Полный текст (2 250 стр.). Показаны 1051–1090 · переход к 1056.
стр. 1051
مكة: حتى عدلوا ناقته عن الطريق فمرّ بسمرات فانتهش ظهره وانتزعن رداءه، والباقي بنحو حديث جبير (فوقف النبيّ) أي بإمساك خطام الناقة الذي بيده (فقال: أعطوني
ردائي) قال في «المصباح» : الرداء بكسر الراء وبالمد ما يرتدي به مذكر لا يجوز تأنيثه. قال ابن الأنباري: وتثنيته رداءان، وربما قلبوا الهمزة فقالوا: رداوان والجمع أردية بالياء كسلاح وأسلحة (فلوكان لي عدد هذه العضاه) بالرفع اسم كان وخبرها (نعماً) بالنصب ويجوز على التمييز كما في «الفتح» للحافظ زاد الدماميني ولي خبر كان.
وفي رواية أبي ذرّ بالرفع على أنه اسم كان مؤخراً، وعدد بالنصب خبر مقدم (لقسمته بينكم) قال ابن المنير: وهذا تنبيه بطريق الأولى لأنه إذا سمح بمال نفسه فلأن يسمح بقسم غنائمهم عليهم أولى (ثم لا تجدوني بخيلاً ولا كذاباً ولا جباناً) أي لا تجدوني ذا بخل ولا ذا كذب ولا ذات جبن، فالمراد نفي الوصف من أصله لا نفي المبالغة المدلول عليها بالصيغة: قال ابن المنير: في جمعه بين هذه الصفات لطيفة، وذلك أنها متلازمة وكذا أضدادها وأصل المعنى هنا الشجاعة، فإن الشجاع واثق من نفسه بالخلف من كسبه فبالضرورة لا يبخل، وإذا أمهل عليه العطاء لا يكذب بالخلف في الوعد، لأن الخلف إنما ينشأ من البخل، واستعمال ثم هنا ليس مخالفاً لمقتضاها وإن كان الكرم يتقدم العطاء، لكن علم الناس بكرم الكريم إنما يكون بعد العطاء، وليس المراد هنا بثم الدلالة على تراخي العلم بالكرم، عن العطاء إنما التراخي هنا لعلو رتبة الوصف كأن يقول: وأعلى من العطاء بما لا يتقارب أن يكون العطاء عن كرم، فقد يكون عطاء بلا كرم كعطاء البخيل قهراً أو نحو ذلك، قاله الدماميني في «المصابيح» . وفي «الفتح» للحافظ: في الحديث ذم الخصال المنفية، وأن إمام المسلمين لا ينبغي أن يكون فيه خصلة منها، وفيه ما كان عليه من الحلم وحسن الخلق وسعة الجود والصبر على جفاة الأعراب، وفيه جواز وصف المرء نفسه بالخصال الحميدة عند الحاجة لخوف ظن أهل الجهل به خلاف ذلك ولا يكون ذلك من الفخر المذموم اهـ ملخصاً (رواه البخاري) في الجهاد وفي الخمس
من «صحيحه» منفرداً به عن باقي الستة (مقفلة) بفتح أوله وثالثه وسكون ثانيه (أي في حال) أحسن منه زمان (رجوعه) لما قدمناه وبذلك عبر الحافظ في الفتح (السمرة شجرة) تقدم بيانها (العضاه) بكسر العين المهملة وبالضاد المعجمة (شجر له شوك)
стр. 1052
قال الحافظ في «الفتح» : واختلف في واحدها فقيل عضة بفتح أوليه كشفه وشفاه والأصل عضهه فحذفت الهاء وقيل: عضاهة.
١٣ــ (وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: ما نقصت صدقة) هي المخرج من المال تقرباً إلى الله (من مال) قال المصنف: ذكروا فيه وجهين: أحدهما أنه يبارك فيه ويدفع عنه المفسدات فيجبر النقص الصوري بالبركة الخفية وهذا مدرك بالحس والعادة، وثانيهما أنه وإن نقصت صورته لكن ثوابه المعد له في الآخرة جابر لنقصه (وما زاد الله عبداً بعفوا إلا عزاً) فيه وجهان: أيضاً أحدهما أنه على ظاهره أن من عرف بالعفو والصفح ساد وعظم في القلوب وزاد عزة وكرامة، والثاني أن المراد أجره في الآخرة وعزه هناك (وما تواضع أحد ألا رفعه الله ويجوز أن يكون في الدنيا بأن يرفعه ويثبت له في القلوب بتواضعه منزلة يرفعه بها الناس ويجلوا مكانه، ويحتمل أي يكون ذلك في الآخرة فيثبته الله في الجنة بتواضعه في الدنيا، وقد يكون المراد فيهما جميعاً اهـ ملخصاً (رواه مسلم) في البر والصلة من «صحيحه» ، ووقع في «الأطراف» للمزي في الأدب منه، والذي رأيته في الأصول من مسلم كما ذكرته.
١٤ - (وعن أبي كبشة) بفتح الكاف وسكون الموحدة وبالشين المعجمة كنية (عمر) بضم ففتح (ابن سعد الأنماري) بفتح الهمزة وسكون النون وبعد الألف راء نسبة إلى أنمار بطن من العرب، وقد اختلف في اسمه ﵁ فقيل كما ذكره المصنف «عمر» ، وقيل سعد بن عمر، وقيل: عمرو بن سعد سماه يحيى بن يونس وسعيد القرشي هكذا، وقيل: اسمه عمرو بن سعد. قال ابن الأثير: وهو الأشهر أخرجه أبو موسى يعد في الشاميين، روى له عن رسول الله ﷺ أحاديث ذكر منها المزي في «الأطراف» أربعين وليس منها شيء في «الصحيح» (أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: ثلاثة) من الخصال أو خصال ثلاثة، وجاز إتيان
стр. 1053
التاء في عدد المؤنث لحذف المعدود (أقسم عليهن) تأكيداً لها في الأذهان للسامعين قبولهم لها ويشتد حرصهم على العمل بها وأكد ذلك بقوله: (وأحدثكم حديثاً) أي في ذلك (فاحفظوه) والجملتان معترضتان لذلك، وجعل العاقولي من باب التقديم والتأخير فقال: أي أحدثكم في معنى من خصال الخير وأقسم على ثلاث خصال منها، فقدم قوله ثلاث أقسم عليهن للاهتمام بها اهـ. وما سلكته أولى لأن الأصل عدم التقديم والتأخير (ما نقص مال عبد من صدقة) أي بل البركة النازلة فيه أو الثواب المعد لباذله وذلك يجبر ما نقص منه حساً، أو ما نقص ثوابه بل يضاعف يوم القيامة أضعافاً كثيرة، وفي «أمالي» العز بن عبد السلام معنى الحديث أن ابن آدم لا يضيع به شيء وما لم ينتفع به في دنياه انتفع به في عقباه، فإن الإنسان إذا كان له داران فحول ماله من إحداهما إلى الأخرى لا يقال في ذلك المحول إنه نقص من ماله، وكان بعض السلف إذا رأى السائل يقول: مرحباً بمن جاء يحول مال دنيانا إلى أخرانا قال: هذا معنى الحديث، وليس معناه أنه لا ينقص في الحس ولا أن الله يخلف عليه فإن ذلك معنى مستأنف اهـ (ولا ظلم عبد مظلمة) بفتح الميم وكسر اللام اسم مصدر ظلم ظلماً بالفتح من باب ضرب، وفي «فتح
الباري» في كتاب المظالم: المظلمة بكسر اللام على المشهور. وحكى ابن قتيبة وابن التين والجوهري فتحها، وأنكره ابن القوطية، ورأيت بخط مغلطاي أن الفراء حكى الضم، قال في «المصابيح» : هي ما يطلبه عند الظالم وهي ما أخذ منك وحذف الفاعل ليعم ظلم القويّ والضعيف ونكر مظلمة في سياق النفي ليعمّ الظلم في النفس والمال والعرض وقوله: (صبر عليها) أي حبس نفسه على ألمها ولم ينتقم من ظالمه بشيء من الانتقام، ويحتمل أن يعم ويدخل من ترك بعض حقه من الظلامة وانتصف في البعض فيثاب فيما تركه احتساباً (إلا زاده ا) في الدنيا وفي الآخرة أو فيهما (عزاً) وذلك من باب قولهم: كما تدين تدان، ومن حديث: «اعمل ما شئت فإنك مجزيّ به» وفي تفسير سورة فصلت من «صحيح البخاري» قال ابن عباس:
﴿ادفع بالتي هي أحسن﴾ الصبر عند الغضب والعفو عند الإساءة فإذا فعلوا عصمهم الله وخضع لهم عدوهم كأنه وليّ حميم اهـ. وهذا يؤيد ظهور أثر العفو في الدنيا (ولا فتح عبد باب مسألة) لينال بذلك الغنى تكثراً من أموال الناس (إلا فتح الله عليه باب فقر) معاملة بنقيض قصده، وفي هذه الأخيرة استعارة مكنية تتبعها استعارة تخييلية في الموضعين (أو) شك من الراوي: أي قال:
стр. 1054
فتح الله عليه باب فقر أو قال: (كلمة نحوها) في إفادة ذلك (وأحدثكم حديثاً فاحفظوه) ظاهر أنه مزيد على الثلاث ولعله استطرد مما أقسم عليه من الخصال إلى ذلك لمناسبة بينه وبين ما انتقل عنه، إذ كل فيه ترغيب في إنفاق المال في التقرب إلى الله وتحذير من الحرص على جمع المال، ويحتمل أن تكون هذه الجملة من كلام أبي كبشة لما حدثهم بما تقدم، ذكر هذا الحديث بجامع ما ذكرناه فذكره وقال: هذه الجملة قبله ليقبلوا عليه، ويؤيد هذا قوله: (قال) أي النبي (إنما الدنيا لأربعة نفر) بفتح أوليه هو لغة ما بين الثلاثة إلى العشرة، وهو هنا تمييز أربعة وجاز مع أن تمييزها لا يكون إلا جمعاً كسبع ليال وثمانية أيام اعتباراً بالمعنى لأنه كذلك البعد (عبد) يجوز فيه وفي أمثاله من مفصل لمجمل استوفى العدة الجر على الإبدال مما قبله بدل كل من كل بتقدير سبق العطف على الإبدال، والقطع بالرفع بإضمار مبتدأ محذوف وجوباً، وبالنصب بإضمار نحو أعني محذوف كذلك (رزقه الله مالاً وعلماً) فيه أن العلم من الرزق (فهو يتقي فيه ربه) أي لا يصرفه في معصية بل يجتنب ما لا يرضيه (ويصل فيه رحمه ويعلم الله فيه حقاً) سواء كان ذلك واجباً عينياً من زكاة أو كفارة لمقتضاها أو نذر، أو كفائياً ككفاية مضطر من جائع بسدّ جوعته وعار بكسوته، أو مندوباً كالتقرّب إلى الله سبحانه بأنواع الطاعات المالية (فهذا بأفضل المنازل) من الجنة لأنه علم وعمل وأدى الواجب والمندوب واجتنب الحرام والمحظور، وعلمه هداه إلى الإخلاص في
ذلك وجعل معاملته في ذلك مع الله سبحانه (وعبد رزقه الله علماً) أي بالأحكام المتعلقة بالمال من حيث جمعه وإنفاقه وما يتعلق بذلك، ويحتمل أن يراد ما يعم علم ذلك وغيره، ويؤيده التنكير إذ الأصل فيه التعميم (ولم يرزقه مالاً فهو) لعلمه النافع له (صادق النية) أي القصد في طلب ثواب الله فيعزم على العمل المالي لو قدر عليه ليثاب به (يقول) ناوياً لذلك (لو أن لي مالاً لعملت) أي فيه (بعمل فلان) الجامع بين المال والعلم من طلب ما رضي الله به (فهو نيته) قال العاقولي مبتدأ وخبر أي فهو سني النية وبها أجره. قلت: ويجوز أن يكون نيته مبتدأ وخبره محذوف: أي ألحقته بمن قبله، وبالجملة خبر هو يدل على ذلك قوله: (فأجرهما سواء) أي من حيث النية وصحة القصد. ويزيد ذلك بثواب نفقة المال التي زاد على صاحبه (وعبد رزقه الله مالاً ولم يرزقه علماً) (يعرف به وجوه
стр. 1055
التصرف المأذون فيها شرعاً والممنوع منها كذلك (فهو يخبط) بكسر الموحدة (في مال الله بغير علم) وقوله: (لا يتقي فيه ربه) بترك إتلافه في المحارم ويبذله في المآثم (ولا يصل فيه رحمه) وفي الإتيان بفي هنا وفيما قبله تجريد كقوله تعالى:
﴿لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة﴾ (الأحزاب: ٢١) لأن المال نفس الصلة لا أنها فيه، كما أنه نفس القدوة لا أنها فيه (ولا يعلم فيه حقاً) لجهله به فلا يؤدي حق المال واجباً كان أو مندوباً لجهله وحرصه على جمعه وإتلافه في مستلذات نفسه (فهذا بأخبث المنازل) لماله من المآثم التي ارتكبها بمال الذي أتلفه مع جهله وعدم علمه (وعبد لم يرزقه الله مالاً ولا علماً فهو) أي العبد الفاقد لهما لجهله (يقول: لو أن لي مالاً لعملت فيه بعمل فلان) أي بصرفه في الملابس الفاخرة واستماع الملاهي وأكل المستلذات المحرمة وعير ذلك (فهو نيته) إعرابه كما تقدم أي فيجد إثم نيته قصد الفصاد (فوزرهما سواء) باعتبار العزم على المحرم وإن زاد الفاعل بإثم الفعل (رواه الترمذي) في أبواب الزهد من «جامعه» (وقال: حديث حسن صحيح) .
