← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 140

دليل الفالحين لطرق رياض الصالحين

ابن علان

Полный текст (2 250 стр.). Показаны 1436–1475 · переход к 1441.

стр. 1436

١٤٣ - باب استحباب المصافحة قال السيوطي: هي مفاعلة من الصفحة والمراد بها الإفضاء بصفحة اليد إلى صفحة اليد قال الكرماني: وهو مما يؤكد المحبة (وبشاشة الوجه) قال في «النهاية» : بشاشة اللقاء الفرح بالمرئى والانبساط إليه والأنس به (عند اللقاء) ظرف تنازعه كل من المصدرين المذكورين قبله (وتقبيل يد الرجل الصالح) إعظاماً له لصلاحه لا لأمر دنيوي قام به (وتقبيل ولده) ولو كبيراً (شفقة) مفعول له والشفقة هي الحنو والعطف (ومعانقة القادم من سفر) أي ما لم يكن أمرد جميلاً غير محرم له (وكراهة الانحناء) أي ثنى الرجل قامته عند اللقاء. ١٨٨٥ - (وعن أبي الخطاب قتادة) هو ابن دعامة السدوسي أبو الخطاب البصري (قال: قلت لأنس: أكانت المصافحة في أصحاب النبي) الظرف مستقر: أي كانت موجودة فيما بينهم أي وذلك معيار كونها مشروعة لأن الاجتماع السكوتي حجة (قال نعم. رواه البخاري) في الاستئذان. ٢٨٨٦ - (وعن أنس ﵁ قال: لما جاء أهل اليمن) لعلهم أصحاب أبي موسى الأشعري (قال رسول الله: قد) للتخفيف (جاء أهل اليمن وهم أول من جاء بالمصافحة. رواه أبو داود بإسناد صحيح) وأخرجه البخاري في «الأدب المفرد» أيضا لكن قال: أول من أظهر المصافحة، ورواه ابن وهب في «جامعه» .

стр. 1437

٣٨٨٧ - (وعن البراء ﵁ قال: قال رسول الله: ما) يحتمل كونها حجازية دخلت من المزيدة تأكيداً على اسمها ويحتمل كونها تميمية، وعلى كل فالجملة الفعلية خبر (من مسلمين يلتقيان فيتصافحان) أي عقب الملاقاة من غير توان كما تومىء إليه الفاء (إلا غفر) بالبناء لما لم يسم فاعله ونائب فاعله قوله (لهما) والذي يكفر بالأعمال الصالحة صغائر الذنوب المتعلقة بحق الله سبحانه (قبل أن يتفرقا) ففيه تأكيد أمر المصافحة والحث عليها، نعم يستثنى من عموم الأمر بالمصافحة المرأة الأجنبية والأمرد الحسن (رواه أبو داود) في الأدب، ورواه أيضاً أحمد والترمذي وصححه وابن ماجه والضياء كذا في «الجامع الصغير» ، زاد في «الجامع الكبير» قال الترمذي: حسن غريب، وفي «الجامع الكبير» من حديث أنس مرفوعاً «ما من مسلمين التقيا فأخذ أحدهما بيد صاحبه إلا كان حقاً على الله أن يحضر دعاءهما ولا يفرق أيديهما حتى يغفر لهما» الحديث، وقال: أخرجه أحمد وأبو داود. ٤٨٨٨ - (وعن أنس ﵁ قال: قال رجل) لم أفق على من سماه (يا رسول الله الرجل منا يلقي أخاه) أي من المؤمنين (أو صديقه) أي من الأقرباء والمعارف (أينحني له؟ قال لا) ومن البدع المحرمة الانحناء عند اللقاء بهيئة الركوع، قال ابن الصلاح: يحرم السجود بين يدي المخلوق على وجه التعظيم وإن قصد بسجوده الله تعالى، وما ذكره الله تعالى من قوله في أخوة يوسف وخروا له سجداً فذلك شرع من قبلنا وهو ليس بشرع لنا إلا إن جاء تقريره في شرعنا فيعمل بذلك التقرير (قال) أي الرجل (أفيلتزمه ويقبله) أي أيترك ما ذكر من الانحناء فيلتزمه بالمعانقة ويقبله في بدنه (قال لا) أي لا يشرع ذلك، نعم تشرع المعانقة عند ملاقاة غائب من سفر ما لم يكن امرأة أجنبية أو أمرد جميلاً (قال) أي الرجل (فيأخذ بيده)

