← Общие книги

Общие книги · id 1409

الشبهات الثلاثون المثارة لإنكار السنة النبوية عرض وتفنيد ونقض

عبد العظيم المطعني

Полный текст (188 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الكتاب: الشبهات الثلاثون المثارة لإنكار السنة النبوية عرض وتفنيد ونقض المؤلف: د. عبد العظيم إبراهيم محمد المطعني الناشر: مكتبة وهبة الطبعة الأولى ١٤٢٠ هـ - ١٩٩٩ م عدد الأجزاء: ١ تنبيه: [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع] جَزَى اللَّهُ كَاتِبَهُ وَمَنْ تَحَمَّلَ نَفَقَةَ الْكِتَابَةِ خَيرَ الجَزَاءِ وَأَوفَاهُ.

стр. 2

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ مدخل الدراسة مع مطلع هذا العام ١٩٩٩ م اشتد الهجوم على السنة النبوية ونشطت بعض الأقلام في الطعن في الحديث النبوي بشكل عام، ودعوة الناس إلى الإعراض عن السنة الشريفة، وعدم التعويل عليها في علاقة المسلم بربه، ومجتمعه، وأسرته ودنياه وآخرته؟! زقد راقبنا ما نشر حول هذا الموضوع، فرأيناه يزداد عنتا وضراوة وقبحاً يوماً بعد يوم، ورأينا الذين تولوا كبر هذه الفتنة كلهم - بلا استثناء - دخلاء أعياء على المجال الذي زجَّوا بأنفسهم فيه إذ لا صلة لهم بالدراسات الإسلامية بعامة، ولا بالحديث وأصوله بخاصة، وكل حظهم أن قرأوا بعض كتب التراث، وأخذوا يبحوث عن "العورات" التي ظنوا أنها تفيدهم في تشوية حقائق الإسلام، وعزله عن المسلمين، أو عزل المسلمين عنه، لحاجات في نفوس "اليعاقيب" بدت أفواهم، وما تخفي صدورهم أكبر. وقد ساعد على ضراوة هذه الحملة المسعورة عندنا في مصر أمور: أولاً: التوغل اليهودي بعد لاتصالح مع "إسرائيل" وقيام سفارة لها في أرض الكنانة، أصبحت هذه "السفارة" وكراً لنفث السموم ومحاربة الإسلام، على أيدي عملاء لها من بنيجلدتنا ويتحدثون بلساننا، ويتحركون وهم آمنون، لأنهم "مصريون" بل "مسلمون" وهذا هو مكن الخطر. ثانياً: إسهام الجامعة الإمريكية بالقاهرة في الإستاءات السافرة إلى الإسلام، ففي عام ١٩٩٨م عثر على كتاب يدرس فيها للكاتب اليهودي (ماكسيم رودنسون) بعنوان (محمد) ويقوم بتدريسه للشباب المصريين أستاذ أمريكي الجنسية. وهذا الكتاب عبارة عن خطة موضوعة لتحقيق غرضين كبيرين: (أ) - هدم الإسلام أصولاً وفروعاً، وكلمة "هدم" هنا لا نقصد منها

стр. 3

معناها "المجازي" بل معناها "الحقيقي" كما يدل على ذلك موضوع الكتاب نفسه لمن اطلع عليه، أو على ملخص له، واكتفينا بعد العثور على هذه الجريمة بمصادرة "الكتاب" ولم نوجه للجامعة الأمريكية بالقاهرة أي "لوم" ولو على سبيل "الهزاز"؟! وهذا ما شجع هذه الجامعة على العودة إلى الإساءة إلى الإسلام مرة أخرى. حيث عثر على رواية "ما جنة" تدرس بين جدران هذا الوكر الاستعماري، وهي رواية "الخبز الجاف" التي تدعو إلى قتل الأخلاق والفضائل عند أجيال المستقبل وتشجع على "الدعارة" والانتحار الخلقي؟! وليس بين جامعة الأزهر (راعية الإسلام) وبين الجامعة الأمريكية (عدوة الإسلام) إلا بضعة كيلو مترات تقريباً. ثالثاً: مركز ابنن خلدون: وهو وكر استعماري جديد، قد تكشفت خفاياه من خلال أعمال مشهورة له، مثل مؤتمر الأقليات، الذي كان مزمعاً عقده في مصر، لكن ولاة الأمر منعوا انعقاده فيها عندما أحسوا بخبث المراد منه، وهو إثارة الفتنة الطائفية في مصر. ثم تبنى هذه المركز لدعوة تزويج الشباب المصري من فتيات "إسرائيل" وروَّج لهذه الفكرة بما أوتى من وسائل الدعاية ولكن الوعي المصري وأد هذه الفكرة في مهدها والحمد لله، ثم إقحامه نفسه فيما ليس له فيه ناقة ولا جمل، وهو إعداد مناهج للتربية الدينية الإسلامية في المراحل الثلاث: الإبتدائي والإعدادي والثانوي، تضمنت تلك المناهج اعتداءات صارخة على الإسلام، وكان من أشنع ما ورد فيها إنكار السنو النبوية والقول بأن الأحاديث النبوية كلها "مزورة" ولا يصح منها شيء على الإطلاق؟! وقد تصدت صحيفة "عقيدتي" لهذه المناهج، وكشفت ما فيها من باطل خلال أشهر الشتاء الماضي، ثم تتابعت الحملات في بعض الأخرى، الأمر الذي حمل السيد وزير التربية والتعليم على أن يتصل برئيس تحرير

стр. 4

"عقيدتي" الأستاذ السيد عبد الرءوف، ويعلن براءة الوزارة من أباطيل مركز ابن خلدون. كما أعلن ذلك في مجلس الشعب أمام لجنة "التعليم" وخمدت تلك الفتنة بسبب الوعي المصري، والحرص على الإسلام عقيدة وشريعة. رابعاً: النظام العالمي الجديد أو "العولمة" ذلك النظام الذي حدث بعد انهيار النظام السوفيتي الشيوعي، حيث ترك انهياره فراغاً أمام الدول الرأسمالية، وبخاصة الولايات المتحدة الأمريكية، وفرضت أمريكا نفسها - بمعونة بعض حلفائها - أن تتزعم هذا النظام، الذي يصبح فيه العالم كله مثل القرية الواحدة، أو قرية واحدة بدون "مثل" ويستهدف هذا النظام محو الفوارق بين الشعوب، أو محو شخصية العالم الإسلامي، وتجريده من "مقوماته" وفي مقدمتها الدين واللغة العربية، وما يتصل بهما من حضارة، ولذلك فإن أوروبا - كلها - تسعى - الآن - لإسقاط الإسلام بما تملك من وسائل "ساخنة" أو "باردة". ولا يستطيع "عاقل" أن يبرئ أمريكا وبعض حلفائها مما يعتري العالم الإسلامي - الآن - من عمليات المحو والقرض والجذر وإن كان عملاؤها هم الذين يتحركون، فإن "الوقود" صليبي صهيوني بلا أدنى ريب. وفي أثناء الهجوم الشرس على السنة النبوية اتصلت بي "شخصية" من العالمين بما وراء الكواليس، وأكدت لي أن إحدى السفارات الأجنبية الغربية تدبر مركزاً لجمع المعلومات الشاذة من التراث العربي الإسلامي، وتود بها أولئك العملاء الذين يناصبون الإسلام العداء في الصحف والمجلات المصرية، وأن أميراً من أسرة المالكة في الدولة التي تتبعها تلك السفارة، هو الذي ينفق على المركز من ماله الخاص. وصدق الله العظيم القائل: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ....﴾ [الأنفال: ٣٦] خامساً: استثمار آثار العنف، والفتنة التي مرَّت بها البلاد فكدرت الصفو

стр. 5

العام والخاص، ثم توقف العنف الذي كانت الدولة قد تصدت له، وخاضت معارك شرسة مع عناصر الفتنة. وكان من المحن أن حوادث الإرهاب نسبت إلى الإسلام، فأراد هؤلاء المشاغبون الجدد أن يطرقوا الحديد وهو ساخن، حيث ظنوا أن الدولة أصبحت في موقف قلق من التمسك بالدين، والدعوة إليه، وأنها تغمض عينها عن كل من يحذر من الحماسة الدينية، في هذا الجو أرخى هؤلاء المشاغبون لأنفسهم العنان، فأداروا ظهورهم للإرهارب وبواعثه، وأخذوا يصوبون "سهامهم" نحو الإسلام نفسه وصوروا كل ما هو إسلامي في صورة التطرف والعنف والإرهاب أو التشدد المتزمت، فصرنا نسمع أو نقرأ لأناس لم يكن لهم ذكر من قبل، ومنهم من وصف علماء الحدثي وشراحه بأنهم إباحيون؟! ومنهم من اتعم الإمام الشافعي بأنه ابتدع أشنع بدعة في الإسلام بجعله السن مصدراً للتشريع في كتابه المعروف بـ "الرسالة"؟!. وإذا فتشت عن صلة هؤلاء بالدراسات الإسلامية تجدها "صفر" غير مسبوق بأرقام، ولكنهم قرأوا بعض الكتب فظنوا أنهم صاروا أئمة يشار إليهم بالبنان؟! سادساً: الصحف الجديدة: في السنوات القليلة، الماضية، انتشرت ظاهرة جديدة، لم يكن لها وجود من قبل، تلك هي ظاهرة الصحف الجديدة، التي تواصل الصدور هذه الأيام. وتجاوزت هذه الصحف نطاق الحياة الحزبية، فأخذ بعض الأفراد يتسارعون في إصدارها بهدف الكسب المالي واستثمار رءوس أموالهم. ولهم حيل كثيرة في استصدار التراخيص الرسمية، التي تمكنهم من مزاولة المهنة في جو آمن. انتهى الوقت الذي كانت فيه الأهرام والأخبار والجمهورية نجوم العمل الصحفي في مصر، واصبحت ترى على الأرصفة وفي الأكشاك ومع الباعة حشداً هائلاً من الصحف اليومية والأسبوعية. بالإضافة إلى المجلات العتيقة والحديثة،