١٥ - (وعن عائشة ﵃ أنها) أي ذوي عائشة أو أهل بيت النبيّ (ذبحوا شاة) أي فتصدقوا بها ما عدا كتفها (فقال النبي) بعد أن عاد لمنزلها لداع دعا للسؤال عما بقي من لحمها وقد علم أنهم تصدقوا ببعضها (ما بقي منها) أي عندك (قالت: ما بقي منها) أي عندنا (إلا كتفها) بفتح الكاف وكسر الفوقية على الأفصح أي أنفقنا الجميع وتصدقنا به ما عدا ذلك (قال: بقي كلها) أي ثواب كلها لأنه تصدّق به تقرّباً إلى الله تعالى فهو يخلفه ويجزي عليه (غير كتفها) أي فإنه يفنى بأكله. ومثله لا ثواب فيه إن لم يقارنه قصد صحيح، وهذا تحريض على الصدقة والاهتمام بها، وأن لا يستكثر المرء ما أنفقه فيها، فإنه
стр. 1056
وإن فني صورة فهو باق حقيقة لصاحبه عند الله يرى ثوابه مضاعفاً عند حاجته ومزيد فاقته، ففيه أعظم تحريض عليها من كل م يأكله الإنسان، لأن من استحضر أن ما يأكله لا ثواب له فيه حيث لا غرض صحيح معه، وأن ما يتصدق به بقي له عند مولاه حمله ذلك على التصدق منه ولو بلقمة (رواه الترمذي وقال: حديث صحيح ومعناه) أي الحديث من حيث الجملة (تصدقوا بها إلا كتفها، فقال: بقيت لنا في الآخرة إلا كتفها) وذلك لأن ما بقي منها يفنى بأكله وما تصدق به باقياً عند الله سبحانه.
١٦ - (وعن أسماء) بسكون المهملة بعدها ميم ألف ممدودة (بنت أبي بكر الصديق ﵄ تقدمت ترجمتها في باب برّ الوالدين (قالت: قال لي رسول الله: لا توكي) قال في «النهاية» : أي لا تدخري وتشدي ما عندك وتمنعي ما في يدك (فيوكي) بالنصب: أي فيقطع (اعليك) مادة الرزق، والجزاء من جنس العمل وهذا مفهوم قوله تعالى: ﴿وما أنفقتم من شيء فهو يخلفه﴾ (سبأ: ٣٩) .
(وفي رواية) هي لمسلم في الزكاة من «صحيحه» (أنفقي أو) شك من الراوي (انفحي أو انضحي) قال المصنف: بكسر الضاد المعجمة، والمعنى: أعطي النضح والنفح العطاء، ويطلق النضح على الصبّ فلعله المراد هنا ويكون أبلغ من النفح (ولا تحصي) أي تمسكي المال وتدخريه من غير إنفاق منه (فيحصى) كذا هو في نسخ الرياض بالمبنى للمجهول وفي الزكاة من البخاري ومسلم فيحصي الله (عليك) بذكر الفاعل ولعل حذفه من نسخ الرياض إن لم يكن من سبق القلم من المصنف من تحريف الكتاب: أي يمسك عنك مادة الرزق والبركة فيه ويناقشك الحساب في الموقف، إذ أصل الإحاطة بالشيء جملة وتفصيلاً، وهذا فيه تلف أيّ تلف، فيكون مطابقاً لأعط كل ممسك تلفاً، ويستفاد منه أن الممسك يعاقب بتلف ما عنده وحبس مادة رزقه والبركة فيه ومناقشة الحساب، وقد قال: «من نوقش الحساب عذّب» وهذا أبلغ وأليق بمقام التنفير والتغليظ (ولا توعي) أي لا تمنعي ما فضل عنك عمن هو محتاج إليه (فيوعي)
стр. 1057
بالنصب (اعليك) أي يصيبك على أعمالك بالتشديد عليك في الحساب أو يمنع عنك فضله وجوده، وبهذا يعلم أن هذه بمعنى ما قبلها وأن القصد مزيد التأكيد والحث على الإنفاق (متفق عليه) رواه مسلم بجملته وإن اقتصر المصنف على عزو قوله وفي رواية إليه، والبخاري روى عنها في حديث أن النبي قال لها: «لا توكي فيوكى عليك» وعند بعض رواته قال: «لا تحصي فيحصي الله عليك» وفي حديث آخر عنها أن النبي قال لها: «لا توعي فيوعي الله عليك انضحي ما استطعت» (وانفحي) بسكون النون وفتح الفاء (وبالحاء المهملة وهو بمعنى أنفقي وكذلك) أي ككون انفحي بمعنى أنفقي (أنضحي) فانفحي المشار إليه مشبه به وانضحي مشبه، قال في «شرح مسلم» : معنى انفحي وانضحي: أعطي النفح، والنضح: العطاء.
١٧ - (وعن أبي هريرة ﵁ أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: مثل) بفتح أوليه: أي صفة (البخيل والمنفق كمثل رجلين عليهما جبتان) بالموحدة أو النون كما قاله غير واحد، وقول بعضهم: إنه لا شك ولا خلاف أنه بالنون رده بعض المحققين أنه بالنون تصحيف، قيل: ومما يرجح النون أن الدرع لا يسمى جبة بالباء بل النون (من حديد) حكمة إيثاره الإعلام بأن القبض والشحّ من جبلة الإنسان، ولذا أضيف إليه في ﴿ومن يوق شحّ نفسه﴾ (الحشر: ٩) وأن السخاوة من عطاء الله وتوفيقه يمنحها من شاء من عباده وإيثار الجنة على الغلّ لأنه يأتى فيه الانقباض والانبساط المشار بهما إلى ما يأتي (من ثديهما) قال المصنف: بضم الثاء المثلثة: أي وكسر الدال وتشديد التحتية على الجمع، كذا في معظم نسخ مسلم جمع ثدي بوزن فلس، وفيه رد على من قال: إنه خاص بالمرأة، ويقال في مثله من الرجل «تندوة» بضم الفوقية والدال المهملة وسكون النون بينهما ومن فيه ابتدائية (إلى تراقيهما) جمع ترقوة بضم الفوقية والقاف وسكون الراء وهي العظم الذي بين ثغرة النحر والعاتق من الجانبين. قال بعضهم: ولا يكون لغير الإنسان من باقي الحيوان (فأما المنفق فلا ينفق إلا سبغت) أي
стр. 1058
امتدت وكملت (أو) شك من الراوي (وفرت) بتخفيف الفاء (على جلده حتى تخفى بنانه) مفاصل الأصبع بالموحدة ونونين، ومن قاله بالمثلثة والتحتية والموحدة فقد صحف (وتعفو أثره) أي تغطي أثره حتى لا يبدو، وتعفو منصوب عطفاً على تخفي وكلاهما مسند إلى ضمير الجنة أو الجبة، وعفا يستعمل لازماً ومتعدياً، تقول عفت الديار: أي درست، وعفاها الريح: إذا طمسها، وهو في الحديث متعد. قال الحافظ في «الفتح» : والمعنى أن الصدقة تستر خطاياه كما يغطي الثوب الذي يجرّ على الأرض أثر صاحبه إذا مشى بمرور الذيل عليه وسيأتي فيه مزيد (وأما البخيل فلا يريد أن ينفق شيئاً إلا لزقت) في رواية مسلم انقبضت، وفي رواية لهما عضت (كل حلقة)
بسكون اللام (مكانها) والمفاد واحد إلا أن الأولى نظر فيها إلى صورة الضيق والأخرى إلى سببه (فهو يوسعها) أي يريد توسيعها بالبذل فتشح نفسه ولا تطاوعه (فلا تتسع) وفي هذا وعد للمتصدق بالبركة وستر العورة والصيانة من البلاء، فإن جبة الحديد لا تعد للستر فقط بل له وللصون من الآفات، وهذا كما ورد «إن الصدقة تدفع البلاء» وفي البخيل على الضد فهي معدة لهتك عورته وكونه هدفاً لسهام البلاء والعياذ با تعالى، كذا في «مصابيح الجامع» . قال الخطابي وغيره: هذا مثل ضربه النبي للبخيل والمتصدق، فشبههما برجلين أراد كل واحد منهما لبس درع يستتر به من سلاح الإنسان يديه في كميها، فجعل المنفق كمن لبس درعاً سابغة فاسترسلت عليه حتى سترت جميع بدنه، وجعل للبخيل كمثل رجل غلت يداه إلى عنقه فكلما أراد لبسها اجتمعت في عنقه فلزمت ترقوته، وهو معنى قلصت: أي تضامت واجتمعت، والمراد أن الجواد إذا هم بالصدقة انفسح لها صدره وطابت نفسه وتوسعت في الإنفاق، والبخيل إذا حدثها بها شحت بها فضاق صدره وانقبضت يداه
﴿ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون﴾ (الحشر: ٩) وقال المهلب: المراد أن الله يستر المنفق في الدارين، بخلاف البخيل فإنه يفضحه، ومعنى يعفو أثره يمحو خطاياه. وتعقبه عياض بأن الخبر جاء على التمثيل لا على الإخبار عن كائن. وقيل: هو تمثيل لنماء المال بالصدقة، والبخيل بضده اهـ (متفق عليه) واللفظ للبخاري في كتاب الزكاة وهو عند مسلم بنحوه فيها من طرق (والجنة) في النسخ بالنون وهو ما صوّبه في «شرح مسلم» ، وقال لوروده كذلك في رواية بلا شك، وتقدم تعقب بعض المحققين له في ذلك
стр. 1059
(الدرع) بكسر الدال وبالراء والعين المهملات، وهي الثوب المنسوج من الحديد وهي مؤنثة في الأكثر (ومعناه: أن المنفق كلما أنفق سبغت وطالت حتى تجرّ وراءه وتخفي رجليه وأثر مشيه وخطوته) أي كما هو شأن الثوب الرافل، هذا بيان لمعاد الضمائر باعتبار ظاهر اللفظ، أما المعنى المراد فسكت عن بيانه هنا.
١٨ - (وعنه قال: قال رسول الله: من تصدق بعدل تمرة) قال الحافظ في «الفتح» : أي بقيمتها لأنه بالفتح المثل، وبالكسر الحمل بكسر المهملة هذا قول الجمهور. وقال الفراء بالفتح: المثل من غير جنسه، وبالكسر من جنسه، وقيل: بالفتح مثله في القيمة وبالكسر الشطر، وأنكر البصريون هذه التفرقة، وقال «الكشاف» : هما بمعنى، كما أن لفظ المثل لا يختلف، وضبط في هذه الرواية الأكثر بالفتح والتمرة بالمثناة، ولفظ مسلم: «ما تصدق أحد بصدقة» (من كسب طيب) أي خلال خال عن الغشّ والخديعة، وقوله: (ولا يقبل الله إلا الطيب) جملة معترضة بين الشرط والجزاء لتقرير ما قبله، وفي رواية سليمان ابن بلال التي أشار إليها البخاري: «ولا يصعد إلى الله إلا الطيب» قال القرطبي: وإنما لم يقبل الله الصدقة بالحرام لأنه غير مملوك للمتصدق، وهو ممنوع من التصرف فيه والتصدق به تصرف فيه، فلو قبل لزم أن يكون الشيء مأموراً ومنهياً من وجه واحد وهو محال (فإن الله يقبلها بيمينه) وفي رواية لمسلم: «إلا أخذها الله بيمينه» وعند مسلم أيضاً في رواية: «إلا أخذها الرحمن» قال الحفاظ في «الفتح» : وفي رواية لمسلم: «فيقبضها» وفي حديث عائشة عند البزار: «فتلقاه الرحمن بيده (ثم يريبها) في مسلم فيريبها (كما يربي أحدكم فلوه) جاء في رواية: «كما يربي أحدكم مهره» وفي أخرى عند البزار: مهره أو وصيفه أو فصيله (حتى تكون) أي المتصدق به القليل بالتنمية (مثل الجبل) وفي رواية عند الترمذي حتى إن اللقمة لتصير مثل أحد» قال الحافظ: والظاهر أن المراد بعظمها أن عينها تعظم لتثقل في الميزان، ويحتمل أن يكون ذلك معبراً به عن ثوابها، ومثله في كلام المصنف في «شرح مسلم» نقلاً عن عياض
стр. 1060
وسيأتي حكمة ضرب المثل بالفلو، قال المازري: وهذا الحديث وشبهه إنما عبر به على ما اعتادوا في خطابهم ليفهموا عنه، فكنى عن قبول الصدقة باليمين وعن تضعيف أجرها بالتربية. وقال عياض: لما كان الشيء الذي يرتضي
يتلقى باليمين ويؤخذ استعمل في مثل هذا واستعير اليمين للقبول، وليس المراد به الجارحة، وقيل: عبر باليمين عن جهة القبول إذ الشمال بضده، وقيل: المراد يمين الدافع إليه الصدقة وإضافتها إلى الله تعالى إضافة ملك واختصاص لوضع هذه الصدقة في يمين الآخذ تعالى، وقيل: المراد سرعة القبول وقيل: حسنة. وقال الزين ابن المنير: الكناية عن الترضي والقبول بالتلقي باليمين لتثبيت المعاني المعقولة في الأذهان وتحقيقها في النفوس تحقيق المحسوسات: أي لا تشكك في القبول كما لا يتشكك من عاين التلقي الشيء باليمين، لا أن التناول كالتناول المعهود ولا أن المتناول به جارحة. وقال الترمذي في «جامعه» : قال أهل العلم من أهل السنة والجماعة: نؤمن بهذه الأحاديث ولا نتوهم فيها تشبيهاً، ولا نقول كيف، هكذا روى عن مالك وابن عيينة وابن المبارك وغيرهم. وأنكرت الجهمية هذه الروايات اهـ (متفق عليه) روياه في الزكاة من «صحيحهما» واللفظ للبخاري (الفلو) فيه لغتان أقصحهما وأشهرهما (بفتح الفاء وشم اللام وتشديد الواو) وثانيهما أشار إليه بقوله: (ويقال أيضاً بكسر الفاء وإسكان اللام وتخفيف الواو وهو المهر) قال أبو زيد: إذا فتحت الفاء شددت الواو وإذا كسرتها سكنت اللام كجرىء، وقال في «شرح مسلم» : سمي به لأنه فلى على أمه: أي فصل وعزل، وقال الحافظ: وقيل: هو كل فطيم من ذات حافر وضرب به المثل لأنه يزيد زيادة بينة. ولأن الصدقة نتاج العمل وأحوج ما يكون النتاج إلى التربية إذا كان فطيماً، وإذا أحسن العناية به انتهى إلى حد الكمال، وكذا عمل ابن آدم ولا سيما الصدقة، فإن العبد إذا تصدق من كسب طيب لا يزال نظر الله يكسبها الكمال حتى تنتهي بالتضعيف إلى نصاب تقع المناسبة بينه وبين ما قدم نسبة ما بين التمرة إلى الجمل.
