← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 140

دليل الفالحين لطرق رياض الصالحين

ابن علان

Полный текст (2 250 стр.). Показаны 1086–1125 · переход к 1091.

стр. 1086

السين وضمها لغتان بمعنى الهزؤ، وزيدت ياء النسبة للمبالغة. وعند الكوفيين المضموم من السخرة بمعنى الانقياد والعبودية، وكسرها من الاستهزاء والكسر فيه أكثر وهو أليق بالآية، ألا ترى أن قوله ( ﴿حتى أنسوكم ذكرى وكنتم منهم تضحكون﴾ ) ونسبة الإنساء إلى الفريق من حيث إنه كان بسببهم. والمعنى: اشتغالهم بالهزؤ بهؤلاء أنساهم ما ينفعهم ( ﴿إني جزيتهم اليوم بما صبروا﴾ ) أي بصبرهم على أذاكم ( ﴿أنهم هم الفائزون﴾ ) قال الزمخشري: من فتح همزة إن فهي ومعمولاها المفعول الثاني أني جزيتهم فوزهم، ومن كسر فهو استئناف، وقال في «النهر» : الظاهر أنه تعليل من حيث المعنى لا من الإعراب لاضطرار المفتوحة إلى عامل، والفائزون: المنتهون إلى غايتهم التي كانت أملهم، ومعنى الفوز: النجاة من هلكة إلى نعمة ( ﴿قال﴾ ) أي الله، أو الملك المأمور بسؤالهم ( ﴿كم لبثتم في الأرض﴾ ) أي أحياء ( ﴿عدد سنين﴾ ) تمييز لكم، وسؤاله لهم توقيف وهو تعالى يعلم عدد ما لبثوا، أو لفرط هول العذاب نسوا ذلك ( ﴿قالوا لبثنا يوماً أو بعض يوم﴾ ) قال ابن عطية. والغرض توقيفهم على أن أعمارهم القصيرة أداهم الكفر فيها إلى عذاب طويل، وقيل معناه: السؤال عن مدة لبثهم في التراب أمواتاً، وعليه جمهور المتأولين. قال ابن عطية: وهو أصوب من حيث إنهم أنكروا البعث وكانوا يرون أن لا يقوموا من التراب، قيل لهم لما قاموا منه كم لبثتم ( ﴿فسئل العادين﴾ ) أي القادرين على العدد فنحن في شيء لا نقدر معه على أعمال الكفر. والعادين الملائكة الحفظة ( ﴿قال إن لبثتم إلا قليلاً لو أنكم كنتم تعلمون﴾ ) أي ما لبثتم فيها إلا زماناً قليلا على فرض أنكم تعلمون مدة لبثكم ( ﴿أفحسبتم أنما خلقناكم عبثاً﴾ ) أي عابثين بلا فائدة، حال أو مفعول له ملهياً بكم، وما زيدت للتأكيد ( ﴿وأنكم إلينا لا ترجعون﴾ ) عطف على أنما. (وقال تعالى) ( ﴿ألم يأن﴾ ) أي ألم يحن، يقال أنى الشيء يأنى إذا حان ( ﴿للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله وما نزل من الحق﴾ ) أي ألم يأت وقت خشوعها عند ذكر الله، أو لأجل ذكر الله والموعظة وسماع القرآن. عن ابن عباس: عوتب المؤمنون بهذه الآية بعد ثلاث عشرة سنة من نزول القرآن. وحكى السبكي عن ابن المبارك أنه في صباه حرّك العود ليضربه فإذا به قد نطق بهذه الآية، فتاب ابن المبارك وكسر العود وجاءه التوفيق والخشوع والإخبات والتطامن، وهي هيئة تظهر في الجوارح متى كانت في القلب ولذا خص

стр. 1087

القلب بالذكر ( ﴿ولا يكونوا كالذين أوتوا الكتاب من قبل﴾ ) كاليهود والنصارى عطف على تخشع على قراءته بالتحتية، ونهى عن مماثلة أهل الكتاب على القراءة بالفوقية وفيه التفات ( ﴿فطال عليهم الأمد﴾ ) الزمان بينهم وبين أنبيائهم ( ﴿فقست قلوبهم﴾ ) معناه صلبت وقلّ خيرها وانفعالها للطاعات وسكنت إلى المعاصي ففعلوا منها ما هو مأثور عنهم ( ﴿وكثير منهم فاسقون﴾ ) خارجون عن الدين (والآيات) القرآنية (في الباب) أي التحريص على تذكر الموت وترك الاغترار بالحياة (كثيرة معلومة) والسعيد يكفيه واعظ واحد، بخلاف من لا نور له فلا ينجع فيه ألف عظة وشاهد. ١٥٧٤ - (وعن ابن عمر ﵄ قال: أخذ رسول الله ﷺ بمنكبي) كأنه فعل به ذلك ليقبل على سماع ما يلقي إليه ويفيق من عمرة ما هو فيه من الشغل عن ذلك، ونظير هذا التنبيه الفعلي التنيه القولي في قوله «ألا أنبئكم بخير أعمالكم» الحديث والياء يحتمل أن تكون بالتشديد على أن المضاف مثنى أدغمت ياؤه في ياء المتكلم، وإنما أخذ بهما زيادة في التنبيه، ويحتمل أن تكون بالتخفيف على إفراد ما قبله وهو الأقرب (فقال كن في الدنيا كأنك غريب) أي فلا تستكثر فيها من أمتعتها وزهراتها فإن شأن ذي الأسفار التخفيف عن نفسه بإلقاء ما يثقله، قال الشاعر: ألقى الصحيفة كي يخفف رحله والزاد حتى نعله ألقاها والإنسان في الدنيا غريب على الحقيقة، لأن الوطن الحقيقي هو الجنة كما حمل عليه كثير «حب الوطن من الإيمان» على الجنة وهي التي أنزل الله بها الأبوين ابتداء وإليها المرجع إن شاء الله تعالى بفضل الله ومنه، والإنسان في الدنيا في دار غربة كالمسافر من وطنه حتى يرجع إليه، والله الموفق لما يوصل إلى الرجوع إليه (أو عابر سبيل) أي داخل البلد على سبيل المرور بها لكونها على طريقك، ومن كان كذلك لا يأخذ منها إلا ما تدعو

стр. 1088

إليه ضرورة سفره من نحو طعام أو شراب (وكان ابن عمر يقول) كالتذييل لما قبله من حيث المعنى، حضا للنّاس على ورود هذا المنهل ورد عناية ببركة حلول نظر المصطفى (إذا أمسيت) أي دخلت في المساء (فلا تنتظر الصباح) وهو لغة من نصف الليل إلى الزوال، ومنه إلى نصف الليل المساء كما نقله السيوطى عن الجمهرة لابن دريد وقال: إنها فائدة عزيزة النقل، أما الصباح شرعاً فمن طلوع الفجر إلى طلوع الشمس، والمعنى: إذا أدركك المساء فبادر بصالح العمل والتوبة من الزلل ولا تسوّف بأن تدرك زمن الصباح فتؤخر ذلك له فلعل الأجل ينقضي قبله كما يقع كثيراً، وعقدت هذا المعنى في قولى: إذا أمسيت فابتدرالفلاحا ولا تهمله تنتظر الصباحا وتب مما جنيت فكم أناس قضوا نحبا وقد باتوا صحاحاً (وإذا أصبحت فلا تنتظر المساء، وخذ من صحتك) أي زمنها لعمل البر ما تدخره (لمرضك) لعجزك عن ذلك (ومن حياتك) لتمكنك فيها من عمل الطاعات (لموتك) ليؤنسك في القبر (رواه البخاري) والحديث تقدم مع «شرحه» في باب فضل الزهد. ٢٥٧٥ - (وعنه أن رسول الله ﷺ قال: ما حق) أي ليس شأن (امرىء مسلم) من جهة الحزم والاحتياط، والتقييد بالمسلم خرج مخرج الغالب فلا مفهوم له، أو للتهييج لتقع المبادرة إلى امتثاله لمايشعر به من نفي الإسلام عن تارك ذلك قاله في «فتح الباري» (له شيء) في رواية: له مال (يوصي فيه يبيت) كأنه على تقدير أن أي بيانه، وهو كقوله تعالى: ﴿ومن آياته يريكم البرق﴾ أي ليس شأنه من جهة الحزم والاحتياط بياته كذلك لعله يفجؤه الموت وهو على غير وصية، ولا ينبغي للمؤمن أن يغفل عن ذكر الموت والاستعداد له، والمصدر المؤول من أن بدل من امرىء، ويجوز أن يكون يبيت صفة لمسلم وبه جزم الطيبى وقال: هي صفة ثانية، وقوله «يوصى فيه» صفة شيء ومفعول يبيت محذوف: أي آمنا أو ذاكراً وقال ابن التين: تقديره موعكا، والأول أولى لأن طلب

стр. 1089

الوصية لا يختص بالمريض، وخبر «ما» هو المستثنى كذا نقل الطيبى والكرماني، وفيه أن الرواية بإثبات الواو في المستثنى وهي لا تدخل الخبر. ويؤخذ عن إعراب ابن مالك لرواية مسلم الآلي أنّ يبيت خبر ما: أي من غير تقدير قبلها. قال ابن عبد البر: والوصف بالمسلم خرج مخرج الغالب فلا مفهوم له، أو ذكر تهييجاً للمبادرة لامتثال مضمونه لإشعاره بنفي إسلام تاركها، ووصية الكافر جائزة في الجملة (ليلتين) كذا لأكثر الرواة، ولأبي عوانة والبيهقي من طريق حماد بن زيد «يبيت ليلة أو ليلتين» وسيأتي ما عند مسلم، وكأن ذكر الليلتين والثلاث لرفع الحرج لتزاحم أشغال المرء التي لا بد له منها ففسح له بهذا القدر ليتذكر ما يحتاج إليه، واختلاف الروايات دال على أنه للتقريب لا للتحديد، والمعنى: لا يمضي عليه زمان وإن كان قليلا (إلا ووصيته مكتوبة عنده) أي مشهود بها لأن الغالب في كتابتها الشهود، ولأن أكثر الناس لا يحسن الكتابة فلا دليل فيه على اعتماد الخط (متفق عليه) رواه البخاري ومسلم في الوصايا وفي «الجامع الصغير» ، ورواه مالك والأربعة من حديث ابن عمر (هذا لفظ البخاري) في أول كتاب الوصايا من «صحيحه» (وفي رواية لمسلم يبيت ثلاث ليال) كأن التقييد بالثلاث غاية التأخير، ولذا قال ابن عمر: ما مرّت علىّ ليلة إلى آخر ما يأتي، وفي رواية لمسلم «ما حق امرىء مسلم تمر عليه ثلاث ليال إلا عنده وصيته» قال ابن مالك في شرح «المشارق» : ما نافية وتمر خبره. والجمهور على استحباب الوصية لأنه جعلها حقا للمسلم لا عليه، ولو وجبت لكانت عليه لا له، وهو خلاف ما يدل عليه اللفظ، وهذا في الوصية المتبرّع بها، أما الوصية بأداء الدين ورد الأمانات فواجبة (قال ابن عمر) وكان دأبه الاقتداء والاقتفاء (ما مرت عليّ ليلة منذ) أي من زمن (سمعت رسول الله ﷺ قال ذلك إلا وعندي وصيتي) أخذا بالأحوط ومسارعة لما حرّض الشارع إلى فعله. ٣٥٧٦ - (وعن أنس ﵁ قال: خطّ النبيّ خطوطا) يحتمل أن يكون على الكيفية

стр. 1090

الآتية في حديث ابن مسعود بما فيها من الخلاف (فقال: هذه أمله) التأنيث باعتبار مفهوم الواحدة وهذا الذي هو خارج عن الخط المربع أمله وإلا فالخط مذكر كما قال فيه (وهذا) أي المعترض القاطع للخط المستطيل (أجله) ولعل في تأنيثه المشار إليه إلى الأمل إيماء إلى ذمه ونقصه، وأنه الذي ينبغي قصره ليبادر إلى صالح العمل والتوبة من الزلل، فإن التأنيث ناقص بالنسبة إلى التذكير (فبينما هو كذلك) أي تتعارضه حال بعد حال والأمل مستطيل (إذ جاء الخط الأقرب) أي من منتهى الخط الخارج الذي هو الأمل فقطعه (رواه البخاري) في كتاب الرقاق. ٤٥٧٧ - (وعن ابن مسعود ﵁ قال: خطّ النبيّ خطا مربعاً وخط خطاً في الوسط) بفتح السين (خارجاً منه) أي من الخط المربع، قال الحافظ وقيل خارجاً منه (وخط خططا) بضم المعجمة والطاء الأولى للأكثر، ويجوز فتح الطاء كذا في «فتح الباري» (صغاراً) بكسر المهملة (إلى هذا) أي الخط (الذي في الوسط من جانبه) متعلق بقوله وخط (الذي في الوسط) وهذا منه من باب تصوير المعاني وإدخالها في أذهان السامعين بالتمثيل بالمحسوسات (فقال: هذا الإنسان) مبتدأ وخبره: أي هذا الخط هو الإنسان على سبيل التمثيل والمشار إليه هو الخط الأوسط (وهذا الذي هو خارج) عن الخط المربع (أمله وهذا) أي الخط الحافّ (أجله) بدليل قوله «حافاً به» بالحاء المهملة وتشديد الفاء منصوب على الحال: أي محيطاً بحفافيه أي بجوانبه (وهذه الخطط) بضمتين أو بضم ففتح (الصغار الأعراض) جمع عرض بفتحتين: ما ينتفع به في الدنيا في الخير والشرّ (فإن أخطأه هذا) بأن نجا منه (نهشه) بالنون والهاء والشين المعجمة: أي