стр. 6

ربما كان المتوسط اليومي يتراوح بين العشر والثماني صحف تعرض للقراءة صباح كل يوم. والصحيفة بلا قراء أشبه بـ "السقط" الذي لم يكتمل تكوينه في رحم أمه فكان لابد لهذه الصحف الجديدة من السعي لإيجاد قراء لها. وأقرب وسيلة، وأقصر طريق هو الكتابة "في الممنوع" و"عن الممنوع" وهذه هي الخطة التي سارت عليها "الصحف الجديدة" واتخذت من الكتابة "في الممنوع"، "وعن الممنوع" في الشئون الدينية الإسلامية معيناً لا ينضب، وبحراً لا تتوقف أمواجه، ولا يجف ماؤه فظفرت باهتمام القراء، ومتابعتها في ما تكتب عن الإسلام، هنا وجد الموتوروت من الإسلام الفرصة أمامهم، فلم يألوا حهداً في الإساءة إليه والكيد له، والتحامل عليه واستثمروا - مع هذه - كل المغريات المشار إليها من قبل، وركزوا جهودهم على محورين: * الدعوة إلى إلغاء الفقه الإسلامي؛ لأنه في نظرهم فقه متخلف رجعي، تجاوزه الزمن أو نتاج أموات فكيف يتحكم أهل القبور في سكان القصور، فقه كتب لخدمة الحكام الذين كتب في عصورهم وإن شئت فانظر كتابى: ثقافتنا في مواجهة العصر، وتجديد الفكر العرب وكلاهما للدكتور/ زكي نجيب محمود. * الدعوة إلى إلغاء السنة النبوية، إما لأنها مزورة عن رسول الله ﷺ ؟!. وإما لأنها - وإن كانت غير مزورة - ليست من الدين في شيء. والإيمان بها والاحتكام إليها أكبر بدعة حدثت في الإسلام، تولى كبرها "الشافعي" ثم تابعه الفقهاء من بعده؟! وأن العمل بالسنة هو سبب تخلف المسلمين؟! والملاحظ الآن أن الحملة على الفقه بدأت تتراجع، أما الحملة على السُّنة فقد تضاعف حجمها، ورأينا أشخاصاً يكتبون حولها بهم من قبل، وعهد لهم بالكتابة، ولولا وجود الصحف الجديدة ما وجد هؤلاء الأدعياء من

стр. 7

ينشر لهم حرفاً واحداً، ولكن " لكن ساقطة، في الحي لا قطة" كما جاء في المثل الحكيم. * * * * * ونسأل: لماذا اشتداد الهجوم على السنة؟ وكأن بين هؤلاء وبينها ثاراً دامياً؟ والإجابة في إيجاز: قال الأستاذ عباس محمود العقاد في كتابه المعروف: "الإسلام في القرن العشرين" ما خلاصته: أن أوربا في وضع الخطط لمحاربة الإسلام كلفت خبراءها ومفكريها أن يدرسوا الإسلام، ويحددوا القوة فيه، ليحاربوه وهو به عالمون. وكانت تلك العناصر - كما أسفر البحث - هي: القرآن الينة، شخصية النبي، وبدهي أنهم كانوا يحدودن عناصر القوة الرئيسية في الإسلام، وإِلأَ فإن في الإسلام عناصر قوة أخرى، لكنها فروع بالنسبة إلى هذه الأصول الثلاثة. هذه خلاصة ما نقله المرحوم العقاد عنهم، ذكرناها لأن لها ارتباطاً وثيقاً بما نحن فيه الآن. حيث توضح هذه الخلاصة الإجابة على هذا السؤال الذي طرحناه: لماذا اشتداد الهجوم على السنة؟ إن المراد بالسنة في تقرير الخبراء الأروبيين المشار إليه هو الجانب النظري من أقوال النبي ﷺ ، أو أحاديثه المتعمدة عند المسلمين الآن. أما شخصية النبي فالمراد بها - عندهم - الجانب السوكي العملي الأخلاقي، باعتباره "القدوة الحسنة العليا" لمن آمن وعمل صالحاً. ثم إن أحاديث الني - السنة - هي الحافظة لسلوكياته وعناصر شخصيته "الفريدة".

стр. 8

في هذا الإطار - نفهم بوضوح اشتداد الهجوم على السنة النبوية، لأنها تمثل - عندهم - عنصرين من عناصر القوة في الإسلام، وهما: * الثروة الحديثية النبوية. * شخصية النبي العملية. وهذه أولويات وضعها خصوم الإسلام للقضاء عليه، ها دنوا القرآن ليأسهم من النيل منه فهم لا يستطيعون أن يدعو أنه "مزَّور" ويكون لادعائهم هذا رواج. ولكنهم استسهلوا الهجوم على السنة، واضعين في حسابهم أنهم إذا اسقطوا السنة من حياة المسلمين فقد أسقطوا معها القرآن دون أن يمسوه بقول؛ لأن المسلمين لا يستطيعون أن يقيموا القرآن إلا بإقامة السنة، فهي البيان الذي لا بد منه لما جاء في القرآن. ومع مهادنتهم للقرآن، فإنهم وضعوا بإزائه مقولة هي في الواقع آفه قاتلة: هذه المقولة هي "القرآن ثابت الأصل متغير المحتوى" يعنون: إبقاء النص القرآني كما هو بلا تخريف في ألفاظه ولا تراكيبه وإنما التحريف المستساغ هو عدم ثبات معناه، فيعترى المعنى بمرور الأزمان، واختلاف المكان، وتباين الأحوال ما يعتريه وعلى هذا فليس ببعيد أن يصبح مفهوم "الربا" الآن هو هو مفهوم "الزكاة" في زمان آت، أو مكان آخر. يعني أن عناصر القوة الثلاثة قد واجهوها بالحروب الباردة وعن طريق عملائهم منا ﴿وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٤٧] . ومرت أوقات كان الغرب فيها يزاول هذه المهمات بنفسه. ثم اهتدوا إلى "البديل" وهم العملاء من الداخل. الذين يحملون معاول الهدم الآن، وهي أقلامهم الملعونة، ضد الإسلام، ونبي الإسلام وسنة نبي الإسلام ﷺ . وقد تابعت ما كتبوه عن السنة خلالهم الأشهر الماضية من هذا العام

стр. 9

(١٩٩٩م) فوجدتهم يرددون ثلاثا وثلاثين شبهة كلها موجهة للنيل من السنة الشريفة المطهرة، على صاحبها أفضل صلاة وأزكى تسليم. كما تابعت الردود السديدة التي كتبها المخلصون من أهل العلم على هؤلاء الزنادقة الموتورين من الإسلام. لكني لحظت على هذه الردود أنها لم تستوعب كل ما أثاره الخصوم من شبهات، ولم تستقص وجوه الرد عليهم، وأنها جاءت مفرقة غير مجموعة. وهذا ما حملنا على كتابة هذه "المواجهة" التي رصدت كل ما أثاروه من شبهات وأغاليط، فبلغت ثلاثاً وثلاثين شبهة ذكرناها واحدة ولحدة، وعرضناها بكل أمانة وصدق، وبينا الهدف منها عندهم. ثم أتبعنا كل شبهة بالرد المناسب عليها، وكشفنا عما فيها من جهل وجهالة، وزيف وباطل، وذلك في أسلوب علمي موضوعي نرجو أن يكون مقنعاً ممتعاً بإذن الله. وأغفلنا أسماء هؤلاء الحاقدين ولم نقم لهم وزناً، لأننا نعلم أنهم يحبون أن تذكر أسماؤهم في مثل هذه الأعمال، لينالوا بها شهرة وبطولة محمومة. ولأن من ورط نفسه منهم في إنكار السنى يكاد يكون معروفاً عند القراء وقد اثبتنا في عنوان الدراسة الإشارة إلى ثلاثين شبهة، وهي في الواقع ثلاث وثلاثون، لمجرد الإختصار، كما هو الشأن في العنوانات والتراجم. والشبهات التي تصدينا لها في هذه الدراسة - وإن كان هدفها العام واحد هو محو السنة النبوية - تنقسم ثلاثة أقسام من حيث الأهداف المرادة من كل شبهة: القسم الأول: شبهات يراد بها مجرد التشكيك في صحة الأحاديث النبوية، وفي نسبة صدورها من النبي ﷺ ، مثل شبهتى: ندرة الصحيح في محفوظ الإمام البخاري ﵁، وندرة الأحتكام إلى السنة عند الإمام أبي حنيفة"؟!