стр. 1438

حذفت همزة الاستفهام لدلالة وجودها في قرينة عليها: أي أيترك ما ذكر من الانحناء والالتزام والتقبيل فيأخذ بيده، ومفعول يأخذ محذوف: أي يده بيده (ويصافحه) أي يقضي بصفحة يده إلى صفحة يد صاحبه (قال نعم رواه الترمذي وقال حديث حسن) . ٥٨٨٩ - (وعن صفوان) بفتح المهملة وسكون الفاء (انب عسال بفتح المهملة الأولى وتشددي الثانية قال في أسد الغابة: هو من بني الريض بن زاهر بن عامر بن عوثبان بن مراد ﵁ سكن الكوفة وغزى مع النبي اثنتي عشرة غزوة، روى عنه ابن مسعود وزر بن حبيش في آخرين اهـ. وتقدمت ترجمته في باب التوبة (قال: قال يهودي) لم أقف على من سماه (لصاحبه) أي ليهودي آخر (ذهب بنا إلى هذا النبي) أي ليتبينوا بعض معجزاته الدالة على نبوته ورسالته (فأتيا رسول الله) بقصد السؤال له ولذا قال (فسألاه عن تسع آيات بينات) قال الطيبي: كان عند اليهود عشر كلمات تسع منها مشتركة بينهم وبين المسلمين وواحدة مختصة بهم، فسألوا عن التسع المشتركة وأضمروا ما كان مختصاً بهم، فأجابهم النبي عما سألوه وعما أضمروه ليكون أدلّ على معجزاته (فذكره) أي الحديث ولفظه عند الترمذي «فقال لهم لا تشركوا بالله شيئاً، ولا تسرقوا، ولا تزنوا، ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق، ولا تمشوا ببرىء إلى ذي سلطان ليقتله، ولا تسحروا، ولا تأكلوا الربا، ولا تقذفوا محصنة، ولا تولوا الفرار يوم الزحف، وعليكم خاصة أيها اليهود ألا تعدوا في السبت» (إلى قوله) متعلق بمحذوف: أي وانتهى في ذكره إلى قوله (فقبلوا) أي اليهود والحاضرون مع السائلين (يده ورجله) كذا في نسخ «الرياض» بأفراد كل من «يده ورجليه» ووقفت عليه في أصل مصحح من الترمذي بتثنيتهما والله أعلم (رواه الترمذي) في الاستئذان والتفسير من «جامعه» (وغيره) فرواه النسائي في السير والمحاربة في «سننه» ، ورواه ابن ماجه في الأدب (بأسانيد صحيحة) فرواه الترمذي في