стр. 1091

أصابه (هذا) وعبر بالنهش استعارة من لذغ ذات السم مبالغة في الإصابة والإهلاك. واستشكلت هذه الإشارات الأربع مع أن الخطوط ثلاثة. وأجاب الكرماني بأن للخط الداخل اعتبارين، فالمقدار الداخل منه هو الإنسان والخارج أمله، والمراد بالأعراض الآفات العارضة، فإن سلم من هذا لم يسلم من ذاك، وإن سلم من الجميع بأن لم تصبه آفة من مرض أو فقد حال أو غير ذلك بغته الأجل. والحاصل أن من لم يمت بالسيف مات بالأجل، ففي الحديث التحريض على قصر الأمل والاستعداد لبغتة الأجل (رواه البخاري) . قال الحافظ: والأول أي مما ذكرنا عنه وهو المعتمد، وسياق الحديث يدل عليه والإشارة بقوله هذا الإنسان إلى النقطة الداخلة، وبقوله هذا أجله محيط به إلى المربع، وبقوله الذي هو خارج أمله إلى الخط المستطيل المنفرد، وبقوله هذه الخطط وهي مذكورة على سبيل المثال، لا أن المراد انحصارها في عدد معين، ويدل عليه قوله في حديث أنس: «إذا جاء الخط الأقرب» فإنه أشار به إلى المحيط به، ولا شك أن الذي يحيط به أقرب إليه من الخارج عنه اهـ. وفي «المفاتح» صورة هذه الخطوط، الخط الوسط

стр. 1092

هو الإنسان، والمربع هو أجله أحاط به بحيث لا يمكنه الفرار والخروج عنه، والصغار هي أعراضه: أي الآفات والعاهات من نحو مرض وجوع من سائر الحوادث فهذه الأعراض متصلة به، والقدر الخارج من المربع أمله، يعنى هو يظن أنه يصل إلى أمله قبل الأجل وظنه خطأ، بل الأجل أقرب إليه من الأمل فعسى أن يموت قبل أن يصل إليه أمله اهـ. ٥٥٧٨ - (وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: بادروا بالأعمال) أي اسبقوا بما تمكنتم منه من الأعمال الصالحة (سبعاً) من النوازل أو الشئون وتذكير العدد لحذف المعدود (هل تنتظرون) أي في ترك المبادرة بالعمل (إلا فقرا منسيا) استثناء من أعم المفاعيل: أي شيئاً من الأشياء المترقبة أو المترجاة، ونسبة النسيان إلى الفقر مجازية لأنه سبب النسيان والذي به تذهل الحافظة عمل أورد فيها، قال إمامنا الشافعي: لو احتجت إلى بصلة ما فهمت مسئلة، وكذا إسناد الإطغاء إلى الغنى في قوله (أو غنى مطغياً) أي يجاوز المرء عن حده ومقامه فيقع به في هوة المخالفات ومهامه المشتبهات (أو مرضا مفسداً) للأجزاء البدنية التي بسلامتها يحصل التمكن من التوجه إلى العبادات بخلافه فيذهل الشخص بما يلقاه من الألم على التوجه لها، ولذا قال ابن عمر: خذ من صحتك لمرضك (أو هرما) عجز خلقي يحصل عند الكبر لا دواء له (مفنداً) أي ينسب به صاحبه لنقص العقل بسبب الهرم: أي يتسبب عنه نقص العقل تارة واختلاله أخرى (أو موتا مجهزا) بإسكان الجيم وكسر الهاء: أي سريعا. قال في «النهاية» : يقال أجهز على الجريح إذا أسرع قتله وحرره (أو الدجال فشر غائب) أي فهو شر غائب (ينتظر) لما يمتحن به العباد، فلا يكادون ينجون من فتنته إلا من عصم الله، فكيف التمكن من صالح العمل (أو الساعة فالساعة أدهى) أي أشد داهية وهي نازلة لا يهتدى لدوائها (وأمرّ) مما ينزل به من مصائب الدنيا. وحاصله أن الصحيح البدن ذا الكفاف المقصر في العبادات المفرّط في تعمير الوقت بصالح العمل مغبون في أمره ندمان في صفقته كما قال «نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس الصحة والفراغ» (رواه الترمذي) في «الزهد» من جامعه (وقال: حديث حسن) وقد تقدم مع شرحه في باب المبادرة إلى الخيرات.

стр. 1093

٦٥٧٩ - (وعنه قال: قال رسول الله: أكثر واذكر هاذم اللذات) قال السيوطى في «حاشيته» على جامع الترمذي بالذال المعجمة: أي قاطعها، وفي التحفة لابن حجر الهيثمي: هو بالدال المهملة: أي مزيلها أي من أصلها، وبالذال المعجمة: أي قاطعها. قال السهيلي: والرواية بالمعجمة اهـ. والعجب أنه غفل عن نقل كلام السهيلي في «شرح المشكاة» مع أنه بذلك المحل أقعد وفيه بعد ذكر إعجام الذال وإهمالها وعليه فهو استعارة تبعية أو بالكناية، شبه وجود اللذات ثم زوالها بذكر الموت ببنيان مرتفع هدمته صدمات هائلة حتى لم تبق منه شيئاً (يعني الموت) هذا تفسير لهاذم اللذات، وفي المشكاة بحذف يعني، وظاهر كلام شارحها أن الموت من جملة الحديث وليس مدرجاً فيه، فإن جوّز فيه الأعاريب الثلاثة بتقدير هو أو أعني أو أعطف بيان أو بدل من هاذم (رواه الترمذي) والنسائي وابن ماجه (وقال حديث حسن) قال في فتح الإله: وسند صحيح على شرطهما اهـ. وفي «الجامع الصغير» حديث «أكثروا ذكر هاذم اللذات» رواه الترمذي والنسائي وابن ماجه وأبو نعيم في «الحلية» من حديث ابن عمر، والحاكم في «المستدرك» ، والبيهقي في «الشعب» من حديث أبي هريرة، ورواه الطبراني في «الأوسط» وأبو نعيم في «الحلية» والبيهقي في «الشعب» من حديث أنس وحديث «أكثروا ذكر هاذم اللذات فإنه لم يذكره أحد في ضيق من العيش إلا وسعه عليه، ولا ذكره في سعة إلا ضيقها عليه» اهـ. رواه البيهقي في «الشعب» وابن حبان من حديث أبي هريرة والبزار من حديث أنس ومن هذا وأمثاله أخذ أئمتنا قولهم: يسنّ لكل أحد من «صحيح» وغيره ذكر الموت بقلبه ولسانه وإلا فبقلبه، والإكثار منه حتى يكون نصب عينيه، فإن ذلك أزجر عن المعصية وأدعى إلى الطاعة كما يدل عليه زيادة «فإنه لم يذكره أحد» الخ. ٧٥٨٠ - (وعن أُبيّ) بضم الهمزة وفتح الموحدة وتشديد الياء (ابن كعب ﵁. قال: كان رسول الله إذا ذهب ثلث) بضم أوليه، وتسكين ثانيه تخفيف (الليل) قال في

стр. 1094

فتح الإله: وفي رواية: ربع الليل. ويجمع بأنه كان يختلف قيامه، فتارة يقدم وتارة يؤخر (قام) أي من نومه (فقال) منبها لأمته من سنة الغفلة محرضا لها على ما يوصلها لمرضاة الله سبحانه من كمال رحمته (با أيها الناس اذكروا الله) أي باللسان والجنان ليَحمِل ما يحصل من ثمرة الذكر على الإكثار من عمل البرّ وترك غيره (جاءت الراجفة) وهي النفخة الأولى التي تضطرب وتتحرك عندها الجبال، قال تعالى: ﴿يوم ترجف الأرض والجبال﴾ (المزمل: ١٤) (تتبعها الرادفة) أي في الواقعة التي تردف الأولى وهي النفخة الثانية وبينهما أربعون سنة، والجملة حال (جاء الموت بما فيه) من الأهوال عند الاحتضار كما جاء في حديث «أنه كان يدخل يده في علبة الماء أو الركوة ويمسح وجهه ويقول: إن للموت سكرات» وفي القبر من فتنته وعذابه وأهواله كما صحّ الأمر بالاستعاذة منها وفي قوله «بما فيه» تفخيم للأمر على السامعين (قلت يا رسول الله إني أكثر الصلاة عليك) فيه جواز ذكر الإنسان صالح عمله إذا أمن نحو العجب لغرض كالاستفتاء هنا المدلول عليه بقوله (فكم أجعل لك من صلاتي؟) أي من دعائي بدليل ما جاء في رواية أخرى «قال رجل: يا رسول الله أريد أجعل شطر دعائي لك» الحديث قال في «فتح الإله» : وبفرض صحة هذا فلا مانع أن يكون وقع له ما وقع لأبي ذر ﵄: أي ما قدر ما أصرفه في الدعاء لك والصلاة عليك؟ وأشتغل فيه عن الدعاء لنفسي؟ وقيل المراد بالصلاة حقيقتها، والتقدير: فكم أجعل لك من ثوابها أو مثله. قال في «فتح الإله» : وفيه نظر، بل السياق يرده لا سيما تفريع «فكم» على ما قبله إذ لا يلتئم مع إرادة الصلاة الحقيقية إلا بمزيد تعسف، وأيضاً فالثواب أمر يتفضل الله به على من يشاء من عباده ويحرمه من يشاء، إذ لا يجب عليه سبحانه لأحد شيء كائناً من كان. وعندنا يمتنع النيابة في التطوّع البدني المحض كالصلاة فلا تجوز ولا إهداء ثواب ذلك (فقال ما شئت) لم يحد له تحديداً بل فرضه لمشيئته حثا له على أنه لو صرف زمن عبادته لنفسه جميعه للصلاة عليه لكان أحرى وأولى، وخوفاً من أنه لوحد له بحد لأغلق عليه باب المزيد (قلت الربع) بالنصب أي أجعل لك الربع وكذا ما بعد (قال: ما شئت، فإن زدت) بالفاء وفي رواية بالواو في الكل (فهو) أي المزيد (خير لك) لزيادة الثواب بزيادته

стр. 1095

بشهادته «فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره» (قلت فالنصف) الفاء فيه عاطفة على ما قبله: أي أجعل لك النصف (قال: ما شئت فإن زدت فهو خير لك. قلت: فالثلثين، قال: ما شئت. فإن زدت فهو خير لك، قلت: أجعل) يحتمل الاستفهام لتناسب ما قبله ويحتمل الإخبار: أي فإذا أجعل (لك صلاتي كلها) إذ ما بقي بعد الثلثين ما يستفهم عن زيادته عليها مما له وقع حتى ينتقل بعده إلى الجملة، فأخبر بذلك لأن الأمر انتهى إليه ووقف عنده، والمعنى: أصرف جميع أوقات دعائي لنفسي للصلاة عليه أو جميع صلواتي وثوابها إليه على ما عرفت (قال: إذن تكفي همك) المتعلق بالدارين بدليل ما جاء في رواية سندها حسن «قال رجل: يا رسول الله أرأيت إن جعلت صلاتي كلها عليك؟ قال: إذن يكفيك الله أمر دنياك وآخرتك» وبفرض صحة هذه الرواية فلا مانع من تعدد القصة وأنها وقعت لأبي ولغيره ووجه كفاية المهمات بصرف ذلك الزمن إلى الصلاة عليه أنها مشتملة على امتثال أمر الله تعالى وعلى ذكره وتعظيمه وتعظيم رسوله، وقد جاء في الحديث القدسي «من شغله ذكرى عن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطي السائلين» ففي الحقيقة لم يفت بذلك الصرف شيء على المصلي، بل حصل له بتعرضه بذلك الثناء الأعظم أفضل ما كان يدعو به لنفسه، وحصل له مع ذلك صلاة الله وملائكته عليه عشراً أو سبعين أو ألفاً كما جاء بذلك روايات، مع ما انضم لذلك من الثواب الذي لا يوازيه ثواب، فأيّ فوائد أعظم من هذه الفوائد، ومتى يظفر المتعبد بمثلها فضلا عن أنفس منها، وأنى يوازي دعاؤه لنفسه واحدة من تلك الفضائل التي ليس لها مماثل ببركته (ويغفر لك ذنبك) لأنه يبارك على نفسك بواسطته الكريمة في وصول كل خير إليك إذ قمت بأفضل أنواع الشكر المتضمن لزيادة الإفضال والإنعام المستلزمين لرضا الحق عنك ومن رضى عنه لا يعذبه (رواه الترمذي وقال: حديث حسن) ورواه عبد بن حميد في «مسنده» وأحمد بن منيع والروياني والحاكم وصححه. ٦٦ - باب استحباب زيارة القبور للرجال القبور: جمع قبر وهو معروف، وهو مما أكرم به بنو آدم، وأول من سنه الغراب حين