стр. 10

القسم الثاني: وهو شبهات يراد بها محو السنة من الأساس مثل شبهتى: نهي النبي ﷺ عن كتابة السنة وإدعاء أن القرآن الحكيم نهى عن الإيمان بالسنة والعمل بها؟!. أما القسم الثالث: فهو شبهات أرادوا منها عزل السنة عن حياة المسلمين حتى وإن صحت كل الأحاديث المروية فيها، وذلك مثل شبهتى: القرآن وحده فيه كفاية للأمة عن كل ما سواه؟!. السنة ليست مصدراً تشريعياً، لا مع القرآن، ولا منفردة، وسيجد القراء الكرام ردوداً مفحمة على هؤلاء الزنادقة الموتورين من الإسلام، حيث لم تصح لهم شبهة واحدة مما أثاروه، وكان الخزى - دائماً - حليفهم. وهذا هو شأن كل أدعياء الباطل في كل زمان ومكان ونذكر القراء الكرام أننا لم نراع - في الغالب - ترتيباً معينا في ذكر هذه الشبهات وتفنيدها ونقضها، لأن المقصود من هذه الدراسة هو إبطال مدعياتهم، ورد كيدهم في نحورهم، وقدكان والحمد لله ولي الذين آمنوا. والأملفي الله كبير، أن يكون ما في هذا الكتاب "بيان للناس" ينصر الحق، ويزهق الباطل. وقبل أن نودع هذا المدخل أحب أن أدعو الله للأستاذين الفاضلين: وهبة حسن وهبة صاحب ومدير الدار الناشرة لهذه الدراسة على سرعة قيامه بالطبع والنشر انتصاراً لسنة نبي الرحمة على أولياء الشيطان. ومحمد محمود هاشم، رجل البر والتقوى، لما قدمه من عون يعلمه الله في سبيل نشر هذه الدراسة، فاللهم ضاعف ثوابهما وأعف عنا وارحمنا، أنت مولانا فانصرنا على أعداء الحق والدين. القاهرة في ١٠ صفر ١٤٢٠ هـ الموافق ٥ يوليو ١٩٩٩م المؤلف عفا الله عنه

стр. 11

الشبهة الأولى النهي النبوي عن كتابة الحديث من أبرز الشبهات التي يستند إليها منكرو السنة النبوية، الحديث الذي ورد في النهي عن كتابة الحديث النبوي، وجمعه وتدوينه في صحف خاصة به. فقد روى مسلم في صحيحه، عن أبي سعيد الخدري، أن رسول الله ﷺ قال: "لا تكتبوا عني شيئاً إلا القرآن، ومن كتب عني شيئاً فليمحه". ومنكرو السنة النبوية قديماً وحديثاً يرددون ها الحديث كثيراً، وبخاصة في هذه الأيام التي نشطوا فيها نشاطاً واسعاً، لم يكن معهوداً من قبل فهم يقولون إن السنة لو كانت من أصول الدين لأمر النبي ﷺ بكتابتها وجمعها في صحف كما كان يصنع مع القرآن حين ينزل، حيث كان يأمر كتبه الوحي بكتابة ما ينزل عليه أولاً فأولاً، أما وأنه قد نهى عن كتابتها، فهذا دليل على أنها ليست من الدين في شيء. ومن المحال أن تكون السنة من الدين وينهى النبي عن كتابتها، بل ويأمر بمحو ما كتب منها. تفنيد هذه الشبهة ونقضها: هذه الشبهة التي يستند إليها خصوم السنة أوهى من بيت العنكبوت، وهم يعلمون هذا، ولكن العناد هو المسيطر عليهم، لأن هذا الحديث الذي تمسكوا به لم يكن هو الموقف الوحيد في مسألة كتابة الحديث النبوي وروايته وجمعه وتدوينه. فقد وردت أحاديث أخرى أذن فيها النبي ﷺ برواية الأحاديث عنه، وتدوينها وكتابتها. أحاديث الإذن: روى أبو داود والحاكم وغيرهما عن عبد الله بن عمرو بن العاص، قال:

стр. 12

" قلت يا رسول الله: إني أسمع منك الشيء فأكتبه. قال: نعم. قلت: في الغضب والرضا؟ قال: نعم فإني لا أقول فيهما إلا حقاً". وروى الترمذي عن أبي هريرة، قال: كان رجل من الأنصار يجلس إلى رسول الله ﷺ يسمع منه الحديث فيعجبه ولا يحفظه - يعني كان سريع النسيان - فقال له النبي: استعن عليه بيمينك، وأومأ بيده إلى الخط" هذا الرجل شكا إلى النبي ضعف ذكراته عن حفز الأحاديث. فأرشده النبي ﷺ إلى أن يكتب ما يسمعه من أحاديثه ليسهل عليه الرجوع إليها إذا نسى شيئاً منها. وروى البخاري عن أبي هريرة أنه قال: "لم يكن أحد من أصحاب رسول الله ﷺ ، أكثر حديثاً مني، إلا ما كان من عبد الله بن عمرو بن العاص. فإنه كان يكتب، وأنا لا أكتب" ففي كلام أبي هريرة هنا توكيد لما رواه أبو داود والحاكم من اشتغال عبد الله بن عمرو بكتابة حديث رسول الله ﷺ ، وإقرار النبي له على الكتابة. وروى الشيخان - البخاري ومسلم - أن رجلاً من أهل اليمن، اسمه أبو شاه سمع خطبه النبي بمكى عام الفتح، وكان أمياً لا يقرأ ولا يكتب، فطلب من النبي أن يكتب له شيئاً مما قال. فقال ﷺ لأصحابه "اكتبوا لأبي شاه". وروى البخاري في صحيحه أن علي بن أبي طالب ﵁ سُئل بعد وفاة النبي ﷺ : هل عندكم من رسول الله شيء غير القرآن؟ قال: لا والذي فلق الحبة، وبرأ النسمة، إلا أن يعطى الله عبداً فهما في كتابه وما في هذه الصحيفة، قلت: وما في الصحيفة؟ قال: العقل وفكاك الأسير، وأن لا يقتل مسلم بكافر". وروى ابن عبد البر في كتابه المعروف "جامع بيان العلم وفضله" سبباً

стр. 13

لسؤال عبد الله بن عمرو بن العاص للنبي ﷺ ، الذي تقدم "إني أسمع منك شيئاً فأكتبه". قال ابن عبد البر ما خلاصته: إن الصحابة لما رأو عبد الله يكثر من كتابة الحديث عن رسول الله قالوا له: "إنك تكتب عن رسول الله كل ما يقول، ورسول الله قد يغضب، فيقول ما لا يتخذ شرعاً عاماً فرجع عبد الله بن عمرو إلى رسول الله ﷺ فقال له: "اكتب عني، فو الذي نفسي بيده ما خرج من فمي إلا الحق". ومن المعلوم أن النبي ﷺ كان يرسل إلى رؤساء الشعوب والعشائر كتبا يدعوهم فيها إلى الإسلام، ويختمها بخاتمه، ما تزال هذه الكتب موجودة في وثائق خاصة بها. وهي بلا نزاع تمثل جانباً عظيماً من سنته القولية الطاهرة. كما ثبت أنه ﷺ كان يكتب لولاته وعما له كتبا يبين فيها أحكام الصدقات (الزكاة) والديات والفرائض (المواريث) وبعض السنن، هذه الوقائع والآثار تدل دلالة قاطعة على أن النبي كان قد أذن في كتابة أحاديثه للعمل بها في حياة المسلمين. وليزود عما له وولاته بما يعينهم على أداء مهماتهم في إدارة الأمور على هدى من كتاب الله وسنة رسوله الكريم. التوفيق بين النهي والإذن: علماء الأمة ﵃، لهم موقف سديد من حديث النهي عن كتابة الحديث النبوي، الذي رواه أبو سعيد الخدري، وأحاديث الإذن بكتابته وروايته، التي رواها عبد الله بن عمر بن العاص وأبو هريرة. وغيرهما. وخلاصة موقفهم أن النهي كان أولاً، وأن السبب فيه كان خشية اختلاط الحديث بالقرآن، وبخاصة لأن الأمية كانت منتشرة، ولكي تتوفر عناية المسلمين بالقرآن أولاً، لأن الأصل، ولما حصل التمييز الكامل بين أسلوب القرآن وأسلوب

стр. 14

الحديث النبوي ارتفع الحظر، فأذن ﵇ برواية أحاديثه وكتابتها على النحو الذي تقدم ذكره. ونضيف إلى ما قاله علماؤنا ﵃، أن القرآن يجب حفظه وتلاوته على الصورة التي أنزله عليها لفظاً ومعنى وتراكيب، فلا يجوز فيه إبدال حرف بحرف، ولا كلمة بكلمة، ولا الإخلال بنظم تراكيبه مهما كان الأمر، وأنه متعبد يتلاوته كما نزل. أما الحديث النبوي فيجوز عند الضرورة روايته بالمعنى دون اللفظ نطقاً لا كتابه، كما يجوز للراوي إذا نسى لفظاً، أو اشتبه عليه الأمر، أن يذكر لفظاً آخر يدل على معنى اللفظ الذي نسيه مع التنيه على ذلك. لهذا كان من الضروري كتابة القرآن، والاكتفاء في رواية الحديث بالحفظ. ويؤيد هذا ما روى عن الضحاك من قوله: "لا تتخذوا للحديث كراريس ككراريس المصاحف" فأنت ترى علماؤنا أهل الحق يقرون بصحة حديث النهي الذي رواه أبو سعيد الخدري ﵁، كما يقرون بأحاديث اإذن دون تفرقة، وقد أزالوا التعارض الحاصل بن حديث النهي وأحاديث الإذن بما قد رأيت من توجيه: النهي كان أولاً، والإذن كان ثانياً، ولهذا نظائر في السنة، فقد نهى النبي ﷺ عن زيارة القبور أولا، ثم عاد فأذن فيها ثانياً للعظة بما كما نهى عن ادخار لحوم الأضاحي أولاً، ثم عاد فأذن بادخارها ثانياً. وكل هذا حدث لحكمة تزيل من النفوس الريبة. وتبعث فيها برد اليقين. موقف منكري السنة: أما منكرو السنة فأمرهم عجب. وهم أمام هذه المسألة فريقان. فريق منهم يذكر حديث النهي وحده، ولا يشير من قريب أو من بعيد إلى أحاديث الإذن؟! وكأنها - عندهم - لم تكن. وهم بهذا يبرهنون على أنهم طلاب باطل لا طلاب حق، وأنهم أبعد ما يكونون عن المنهج العلمي النزيه.