١٩ - (وعنه ﵁ عن النبي قال: بينما) ما مزيدة لكفّ بين عن الإضافة فالجملة بعده مستأنفة (رجل بفلاة) هي الأرض التي لا ماء فيها وجمعها فلا مثل حصاة
стр. 1061
وحصى وجمع الجمع أفلاء كسبب وأسباب كذا في «المصباح» ، ويؤخذ منه أن قوله: (من الأرض) تصريح بما فهم مما قبله (فسمع صوتاً) لعله صوت الملك الموكل بالسحاب وهو الرعد (في سحابة) واحدة السحاب سمي به لانسحابه في الهواء وجمع السحاب سحب بضمتين (اسق حديقة فلان) لم أقف على من سماه. والحديقة البستان يكون عليه حائط فعيلة بمعنى مفعولة لأن الحائط أحدق بها: أي أحاط ثم توسعوا حتى أطلقوا الحديقة على البستان وإن كان بغير حائط والجمع حوائط (فتنحي ذلك السحاب) أتى بما يشار به للبعيد مع أن المشار إليه قريب إما تعظيماً له فيكون كقوله تعالى: ﴿ذلك الكتاب﴾ وإما لأنه لما كان اللفظ عرضاً لا يوجد التالي به إلا بعد انعدام ما قبله صار ما قبل كالبعيد فيشار إليه بما يشار به إليه، وهذا محتمل لكون السحاب أوتي فهماً فامتثل ما أمر، ولأن يكون باقياً على جماديته، وقوله: اسق أمر تكويني، وقوله: فتنحي بيان لترتب أثر الأمر الإلهي عليه حالاً من غير توان ولا تراخ، قال تعالى: ﴿إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون﴾ (النحل: ٤٠) وعلى الثاني فيكون في قوله: (فأفرغ) أي صب (ماءه) أي الذي فيه والإضافة لأدنى ملابسة (في حرة) إسناده مجازي إن كان الفعل للمعلوم وفاعله ضمير يعود إلى السحاب كما هو كذلك في أصل مصحح وإن كانت الرواية ببنائه للمجهول فلا (فإذا شرجه من تلك الشراج) أي مسيل من تلك المسايل (قد استوعبت ذلك الماء كله فتتبع) أي الرجل السامع الصوت (الماء، فإذا رجل قائم في حديقته) الظرف خبر بعد خبر، ويصح كونه حالاً من ضمير الخبر فيكون مستقراً، ويجوز أن يكون لغواً متعلقاً بقائم (يحول الماء بمسحاته فقال له: يا عبد ا) ناداه بالوصف القائم حقيقة بكل إنسان ﴿إن كل من في السموات
والأرض إلا آتى الرحمن عبداً﴾ (مريم: ٩٣) (ما اسمك) أي العلم عليك ويحتمل أن يراد مطلق ما يعرف به من علم أو صفة أو غيره (قال فلان) خبر لمحذوف دل عليه ذكره في السؤال وفلان كما تقدم كناية عن المبهم من الإنسان (للاسم) في محل الحال من فلان: أي موافقاً للاسم (الذي سمع) العائد محذوف: أي سمعه (في السحابة فقال) أي بعد بيانه اسمه (له يا عبد الله ولم تسألني) الواو عاطفة على مقدر: أي أجبتك عن مسألتك وأسألك (عن) سبب سؤالك عن
стр. 1062
(اسمي) واللام جارة لما الاستفهامية حذفت ألفها كقوله تعالى:
﴿عم يتساءلون﴾ (النبأ: ١) وقوله: ﴿بم يرجع المرسلون﴾ (النمل: ٣٥) (فقال: إني سمعت صوتاً في السحاب) أل فيه للعهد الذهني بقرينة قوله: (الذي هذا ماؤه) ويحتمل كونها للجنس (يقول) جملة في محل الحال من الصوت على حذف مضاف: أي ذا صوت قائلاً (اسق) بوصل الهمزة في الأصح ويجوز قطعها، يقال: ما أنتج له من العناية الإلهية حسن هذه الثمرة بالتخصيص (فقال: أما) بفتح الهمزة وتشديد الميم حرف للتأكيد متضمن معنى الشرط (إذا قلت هذا) أي أخبرت بما سمعت مما دعاك للسؤال (فإني) أبين لك عمل الذي نتج عنه بفضل الله سبحانه ذلك وهو أني (أنظر إلى ما يخرج منها) أي من الأرض من حب أو ثمر (فأتصدق بثلثه) بضم أوليه في الأفصح، ويجوز تسكين ثانيه تخفيفاً زيادة في التقرب إلى الله ، وإلا فالواجب في شريعتنا في النصاب من ذلك العشر تارة ونصفه أخرى (وآكل أنا وعيالي) أي أعولهم من أهل وولد وزوجة وخادم وغير ذلك (ثلثاً وأرد فيها ثلثه) أي ثلث الخارج (رواه مسلم) في «صحيحه» في أبواب الزهد (الحرة) بفتح الحاء المهملة وتشديد الراء وبالتاء (الأرض الملبسة حجارة سودا) أي التي علاها ذلك وغلب عليها فكأنها لبست، وقال في «المصباح» : والجمع حرار كلكبة وكلاب (والشرجة بفتح الشين المعجمة وإسكان الراء وبالجيم) وسكت المصنف عن التاء آخره، قال في «المصباح» : وبعضهم يحذف فيقول: شرج هي (مسيل الماء) وجمعها شراج ككلبة وكلاب.
٦١ - باب النهي عن البخل والشح
قال في «المصباح» : بخل بخلاً: أي بفتح أوليه، بخلاً: أي بضم فسكون من باب
стр. 1063
تعب وقرب والاسم البخل، وزان فلس. والبخل في الشرع: منع الواجب، وعند العرب: منع السائل مما يفضل عنده، وفيه أيضاً الشحّ والبخل، وفي «شرح مسلم» للمصنف قال جماعة: الشحّ أشد البخل وأبلغ في المنع منه، فقيل: هو البخل مع حرص، وقيل: البخل في أفراد الحرص الأمور، والشح عام وقيل: البخل بالأموال خاصة والشحّ بالمال والمعروف. وقيل: الشحّ الحرص على ما ليس عنده، والبخل بما عنده اهـ. وأصله في «النهاية» وزاد شح يشح شحاً فهو شحيح، والاسم الشح، وترجمة المصنف تمشي على هذا، فإن الإصل في العطف التغاير، وعلى ما في «المصباح» يكون من عطف الرديف اكتفاء بتغاير اللفظ كهو في قوله تعالى: ﴿إنما أشكو بثي وحزني إلى الله﴾ (يوسف: ٨٦) .
(قال الله تعالى) : ( ﴿وأما من بخل﴾ ) أي بالإنفاق في الخيرات ( ﴿واستغنى﴾ ) أي بالدنيا عن العقبى (وكذب بالحسنى فسنيسره) في الدنيا (للعسرى) للخلة المودية إلى الشدة في الآخرة وهي الأعمال السيئة، ولهذا قالوا من ثواب الحسنة الحسنة بعدها، ومن جزاء السيئة السيئة بعدها ( ﴿وما يغني عنه ماله إذا تردى﴾ ) أي هلك وسقط وتردى في جهنم.
(وقال تعالى) : ( ﴿ومن يوق شحّ نفسه﴾ ) أي ومن سلم من الحرص الشديد الذي يحمله على ارتكاب المحارم بمنع أداء ما وجب عليه أداؤه، وفي تفسير ابن عطية: شحّ النفس فقر لا يذهبه غنى المال، بل يزيده وينصب به. وقال ابن زيد وابن جبير وجماعة: من لم يأخذ شيئاً نهاه الله عنه ولم يمنع الزكاة المفروضة فقد برىء من شحّ النفس. وقال ابن مسعود: شحّ النفس أكل مال الناس بالباطل، أما منع الإنسان ماله فبخل وهو قبيح ولكن ليس بشحّ ( ﴿فأولئك هم المفلحون﴾ ) الفائزون ببغيتهم (وأما الأحاديث) أي النبوية (فتقدمت جملة منها في الباب السابق) كقوله: «وإن تمسكه شرّ لك» وقوله: «وأعط كل ممسك تلفاً، ولا توكي فيوكي الله عليك» وباقي أحاديث ذلك الباب تدل بمفهومها على ما عقد له هذا الباب لأن الثناء على الكرم والأمر به ذم بضده ونهي عنه.
стр. 1064
١ - (وعن جابر ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: اتقوا الظلم) أي اتخذوا لكم وقاية منه بالقسط. والظلم التصرف في حق الغير بغير طريق شرعي، وقيل: وضع الشيء في غير موضعه (فإن الظلم) أي في الدنيا (ظلمات) بضم اللام وبإسكانها تخفيفاً وبالفتح (يوم القيامة) يحتمل كما تقدم أنه على حقيقته وظاهره أنه يصير ظلمة في الآخرة، ويحتمل كونها كناية عن شدائد ذلك اليوم وما يلقاه من الأهوال (واتقوا الشحّ) بالضم على الأفصح من لغات ثلاث في أوله (فإن الشحّ) أتى بالظاهر فيه وفيما قبله تقبيحاً له وتنفيراً منه، ونعتاً بقبحه بالنداء عليه بالاسم الدال على ذلك (أهلك من كان قبلكم) أي من بني إسرائيل (حملهم على أن سفكوا) بفتح الفاء: أي أراقوا (دماءهم) أي قتل بعضهم بعضاً فهو كقوله تعالى: ﴿وإذ أخذنا ميثاقكم لا تسفكون دماءكم﴾ (البقرة: ٨٤) قال المفسرون: أي لا يقتل بعضكم بعضاً (واستحلوا محارمهم) أي ما حرّم عليهم من الشحوم فباعوه واحتالوا لولوج السمك إلى ما حفروه يوم السبت ليدخل في حوزهم فيبيعوه بعد، فيوقعهم في ذلك الشحّ (رواه مسلم) وقد تقدم مع شرحه في باب تحريم الظلم.
٦٢ - باب الإيثار
بكسر الهمزة وسكون التحتية بعدها مثلثة مصدر آثر يؤثر (والمواساة) مفاعلة من التواسي قال في «القاموس» : بماله مواساة: أناله منه وجعله أسوة ولا يكون ذلك إلا من كفاف، فإن كان من فضل فليس بمواساة الله ﷺ هـ. وقال في محل آخر منه: واساه مواساة أي بالواو بدل الهمزة لغة رديئة اهـ.
(قال الله تعالى) : ( ﴿ويؤثرون﴾ ) أي يقدمون يعني الأنصار
стр. 1065
والمهاجرين ( ﴿على أنفسهم﴾ ) فيما عندهم من الأموال (ولو كان بهم خصاصة) أي حاجة إلى ما عندهم، ونزلت في قصة الأنصاري الآتية أوّل الحديث.
(وقال تعالى) : ( ﴿ويطعمون الطعام على حبه﴾ ) الأولى أن يكون الضمير للطعام ليكون موافقاً لقوله تعالى: ﴿لن تنالوا البرّ حتى تنفقوا مما تحبون﴾ (آل عمران: ٩٢) ولأن فيما بعده وهو لوجه الله غنية عن أن يكون التقدير على حب الله (مسكيناً ويتيماً وأسيراً) وإن كان من أهل الشرك أمر بإكرام الأسراء يوم بدر والمراد المسجونون من المسلمين ﴿إنما نطعمكم لوجه ا﴾ أي قائلين ذلك بلسان الحال أو المقال لتعريف الفقير أنها صدقة لا تطلب جزاء، وقوله لوجه الله: أي إطعاماً خالصاً غير مشوب ﴿لا نريد منكم جزاء ولا شكوراً﴾ مصدر كالقعود والجملة حالية من فاعل نطعم ﴿إنا نخاف من ربنا﴾ جملة مستأنفة كالتعليل ﴿يوماً﴾ أي عذابه فهو مفعول به ﴿عبوساً﴾ شديد العبوس مجازاً: أي عبوساً فيه أهله أو كالأسد العبوس في الضرر والشدة ﴿قمطريراً﴾ شديد العبوس. عن عكرمة وغيره يعبس الكافر حتى يسيل من عينيه عرق كالقطران. وعن ابن عباس: العبوس الضيق، والقمطرير: الطويل ﴿فوقاهم الله شرّ ذلك اليوم ولقاهم نضرة﴾ بدل عبوس الكفار ﴿وسروراً﴾ بدل حزنهم ﴿وجزاهم بما صبروا﴾ بدل صبرهم على ترك الشهوات وأداء الواجبات ﴿جنة وحريراً﴾ يلبسونه وهذا مراد الشيخ ﵀ بقوله: (الآيات) فإن فيها بيان مثوبة الإيثار والمساواة في الله سبحانه.