стр. 1096

قتل قابيل أخاه هابيل. وقد قيل إن بني إسرائيل أول من أقبر وليس بشيء كذا في لغات المناج، وخرج بالرجال النساء والخناثى فيكره لهم على الصحيح مطلقاً خشية الفتنة وارتفاع أصواتهن بالبكاء نعم يسنّ لهن زيارته. قال بعضهم: وكذا مآثر الأنبياء والعلماء والأولياء، قال الأذرعى: إن صح فأقاربها أولى بالصلة من الصالحين اهـ. وظاهره أنه لا يرتضيه لكن ارتضاه غير واحد بل جزموا به. والحق أن يفصل بين أن تذهب بمشهد كذهابها للمسجد فيشترط فيه ما يشترط ثمة من كونها عجوزاً ليست متزينة بطيب ولا حليّ ولا ثوب زينة كما في الجماعة بل أولى، وأن تذهب في نحو هودج مما يستر شخصها عن الأجانب فيسنّ لها ولو شابة، إذ لا خشية فتنة هنا، ويفرق بين نحو العلماء والأقارب بأن القصد إظهار تعظيم نحو العلماء بإحياء مشاهدهم، وأيضا فزوّارهم يعود عليهم منهم مدد أخروى لا ينكره إلا المجرمون، بخلاف الأقارب. فاندفع قول الأذرعي إن صح الخ، كذا في «التحفة» لابن حجر (وما يقوله الزائر) أي من التحتية والدعاء لهم وما مع ذلك. ١٥٨١ - (عن بريدة) بضم الموحدة وفتح الراء وسكون التحتية بعدها مهملة ثم هاء تأنيث، وهو ابن الحصيب بضم المهملة الأولى وفتح الثانية وسكون التحتية بعدها فموحدة، ابن الحارث الأسلمي. أسلم ﵁ قبل بدر ولم يشهدها، وقيل أسلم بعدها، وشهد خيبر، روى له عن رسول الله ﷺ مائة حديث وسبعة وسبعون حديثاً، منها في الصحيحين أربعة عشر، اتفقا على واحد منها، وانفرد البخاري بحديثين، ومسلم بأحد عشر، روى عنه ابناه والشعبي وأبو المليح الهذلي، سكن المدينة ثم البصرة ثم مرو، وتوفى بها سنة ثنتين أو ثلاث وستين، وهو آخر الصحابة موتاً بخراسان وبقى ولده بها (قال: قال رسول الله: كنت نهيتكم عن زيارة القبور) لقرب عهدهم بالجاهلية وكلماتها القبيحة التي كانوا يألفونها على القبور (فزوروها) نسخ لذلك النهي لما تمهدت القواعد واتضحت الأحكام، فعلموا ما ينفع وما يضرّ، فحينئذ طلبها منهم وعللها كما في رواية أخرى لمسلم بأنها تذكر الآخرة: أي لأنها ترقّ القلوب بذكر الموت وأحواله وما بعده، وأكد في تحفظهم عن عادة الجاهلية كما صح: ألا يقولوا هجرا: أي باطلا لأجل ما في ذلك من التذكير بالآخرة خلاف ما هذا. والقاعدة الأصولية أن الأمر بعد الحظر للإباحة على أنه اعتضد بتكرر زيارته للأموات وبالإجماع على طلبها، بل حكى ابن عبد البرّ عن بعضهم وجوبها، واتفقوا على ندبها للرجال في قبور المسلمين وإن بلوا، لأنه يبقى منه عجب الذنب ولبقاء الروح

стр. 1097

بمحل القبر، وأخذوا من تعليله بأنها تذكر الآخرة قصر استحبابها على من قصد بها التفكر في الموت ومآل الدنيا إلى ماذا؟ مع الترحم والاستغفار والتلاوة والدعاء لهم، وهي لمن كان يعرفهم في الدنيا آكد. وقد قسم المصنف الزيارة إلى أقسام، لأنها إما لمجرد تذكر الموت والآخرة فيكفي رؤية القبور من غير معرفة أصحابها، وإما لنحو الدعاء فيسن لكل مسلم، وإما للتبرك فيسن لأهل الخير لأن لهم في برازخهم تصرفات وبركات لا يحصى مددها. وإما لأداء حق نحو صديق ووالد لخبر أبي نعيم «من زار قبر والديه أو أحدهما يوم الجمعة كان كحجة» ولفظ رواية البيهقي «غفر له وكتب له براءة» وإما رحمة وتأنساً لخبر أنس «ما يكون الميت في قبره إذا رأى من كان يحبه في الدنيا» ولا يسن سفر الرجل لأجل الزيارة إلا لقبر نبيّ أو عالم أو صالح، وشذّ الروياني فقال: يحرم السفر لها في غير ما استثنى (رواه مسلم) أول حديث فيه أشياء كان نهى عنها ثم نسخ ذلك النهي وأباحها، في «الجامع الصغير» «كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروا القبور، فإنها تزهد في الدنيا وتذكر الآخرة» رواه ابن ماجة وابن مسعود، وحديث «كنت نهيتكم عن زيارة القبور ألا فزوروها، فإنها ترقّ القلب وتدمع العين وتذكر الآخرة ولا تقولوا هجراً» رواه الحاكم في «المستدرك» عن أنس اهـ. ٢٥٨٢ - (وعن عائشة ﵂ قالت: كان رسول الله ﷺ كلما) «ما» فيه وقتية، فلذا وصلت بها كل في الخط ونصبت على الظرفية (كان ليلتها) أي باعتبار دور القسم (من رسول الله) متعلق بالليلة لأنها بمعنى النصيب أو بمحذوف أي التي تخصها منه (يخرج) جواب كلما لأنه وإن كان ظرفا فيه معنى الشرط لعمومه وهو العامل فيه وهما خبر كان، وذلك حكاية معنى كلامها لا لفظه، فكأن الراوي قال عن عائشة كان عادته أن يخرج (من آخر الليل إلى بقيع) بالموحدة فالقاف فالتحتية فالمهملة بوزن سميع (الغرقد) بالغين المعجمة والراء والقاف والدّال المهملة وزن جعفر. قال في «النهاية» : هو ضرب من شجر العضاة وشجر الشوك واحدته الغرقدة، ومنه قيل لمقبرة أهل المدينة بقيع الغرقد لأنه كان

стр. 1098

فيها غرقد وقطع (رواه مسلم) وآخره «فيقول: السلام عليكم دار قوم مؤمنين، وأتاكم ما توعدون غدا مؤجلون وإنا إن شاء الله بكم لاحقون، اللهم اغفر لأهل البقيع أهل الغرقد» . ٣٥٨٣ - (وعن بريدة ﵁ قال: كان النبي يعلمهم إذا خرجوا إلى المقابر) جمع مقبرة، ورواه في «المشكاة» «القبور» (أن يقول قائلهم) أن ومنصوبها في تأويل مصدر مفعول يعلمهم وإذا ظرف له، ولا يصح كونه ظرفا ليقول مقدراً قبله يدل عليه منصوب أن المذكورة بعد، نظير ما قيل فى فيه من قوله تعالى: ﴿وكانوا فيه من الزاهدين﴾ (يوسف: ٢٠) أي علمهم قولهم، وفيه يخرجوا إلى القبور ويصلوها (السلام عليكم) أخذ منه أفضلية تعريف السلام على تنكيره والرد على من قال الأولى أن يقال للأموات عليكم السلام لأنهم ليسوا أهلاً للخطاب، والحديث «إن عليك السلام تحية الموتى» وردّ بأن الخطاب لا فرق في النظر إليه بين تقدمه وتأخره على أن الصواب أن الميت أهل للخطاب مطلقاً، لأن روحه وإن كانت في أعلى عليين لها مزيد تعلق بالقبر فيعرف من يأتي، ومن لا كما دل عليه الخبر الصحيح «ما من أحد يمرّ بقبر أخيه المؤمن يعرفه في الدنيا فيسلم عليه إلا عرفه ورد ﵇» والحديث إخبار عن عادتهم في الجاهلية لا تعليم لهم، أو المراد بالموتى كفار الجاهلية: أي تحية موتى القلوب فلا تفعلوه (أهل الديار) بالنصب على الاختصاص وهو الأصح، أو النداء وأيد بوروده في رواية أخرى «يا أهل الديار» فكانت تلك قرينة على إرادة النداء هنا وتقدير أداته وترجيحه على الاختصاص وإن كان أفصح وبالجر بدل من كم، والمراد بالديار القبور، وسميت بذلك لأنها للموتى من حيث اجتماعهم كالديار للأحياء (من المؤمنين والمسلمين) بيان لأهل الديار ولللاحتراز عمن قد يكون في المقبرة من خارج عن

стр. 1099

الملة من الجاهلية (وإنا إن شاء الله) أتى به للتبرك امتثالا للآية أو تعليق بالنظر للحوق بهم في هذا المكان بعينه أو للموت على الإسلام أو أنّ إن فيه بمعنى إذ كما قيل به في قوله تعالى: ﴿وخافون إن كنتم مؤمنين﴾ (آل عمران: ١٧٥) (بكم للاحقون نسأل الله) استئناف على طريقة أسلوب الحكيم، فإنهم لما سلموا عليهم ودعوا لهم خبروا أنهم لاحقون بهم، قال لسان حالهم: جئتمونا فلم لا تدعوا لنا بدعاء جامع وتشركوا أنفسكم فيه معنا كما هو السنة؟ فقالوا نسأل الله (لنا ولكم العافية) وهي الأمن من مكره (رواه مسلم) في الجنائز، رواه أبو داود في رواية أبي الحسن بن العبد عنه لا في رواية أبي القاسم، ورواه النسائي وابن ماجه. ٤٥٨٤ - (وعن ابن عباس ﵄ قال: مرّ رسول الله ﷺ بقبور بالمدينة، فأقبل عليهم بوجهه) ضمير المذكرين العقلاء باعتبار من فيها من الأموات بتغليبهم على من سواهم. ويؤخذ منه سنّ استقبال وجه الميت بوجه الزائر حال السلام عليه، وظاهر الحديث استمرار ذلك حال الدعاء أيضاً وعليه العمل كما قالوه، لكن السنة عندنا أنه حال الدعاء يستقبل القبلة كما علم ذلك من أحاديث أخرى في مطلق الدعاء، وقدمت على هذا الحديث لاحتمال أنه إنما أقبل بوجهه حال السلام، قال أصحابنا: ويسنّ التأدب مع الميت حال زيارته كما كان يفعل معه حال حياته أي ولو تقديراً بأن أدرك زمنه (فقال: السلام على أهل القبور، يغفر الله لنا ولكم) وقدم نفسه اهتماما وفيما مرّ إعلاما بأن من أدب الداعي للغير أن يشرك فيه نفسه وأن يقدمها لحديث «ابدأ بنفسك» (أنتم سلفنا) قيل هو مجاز من سلف المال فكأنه أسلفه وجعله ثمنا للأجر المقابل لصبره عليه، وقيل حقيقة لأن سلف الإنسان من مات قبله ممن يعزّ عليه وبهذا سمى الصدر الأول من الصحابة وتابعيهم وتابعي تابعيهم بالسلف الصالح، ومن خص اسم السلف بالتابعين فقد أبعد، والذي دل عليه كلامهم في مواضع ما ذكرنا، وضابطه القرون الثلاثة التي شهد بخيريتها (ونحن

стр. 1100

بالأثر) بفتحتين أو بكسر ففتح: أي ميتون عن قريب، إذ كل آت قريب (رواه الترمذي، وقال: حديث حسن) وسكت المصنف عن وصف الترمذي له بالغرابة أيضا كما يفعله كثيراً، لأنه يرى أن ذلك لا يضرّ في حسن الحديث وحجيته لأنها غرابة نسبية. ٦٧ - باب كراهية تمني الموت بسبب ضر نزل به .. بتخفيف التحتية مصدر كره (تمنى الموت) مفعول كراهية فهو مصدر مضاف لمفعوله والفاعل محذوف: أي كراهية الشارع تمنى الموت. ويحتمل أن يكون مصدراً مبنياً للمجهول كحديث «أمر بقتل الأسود ذي الطفيتين» أي بأن يقتل فيكون مضافاً لمرفوعه النائب عن الفاعل (بسبب ضرّ نزل به) الضرّ بضم الضاد المعجمة وهو كما في المصباح الفاقة والفقر اسم وبفتحها مصدر ضرّه يضرّه من باب قتل: إذا فعل به مكروها اهـ. وحينئذ فيقاس كراهية تمني الموت بسبب الأمراض والجراحات على ما صرح به في الترجمة من كراهيته بسبب الفقر والفاقة بجامع عدم الصبر في كل أحكام المولى سبحانه، والجملة الفعلية في محل الصفة، وفي التعبير بذلك إيماء إلى استحباب لجأ من نزلت به إلى مولاه في كشفها عنه وإنجائه منها، لأن ذلك مطلوب في النوازل (ولا بأس به) كلمة تدل على الإباحة، بل قال جمع باستحباب تمنيه، ونقلوه عن الشافعي وعمر بن عبد العزيز وغيرهما (لخوف الفتنة في الدين) ومن قال بالإباحة استند إلى عدم ورود الأمر بتمنيه حالتئذ وقد رد من جاءه مسلماً في قصة الحديبية إلى الكفار لاشتراطهم ذلك مع أنهم إنما فروا خوف الفتنة في الدين، فلو استحب تمنيه لدلهم. ١٥٨٥ - (عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: لا يتمنى) بالرفع كما هو في كتب الحديث فهو خبر بمعنى النهي كـ «لا يمسه إلا المطهرون» أو بالجزم على بابه، وأثبت