стр. 15

أما الفريق الثاني، فيعترفون - وهم كارهون - بأحاديث الإذن. ثم يقفون منها موقفين: الأول: هو الطعن فيها بعدم الصحة، ودعاة الطعن منهم قلة. الثاني: هو القول بأن أحاديث اذن كانت أولاً. ثم جاء حديث النهي ثانياً فنسخ الإذن في كتابه الأحاديث، وصار النهي هو الموقف النهائي لرسول الله ﷺ وهذا من أفحش الأخطاء بلا نزاع. فقد تقدمت الإشارة إلى حديث أبي شاه الذي أمر فيه النبي ﷺ أصحابه أن يكتبوا له خطبة رسول الله عام الفتح، أي العام التاسع الهجري. كما تقدم خبر الصحيفة التي كتب فيها الإمام علي ﵁ بعض أحاديث الأحكام. وهذا بالقطع كان بعد وفاة النبي ﷺ ، ولو كان حديث النهي عن كتابة الحديث هو الناسخ لأحاديث الإذن ما ساغ للإمام علي ﵁ أن يحتفظ بتلك الصحيفة التي كان يسميها "الصادقة" لأن احتفاظه بها يكون حينئذ معصية لنهي رسول الله. وهذا لا يصح صدوره من أي صحابي غير علي. فكيف يصح عنه وهو من هو طاعة لله ولرسوله؟! وللقارئ أن يتبين حجم الضلال وشناعته الذي يغدو فيه منكرو السنة ويروحون؟ فقد تمسكوا بحديث واحد، وأعرضوا عن طائفة من الأحاديث والوقائع، وضربوا بمواقف علماء الحق عرض الحائط، لأن هدفهم هو تحقيق مطامع أعداء الإسلام في الإسلام، فركزوا على محو السنة من حياة المسلمين، والسنة نصف الإسلام فإذا تمكنوا محوها، أو التشكيك فيها تمكنوا في الوقت نفسه - لا قدر الله - من تحنيط القرآن وعزله عن حياة المسلمين. والله لهم بالمرصاد وهو لا يصلح عمل المجرمين. * * *

стр. 16

الشبهة الثانية ادِّعاء النهي القرآني عن الإيمان بالسنة والعمل بها ؟! هذه الشبهة (الطريفة الظريفة) من اختراعات زنادقة العصر، وقد رددها شرذمة منهم عندنا في مصر، من خلال الصحف الجديدة، التي تبحث لها عن قراء، ودأبت على السير في الممنوع، أو أقتحام الحواجز بلا وازع من دين أو خلق، وتحت مقولة "قبول الآخر". وإنما أطلقنا عليها عبارة "الشبهة الطريفة الظريفة" لأنها تثير الضحك من الأعماق على جهل وجهالة من يذيعونها، ويروجون لها. وهم إذ يستخفون بعقول القراء، وإدارات الصحف التي تنشر لهم، يقيمون أقطع الأدلة على أنهم لا عقول لهم، لأن هذه الغرائب لا تصدر على من له مثقال ذرة من عقل. ولا يوجد على ظهر الأرض مؤمن ولا كافر يقبل هذا الهراء. فالمؤمن والكافر لا يريان أن بين القرآن وبين سنة من أنزل الله عليه القرآن عداء أو مجافاة. والعنوان الذي ضغناه لتصوير هذه الشبهة يقتضي أن يكون لهؤلاء الزنادقة، الذين اخترعوا هذه الشبهة أدلة من آيات القرآن يكون معناها: لا تؤمنوا بسنة رسول الله، ولا تتبعوها في حياتكم، لأن الإيمان بها كفر، والعمل بها ضلال؟! والواقع أن هؤلاء الزنادقة عمدوا إلى آيتين من كتاب الله العزيز، واستدلوا بهما - جهلاً وحماقة - على هذه الشبهة النكراء. إحدى الآيتين خي قوله تعالى: ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ﴾ [الأعراف: ٣] .

стр. 17

والثانية هي: ﴿أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ﴾ [الأعراف: ١٨٥] تفنيد هذه الشبهة ونقضها: فقد صوَّر لهم جهلهم، أو أرادوا هم أن يصوروا للناس بعنادهم أن محمداً ﷺ ولي من دون الله؟ وأن هديه وإرشاده وبيانه للقرآن الذي أنزله الله عليه دين آخر غير الدين الذي بعثه الله به، فحذرهم الله من الإيمان بسنته والعمل بها؟! أرأيت جهلاً أجهل من هذا الجهل؟ أم أرأيت عناداً وحماقة أشنع من هذا العناد، وتلك الحماقة؟ وكيف يكون محمد ﷺ بهذه المنزلة التي يناصب الله فيها العداء؟ والله يقول له قبل هذه الآية مباشرة: ﴿كِتَابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ فَلَا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ لِتُنْذِرَ بِهِ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأعراف: ٢] أما قوله تعالى: ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ﴾ فهي تثبيت للمؤمنين على ما بعث الله به محمداً ﷺ ، ونهى عن إتباع سبل الباطل وعبادة الأصنام والأوثان، والاعتقاد في غير الله تعالى نافعاًَ ضاراً، خالقاً رازقاً محيياً مميتاً، رافعاً خافضاً، مبدئاً معيداَ ... إلخ. هلا سأل رءوس الجهل والضلال هؤلاء أنفسهم: كيف يبعث الله رسولاً، وينزل عليه وحياً، ثم يتخذ منه منافساً له، ويحذر من أرسله إليهم من اتباعه؟ إنهم - بهذا - يسيئون إلى الله جل شأنه، ويصفونه بما لا يليق بجلاله وحكمته. رحم الله شاعر النيل حافظ إبراهيم القائل: وكم ذا بمصر من المضحكات ولكنه ضحك كالبكاء أما الآية الثانية، فهي حديث صريح عن المكذبين بآيات الله، الذين آثروا الكفر على الإيمان.

стр. 18

وقد جاءت الآية في هذا السياق القرآني الحكيم ﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ (١٨٢) وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ (١٨٣) أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِهِمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ (١٨٤) أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ﴾ [الأعراف: ١٨٢ - ١٨٥] إن هذه الآيات جميعاً تنعى على الكافرين كفرهم، وتشير إلى دلائل الإيمان اللائحة امامهم، وتضفى هالة من الثناء على رسوله الكريم، والحديث المذكور في هذه الآية ﴿فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ﴾ هو حديث الإيمان في دلائله، ومظاهره العلوية والسفلية، فكيف فهم هؤلاء الأغبياء أن الآية فيها تنظير بين القرآن وبين حديث من أنزل عليه القرآن، وأن الاستفهام الإنكاري ورد في الآية للتحذير من اتباع الحديث النبوي؟ أليس هذا أغرب ما يقع في وهم واهم، أو تخليط محموم؟ لو كان محمد ﷺ عند الله كما يزعم هؤلاء الأغبياء لما أرسله رحمة للعالمين، وهادياً ومبشراً ونذيراً. إن سوء النية باد على افواهم، وفيما تطسر أقلامهم وإلا فما الذي أعماهم عن قوله تعالى في السورة نفسها: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٥٧) قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٧ - ١٥٨]

стр. 19

دقق النظر في نظم الآيتين، تجد التصريح باتباع الرسول الكريم ورد مرتين: مضارعاً وأمراً: "يتبعون" - "اتبعوه". ثم تأمل هذه الجمل: (يأمرهم - ينهاهم - يحل - يحرم - يضع) تجد الفاعل فيها عائداً على الرسول، فهو الآمر، والناهي والمحلل، والمحرم، والواضع، فما هي دلالة هذا الصنع مع أنه مبلغ عن الله في الأمر، والنهي، والتحليل، والتحريم، وفي وضع الإغلال. إن دلالة هذا النظم البديع أن لرسول الله دوراً في تأدية الرسالة، وبيان ما أنزل الله عليه في القرآن وما هداه إليه من ير القرآن، مما تضمنته سنته المطهرة، وأحاديثه المشرقة، لأن الله آتاه القرآن ومثله معه". لم يكن السلاح الذي قاوم محمد به الباطل هو القرآن وحده، بل كان القرآن والسنة معاً. القرآن ضياء كالشمس، والسنة نور كالقمر، وسنة النبي ﷺ هي مفاتيح ما في القرآن من كنوز، والأداة التي وصلت الأمة بما في القرآن من قيم ومبادئ وأسرار. والذي نقوله لمنكري السنة: قد بدت البغضاء من أفواهكم. وما تخفى صدوركم أكبر، فموتوا بغيظكم إن الله عليم بذات الصدور. * * *

стр. 20

الشبهة الثالثة منع الخلفاء رواية الحديث وترديده الذين يسعون الآن لعزل سنة خاتم النبين عن حياة الأمة يتصيدون الشبهات بغير روية ولا حياء، ولم يتركوا اقوالآً مما عثروا عليه مسْطوراً في الكتب مهما كان وزنها خفيفاً إلا أضفوا عليه ثالة من الترويج، ليشككوا من استطاعوا من العوام في الحديث النبوي. وقد رأينا عند الحديث عن الشبهة الأولى كيف حرصوا على التمسك بحديث النهي عن كتابة الحديث، وفي الوقت تفسه أعرضوا عن أحاديث الإذن في الكتابة، والوقائع العملية الثابتة، أما في هذه الشبهة فيركزون اهتمامه كل التركيز على مواقف عابرة عرفت عن الشيخين أبي بكر وعمر، بل ويهولون من شأن روايات لم تثبت، لأنها تخدم غرضهم من قريب أو من بعيد. والمعروف أن خطتى أبي بكر وعمر تهدفان إلى أمرين بالنسبة للقرآن والحديث النبوي. أما بالنسبة للقرآن فكان الهدف توفير العناية به حفظاً وتأملاً زتلاوة، لأنه أصل الأصول في الدين كله، وبخاصة أنه لم يكن مجموعاً في أول الأمر في صحف خاصة به. وأما بالنسبة إلى حديث رسول الله فكان الهدف التثبت فيما يروى منه، والإقلال من روايته حتى يتمكن القرآن في القلوب، ويقف المسلمون على معانيه ومقاصده، وهو الأمر نفسه الذي من أجله نهى النبي ﷺ عن كتابة حديثه. ثم عاد فاذن بكتابته كما تقدم. وهذه الحقائق اللائحة لم ترق أعداء السنة فاغمضوا أعينهم عنها، وصوروها في غير صورتها، وروجوا بين الناس أن السنة لو كانت من الدين ما

