وهذا لا نزاع فيه. ويستنتج من هذا أن الخلفاء الراشدين، والصحابة، جيمعاً كانوا يعملون بالسنة الصحيحة، ولا يتجاوزون شرط الصحة من الحديث إلى أمر آخر زائد عن الصحة. فشرط العمل بالحديث هو رواية "الثقة" عن مثله. ومتى استوفى الحديث شرط الصحة وجب قبوله والعمل به، وعلى هذا جرى العمل عند رجال القرن الأول، وهو خير القرون مع تالييه الثاني والثالث. وقد يرد حديث الآحاد ولا يعمل به، لكن لا لأنه حديث آحاد. بل لأمر آخر يتعلق بسنده أو متنه مثل أن يكون له معارض أقوى منه. أو تكون في الحديث علة قادحة من علل المتن أو السند أو يكون مخالفاً لعمل أهل المدينة عند الإمام مالك ﵁. أو دل دليل على نسخه، أو تخصيصه بواقعة معينة. فإذا لم يكن في المسألة إلا حديث واحد مما أطلق عليه علماء الحديث أنه "حديث آحاد" وجب العمل به في المسألة المعروضة للفتوى أو الحكم، إذا كان راوية ثقة عن مثله، ولا يجوز رده. وهكذا كان يفعل الخلفاء الراشدون فإذا رددناه فلا يخلو الحال من أحد أمرين: الأول: أن نعمل بالرأي وهذا لا يجوز، لأن الرأي مقطوع بأنه ليس حكماً

стр. 178

لله ولا لرسوله، وحديث الآحاد الذي يرويه الثقة فهو فتوى أو حكم منسوب إلى النبي ﷺ ، سواء في ذلك أن يكون مفيداً للعلم، أو الظن القوى. فيكون العدول إلى الرأي مع وجود النص الشرعي حكماً بغير ما أنزل الله على رسوله، وبغير ما قضى به رسوله. الثاني: ألا نقضي في المسألة المعروضة، للفتوى أو للحكم بشيء, وحينئذ يكون فيما انتهينا إليه تعطيل لشرع الله وتعريض مشاكل الناس للاستفحال. وبعض الفقهاء يقدمون الحديث الضعيف على العمل بارأي، وهذه حيطة محمودة، فما بالك بالحديث الصحيح، الذي رواه العدل الضابط عن مثله؟! إن أكثر الأحكام الفقهية قائمة على الظن القوي وما في ذلك من حرج. وحديث الأحاد الذي رواه الثقة يفيد الظن القوي إن لم يفد العلم، فيجب العمل به. هذا، وقد حكى الإمام الرازي إجماع أصحاب رسول الله ﷺ على العمل بحديث رسول الله آحاد أو غير آحاد ولأهل العلم المحققين أدلة من عمل الرسول نفسه تؤكد وجوب العمل بأحاديث الآحاد. * منها: رسله وكتبه التي كان يبعث بها إلى رؤساء الشعوب والعشائر يدعوهم فيها إلى الإسلام، كالفرس والروم وأهل مصر وعشائر شبة الجزيرة العربية، مع جلال المهمة التي كانوا يضطلعون بها وهي أصل الدعوة إلى الإسلام. * ومنها كتبه وعماله إلى البلاد التي دخل أهلها الإسلام ولم يكونوا آلات صماء كما يقول بعض الناس، بل كانوا ينوبون عن رسول الله ﷺ في الفتوى والقضاء والفصل في الخصومات. وعلى نهجه سار الخلفاء الراشدون من بعده. * ومنها الأذان للصلوات الخمس، إن الذي كان يقوم به بلال ﵁ -

стр. 179

فيصحو من كان نائماً، ويتنبه من كان غافلاً، ويتذكر من كان ناسياً، ثم يهرع الجميع إلى المسجد، ومن كان ذا عذر صلى في بيته، بمقتضى الأذان الذي سمعه، وهو خبر آحاد ما في ذلك نزاع. وبعض الخلفاء كان يهم ليحكم في المسألة تعرض عليه برأية، ثم يتوقف ويسأل اصحاب رسول الله إن كان عندهم علم عن رسول الله في المسألة، فإذا وجد قضاء لرسول الله ﷺ قضى به وقال: لولا هذا لقضينا برأينا، حتى كان الذي أخبره بقضاء رسول الله رجلاً واحداً، وهذه أولى درجات حديث الأحاد، أعني رواية الواحد الفذ، فهل بعد هذا يسوغ أن يقال: أن أحاديث الآحاد لا تقبل ولا يعمل بها؟!. ثم ما أكثر الوقائع التي قضى فيها الخلفاء الراشدون بحديث الآحاد سواء كان الراوي أكثر من واحد أو واحداً فقط. فقد قضى به أبو بكر ﵁ في توريث الجدة من الأم السدس لما ذكر له الغيرة بن شعية، ومحمد بن مسلمة أن النبي ﷺ أعطاها السدس. وقضة به عمر بن الخطاب في دية "الجنين" إذا سقط بفعل فاعل، لما أخبره جمل بن مالك بأن رسول الله ﷺ قضى فيه بغرة (أمه - أو عبد) . وقضى به عمر بن الخطاب في أخذ الجزية من المجوس لما أخبره عبد الرحمن بن عوف بأن رسول الله ﷺ قال: "سُنوا فيهم سنة أهل الكتاب". وقضى به عثمان ﵁ في اعتداد المرأة المتوفى عنها زوجها في بيت الزوجية حتى تنقضي عدتها، لما أخبرته الفريعة بنت مالك أن الرسول ﷺ أمرها أن تعتد في بيت زوجها عقب مقتله وقال: "امكثي في بيتك حتى يبلغ الكتاب أجله" فقضى عثمان واقعة أخرى مماثلة لواقعة الفريعة عملاً بحديث الآحاد الذي أخبرته به الفريعة. وكذلك فعل علي بن أبي طالب ﵁، وقد روى عنه قوله: "كنت إذا سمعت من رسول الله ﷺ حديثاً نفعني الله به ما شاء أن

стр. 180

ينفعني، وإذا حدثني أحد من اصحاب رسول الله ﷺ استحلفته، فإذا حلف لي صدقته"؟! هذا هو موقف الأمة من صدر الإسلام إلى يوم الناس هذا، يعملون بالحديث النبوي (الصحيح) ولم يفرقوا بين حديث رواه واحد أو اثنان أو ثلاثة وحديث رواه أربعون، فما أبعد منكري السنة عن الحق في كل شبهاتهم التي يثيرونها لإبطال سنة نبي الرحمة ﷺ قاتلهم الله أنى يؤفكون. * * *
следующие страницы →