стр. 1101

حرف العلة فيه على لغة شهيرة فيه، والأوّل أبلغ لإفادته أن من شأن المؤمن انتفاء ذلك عنه وعدم وقوعه منه بالكلية لما يأتي (أحدكم الموت) أي لضرّ نزل به كما يأتي في أحاديث الباب، وإنما نهى عن تمنيه، لأنه (إما) أن يكون (محسنا) أي مطيعاً لله تعالى قائماً بوظائف الواجبات والمندوبات أو الواجبات فقط (فلعله) إذا طال عمره وهو على هذا الكمال (يزداد) أي خيراً كثيراً، فلا ينبغي له وهو على مدرج التزوّد للآخرة والاستكثار من حيازة ثواب الأعمال الصالحة أن يتمنى ما يمنعه عن البرّ والسلوك لطريق الله تعالى وزيادة رضاه وقد ورده «خياركم من طال عمره وحسن عمله» أي أنه يزداد الترقي في زيادة الأعمال المزيدة في القرب من الله تعالى فكيف يسأل قطع ذلك (وإما) أن يكون (مسيئاً فلعله يستعتب) أي يرجع إلى الله سبحانه بالتوبة وردّ المظالم وتدارك الفائت وطلب عتبى الله تعالى: أي رضاه عنه، فالعتبى والإعتاب: الإرضاء، ولعل فيهما لمجرد الرجاء وكثر مجيئها له إذا صحبه تعليل نحو ﴿واتقوا الله لعلكم تفلحون﴾ (البقرة: ١٨٩) (متفق عليه، وهذا لفظ البخاري) في آخر حديث أوله «لن يدخل أحداً عمله الجنة، قالوا: ولا أنت يا رسول الله قال: إلا أن يتغمدني الله بفضل ورحمة فسددوا وقاربوا ولا يتمنى» الحديث أخرجه في كتاب المرضى. (وفي رواية مسلم، عن أبي هريرة ﵁ عن رسول اللُّه قال: لا يتمنى أحدكم) أي الواحد منكم، وكونه من ألفاظ العموم إنما هو إذا تقدمه نفى أو ما في معناه (الموت) والفعل يحتمل الرفع والجزم كما تقدم، ويؤيد الثاني قوله (ولا يدع به) فإنه مجزوم والأصل تناسب المتعاطفات في الخبر والإنشاء، وإن كان المختار جواز عطف الإنشاء على الخبر وعكسه وحينئذ فيكون في الحديث الجمع بين لغتين حذف حرف العلة للجازم وإثباته (من قبل أن يأتيه) وقوله (إنه) يصح فتحها تعليلا وكسرها استئنافا على أن الثاني لا ينافي الأول، والضمير يرجع إلى فاعل يتمنى (إذا مات انقطع عمله) في رواية «أمله» وهما متقاربان إذ المراد بالأمل ما يطمع فيه من ثواب العمل الذي يستكثر منه لو بقي والأمل كذلك ممدوح والمذموم من الأمل الذي يحمل على بطر أو فتور عن صالح العمل (وإنه) أي الشأن (لا

стр. 1102

يزيد المؤمن عمره) أي طوله (إلا خيراً) كثيراً لأن صدق إيمانه يحمله على استكثار صالح العمل سيما في آخر عمره. ٢٥٨٦ - (وعن أنس ﵁ قال: قال رسول الله: لا يتمنين) هذا يؤيد لكون يتمنى في الروايتين قبله مجزوماً جاء على لغة من أثبت حرف العلة مع الجازم (أحدكم الموت لضرّ أصابه) أي في دنياه لما تقدم عن المصباح، ويقاس به تمنيه لضر أصابه في بدنه، وإنما كره تمنيه حينئذ لأنه يشعر بعدم الرضا بالقضاء بخلافه عند عدمه (فإن كان لا بد فاعلاً) أي لا غنى له عن فعل التمني لغلبة نفسه وهواه عليه حتى منعاه من اجتناب المنهيّ عنه (فليقل: اللهم أحيني ما كانت الحياة) أي مدة كونها (خيرا لي) من الموت لاستكثاري فيها من صالح العمل من غير فتنة ولا محنة (وتوفني إذا كانت الوفاة خيراً لي) من الحياة لخوف فتنة أو تثبيط عن العمل، فيسن للمتمني قول ذلك لأنه تيقظ به من سنة الغفلة الحاملة على التمني، ولأن الله هو العالم بحقائق الأمور وعواقبها، وغاير بين الأسلوبين بما المصدرية الظرفية وإذا الشرطية لأن المراد بالحياة زمنها الذي يبقى وبالموت وجوده القاطع لذلك الزمن (متفق عليه) أخرجه البخاري في الطب ومسلم في الدعوات. ٣٥٨٧ - (وعن قيس) بفتح القاف وسكون التحتية (ابن أبي حازم) بالمهملة والزاي واسمه عبد بن عوف بن الحارث، وقبل عوف الأحمسي بالمهملتين البجلي الكوفي التابعي الجليل المخضرم، أدرك الجاهلية وجاء ليبايع النبي فتوفي النبي وهو بالطريق وأبوه صحابي. روى عن جمع من الصحابة منهم العشرة وليس في التابعين من روى عن العشرة غيره. وقال أبو داود السجستاني: روى عما عدا ابن عوف منهم توفي سنة أربع وثمانين،

стр. 1103

وقيل سبع وقيل ثمان اهـ من «التهذيب» للمصنف (قال: دخلنا على خباب) بفتح المعجمة وتشديد الموحدة الأولى بينهما ألف (ابن الأرتّ) بتشديد الفوقية تقدمت ترجمته ﵁ في باب الصبر (نعوده) جملة مستأنفة لبيان سبب دخوله عليه وإتيانه بالنون لعله لكونه مع غيره (وقد اكتوى) أي بالنار (سبع كيات) جملة حالية من خباب: أي اكتوى سبع كيات في سبع مواضع من بدنه، وهو نافع مجرب لبعض الأمراض والنهي عنه محمول على من ينسب الشفاء إليه كالجاهلية بخلاف من يراه سبباً، وأن الله الشافي أو على أنه إرشاد للتوكل الأفضل كما حمل عليه حديث «لا يسترقون ولا يكتوون» (فقال: إن أصحابنا الذين سلفوا) أي ماتوا وسلفوا إلى حضرة الحق سبحانه (مضوا) أي ذهبوا من الدنيا (ولم تنقصهم الدنيا) شيئاً مما لهم من المراتب المعدة لهم في الآخرة لأنهم لم يتمتعوا بشيء من مستلذات الدنيا فيكون ذلك منقصا لهم مما أعد لهم في الآخرة، بل انتقلوا وأجورهم موفورة كاملة، وإسناد النقص إلى الدنيا مجاز عقلي من الإسناد إلى السبب: أي لم ينقصه الله شيئاً من درجاته بسبب الدنيا (وإنا) يعني نفسه وأرباب اليسار من الصحابة الذين نالوا من الغنائم وفاض فيهم العطاء (أصبنا مالا) جاء عند الترمذي عنه «لقد رأيتني مع رسول الله ﷺ لا أملك درهما، وإن في جانب بيتي الآن أربعين ألف درهم» الحديث (لا نجد له موضعا) لزيادته على الحاجة (إلا التراب) أي يدفن فيه ليحفظ من أيدي نحو السراق ففيه جواز دفن المال: أي إذا أعطى حق الله الواجب فيه، أو المراد البناء به ليحصل ريع ذلك بالأجر ونحوها، وعليه اقتصر الشيخ زكريا في «تحفة القاري» (ولولا أن النبيّ نهانا أن ندعو بالموت) ظاهره العموم حتى ولو كان لخوف الفتنة في الدين وكأنه سمع النهي مطلقاً كما في أوّل أحاديث الباب، ويدل له ما يأتي عند الترمذي وإن كان يحتمل أنه من تضرره بألم الكي (لدعوت به، ثم أتيناه مرة أخرى وهو يبني حائطاً) أي جداراً كما في النهاية (له فقال: إن المسلم ليؤجر في كل شيء ينفقه) أي من المال طلباً لمرضاة الله سبحانه (إلا في شيء) بدل من المجرور قبل بإعادة الجار، وهذا باعتبار المعنى أي ما

стр. 1104

ينقص ثوابه في كل شيء ينفقه إلا في شيء، وإلا فالمستثنى من كلام تام موجب يجب نصبه ولا يجوز فيه الإبدال (يجعله في هذا التراب عبر في هذا بالجعل لأن الإنفاق إنما يستعمل فيما كان في القرب واستعماله في غيره مجاز، وهذا من كمال خباب ومزيد عرفانه بمولاه فاشتد اتهامه لنفسه ونظره لها بعين النقص، وخشي بمراقبته لمولاه أن يكون ما هو فيه من تلك الدنيا استدراجا، ومن حاسب نفسه قبل أن يحاسب أمن وقت الخوف (متفق عليه. وهذا لفظ رواية البخاري) ولفظ رواية مسلم «دخلنا على خباب وقد اكتوى سبع كيات في بطنه فقال: لولا أن رسول الله ﷺ نهانا أن ندعو بالموت لدعوت به» وقد روى أحمد والترمذي الحديث عن حارثة بن مصرف قال «دخلت على خباب وقد اكتوى سبعا فقال: لولا أني سمعت رسول الله ﷺ يقول: لا يتمنينّ أحدكم الموت لتمنيته، ولقد رأيتني مع رسول الله ﷺ ما أملك درهما، وإن في جانب بيتي الآن أربعين ألف درهم، ثم أني بكفنه. فلما رآه بكى وقال: لكن حمزة لم يوجد له كفن له إلا بردة ملحاء. إذا جعلت على رأسه قلصت عن قدميه، وإن جعلت على قدميه قلصت عن رأسه حتى مدت على رأسه وجعل على قدميه الإذخر» وليس عند الترمذي «ثم أتى بكفنه الخ» وقد تقدم له نحو هذا الحديث ليس فيه الكيّ وتمنى الموت عن البخاري في باب فضل الزهد في الدنيا. ٦٨ - باب الورع هو عند العلماء ترك ما لا بأس به حذراً مما به بأس، وفي شرح الرسالة القشيرية للشيخ زكريا هو ترك الشبهات وهو الورع المندوب ويطلق على ترك المحرمات وهو الورع الواجب اهـ (وترك الشبهات) بضم أوليه وبضم ففتح خفيف جمع شبهة بضم فسكون كظلمات بالوجهين جمع ظلمة كما تقدم وهو ما لم يتضح وجهاً حله وحرمته. (قال الله تعالى: وتحسبونه هينا) أي سهلاً لا تبعة فيه (وهو عند الله عظيم) أي إثما

стр. 1105

وجرماً، والآية وإن نزلت في قصة الإفك لكن المصنف استشهد بذلك فيما عقد له الترجمة، لأن سائر المآثم وإن كان بعضها صغيرة هي بالنظر إلى جراءة مرتكبها على الحدود الإلهية عند الله الله عظيم وزرها، وفي «الصحيح» مرفوعا «لا أحد أغير من الله من أجل ذلك حرم الفواحش» . (وقال الله تعالى) : ( ﴿إن ربك لبالمرصاد﴾ ) هو مكان يترقب فيه الرصد وهذا تمثيل لإرصاده لعباد بالخير فإنهم لا يفوتونه، وعن ابن عباس: يرصد خلقه فيما يعملون. ١٥٨٨ - (وعن النعمان) بضم النون وسكون العين المهملة (ابن بشير) بفتح فكسر فتحتية ساكنة تقدمت ترجمته ﵄ في باب المحافظة على السنة (قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: إن الحلال بين) أي ما أحلّ ظهر حليته بأن ورد نص على حله أو مهد أصل يمكن استخراج الجزئيات منه كقوله تعالى: ﴿خلق لكم ما في الأرض جميعاً﴾ (الفجر: ١٤) فإن اللام للنفع، فعلم منه أن الأصل ما فيه الحلّ إلا أن يثبت ما يعارضه (وإن الحرام بين) أي ما حرم واضح حرمته بأن ورد نص على تحريمه كالفواحش والمحارم وما فيه حدّ أو عقوبة أو مهد أصل مستخرج منه ذلك، كقوله «كل مسكر حرام» (وبينهما) أي البين من الأمرين (مشتبهات) لوقوعها بين أصلين ومشاركتها لأفراد كل منهما، فلكونها ذات جهة إلى كل منهما لم يجز أن تعدم البين عن أحدهما (لا يعلمهنّ كثير من الناس) لتعارض الأمارتين، والجملة صفة مشتبهات، ولم يقل كل الناس لأن العلماء المحققين لا يشتبه عليهم ذلك، فإذا تردد ذلك بين الحلّ والحرمة ولم يكن نص أو إجماع اجتهد فيه المجتهد فألحقه بأحدهما بدليل شرعي، وإذا لم يبق له شيء فالورع تركه. وقد اختلف العلماء في المشتبهات المشار إليها في هذا الحديث فقيل حرام لقوله: فمن اتقى الشبهات الخ، قالوا: ومن لم يستبرىء لعرضه ودينه فقد وقع في الحرام. وقيل هي حلال بدليل قوله: كالراعي يرعى حول الحمى، فدل على أنه لابس الحرام المرموز عنه بالحمى، وأن الترك ورع وتوقفت طائفة (فمن اتقى الشبهات) أي من احترز وحفظ نفسه عنها (فقد