стр. 21

وقف منها الشيخان أبو بكر وعمر ﵄ هذا الموقف، ولاهتما بها اهتمامهم بالقرآن نفسه. تفنيد هذه الشبهة ونقضها: ليس صحيحاً أن الشيخين كانا يكرهان الإكثار من كل الأحاديث المروية عن رسول الله، وإنما كانا يكرهان الإكثار من رواية أحاديث الرخص لئلا يتكل الناس عليها، كما كانا لا يحبان الإكثار من الأحاديث "المشكلة" أو "المتشابهة" لئلا يستعصى فهمها على عامة الناس. أما أحاديث العزائم، والأحاديث التي تتعلق بأفعال المكلفين في العبادات والمعاملات والأخلاق، فلم يطلب الشيخان الإقلال من ذكرها والتحدث بها. بل إن المحفوظ عنهما أنهما كانا كثيراً ما يسألان الصحابة عما عندهم من رسول الله إذا عرضت لهما خصومة للفصل فيها، فإذا وجد عند الصحابة شيئاً عن رسول الله من قضاء أو قول عملاً به، واعتبراه الفصل الواجب اتباعه في إصدار الحكم الشرعي. روى قبيصة بن ذؤيب أن جدة جاءت إلى أبي بكر تطلب إرثاً. فقال أبو بكر: ما أجد لك في كتاب الله شيئاً، ما علمت أن رسول الله ﷺ ذكر لك - اي للجدة مطلقاً - شيئاً ثم سأل الناس، فقال المغيرة بن شعبة: سمعت رسول الله ﷺ يعطيها السدس. قال أبو بكر: هل معك أحد؟ فشهد محمد بن مسلمة الأنصاري بمثل ما قال شعبة. فأنفذه أبو بكر ﵁. [نيل الأوطار: ٦/١٧٥ للشوكاني] . وما روى أن أبا موسى الشعري استأذن على عمر ثلاثاً فلم يأذن له. فرجع، فاستدعاه عمر ولامه، فاعتذر أبو موسى بأن رسول الله ﷺ قال: "إذا اساذن أحدكم ثلاثاً فلم يؤذن له فليرجع" فقال عمر: "لتأتيني على هذا (الحديث) ببينة، أو لأوجعن ظهرك. وأجعلك عظة.

стр. 22

فشد أبي بن كعب أن رسول الله ﷺ قال ذلك" فعفا عنه عمر [فتح الباري ج ١١ ص ٢١/٢٣ لابن حجر العسقلانى] . ولهاتين الواقعتين نظائر عن الشيخين وغيرهما. فإذا كان هذا موقفهما من السنة القولية والعملية، فكيف يصح عند العقلاء المنصفين أن ابا بكر وعمر كانا ينهيان عن رواية الحديث النبوي باعتبار أن الحديث ليس من الدين، ولا هو مصدر من مصادر التشريع؟! وكيف يفهم عاقل ذلك، وابو بكر حين بدا له أن الجدة لا ترث، لخلو القرآن من ذكرها في بيان الورثة ولم يكن يعلم بسنة رسول الله فيها، ولكنه لم يتعجل في الحكم وسأل الصحابة إن كان عندهم قول من رسول الله في هذه المسألة؟ فلما شهد بذلك شاهدان، وأن الرسول أعطى الجدة السدس - قياساً على الأم - عدل أبو بكر عن رأية الذي أبداه أولاً. ثم ورثها السدس بسنة رسول الله ﵁. وبهذا يُعلم سقوط هذه الشبهة التي يلغط منها منكرو السنة الأغبياء. * * *

стр. 23

الشبهة الرابعة تشدد الخلفاء في الرواية وحبس المكثرين منها ما يزال منكرو السنة يتصيدون الشبهات من عصر صدر الإسلام الأول، باعتباره العصر المؤسس لقيام الحضارة الإسلامية الشامخة. وعلى عادتهم فإن منكري السنة يهولون من شأن هذه الروايات، ويعكسون المقصود منها لتكون النتائج متوافقة مع أهوائهم. ففي مجال التشدد يتكئون كثيراً على أن الخلفاء. وفي مقدمتهم أبو بكر وعمر ما كانوا يقبلون الحديث إذا سمعوه من راو واحد، حتى يؤيده راو ثان سمع من رسول الله ﷺ مثلما سمع الراوي الأول. هذه الظاهرة كانت كثيرة الوقوع في عصر الخلفاء، ونحن نقربها ولا نرفضها، ولكنا لا نفهم منها فهما معوجاً كما يفهم أو يدعي منكرو السنة. وقد ذكرنا من قبل مثالين لهذا التشدد، واحداً بكرياً والثاني عُمَرِياً، ولدينا مزيد عنهما وعن غيرهمت. وإننا لسُعَداء بهذه الرويات كما سيأتي. منكرو السنة يرون في هذه التشدد منقصة للسنة، ويقولون لو كانت السنة من الدين لما وقف في طريقها الخلفاء الراشدون؟! ثم يضيفون واقعة تساند هذا التشدد، وهي ما روى عن عمر بن الخطاب أن استشار الصحابة حين أراد أن يجمع السنة في صحف خاصة بها، فوافقة الصحابة ﵃ أجمعين، ولكن عمر ظل يستخير الله شهراً كاملاً في كتابة السنة فلم يحبب الله إليه كتابتها فانصرف عنها. منكرو السنة يوظفون هذه الواقعة - إذا صحت - للحكم على السنة بأنها ليست من الدين.

стр. 24

ثم يذكرون أن علياً ﵁ لم يكن يقبل الحديث من راو واحد، حتى يستحلفه بالله أنه سمعه من رسول الله ﷺ . كما يدعون أن عمر بن الخطاب كان يحبس المكثرين من رواية الحديث، فحبس ابن مسعود، وأبا الدرداء، وأبا ذر ﵃ أجمعين، وربما أضافوا إلى هؤلاء الثلاثة رابعاً. تفنيد هذه الشبهة ونقضها: نبدأ بما بدأوا به، وهو رد الحديث من الراوي حتى يشهد معه راو ثان. إن هذه الخطة لم تكن هي الوحيدة في هذا المجال. وهي بالنسبة لبي بكر لم تتكرر [ينظر الإحكام لابن حزم (١/١٤١) ] ، حيث لم يطلب في غير مسألة ميراث الجدة راوياً ثانياً قط. وأبو بكر ﵁ ففيه قاض، والشهادة في الحقوق المالية أو المدنية بشاهدين عدلين لا بشاهد واحد، فربما كان الحامل لأبي بكر في مسألة ميراث الجدة على طلب راو ثان يؤيد ما شهد به الراوي الأول، هم إكمال الشهادة ليكون الحكم صحيحاً غير مشوب بخطأ أو قصور في إجراءات التقاضي. ويقوى هذا الفهم - عندنا - قبول أبي بكر الحديث من راو واحد في غير مسألة "الجدة" هذه. أما عمر بن الخطاب ﵁، مع تكرار التوثيق منه بالراوي الثاني مرات. فإنه جمع بين هذه الخطة وبين قبول الحديث من راو واحد، والعمل يه. وسيأتي هذا في مبحث "أخبار الآحاد" فلا داعي لذكره هنا خشية الإطالة والتكرار وكذلك الإمام علي بن أبي طالب ﵁، فمع ما عرف عنه من استحلاف الراوي الواحد إذا لم يكن معه ثان، فإنه عرف عنه - كذلك - قبول الحديث من راو واحد دون أن يستحلفه.

стр. 25

فقد نقل الرازي أنه قبل رواية المقداد بنن الأسود في حكم "المذى" دون تحليف. وأياً كان الأمر فإن تشدد الخلفاء في قبول الحديث وروايته كان نبراساً لمن بعدهم، حين نشطت الأمة في عصر عمر بن عبد العزيز في جمع السنة وتدوينها. وهذا أمر كان ينبغي أن يثير الطمأنينة، ويبهج النفوس بالسعادة لحرص الأمة على حفظ سنة الرسول ﷺ ، وأنها لم تجمع جمعاً عشوائياً، بل أحيطت بكل عناية ودراية بداءاً من عصر الخلفاء الراشدين. تذدد الخلفاء فتشدد علماء الحديث من بعدهم، وكان نتيجة هذا التشدد هو تنفية السنة من الدخيل والعليل وهذه محمدة يسجلها وعي التاريخ. كان الأولى بمكنري السنة أن يحترموا أنفسهم فلا يرون الأبيض حالك الظلام. فهل مان يسعدهم لو تساهل الخلفاء في رواية الحديث؟ إن الله لطيف لما يشاء. ولوكان الخلفاء قد تساهلوا في رواية السنة، لكان هذا التساهل مدعاة لتساهل من جاء بعدهم. ولنزعت الثقة عن سنة من أرسله الله رحمة للعالمين. استخارة عمر: أما ما ذكروه من مسألة استخارة عمر ﵁ شهراً في كتابة السنة، فلن يأذن االه له، فهذه المسألة الخطب فيها يسير، إن كان فيها خطب. بل هي - في الواقع - حجة على منكري السنة، وليست حجة لهم، لو كانوا يعقلون فأولاً: فقد ظهر ما كان مكنوناً في على الله وقت استخارة عمر ﵁ في كتابة السنة، ثم انصرافه عنها لما لم يشرح الله صدره لكتابتها. ظهر ما كان مكنوناً في علم الله وقتئذ، فقد قدَّر الله لحكمة هو يعلمها أن ميقات جمع السنة وكتابتها هو عصر عمر الثاني لا عمر الأول: عمر بن عبد العزيز لا عمر بن الخطاب.