стр. 1439

الاستئذان عن أبي كريب عن ابن إدريس وأبي أسامة، وفي التفسير عن محمود بن غيلان عن أبي داود ويزيد بن هرون وأبي الوليد خمستهم عن شعبة عن عمرو بن مرة عن عبد الله بن سلمة عن صفوان، وقال الترمذي: حسن صحيح. ورواه النسائي عن كريب وأبي قمامة كلاهما عن ابن إدريس به، وأعاده في المحاربة عن أبي كريب، ورواه ابن ماجه في الأدب عن أبي بكر بن أبي شيبة عن ابن إدريس وغندر وأبي أسامة ثلاثتهم عن شعبة، وبه يعلم أن مراد المصنف من تعدد الأسانيد باعتبار مبتداه لا باعتبار منتهاه والله أعلم. ٦٨٩٠ - (وعن ابن عمر ﵄ قصة) بالنصب على الحكاية، أن في أبي داود عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال «إن ابن عمر حدثه وذكر قصة» وتلك القصة رواها أبو داود في أواخر كتاب الجهاد فقال عن أبي ليلى أن ابن عمر حدثه «أنه كان في سرية من سرايا رسول الله، قال: فحاص الناس حيصة فكنت ممن حاص، فلما برزنا قلنا: كيف نصنع وقد فررنا من الزحف وبؤنا بالغضب؟ فقلنا لدخل المدينة فننسل منها لذهب فلا يرانا أحد، قال: قال فدخلنا فقلنا لو عرضنا أنفسنا على رسول الله فإذا كانت لنا توبة أقمنا وإن كان غير ذلك ذهبنا، قال: فجلسنا لرسول الله قبل صلاة الفجر، فلما خرج قمنا إليه فقلنا: نحن الفارّون، فأقبل إلينا فقال: بل أنتم الكارّون» وباقيه ما ذكره المصنف بقوله (قال) أي ابن عمر (فيها فدنونا من النبي فقلبنا يده) فقال: إنا فئة المسلمين (رواه أبو داود) مختصراً في كتاب الأدب كما ذكره المصنف ومطولاً في الجهاد، ورواه الترمذي في الجهاد بمعناه وقال: حسن غريب لا نعرفه إلا من حديث يزيد، ورواه ابن ماجه في الادب بلفظ قبلنا يد النبي. ٧٨٩١ - (وعن عائشة ﵂ قالت: قدم زيد بن حارثة المدينة ورسول الله في بيتي) جملة حالية رابطها الواو (فأتاه) الضمير المستكن لزيد والبارز لرسول الله: أي

стр. 1440

قصد زيد النبي، ففيه استحباب قصد القادم أول قدومه من يتبرك به (فقرع الباب) فيه الاستئذان بغير اللفظ، وقد عقد له أبو داود في «سننه» باباً فقال باب الاستئذان بالفرع (فقام إليه النبي) أي بعد أن علمه بالوحي أو بالإلهام أو بالفراسة الصادقة وجملة (بحر ثوبه) في محل الحال، والمراد الإشارة إلى مزيد الإسراع كما جرت به عادة المحب إذا شعر بوصول من يحب فلم يصبر إلى أن يضع نوبه موضعه من بدنه بل خرج به يجره (فاعتنقه وقبله) فيسن فعل ذلك مع القادم إلا إن كان ممن يخشى من فعل ذلك معه الفتنة كالأجنبي من امرأة وأمرد جميل (رواه الترمذي) في الإستئذان (وقال: حديث حسن) . ٨٨٩٢ - (وعن أبي ذر ﵁ قال: قال لي رسول الله: لا تحقرن) بصيغة خطاب الواحد، وهو إن كان كذلك إلا أن الحكم شامل له ولجميع الأمة لقوله «حكمي على الواحد من أمتي حكمي على الجماعة» أو كما قال: ومحل ذلك ما لم يقم دليل التخصيص وإلا كإجزاء عناق المعز لأبي بردة في الأضحية وإباحة النياحة لأم عطية فلا يتعدى محله (من المعروف شيئاً) وإن قل (ولو أن تلقى أخاك بوجه طليق) أن ومنصوبها في محل الفاعل لفعل محذوف على الراجح: أي ولو كان: أي وجد لقاؤك أخاك بوجه طليق، والواو الداخلة على الجملة الوصلية جرى البيضاوي وغيره أنها واو الحال والجملة بعدها منصوبة على ذلك، وقيل عاطفة على مقدر، والحديث سبق مع شرحه في باب استحباب طيب الكلام وطلاقة الوجه وغيره (رواه مسلم) . ٩٨٩٣ - (وعن أبي هريرة ﵁ قال: قبل النبي الحسن بن علي) ففيه استحباب