стр. 1106

استبرأ) أي طلب البراءة أو حصلها (لدينه) من ذم الشرع (وعرضه) من وقوع الناس فيه لاتهامه بمواقعة المحظورات إن واقع الشبهات. وقيل المراد بالعرض البدن: أي طهر دينه وبدنه، وقيل المراد به موضع المدح والذم من الإنسان سواء في نفسه أو سلفه، ولما كان موضعها النفس حمل عليها من إطلاق المحل على الحال واستبرأ من برىء من الدين والعيب، فأطلق العلم بالحصول وأراد الحصول أو طلب براءته، فالسين فيه للتأكيد على الأوّل لا للطلب إذ الطلب لا يستلزم به الحصول وعلى الثاني للطلب (ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام) لأن من سهل على نفسه ارتكاب الشبهة أو صله الحال متدّرجا إلى ارتكاب المحرمات المقطوع بحرمتها أو ارتكب المحرّمات لأن ما ارتكبه ربما كان حراماً في نفس الأمر فيقع فيه (كالراعي يرعى حول الحمى) هو ما حمى من الأرض لأجل الدواب، ويمنع دخول الغير وهذا غير جائز إلا لله ورسوله لحديث «لا حمى إلا الله ورسوله» (يوشك) بضم التحتية وكسر المعجمة: أي يسرع (أن يرتع فيه) أي في ذلك الحمى بناء على تساهله في المحافظة وجراءته على الرعي. ثم نبه بكلمة «ألا» على أمور خطرة في الشرع في ثلاثة مواضع إرشاداً إلى أن كل أمر دخله حرف التنبيه له شأن ينبغي أن يتنبه له المخاطب ويستأنف الكلام لأجله فقال (ألا) وهي مركبة من همزة الاستفهام وحرف النفي فيفيد التنبيه على تحقيق ما بعدها، وإلا فأداة التحقيق لا تقع الجملة بعدها إلا مصدرة بما يتلقى به القسم (وإن لكل ملك حمى) يمنع الناس عنه ويعاقب عليه والواو عاطفة على «أنبه» مقدر المشير إليه أداة التنبيه. وقال الكازروني: إنه معطوف على لفظ الإنباه، قال: على أنه يفهم من لفظ ألا أنبه ومن قوله إن لكل ملك حمى أحقق، فبهذا التأويل صح العطف إذ عطف الجملة على المفرد لا يستقيم إلا باعتبار أن يتضمن المفرد معنى الفعل كما في ﴿فالق الإصباح وجاعل الليل﴾ (الأنعام: ٩٦) والأولى أن يقال الواو استئنافية دالة على انقطاع ما بعدها عما قبلها (ألا وإن حمى الله محارمه) وهي المعاصي فمن دخلها بالتلبس بشيء منها استحق العقوبة، شبه المحارم من حيث إنها ممنوع التبسط منها بحمى السلطان. ولما كان التورّع والتهتك مما يتبع سلامة القلب وفساده نبه على ذلك بقوله (ألا إن في الجسد مضغة) أي قطعة من اللحم قدر ما يمضغ (إذا صلحت) بفتح اللام أفصح من

стр. 1107

ضمها: أي بالإيمان والعلم والعرفان (صلح الجسد كله) بالأعمال والأخلاق والأحوال، وما أحسن قول من قال: وإذا حلت العناية قلباً نشطت في العبادة الأعضاء (وإذا فسدت) بفتح السين المهملة وضمها، والرواية بالاوّل: أي تلك المضغة بالجحود، والشك والكفران (فسد الجسد كله) بالفجور والعصيان (ألا وهي) أي المضغة الموصوفة بما ذكر (القلب) فهو الملك والأعضاء كالرعية، وهذا الحديث أصل عظيم من أصول الشريعة قال أبو داود السجستاني: الإسلام يدور على أربعة أحاديث ذكر منها هذا الحديث وأجمع العلماء على عظم موقعه وكثرة فوائده (متفق عليه. روياه) أي في مواضع من صحيحيهما (من طرق) جمع طريق وهي رجال السند (بألفاظ متقاربة) بالقاف والراء: أي بعضها يقرب من بعض من حيث المعنى، وفي نسخة بالفاء والواو: أي من جهة المبنى، فرواه البخاري في الإيمان عن أبي نعيم عن زكريا بن أبي زائدة عن الشعبي عن النعمان باللفظ الذي ساقه المصنف، ورواه في البيوع عن عليّ بن عبد الّله بن محمد كلاهما عن سفيان بن عيينة، وعن محمد بن كثير عن سفيان الثوري كلاهما عن أبي فروة الهمداني، وعن محمد ابن المثنى عن ابن أبي عديّ عن عبد الله بن عون كلاهما عن الشعبي عن النعمان بلفظ «الحلال بين والحرام بين وبينهما أمور مشتبهة، فمن ترك ما شبه عليه من الإثم كان لما استبان أترك، ومن اجترأ على ما يشك فيه من الإثم أو شك أن يواقع ما استبان، والمعاصي حمى الله من يرتع حول الحمى يوشك أن يواقعه» ورواه مسلم في «البيوع» عن محمد بن عبد الله بن نمير عن أبيه، وعن أبي بكر بن أبي شيبة عن وكيع، وعن إسحاق ابن إبراهيم عن جرير عن مطرف وأبي فروة، وعن عبد الله بن شعيب بن الليث عن أبيه عن جده عن خالد بن يزيد عن معبد بن أبي هلال عن عون بن عبد الله بن عتبة، وعن قتيبة عن يعقوب بن عبد الرحمن عن محمد بن عجلان عن عبد الرحمن بن سعيد أربعتهم عن الشعبي عن النعمان كذا في «الأطراف» للمزي. قلت: وأورده مسلم في «صحيحه» من طريق ابن نمير عن أبيه عن زكريا عن

стр. 1108

الشعبي عن النعمان، ولم أر في نسختي من «الأطراف» ذكر زكريا بين ابن نمير والشعبي في هذا الإسناد في «الصحيح» باللفظ الذي أورده المصنف عنه، ثم بعد إيراده ذكر طريقيه عن ابن أبي شيبة وإسحاق ابن إبراهيم عن عيسى. بن يونس عن زكريا وقال بهذا الإسناد مثله، وأخرجه عن إسحاق أيضاً عن جرير عن مطرف وأبي فروة، وأخرجه عن قتيبة عن يعقوب، ابن عبد الرحمن القاري عن ابن عجلان عن عبد الرحمن بن سعيد القاري عن الشعبي عن النعمان عن النبيّ بهذا الحديث، إلا أن حديث زكريا أتم من حديثهم وأكثر، وذكر حديث عبد الملك بن شعيب بن الليث «الحلال بين والحرام بين» وذكر مثل حديث زكريا عن الشعبي إلى قوله «يوشك أن يقع فيه» هذه ألفاظ الحديث وطرقه في «الصحيحين» ، وقد رواه أبو داود الترمذي وقال: حسن صحيح والنسائي كلهم في البيوع، ورواه ابن ماجه في الفتن ومداره عند الجميع على الشعبي عن النعمان. ٢٥٨٩ - (وعن أنس ﵁ أن النبيّ وجد تمرة في الطريق) أي كائنة فيه (فقال: لولا) امتناعية (أنى أخاف أن تكون من الصدقة لأكلتها) أن ومعمولاها في تأويل مصدر مبتدأ والخبر محذوف: أي خوفي من كونها من تمر الصدقة موجود لأكلتها والمراد الصدقة التي لم تنته إلى محلها، وإلا ففي قصة برمة بريرة بما تصدق عليها من الشاة قوله «هو لها صدقة ولنا هدية» وقد خص بحرمة قبول الصدقة الواجبة والمندوبة، وحكمته أنها تنبىء عن ذلّ الآخذ وعزّ الباذل، وقد قال «اليد العليا» أي المعطية «خير من اليد السفلى» أي الآخذة. ويؤخذ من الحديث. جواز تملك وأكل ما يجده الإنسان في الأرض من الحقير الذي يعرض عنه غالباً وإن كان متمولاً للعلم بقرائن الأحوال المفيدة للقطع في مثل ذلك أن مالكه أعرض عنه وسامح آخذه، ومن ثم رأى عمر ﵁ رجلاً ينادي على عنبة التقطها فضربه بالدرة وقال: إن من الورع ما يمقت الله عليه: أي لأن الغالب من حال فاعل ذلك أنه إنما يقصد به الرياء والسمعة وإظهار الورع والتعفف.c ويؤخذ من الحديث أنه ينبغي للإنسان إذا شك في إباحة شيء ألا يفعله، لكن هل الترك حينئذ واجب أو مندوب؟ تقدم فيه الخلاف في حديث النعمان، وكلام أئمتنا مصرّح بالثاني لأن الأصل الإباحة والبراءة الأصلية ما لم تعلم جهة محرمة قبل ذلك في شيء بعينه ويشك في زوالها، كأن يشك في شرط من شروط الذبح المبيح هل وجد أم لا، لأن الأصل حينئذ بقاء الحرمة فلا يحلّ إلا بيقين، ثم لا يرعى من الاحتمال في ذلك إلا القريب لأن الظاهر أن تمرّ الصدقة

стр. 1109

كان موجودا إذ ذاك، أما الاحتمال البعيد فتؤدي مراعاته إلى التنطع المذموم والخروج عما عرف من أحوال السلف، فقد أتى بجبنة وجبة فأكل ولبس ولم ينظر لاحتمال مخالطة الخنزير لهم ولا إلى صوفها من مذبوح أو ميتة، ولو نظر أحد للاحتمال المذكور لم يجد حلالاً على وجه الأرض، ومن ثم قال أصحابنا: لا يتصوّر الحلال بيقين إلا في ماء المطر النازل من السماء المتلقي باليد (متفق عليه) رواه مسلم في كتاب «الزكاة» . ٣٥٩٠ - (وعن النوّاس) بفتح النون وتشديد الواو آخره سين مهملة (ابن سمعان) بكسر السين وفتحها ابن خالد بن عمرو بن قرط بن عبد الله بن أبي بكر بن كلاب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة العامري الكلابي، ووقع في «صحيح مسلم» أنه أنصاري وحمل على أنه حليف لهم ﵁ الأولى عنهما لأن لأبيه وفادة كذا في «الفتح المبين» ، وكأن اقتصار المصنف عليه دون أبيه لأن ذلك قول ضعيف كما أشار إليه الأثير بقوله في «أسد الغابة» : يقال إن أباه وفد على النبيّ فدعا له النبيّ، وأهدي إلى النبيّ نعلين فقبلهما، وزوّج أخته من النبيّ، فلما دخلت على النبيّ تعوّذت منه فتركها وهي الكلابية وفي المتعوذة خلاف كبير اهـ. وهو صريح في أن المتعوذة عمة النوّاس وبه يدفع قول ابن حجر في «الفتح المبين» : تزوّج النبي أخت النوّاس وهي المتعوذة إلا إن كان ذلك على قول آخر، روى للنواس عن النبيّ سبعة عشر حديثاً، روى منها مسلم ثلاثة، وروى له أصحاب السنن. وقال الكازورني في «شرح الأربعين» : كان من أصحاب الصفَّة وسكن الشام (وعن النبي قال: البر) وهو لمقابلته بالفجور: عبارة عما اقتضاه الشرع وجوبا كما أن الإثم عما نهى عنه الشرع وجوبا أو ندبا، وتارة يقابل بالعقوق فيكون عبارة عن الإحسان كما أن العقوق عبارة عن الإساءة، من بررت فلاناً بالكسر أبرّه برّا فأنا برّ بفتح أوله، وبارّ وجمع الأوّل أبرار والثاني بررة (حسن الخلق) أي معظم البر حسن الخلق: أي التخلق فالحصر فيه مجازي كما في قوله «الحج عرفة» و «الدين النصيحة» والمراد من الخلق المعروف الذي هو طلاقة الوجه وكف الأذى وبذل الندى وأن يحب للناس ما يحب

стр. 1110

لنفسه، وهذا راجع لقول بعضهم: هو الإنصاف في المعاملة والرفق في المجادلة والعدل في الأحكام والبذل والإحسان في اليسر والإيثار في العسر وغير ذلك من الصفات الحميدة (والإثم) أي الذنب كما علم من تعريفه وهمزته عوض من الواو كأنه يتم الأعمال: أي يكسرها بإحباطه (ما حاك) أي تردد وتحرك وقيل أي رسخ وأثر (في نفسك) اضطراباً وقلقاً ونفوراً وكراهية لعدم طمأنينتها ومن ثم لم يرض بالاطلاع عليه كما قال (وكرهت أن يطلع عليه الناس) أي وجوههم وأشرافهم إذ المطلق ينصرف للفرد الكامل، والمراد الكراهية العرفية الجازمة لا العادية فقط ككراهة أن يرى آكلاً من حياء أو بخل، ولا غير الجازمة كمن يكره أن يركب بين مشاة تواضعاً فإنه لو رؤى كذلك لم يكره. وقد تبين من الحديث أن للاثم علامتين، وفيه أن للنفس شعوراً من أصل الفطرة بما تحمد وتندم عاقبته ولكن غلبت عليها الشهوة فأوجبت لها الإقدام على ما يضرّها، فإذا عرفت هذا اتضح لك وجه كون التأثير في النفس علامة للإثم لأنه لا يصدر إلا لشعورها بسوى عاقبته، ووجه كون كراهة اطلاع الناس على الشيء دليل الإثم أن النفس بطبعها تحب اطلاع الناس على خيرها وبرّها وتكره ضد ذلك، فكراهتها اطلاع الناس على فعلها ذلك يدل على أنه إثم، ثم هل كل منهما علامة مستقلة على الإثم من غير احتياج إلى الأخرى أولا؟ بل كل جزء علامة، والعلامة الحقيقية مركبة منهما كل محتمل وحينئذ فما وجد فيه العلامتان معا فإثم قطعا كالرياء والزنا وما انتفيتا متلازمتان لأن كراهة النفس تستلزم كراهة اطلاعهم وعكسه، والحديث مخصوص بغير مجرد خطور المعصية ما لم يعمل أو يتكلم (رواه مسلم) وهو من جوامع كلمه بل من أوجزها، إذ البرّ كلمة جامعة لجميع أفعال الخير وخصال المعروف، والإثم كلمة جامعة لجميع أفعال الشرّ والقبائح كبيرها وصغيرها، ولذا قابل بينهما (حاك بالحاء المهملة والكاف: أي تردد فيه) الأولى «فيها» أي النفس. ٤٥٩١ - (وعن وابصة) بكسر الموحدة بعدها مهملة (ابن معبد) بفتح الميم والموحدة وسكون العين المهملة وبالدال المهملة بن مالك بن عبيد الأسدي من أسد بن خزيمة، قاله