стр. 26

ولو كان الله كان قد قدَّر جمعها وكتابتها في عصر عمر الأول (النصف الأول من القرن الهجري الأول) لشرح صدر ابن الخطاب لجمعها وكتابتها وتدوينها. ولإن كان عمر قد انصرف عن كتابتها فهو ما انصرف عن تعظيمها والعمل بها مع كتاب الله في الفتيا والقضاء. فقد كان الشيخان يحتكمان إلى كتاب الله في كل شئون الدولة والأفراد فإن وجد في كتاب الله قضاء أخذا به، ولم يعدلا عنه إلى سواه. وإن لم يجدا في كتاب الله بغيتهما طلباها في سنة رسول الله ﷺ ، فإن ظفرا بها أسرعل إلى إنقاذها ولم يعدلا عنها إلى سواها. هذا هو المحفوظ بالتواتر من سيرة الشيخين ﵄ ومن ادعى غير ذلك فهو جهول. إذن فسواء عندنا كتب عمر السنة أو لم يكتبها فإن السنة عند عمر روح القرآن ومفتاحه الذي لا غنى عنه بمحال. وثانياً: إن هذه الواقعة لو تدبروها لعلموا أنها سلاح ضدهم، قد أصابهم في مقتل لو كانوا يشعرون. الواقعة الثانية: إن عمر استشار الصحابة في متابة السنة فوافقوه. أفلا تدل هذه العبارة على إجماع الصحابة الرائع على جواز كتابة السنة، وأن عمر كان اول من فكر في موضوع هذا الإجماع لولا ما كان من أمر الاستخارة. ونحن أمام حقيقة يجب الإعلان عنها والانتصار لها: هذه الحقيقية هي أن الصحابة - جميعاً - مجمعون على كتابة السنة ماعدا عمر بعد الاستخارة. وانصراف عمر عن كتابة السنة لا يؤثر في قوة إجماع من سواه من صحابة رسول الله ﷺ . إنه موقف فردي بحت أمام إجماع جماعي رائع، وإجماع الصحابة حجة لا تنكر.

стр. 27

وعمر، وإن كان خليفة ورئيس الدولة، فإن رأيه يُعد مجرد رأي فردي خاص. ولن يرد رأي الفرد - أيا كان - رأي الجماعة وعلماء الأصول مجمعون على أن قول الصحابي لا يُلزم غيره بالإنصياع له، ولن يتعدى اثره صاحبه القائل به إلا إذا ووفق عليه من غيره. ونحن لا نعلم أن الصحابة غيَّروا موقفهم من جواز كتابة السنة بعد انصراف عمر ﵁ عن كتابتها، فبقى الإجماع على جواز كتابتها، وانفراد عمر بارأي الي ارتآه. فماذا يقول منكرو السنة إذن؟! ونسألهم: لماذا قبلتهم هذه الرواية عن عمر ﵁، وفي الوقت نفسه تدعون أن السنة النبوية مزورة وأنتم تعلمون أن نسبة هذه الواقعة إلى عمر، لم تحظ بما حظيت به السنة من عناية الرواة، والتدقيق في صحة روايتها؟ أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض؟! * * *

стр. 28

الشبهة الخامسة حرق كتب الحديث ؟! رددت الصجف والمجلات في الآونة الأخيرة هذه الشبهة كثيراً، في مقالات لزنادقة العصر، الكارهين لما أنزل الله وما قال رسوله. كما رددها بعضهم في كتب وضعوها خصيصاً لنسف السنة النبوية من الوجود. ثم أحاطوها بهالة جوفاء من التهويل، حتى ليخيل لقارئ مقالاتهم وكتبهم أن دخان الحرائق التي اشتعلت في كتب الحديث كاد يحجب ضوء الشمس، وأن رائحته ما تزال تزكم الأنوف. ومبالغة في التهويل ادعوا إشعال هذه الحرائق في ثلاثة أعصر شديدة الحساسية في الإسلام. * عصر النبي نفسه ﷺ ؟ * عصر الصديق أبي بكر ﵁؟ * عصر الفاروق عمر بن الخطاب ﵁؟ إنهم يريدون أن يوهموا العامة أن التمسك بالسنة والإيمان والعمل بأحاديث ذي الخلق العظيم، إنما هو بدعة وضلالة ليست من الدين في شيء، وإذا كان حرق كتب الحديث قد حدث في عصر النبوة، وعصرى صاحبيه الجليلين أبي بكر وعمر، فمذا تنتظر الأمة - الآن - من بقاء البخاري ومسلم وسائر كتب الحديث إلا خيبة الرجاء؟ إنهم يهيبون بالأمة أن تشعل الحرائق من جديد في ما يعرف بـ "كتب الحديث" لتنجو من الضلال والضياع الذي هي فيه. بل يرى بعضهم أن إيمان الأمة بالحديث النبوي والعمل به، واعتباره مصدراً للتشريع هو التحول الخطير الذي نُكبت بسببه الأمة، وأن القرآن كان قد تنبأ به وأعلنه في قوله تعالى:

стр. 29

﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا﴾ [آل عمران: ١٤٤] تفنيد هذه الشبهة ونقضها: هذه الشبهة مبالغ فيها من قبل الذين يروجون لها الآن، بل هي أقوال مذكورة على عواهنها لا تثبت أمام النقد. وأشهرها، بل وأقواها الواقعة المنسوبة إلى أبي بكر الصديق ﵁. فقد ذكرها الإمام الذهبي في كتابه [تذكرة الحفاظ: ج ١ ص ٥] مع سند طويل لها نقله الحاكم، والقصة بيمامها مع حذف السند، جاء فيها: "قالت عائشة: جمع أبي الحديث عن رسول الله ﷺ ، وكانت خمسمائة حديث، فبات ليلته يتقلب كثيراً، فمعنى فقلت: أتتقلب لشكوى أو لشيء بلغك؟ فلما أصبح قال: أي بنية، هلمي الأحاديث التي عندك فجئته بها، فدعا بنار فأحرقها؟ فقلت: لم أحرقها؟ قال: خشيت أن أموت وهي عندي فيكون فيها أحاديث عنها، رجل أئتمنته ووثقت [فيه] ولم يكن كما حدثني، فأكون قد نقلت ذاك". هذه هي القصة، والإمام الذهبر من عادته في هذا الكتاب أن يسرد الأقوال دون التعليق عليها، ولكنه علق على هذه الرواية بقوله: "فهذا لا يصح، والله أعلم". والذهبي إمام لا يشق له غبار في علوم الحديث ونقده وعبارته هذه ذات دلالة قاطعة على شكه في صحة هذه الرواية. أما نحن فنرى صحتها وعدم صحتها سواء في أنها تخلو من الغرض الذي أراده منها زنادقة العصر، وأعداء سنة صاحب المقام المحمود. هم يريدون منها أن ابا بكر ﵁ أحرق ما عنده من أحاديث باعتبارها زيادة في الدين لم يأذن الله بها، أو - على الأقل - لعدم الثقة في رواة الأحاديث جميعاً. وما دام أبو بكر - مع صحبته وقرب عهده بالرسول قد

стр. 30

تشكك إلى هذا الحد في بطلان الرواية عنه، فما بال الأمة في عصر "العولمة" تحتفظ بهذه الأحاديث؟ أليس لهم في صنع أبي بكر أسوة حسنة؟ أم هي الآن أدرى بالسنة من أبي بكر رفيق النبي في الغار، وصاحبه الذي ما كان يمر يوم دون أن يراه ويسمعه؟! إن هذه القصة على فرض صحتها ليس فيها دليل على ما أرادوه منها: فأبو بكر ﵁ تردد في صدق الذي أملى عليه مجموعة الأحاديث، فسارع - احتياطاً - إلى إعدامها بالحرق، حتى لا ينشر بين الناس أحاديث لم يتثبت كل التثبت من صدق صدورها عن رسول الله ﷺ . إنه لم يحرقها - إن كان حقاً قد حرقها - لأنها ليست من الدين كما يدعى منكرو السنة. ولم يحرقها لعدم الثقة في رواة الأحاديث كلهم كما يروج الآن منكرو السنة الأغبياء. وإنما حرقها لتردده في صدق راو واحد، هو الذي أملى عليه تلك الأحاديث. وأبو بكر - مع هذا - لم يتهم من روي له تلك الأحاديث بالكذب عن رسول الله متعمداً، لأنه صحابي، والصحابة كلهم عدول بشهادة القرآن نفسه، وإنما هناك أسباب أخرى، مثل النسيان، وعدم الضبط، والسهر والغفلة وهي كلها أسباب تحمل أصحاب الورع والتقوى من أمثال أبي بكر على دقة التحري، وترك ما يريب. إن الحق قريب من طلابه المخلصين له، ولكن العناد يورد صاحبه المهالك. وأولى الناس وأقربهم من الهلاك المعاندون. * * *