١ - (وعن أبي هريرة ﵁ قال: جاء رجل) قال الشيخ زكريا في «تحفة القاري» : هو أبو هريرة، وفي «تفسير ابن عطية» : إنه مهاجري ولم يسمعه فلعله هو (إلى النبي فقال: إني مجهود أي أصابني الجهد وهو المشقة والحاجة وسوء العيش، والجوع فأرسل إلى بعض نسائه) يحتمل بدؤه بها لتجويزه وجود شيء عندها مما يسدّ حاجة الرجل أو لقرب منزلهما منه وتأخير الباقيات لبعد منزلهن بالنسبة إلى الأولى (فقالت) أي المرسل إليها منهن (والذي بعثك بالحق) أي محقاً أو ملتبساً به (ما عندي إلا ماء) ومرادها
стр. 1066
ما عندي من جنس ما يطعم شيء من الأشياء إلا الماء بقرينة السياق، فالاستثناء مفرغ من أعم الأشياء (ثم أرسل إلى أخرى) أي منهن (فقالت مثل ذلك) هذا من باب الرواية بالمعنى والمشار إليه قول السابقة والذي بعثك الخ: أي فقالت الثانية ذلك المقال وهكذا (حتى قلن كلهن) توكيد للضمير قبله لا فاعل للفعل قبله إلا على لغة أكلوني البراغيث (مثل ذلك) هو من باب الرواية بالمعنى ولذا فسره ببيان قول كل واحدة (لا) نافية لجملة بعدها: أي لا أحد له ما طلبت، وقولها: (والذي بعثك بالحق ما عندي إلا ماء) جملة قسمية لتأكيد الأمر وأن ليس عندها ما يطعمه ذلك الضيف سوى المال (فقال من يضيف) بضم أوله (هذا) أي الرجل المجهود (الليلة) بالنصب على الظرفية (فقال رجل من الأنصار) زاد مسلم: يقال له أبو طلحة، وقيل: هو ثابت بن قيس بن شماس، وقيل: عبد الله بن رواحة ذكره السيوطي في «التوشيح» ، وفي «تفسير ابن عطية» قال أبو هريرة في كتاب مكي: هذا الرجل هو أبو طلحة. وقال المتوكل: هو ثابت بن قيس، وخلط المهدوي في ذكر هذا الرجل اهـ. عزوه كونه أبا طلحة إلى ما ذكره من أنه في «صحيح مسلم» عجيب منه مع أنه من حفاظ الإسلام (أنا) يحتمل أن يكون مبتدأ حذف خبره لدلالة وجوده في السؤال: أي أنا أضيفه، ويحتمل كونه فاعلاً لمحذوف: أي أضيف فحذف الفعل اكتفاء بدلالة وجوده في السؤال عليه
وانفصل الضمير (يا رسولالله، فانطلق به إلى رحله) بفتح الراء وسكون المهملة: أي منزله قال في «المصباح» رحل الشخص مأواه في الحضر ثم أطلق على أمتعة المسافر لأنها هناك مأواه (فقال لامرأته) إن كان أبا طلحة فامرأته أم سليم (أكرمي ضيف رسول الله) أي فإنه نزل عليه ولم يكن في بيونه ما يضيفه به، وفيه أن كرامة الضيف كرامة مضيفه (وفي رواية) هي لمسلم (قال) في مسلم: فقال بفاء عاطفة على فانطلق في قوله قبله فقام رجل من الأنصار فقال: أنا يا رسولالله، فانطلق به إلى رحله فقال: (هل عندك شيء) وهذا في هذه الرواية عوض قوله في الرواية السابقة: أكرمي الخ، ولعله سألها أولاً بما في رواية مسلم فلما أخبرته بما عندها كما قال: (قالت: لا) بعدها جملة مقدرة لدلالة ما قبلها عليها: أي لا شيء عندي وقولها: (إلا قوت صبياني) استثناء من ذلك القدر قال لها:
стр. 1067
أكرمي الخ (قال: فعلليهم بشيء) محمول على أن الصبيان لم يكونوا محتاحين للأكل وإنما تطلبه أنفسهم على عادة الصبيان من غير جوع يضر، إذ لو كانوا بتلك الحال بحيث يضرهم ترك الأكل لكان طعامهم واجباً مقدماً على الضيافة، وقد أثنى الله عليه وعلى امرأته فدل على أنهما لم يتركا واجباً بل أحسنا وأجملا، قاله المصنف.l قلت: وحينئذ فيراد بقولها: «قوت صبياني» أي ما يعتادون الاقتيات به على عادتهم من الولع بالطعام من غير حاجة حافة إليه فيكون فيه مجاز (وإذا أرادوا العشاء فنوميهم) وذلك لئلا يضيقوا الطعام على الضيف فلا يبلغ حاجته منه (وإذا دخل ضيفنا) أي منزلنا (فاطفئي السراج) (وأريه أنا نأكل) أي أظهري له فهو كناية عن تداول أيديهما على الطعام وتحريك الفم والمضغ كفعل الآكل، وليس ذلك من باب الشبع بما ليس للإنسان بل هو من باب المروءة والإيثار للضيف ليأنس ويأخذ حاجته (فقعدوا) أي الضيف وهما (وأكل الضيف وباتا طاويين) أي خاليين بطنهما جائعين ولم يأكلا، والجملة محتملة للعطف والحالية (فلما أصبح) أي
دخل الصباح (غداً) أي جاء صباحاً عارضاً نفسه (على النبي فقال: لقد عجب الله من صنيعكما بضيفكما الليلة) قال القاضي عياض: المراد بالعجب من الله رضاه عن ذلك الشيء وقيل: مجازاته عليه بالثواب، وقيل: تعظيمه ذلك قال: وقد يكون المراد عجبت ملائكة الله وأضافه إليه تشريفاً (متفق عليه) واللفظ من قوله وفي رواية الخ لمسلم وللبخاري بنحوه، أخرجه البخاري في فضائل الأنصار وفي التفسير، وأخرجه مسلم في أواخر الأطعمة ورواه الترمذي بنحوه في التفسير من «جامعه» وقال: حسن صحيح، ورواه النسائي في التفسير أيضاً من «سننه» .
٢ - (وعنه قال: قال رسول الله: طعام الاثنين كافي الثلاثة، وطعام الثلاثة كافي
стр. 1068
الأربعة) : قال المهلب: المراد بهذا الحديث وما بعده الحض على المكارم والتقنع بالكفاية: يعني وليس المراد الحصر في مقدار الكفاية، وإنما المراد المواساة وأنه ينبغي للاثنين إدخال ثالث لطعامهما وإدخال رابع أيضاً بحسب من يحضر. ووقع عند الطبراني ما يرشد إلى العلة في ذلك وأوله: «كلوا جميعاً ولا تفرقوا، فإن طعام الواحد يكفي الاثنين» الحديث، فيؤخذ منه أن الكفاية تنشأ عن بركة الاجتماع، وأن الجمع كلما زاد زادت البركة. وقال ابن المنذر: يؤخذ من الحديث استحباب الاجتماع على الطعام وألا يأكل المرء وحده، وفيه أيضاً الإشارة إلى أن المواساة إذا حصلت حصل معها البركة فتعم الحاضرين، وفيه أيضاً أنه ينبغي للمرء ألا يستحقر ما عنده فيمتنع من تقديمه فإن القليل قد يحصل به الاكتفاء بمعنى سدّ الرمق وإقامة البنية لا حقيقة الشبع اهـ ملخصاً. وأما «أمالي» العز بن عبد السلام قوله: طعام الاثنين الخ هو خبر بمعنى الأمر: أي أطعموا طعام الاثنين بين الثلاثة، أو أنه التنبيه على أن طعامهما يقوت الثلاثة وأخبر بذلك ليذهب الجزع، قال: والأول أرجح لأن الثاني معلوم (متفق عليه) ورواه الترمذي أيضاً من حديث أبي هريرة: ورواه أحمد ومسلم والترمذي والنسائي من حديث جابر مرفوعاً بلفظ: «طعام الواحد يكفي الاثنين، وطعام الاثنين يكفي الأربعة، وطعام الأربعة يكفي الثمانية» كذا في «الجامع الصغير» .
(وفي رواية لمسلم) ورواها أيضاً أحمد والترمذي والنسائي (عن جابر ﵁ عن النبي قال: طعام الواحد يكفي الاثنين، وطعام الاثنين يكفي الأربعة، وطعام الأربعة يكفي الثمانية) لا يقال: يؤخذ منه أن طعام الواحد يكفي الثمانية بإسقاط المكرر فينتج ما ذكر من الشكل، لفقد شرط إنتاجه من كلية الكبرى.
٣ - (وعن أبي سعيد الخدري ﵁ قال؛ بينما نحن في سفر مع النبي) يجوز أن يكون الظرفان خبراً بعد خبر ويجوز أن يكون أحدهما خبراً والثاني حالاً (إذ جاء
стр. 1069
رجل على راحلة) هي المركب من الإبل ذكراً كان أو أنثى، وبعضهم يقول: هي الناقة التي تصلح أن ترجل والظرف في محل الصفة للفاعل، وقوله: (له) في محل الصفة للراحلة (فجعل من) أفعال الشروع (يصرف) أي يحول (بصره يميناً وشمالاً) ينظر من يجود عليه بما يسد خلته (فقال رسول الله: من كان معه فضل ظهر) أي مركوب فاضل عن حاجته فهو من إضافته الصفة للموصوف (فليعد) أي يتصدق (به على) المحتاج إليه (من لا ظهر) أي مركوب (له) كافياً لحاجته بذلاً لما فضل عن الحاجة في مرضاة الله فيبقى له بعد أن كان فانياً (ومن كان معه فضل) أي فاضل عن حاجته (من زاد) في «المصباح» : زاد المسافر هو الطعام المعد لسفره (فليعد به على من لا زاد له، فذكر من أصناف المال ما ذكر) جمع صنف. قال ابن فارس: هو فيما ذكر عن الخليل الطائفة من كل شيء وقال الجوهري: الصنف هو النوع والضرب بكسر الصاد وفتحها لغة، حكاه ابن السكيت وجماعة وجمع المكسور أصناف كحمل وأحمال والمفتوح صنوف كفلس وفلوس، قاله في «المصباح» : أي ذكر أنواع المال وأمر ببذل الفاضل عن الحاجة من كل للمحتاج إليه من باب المواساة، وهذا الحديث كحديث: «إنك يا ابن آدم إن تبذل الفضل من مالك خير لك وإن تمسكه شر لك» وقد تقدم قريباً (حتى) غاية لمقدر: أي أمر بالعود بما فضل عن الحاجة للمحتاج إلى أن (رأينا) من الرأي أو بمعنى العلم (أنه لا حقّ لأحد منا) أي معشر بني آدم، أو معشر الصحابة المخاطبين بذلك وحكم غيرهم من باقي الأمة حكمهم (في فضل) أي في فاضل عن حاجته إلحاقه (رواه مسلم) .
٤ - (وعن سهل بن سعد) الأنصاري الساعدي ﵁: أن امرأة) قال الحافظ في «الفتح» : لم أقف على اسمها (جاءت إلى النبي ببردة) قال في «النهاية» : البرد نوع من الثياب معروف الجمع أبراد وبرود، والبردة: الشملة المخططة، وقيل: هي كساء أسود مربع
стр. 1070
فيه صفر تلبسه الأعراب وجمعها برد اهـ. وقد روى البخاري في باب حسن الخلق والسخاء من كتاب الأدب من «صحيحه» تفسير البرد عن سهل ولفظه: «وقال سهل للقوم: أتدرون ما البرد؟ فقالوا: هي شملة، فقال سهل: شملة منسوجة فيها حاشيتها» اهـ. وهذا أولى ما قيل فيه لأن بيان الراوي المشاهد للقصة (منسوجة) صفة بردة (فقالت: نسجتها بيدي لأكسوكها، فأخذها النبيّ) جبراً لخاطرها بتلقي هديتها بالقبول، ففيه استحباب المبادرة لأخذ الهدية لجبر خاطر مهديها وأنها وقعت منه موقعاً، وقوله: (محتاجاً إليها) حال من الفاعل وكأنهم عرفوا ذلك بقرينة الحال أو بتصريح سابق منه بذلك، ومع ذلك فليس الباعث على أخذها الحاجة بل التشريع بما ذكرنا (فخرج إلينا وإنها إزاره) بكسر الهمزة وجمعه أزر: وهو ما يلبس في أسفل البدن لستر العورة والجملة حال من ضمير خرج (فقال: فلان) هو كما أفاد المحب الطبري في الأحكام له: عبد الرحمن بن عوف وعزاه للطبراني فقال الحافظ: لم أره في «المعجم الكبير» لا في «مسند سهل» ولا في «مسند ابن عوف» ، ونقل ابن النحوي عن المحبّ في «شرح العمدة» وكذا قال لنا شيخنا الحافظ أبو الحسن الهيثمي إنه وقف عليه لكن لم يستحضر مكانه، ووقع شيخنا ابن النحوي في «شرح التنبيه» أنه سهل بن سعد وهو غلط كأنه تلبس عليه الراوي، نعم أخرج الطبراني الحديث المذكور من طريق قتيبة بن سعيد عن سهل بن سعد وقال في آخره: قال قتيبة هو سعد بن أبي وقاص اهـ. وقد أخرجه البخاري في اللباس والنسائي في الزينة عن قتيبة ولما يذكرا عنه ذلك، وجاء من طريق زمعة بن صالح أن السائل المذكور كان أعرابياً، قال الحافظ: فلو لم يكن زمعة
ضعيفاً لانتفى أن يكون هو عبد الرحمن أو سعد، ويقال: تعددت القصة (اكسينها ما أحسنها) بنصب النون وما تعجبية (فقال: نعم) هذا وعد بأن يكسوه (فجلس النبي في المجلس) الذي وقع فيه السؤال (ثم رجع) إلى منزله (فطواها ثم أرسل بها إليه، فقال له القوم) ووقع في نفسير المعاتب له من الصحابة أنه سهل الراوي، قال سهل: فقلت للرجل: لم سألته وقد رأيت حاجته إليه؟ قال: رأيت ما رأيتم، ولكني أردت أن أخبأها حتى أكفن فيها (ما أحسنت) ما نفاية (لبسها النبي محتاجاً إليها) جملة استئنافية تعليل لنفي الإحسان عنه (ثم سألته وعلمت) جملة حالية بتقدير قد: أي وقد علمت (أنه لا يرد) قال في «الفتح» في كتاب الجنائز: كذا وقع هنا بحذف
стр. 1071
المفعول، وثبت في رواية ابن ماجه بلفظ: لا يرد سائلاً ونحوه، وفي رواية يعقوب في البيوع وفي رواية ابن غسان في الأدب: لا يسأل شيئاً فيمنعه اهـ ويستفاد منه أن (سائلاً) الذي أورده المصنف هنا إنما هو لابن ماجه، ولعله من تغيير الكتاب أو أنه التبس على المصنف لورود معناه به عند البخاري في البيوع فتوهمه فرواه والله أعلم (فقال: إني وا ما سألته لألبسها إنما سألته لتكون كفني) في رواية أبي داود. فقال: رجوت بركتها حين لبسها النبي» (قال سهل: فكانت كفنه. رواه البخاري) في الجنائز من «صحيحه» بهذا اللفظ، ورواه ابن ماجه في اللباس من «سننه» . وفي الحديث التبرّك بآثار الصالحين، وجواز إعداد الشيء قبل الحاجة إليه، لكن لا يندب عند الشافعية إعداد الكفن لنفسه لئلا يحاسب على ادخاره كما يحاسب على اكتسابه، إلا أن يقطع بحله أو يكون من أثر ذي صلاح، وفيه حسن خلق النبي وسعة جوده وقبول الهدية.