стр. 1111

ابن عبد البر وقيل غير ذلك في نسبه ﵁ قدم على رسول الله ﷺ في عشرة رهط من قومه بني أسد بن خزيمة سنة تسع فأسلموا ورجع إلى بلاده، ثم نزل الجزيرة وسكن الرقة ودمشق ومات بالرقة ودفن عند منارة جامعها، روى له عن النبي أحد عشر حديثاً روى عنه ابناه عمرو وسالم والشعبي وغيرهم، وكان كثير البكاء لا يملك دمعته وله عقب بالرقة (قال: أتيت رسول الله ﷺ فقال) من باب الإخبار بالغيوب من جملة معجزاته الكبرى (جئت تسأل عن البرّ) جملة حالية من الضمير (قلت: نعم، قال: استفت قلبك) أي اطلب الفتوى منه، وفيه إيماء إلى بقاء قلب المخاطب على أصل صفاء فطرته وعدم تدنسه بشىء من آفات الهوى الموقعة فيما لا يرضى، ثم بين نتيجة الاستفتاء وأن فيه بيان ما سأل عنه فقال (البرّ ما اطمأنت إليه النفس واطمأن إليه القلب) أي نفسه وقلبه إن كان من أهل الاجتهاد، وإلا فليسأل المجتهد فيأخذ ما اطمأنت إليه نفسه وسكن إليه قلبه، فإن لم يوجد شيء من ذلك فليترك ما التبس عليه من مطلوبه ولم يدر حله وحرمته. والقلب القوة المودعة في الجزء الصنبوري المسمى بالقلب أيضاً، والنفس لغة: حقيقة الشيء، واصطلاحاً: لطيفة في البدن تولدت من ازدواج الروح بالبدن واتصالهما معاً (والإثم ما حاك في النفس) أي في نفس المجتهد، ولم يستقرّ حله عنده (وتردد في الصدر) ولم ينشرح له (وإن أفتاك الناس) أي غير أهل الاجتهاد من أولى الجهل والفساد وقالوا لك إنه حق، فلا تأخذ بقولهم لأنه قد يوقع في الغلط وأكل الشبهة أو مطلق الناس فيشمل ما أفتى فيه المفتي بالحلّ في ظاهر الحكم الشرعي، والورع تركه، وذلك كمعاملة من أكثر ماله حرام فلا يأخذ منه شيئاً ولا يعامله، وإن أباح المفتي معاملته لعدم تعين ما يأخذه منه للحرام، فلا يأخذه ورعا لاحتمال كونه الحرام في نفس الأمر. قال الكازروني: ولأن الفتوى غير التقوى، وجملة «وإن أفتاك الخ» معطوفة على مقدر: أي إن لم يفتك الناس وإن أفتاك وقوله (وأفتوك) هو بمعنى ما قبله كرر للتأكيد والحاصل أن فيه الأمر بترك الشبهات التي تحصل للنفوس المعتد بها الحرارة عند تناولها وأخذها خشية أن تكون حراماً في نفس الأمر، وتقدم أن محل ذلك إذا كان عن مستند قريب يعتد بمثله شرعا وإلا فمراعاة ذلك تنطع (حديث حسن) قال في «الفتح المبين» : بل «صحيح» (رواه أحمد) يعني ابن حنبل الشيباني الإمام المشهور أفردت

стр. 1112

ترجمته بالتأليف ومنها كتاب حافل لابن الجوزي، ولد ببغداد سنة أربع وستين ومائة وتوفي بها ضحوة الجمعة الثاني عشر من ربيع الأول سنة إحدى وأربعين ومائتين وله سبعة وسبعون سنة (و) أبو عبد الله محمد بن عبد الرحمن السمرقندي (الدارمي) منسوب إلى دارم بطن من تميم، مات سنة خمس وخمسين ومائتين (في مسنديهما) . المسند: هو ما جمع من الأحاديث على مسانيد الصحابة كل مسندّ على حدة ويقال أول مسند صنف مسند أبي داود الطيالسي، وعن الدارقطني أول من صنف مسنداً وتتبعه أبو نعيم بن حماد، وتبع المصنف في عد كتاب الدارمي من المسانيد الإمام ابن الصلاح، وقد تعقبه الحافظ زين الدين العراقي في «ألفيته» وشرحها في ذلك وقال: إنه مؤلف على الأبواب لا على المسانيد. ٥٥٩٢ - (وعن أبي سروعة بكسر السين المهملة) وإسكان الراء وبالعين المهملة (عقبة ابن الحارث) تقدمت ترجمته ﵁ في باب المبادرة إلى الخير (أنه تزوّج ابنة لأبي إهاب ابن عزيز) قلت: وفي كتاب الشهادات من البخاري أنه تزوّج أم يحيى بنت أبي إهاب فهذه كنيتها واسمها غنية، ذكره الدارقطني في المؤتلف والمختلف. قال السيوطي في «التوشيح» : تكنى أم غنى، قال الحافظ بن زين الدين العراقي في مبهماته: يعني بغين معجمة ونون مكسورة وياء آخر الحروف قال وقال والذي في «شرح ألفيته» أنه وقع في بعض طرق الحديث عن عقبة بن عامر بن الحارث قال: تزوجت زينب بنت أبي إهاب. قلت: وقد عزا الحافظ المزي في «الأطرف» إلى البزار أنه أخرج الحديث عن عقبة قال «تزوجت زينب بنت أبي إهاب» قال الحافظ في أوائل الشهادات من «الفتح» : قد تقدم في العلم أن اسمها غنية بفتح المعجمة وكسر النون بعدها تحتية مثقلة، ثم وجدت في النسائي أن اسمها زينب فلعل غنية لقبها أو كان اسمها فغير بزينب كما غير اسم غيرها، والأمة المذكورة لم أقف على اسمها اهـ. وأبو إهاب لم أر من ذكر اسمه فكأن كنيته هي اسمه، وهو ابن عزيز بن قيس بن سويد بن ربيعة بن زيد بن عبد الله بن دارم التميمي، قاله خليفة، وقد ذكره

стр. 1113

في «أسد الغابة» قال: حليف بني نوفل (فأتته امرأة) في رواية البخاري في البيوع امرأة سوداء، وفي رواية له في الشهادات: فجاءت أمة سوداء (فقالت: إني قد أرضعت عقبة والتي قد تزوج بها، فقال لها عقبة: ما أعلم أنك أرضعتني ولا أخبرتني) قال الحافظ في «الفتح» : عند الدارقطني من طريق أبي أيوب عن مليكة عن عقبة: فدخلت علينا: مرأة سوداء، فسألت فأبطأنا عليها فقالت: تصدّقوا عليّ فوالله لقد أرضعتكما جميعاً، وقوله «ولا أخبرتني» على ما أعلم وأتى به ماضياً لأن نفيه باعتبار المعنى وبأعلم مضارعاً لأن نفي العلم حاصل في الحال (فركب) أي من مكة كما في «التوشيح» (إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة) حال من رسول الله ﷺ لا متعلق بركب (فسأله) أي عن حكم هذه النازلة (فقال رسول الله: كيف) ظرف يسأل به عن الحال وهو خبر محذوف: أي كيف اجتماعكما بعد (وقد قيل) جملة في محل الحال في المقدر: أي كيف اجتماعكما على حال قولها إنكما أخوان من الرضاعة. إذ ذاك بعيد من المروءة (ففارقها عقبة) أي صورة أو طلقها احتياطاً أو ورعاً. ولا حكماً بثبوت الرضاع وفساد النكاح، إذ ليس قول المرأة الواحدة شهادة يجوز بها الحكم، نعم أخذ بظاهره الإمام أحمد فقال: الرضاع يثبت بشهادة المرضعة وعدمه، وفي المسألة خلاف طويل بينه الحافظ في كتاب الشهادات في باب شهادة المرضعة من «فتح الباري» (ونكحت زوجا غيره) هو ضريب بضم المعجمة وفتح الراء آخره موحدة ابن الحارث، وفي الحديث الحض على ترك الشبه والأخذ بالأحوط في الأمر (رواه البخاري) في العلم والبيوع والشهادات والنكاح من «صحيحه» ورواه أبو داود والترمذي والنسائي (إهاب بكسر الهمزة) أي وتخفيف الهاء وبالموحدة (وعزيز بفتح العين وبزاي مكررة) قال في فتح الباري: ووقع عند أبي ذرّ عن المستملي والحموي بزاي وآخره راء مصغر، والأوّل هو الصواب. ٦٥٩٣ - (وعن الحسن) بفتح الحاء والسين المهملتين والنون (ابن عليّ) بن أبي طالب ابن

стр. 1114

عبد المطلب بن هاشم القرشي الهاشمي سبط رسول الله ﷺ وريحانته من الدنيا ﵄ تقدمت ترجمته وحديثه في باب الصدق (قال: حفظت من رسول الله: دع) الظاهر أنه أمر ندب وإرشاد وحض على مكارم الأخلاق بالتورّع عن الشبه وليس أمر إيجاب بحيث يأثم تاركه ويكون عاصياً بتركه (ما يريبك إلى ما لا يريبك) بفتح التحتية وضمها والفتح أفصح، تقول رابني فلان: إذا رأيت منه ما يريبك وتكرهه، وهذيل تقول أرابني (رواه الترمذي) «في الزهد» من جامعه (وقال: حديث حسن) الذي تقدم في باب الصدق وقال: حسن صحيح، وكذا نقله عنه المزي في «الأطراف» ، وحينئذ فلعل سقوط «صحيح» من بعض النسخ أو سهو من قلم المصنف، ورواه النسائي. والحديث قد تقدم مع ترجمة الحسن، وشرح الحديث في باب الصدق أوائل الكتاب بزيادة في آخره: فإن الصدق طمأنينة وإن الكذب ريبة (ومعناه) أي الحديث (اترك ما تشك فيه) أي مما تعارض فيه دليلاً الحل والتحريم (وخذ ما لا تشك فيه) مما قام النص على حله، أو قال بحله مجتهد، قياساً على ما جاء حله في النص ولم يعارضه ما يرده. والمصنف بين هذا المعنى، وسكت عن ضبط المضارع لأنه قدمه ثمة، وقد سبق له نظير ذلك كما نبهنا عليه قريباً. ٧٥٩٤ - (وعن عائشة ﵂ قالت: كان لأبي بكر الصديق ﵁ غلام) قال الحافظ في «الفتح» : لم أقف على اسمه، ووقع لأبي بكر مع النعيمان بن عمر وأحد الأحرار من الصحابة قصة ذكرها عبد الرزاق بإسناد مرسل «أنهم نزلوا بماء فجعل النعمان يقول لهم يكون كذا، فيأتونه بالطعام فيرسله إلى الصحابة، فبلغ أبا بكر فقال: أراني آكل كهانة النعيمان منذ اليوم، ثم أدخل يده في حلقه فاستقاءه» وفي الورع لأحمد عن ابن سيرين: لم أعلم أحداً استقاء من طعام غير أبي بكر، فإنه أتي بطعام فأكل، ثم قيل له جاء به ابن النعيمان قال: وأطعمتموني كهانة ابن النعيمان؟ ثم استقاء. ورجاله ثقات لكنه مرسل، ولأبي بكر قصة أخرى في ذلك أخرجها يعقوب بن أبي شيبة في «مسنده» (يخرج له الخراج) أي يأتيه بما

стр. 1115

يكسبه من الخراج، وهو ما يقرره السيد على عبده من مال يحضره من كسبه وسيأتي في الأصل (وكان أبو بكر يأكل من خراجه) أي بعد أن يسأله عنه كما في رواية الإسماعيلي (فأتاه في ليلة بكسبه فأكله) ولم يسأله ثم سأل (فقال له الغلام: تدري) همزة الاستفهام قبله مقدرة: أي أتدري (ما هذا) أي الذي أكلته: أي سبب حصوله ووصوله (فقال أبو بكر: وما هو) سؤال عن بيان حقيقة جهة وصوله (فقال: كنت تكهنت لإنسان) قال الحافظ: لم أعرف اسمه (في الجاهلية) هو ما قبل الإسلام سميت بذلك لكثرة جهالاتها (وما أحسن الكهانة) فجمع إلى قبح الكهانة قبح التشييع بما ليس له والخديعة كما قال (إلا أني خدعته) وهو استثناء منقطع، والخدع الإطماع بما لا وصول إليه. وفي «مفردات الراغب» : الخداع إنزال الغبي عما هو بصدده بأمر يبديه على خلاف ما يخفيه (فلقيني فأعطاني) أي في الإسلام (لذلك) أي لأجله، وفي نسخة من البخاري بالموحدة: أي عوض تكهني له (هذا الذي أكلت منه) وكأنه دفع له حينئذ لأنه تبين له إذ ذاك ما كان قال قبل (فأدخل أبو بكر يده فقاء كل شيء في بطنه) الظرف في محل الصفة لشيء، قال ابن التين: إنما استقاء أبو بكر تنزّهاً لأن أمر الجاهلية وضع، ولو كان في الإسلام لغرم مثل ما أكل أو قيمته ولم يكفه القيء. قال الحافظ: كذا والذي يظهر أن أبا بكر إنما قاء لما ثبت عنده من النهي عن حلوان الكاهن وحلوان الكاهن ما يأخذه على كهانته، والكاهن من يخبر بما سيكون من غير دليل شرعي، وكان ذلك قد كثر في الجاهلية قبل ظهور النبيّ (رواه البخاري) في أيام الجاهلية من «صحيحه» (الخراج) بفتح أوليه وتخفيف ثانيه آخره جيم (شيء يجعله السيد على عبده يؤديه إلى السيد كل يوم) أي مثلاً، إذ منه ما تجعل المرأة على عبدها والسيد على أمته أو يجعل عليه في الجمعة أو في الشهر أو في العام، وكأن ما ذكر لأنه الغالب خصوصاً وفي التوقيت بنحو شهر تعويض لضياع ما يوظف عليه (وباقي كسبه يكون

