← Общие книги

Общие книги · id 1409

الشبهات الثلاثون المثارة لإنكار السنة النبوية عرض وتفنيد ونقض

عبد العظيم المطعني

Полный текст (188 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

الموضوع، فالقول بأن السنة لم تدون إلا في القرن الثالث خطأ متعمد، وشأن السنة شأن غيرها من العلوم الإسلامية والعربية من حيث النشأة، والتدوين، وهي بالقياس إلى غيرها نرى تدوينها بدأ مبكراً، وإن كان على نطاق ضيق في أول الأمر، ثم أتسع بمرور الأيام. والقرآن نفسه، وهو اصل أصول الإسلام، لم يدون في صحف في حياة النبي ﷺ ، وإنما تم جمعه وتدوينه في مصاحف في خلافة أبي بكر، باشارة من عمر ﵁، وكان أبو بكر أولاً يمانع في جمعه ويقول لعمر: كيف نفعل شيئاً لم يفعله النبي ﷺ ، فما زال بأبي بكر حتى أقنعه بجمع القرآن خشية ضياع شيء منه بسبب استشهاد الحفاظ في الحروب. ولما أرسل أبو بكر إلى زيد بن ثابت، وكان من كتبة الوحي في حياة النبي، قال زيد لأبي بكر ما قاله أبو بكر لعمر من قبل: "كيف تفعلون شيئاً لم يفعله النبي ﷺ ؟ ومازال أبو بكر بزيد حتى أقنعه بجمع القرآن. ثن قال زيد: "والله لو كلفني - يعني أبا بكر - نقل جبل أحد، أو نقل جبل من الجبال ما كان أثقل عليَّ مما أمرني به من جمع القرآن. [ينظر صحيح البخاري: كتاب فضائل القرآن] . فإذا كان هذا هو موقفهم من القرآن، وهو أصل الملة، فكيف يتخذ منكرو السنة من بطء تدوين السنة قدحاً في منزلة السنة نفسها؟ فهلا اتخذوا من عدم تدوين القرآن في صحف في حياة النبي، ومعارضة أبي بكر وزيد لجمعه وتدوينه وسيلة للحط من منزلة القرآن، وأنه ليس من الدين؟ فما لهؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثاً، لقد كانت الدولة الإسلامية في صدر الإسلام الأول في مرحلة النشأة والنمو، فكان لابد من أن تمر بتجارب تعمل فيها عقلها وفكرها، فمن مؤيد، ومن معارض، ولكن بعد تمحيص القول وظهور الصواب من الخطأ، فإن قادة الدولة ورجالها كانوا يُعرضون عن الخطأ ويولون وجوهم نحو الصواب بلا ارتذاد أو انتكاس.

стр. 37

وحركة التدوين - عموماً - بدأت لمحات خاطفة في كل المعارف والعلوم، ثم استوت على سوقها بمرور الأيام والليالي، حتى صارت صروحاً شامخة، أصلها ثابت وفرعها في السماء. هذه خلاصة ردنا على هذه الشبهة، والقارئ يدرك أننا لم نحد عن الصواب في الرد عليهم، فوجه الحق في هذه المسألة ظاهر ظهور الشمس، ثابت ثبات الجبال الرواسي، أما منكرو السنة فإن مطيتهم العناد والمكابرة، وكل أمرئ بما كسب رهين. وهلاَّ سألوا أنفسهم: لماذا تأخر تدوين كتب التفسير، والفقه وأصوله، وعلوم اللغة، والسيرة والتاريخ ... إلخ؟! إنهم - بذلك - يتنكبون سواء الصراط ويتجاهلون أو يجهلون سنن الحياة، وتطور المعارف والعلوم، الذي لم يخل منه عصر من العصور، حتى يوم الناس هذا. * * *

стр. 38

الشبهة السابعة السنة دُوَّنَتْ في قصور الأمراء ؟! أعداء السنة ظهروا من قديم، وشغبوا حولها كثيراً ورددواً من الشبهات ما املاه عليهم الشيطان، ليكونوا من أصحاب السعير، وعلى كثرة ما افتروا على سنة رسول الله ﷺ ، لم يتوسعوا في الشقاق مثل ما توسع فيه منكرو السنة المعاصرون. فقد ملأوا صفحات الجديدة والقديمة صخباً وعويلاً وكررواً مراراً أن الحديث النبوي دَّوَّن في قصور الخلفاء والأمراء، وخضع مدونوها إلى أهواء أولئك الخلفاء والأمراء، مُلاَّك الدنيا، الذين كانوا يملكون الرفع والخفض والجاه والسلطان، والدرهم والدينار؟ وأسهمت مجلة "روز اليوسف" خلال شهري مارس وأبريل من هذا العام (١٩٩٩م) بنصيب وافر من نشر هذه الأكاذيب في أربع مقالات إضافية، مع شبهات أخرى مما نتعرض له في هذه المواجهة. والهدف من هذه الشبهة (السادسة) واضح، هو تصوير السنة في صورة أكاذيب وافتراءات على صاحب الرسالة، وأن الأحاديث النبوية المتداولة الآن بين يدى الأمة في كتب الجوامع والمسانيد والصحاح وغيرها، لم يقلها النبي ﷺ ، ولكنها من اختراع أناس لا خلاق لهم وضعوها من أجل خدمة السلاطين والحكام، واشتروا بها ثمناً قليلاً؟!. هذا هو هدفهم. وكفى بذلك للسنة ضياعاً؟ تفنيد هذه الشبهة ونقضها: لن نطيل الوقوف أمام هذه الشبهة، لأنها من أكذب الأكاذيب، ونكتفي في الرد عليها بما يأتي:

стр. 39

أولاً: أن من له إلمام بالحديث النبوي وأغراضه التي قيل من أجلها، لن يعثر على حديث فيه محاباة للأمراء والحكام والسلاطين، بل سيجد فيها أحاديث تشدد النكير على تصرفات ولاة الأمور مهما علا سلطانهم في الأرض. فهل لو كانت السنة دونت في قصور السلاطين تبعاً لأهوائهم كنا نجد فيها هذا الحديث: "أفضل الجهاد كلمة، حق عند سلطان جائر" رواه أبو داود وابن ماجه عن أبي سعيد الخدري مرفوعاً.؟ ورواه غير أبي داود. فمن هو السلطان الذي يسمح بتدوين هذا الحديث وأمثاله في قصره، ويمنح واضعه العطايا؟ أليس في هذا الحديث تحريض وترغيب في التصدى للسلاطين والإنكار عليهم؟ وأنت ترى أن هذا الحديث يجعل مقاومة الظلمة من السلاطين أعلى مرتبة من مراتب الجهاد. وهل لو كانت السنة قد دونت في قصور السلاطين تبعاً لأهوائهم كنا نجد فيها هذا الحديث: "من بايع ايمراً من غير مشورة المسلمين فلا بيعة له ولا للذي بايعه" رواه الإمام أحمد. إن هذا الحديث يسد منافذ كثيرة يمكن من خلالها أن يستبد الحكام بأمور المسلمين، فمن هو السلطان الذي يسمح بوضع هذا الحديث في قصره؟ ويمنح العطايا الجزيلة لمن يلف حبل المشنقة حول عنقه؟ إن هذين الحديثين، وغيرهما كثير، كافيان في تبرئة السنة من هذه الشبهة القاصمة. ثانياً: إن علماء الحديث أنفسهم كانوا لا يقبلون حديثاً في سنده رجل عُرف بالتردد على السلاطين أو قبول هدايا منهم، أو كانت له خطوة عندهم وهذا منهم احتياط عظيم لحماية السنة من الدخيل والعليل والمكذوب. ثم غنه تطبيق عملي لحديث يروى في هذا المعنى: "شرار العلماء الذين يغشون الأمراء، وخيار الأمراء الذين يغشون العلماء".

стр. 40

فكيف يصح مع هذا اتهام علماء الحديث بأنهم كتبوها في قصور الأمراء والسلاطين، استجابة لأهوائهم وشهواتهم. إن علماء الأمة - بوجه عام - كانت علاقاتهم بالحكام والسلاطين قلقة، وكان العلماء يترفعون عن التردد على قصور الحكم وبلاط الرياسات، سواء كانوا فقهاء أو محدثين، وما كانوا يتهاونون في الثورة والاحتجاج على الباطل وإن اعتصم الباطل بالعروش والصولجانات الرهيبة ونكتفي بذكر واقعة واحدة هنا توخياً للإيجاز: دخل الإمام الزهري المحدث على الوليد بن عبد الملك فقال له الوليد: ما حديث يحدثنا به أعل الشام؟ قال الزهري: وما هو يا أمير المؤمنين؟ قال: يحدثوننا أن الله إذا استرعى عبداً رعية - أي جعله حاكماً - كتب له الحسنات، ولم يكتب عليه السيئات. قال الزهري: باطل يا أمير المؤمنين، أنبى خليفة أكرم على الله، أم خليفة غير نبي؟ قال الوليد: بل نبي خليفة أكرم على الله من خليفة غير نبي. قال الزهري: فإن الله تعالى يقول لنبيه داود ﵇: ﴿يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ﴾ [ص: ٢٦] فهذا وعيد يا أمير المؤمنين لنبي خليفة، فما ظنك بخليفة غير نبي. قال الوليد: إن الناس ليغووننا عن ديننا. [العقد الفريد: جـ ١ ص ٦٠] أنظر شجاعة الزهري وجرأته على دحر الباطل ونصرة الحق. وهذه الواقعة جرت أحداثها في قصر الوليد بن عبد الملك حاكم زمانه، والزهري من أعلام علماء الحديث وموقفه هذا هو المنهج الذي سار عليه رجال الحديث الأتقياء البررة، فأين الزر الذي يروج له منكرو السنة في زماننا هذا من خذا الحق، الذي زين الله به خدام سنة رسوله الكريم.