٥ - (وعن أبي موسى الأشعري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ إن الأشعريين) نسبة للأشعر، وهو ثبت بن أدد بن يشجب بن يعرب بن قحطان (إذا أرملوا) أي في أزوادهم، وأصله من الرمل كأنهم لصقوا بالرمل من القلة كما في ﴿ذا متربة﴾ (في الغزو) أي الخروج لقتال العدو (أو) يحتمل أن تكون للشك من الراوي أقال ما تقدم أو قال إذ (قل طعامهم في المدينة) أي محل إقامتهم، ويحتمل أن تكون للتنويع، أي إنهم يفعلون ذلك في السفر والحضر، ولفظ البخاري: «أو قل طعام عيالهم» (جمعوا ما كان عندهم في ثوب واحد ثم اقتسموه بينهم في إناء واحد بالسوية) على قدر الحاجة (فهم مني) قريبون خلقاً وهدياً (وأنا منهم) قال المصنف هذا معناه المبالغة في اتحاد طريقتهما واتفاقهما في طاعة الله تعالى. وقال الحافظ في «الفتح» : معناه هم متصلون بي وتسمى «من» هذه الاتصالية قال الشيخ زكريا، ومثله: «لا أنا من الدّد ولا الدّد مني» وقيل: المراد فعلهم فعلي (متفق عليه) أخرجه البخاري في الشركة ومسلم في الفضائل، ورواه النسائي في السير. قال
стр. 1072
المصنف: في الحديث فضيلة الأشعريين وفضيلة الإيثار والمواساة وفضيلة خلط الأزواد في السفر وفضيلة جمعها في شيء عند قلتها ثم قسمها، وليس المراد من القسمة هنا المعروفة في كتب الفقه بشروطها ومنعها في الربويات واشتراط المساواة وغيرها، بل المراد إباحة بعضهم بعضاً ومواساتهم بالموجود (أرملوا: فرغ زادهم) هو ما اقتصر عليه في «شرح مسلم» (أو قارب الفراغ) وكأن الأول بيان موضوع اللفظ لغة. والثاني بيان المراد هنا لأن القسمة إنما تكون في الموجود لا في الذاهب رأساً، والله أعلم.
٦٣ - باب التنافس في أمور الآخرة والاستكثار مما يتبرك به
أي طلب ذلك لما جاء فيه. وفي «النهاية» : التنافس من المنافسة وهي الرغبة في الشيء والانفراد به، وهو من الشيء النفيس الجيد في نوعه اهـ. والاستكثار طلب لكثرة وقوله مما يتبرك متعلق به، والتبرك بالشيء لأسباب كأن كان فيه أثر صالح أو ظهر فيه آية أو كان قريب عهد بتكوين من الله سبحانه.
(قال الله تعالى) : ( ﴿وفي ذلك فليتنافس﴾ ) فليرتقب ( ﴿المتنافسون﴾ ) المرتقبون: وقال ابن عطية: التنافس في الشيء المغالاة فيه وأن يتبعه كل واحد نفسه فكأن نفسهما تتباريان فيه، قيل: هو من قولك: شيء نفيس فكأن هذا يعظمه الآخر ويستبقان إليه.
١ - (وعن سهل بن سعد ﵁ أن النبي أتى بشراب) وهو كما في «المصباح» ما يشرب من المائعات، وكان ذلك كما قال الحافظ في بيت ميمونة أم المؤمنين (فشرب منه) فيه استحباب شرب البعض إذا كان ثمة غيره (وعن يمينه غلام) هو كما سيأتي في الأصل
стр. 1073
عبد الله بن عباس، وقيل: هو الفضل أخوه، حكاه ابن بطال، قال الحافظ: والصواب الأول (وعن يساره الأشياخ) جمع شيخ من شاخ في السنّ إذا طعن فيها، وذلك من الخمسين سنة ففوق، ويطلق الشيخ لغة على من مهر في العلوم وإن لم يكن في السن كذلك فيقال الغلام، ويصلح كما قال الحافظ أن يعد من جملة الأشياخ خالد. قال: وقد روى ابن أبي حازم عن أبيه في حديث سهل بن سعد ذكر أبي بكر الصديق فيمن كان على يساره، ذكره ابن عبد البرّ وخطأه (فقال للغلام: أتأذن لي أن أعطي هؤلاء) جاء في رواية الترمذي عن ابن عباس: «فقال لي الشربة لك، فإن شئت آثرت بها خالداً» الحديث، قال الحافظ: قال ابن الجوزي: وإنما استأذن الغلام دون الأعرابي المذكور في حديث أنس من شربه للبن وعن يمينه أعرابي وعن يساره أبو بكر الصديق. لأن الأعرابي لم يكن له علم بالشريعة فاستألفه بترك استئذانه بخلاف الغلام (فقال الغلام: وا يا رسول الله لا أوثر بنصيبي منك أحداً) أكد بالقسم وتوسيط ندائه بوصف الرسالة إيماء إلى أن العلة في عدم الإيثار ليس كونه شراباً، فإن الاهتمام بأمر المطاعم شأن البهائم، إنما هو لحلول أثر بركته عليه لكونه سؤره وفضله، وذلك يفزع إليه أرباب الأفهام ويتنافس فيه أولو الأحلام، فلذا عبر بقوله بنصيبي منك: أي من أثر بركتك وفيضك أحداً، والتنكير فيه للتعميم ليعم القريب والبعيد والمشرف والشريف، وفيه مزيد نباهة ابن عباس وجودة فكره إذ نظر إلى الأشياء في مكانها ولذا قال بقوله: عمر عند استجلاء أفكاره فيما يدلهم عليه من الأمور: «غص يا غواص» (فتله رسول الله ﷺ في يده. متفق عليه) رواه البخاري بهذا اللفظ
في كتاب المظالم والغضب وفي كتاب الشرب وزاد بعد «احداً» قوله: يا رسولالله، وقال: بدل قوله: «فتله» فأعطاه إياه في يده، رواه مسلم في الأشربة، وأخرجه النسائي في الأشربة من «سننه» (تله بالتاء المثناة فوق) أي وتشديد اللام (أي وضعه) في «تحفة القاري» أي وضعه بقوّة. وفي «النهاية» : قيل: التل الصب فاستعير للالقاء يقال: تل يتل: إذا صب، وتل يتل: إذا سقط، والأول بالضم والثاني بالكسر في المضارع (وهذا الغلام) كما حكاه الحافظ عن ابن التين، وجاء كذلك في رواية الترمذي من حديث ابن عباس نفسه (هو ابن عباس) أي عبد الله بن عباس (رضي الله
стр. 1074
عنهما) فإن هذا علم عليه بالغلبة كابن عمر وابن مسعود على عبد الله.
٢ - (وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي قال: بينا أيوب ﵇ قال العراقي في «شرح التقريب» : يقال: هو أيوب بن رزاح بن روم بن العيص بن إسحاق بن إبراهيم (يغتسل عرياناً) فيه جواز الاغتسال عرياناً في الخلوة مع إمكان التستر، وهو مذهب الجمهور (فخرّ) بالخاء المعجمة: أي سقط (عليه جراد من ذهب) هذا ظاهر في سقوطه عليه من علوّ وهو إكرام من الله تعالى له، وهو معجزة في حقه، وهل كان جراداً حقيقة ذا روح، إلا أن جسمه من ذهب، أو كان على شكل الجراد ولا روح فيه؟ الأظهر الثاني. قال الجوهري: وليس المراد ذكر الجراد وإنما هو اسم جنس كبقر وبقرة، فحق مذكره أن لا يكون من لفظه لئلا يلتبس الواحد المذكر بالجمع (فجعل) شرح (أيوب يحثي في ثوبه) استكثاراً من البركة لكونه قريب عهد بتكوين من الله سبحانه (فناداه ربه لا يخفى ما في التعبير من الرب المؤذن بالتربية والإيصال إلى الكمال في هذا المقام وهذا النداء الله أعلم أنه كان بواسطة الملك لأن المخصوص بالسماع من حضرة الحق سبحانه من الأنبياء والمرسلين نبينا وموسى، ثم رأيت العراقي أشار إلى ما ذكرته وزاد احتمال كونه إلهاماً قال: ويجوز كونه كفاحاً كما وقع لموسى وفيه نقد ولعل وجهه ما ذكرنا، وقوله: (ألم أكن أغنيتك عما ترى) محكي لقول مقدر أو للنداء لما فيه من معنى القول، والقول محتمل لأن يراد منه غنى القلب، أو غنى المال، وفيه على الثاني أن أيوب كان غنياً شاكراً، ولا ينافيه قوله تعالى: ﴿إنا وجدناه صابراً﴾ لأن المراد صبره على البلاء أو على الفقر معه. والذي يظهر أن الله تعالى جمع لأيوب مقامي الصبر على الفقر والشكر على الغنى باعتبار حالتيه، فكان في نفس البلاء فقيراً صابراً وقبله وبعده غنياً شاكراً، ولذا قال تعالى: ﴿إنا وجدناه صابراً﴾ ثم قال: ﴿نعم العبد﴾ ففيه الإيماء إلى أنه غنيّ شاكر كما قال في حق سليمان ﴿نعم العبد إنه أوّاب﴾ مع أنه كان غنياً شاكراً
(قال: بلى) واستدرك من مفهوم ذلك قوله: (ولكن لا
стр. 1075
غنى لي عن بركتك) أي أغنيتني عنه من سائر الجهاد من حيث إنه مال، وأنا لا آخذه كذلك شرهاً وحرصاً، ولكن لكونه بركة، وفيها وجوه: فقيل لأنه قريب عهد بتكوين من الله تعالى كما حسر نبينا عن جلده حين نزل عليه المطر وقال: إنه حديث عهد بربه: أي بتكوينه. وقيل: لأنه نعمة جديدة خارقة للعادة فينبغي تلقيها بالقبول، ففي ذلك منه شكر لها وتعظيم لشأنها وفي الإعراض عنها كفر بها، وقريب منه حديث: «إن الله يحب أن تأتى رخصه كما تؤتى عزائمه» وقيل: إن هذا آية ومعجزة وكل ما نشأ عنها فهو بركة، ومن ذلك قول الصحابة: كنا نعد الآيات بركة، وقيل: غير ذلك (رواه البخاري) في كتاب الأنبياء من «صحيحه» .
٦٤ - باب فضل الغني الشاكر
أي ما جاء في ذلك، والشاكر: هو القائم بما أمر الله تعالى به في المال فعلاً وتركاً كما قال المصنف: (وهو من أخذ المال من وجهه) أي طريقه المأذون بأخذه منه شرعاً كالمعاوضة المستجمعة لشروط الصحة السالمة من غش وخديعة، وكالإرث والوصية والاكتسابات المأذون فيها من احتطاب ونحوه (وصرفه) الأولى وإنفاقه لقوله: (في وجوهه) أي طرقه (المأمور بها) شرعاً واجباً عينياً كأداء الزكوات والكفارات والنذور، أو كفائياً كالقيام بحاجة المحتاج من طعام وكسوة، أو مندوباً كالتطوعات.
(قال الله تعالى) : ( ﴿فأما من أعطى﴾ ) أي أنفق ماله لوجه الله ( ﴿واتقى﴾ ) محارمه ( ﴿وصدق بالحسنى﴾ ) المجازاة وأيقن أن الله سيخلفه عليه، أو بالكلمة الحسنى وهي كلمة التوحيد ( ﴿فسنيسره﴾ ) نهيئه في الدنيا ( ﴿لليسرى﴾ ) للخلة التي توصله إلى اليسرى والزلفى في الدار الآخرة يعني الأعمال الصالحة والآية بعدها
стр. 1076
في ضدّ ذلك تقدمت مع الكلام على ما يتعلق بها في باب النهي عن البخل.