стр. 1116

للعبد) أي يبيح له السيد أن ينتفع به إلا أنه لا يملكه العبد ولا يخرج عن ملك سيده، إذ لا يملك الرقيق شيئاً وإن ملكه سيده. ٨٥٩٥ - (وعن نافع) مولى ابن عمر تابعي جليل (أن عمر بن الخطاب ﵁ كان فرض) أي قدر (للمهاجرين الأولين) أي لكل منهم: أي من فيء ديوان العطاء (أربعة آلاف) أي درهم (وفرض لابنه) أي عبد الله مع أنه منهم (ثلاثة آلاف وخمسمائة) احتياطاً (فقيل له) لم يتعرض الحافظ لبيان القائل (هو من المهاجرين) أي فينبغي أن يكون له مثل ما لكل مهاجر (فلم نقصته؟) أي خمسمائة فالمفعول الثاني محذوف لأن نقص جاء قاصراً نحو حديث «ما نقص مال من صدقه» ومتعدياً لاثنين نحو نقصت المال ديناراً وما نحن فيه من الثاني (فقال: إنما هاجر به أبوه) كذا في نسخ الرياض أبوه مرفوعاً بالواو. والذي رأيته في أصل مصحح معتمد من البخاري: أبواه بصيغة المثنى بتغليب الأب على الأم، كالعمران في تثنية أبي بكر وعمر والقمران في تثنية شمس وقمر، ونسبة المهاجرة به إلى الأم مجاز، والمهاجر به حقيقة إنما هو أبوه (يقول ليس هو كمن هاجر بنفسه) أي كأنه حينئذ كان في كنف أبويه، فليس هو كمن هاجر بنفسه وعانى كلفتها وذاق مرارة وعثاء السفر ومشقتها. وجاء في رواية الداودي: فقال عمر لابن عمر: إنما هاجر بك أبواك. وكان سن ابن عمر حين هاجر به أبوه إحدى عشرة سنة، ووهم من قال ثنتي عشرة سنة أو ثلاث عشرة لما ثبت في «الصحيح» من أنه عرض يوم أحد وهو ابن أربع عشرة سنة، وكانت أحد في شوال سنة ثلاث (رواه البخاري) في أبواب الهجرة في «صحيحه» . ٩٥٩٦ - (وعن عطية بن عروة) بضم المهملة وسكون الراء قال المزي في الأطراف: ويقال أبو عمرو بن عوف ويقال أبو سعد (السعدي) بفتح المهملة وسكون الثانية والدال مهملة أيضاً. قال في «أسد الغابة» : من سعد بن بكر. وفي «أطراف المزي» : من سعد من بني خيثم بن سعد بن بكر بن هوازن اهـ (الصحابي ﵁ روي له عن رسول الله ﷺ ـ

стр. 1117

ثلاثة أحاديث (قال: قال رسول الله: لا يبلغ العبد) أي لا يصل (أن يكون من المتقين) أي من الموصوفين بكمال التقوى، فإن المطلق ينصرف إلى الفرد الكامل (حتى يدع) أي يترك خشية من الله (ما لا بأس به) أي بظاهر الفتوى أو مطلقاً (حذراً) بفتح أوليه مفعول مطلق لفعل هو وفاعله في محل الحال: أي حال كونه يحذر حذراً. أو مفعول له (لما) أي للذي (به بأس) وهذا من باب قوله «فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه. ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام» (رواه الترمذي) في الزهد من «جامعه» (وقال: حديث حسن) غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه، ورواه ابن ماجه في الزهد من «سننه» أيضاً، والحاكم في «مستدركه» ، والله أعلم. ٦٩ - باب استحباب العزلة بضم المهلة وسكون الزاي اسم مصدر اعتزله وتعزله: أي تجنبه كما في «الصحاح» ، قال: ويقال العزلة عبادة (عند فساد الزمان) أي تغيره بحسب ما يظهره الله فيه من فساد بعد صلاح أهله كأن يبدو الرياء والكذب بعد الصدق والخيانة بعد الأمانة وهكذا (أو) عند (الخوف) أي الخشية (من فتنة) أي محنة (في الدين) بسبب الدين التي تنشأ عن الاجتماع به كأن يداهنهم على محرّم أو يرى منهم منكراً أو يقرهم عليه أو نحو ذلك أي وإن لم يكن ذلك من فساد الزمان وإنما ذلك ناشىء عن اجتماع مخصوص له (ووقوع في حرام وشبهات ونحوها) معطوفة على محنة من عطف الخاص على العام، وكون الوقوع في الشبه من المحنة في الدين إما باعتبار كونها حراماً في نفس الأمر، وأن الوقوع فيها يجرّ إلى الوقوع فيه كما تقدم في قوله «ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام» وفهم من الترجمة فضل الخلطة عند الأمن من ذلك. قال المصنف: المختار تفضيل المخالطة لمن لا يغلب على ظنه وقوع المخالفة بسببها، فإن أشكل فالعزلة أولى، وسيأتي فيه مزيد في الباب بعده.

стр. 1118

(قال الله تعالى) : ( ﴿ففرّوا إلى الله﴾ ) أي من جميع ما عداه، وهوأمر بالدخول في الإيمان بالله وطاعته وجعل الأمر بذلك بلفظ الفرار تنبيهاً على أن وراء الناس عقاباً وعذاباً وأمراً حقه أن يفر منه فجمعت لفظة ففروا التحذير والاستدعاء، وينظر إلى هذا المعنى قوله «ولا ملجأ ولا منجى منك إلا إليك» الحديث. قال الحسين بن الفضل: من فرّ إلى غير الله لم يمتنع من الله ( ﴿إنى لكم نذير مبين﴾ ) يجب أن ينذر ويحذر، أو يبين كونه منذراً من الله بالمعجزات. ١٥٩٧ - (وعن سعد بن أبي وقاص) واسمه مالك، وسعد أحد العشرة المبشرة بالجنة تقدمت ترجمته ﵁ قال: سمعت النبي يقول: إن الله يحبّ) المراد من المحبة لاستحالة قيام حقيقتها من الميل النفساني به تعالى غايتها، مجازاً مرسلاً من إطلاق اللازم وإرادة الملزوم من التوفيق للطاعة أو الإنابة بأحسن الفضل أو الثناء عليه عند ملائكته أو يكون صفة فعل أو إرادة ذلك فتكون صفة ذات (العبد) أي المكلف ولو حرّا وهو اسنى أوصاف الإنسان (التقي) الممتثل للأوامر والمجتنب للنواهي (الغني) الغنى المحمود شرعاً الآتي بيانه في الأصل (الخفي) بالخاء المعجمة هذا هو الموجود في النسخ والمعروف في الروايات. وذكر القاضي عياض أن بعض رواة مسلم رواها بإهمال الحاء، ومعناه بالإعجام الخامل المنقطع إلى العبادة والاشتغال بها وبأمور نفسه التي تعنيه دينا ودنيا. وقال آخرون: هو الذي يعتزل الناس ويخفي عنهم مكانه، وبالإهمال الوصول للرحم، اللطيف بهم وبغيرهم من الضعفاء، والصحيح المعجمة. ففيه دليل تفضيل الاعتزال على الخلطة، أما مطلقاً كما قيل به، أو عند خوف فتنة في الدين كما جرى عليه المصنف وترجم به تبعاً للكثير (رواه مسلم) وأحمد كما في «الجامع الصغير» (المراد بالغني) بفتح المعجمة أي المراد من الغني المذكور في الحديث (غني النفس) كذلك، ويصح أن يقرأ بكسر المعجمة وبالقصر فيهما، وحينئذ فيكون المعنى المراد بالغنى المشتق منه الغنى في الحديث، ويؤيد هذا قوله (كما

стр. 1119

سبق في الحديث الصحيح) أي من حديث أبي هريرة ﵁ عن النبي «ليس الغني عن كثرة العرض ولكن الغنى غنى النفس» ويؤيد الأول سلامته من التكلف والتقدير في الثاني. ٢٥٩٨ - (وعن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رجل) قال الحافظ: لم أقف على اسمه، ويبعد تفسيره بما جاء في حديث أن أبا ذرّ سأل عن ذلك أنه جاء عند البخاري في كتاب الرقاق: جاء أعرابيّ وأبو ذرّ لا يحسن أن يقال فيه إنه أعرابي (أيّ الناس أفضل) وعند البخاري في رواية «أي الناس خير» وفيه روايات أخر. وقوله: (يا رسول الله) تلذذ بذكره واستعذاب لمخاطبته، قال الشاعر: أعد ذكر نعمان لنا إن ذكره هو المسك ما كررته يتضوّع وفي النداء به الإيماء إلى سبب توجيه السؤال إليه عن ذلك، وأن مثل هذا لا يعلم إلا من حضرة الحق سبحانه فيطلب معرفته من أمينه على وحيه (قال) أتى به على طريق الاستئناف لأن المراد الإخبار عن حصول جواب السؤال مع قطع النظر عن كونه عقبه كما هو مدلول الفاء أو بعده كما هو مدلول ثم أو غير ذلك، وقوله (مؤمن يجاهد بنفسه وماله في سبيل الله) خبر مبتدأ محذوف التقدير هو: أي الأفضل مؤمن، وقوله في سبيل الله) هو في لسان الشرع عبارة عن جهاد الكفار وإعزاز الدين: أي يقاتل بنفسه ويحمل ويعين بماله في ذلك، وقد يراد منه مطلق طاعة الله سبحانه (قال ثم من) أي بعده في ذلك (قال: ثم) أتى بها في الجواب مع وجودها للتنصيص على نزول مرتبة مدخولها عمن قبله،: أي ثم بعده (رجل) وعند مسلم: مؤمن (معتّزل في شعب من الشعاب) فرجل مبتدأ محذوف الخبر عكس ما قبله، والشعب بكسر الشين المعجمة: هو الطريق في الجبل وما انفرج بين الجبلين ومسيل الماء. وقوله (يعبد ربه) زاد مسلم في رواية له «يقيم الصلاة ويؤتي الزكاة حتى يأتيه

стр. 1120

اليقين ليس من الناس إلا في خير» والجملة مستأنفة استئنافاً بيانياً لبيان الحامل له على الاعتزال، فإن في الاجتماع بالناس الشغل عن ذلك. وفي الخلوة الجلوة، ويجوز إعرابها خبراً بعد خبر، ولا ينافي هذا الحديث حديث «خيركم من تعلم القرآن وعلمه» وحديث «خيركم من طال عمره وحسن عمله» ونحوهما لأن هذا الاختلاف بحسب الأوقات والأقوام والأحوال، وفي الحديث فضل العزلة به. قال الحافظ: والذي يظهر أنه محمول على ما بعد عصر النبيّ (وفي رواية) وهي للبخاري في «الجهاد صحيحة» إلا أنه قال: ثم مؤمن في شعب من الشعاب (يتقي) الله أي لمراقبته مولاه وعلمه بأنه رقيب عليه محيط به (ويدع الناس) أي يتركهم (من شره) باعتزاله عنهم وانفراده فلا يصل إليهم شرّه، ثم جملة يتقي ربه عندهما آخر الحديث الذي أورده المصنف، وكأنه غفل ﵀ عن ذلك فاحتاج لعزوه إلى رواية أخرى (متفق عليه) فأخرجه البخاري في الجهاد وفي الرقاق، وأخرجه مسلم في الجهاد، ورواه أبو داود والترمذي والنسائي في الجهاد، ورواه ابن ماجه في الفتن وقال الترمذي حسن صحيح. ٣٥٩٩ - (وعنه قال: قال رسول الله ﷺ يوشك) بضم التحتية وكسر الشين المعجمة. قال في «الصحاح» والعامة تفتح الشين وهي لغة رديئة: أي يقرب (أن يكون خير مال المسلم غنم يتبع بها شعف الجبال) قال ابن مالك: في الحديث شاهد على إسناد أوشك إلى أن ومنصوبها وغنم نكرة موصوفة اسم يكون، والخبر قوله خير، والمراد بالمسلم الجنس، وقدم الخبر للاهتمام بالاعتزال لأن الكلام مسوق فيه لا في الغنم ولذا أخرها. قال في «الفتح» : ويجوز العكس بأن يكون خير اسمها مال الخبر والأشهر في غنم الرفع، وقيل يجوز رفع الجزءين على الابتداء والخبر. والجملة في موضع نصب خبر يكون، واسمها