стр. 41

ومن شاء المزيد من هذه "البطولات" فليقرأ سيرة الأئمة الأربعة، أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد بن حنبل، ليرى مواقفهم الناصعة أمام حكام عصورهم، وتشددهم في إقرار الحق ودفع الباطل، والاعتزاز بكرامة الإيمان والعلم. * فأبو حنيفة تؤدي به الجفوة بينه وبين الحكام إلى الزج في غياهب السجون المظلمة الظالمة، ويلقي منيته وهو مسجون كما في بعض الروايات. * ومالك لما خالف هوى حكام عصره آذوه وخلعوا ذراعه وأصابوه بالأمراض. * والشافعي يضيق به الأمراء ذرعاً ويطاردونه من قطر إلى قطر، دون أن ينيلهم ما يؤجون. * وأحمد يقف كالطود العظيم شامخاً بإيمانه وعلمه ويحل به العذاب الظالم حتى يفقد وعيه، ولا ينحرف قيد أنملة نحو الباطل الذي كانوا يراودونه عليه. هذه قبسات مضيئة سجلها التاريخ بأحرف من نور للفقهاء والمحدثين، الذين يتطاول عليهم الآن شرذمة لا خلاق لهم من بني جلدتنا. ويتكلمون بلساننا، يلبسون للناس جلود الضأن من اللين، قلوبهم قلوب الذئاب، إنهم جنود إبليس وإن صابوا وصاموا وزعموا أنهم مسلمون، والله لهم بالمرصاد، وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون. * * *

стр. 42

الشبهة الثامنة الرواية بالمعنى دون اللفظ بين هذه الشبهة والشبهة التي تقدمت عليها (تأخُر تدوين السنة) ارتباط وثيق عند منكري السنة المحاربين لله ورسوله، المرجفين في الأرض. فالشبهة السابقة كالتمهيد والتوطئة لهذه الشبهة، فما دامت السنة قد تأخر تدوينها عن زمن صدورها، فهي إذن عرضة للنسيان والسهر، وحين فكروا في تدوينها كانت قد ضاعت بفعل طول العهد ألفاظها، وهذا ما جعل جامعي الحديث النبوي يدونون الحديث بالمعنى دون اللفظ، فالألفاظ من عند الرواة، أما الماعني فهي صُوَر مشوشة لما بقى عالقاً بالذاكرة عند الرواة من معاني الحديث. أما هدفهم من هذه الشبهة فيجمله أحدهم في الأمور الآتية: * إن الذي اشتملت عليه كتب الحديث من أقوال منسوبة إلى رسول الله ﷺ هي ليست أقواله؟ وإنما هي أقوال رجال يخطئون ويصيبون، ولا يوثق بهم. * إن الأحكام الفقهية التي تفهم من هذه الأقوال إنما هي آراء أولئك الرجال، وليست أحكاماً شرعية؟ * إن رجال الحديث خدعوا الأمة طوال أربعة عشر قرناً وأوهموها بأن هذه الأحاديث هي من كلام رسول الله ﷺ ، وهي ليست من كلامه، ولم يصرحوا بحقيقة الأمر للأمة، لئلا تفزع من تلك الحقيقة؟! * وأم أئمة المذاهب الفقهية قد أضلوا الأمة بجعل هذه الأحاديث المزورة اصلاً ثانياً من أصول التشريع؟! وكان قد مهَّد لهذه الأوهام فقال: "إن الرواية بالمعنى كانت هي الصل بالفعل عند السابقين، ولكن علماء الحديث ظلوا يخففون من ثقل هذه الحقيقة على العقول، حتى لا يفزع الناس

стр. 43

من تلقى أحكام تقال في الدين، عبر أجيال متلاحقة بطريق الرواية بالمعنى، حتى أن الإمام الشافعي جعل ذلك اصلاً من الأصول الشرعية، التي لا ينبغي أن يفزع الناس منها"؟! فالمسألة عند هؤلاء المرجفين لا تقف عند حد التشكيك في السنة، بل تشمل الفقه واصوله مع السنة، لأن أصول الفقه والفقه من أبرز مصادرهما سنة النبي ﷺ ومادامت السنة مزورة وباطلة فما انبنى عليها مزور وباطل كذلك. تفنيد هذه الشبهة ونقضها: هذا الكلام الذي نقلناه عن أحد جنود الشيطان، أعاداء الله ورسوله. ينطوي على عدة أخطاء وأوهام أملاها عليهم الشيطان. وهانحن أولاء نتصدى لبيان جهلهم وعنادهم ونكشف عن زيفهم في الخطوات الآتية: فأولاً: إن الصل المجمع عليه عند علماء الأمة المحققين أن رواية الحديث النبوي وقعت باللفظ والمعنى لا بالمعنى فقط كما يدعي هؤلاء المرجفون. لأن الذين روَوْا الحديث سماعاً عن رسول الله هم أصحابه ﵃، وهم مشهود لهم بالأمانة والعدالة والتقوى والورع. وقد جاء ذلك في صريح القرآن الحكيم، الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، تنزيل من حكيم حميد. ألم يقل الله مادحاً أياهم وتابعيهم الذين نقلوا عنهم الحديث النبوي والسنن النبوية: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [التوبة: ١٠٠] . فلو كان رواة الحديث النبوي وهو الصحابة الناقلون عن الرسول سماعاً مباشراً مزورين عليه، ولو كان التابعون الذين نقلوا الحديث سماعاً من الصحابة

стр. 44

مزورين على رسول الله، هل كان الله يزكيهم هذه التزكية، ويثنى عليهم هذا الثناء؟ إن تحريف الألفاظ كتحريف المعاني، وهما منافيان للأمانة والعدالة والصدق. فكيف ساغ لهؤلاء المرجفين أن يصموا الصحابة والتابعين بالتزوير على الله ورسوله؟ إنهم رجال القرون الأولى، وهي خير القرون، لقرب اصحابها من عصر الوحي الأمين، ومشاهدة الرواة لرسول الله، وشرف الصحبة، الذي لا يعادله بعد الإيمان شرف مهما كان. ثانياً: إن الرواية بالمعنى كانت موضع حرج شديد عند الرواة، وهي استثناء أو رخصة نادرة الوقوع فقد كان الصحابة يروون السنة مع الحرص الشديد على ألفاظها ومعانيها، وكانوا إذا أضطر أحدهم إلى رواية بالمعنى في لفظ من عنده. نبَّه على هذا حتى لا يظن ظان أن ذلك اللفظ من كلام النبي ﷺ ، على أن وقوع الرواية بالمعنى - مع ندرتها لم يجزها العلماء إلا في الواية الشفهية عند الضرورة القاهرة، أما في تدوين الحديث في كتب، فلم يجز علماء الحديث إبدال اللفظ النبوي، وإذا شك الراوي فإن عليه أن ينبه على ذلك بأن يقول: أو قال. وكذلك فإن مخرجي الأحاديث يحرصون على ذلك كأن يقولوا "شك من الراوي". وأحيانأً يضيف الراوي عبارة أو جملة توضيحية، بين أجزاء الحديث النبوي. وهذا قد وضع له رجال الحديث ضابطاً أسموه "الإدراج" أو "المدرج" ليميزوا بينه وبين متن الحديث النبوي. وايا كان فإن الرواية بالمعنى جائزة في أضيق الحدود إذا دعت إليها ضرورة. قال الماوردي: "إذا نسى اللفظ جاز - يعني الرواية بالمعنى - لا سيما أن تركه قد يكون كتماناً للأحكام فإن لم ينسه لم يجز أن يورده بغيره، لأن في كلامه ﷺ من الفصاحة ما ليس في غيره. وقال الجلال السيوطى عن الصحابة إذا روَوْا بالمعنى: "وكان أصحاب

стр. 45

رسول الله ﷺ ، إذا اضطروا إلى الرواية بالمعنى، أو شكوا في اللفظ النبوي أو في بعضه، أوردوا عقب الحديث لفظاً يفيد التصون والتحوط، وهم أعلم الناس بمعاني الكلام، لعلمهم بما في الرواية بالمعنى من الخطر؟ ؟ يعني أن الصحابة إذا لجأوا إلى الرواية بالمعنى نبهوا على تلك الرواية. وهذا التنبيه له فائدتان: الأولى: دفع اعتقاد السامع أن اللفظ المروي بالمعنى من كلام رسول الله ﷺ . الثانية: الحث على التثبيت عند تدوين الحديث من اللفظ النبوي الذي عبَّر عنه الراوي بلفظ غيره. كل هذه الحقائق الثوابت جهلها، أو تجاهلها أعداء الله ورسوله لأن الغاية عندهم تبرر الوسيلة، والغاية هو عزل سنة النبي ﷺ عن حياة المسلمين، تحقيقاً لمطامع أعداء الأمة. وهذه الغاية تستوي عند أهلها أعداء السنة، كل الوسائل. ثالثاً: ومن الجهل المنادي على أهله بالزراية والاحتقار أن يدعي منكرو السنة أن الإمام الشافعي هو الذي ابتدع مصدرية السنة في التشريع الإسلامي، وأن الفقهاء قلدوه في هذه الضلال؟! وفي إفحام الرد على هذا الغباء نذكر ثلاث آيات كريمات ثم نعقبها بسؤال إلى هؤلاء المرجفين: * ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ [النساء: ٥٩] . * ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا﴾ [الأحزاب: ٣٦] . * ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧] . خذخ الآيات الثلاث، ولها نظائر، هي التي جعلت السنة مصدراً ثانياً للتشريع.