стр. 31

الشبهة السادسة تأَخُّر تدوين السنة هذه الشبهة يُعوَّل عليها منكرو السنة كثيراً في تحقيق أغراضهم ضد السنة، لهذا تراهم يبالغون في توظيفها للتهوين من منزلة السنة، وكونها - عندهم - دخيلة على الإسلام، وزيادة في الدين ما أذن الله بها؟! فهم يقولون: لو كان أصحاب رسول الله ﷺ يرون للسنة أهمية في الدين، لعجلوا بجمعها وكتابتها كما صنعوا بالقرآن، ولكن الصحابة أهملوها طيلة حياتهم وماتوا ولم تدون السنة في عهدهم، وإنما تولى تدوينها التابعون بعد مائتى سنة من بدء التقويم الهجري بل إن تدوينها تم في القرن الثالث الهجري، عصر البخاري ومسلم وابن حنبل وغيرهم هكذا يقولون. ويرتبون على هذا السؤال الآتي: فهل لو كانت السنة ضرورة من ضروريات الدين كان الصحابة يهملونها هذات الإهمال، وهل كان النبي يهمل تدوينها وهو يعلم أنها مصدر ثان بعد القرآن من مصادر التشريع الإسلامي؟ هذا التساؤل ردده زنادقة العصر في الصحف والمجلات في النصف الأول من هذا العام: ١٩٩٩م رددوه بصيغ مختلفة، لكن المعنى والهدف واحد في جميعها، هو حمل المسلمين على الشك في السنة، والتهوين من شأنها قولاً وعملاً؟! تفنيد هذه الشبهة ونقضها: هذه الشبهة مهما غالى المعاندون في دلالتها على مراهم منها، فإنها اشبه ما تكون بسحابة صيف في سماء صافية، سرعان ما تنقشع. ولنا في تفنيد ونقد مرادهم منها عدة مسالك:

стр. 32

الأول: ليس صحيحاً أن عصر صدر الإسلام خلا تماماً من تدوين السنة، إذ من المعلوم أن أجزاء من السنة تم تدوينها في حياة الرسول نفسه، وبتوجيه مباشر منه. من ذلك كتبه ورسائله لرؤساء الشعوب وزعماء العشائر والاتفاقات والمعاهدات والتصالحات، التي جرت في حياة النبي ﵊، وهي مجموعة الآن في وثيقة قيمة، وبعضها مختوم بخاتمة ﷺ [ينظر: الوثائق السياسية للعهد النبوي والخلافة الراشدة. لمحمد حميد الله - دار النفائس] . ولا ريب أن كل هذه الوثائق جانب من جوانب السنة فيه من هدى النبوة ما فيه. كما تقدمت الإشارة إلى كتبه ﷺ إلى عماله، وكان يذكر لهم فيها ما يعينهم على الفصل في الخصومات التي ترفع إليهم في ولاياتهم. مثل أحكام الصدقات (الزكوات) والديات والميراث وبعض السنن. وكما تقدمت الإشارة إلى صحيفة عبد الله بن عمرو بن العاص، وصحيفة الإمام علي، ومكا كتب عام فتح مكة بأمر من النبي لأبي شاه اليمني، فالقول بأن عصر النبوة خلا تماماً من تدوين السنة قول فيه بعد عن الصواب. إن الحق الذي لا محيد عنه أن عصر النبوة يوصف بقلة التدوين للحديث النبوي، ولا يوصف بالخلو التام من تدوين الحديث. وممن عُرفُوا بكتابة الحديث في صدر الإسلام الأول عبد الله بن عباس، وسعيد بن جبير، وابن هشام وغيرهم [ينظر: دفاع عن السنة ص ٢٢] . د/ محمد محمد أبو شهبة ﵀. الثاني: أسباب قلة التدوين في العصر النبوي: قلة التدوين للحديث النبوي في حياة النبي ﷺ ، وما تلاه حتى نهاية القرن الأول الهجري، لها أسباب وجيهة تُعزى إليها. ذلك أن حال القرن الأول كانوا أما من الصحابة، وإما من كبار التابعين (الطبقة الأولى) وكان هذا القرن يتميز بميزتين:

стр. 33

الأولى: أن سنة رسول الله ﷺ القولية كانت محفوظة في صدور الرجال، حاضرة ماثلة في ذاكرة الأمة. فلم تدع ضرورة إلى كتابتها وتدوينها. الثانية: أن الصحابة الذين عاصرهم رجال الطبقة الأولى من كبار التابعين كانوا محيطين إحاظة كاملة بالسنة العملية، يهتدون بها وبالسنة القولية دون الحاجة إلى الرجوع إلى كتاب مكتوب، وربما كان الصحابة وكبار التابعين يتذاكرون هذه السنن فيما بينهم أو يسأل من جهل شيئاً من السنن من هو عالم بهان وكل هذا قام مقام التدوين فلم يُحْتَج إليه. ويضاف إلى هاتين الميزتين ميزة ثالثة، لا تقل عنهما قيمة وجدلاً: د وهمى أن السنة خلال القرن الأول كانت صافية نقية محفوظة في الصدور على الصور التي سُمِعَتْ بها من فم النبي الطاهر. صافية نقية من كل دخيل وعليل ومكذوب، لأن هذه الآفات والقوادح ألَّمت بالسنة في وقت متأخر عن القرن الأول - كما سيأتي - وفي ظروف وملابسات طارئة ما كان لها وجود فب القرن الأول الهجري، قرن الصفاء والنقاء. هذه هي الأسباب في قلة تدوين السنة في القرن الهجري الأول تدويناً واسعاً، وليست أسبابها ما يروجه منكرو السنة زوراً وبهتاناً، أن السنة ليست من الدين، فلم يهتم بتدوينها الرسول ﷺ ، ولا الخلفاء، ولا جمهور الصحابة؟! إن قولهم هذا تحريف شنيع لدلالات هذه الظاهرة وكما قيل: إن الإصرار على الخطأ مع يسر الوصول إلى الصواب أمر يدعو إلى الإتهام بسوء النية، أكثر من الدعوة إلى مجرد الخطأ في الاستدلال. الثالث: تدوين السنة في أول القرن الثاني: من التهويل الممقوت أن منكري السنة يدعون أن السنة دونت في القرن الثالث الهجري، وقصدهم التأكيد على طول المدة التي أهمل فيها تدوين السنة توصلاً للتشكيك في صحة الرواية، لبُعد ما بين التدوين وبين حياة الرسول التي قيلت أو حدثت فيها السنة القولية والعملية.

стр. 34

وهذا خطأ فاحش. لأن تدوين السنة بدأ مع بداية القرن الثاني الهجري [عام ١٠١هـ] في عهد الخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز ﵁. فقد رأى هذا الإمام المسارعة إلى جمع السنة وكتابتها وتدوينها، خشية أن يضيع منها شيء، أو يلتبس الحق منها بالباطل من غيرها. فكتب إلى بعض الراسخين من العلماء، في نهاية القرن الأول الهجري، وبداية القرن الثاني، حسب مواقعهم من الأمصار الإسلامية. روى الإمام مالك في الموطأ أن عمر بن عبد العزيز كتب إلى ابي بكر بن محمد بن حزم: أن أنظر ما كان من حديث رسول الله ﷺ ، أو سننه، أو حديث عمر، أو نحو هذا فاكتبه، فإني خفت دروس العلم، وذهاب العلماء. وروى الإمام البخاري نحو ما رواه الإمام مالك ﵄، بعد توجيهات الخليفة الراشد الخامس، عمر بن عبد العزيز بجمع الحديث النبوي، بدأت حركة التدوين في الاتساع وزال الأثر الذي كان عالقاًَ في النفوس من النهي عن كتابة الحديث، والإقلال من الرواية فيه، والتحدث به. واستقر الأمر على جواز الكتابة، بل والحث عليها، بل وجوب كتابته إذا خيف عليه النسيان والضياع [فتح الباري: جـ ١ ص ١٦٥] . وشمر العلماء عن ساعد الجد، ونشطوا في جمع الحديث والسنن مع التثبت والنقد والتمحيص، وبدأت ثمرة التشدد في الرواية، التي كانت في عصر الخلفاء، تظهر بكل وضوح بيد أن حركة التدوين في هذه المرحلة كانت تجمع إلى الحديث النبوي أقوال الصحابة وفتاويهم، وبعض أقوال كبار التابعين. وفي القرن الثالث اضيفت دراسات وجهود جديدة في التدوين، فدونت الأحاديث والسنن النبوية في أسفار خاصة بها، مع الترتيب الدقيق، واتسعت حركة النقد لأسانيد الحديث ومتونه، والجرح والتعديل والتهذيب والاستدراك والاستخراج.

стр. 35

كل هذا كان يهدف إلى تنقية السنة من الدخيل والعليل والمكذوب على رسول الله ﷺ . ولم يتوقف جهد العلماء في خدمة السنة على القرن الثالث، بل أخذ جهدهم ينمو وينمو حتى القرن السابع الهجري، وفيه بلغت الجهود الحديثية درجة الكمال، وأسفرت هذه الجهود المباركة عن الآتي: * استجابة لدعوة الخليفة عمر بن عبد العزيز هب العلماء في كل الأمصار الإسلامية على جمع السنة وتدوينها: الإمام مالك في المدينة، وابن جريح بمكة، والأوزاعى بالشام، ومعمر بن راشد باليمن، وابن عروبة، وحماد بن سلمة بالبصرة، وسفيان الثوري في الكوفة، وعبد الله بن المبارك بخراسان، وهشيم بن بشير بواسط، وجرير بن عبد الحميد بالرى، وغيرهم، وغيرهم. * تلت هذه المرحلة مرحلة أخرى أحكم وأدق، خلال القرن الثالث الهجري، حيث قُصِرت كتب الحديث على رواية الحديث النبوي وحده، وبرز خلال هذه المرحلة منهجان في التدوين: أولهما: منهج المسانيد، وهو جمع أحاديث كا راوٍ فب مكان واحد مهما كان موضوع الحديث ومعناه. والمسند هو معجم صغير أو كبير يسرد مرويات الصحابى الواحد من أولها إلى آخرها. ومن أشهرها مسند الإمام أحمد، ومسند عثمان بن شيبة ومسند إسحاق ابن راهويه. وهؤلاء جمعوا في مسانيدهم الصحيح والحسن والضعيف. أما المنهح الثاني فعْنى بتدوين الحديث على حسب موضوع الحديث كأحاديث الصلاة، وأحاديث الزكاة، وأحاديث الجهاد، وهكذا. ومن أشهرها صحيحا البخاري ومسلم وغيرهما. وهما قصرا عملهما على جمع الحديث الصحيح دون غيره. فطريقة المسانيد تقوم على وحدة الراوي، والأخرى تقوم على وحدة