(وقال تعالى) : ( ﴿وسيجنبها﴾ ) أي النار ( ﴿الأتقى﴾ ) أي الذي اتقى الشرك والمعصية فلا يدخلها أصلاً، وأما من اتقى الشرك فقط فيمكن أن يدخلها لكن لا يصلاها ولا يلزمها ( ﴿الذي يؤتي ماله﴾ ) يعطيه وينفقه في طاعة الله ( ﴿يتزكى﴾ ) أي يطلب تزكية نفسه وماله فصله الذي بدل أو حال فلا محل له على الأول ( ﴿وما لأحد عنده من نعمة تجزى﴾ ) فيقصد إتيانه مجازاتها ( ﴿إلا ابتغاء وجه ربه الأعلى﴾ ) أي لكن يؤتى طلباً لمرضاة الله سبحانه، والجمهور على نصب ابتغاء وأنه على الاستثناء المنقطع، وإلا بمعنى لكن كما تقرر فهو في الحقيقة مفعول له، قاله الهمذاني، وانظر ابن عطية في كون الاستثناء منقطعاً وجعل الكواشي الاسثناء المنقطع والمفعولية له وجهين متقابلين محمول على المعنى، والتقدير: لم يعط الشيء إلا ابتغاء وجهه سبحانه، والابتغاء: الطلب أي إلا لطلب التوجه إلى ربه الأعلى (ولسوف يرضى) من ربه حين يدخله في رحمته، وعن كثير من السلف أن هذه السورة في الصديق وهو الأتقى فيكون الحصر ادعائياً لا حقيقياً، كأن غير هذا الأتقى غير مجتنب بالكلية كذا في «تفسير» السيد معين الدين الصفوي، وفي «تفسير ابن عطية» لم يختلف أهل التأويل أن المراد بالأتقى إلى آخر السورة أبو بكر ثم هي تتناول كل من دخل في هذه الصفات. وقال ابن كثير في «تفسيره» : قد ذكر غير واحد من المفسرين أن هذه الآي نزلت في أبي بكر ﵁ حتى أن بعضهم حكى الإجماع عن المفسرين على ذلك، ولا شك أنه داخل فيها وأولى الناس بعمومها، وأن لفظها لفظ العموم وهو قوله: ﴿وسيجنبها الأتقى﴾ الخ. ولكنه مقدم الأمة وسابقهم في جميع هذه الأوصاف الحميدة، فإنه كان صديقاً تقياً كريماً جواداً بذالاً لأمواله في طاعة مولاه ونصر رسوله، وفي «تفسير الكواشي» : والمراد بالأتقى أبو بكر الصديق قالوا بإجماع المفسرين، وما ذكره ابن عطية وابن كثير من أن الآية تشمل من دخل في تلك الصفات تعقبه الحافظ السيوطي في
«الإتقان» فقال بعد أن مهد قاعدة: «العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب» :
«تنبيه» : قد علمت أن فرض المسألة في لفظ له عموم أما آية نزلت في معين ولا عموم للفظها فإنها تقصر عليه قطعاً كقوله تعالى: ﴿وسيجنبها الأتقى﴾ الخ فإنها نزلت في الصديق إجماعاً وقد استدل بها الفخر الرازي مع قوله: ﴿إن أكرمكم عند الله أتقاكم﴾ على أنه
стр. 1077
أفضل الناس بعد رسول الله، ووهم من ظن أن الآية عامة في كل عمله إجراء له على القاعدة، وهذا غلط، فإن هذه الآية ليس فيها صيغة عموم، إذ أل إنما تفيد العموم إذا كانت موصولة أو معرّفة في جمع، زاد قوم أو مفرد بشرط أن لا يكون هناك عهد، واللام في الأتقى ليست موصولة، لأنها لا توصل بأفعل التفضيل إجماعاً، والأتقى ليس جمعاً، بل مفرد، والعهد موجود خصوصاً مع ما يفيد صيغة أفعل من التمييز وقطع المشاركة، فبطل القول بالعموم وتعين القطع بالخصوص والقصر على من نزلت فيه ﵁» اهـ.
(وقال تعالى) : ( ﴿إن تبدوا الصدقات فنعما هي﴾ ) أي إن أظهرتموها فنعم شيئاً إبداؤها ( ﴿وإن تخفوها وتؤثرها الفقراء﴾ ) أي تعطوها مع إخفاء ( ﴿فهو﴾ ) أي إخفاؤها ( ﴿خير لكم﴾ ) والآية عامة في كل صدقة، لكن عن ابن عباس: السرّ في التطوع أفضل من العلانية يقال: بسبعين ضعفاً، وصدقة الفريضة علانيتها أفضل بخمسة وعشرين ضعفاف ( ﴿ويكفر عنكم﴾ ) أي الله أو الإخفاء ففيه إسناد مجازي، ومن قرأ مجزوماً فهو عطف على محل جواب الشرط ( ﴿من سيئاتكم﴾ ) من للتبعيض أو لبيان الجنس أي شيئاً هو السيئات ( ﴿وا بما تعملون خبير﴾ ) ترغيب في الإخفاء.
(وقال تعالى) : ( ﴿لن تنالوا البرّ﴾ ) الجنة: أو التقوى، أو كمال الخير ( ﴿حتى تنفقوا مما تحبون﴾ ) أي بعضه، والمراد منه أداء الزكاة أو صدقة السنة، ويدل على الثاني أن كثيراً من الصحابة تصدقوا بأراضيهم وأعتقوا جواريهم حين أنزلت، والمعنى: لن تنالوا البرّ حتى تنفقوا وأنتم أصحاء أشحاء ( ﴿وما تنفقوا من شيء فإن الله به عليم﴾ ) فيجازي بحسبه (والآيات) الكائنة أو كائنة (في فضل الإنفاق في الطاعات) هي ما تقرب بها إلى المولى (كثيرة معلومة) وفيما ذكر كفاية لمن ألقى السمع وهو شهيد.
١ - (وعن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله: لا حسد) أي
стр. 1078
لاغبطة محمودة (إلا في اثنتين) من الخصال أو في ذي اثنتين منها فعلى الأول يقدر مضاف نحو خصلة قبل قوله رجل وهو في الأصول مرفوع خبر محذوف: أي هما خصلتان رجل ورجل، فحذف المضاف وأقيم رجل مقامه فارتفع (رجل آتاه) أي أعطاه (امالاً) أي بطريق لا تبعة فيه كما يومىء إليه إسناد الإعطاء إلى الله سبحانه، وإلا فالتصدق بالسحت لا غبطة فيه (فسلطه على هلكته) أي إتلاف عينه بإبقائه عند الله بإنفاقه لوجهه ومرضاته (في الحق) متعلق بالمصدر قبله (ورجل آتاه الله حكمة) أي علماً ويجوز أن يراد بها القرآن لورود كل منهما في رواية، ويجوز أن يراد بها السنة والأول أقرب (فهو يقضي بها) أي عند التحاكم إليه (ويعلمها) ففيه أن شكر المال إنفاقه في وجوه الطاعات ابتغاء مرضاة الله تعالى، وأن شكر العلم العمل به وتعليمه (متفق عليه) (وتقدم شرحه) أي تبيان المراد من قوله لا حسد (قريباً) نصبه على أنه صفة مصدر: أي تقدماً قريباً، أو على الظرفية: أي في مكان قريب من الكتاب وهو باب فضل الكرم والجود.
٢ - (وعن ابن عمر ﵄ عن النبي قال: لا حسد) أي لا ينبغي أن يحسد أي يغبط (إلا في اثنتين) ثوابهما بحسن التصرف من فاعلهما (رجل آتاه الله القرآن) قدم هنا على المال من باب التدلي من الشريف إلى المشروف، وعكس في الحديث قبله من باب الترقي، أو لأن ذلك سبق للحضّ على الاشتغال بالقرآن فقدم في كل ما سبق له الحديث وذكر الآخر بالتبع، أو أن ذلك على وجه التفنن في التعبير، وعبر هنا بالقرآن الذي هو منبع العلوم ومعدنها وأصلها ومكمنها، قال تعالى: ﴿ما فرطنا في الكتاب من شيء﴾ (الأنعام: ٣٨) وقال تعالى: ﴿والكتاب المبين﴾ (الدخان: ٢) أي لكل شيء محتاج إليه كما يؤذن به حذف
стр. 1079
المعمول، لأنه الأصل، وثم بالحكمة المراد بها العلم الشرعي على قوم لعموم حاجة الناس في معاشهم ومعادهم إليه (فهو يقوم به) أي في صلاته (آناء الليل وآناء النهار) منصوب على الظرفية وأعاد المضاف دفعاً لتوهم أن المراد آناء مجموعهما لا كل على الانفراد، ويحتمل أن يراد من القيام المداومة على تلاوته لا يخصوص كونه في صلاة (ورجل آتاه الله مالاً) التنكير فيه للتعظيم كما يدل عليه قوله: (فهو ينفقه آناء الليل وآناء النهار) ويحتمل أن يكون للشيوع فيشمل الجليل منه والحقير، قال تعالى: ﴿لينفق ذو سعة من سعته ومن قد عليه رزقه فلينفق مما آتاه الله لا يكلف الله نفساً إلا ما آتاها﴾ (الطلاق: ٧) (متفق عليه) تقدم ذكر من خرّجه من حديث ابن عمر في باب فضل الكرم المذكور (الآناء) بالفتح ومد الهمزة قبل النون (الساعات) جمع واحده أني بالكسر والقصر وأناء بالمد والفتح، وإني بوزن قنو، وأنو بوزن دلو، ذكرها الواحدي في «تفسيره» .
٣ - (وعن أبي هريرة ﵁ أن) بالفتح ويجوز كسر الهمزة بتقدير قول قبلها (فقراء المهاجرين) من إضافة الصفة لموصوفها: أي المهاجرين الفقراء (قالوا) : على وجه الغبطة والتأسف على عدم تمكنهم من ذلك (يا رسول الله ذهب أهل الدثور بالدرجات) الباء فيه للتعدية وفيها معنى المصاحبة (العلا) أي الرفيعة، قال ابن عطية في «التفسير» : الدرجات العلا هي القرب من الله تعالى: (والنعيم المقيم) وهو نعيم الجنة الذي لا ينقضي أبداً (فقال: وما ذاك) استفهام عن الذي لأجله قيل فيهم إنهم فازوا بذلك دنيا وعقبى ولم يتركوا منه للفقراء شيئاً كما يومىء إليه السياق، وأتى باسم الإشارة الموضوع للبعيد فيه مع قربه لفخامة شأنه كقوله تعالى: ﴿تلك آيات الكتاب المبين﴾ (الشعراء: ٢) بناء على أن المشار إليه هو الحروف المقطّعة أوّل السور (فقالوا: يصلون كما نصلي) ما كافة مهيئة للدخول على
стр. 1080
الجملة الفعلية، وتفيد تشبيه مضمون الجملة بالجملة أو مصدرية أي مثل صلاتنا، أو موصولة: أي مثل الذي نصليه (ويصومون كما نصوم) أي هم في العبادات البدنية مماثلون لنا مساوون فيها وزائدون علينا بالعبادات المالية المدلول عليها بقولهم (ويتصدقون ولا نتصدق) كذا في النسخ بإظهار الفوقية وتخفيف المهملة الأولى فيهما (ويعتقون) بفتح التحتية وكسر الفوقية فيهما (ولا نعتق) أي فهم يرجحون علينا بذلك، إذ لا مال لنا نصل به إلى مثل ذلك (فقال رسول الله: أفلا أعلمكم) أي أترككم تعاباً من ذلك فلا أعلمكم (شيئاً) أي عظيماً بقرينة وصفه بقوله: (تدركون به من سبقكم) أي إلى المنازل العلى أو من سبقكم من مؤمني الأمم (وتسبقون) بكسر الموحدة (به من بعدكم) أي في الرتبة: أي دونكم أو في الزمن (ولا يكون أحد أفضل منكم إلا من صنع مثل ما صنعتم) الاستثناء فيه منقطع: أي ولكن من صنع مثل ما صنعتم فلا تسبقونه ولا يفضل عليه أحد كما لا يفضل عليكم (قالوا: بلى يا رسول الله) أي تعليم ذلك مرادنا
لنلحق به من سبق ونجوز به على من بعد فضل السبق، وفي قولهم: يا رسول الله تحريض على الإعلام: أي إن الله رحم بك العباد وتعليم ذلك منها فجد به (قال: تسبحون وتكبرون) بتضعيف الفعلين اعتباراً بتكرير الفعل (وتحمدون) بفتح الفوقية والميم (دبر) أي خلف (كل صلاة) أي من المكتوبات كما جاء كذلك في رواية، ودبر ظرف تنازعه الأفعال قبله وكذا تنازعت (ثلاثاً وثلاثين) وهو منصوب على المفعولية المطلقة للعامل فيه منها (فرجع) العطف على محذوف دلّ عليه السياق: أي فذهب فقراء المهاجرين بما علمهم رسول الله ﷺ فعملوا فعلمه الأغنياء فعملوا به وشاركوها فيه كغيره من العبادات البدنية فرجع (فقراء المهاجرين إلى رسول الله) إذا فاتهم ما استأثروا به عن الأغنياء ليلحقوهم في فضل عملهم المالي بمشاركتهم فيه (فقالوا: سمع إخواننا أهل الأموال) هذا تفسير منهم للدثور المذكور عنهم أول الحديث (بما فعلنا) أي مما ذكرت وما فيه من عظيم الفضل (ففعلوا مثله) فساورنا فيه وازدادوا عليه بالعمل المالي فرجع الأمر بالآخرة إلى ما اشتكوا منه أولاً (فقال رسول الله: ذلك فضل ا) أي
стр. 1081
ثوابه (يؤتيه) أي يعطيه (من يشاء) من فقير وغنيّ، والمشار إليه يحتمل أن يكون السبق إلى المنازل العلى المذكور أوّل الخبر: أي أنالهم الله ذلك وقصره عليهم، فلا سبيل لمشاركتهم فيه من غيرهم، ويحتمل أن يكون الثواب المرتب على هذا المذكور أنه فضل الله إن شاء خص به الفقراء فلا يلزم من إتيان الأغنياء به مساواة الفقراء فيه: أي فلا عليكم من مشاركتهم في ذلك صورة، والأول قال به من مال إلى تفضيل الغنيّ الشاكر، والثاني قال به ما قال بتفضيل الفقير الصابر (متفق عليه) رواه البخاري في الدعوات ومسلم (وهذا لفظ رواية مسلم) في كتاب الصلاة وليس في رواية البخاري وصف الدرجات بالعلا، وفيها أن كلاً من التكبير والتسبيح والتحميد عشراً عشراً وليس عنده من قوله فرجع فقراء المهاجرين
إلى الآخر، وسبق في باب بيان طرق الخيرات أن حديث أبي ذرّ عند مسلم بنحو حديث الباب، وأن كلاً من التسبيح والتحميد والتكبير والتهليل والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر صدقة وفيه زيادة على ما في حديث الباب ونقص عنه (الدثور) بضم المهملة والمثلثة (الأموال الكثيرة) كما في «النهاية» ، وبه يعلم ما في اقتصار الكازروني شارح «الأربعين» على قوله الدثر: المال ولم يقيده بالكثير، وفي باب بيان طرق الخيرات الدثور واحدها دثر، فأفاد ثمة بيان مفرده وهنا بيان معناه. وفي «النهاية» : الدثور جمع دثر: أي كفلس يقع على الواحد والاثنين والجمع اهـ.