стр. 46

فهل هذه الآيات - يا بهاليل - كلام الشافعي أم كلام الله؟ إذن فمن الذي جعل السنة مصدراً ثانياً للتشريع؟ الله أم الإمام الشافعي؟! أليس لكم قلوب تفقهون بها؟ أو عقول تعقلون بها؟ أو أعين تبصرون بها؟ أو آذان تسمعون بها؟ وصدق ربنا القائل ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [الحج: ٤٦] . الرواية باللفظ والمعنى توجيه نبوي: ونضيف إلى ما تقدم في نقض دعوى منكري السنة أنها رويت بالمعنى دون اللفظ، أن النبي - نفسه - ﷺ قد حث أصحابه أن يرووا عنه أحاديث باللفظ والمعنى، بل قد نهى من سمعه يبدل لفظاً مكان لفظ ردده الراوي، أمام الرسول في مجلس السماع. فقد قال ﷺ : " ... وحدثوا عني ولا حرج، ومن كذب علي متعمداً فليتبوأ مقعده من النار". فهذا تحذير شديد، ووعيد قاس على الكذب على رسول الله ﷺ ، وإبدال لفظ مكان لفظ - مع التعمد - يندرج تحت الكذب على رسول الله. وهذا الحديث بلغ مبلغ التواتر الذي لا مثيل له، وقد أشتهر بذلك عند المحدثين فمن يا ترى - من أصحاب رسول الله، وهم الذين رَوَوْا لنا كل أحاديثه القوليه، وكل سنته العملية، من منهم يجرؤ على الكذب على رسول الله؟ وقال ﷺ حاثا ومرغباً في الأمانة في النقل عنه: "نضَّر الله امرءاً سمع مني شيئاً فبلغه كما سمع فرب مْبَلَّغٍ أوعى من سامع". فأنظر إلى قوله "فبلغه كما سمع" أنه دعوة إلى نقل الحديث عنه بألفاظه ومعانيه، لا بمعانيه فحسب كما يدعي هؤلاء المرجفون الأفاكون.

стр. 47

وبقى ما هو أجلى من ذلك وأقوى على حرص النبي ﷺ على الرواية عنه باللفظ والمعنى: فعن البراء بن عازب ﵁ قال: قال النبي ﷺ : "إذا أتيت مضجعك فتوضأ وضوءك للصلاة، ثم اضطجع على شقك الأيمن. ثم قل: "اللهم إني أسلمت نفسي إليك، ووجهت وجهي إليك، وفوضت أمري إليك، وألجأت ظهري إليك، رغبة ورهبة إليك، لا ملجأ ولا منجا منك إلا إليك، آمنت بكتابك الذي أنزلت، وبنبيك الذي أرسلت، فإن مت من ليلتك فأنت على الفطرة، واجعلهن آخر ما تتكلم به" انتهى الحديث. قال البراء: فرددتها على النبي ﷺ ، فلما بلغت: آمنت بكتابك الذي أنزلت" قلت: ورسولك الذي أرسلت. فقال النبي ﷺ :: لا، ونبيك الذي أرسلت" رواه الستة. فأنظر إلى اي مدى كان حرص النبي ﷺ على أن يكون تَحَمُّلُ الحديث وأداؤه عنه كما نطق به هو ﵇ بألفاظه ومعانيه، لذلك لم يقر البراء بن عازب أن يذكر "رسولك" مكان "نبيك" وأعاده إلى الصواب كما نطق هو، مع قرب معنى "رسولك" من معنى "نبيك" لأن للألفاظ وإن تقاربت معانيها خصوصيات دقيقة تجعل اللفظ لا يسد مسد اللفظ الذي قاربه. ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ [ق: ٣٧] * * *

стр. 48

الشبهة التاسعة اقتحام السنة حواجز الغيب من الأمور القادحة في صدق السنة وصحتها عند منكريها المعاصرين، ما فيها من أحاديث تتحدث عن الأمور الغيبية وهذا - عندهم - لا يصح، لأن النبي ﷺ بشر والبشر لا يعلمون الغيب؟ إن علم ما في الغيب مقصور على الله وحده، وإن القرآن أمر النبي أن يعلن للناس أنه لا يعلم الغيب، إذن فوجود أحاديث في صحاح كتب السنة، كالبخاري ومسلم، تتحدث عن أمرو فيبية، كأحاديث نعيم القبر وعذابه، وأهوال القيامة وصفة الجنة والنتار، وما حدث به النبي في حياته عن أمور ستحدث بعده في الحياة الدنيا، أو ما حدث عن أمور وقعت في مكان غير المكان الذي هو فيه، كمقتل أحد زعماء الفرس، وما جرى على هذا المنوال كل هذه علامات على أن السنة المرويةُ في الكتب الآن، لا تصح نسبتها إلى الرسول، وإن استوفت شروط الصحة التي تواطأ عليها علماء الحديث؟! ويتساءلون: كيف علم النبي أن القبر إما روضة من رياض الجنة وإما حفرة من حفر النار؟ وكيف علم أن صاحبى القبرين اللذين مر عليهما يعذبان، وما يعذبان في كبير، وأن أحدهما كان لا يستبرئ من بوله، والآخر كان يمشي بالنميمة، بين الناس. وكيف لعم أن الله يصلح بين بعض عباده يوم القيامة، ويقول لمن اصلح بينهما: "خذ بيد أخيك وادخلا الجنة"؟! وعلى اي أساس بشَّر عشرة من اصحابة بالجنة، حتى صارت هذه البشارة عنواناً عليهم "العشرة المبشرون بالجنة"؟!

стр. 49

وكيف علم أن في يوم القيامة شفاعات لغير الله يدخل بسببها أناس الجنة، وهم حسب أعمالهم من أصحاب النار؟ وكيف أقتحم استار الجنة والنار وأطلع على أهلها فوجد أكثر النار من النساء؟ ويقولون: إن هذه الأخبار موضوعة ولو بلغت أعلى درجات الصحة، لأن الله تعالى كرر في كتابه العزيز أن الغيب لا يعلمه أحد سواه: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [الأنعام: ٥٩] ويقول : ﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾ [النمل: ٦٥] وقال مخاطباً رسوله: ﴿قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [الأعراف: ١٨٨] ﴿قُلْ لَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ﴾ [الأنعام: ٥٠] أليست هذه أدلة قاطعة على أن ما رواة منسوباً إلى النبي من شئون الغيب الزماني والمكاني تزوير على رسول الله؟! هذا ما يردده هؤلاء المضلون، ونريد أن نذكر - هنا - القارئ الكريم بحقيقة اشرنا إليها من قبل، لأهمية هذه الحقيقة في هذه الدراسة الكاشفة لأوهام منكري السنة النبوية حزب الشيطان، ونصوغها في العبارة الوجيزة الآتية:

стр. 50

* إن منكري السنة، إما أن يكونوا جهلاء جهلاً مركباً إن كانوا حسني النية فيما يقولون. وإما أن يكونوا معاندين عملاء لأعداء الأمة والوطن، ومحال أن يكون وراء هذين السببين سبب ثالث. تفنيد هذه الشبهة ونقضها: مسئولية الجهل وراء هذه الشبهة تعلن عن نفسها بصوت عالٍ، ولندع مسئولية العناد جانباً الآن. والجهل - هنا - مركب، وهو داء عياء. * فهم أولاً جاهلون بمنزلة رسل الله، وفي مقدمتهم خاتم النبيين. * وهم ثانياً جاهلون بالقرآن ومقاصده وقيمه ومبادئه. * وهم ثالثاً جاهلون بالسنة من ألفها إلى يائها. * وهو رابعاً جاهلون بأنهم جاهلون. وإذا اجتمعت ضروب الجهل هذه في أناس، فالصمت خير لهم من الكلام، والموت أستر لهم من الحياة. جاهلون بمنزلة رسل الله عند الله، وهم بسبب هذا الجهل ينظرون إلى الرسول كأنه واحد منهم، ليست له خصوصية كرامة وتكريم عند الله، ولا خصوصية تأييد بالنصر وخوارق المألوف عند عامة الناس. وأن الله يجرى على أيديهم ما يضن به على سائر خلقه، تثبيتاً لهم، وتصديقاً لرسالاتهم. وجاهلون بالقرآن، ولو كانوا قد رُزقوا حسن فهمه ووقفوا على ظواهر معانيه ودقائقها لما ساغ لهم أن يرددوا هذا القول الناعي عليهم بالويل والثبور، وعظائم الأمور.