стр. 36

الموضوع، فالقول بأن السنة لم تدون إلا في القرن الثالث خطأ متعمد، وشأن السنة شأن غيرها من العلوم الإسلامية والعربية من حيث النشأة، والتدوين، وهي بالقياس إلى غيرها نرى تدوينها بدأ مبكراً، وإن كان على نطاق ضيق في أول الأمر، ثم أتسع بمرور الأيام. والقرآن نفسه، وهو اصل أصول الإسلام، لم يدون في صحف في حياة النبي ﷺ ، وإنما تم جمعه وتدوينه في مصاحف في خلافة أبي بكر، باشارة من عمر ﵁، وكان أبو بكر أولاً يمانع في جمعه ويقول لعمر: كيف نفعل شيئاً لم يفعله النبي ﷺ ، فما زال بأبي بكر حتى أقنعه بجمع القرآن خشية ضياع شيء منه بسبب استشهاد الحفاظ في الحروب. ولما أرسل أبو بكر إلى زيد بن ثابت، وكان من كتبة الوحي في حياة النبي، قال زيد لأبي بكر ما قاله أبو بكر لعمر من قبل: "كيف تفعلون شيئاً لم يفعله النبي ﷺ ؟ ومازال أبو بكر بزيد حتى أقنعه بجمع القرآن. ثن قال زيد: "والله لو كلفني - يعني أبا بكر - نقل جبل أحد، أو نقل جبل من الجبال ما كان أثقل عليَّ مما أمرني به من جمع القرآن. [ينظر صحيح البخاري: كتاب فضائل القرآن] . فإذا كان هذا هو موقفهم من القرآن، وهو أصل الملة، فكيف يتخذ منكرو السنة من بطء تدوين السنة قدحاً في منزلة السنة نفسها؟ فهلا اتخذوا من عدم تدوين القرآن في صحف في حياة النبي، ومعارضة أبي بكر وزيد لجمعه وتدوينه وسيلة للحط من منزلة القرآن، وأنه ليس من الدين؟ فما لهؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثاً، لقد كانت الدولة الإسلامية في صدر الإسلام الأول في مرحلة النشأة والنمو، فكان لابد من أن تمر بتجارب تعمل فيها عقلها وفكرها، فمن مؤيد، ومن معارض، ولكن بعد تمحيص القول وظهور الصواب من الخطأ، فإن قادة الدولة ورجالها كانوا يُعرضون عن الخطأ ويولون وجوهم نحو الصواب بلا ارتذاد أو انتكاس.

стр. 37

وحركة التدوين - عموماً - بدأت لمحات خاطفة في كل المعارف والعلوم، ثم استوت على سوقها بمرور الأيام والليالي، حتى صارت صروحاً شامخة، أصلها ثابت وفرعها في السماء. هذه خلاصة ردنا على هذه الشبهة، والقارئ يدرك أننا لم نحد عن الصواب في الرد عليهم، فوجه الحق في هذه المسألة ظاهر ظهور الشمس، ثابت ثبات الجبال الرواسي، أما منكرو السنة فإن مطيتهم العناد والمكابرة، وكل أمرئ بما كسب رهين. وهلاَّ سألوا أنفسهم: لماذا تأخر تدوين كتب التفسير، والفقه وأصوله، وعلوم اللغة، والسيرة والتاريخ ... إلخ؟! إنهم - بذلك - يتنكبون سواء الصراط ويتجاهلون أو يجهلون سنن الحياة، وتطور المعارف والعلوم، الذي لم يخل منه عصر من العصور، حتى يوم الناس هذا. * * *

стр. 38

الشبهة السابعة السنة دُوَّنَتْ في قصور الأمراء ؟! أعداء السنة ظهروا من قديم، وشغبوا حولها كثيراً ورددواً من الشبهات ما املاه عليهم الشيطان، ليكونوا من أصحاب السعير، وعلى كثرة ما افتروا على سنة رسول الله ﷺ ، لم يتوسعوا في الشقاق مثل ما توسع فيه منكرو السنة المعاصرون. فقد ملأوا صفحات الجديدة والقديمة صخباً وعويلاً وكررواً مراراً أن الحديث النبوي دَّوَّن في قصور الخلفاء والأمراء، وخضع مدونوها إلى أهواء أولئك الخلفاء والأمراء، مُلاَّك الدنيا، الذين كانوا يملكون الرفع والخفض والجاه والسلطان، والدرهم والدينار؟ وأسهمت مجلة "روز اليوسف" خلال شهري مارس وأبريل من هذا العام (١٩٩٩م) بنصيب وافر من نشر هذه الأكاذيب في أربع مقالات إضافية، مع شبهات أخرى مما نتعرض له في هذه المواجهة. والهدف من هذه الشبهة (السادسة) واضح، هو تصوير السنة في صورة أكاذيب وافتراءات على صاحب الرسالة، وأن الأحاديث النبوية المتداولة الآن بين يدى الأمة في كتب الجوامع والمسانيد والصحاح وغيرها، لم يقلها النبي ﷺ ، ولكنها من اختراع أناس لا خلاق لهم وضعوها من أجل خدمة السلاطين والحكام، واشتروا بها ثمناً قليلاً؟!. هذا هو هدفهم. وكفى بذلك للسنة ضياعاً؟ تفنيد هذه الشبهة ونقضها: لن نطيل الوقوف أمام هذه الشبهة، لأنها من أكذب الأكاذيب، ونكتفي في الرد عليها بما يأتي:

стр. 39

أولاً: أن من له إلمام بالحديث النبوي وأغراضه التي قيل من أجلها، لن يعثر على حديث فيه محاباة للأمراء والحكام والسلاطين، بل سيجد فيها أحاديث تشدد النكير على تصرفات ولاة الأمور مهما علا سلطانهم في الأرض. فهل لو كانت السنة دونت في قصور السلاطين تبعاً لأهوائهم كنا نجد فيها هذا الحديث: "أفضل الجهاد كلمة، حق عند سلطان جائر" رواه أبو داود وابن ماجه عن أبي سعيد الخدري مرفوعاً.؟ ورواه غير أبي داود. فمن هو السلطان الذي يسمح بتدوين هذا الحديث وأمثاله في قصره، ويمنح واضعه العطايا؟ أليس في هذا الحديث تحريض وترغيب في التصدى للسلاطين والإنكار عليهم؟ وأنت ترى أن هذا الحديث يجعل مقاومة الظلمة من السلاطين أعلى مرتبة من مراتب الجهاد. وهل لو كانت السنة قد دونت في قصور السلاطين تبعاً لأهوائهم كنا نجد فيها هذا الحديث: "من بايع ايمراً من غير مشورة المسلمين فلا بيعة له ولا للذي بايعه" رواه الإمام أحمد. إن هذا الحديث يسد منافذ كثيرة يمكن من خلالها أن يستبد الحكام بأمور المسلمين، فمن هو السلطان الذي يسمح بوضع هذا الحديث في قصره؟ ويمنح العطايا الجزيلة لمن يلف حبل المشنقة حول عنقه؟ إن هذين الحديثين، وغيرهما كثير، كافيان في تبرئة السنة من هذه الشبهة القاصمة. ثانياً: إن علماء الحديث أنفسهم كانوا لا يقبلون حديثاً في سنده رجل عُرف بالتردد على السلاطين أو قبول هدايا منهم، أو كانت له خطوة عندهم وهذا منهم احتياط عظيم لحماية السنة من الدخيل والعليل والمكذوب. ثم غنه تطبيق عملي لحديث يروى في هذا المعنى: "شرار العلماء الذين يغشون الأمراء، وخيار الأمراء الذين يغشون العلماء".

стр. 40

فكيف يصح مع هذا اتهام علماء الحديث بأنهم كتبوها في قصور الأمراء والسلاطين، استجابة لأهوائهم وشهواتهم. إن علماء الأمة - بوجه عام - كانت علاقاتهم بالحكام والسلاطين قلقة، وكان العلماء يترفعون عن التردد على قصور الحكم وبلاط الرياسات، سواء كانوا فقهاء أو محدثين، وما كانوا يتهاونون في الثورة والاحتجاج على الباطل وإن اعتصم الباطل بالعروش والصولجانات الرهيبة ونكتفي بذكر واقعة واحدة هنا توخياً للإيجاز: دخل الإمام الزهري المحدث على الوليد بن عبد الملك فقال له الوليد: ما حديث يحدثنا به أعل الشام؟ قال الزهري: وما هو يا أمير المؤمنين؟ قال: يحدثوننا أن الله إذا استرعى عبداً رعية - أي جعله حاكماً - كتب له الحسنات، ولم يكتب عليه السيئات. قال الزهري: باطل يا أمير المؤمنين، أنبى خليفة أكرم على الله، أم خليفة غير نبي؟ قال الوليد: بل نبي خليفة أكرم على الله من خليفة غير نبي. قال الزهري: فإن الله تعالى يقول لنبيه داود ﵇: ﴿يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ﴾ [ص: ٢٦] فهذا وعيد يا أمير المؤمنين لنبي خليفة، فما ظنك بخليفة غير نبي. قال الوليد: إن الناس ليغووننا عن ديننا. [العقد الفريد: جـ ١ ص ٦٠] أنظر شجاعة الزهري وجرأته على دحر الباطل ونصرة الحق. وهذه الواقعة جرت أحداثها في قصر الوليد بن عبد الملك حاكم زمانه، والزهري من أعلام علماء الحديث وموقفه هذا هو المنهج الذي سار عليه رجال الحديث الأتقياء البررة، فأين الزر الذي يروج له منكرو السنة في زماننا هذا من خذا الحق، الذي زين الله به خدام سنة رسوله الكريم.
следующие страницы →