стр. 1082
٦٥ - باب ذكر الموت
الأكثر أنه أمر وجودىّ. وهو عرض مضادّ الحياة، وقيل عدمي أي عدم الحياة عما من شأنه، وفسر هذا قوله تعالى: ﴿خلق الموت﴾ (الملك: ٢) بقوله أي قدرّه (وقصر) بكسر ففتح (الأمل) بفتحتين. قال السيوطي في «التوشيح» : هو رجاء ما تحبه النفس، قال ابن الجوزى: وهو مذموم للناس لا للعلماء فلولا أملهم لما ألفوا ولا صنفوا (قال الله تعالى) : ( ﴿كل نفس ذائقة الموت﴾ ) ألم مقدماته وحال سكراته، وهذا وعد ووعيد للمصدّق والمكذب ( ﴿وإنما توفون أجوركم﴾ ) تعطون جزاء أعمالكم خيراً كان أو شراً تاماً وافياً ( ﴿يوم القيامة﴾ ) إذ هو يوم الجزاء للعمال على ما لهم في الدنيا من الأعمال ( ﴿فمن زحزح﴾ ) أي نحى وأبعد ( ﴿عن النار وأدخل الجنة﴾ ) هو كالتصريح بالملزوم، إذ يلزم الإبعاد عن النار إدخال الجنة إذ لا واسطة بينهما عند أكثر أهل الحق ( ﴿فقد فاز﴾ ) من الفوز، وهو الظفر بالمراد والمرام ( ﴿وما الحياة الدنيا﴾ ) أى زخارفها ( ﴿إلا متاع الغرور﴾ ) أى كمتاع يدلس به على المستام فيغر ويشتريه، فمن اغترّ بها وآثرها فهو مغرور (وقال تعالى) في الآية التي فيها ما جاء في الحديث: إنها من مفاتيح الغيب ( ﴿إن الله عنده علم الساعة وينزل الغيث ويعلم ما في الأرحام وما تدري نفس ماذا﴾ ) أي أيّ شىء خير أو شرّ ( ﴿تكسب غدا﴾ ) والجملة عطف على جملة: إن الله أثبت اختصاصه
стр. 1083
به تعالى على سبيل الكفاية على الوجه الأبلغ ( ﴿وما تدري نفس بأيّ أرض تموت﴾ ) وإذا كان هذا شأنها فيما هو أخص الأشياء بها فكيف هي بمعرفة ما عداهما.
(وقال تعالى) : ( ﴿فإذا جاء أجلهم﴾ ) أي وقت انقضاء عمرهم ( ﴿لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون﴾ ) أي لا يستمهلون لحظة.
(وقال تعالى) : ( ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تلهكم أموالكم ولا أولادكم عن ذكر الله﴾ ) الصلوات الخمس وسائر العبادات، والمراد نهيهم عن اللهو بها ( ﴿ومن يفعل ذلك﴾ ) أي الشغل عن ذكر الله بالمال والولد ( ﴿فأولئك هم الخاسرون﴾ ) حيث آثروا العاجل على الآجل والفاني على الباقي ( ﴿وأنفقوا مما رزقناكم﴾ ) المراد كما قال جمهور المتأولين: الزكاة، وقيل: هو عام في كل مفروض ومندوب ( ﴿من قبل أن يأتي أحدكم الموت﴾ ) أي علامته وأوائل أمره ( ﴿فيقول ربّ لولا أخرتني﴾ ) أي أمهلتني وهو طلب الكرّة والإمهال ( ﴿إلى أجل قريب﴾ ) أي زمن يسير آخر، قال ابن عطية: سماه قريبا لأنه آت أو لأنه إنما تمناه ليقضي فيه العمل الصالح فقط، وليس يتسع الأمل حينئذ لطلب العيش ونضرته (فأصدّق) أي أتصدق وهو منصوب في جواب الطلب ( ﴿وأكن من الصالحين﴾ ) بالتدارك، وكل مفرّط يندم عند الاحتضار ويسأل الإمهال للتدارك، وقرأ الجمهور أكن بالجزم. قال الزمخشري: عطف على محل فأصدق، كأنه قيل: إن أخرتني أصدق وأكن، هذا مذهب أبي علي الفارسي. وأما ما حكاه سيبويه عن الخليل، فهو غير هذا، وهو أنه جزم أكن على توهم الشرط الذي يدل على التمني، ولا موضع هنا لأنه الشرط ليس بظاهر، وإنما يعطف على الموضع حيث يظهر الشرط كقوله: «من يضلل الله فلا هادي له ويذرهم» فيمن جزم ويذر عطف على موضع «فلا هادي له» لأنه لو وقع هنالك فعل كان مجزوماً. والفرق بين العطف على الموضع والعطف على التوهم مفقود وأثره موجود دون مؤثره اهـ ( ﴿ولن يؤخر الله إذا نفساً إذا جاء أجلها﴾ ) حض على المبادرة والمسابقة للأجل بالعمل الصالح ( ﴿والله خبير بما تعلمون﴾ ) قرىء بالفوقية وعد وبالتحتية
стр. 1084
وعيد: أي فهو مجازيكم على صالح عملكم ومجازيكم على سيئها. (وقال تعالى) ( ﴿حتى﴾ ) متعلق بيصفون المذكور قبله في قوله ﴿وسبحان الله عما يصفون﴾ وما بينهما اعتراض لتأكيد الاعتناء بالاستعاذة بالله من الشيطان الرجيم: أي لا يزالون على سوء الذكر
إلى أن جاء أحدهم. وجوّز ابن عطية كونها غاية لكلام محذوف، واقتصر عليه أبو حيان في «النهر» قال: والتقدير فلا أكون كالكفار الذين يهمزهم الشياطين ويحضرونهم ( ﴿حتى إذا جاء أحدهم الموت﴾ ) ورجح ابن عطية كونها ابتدائية (
﴿قال ربّ ارجعون﴾ ) ردوني إلى الدنيا، والواو لتعظيم المخاطب. وقيل: لتكرر قوله ارجعني، قال ابن عطية: أو استغاث بربه أوّلا ثم خاطب ملائكة العذاب بقوله أرجعون ( ﴿لعلي أعمل صالحاً فيما تركت﴾ ) أي في الذي تركته من الإيمان لعلي آتي به وأعمل فيه صالحاً، أو المال، أو الدنيا ( ﴿كلا﴾ ) ردع عن طلب الرجعة واستبعاد لها. وفي النهر قيل: هي من قوله الله تعالى، وقيل من قول من عاين الموت، يقولها لنفسه تحسرا وتندما ( ﴿إنها﴾ ) أي رب أرجعون ألخ ( ﴿كلمة﴾ ) والكلمة الطائفة من الكلام المنتظم بعضها مع بعض ( ﴿هو قائلها﴾ ) لا محالة لتسلط الحسرة عليه، وهذا محتمل كما قال ابن عطية للأخبار المؤكدة بوقوع هذا الشيء، أو بأن المعنى: إن هذه كلمة لا تغني من أكثر قولها ولا نفع له بها ولا غوث فيها، وإشارة إلى أنهم لو ردوا لعادوا كما كانوا، ففيه ذمهم، قال الصفوي: وعلى الثالث فهو علة الردع: أي ارتدعوا، فوعدكم بالعمل الصالح لو رجعتم مجرد وعد لا وفاء بحقه ( ﴿ومن ورائهم﴾ ) أي أمامهم ( ﴿برزخ﴾ ) حاجز بينهم وبين الرجعة ( ﴿إلى يوم يبعثون﴾ ) هو إقناط كلي للعلم بأن لا رجعة إلى الدنيا يوم البعث فلا رجعة أصلاً ( ﴿فإذا نفخ في الصور﴾ ) وهو القرن، وقيل جمع صورة وأيده القاضي البيضاوي بقراءة صور بضم ففتح وكسر، والمراد النفخة الأخيرة ( ﴿فلا أنساب بينهم﴾ ) أي لا تنفع ( ﴿يومئذ ولا يتساءلون﴾ ) كما يفعلون اليوم بل يفرح القريب إن وجب له حق ولو على ولد ووالده فيأخذ منهما، ولا يتساءلون: أي لا يسأل حميم قريب حميمه وقريبه، ولا ينافيه قوله تعالى: ﴿فأقبل بعضهم على بعض يتساءلون﴾ لأن يوم القيامة مواطن ومواقف أو ما
стр. 1085
نحن فيه عند النفخة.
والآية الثانية بعد المحاسبة، أو دخول أهل الجنة. هذا وعن عمر ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول «كل سبب ونسب ينقطع يوم القيامة إلا سببي ونسبي» ( ﴿فمن ثقلت موازينه﴾ ) بأن تكون له عقائد وأعمال صالحة تثقل ميزانه (فأولئك هم المفلحون) الفائزون بالنجاة والدرجات ( ﴿ومن خفت موازينه﴾ ) بأن لا عقائد ولا أعمال صالحة تثقل ميزانه ( ﴿فأولئك الذين خسروا أنفسهم﴾ ) حيث أبطلو استعدادها، وجمع الموازين من حيث أن الموزون جمع وهي أعمال. ومعنى الوزن: إقامة الحجة على العباد وإظهار للعدل بالمحسوس على عادتهم وعرفهم. وفي وزن الكافر وجهان: قيل يوضع كفره في كفة فلا يوجد شيء يعادله في الكفة الأخرى. وقيل بأن يوضع في الثانية ماله من عمل صالح من صلة رحم ووجه برّ فيخف عمله (
﴿في جهنم خالدون﴾ ) بدل من خسروا أنفسهم ولا محل له، لأن المبدل منه وهو الصلة لا محل له، أو خبر بعد خبر لأولئك، أو خبر مبتدإ محذوف: أي متعلق الظرف بدل من الصلة وهو من بدل المطابق كما في «النهر» ، قال: وأجاز أبو البقاء أن يكون الذين نعت أولئك وخبر أولئك في جهنم، والظاهر أنه خبر أولئك لا نعته وخالدون خبر ثان وفي جهنم متعلق به ( ﴿تلفح﴾ ) تحذف ( ﴿وجوههم النار وهم فيها كالحون﴾ ) أي عابسون وهو تقلص الشفتين من الإنسان، وخص الوجه باللفح لأنه أشرف ما في الإنسان، والإنسان أحفظ له من الآفات من غيره من الأعضاء، فإذا لفح فغيره ملفوح، ولما ذكر اللفح ذكر الكلوح المختص ببعض الأعضاء وهو الوجه فتتقلص الشفة العليا حتى تبلغ الرأس وتسترخى الشفة السفلى حتى تبلغ السرّة كما جاء ذلك في حديث مرفوع عند الترمذي وقال: إنه حسن صحيح ( ﴿ألم تكن آياتي تتلى عليكم﴾ ) أي يقال لهم ذلك ( ﴿فكنتم بها تكذبون. قالوا ربنا غلبت علينا شقوتنا﴾ ) الشقاوة: سوء العاقبة ( ﴿وكنا قوماً ضالين﴾ ) عن الهدى ( ﴿ربنا أخرجنا منها فإن عدنا﴾ ) لما تكره ( ﴿فإنا ظالمون. قال اخسئوا فيها﴾ ) أي ذلوا وانزجروا كما تنزجر الكلاب ( ﴿ولا تكلمون﴾ ) في رفع العذاب أو لا تكلمون رأساً. وعن بعض السلف أنه لم يكن لهم بعد ذلك إلا زفير وشهيق وعواء كالكلاب ( ﴿إنه﴾ ) أي الشأن ( ﴿كان فريق من عبادي يقولون. ربنا آمنا فاغفر لنا وارحمنا وأنت خير الراحمين﴾ ) قال ابن عطية: والفريق المشار إليه هم المستضعفون من المؤمنين، وهي وإن نزلت في شأن الكفار من قريش مع صهيب وبلال وعمار ونظرائهم إلا أن نظراءهم في ذلك مثلهم (فاتخذتموهم سخريا) بكسر
стр. 1086
السين وضمها لغتان بمعنى الهزؤ، وزيدت ياء النسبة للمبالغة. وعند الكوفيين المضموم من السخرة بمعنى الانقياد والعبودية، وكسرها من الاستهزاء والكسر فيه أكثر وهو أليق بالآية، ألا ترى أن قوله ( ﴿حتى أنسوكم ذكرى وكنتم منهم تضحكون﴾ ) ونسبة الإنساء إلى الفريق من حيث
إنه كان بسببهم. والمعنى: اشتغالهم بالهزؤ بهؤلاء أنساهم ما ينفعهم ( ﴿إني جزيتهم اليوم بما صبروا﴾ ) أي بصبرهم على أذاكم ( ﴿أنهم هم الفائزون﴾ ) قال الزمخشري: من فتح همزة إن فهي ومعمولاها المفعول الثاني أني جزيتهم فوزهم، ومن كسر فهو استئناف، وقال في «النهر» : الظاهر أنه تعليل من حيث المعنى لا من الإعراب لاضطرار المفتوحة إلى عامل، والفائزون: المنتهون إلى غايتهم التي كانت أملهم، ومعنى الفوز: النجاة من هلكة إلى نعمة (
﴿قال﴾ ) أي الله، أو الملك المأمور بسؤالهم ( ﴿كم لبثتم في الأرض﴾ ) أي أحياء ( ﴿عدد سنين﴾ ) تمييز لكم، وسؤاله لهم توقيف وهو تعالى يعلم عدد ما لبثوا، أو لفرط هول العذاب نسوا ذلك ( ﴿قالوا لبثنا يوماً أو بعض يوم﴾ ) قال ابن عطية. والغرض توقيفهم على أن أعمارهم القصيرة أداهم الكفر فيها إلى عذاب طويل، وقيل معناه: السؤال عن مدة لبثهم في التراب أمواتاً، وعليه جمهور المتأولين. قال ابن عطية: وهو أصوب من حيث إنهم أنكروا البعث وكانوا يرون أن لا يقوموا من التراب، قيل لهم لما قاموا منه كم لبثتم ( ﴿فسئل العادين﴾ ) أي القادرين على العدد فنحن في شيء لا نقدر معه على أعمال الكفر. والعادين الملائكة الحفظة ( ﴿قال إن لبثتم إلا قليلاً لو أنكم كنتم تعلمون﴾ ) أي ما لبثتم فيها إلا زماناً قليلا على فرض أنكم تعلمون مدة لبثكم ( ﴿أفحسبتم أنما خلقناكم عبثاً﴾ ) أي عابثين بلا فائدة، حال أو مفعول له ملهياً بكم، وما زيدت للتأكيد ( ﴿وأنكم إلينا لا ترجعون﴾ ) عطف على أنما.