стр. 51

فمحمد ﷺ لم يكن أول رسول يمزق الله له حواجز الزمان والمكان، ويطلعه على بعض الغيوب التي لم يكن ليعلمها لولا فتح الله عليه بها. ألو يخبرنا القرآن أن الله أطلع يوسف ﵇، وهو غلام، حين ألقاه إخوته في الجب ليتخلصوا منه ويصفو لهم قلب أبيهم ووجهه؟ ألم يقرأوا قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ وَأَجْمَعُوا أَنْ يَجْعَلُوهُ فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هَذَا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ [يوسف: ١٥] ثم دار الفلك دورته، وجاءت لحظة الإنباء، فقال لهم يوسف ﵇: ﴿قَالَ هَلْ عَلِمْتُمْ مَا فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنْتُمْ جَاهِلُونَ﴾ [يوسف: ٨٩] أليس هذا غيباً كان الله قد أنبا به نبيه يوسف ﵇، فوقع كما أنباه الله به. ثم ألم يقرأوا أن الله منَّ على يوسف مرة أخرى إذا أطلعه على غيب زماني قبل أن يقع بعشرات السنين، أنباه به عن طريق الرؤيا الصادقة. ﴿إِذْ قَالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ﴾ [يوسف: ٤] ثم دار الفلك دورته فصدق الله رسوله يوسف تلك الرؤيا لما رأى إخوته وأباه وأمه يحيونه بمصر بعد قدومهم إليها. وفي هذا يقول الحق : ﴿وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا وَقَالَ يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ [يوسف: ١٠٠] ثم ألم يخرق الله ليعقوب ﵇ أستار الغيب المكاني فنقل إليه ريح

стр. 52

(رائحة) ولده يوسف من مصر إلى الشام حتى لكأنهما يتعانقان في مكان واحد، وقد حكى القرآن هذه "المعجزة" على لسان يعقوب ﵇: ﴿وَلَمَّا فَصَلَتِ الْعِيرُ قَالَ أَبُوهُمْ إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْلَا أَنْ تُفَنِّدُونِ﴾ [يوسف: ٩٤] إن هذه الريح (الرائحة) التي حملتها يد القدرة الإلهية فأمتعت بها مشاعر يعقوب لم يشعر بها مجالسوه في المكان نفسه، فنسبوه إلى التخريف قائلين: ﴿ ... تَاللَّهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلَالِكَ الْقَدِيمِ﴾ [يوسف: ٩٥] ولم يقف عطاء الله الإعجازي على يوسف وأبيه، بل كان لأم موسى ﵇ منه نصيب. ألم يقل لها أصدق القائلين مخبراً بوحيه إليها: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ [القصص: ٧] فقد أخبرها بأنه سيرده إليها، ويجعله رسولاً، وهذا غيب زماني كما ترى. ثم وقع هذا الغيب بشقيه: الرد، والرسالة، كما أخبر الله أم موسى: أما الرد فقال الله فيه: ﴿فَرَدَدْنَاهُ إِلَى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ....﴾ [القصص: ١٣] وأما الرسالة، فقد قال الله فيها: ﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ [القصص: ١٤] أفليست هذه غيوباً أطلع الله عليها بعض رسله وأوليائه؟ وكذلك صنع الله مع رسوله الكريم عيسى بن مريم ﵇،

стр. 53

وتحدَّث بذلك عيسى باعتباره آية من آيات الرسالة، التي كرمه الله بها إلى بني إسرائيل. أفلم يقرأ هؤلاء الجهلة. أو المعاندون ما حكاه القرآن الأمين عن عيسى ﵇: ﴿ ... وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ٤٩] هل كان مع عيسى أجهزة تجسس يرصد بها أسرار الناس في البيوت؟! أم أن عيسى ﵇ رسول مؤيد من عند الله بالمعجزات زمانية كانت أم مكانية. وهل لمن يجهل هذه الحقائق أن ينصب من نفسه عالماً جهبذاً أوتى علوم الأولين وألاخرين، بل تفوَّق في العلم على أنبياء الله ورسله، وعلا جهله على حقائق الوحي الأمين، وإذا كان هذا هو فضل الله على يعقوب ويوسف وعيسى ﵈، وعلى أم موسى ﵂، فكيف يستكثر هؤلاء (البهاليل) على خاتم الأنبياء والرسل أن يطلعه على بعض الغيوب الزمانية والمكانية، وهو رسول الله إلى الناس جميعاً حتى قيام الساعة؟! إن الرسل لا يملكون الإطلاع على الغيب بذواتهم، وإنما يمن عليهم علام الغيوب بما يشاء هو لا بما يشاءون هم. وقد أعلن الله في كتابه أنه وحده هو عالم الغيب وفي القوت نفسه أعلن أنه يُطلع من يشاء من رسله على أشياء من الغيب بمقتضى إرادته وحكمته، وإذا أطلع بعض رسله على بعض الغيوب فليس معناه أن هؤلاء الرسل صاروا شركاء الله فب علم الغيب، وإنما هو فضل الله يؤتيه من يشاء من عباده. ولكن جهل منكري السنة هو مصيبة فوق كل المصائب عندهم، قاتلهم الله. ألم يقرأوا قول أحكم الحاكمين:

стр. 54

﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا (٢٦) إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا﴾ [الجن: ٢٦ - ٢٧] ونسأل منكري السنة هذا السؤال، تعليقاً على إنكارهم إخبار السنة ببعض الغيوب: هل محمد عندكم رسول أم غير رسول؟ فإن قلتم هو رسول قلنا لكم إن الله في كتابه أعلن أنه يطلع من ارتضى من رسله على بعض الغيوب، فيلزمكم التصديق بالأحاديث النبوية، التي تتحدث عن بعض الغيوب. وإن قلتم هو ليس رسولاً، قلنا لكم: لكم دينكم ولما ديننا وأي الإجابتين أحب إليكم يا ترى؟ أدلة من الواقع المشاهد: ولنفترض أن منكري السنة لم يقتنعوا بالبراهين القاطعة التي واجهناهم بها حتى الآن، فإن لدينا ما يقسرهم على التسليم قسراً، بأن الأحاديث التي تحدثت عن بعض الغيوب فيما صحت روايته عن النبي ﷺ ، حقائق إيمانية ومعجزات إلهية أجراها العلي القدير على لسان محمد ﷺ ، أنبات يوم قالها على أمور كانت ستحدث بعد دهر طويل، وقد حدثت فعلاً، وما تزال تحدث حتى الآن على مرأى ومسمع من جميع الناس. فهي إذن تجارب خاضعة للفحص والملاحظة والمشاهدة، لا ينكرها عاقل، ولا يماري فيها منصف أو عنود. حديث علامات الساعة: نعني - هنا - حديث جبريل، ذلك الحديث الذي رواه الإمام مسلم، الذي جاء فيه جبريل ﵇ في صورة رجل شديد بياض الثياب، شديد سواد الشعر، لا يرى عليه أثر السفر ولا يعرفه من الجلوس حول رسول الله أحد، وأخذ يسأل الرسول، والرسول يجيب، وهو من مرويات عمر بن الخطاب

стр. 55

- ﵁، والذي جاء ضمن الأسئلة التي سألها هذا السؤال: "قال: فأخبرني عن الساعة"؟! فقال الرسول: "ما المسئول عنها بأعلم من السائل". قال جبريل: "فأخبرني عن أماراتها". قال الرسول: "أن تلد الأمة ربتها، وأن ترى الحفاة العراة العالة، رعاء الشاء يتطاولون في البنيان" وشاهدنا في هذا الحديث ذكرُ النبي ﷺ أمارتين من أمارات الساعة. * ولادة الأمة سيدها. * تقلُّب أحوال المجتمعات. ولعامائنا شروح "حرفية" لهاتين العبارتين، ومع تقديرنا لشروحهم فإن العبارتين تحتملان معاني أخرى: فلا مانع شرعاً ولا بياناً أن يكون المارد من العبارة الأولى الإشارة إلى تسويد الأمور إلى غيرها - كما جاء في حديث آخر رواه البخاري "إذا أسند الأمر إلى غير أهله فانتظر الساعة". فالجاهل يحكم العالم، والوضيع يسود الشريف، والحقير يسيطر على الكريم، والخسيس يعلو على النبيل والسفيه يؤم الراشد؟ يعني أن في هذه العبارة إيماء بليغاً إلى أختلال الأوضاع بين الناس، وتعكيساً للأمور عن سننها القويم. أما العبارة الثانية فلا يبعد أن يكون معناها الزحف الحضاري المادي، حتى يشمل البوادى والصحارى والمراعي والوديان فيصبح من كان حافيا، عارياً، راعياً للماشية، مالكاً للقصور والدثور، بعد أن كان يننَّبع بماشيته شعب البرارى، ومواقع القطر. وهذا كله واقع مشاهد الآن، ولم يكن له وجود يوم أخبر به النبي المعصوم.