стр. 1441

تقبيل الأطفال شفقة ورحمة (فقال الأقرع بن حابس) بالمهملة وبعد الألف موحدة التميمي (إن لي عشراً) كذا في الأصل بحذف الهاء ولعله لتأويل الولد بالنفس (من الولد) بفتحتين قال في «المصباح» : هو كل ما ولده شيء يطلق على الذكر والأنثى والمثنى والمجموع فعل بمعنى مفعول وهو مذكر وجمعه، أولاد الولد وزان وقيل لغة فيه، وقيس تجعل المضموم جمعاً للمفتوح كأسد جمع أُسد اهـ (ما قبلت منهم أحداً) وذلك لجفاء الأعراب وسكان البوادي وفي الحديث «من بدا فقد جفا» (فقال النبي: من لا يرحم) بالبناء للفاعل وحذف المفعول للتعميم (لا يرحم) بالبناء للمفعول: أي إن انتفاء ذلك دليل على قسوة القلب وفقد الرحمة منه للخلق، ومن انتفت منه رفعت عنه والجزاء من جنس العمل (متفق عليه) وقد سبق الحديث في باب تعظيم حرمات المسلمين وبيان حقوقهم والشفقة والرحمة لهم.

стр. 1442

٦ - كتاب عيادة المريض أي زيارته وهو واوي يقال عدت المريض: أي زرته فأنا عائد وجمعه عواد، وقلبت الواو ياء في المصدر لانكسار ما قبلها فهو كصيام وقيام مصدر صام وقام. وفي «الدر المنثور» للسيوطي: العيادة الزيارة واشتهر في عيادة المريض حتى صار كأنه مختص به (وتشييع) بالمعجمة الساكنة وتحتيتين الأولى مكسورة: أي اتباع (الميت) بالسير مع جنازته إكراماً له وتوديعاً كتشييع الضيف. وفي «القاموس» : مات يموت ويمات ويميت فهو ميت وميت ضد حيّ أو الميت مخففة الذي مات، والميت والمائت الذي لم يمت بعد، جمعه أموات وموتى وميتون وميتون اهـ. وقد جرى على الثاني بعض الفضلاء حيث قال: تسائلني تفسير ميت وميت فهاك صحيح القول إن كنت تعقل فمن كان ذا روح ذلك ميت وما الميت إلا من إلى القبر ينقل (والصلاة عليه) وإطلاق الصلاة عليها استعارة مصرحة، أو من إطلاق المشترك وإلا فالصلاة بالمعنى الشرعي المعروف وهو أقوال وأفعال مبدوءة بالتكبير مختتمة بالتسليم غير منطبق عليها لفقد الأفعال فيها (وحضور دفنه والمكث) بتثليث ميمه ذكره الفيروز أبادي في مثلته: أي اللبث (عند قبره) قال في «القاموس» : القبر المدفن وجمعه قبور والمقبرة مثلثة الباء وكمكنسة موضعها يقال قبره ويقبره ويقبره دفنه وأقبره: جعل له قبراً (بعد دفنه) أي ليسألوا له التثبيت في إجابة السؤال. ١٨٩٤ - (وعن البراء بن عازب ﵄ قال: أمرنا رسول الله) المراد من الأمر فيه

стр. 1443

طلب حصول المأمور به الشامل لما كان واجباً ولما كان مندوباً (بعيادة المريض) وهي سنة كفاية، وقيل فرض كفاية فتسن لأيّ مرض كان وفي كل زمان كان، وكراهة العوام لها في بعض الأيام لا أصل لها، وعقب العلم بالمرض وإن لم تطل مدة الإنقطاع ولا فرق في المذكورات بين المعروف له وغيره، وحديث «لا تزر من لا يزورك» إن صح فهو محمول على زيارة الأصحاء فإنها تستعمل فيهم والعيادة في المرضى: أي فمن رأيت منه الإعراض فأعرض عنه جزاء له، ومنه قول إمامنا الشافعي رضي الله تعالى عنه: زن من وزنك بما وزنـ ك وما وزنك به فزنه من جا إليك فرح إليـ ـه أو جفاك فصد عنه ثم للعيادة آداب أفردت بالتأليف، وممن أفردها ابن حجر الهيثمي. فمن آدابها أنه لا يطيل الجلوس إلا إذا علم أنه لا يشق عليه ويأنس به. وأن يدنو منه ويضع يده على جسده ويسأله عن حاله، وينفس له في الأجل بأن يقول ما يسر به، ويوصيه بالصبر على مرضه ويذكر له فضله إن صبر عليه، ويسأل منه الدعاء فدعاؤه مجاب كما ورد، ومن أراد البسط في هذا المقام فعليه بالإفادة لابن حجر المذكور (واتباع) بتشديد الفوقية (الجنائز) جمع جنازة بفتح الجيم وتكسر، الميت على النعش، وقيل بالفتح اسم لذلك وبالكسر النعش وعليه الميت، وقيل عكسه، وقيل غير ذلك من جنسه: إذا ستره (وتشميت) بالمعجمة والمهملة كما تقدم (العاطس وإبرار المقسم) بصيغة اسم الفاعل: أي الحالف على حصول أمر لا يقدر على تحصيله منك لتبر قسمه، قال التوربشتى: نرويه عن صحيح البخاري إبرار المقسم، وقد روي إبرار القسم: أي بفتحتين وكلاهما صحيح اهـ. وفي قوله روى بصيغة التمريض مع أنه في الصحيح مالا يخفي (ونصر المظلوم) بكفّ الظالم عنه (وإجابة الداعي) إلى وليمة النكاح في اليوم الأول وجوباً بشرطه وإلى غيرها سنة، ومنه الوليمة الثانية في النكاح، أما الوليمة