(وقال تعالى) ( ﴿ألم يأن﴾ ) أي ألم يحن، يقال أنى الشيء يأنى إذا حان ( ﴿للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله وما نزل من الحق﴾ ) أي ألم يأت وقت خشوعها عند ذكر الله، أو لأجل ذكر الله والموعظة وسماع القرآن. عن ابن عباس: عوتب المؤمنون بهذه الآية بعد ثلاث عشرة سنة من نزول القرآن. وحكى السبكي عن ابن المبارك أنه في صباه حرّك العود ليضربه فإذا به قد نطق بهذه الآية، فتاب ابن المبارك وكسر العود وجاءه التوفيق والخشوع والإخبات والتطامن، وهي هيئة تظهر في الجوارح متى كانت في القلب ولذا خص
стр. 1087
القلب بالذكر ( ﴿ولا يكونوا كالذين أوتوا الكتاب من قبل﴾ ) كاليهود والنصارى عطف على تخشع على قراءته بالتحتية، ونهى عن مماثلة أهل الكتاب على القراءة بالفوقية وفيه التفات ( ﴿فطال عليهم الأمد﴾ ) الزمان بينهم وبين أنبيائهم ( ﴿فقست قلوبهم﴾ ) معناه صلبت وقلّ خيرها وانفعالها للطاعات وسكنت إلى المعاصي ففعلوا منها ما هو مأثور عنهم ( ﴿وكثير منهم فاسقون﴾ ) خارجون عن الدين (والآيات) القرآنية (في الباب) أي التحريص على تذكر الموت وترك الاغترار بالحياة (كثيرة معلومة) والسعيد يكفيه واعظ واحد، بخلاف من لا نور له فلا ينجع فيه ألف عظة وشاهد.
١٥٧٤ - (وعن ابن عمر ﵄ قال: أخذ رسول الله ﷺ بمنكبي) كأنه فعل به ذلك ليقبل على سماع ما يلقي إليه ويفيق من عمرة ما هو فيه من الشغل عن ذلك، ونظير هذا التنبيه الفعلي التنيه القولي في قوله «ألا أنبئكم بخير أعمالكم» الحديث والياء يحتمل أن تكون بالتشديد على أن المضاف مثنى أدغمت ياؤه في ياء المتكلم، وإنما أخذ بهما زيادة في التنبيه، ويحتمل أن تكون بالتخفيف على إفراد ما قبله وهو الأقرب (فقال كن في الدنيا كأنك غريب) أي فلا تستكثر فيها من أمتعتها وزهراتها فإن شأن ذي الأسفار التخفيف عن نفسه بإلقاء ما يثقله، قال الشاعر:
ألقى الصحيفة كي يخفف رحله
والزاد حتى نعله ألقاها
والإنسان في الدنيا غريب على الحقيقة، لأن الوطن الحقيقي هو الجنة كما حمل عليه كثير «حب الوطن من الإيمان» على الجنة وهي التي أنزل الله بها الأبوين ابتداء وإليها المرجع إن شاء الله تعالى بفضل الله ومنه، والإنسان في الدنيا في دار غربة كالمسافر من وطنه حتى يرجع إليه، والله الموفق لما يوصل إلى الرجوع إليه (أو عابر سبيل) أي داخل البلد على سبيل المرور بها لكونها على طريقك، ومن كان كذلك لا يأخذ منها إلا ما تدعو
стр. 1088
إليه ضرورة سفره من نحو طعام أو شراب (وكان ابن عمر يقول) كالتذييل لما قبله من حيث المعنى، حضا للنّاس على ورود هذا المنهل ورد عناية ببركة حلول نظر المصطفى (إذا أمسيت) أي دخلت في المساء (فلا تنتظر الصباح) وهو لغة من نصف الليل إلى الزوال، ومنه إلى نصف الليل المساء كما نقله السيوطى عن الجمهرة لابن دريد وقال: إنها فائدة عزيزة النقل، أما الصباح شرعاً فمن طلوع الفجر إلى طلوع الشمس، والمعنى: إذا أدركك المساء فبادر بصالح العمل والتوبة من الزلل ولا تسوّف بأن تدرك زمن الصباح فتؤخر ذلك له فلعل الأجل ينقضي قبله كما يقع كثيراً، وعقدت هذا المعنى في قولى:
إذا أمسيت فابتدرالفلاحا
ولا تهمله تنتظر الصباحا
وتب مما جنيت فكم أناس
قضوا نحبا وقد باتوا صحاحاً
(وإذا أصبحت فلا تنتظر المساء، وخذ من صحتك) أي زمنها لعمل البر ما تدخره (لمرضك) لعجزك عن ذلك (ومن حياتك) لتمكنك فيها من عمل الطاعات (لموتك) ليؤنسك في القبر (رواه البخاري) والحديث تقدم مع «شرحه» في باب فضل الزهد.
٢٥٧٥ - (وعنه أن رسول الله ﷺ قال: ما حق) أي ليس شأن (امرىء مسلم) من جهة الحزم والاحتياط، والتقييد بالمسلم خرج مخرج الغالب فلا مفهوم له، أو للتهييج لتقع المبادرة إلى امتثاله لمايشعر به من نفي الإسلام عن تارك ذلك قاله في «فتح الباري» (له شيء) في رواية: له مال (يوصي فيه يبيت) كأنه على تقدير أن أي بيانه، وهو كقوله تعالى: ﴿ومن آياته يريكم البرق﴾ أي ليس شأنه من جهة الحزم والاحتياط بياته كذلك لعله يفجؤه الموت وهو على غير وصية، ولا ينبغي للمؤمن أن يغفل عن ذكر الموت والاستعداد له، والمصدر المؤول من أن بدل من امرىء، ويجوز أن يكون يبيت صفة لمسلم وبه جزم الطيبى وقال: هي صفة ثانية، وقوله «يوصى فيه» صفة شيء ومفعول يبيت محذوف: أي آمنا أو ذاكراً وقال ابن التين: تقديره موعكا، والأول أولى لأن طلب
стр. 1089
الوصية لا يختص بالمريض، وخبر «ما» هو المستثنى كذا نقل الطيبى والكرماني، وفيه أن الرواية بإثبات الواو في المستثنى وهي لا تدخل الخبر. ويؤخذ عن إعراب ابن مالك لرواية مسلم الآلي أنّ يبيت خبر ما: أي من غير تقدير قبلها. قال ابن عبد البر: والوصف بالمسلم خرج مخرج الغالب فلا مفهوم له، أو ذكر تهييجاً للمبادرة لامتثال مضمونه لإشعاره بنفي إسلام تاركها، ووصية الكافر جائزة في الجملة (ليلتين) كذا لأكثر الرواة، ولأبي عوانة والبيهقي من طريق حماد بن زيد «يبيت ليلة أو ليلتين» وسيأتي ما عند مسلم، وكأن ذكر الليلتين والثلاث لرفع الحرج لتزاحم أشغال المرء التي لا بد له منها ففسح له بهذا القدر ليتذكر ما يحتاج إليه، واختلاف الروايات دال على أنه للتقريب لا للتحديد، والمعنى: لا يمضي عليه زمان وإن كان قليلا (إلا ووصيته مكتوبة عنده) أي مشهود بها لأن الغالب في كتابتها الشهود، ولأن أكثر الناس لا يحسن الكتابة فلا دليل فيه على اعتماد الخط (متفق عليه) رواه البخاري ومسلم في الوصايا وفي «الجامع الصغير» ، ورواه مالك
والأربعة من حديث ابن عمر (هذا لفظ البخاري) في أول كتاب الوصايا من «صحيحه» (وفي رواية لمسلم يبيت ثلاث ليال) كأن التقييد بالثلاث غاية التأخير، ولذا قال ابن عمر: ما مرّت علىّ ليلة إلى آخر ما يأتي، وفي رواية لمسلم «ما حق امرىء مسلم تمر عليه ثلاث ليال إلا عنده وصيته» قال ابن مالك في شرح «المشارق» : ما نافية وتمر خبره. والجمهور على استحباب الوصية لأنه جعلها حقا للمسلم لا عليه، ولو وجبت لكانت عليه لا له، وهو خلاف ما يدل عليه اللفظ، وهذا في الوصية المتبرّع بها، أما الوصية بأداء الدين ورد الأمانات فواجبة (قال ابن عمر) وكان دأبه الاقتداء والاقتفاء (ما مرت عليّ ليلة منذ) أي من زمن (سمعت رسول الله ﷺ قال ذلك إلا وعندي وصيتي) أخذا بالأحوط ومسارعة لما حرّض الشارع إلى فعله.
٣٥٧٦ - (وعن أنس ﵁ قال: خطّ النبيّ خطوطا) يحتمل أن يكون على الكيفية
стр. 1090
الآتية في حديث ابن مسعود بما فيها من الخلاف (فقال: هذه أمله) التأنيث باعتبار مفهوم الواحدة وهذا الذي هو خارج عن الخط المربع أمله وإلا فالخط مذكر كما قال فيه (وهذا) أي المعترض القاطع للخط المستطيل (أجله) ولعل في تأنيثه المشار إليه إلى الأمل إيماء إلى ذمه ونقصه، وأنه الذي ينبغي قصره ليبادر إلى صالح العمل والتوبة من الزلل، فإن التأنيث ناقص بالنسبة إلى التذكير (فبينما هو كذلك) أي تتعارضه حال بعد حال والأمل مستطيل (إذ جاء الخط الأقرب) أي من منتهى الخط الخارج الذي هو الأمل فقطعه (رواه البخاري) في كتاب الرقاق.
٤٥٧٧ - (وعن ابن مسعود ﵁ قال: خطّ النبيّ خطا مربعاً وخط خطاً في الوسط) بفتح السين (خارجاً منه) أي من الخط المربع، قال الحافظ وقيل خارجاً منه (وخط خططا) بضم المعجمة والطاء الأولى للأكثر، ويجوز فتح الطاء كذا في «فتح الباري» (صغاراً) بكسر المهملة (إلى هذا) أي الخط (الذي في الوسط من جانبه) متعلق بقوله وخط (الذي في الوسط) وهذا منه من باب تصوير المعاني وإدخالها في أذهان السامعين بالتمثيل بالمحسوسات (فقال: هذا الإنسان) مبتدأ وخبره: أي هذا الخط هو الإنسان على سبيل التمثيل والمشار إليه هو الخط الأوسط (وهذا الذي هو خارج) عن الخط المربع (أمله وهذا) أي الخط الحافّ (أجله) بدليل قوله «حافاً به» بالحاء المهملة وتشديد الفاء منصوب على الحال: أي محيطاً بحفافيه أي بجوانبه (وهذه الخطط) بضمتين أو بضم ففتح (الصغار الأعراض) جمع عرض بفتحتين: ما ينتفع به في الدنيا في الخير والشرّ (فإن أخطأه هذا) بأن نجا منه (نهشه) بالنون والهاء والشين المعجمة: أي
следующие страницы →