стр. 56

أفليس هذا دليلاً قاطعاً على صدق الأحاديث النبوية التي تتحدث عن أمور غيبية، ثم وقعت بعد الإخبار بها بدهور كما وصفها النبي المعصوم ﷺ . تكوين الأجنة في الأرحام: لم يكن في عصر النبوة طب كما فب هذه الأيام، ولا وسائل كشف أو أشعة تلتقط ما وراء المستور، ومع هذا فقد تحدث رسول الله ﷺ عن مراحل تكوين الجنين في رحم أمه، وحدد كل مرحلة تحديداً دقيقاً في حديثه الذي سمعه منه أبو عبد الرحمن عبد الله بن مسعود ﵁، ونص الحديث كما فس صحيحى البخاري ومسلم: "إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوماً نطفة، يم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة، مثل ذلك، ثم يكون مضغة، مثل ذلك، ثم يرسل إليه الملك، وينفخ فيه الروح". والشاهد في هذا الحديث هو تحديد مدة كل مرحلة من المراحل الثلاث بأربعين يوماً. بعدها يبعث الله الروح فيه. ثم دجاء الطب الحديث، والتقط صوراً لأجنة وهي في الرحم وعرف الأطباء أن الروح لا تبعث إلا مائة وعشرين يوماً، وتطابقت نتائج المراقبة الطبية مع دلالات الحديث تماماً. فكان هذا الحديث معجزة نبوية خاللدة، وموضوعه غيب مكاني وزماني معاً. نعم. القرآن ذكر اسماء المراحل في آيات منها ما جاء في سورة المؤمنون: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ (١٢) ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ (١٣) ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ [المؤمنون: ١٢ - ١٤] ولم يذكر القرآن مدة كل مرحلة، فحددتها السنة بأربعين يوماً. ولم يذكر القرآن لحظة بعث الروح، فبينت السنة أنه يكون على رأس المائة والعشرين يوماً (حاصل مجموع ٤٠ + ٤٠ + ٤٠) أو ليس هذا غيباً لم يكن يمكن الأطلاع عليه يوم قال الرسول ﷺ هذا الحديث الإعجازي.

стр. 57

والله هو الذي أعلم رسوله بهذا الغيب بما شاء من وسائل الإعلام. أفبعد هذا يتطاول جاهل أو معاند، فيجعل من أدلة إنكار السنة أنها اقتحمت ستور الغيب، والغيب لا يعلمه إلا الله؟! لو لم تكن أحاديث الغيب صادقة كل الصدق لكان لهم عذر. ولكن كيف يكون لهم عذر وهي صادقة كل الصدق أنهم لسوء حظهم عكسوا دلائل الإيمان، فجعلوها دلائل كفر وإلحاد؟ وللناس فيما يعشقون مذاهب. ولا حول ولا قوة إلا بالله. * * *

стр. 58

الشبهة العاشرة رواة السنة بشر غير معصومين أعداء الحق منذ قديم الزمان، لهم حيل وأساليب ماكرة في رفض الحق، وتشويه صورته، لأنهم لا يكتفون برفض الحق، وحرمان أنفسهم منه، ولو كانوا قد فعلوا ذلك لكانوا أنصاف عقلاء. ولكن كراهيتهم للحق، من حيث هو حق، جعلتهم يعملون - جاهدين - على صد غيرهم عن الخق. وهذا من الطباع المنكوسة في أخلاق بعض الناس، لذلك سهل على الشيطان مقادهم، وأخذ يمدهم بما هم في حاجة إليه في وقف الحق عن الزحف والانتصار، ولكي يظلوا في ضلالهم يعمهون. ومن هذه الحيل والأساليب الماكرة عند منكري السنة المعاصرين، قولهم: إن رواة السنة عن رسول الله ﷺ بشر يخطئون ويصيبون، فهم إذن غير معصومين، فكيف نؤمن بصحة وصدق ما رووه لنا من مئات الآلاف من الحديث المنسوب إلى رسول الله ﷺ . ويضيفون إلى شبههم هذه شبهة أخرى عارضة، خلاصتها أن الواحد منا إذا قال كلاما في مجلس، ثم أراد حكايته في مجلس آخر، فإنه لا يستطيع أن يحكيه على صورته الأولى، بل لابد من التغيير والتبديل في الألفاظ والمعاني وإن قرب العهد بين المجلسين: مجلس البداية ومجلس الحكاية. تفنيد هذه الشبهة ونقضها: إن لله في الحياة سننا نافذة في خلقه، ومن سننه أنه خلق الملائكة، والجن، والبشر، وركب في البشر طبيعتين: طبيعة الخير، وطبيعة الشر. أما الملائكة، فقد جبلهم على الطاعة والخير، والشياطين مطبوعون على الشر.

стр. 59

وأرسل رسله إلى خلقه من الجن والإنس فمنهم من يهتدي حتى يبلغ أعلى عليين، ومنهم من يضل حتى يهوي أسفل سافلين، وصلحاء البشر فيهم صلحاء شبيهون بالملائكة في الإيمان والطاعة والاستقامة وفي مقدمة هؤلاء الصلحاء الرسل وتابعوهم. فليس الوصف بالبشرية نقصا من حيث البشرية نفسها وإنما معايير النقص والكمال رهينة بكسب الإنسان وعمله. ومن سنن الله النافذة أن جعل البشر يديرون شئون أنفسهم بأنفسهم على هدى من رسالات الله إليهم لا تديرها لهم ملائكة ولا شياطين، وهذا هو مقتضى التكليف أو المسئولية كما يعبر عنه في الفكر الحديث. إذن فإن رواية الحديث عن طريق البشر بدعاً من السلوك، ولا سبة تقدح في سلامة السنة من التحريف في ألفاظها ومعانيها. وتوصلا إلى هذه الغاية نشأ فن أو علم الجرح والتعديل، هذا الفن، أو العلم وقفه علماء الحديث على معرفة أحوال الرواة من التابعين وتابعيهم ومن غيرهم، وصنفوا الرواة اصنافاً مختلفة، ووضعوا لقبول الرواية من كل راو شروطاً محكمة. والتعديل يعني وصف الرواي بالعدالة إذا توفرت فيه شروطها، والتجريح، يعني معرفة الرواة غير العدول الذين لا تقبل رواية الحديث عنهم. فالحديث الذي يقبل من حيث رواية ينبغي أن يكون الراوي، ضابطاً ثقة، وهو المسلم البالغ العاقل، السالم من أسباب الفسق وخوارم المرءوة، المتيقظ غير المغفل (الغافل) وأن يكون حافظاً إذا حدَّث من حفظه، فاهما إذا حدَّ على المعنى في الرواية الشفهية (ينظر الباعث الحثيث: ص ٩٢ وما بعدها) للإمام ابن كثير. أما رواية ما خالف حاله هذه الأوصاف فلا تقبل، وكذلك لا تقبل رواية أصحاب الأهواء إذا رووا ما يوافق هواهم ولا مجهول الحال.

стр. 60

ويلاحظ أن هذه الضوابط وضعت لهدف سام وهو دفع احتمال الخطأ أو الكذب في رواية الحديث، حتى تطمئن النفس إلى أن ما روى صح صدوره عن النبي ﷺ . ولم يكن علماء الحديث يقبلون كل ما يروى عن رسول الله ﷺ ، حتى تتوفر فيه شروط الرواية الصحيحة وهذا يدفع بكل قوة ما اثاره منكرو السنة من أن رواة السنة بشر يخطئون ويصيبون، هذه العبارة وإن كانت صحيحة من حيث الجملة، فلا مفهوم لها هنا لأن الشروط التي وضعها علماء الحديث ﵃ كانت لتحقق الإصابة في الرواية ودفع الخطأ، وهم أعلم بأسباب الإصابة والخطأ عشرات المرات من هؤلاء الببغاوات، الذين يرددون ما قاله المبشرون والمستشرقون الحاقدون على الإسلام، دون أن تكون لهم ممارسة أو خبرة ذاتية في هذا المقام الجليل. إنني على يقين من أن الذين يهاجمون السنة الآن في الصحف والمجلات لو عقد لأحدهم اختبار في علوم الحديث مهما طال أو قصر، سهل أو صعب لرسب فيه بالخط الثلث ولو كان بعضهم لبعض ظهيراً. إنهم يتصايحون في الفضاء، ويحاربون في الهواء، أو في غير مواجهة ولو ووجهوا لأنكشفوا وافتضح أمرهم عند الناس، وقديماً قال الشعر: إذا ما الجبان خلا بأرض ... تمنَّى الطعنَ فيها والنزالا مقلدون لا مبتكرون: منكرو السنة في هذه الشبهة: شبهة بشرية الرواة مقلدون - كعادتهم - لا مبتكرون، ما في ذلك ريب أنهم مقلدون لمكذبي الرسل على مدى التاريخ النبوي كله، فالقرآن الأمين يقص علينا مسالك مكذبي الرسل كلما بلغوهم ما أنزله الله عليهم، وإليك البيان. في سورة إبراهيم ﵇ ورد هذا الحوار المحكي بين الرسل والذين كذَّبوهم من أقوامهم:

стр. 61

﴿قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرَكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى قَالُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا تُرِيدُونَ أَنْ تَصُدُّونَا عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا فَأْتُونَا بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ (١٠) قَالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِنْ نَحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَمَا كَانَ لَنَا أَنْ نَأْتِيَكُمْ بِسُلْطَانٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [إبراهيم: ١٠ - ١١] أنظر إلى هذا المنطق المعوج الذي واجه به مكذبو الرسل الرسل الذين أرسلهم الله إليهم. رفضوا رسالاتهم والإيمان بها، بحجة أنهم بشر مثلهم ليس لهم عليهم سلطان. وهذه شبيه بموقف السنة، الذين يرفضون السنة بحجة، أو شبهة أن رواتها من الصحابة، والتابعين بشر؟! ثم أنظر إلى صوت الحكمة العالية في رد الرسل على هؤلاء المكذبين: ﴿إِنْ نَحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾ . ونذكر القارئ أن منكري السنة رفضوها في هذه الشبهة، لأن روايتها بشر يخطئون ويصيبون نذكر القارئ بهذا لنبين له لطيفة من لطائف بلاغة القرآن، وهي أنهم وصفوا البشر بأنهم يخطئون ويصيبون وهذان الوصفان متحققان فيما حكاه القرآن في هاتين الآيتين: أعني الإصابة والخطأ. فالمخطئ هم مكذبو الرسل، ومثلهم منكرو السنة، لأنهم جميعاً أعتمدوا في تكذيب الرسل، وتكذيب السنة على علة واحدة، هي بشرية الرسل والرواة. أما المصيبون فهم الرسل، والمؤمنون بسنة خاتمهم ﷺ ، المحتكمون إليها في حياتهم طاعة لله ورسوله ومثل هذا ورد في سورة "يس" في الحديث عن أصحاب القرية:

стр. 62

﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ إِذْ جَاءَهَا الْمُرْسَلُونَ (١٣) إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ فَقَالُوا إِنَّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ (١٤) قَالُوا مَا أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا وَمَا أَنْزَلَ الرَّحْمَنُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَكْذِبُونَ﴾ [يس: ١٣ - ١٥] هذا هو التقليد الذي سار عليه منكرو السنة، فليس لهم من قدوة إلا مكذبو الرسل، وليس لمكذبي الرسل من إمام إلا الشيطان، الذي يدعو حزبه ليكونوا من أصحاب السعير. وقد حكى عنهم القرآن هذه المقولة في سور أخرى كالأعراف والفرقان والقمر وغيرهما، من السور التي فيها قصص الأنبياء ومما حكاه عن مشركي العرب من رفضهم لرسالة محمد ﷺ ، قوله : ﴿لَاهِيَةً قُلُوبُهُمْ وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا هَلْ هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ أَفَتَأْتُونَ السِّحْرَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ﴾ [الأنبياء: ٣] وقولهم عن القرآن في بيان رفضهم له: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ﴾ [المدثر: ٢٥] فهل ترى من كبير فروق بين مكذبي الرسل، وبين منكري السنة المطهرة.؟! إنهم - جميعاً - مكذبون للرسل في أصول ما جاءوا به، وفي فروعه. * * *

стр. 63

الشبهة الحادية عشرة نُدْرة الصحيح في محفوظ البخاري كنا، ونحن صغار في الريف المصري، نسمع كبارنا يرددون مثلاً أو حكمة، والحكّم والأمثال يودعها أصحابها خلاصات تجارب الحياة، ويرددنها في مناسباتها التي ينكرر وقوعها في الحياة. ومن الأمثال التي تعيها الذاكرة الآن، مثل يقول: "الغريق يتعلق بالقشة" والقشة جزء صغير من حطام النبات، وهي تمثل منتهى الضعف، ولذلك كان العرب يصفون الأمر الهين الذي يكون سبباً في هلاك صاحبه بالقشة، ويقول: "القشة التي قضمت ظهر البعير" اي تسببت في تحطيم كائن عظيم، المرموز له بـ "البعير" في القوة والضخامة. ومنكرو السنة في تصيدهم الشبهات لإنكارها، ذكَّرونا بالمثل الأول: "الغريق يتعلق بالقشة" والقشة لا تنقذ الغريق من الغرق، بل سيجذبها معه الغريق إلى قاع البحلا، والمراد من هذا المثل عند مردديه، أن الغريق لما فقد كل وسيله لإنقاذه، ولم يبصر إلاَّ قشة حمله اليأس على التمسك بها. ولعل، وعسى. كذلك منكرو السنة تراهم يتهافتون وراء اقتناص الشبهات لإنكار السنة، مهما كانت تافهة، ضعيفة ولسان حالهم يقول: لعلَّ، وعسى. والشبهة التب نحن بصدد تفنيدها ونقضها - الآن - أوضح شاهد على تهافت منكري السنة، وهي كما قد رأيت: "ندرة الصحيح في محفوظ البخاري" يعني أنهم نظروا في مقدمته التي سدَّر بها صحيحه، وما نُقل عنه من أنه كان يحفظ ستمائة ألف حديث، ومع ذلك لم يدوَّن منها في صحيحه إلا أربعة آلاف حديث مع حذف المكرر، وحوالي سبعة آلاف حديث مكرر.

стр. 64

وقد استنتج منكرو السنة، والقادحون فيها، من هذا التنظير بين المحفوظ والمكتوب أن البخاري ﵁ لم يصح عنده من ستمائة ألف حديث إلا ما كتبه هو في صحيحه. بل إن بعض منكري السنة يهوَّل كثيراً في التشكيك في الحديث النبوي، فادعى أن ٩٧% من الأحاديث النبوية الشريفة مكذوب على رسول الله لأسباب سياسة؟! (ينظر الأهرام العربي ٢٦/٦/١٩٩٩م) . يعني أن جملة الأحاديث النبوية كلها لم يصح منها إلا ٣%؟! وهذه دعوة صريحة إلى نزع الشقة عن السنة النبوية كلها ومحوها من الوجود، ليضرب لذلك مثلاً: لو أن جائعاً كاد يهلك من الجوع وجد مائة تمرة صالحة للأكل، فهمَّ بأن يتناول بعضاً منها لإنقاذ نفسه من الجوع ولكن رجلاً آخر صاح به قائلاً: أحذر الأكل من هذا التمر، لأن ٩٧ ثمرة منها محقونة بمادة سمية تقتل من أكلها في الحال. فماذا يكون رد الفعل؟ رد الفعل سيكون التوقف الحذر عن الأكل، لأن فيه تعرضاً للموت، أو قل للانتحار. وهذا ما يريده منكرو السنة من هذه الحملات التي يشنونها ضد السنة النبوية، لحاجة في نفس يعقوب. تفنيد هذه الشبهة ونقضها: هذه الشبهة المثارة هنا، خفيفة الوزن جداً، ومنكرو السنة يعلمون أنها خفيفة الوزن، ولكن إغرامهم بتصيُّد الطعون والمعايب، حملهم على هذا العناد الممقوت، مع علمهم كذلك برد خصومهم عليهم. صحيح أن البخاري - كما قال هو نفسه - كان يحفظ ستمائة ألف حديث، وصحيح أنه لم يدوَّن منها إلا أربعة آلاف حديث. وليس معنى هذا أن الإمام البخاري لم يصح عنده من محفوظة (ستمائة ألف حديث) إلا هذا القدر القليل (أربعة آلاف حديث) .

стр. 65

لأن البخاري ﵁ ألزم نفسه منهجاً في تدوين الحديث، وهو كتابة اثنين في اليوم الواحد، وكان يتوضأ ويصلي ركعتى الإستخارة قبل أن يضعهما في صحيحه المعروف. ولذلك استغرق تأليف صحيحه ست عشرة سنة، وقد حرص البخاري على تدوين الصحيح، ولكنه لم يدون كل مت صح عنده، حيث قال: "ما أدخلت في كتاب الجامع إلا ما صح، وتركت من الصحيح مخافة الطول" (تدريب الراوي: ١/٩٨) . ونحن لا نقول إن الستمائة ألف حديث التي كان يحفظها البخاري كلها صحيحة، ولم يدع هو ذلك. ولكن الذي نرفضه أن ما عدا ما دوَّنه في صحيحه كان ترك تدوينه عدم صحته كما يدعى منكرو تالسنة المغالون في الحمل عليها بغية عزلها عن حياة المسلمين. وهب أن الصحيح من محفوظ البخاري خمسمائة ألف حديث فكم كان يلزمه من الوقت حتى يفرغ من تدوينها كلها، والمعروف أنه لم يكن يكتب إلا حديثين في اليوم الواحد؟ إنه يحتاج إلى ٧١٤ سنة تقريباً كان ينبغي أن يعيشها البخاري بعد الطفولة، وقبل الشيخوخة، والمعروف أن عمره لم يتجاوز الستين إلا بقليل شاملاً سنى نشأته الأولى. كما أن للإمام البخاري عذراً، أو أعذاراً أخرى، فهم لم يكن مجرد سارد لما دوَّنه من الأحاديث، بل كان تدوينه موزعاً على أبواب الفقه وفروعها الدقيقة، وكان يقطَّع الحديث الواحد أجزاء، يضع كل جزء في مقامه من علم الفقه.، مع وضع عناوين لمسائل الفقه المسوق من أجلها الحديث. ومن له دراية بعمل البخاري في صحيحه يراه يبدى آراءه في كثير من المسائل، مع رغبته في عدم الطول في صحيحه كما صرَّح بذلك هو في العبارة التي نقلناها عنه في ما تقدم. هذا هو الصواب الذي ينبغي أن يقال في تدوين البخاري ﵁. لا ما يقوله منكرو السنة المرجفون.