стр. 1121

ضمير شأن لأنه كلام يتضمن تحذيراً وتعظيماً وتقديم ضمير الشأن مؤكد لمعناه، قال الحافظ: ولا يخفى تكلفه (ومواقع القطر) أي الغيث ومواقعه هي مواضع الكلأ (والغيث) لأن المطر إذا أصاب الأرض أعشبت (يفر بدينه من الفتن) قال الكرماني: جملة حالية من الضمير المستكن في يتبع أو المسلم إذا جوّزنا الحال من المضاف إليه فقد وجد شرطه وهي شدة الملابسة فكأنه جزؤه. ويجوز أن تكون استئنافية وهو واضح اهـ (رواه البخاري) في الإيمان وفي الجزية والفتن ورواه أبو داود في الفتن، ورواه النسائي في الإيمان، وابن ماجه في الفتن (وشعف الجبال) بفتح الشين المعجمة والمهملة بعدها فاء جمع شعفة كأكم وأكمة وجمعها شعاف (أعلاها) قال الحافظ: والماء والمرعى يكون فيها ولا سيما في بلاد الحجاز. والخبر دالّ على فضيلة العزلة لمن خاف على دينه. ٤٦٠٠ - (وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي قال: ما بعث الله نبياً) يحتمل أن يكون المراد من النبي مطلق من أوحى إليه بشرع سواء أمر بتبليغه أو لا، فيفسر البعث بالإيحاء، ويحتمل أن المراد منه الرسول من إطلاق العام مراداً به الخاص وقرينته قوله بعث: أي أرسل (إلا رعى) وفي نسخة من البخاري راعي بصيغة اسم الفاعل (الغنم) وذلك ليتمرّنوا برعيها على ما سيكلفون من القيام بأمر الأمة ولأن في مخالطتها يحصل الحلم والشفقة لأنهم إذا صبروا على رعيها، وجمعها بعد تفريقها في المرعى، ونقلها من مسرح إلى آخر، ودفع غدرها من سبع وغيره كالسارق، وعلموا اختلاف طباعها وشدة تفرقها مع ضعفها واحتياجها إلى المعاهدة، ألفوا من ذلك الصبر على الأمة، وعرفوا اختلاف طباعها وتفاوت عقولها، فجبروا كسرها ورفقوا بضعفائها وأحسنوا التعاهد لها فيكون تحملهم لمشقة ذلك أسهل مما لو كلفوا القيام بذلك من أول وهلة لما يحصل لهم من التدريج على ذلك برعى الغنم، وخضت الغنم بذلك لكونها أضعف من غيرها فهي أسرع انقياداً من غيرها (فقال أصحابه: وأنت) بحذف همزة الاستفهام: أي وأنت أيضاً رعيتها (فقال نعم) ذكره لذلك بعد علم

стр. 1122

كونه أكرم خلق الله على الله من عظيم تواضعه لربه، وفيه اعتراف بمنة الله سبحانه، وفيه التحريض للأمة على سلوك ذلك (كنت أرعاها على قراريط لأهل مكة) قيل المراد بالقيراط هنا جزء من الدينار والدرهم، وقال إبراهيم الجرمي: قراريط اسم مرعى بمكة ولم يرد القراريط من الفضة، وصوّبه ابن الجوزى تبعاً لابن ناصر وخطأ الأول، لكن رجح الأول آخرون بأنه لا يعرف أهل مكة بها محلاً يقال له القراريط (رواه البخاري) في الإجارة من صحيحه، ورواه ابن ماجه في الإجارة من «سننه» . ٥٦٠١ - (وعنه عن رسول الله ﷺ قال: من خير معاش) والمراد: أي عيش به الحياة (الناس لهم) قال المصنف: أي من خير أحوال عيشهم (رجل) هو على تقدير مضاف: أي معاش رجل فحذف وأقيم المضاف إليه مقامه فارتفع (ممسك عنان) بكسر المهملة وبالنونين الخفيفتين (فرسه في سبيل الله) حال من رجل لتخصيصه بالوصف أو وصف له، والمراد به جهاد الكفار، وقوله (يطير على متنه) يجوز فيه الوجهان (كلما) ظرف لقوله طار أي في وقت (سمع هيعة) بفتح الهاء والعين المهملة وسكون التحتية بينهما (أو) يحتمل أن تكون شكاً من الراوي ويقرّ به قول المصنف الآتي: والفزعة نحوه، ويحتمل أنها للتنويع بناء على ما سيأتي ثمة من الفرق بينهما (فزعة) بفتح الفاء والمهملة وسكون الزاي بينهما (طار عليه) أي على فرسه وهو كما في «المصباح» يطلق على الذكر والأنثى من الخيل (يبتغي القتل) أي من الكفار له (أو الموت) أي حتف أنفه (مظانه) أي فيما يظن وجوده فيه: أي يطلب ذلك في مواطنه التي يرجى فيها لشدة رغبته في الشهادة. وفيه فضيلة الموت في سبيل الله وإن لم يقتله العدوّ، وجملة يبتغي الخ مستأنفة أتى بها لبيان سبب ملازمته عنان فرسه: أي الحامل له على ذلك مزيد رغبته في الشهادة وإعلاء كلمة الله سبحانه (أو) للتنويع ويحتمل كونها بمعنى الواو فإن كلاً منهما عيشه محمود آخره (رجل في غنيمة) بضم الغين المعجمة وفتح النون وسكون التحتية والتصغير للتقليل إيماء إلى الإعراض عن الاستكثار من الدنيا والاقتصار على ما تدعو إليه الحاجة (في رأس شعفة من هذه الشعف)

стр. 1123

الظرف الأول في محل الصفة لغنيمة والثاني صفة لشعفة: أي في أعلى جبل من هذه العوالي (أو) للتنويع (بطن واد من هذه الأودية) جمع قلة لواد والوادي كل منفرج بين جبال وآكام يكون منفذاً للسيل وذلك لأن صاحب الغنيمة تابع للكلأ سواء كان في الأعلى أو في الأسفل. وقوله (يقيم الصلاة) جملة حالية من رجل لتخصيصه بالوصف أو مستأنفة جىء بها لبيان ما لأجله كان من ذوي المعاش النسبي ومعنى يقيم الصلاة: أي يؤديها جامعة لأركانها وشرائطها وآدابها (ويؤتي الزكاة) أي المفروضة (ويعبد ربه) بأنواع الطاعات (حتى يأتيه اليقين) أي الموت المتيقن لحاقه (ليس من الناس) أي من أمورهم وأحوالهم (في شيء) من الأشياء (إلا في خير) فهو استثناء من أعم الأشياء كما قدرناه لاعتزالهم عنه ومجانبته لهم، والجملة في محل الحال من فاعل يقيم فيكون حالاً متداخلة، أو من رجل لتخصيصه بالوصف فيكون حالاً مترادفة إن أعربت الجملة السابقة حالاً (رواه مسلم) وجعله المزي في «الأطراف» ، والحديث الذي نقله المصنف في أول الباب وقال إنه متفق عليه واحداً: أي باعتبار المعنى وإن تفاوت في بعض المبنى (يطير) بفتح أوله (أي يسرع) وأراد به مع بيان معنى طار المذكور في الحديث التنبيه على أنه من باب ضرب (ومتنه) بفتح الميم وسكون الفوقية بعدها نون (ظهره) مأخوذ من متن الأرض وهو ما صلب وارتفع منها (والهيعة) بضبطه السابق (الصوت للحرب) في «شرح مسلم» للمصنف: الصوت عند حضور العدو، وفي «النهاية» : الهيعة الصوت الذي يفزع منه ويخافه عدو، وبها يعلم أن ما فسره به المصنف مراده بيان المراد في خصوص الحديث بدليل السياق، لا تفسير مطلق الهيعة لأنه أعم مما ذكره (والفزعة) بالضبط السابق (نحوه) هذا محتمل للتوافق كما جرت به عادة المحدثين من استعمالهم فيما يكون معناه موافقاً لمعنى ما قبله، فإن توافقا لفظاً ومعنى قالوا فيه «مثله» وهو ما يثبت عليه كون «أو» في الحديث للشك، ومحتمل أن يراد به القريب فيكون غير ما قبله وهذا أقرب، ففي شرح مسلم للمصنف الفزعة النهوض إلى العدو، وإنما كان حينئذ قريباً، لأنه إنما يكون عند الصوت (ومظان الشيء) بفتح الميم والظاء

стр. 1124

المعجمة جميع مظنة بفتح الميم وكسر الظاء كما في «المصباح» (المواضع التي يظن وجوده فيها) أي ظناً قوياً يقرب أن يلحق بالعلم، ففي «المصباح» المظنة بالكسر: العلم وهو حيث يعلم الشيء «قال النابغة: فإن مظنة الجهل الشباب» . وقال ابن فارس مظنة الشيء موضعه ومآلفه اهـ (والغنيمة بضم الغين) المعجمة وسكت عن باقي ضبطه الذي ذكرناه لدلالة ما ذكره عليه عند العارف بصيغ التصغير (تصغير الغنم) بفتح أوليه، قال في «المصباح» : وتدخله الهاء إذا صغر فيقال غنيمة، لأن أسماء الجموع التي لا واحد لها من لفظها إذا كانت لغير الآدميين وصغرت فالتأنيث لازم لها (والشعفة بفتح الشين) أي المعجمة (والعين) أي المهملة، وكان الظاهر ذكر هذا الضبط عند ذكر الشعف أولاً وإحالة ما هنا عليه ولعل المصنف تركه ثمة نسياناً وذكر هنا استدراكاً (وهي أعلى الجبل) والله أعلم. ٧٠ - باب فضل الاختلاط بالناس أي عند السلامة مما ذكر في الباب قبله، والناس اسم جنس محلي بأل، فهو من صيغ العموم فيحتمل بقاؤه على عمومه ويكون الشرط مقدراً في الكلام بدليل السياق «بالوحدة» ويحتمل أن يراد به الخصوص: أي الذين ينبغي الاختلاط بهم (وحضور جمعهم) بضم ففتح جمع جمعة بضم فسكون أو فتح (وجماعاتهم) جمع جماعة: أي في الصلوات المكتوبات (ومشاهد الخير) من الأعياد (ومجالس العلم) والتذكير بالله تعالى (ومجالس الذكر معهم) الظرف متعلق بحضور: أي حضوره ما ذكر مع المسلمين وفي جملتهم ليندرج معهم في ثوابهم ولتعود بركة الفالح على غيره (وعيادة مريضهم) وسيأتي أنها مندوبة (وحضور جنائزهم) وهي مندوبة إن حصل الكفاية من نقله إلى المقبرة

стр. 1125

بسواء لسقوط الطلب عنه حينئذ، وهل يثاب عليه ثواب الفرض كما يثاب المصلي على جنازة صلى عليها قبل أو يفرق؟ كل محتمل والله أعلم (ومواساة محتاجهم) وتقدم أنها فرض كفاية على مياسير المسلمين (وإرشاد جاهلهم) وهو فرض كفاية بذلاً للنصيحة الواجبة لعامة المسلمين بعضهم على بعض (وغير ذلك من مصالحهم) التي يتمكن منها بالاجتماع بالناس (لمن قدر على الأمر بالمعروف والنهي عى المنكر وقمح نفسه عن الإيذاء والصبر على الأذى) اللام تنازعها المصادر المذكورة فكل يطلبها معمولة له والأولى جعله معمولاً للأخير كما هو مذهب البصريين وحذف معمول العوامل السوابق عليه، لأنه فضلة وحذفه في مثل ما ذكر جائز بل واجب، ولو أعربته معمول الأول لوجب إضمار مثله في كل من المذكورات بعده خلافاً لمن أجاز الحذف في ذلك كما أشار إليه ابن هشام في توضيحه، ويؤخذ من هذا أن من لم يقدر على ما ذكر فيه فالاعتزال أفضل له لما تقدم، فإن أشكل الأمر عليه قال المصنف: فالعزلة أولى. (اعلم) أيها الصالح للخطاب (أن الاختلاط بالناس على الوجه الذي ذكرته) أي من شهود خيرهم دون شرهم وسلامتهم من شره (هو المختار الذي كان عليه رسول الله) إذ كان يجمع الناس ويقيم لهم أعمالهم ويبين لهم أحوالهم (وسائر الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم) أي وباقي الأنبياء فيكون من عطف المغاير، أو وجميع الأنبياء بناء على أن سائر يجيء بمعنى الجميع، وهو ما ذكره الجوهري ووافقه عليه الجواليقي أول شرح آداب الكتاب واستشهد له. قال المصنف: وإذا اتفق هذان الإمامان على نقل ذلك فهو لغة. وحينئذ فيكون من عطف العام على الخاص، وذكر ذلك بعد ما قبله إيماء إلى أن هذا سنن قديم ونهج مستقيم وسيأتي دليل استحباب الصلاة والتسليم على سائر الأنبياء في كتاب الصلاة على النبيّ (وكذلك) أي وكالمذكور من الأنبياء (الخلفاء الراشدون) هم الأربعة الذي تمت بهم مدة الخلافة المشار إليها في حديث «الخلافة بعدى ثلاثون سنة ثم تصير ملكاً عضوضاً» (ومن بعدهم من الصحابة) أفرد الخلفاء بالذكر لمزيد فضلهم وكمال علمهم ولمزيد ملازمتهم المصطفى وباقي الصحابة ﵃ لا يساوونهم في ذلك، والصحابة بفتح الصاد وبالحاء المهملة، قال في المصباح: جمع صاحب وكذا يجمع على صحب وأصحاب اهـ. والذي عليه سيبويه أن صحبا اسم جمع لا جمع وما جرى عليه في المصباح هو قول الأخفش: والمراد من الصاحب هنا الصحابى
следующие страницы →