стр. 66

الشبهة الثانية عشرة البخاري ومسلم لم يسلما من النقد في كثير من العلوم الإسلامية والعربية، قمم شامخة، احتلت تلك القمم مكان الصدارة في مجالاتهم، ففي علوم العربية، يشار إلى سيبويه بالبنان، وفي علوم النقد الأدبي ترى الآمدى صاحب الموازنة، والقاضي الجرجاني صاحب الوساطة منارتين سامقتين، وفيى علوم القرآن والإعجاز تجد الإمامين القاضي أبا بكر الباقلانى، وعبد القاهر الجرحاني فارسين لا يشق لهما غبار، وفي علوم أصول الفقه تجد الإمام الغزالي صاحب المستصفى، والآمدي الإحكام في أصول الأحكام بحرين زاخرين. أما في علوم الحديث فقد سطع في سمائها الإمام البخاري، والإمام مسلم ﵄، وصار لكتابيهما منزلة لا تضارع في هذا المجال. وهذه القمم الشامخة، والأئمة الأعلام صاروا "حجة" في تخصصاتهم، ورموزاً في تاريخ الحركة العلمية الإسلامية، وخصوم الإسلام المعاصرون، يصوبون سهامهم دائماًً نحو هذه القمم، وتلك الرموز، لأن في النيل منهم نيلاً من المعارف التي برزوا فيها، إنهم أصحاب "العروش"التي تحمي حمى الدين. فكان إسقاطهم عند خصوم الإسلام، وعملاء خصوم الإسلام مطلباً "استراتيجيا" يسعون لتحقيقه بكل ما أوتوا من دهاء ومكر وخديعة. وجريا على هذا "المنهج" ترى منكري السنة يتخذون منها غرضاً لقذائفهم، لأنهم يعلمون أن الأمة شديدة التقدير لهما الثقة في صحيحيهما، لأنهم يعلمون أن الأمة شديدة التقدير لهما عظيمة الثقة في صحيحيهما، فإذا نجحوا في العصف بهما أصابوا السنة والأمة معاً في مقتل يصعب بعده استمرار الحياة، فقد جعلوا من اسبابهم (شبهاتهم) لإنكار السنة الطعن فيهما، وفي عملهما، لتنهار بعد ذلك صروح السنة في غيرهما من الكتب والمصنفات الأخرى.

стр. 67

هذا هو السر في التركيز على صحيحى البخاري ومسلم في هذه الآونة. وعلى عادتهم من التهافت في تصيد المعايب والمآخذ، تراهم يرددون كثيراً أن صحيحى البخاري ومسلم لم يسلما من نقد علماء الحديث، الذين جاءوا بعدهما، كالحكام والبيهقي، والدارقطنى وابن الجوزى، وغيرهم. ثم اتخذوا من نقد العلماء لهما وليجة، لنزع الثقة عنهما وإخضاعهما لغربلة، بغربال واسع "الثقوب" ليسقط كل أوجل ما فيهما من الأحاديث الصحاح (ينظر جريدة الجيل التي تطبع في قبرص وتوزع في مصر [مارس ١٩٩٩م] . إنهم يدعون أن في صحيحى البخاري ومسلم مما عدوه صحيحاً من الأحاديث: ما يخالف القرآن، وما يخالف العقل، وما يخالف الواقع المحسوس وما يقدح في عدالة الله، وما يوافق مكايد للإسلام؟! وما يوافق هوى النصارى، وما هو خرافة خالصة؟! تفنيد هذه الشبهة ونقضها: ونعتمد في تفنيد هذه الشبهة - بعد الاعتماد على الله - على ما يأتي: أولاً: أن صحيحى البخاري ومسلم كتب الله لهما الذيوع، وقد تلقتهما الأمة بالرضا والقبول، وأجمعت على اعتمادهما بعد كتاب الله في العمل للدنيا والآخرة. والأمة لا تجتمع على ضلالة، كما جاء في الحديث الشريف في طرق متعددة. ثانياً: أن حركة النقد التي دارت حول ما في البخاري ومسلم من أحاديث، أسفرت عن ملاحظات شملت مائتى حديث وعشرة أحاديث من أكثر من أربعة آلاف حديث اتفقا عليها، تفصيلها الآتي: * ثمانية وسبعون حديثاً في صحيح البخاري.

стр. 68

* مائة واثنان وثلاثون حديثاً في صحيح مسلم. وهذه الأحاديث التي انتقدت في الصحيحين لم يكن نقدها موضع إجماع عند المحدثين، وليس فيها أحاديث موضوعة، وقد أعلن بعض النقاد من علماء الحديث أن هذا النقد بنى على قواعد أو علل ضعيفة غير قادحة في سلامة الحديث كما أن الأحاديث التي انتقدت عند البخاري ليس لها مساس بأصل الكتاب، بل هي من الأحاديث التي ذكرها البخاري على سبيل الاستئناس [ينظر مقدمة ابن حجر لشرح البخاري، فتح البارى (٣٤٦) ] وأيا كان الأمر فإن نقد علماء الحديث لبعض ما في البخاري ومسلم ليس فيه لمنكري السنة حجة، بل هو حجة عليهم، حيث لم ينظر المحدثون إلى هذين الإمامين الجليلين نظرة تقديس ترفعهما إلى درجة العصمة من الخطأ والسهو، وإنما كملوا بنقدهم لبعض ما في الصحيحين الاتقان الذي يبث في النفوس الاطمئنان إلى سلامة السنة المعتمدة لدى الأمة من التزوير والخلل، وهذا ما يريده منكرو السنة من شغبهم وصياحهم الآن. ثالثاً: إن بعض هذه الأحاديث التي انتقدت عند البخاري ومسلم كان مرجع النقد فيها إلى عدم التزام شروطهما التي التزماها في الرواية، وهذا لا يعني أن هذه الأحاديث ضعيفة أو مكذوبة، ولم يقل بذلك أحد من علماء الحديث الخبراء بأصول الرواية متناً وسنداً، بل قال بعض هؤلاء النقاد إن ما أخذ على الإمامين معتمد عند الحفاظ ووراد من جهات أخرى. ومنكرو السنة المعاصرون لا يعلمون من اصول هذا الفن إلا صوراً شائهة، ولو أنهم اطلعوا على بعض أمهات كتب الحديث، مثل "توضيح الأفكار" لظهرت لهم قماءة أنفسهم، وجهلهم بفنون السباحة والغوص في هذا الخضم العميق، الذي لا شواطئ له. ولكن علوم الدين - الآن - اصبحت كلاً مباحاً لكل "من فك الخط" من الأميين الجلهة الذين يتركون ما يعرفون، ويهرفون بما لا يعرفون ويدعون أنهم "تنويريون" مجددون.

стр. 69

رابعاً: إننا نحيلهم ليعرفوا لأنفسهم قدرها في مجال الحديث وعلومه، إلى الفصل الضافي الذي عقده العلامة ابن حجر العسقلاني، في دراسة عشرة أحاديث ومائة من الأحاديث التي انتقدت عند البخاري، ومشاركة مسلم في تخريج اثنتين وثلاثين حديثاً منها، ناقشها ودرسها حديثاً حديثاً، مستعملاً في دراسته إياها قواعد نقد الحديث التي لا يعرف منكرو السنة عنها شيئاً. إننا ندعوهم - ليرحموا أنفسهم بالسكوت - إلى الإطلاع على هذا الفصل ليبين لهم أنهم محرمون تماماً من أدوات السير في هذا الطريق، وإلا فعليهم أن يقدموا للأمة نقداً علمياً دقيقاً لما يرونه موضوعاً للغربلة عند الإمامين البخاري ومسلم. أما هذا التهريج الذي دأبوا على نشره فهو بضاعة المهزومين. * * *

стр. 70

الشبهة الثالثة عشرة السنة ليست وحياً ؟! في هذه الشبهة يحاول منكرو السنة الحط من شأنها، وتجريدها من خصائصها الدينية، فهي عندهم مجرد كلام للنبي ﷺ ، وإن كلامه ليس فيه إلزام للأمة. ويطعنون في الحديث الشريف: "ألا إني أوتيت القرآن ومثله معه" ويعتمدون في طعنهم فيه على حديث النهي عن كتابة أحاديث النبي ﵊، ويوقولن لو كانت السنة من عند الله لما نهى عن كتابتها النبي، بل كان المتعين الأمر بكتابتها مثل القرآن تماماً. ويقول بعضهم: لو كانت السنة وحياً من عند الله ما أهمل النبي تدوينها وكتابتها، إلى أن يأتي البخاري ومسلم في القرن الثالث فيقوما بمهمة كان ينبغي أن يدعو إليها النبي نفسه في حياته. كما يحرفون معنى قوله تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم: ٣، ٤] يحرفون معناه، لأن أنصار السنة يستدلون به على أن السنة التي صح صدورها عن النبي ﷺ من عند الله. وإليك ما قالوه فذ هذا الشأن: قال بعضهم: إن ما كان يقوم به النبي ﷺ ، هو وحي كله، لقوله تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ والاستناد إلى هذه الآية الكريمة لا مسوغ له هنا، فالضمير "هو" لا يعود إلى النبي ﷺ ، وإنما يعود بووضح - وحصرا - إلى الكتاب المنزل. [الكتاب والقرآن: ٥٤٥] د/ محمد شحرور. هذه خلاصة وجيزة لما قالوه حول تفريغ السنة من محتواها الديني، باعتبارها شطر الرسالة الثاني بعد القرآن، وتراهم في سبيل الوصول إلى هذه الآية.

стр. 71

ينتحلون الأساب الواهية ويتجرأون على إهدار قيمة النصوص، التي تقف في طريقهم على النحو الذي رأيت. تفنيد هذه الشبهة ونقضها: السنة التي استوفت شروط الصحة سنداً ومتناً لا ريب أنها كلام نطق به النبي ﷺ ، وأنه من مقومات الرسالة، ومتصل بمهمة التبليغ، التي من أجلها أرسل الله محمداً ﷺ ، ليقيم على الناس الحجة، وتتم عملية التكليف. وما كان هذا شأنه فهو صادق كل الصدق، والناس ملزمون به مثل إلزامهم بالقرآن سواء بسواء. إذ لا فرق بين أمر أو نهي طريقه القرآن، وأمر ونهي طريقه السنة النبوية. وهذا ما يفيده الحديث المشهور: "الأ وإني أوتيت القرآن ومثله معه". فالمثلية بين القرآن، وبين ما أو تيه الرسول ﷺ ليست مثليه (الكم) - أعني العدد - وإنما هي مثلية (الكيف) . ليست مثلية العدد فيكون عدد الأحاديث النبوية مثل عدد آيات القرآن، أو جُمَل مساوية لـ (جُمَل) القرآن) ولا ينبغي أن يخطر هذا المعنى على بال أحد. وإنما هي مثلية (الكيف) ويمكن توضحيها في الآتي: * مثلية "الحقية" فالقرآن حق لا باطل فيه، والسنة حق لا باطل فيها. * مثلية الطاعة والامتثال، فتجب طاعة الرسول في ما أمر به أو نهى عنه. وبعد هذا ليس مهماً عندنا أن يكون طريق السنة هو الوحي الحرفي، أو الوحي المعنوي، أو يكون طريقها الإلهام، أو يكون طريقها الاجتهاد كما ذهب إلى هذا بعض العلماء، وبالغ فيه منكرو السنة. يكفينا أن السنة التي صح صدورها عن النبي ﷺ : كلام فخرج من فمه الطاهر، أو فعل كان هو فاعله، أو تقرير لفعل صدر من غيره فلم ينهه عنه وكان المراد بكل ذلك التبليغ عن الله .

стр. 72

أقول يكفينا هذا، ولا نتطلب شيئاً آخر بعده، لأن به تقوم الحجة، ويتضح المراد. تحريف معنى الآية: رأينا كيف حرّضف منكرو السنة معنر آية "النجم" وجزموا بأن ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ وصف للقرآن وحده، ولا تدخل السنة في هذا الوحي بحال، ويقدح في هذا الجزم سياق الآيات: ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى (١) مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى (٢) وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ . منكرو السنة فرَّقوا بين الضمير المستتر في "ينطق" وهو فاعل النطق فجعلوه للنبي أو أبقوه على دلالته الظاهرة - وهذا حق لا نزاع فيه - وبين الضمير الظاهر المنفصل في ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ فجعلوا الضمير (هو) عائداً على القرآن وحده. وهذا تعسف محض؛ لأن القرآن لم يرد له ذكر هنا حتى يعود عليه الضمير، ولأن لهذا الضمير مرجعاً في الآية قبله، وهو "النطق" المفهوم من الفعل المضارع "ينطق" أي: وما نطقه ﷺ إلا وحي يوحى. سواء في ذلك القرآن والسنة. ولأن المقام مقام ثناء وتزكية لرسول الله ﷺ . من طهارة قلب، وصدق لسان. وقد أكد الحق هذا الثناء بالتوكيد القسمي ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى﴾ . ثم نزه الله رسوله بعد ذلك فنفى عنه الضلال والغواية ﴿مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى﴾ . ثم نفى تاثير أهواء النفس في قوله وحديثه (نطفه) ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى﴾ . ثم حصر نطقه في كونه وحياً. فمن اين فهم هؤلاء المرجفون أن الضمير في ﴿إِنْ هُوَ﴾ عائد على القرآن وحده؟

стр. 73

إن محمداً ﷺ كان ينطق بالسنة كما ينطق بالقرآن، فكان حرياً بهم - لو كانوا منصفين - أن يقولوا إن الضمير في ﴿إِنْ هُوَ﴾ شامل لما نطق به النبي كله، سواء كان نطفه قرآنا، أو سنة مراداً بها التبليغ عن الله ، ولما كان محمد ﷺ ينطق بالقرآن وبالسنة وقد سميت هذه السنة وحياكما تقدم، فرَّق كثير من العلماء بين وحي القرآن ووحي السنة: * فوحي القرآن ما كان باللفظ والمعنى، ولا تجوز بحال روايته بالمعنى فحسب. ووحي السنة ما كان بالمعنى، واللفظ من عند النبي ﷺ ، ويجوز روايتها عنه ﵊ بالمعنى عند الضرورة. نطقاً لا كتابة. * أو أن القرآن وحي جَلِىُّ، والسنة وحي خَفِىٌ وكون السنة من عند الله، بأي كيفية أعلم الله بها رسوله، هذا المعنى يؤيده القرآن الحكيم مرة أخرى في قوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا﴾ [النساء: ١١٣] . فهل -بعد هذا - يكون لشبهة منكري السنة هذه رواج أو قبول، عند ذوي العقول. ولا يقدح في كون السنة وحي معنى لا وحي الفاظ، أن بعض الأحاديث تختلف رواياتها بوضع لفظ مكان آخر أو بالزيادة والنقص، أو بالتقديم والتأخير. لأن هذه "الاختلافات" إن كانت بسبب اختلاف السماع عن رسول الله، فإن كل راو يروي ما سمع كما سمع من رسول الله ﵊، فمرة نطق بهذا، ومرة نطق بذاك حتى وإن ترتب على ذلك اختلاف المعنى. وما أشبه هذه في السنة الصحيحة باختلاف القراءات في القرآن، والقراءات الصحيحة كلها قرآن. ولا تقدح هذه القراءات في مصدرية القرآن، وهو الوحي المتعبد بتلاوته. * * *

стр. 74

الشبهة الرابعة عشرة نُدْرة الاستدلال بالحديث عن أبي حنيفة ؟! الإمام أبو حنيفة النعمان ﵁، أول الأئمة الأربعة الكبار، أصحاب المذاهب الفقهية: مالك، والشافعي، وأحمد ﵃. ولد بالكوفة عام (٨٠ هـ) وتوفى ببغداد عام (١٥٠هـ) فهو رائد الفقه الإسلامي المذهبي. وكان هذا الإمام العظيم له خصوم سياسيون، هم الأمويون والعباسيون وكان له هو مواقف حازمة معهم من كثرة نقده لهم، وبخاصة حول بعض الأمراء الأمويين، وقد رفض الإمام أبو حنيفة منصب القضاء حين عرضوه عليه، وأعتذر بأنه لا يصلح له، كما كان يرفض هداياهم، ويظهر تعففه عنها. وإعمالاً بمبدأ الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، كان ﵁ ينقذ في مجالسه العلمية الأحكام التي يصدرها بعض القضاة خطأ، أو فيها شيء من الخطأ. ومن أشهر مواقفه في هذا المجال نقده لقاضي القضاة ابن أبي ليلى في حكم جلدٍ نفذه خطأ. والقصة بتمامها: أن امرأة مجنونة قالت لرجل: يا ابن الزانيين فأقام ابن أبي ليلى عليها الحد في المسجد، وجلدها وهي قائمة. وجلدها مائة وستين جلدة، لأنها قذفت أبا الرجل وأمه؟ فبلغ ذلك أبا حنيفة، فقال: أخطأ ابن أبي ليلة في هذه الواقعة في ستة مواضع: * أقام الحد في المسجد، والحدود لا تقام في المساجد. د * وضربها وهي قائمة، والنساء يضربن في الحدود قاعدات.

стр. 75

* وأقام عليها حدين، أحدهما للأب، والآخر للأم، ولو أن رجلاً قذف جماعة فليس عليه إلا حد واحد. * وجمع بين حدين في مجلس واحد، والحدود لا يجمع بينها حتى يجف السابق منها. * وأقام الحد والمقذوف غائب، ولم يحضر ولم يدع (يرفع الدعوى) . * وأقام الحد على مجنونة، والجنون يرفع المسئولية. هذه المواقف الجادة أكثرت من شدة الخصومة على الإمام أبي حنيفة وأشاع عنه خصومه، وهو حي، أنه يرفض الاستدلال بالحديث النبوي، ويفتى في المسائل التي لم يجد لها دليلاً في القرآن، يفتى فيها برأيه ولا يَعْمَل فيها بسنة رسول الله ﷺ . وقد تصدى الإمام أبو حنيفة لهذه الافتراءات التي روجها خصومه ضده. ومنكرو السنة وجدوا هذه الشبهة جاهزة، فتلقفوها كما تتلقف "الجلالة" القاذورات من أكوام القمامة ثم أخذوا يعجنون منها ويخبزون، ويبالغون فيها ويضيقون زعموا أن أبا حنيفة لم يكن يقبل من السنة إلا سبعة عشر حديثا وأن فقهه متأثر بالثقافة الفارسية الوثنية، وهو فارسي الأصل، والحنين إلى الأصل غريزة مركوزة في طباع الناس، والهدف من هذه اللجاجة إلى العامة بأن السنة لا يثق في صحة رواياتها الإمام أبو حنيفة، وهو ما من هو في الإمامة والريادة والفقه. فمن الضلال إذن اعتبار السنة مصدراً للتشريع في الإسلام؟! تفنيد هذه الشبهة ونقضها: إن فيما تقدم جانبا كبيراً في تفنيد هذه الشبهة ونقضها فقد عاش الإمام، وهو عالم، أكثر من ثلاثين سنة في ظل الدولة الأموية، وثماني عشرة سنة في ظل الدولة العباسية، وقد ضيق عليه الأمويون الخناق ففر من دمشق عاصمة دولتهم إلى مكة المكرمة، ثم عاد إلا بغداد لما آل الأمر إلى بني العباس ولكن تمسكه بالحق، والانتصار له أنشأ بينه أمراء الدولة العباسية خصومة جديدة، إلى درجة أن منعوه من الفتوى ودرس العلم، وزجوا به إلى السجن في آخريات حياته
следующие страницы →