стр. 1444

الثالثة فيكره حضورها (وإفشاء السلام) أي إظهاره ونشره والحديث تقدم مراراً أقربها في كتاب السلام (متفق عليه) . ٢٨٩٥ - (وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله قال «حق المسلم على المسلم خمس) أي الأمر المتأكد للمسلم على مثله خمسة أشياء وحذف التاء لحذف المعدود أو خمس خصال، وجاء في رواية لأحمد ومسلم من حديث أبي هريرة ستّ، وزاده» وإذا استنصحك فانصح له» ولا منافاة لأن مفهوم العدد غير حجة (رد السلام) وهو فرض عين إن كان المسلم عليه واحداً بأن يقول عليك السلام ويرفع صوته بقدر ما يسمع البادىء به، وفرض كفاية إن كان جمعاً (وعيادة المريض واتباع الجنائز وإجابة الدعوة) بفتح الدال في الطعام هو اسم من دعوت الناس إذا طلبتهم ليأكلوا عندك فقال نحن في دعوة فلان ومدعاته بمعنى قال أبو عبيد: وهذا كلام أكثر العرب كذا في «المصباح» (وتشميت العاطس) أي إذا حمد الله لما تقدم في بابه وقد جاء في حديث أحمد ومسلم وإذا عطس فحمد الله فشمته، كلها واجبة عند الإمام مالك والأمر فيها عنده على أصل موضوعه من الدلالة على الوجوب وعند الشافعي كل من العيادة والتشميت سنة واتباع الجنائز المتوقف عليه الدفن فرض كفاية والدعوة تقدم تفصيلها في الحديث قبله (متفق عليه) والحديث قد سبق في باب تعظيم حرمات المسلمين. ٣٨٩٦ - (وعنه قال: قال رسول الله: إن الله يقول) هذا أحد الكيفيات في رواية

стр. 1445

الحديث القدسي، والكيفية الأخرى أن يقال عن النبي فيما يرويه عن ربه كما تقدم عن المصنف حيث قال في باب المجاهدة: عن أبي ذرّ عن النبي فيما يرويه عن الله ﵎، وتقدم ثمة بعض ما افترق فيه القرآن والحديث القدسي من الأحكام (يوم القيامة ابن آدم) قيل إنه اسم عربي بوزن أفعل وألفه منقلبة عن همزة، وقيل أعجمي وزنه فاعل كخاتم وألفه أصيلة (مرضت) أسند ما قام بالعبد إليه تعالى تشريفاً له كقوله تعالى: ﴿يخادعون الله﴾ (البقرة: ٩) جعل مخادعتهم للمؤمنين مخادعة لربّ العالمين تشريفاً لهم (فلم تعدني) بضم العين من العبادة (قال) أي ابن آدم المخاطب بهذا الحديث (يا رب كيف أعودك استبعاد لإمكان لحوق المريض له تعالى المرتب عليه العيادة أخذاً بظاهر الخطاب وبين وجه الاستبعاد بقوله (وأنت ربّ) أي ملك (العالمين) ومن كان كذلك لا يطرقه شيء من الأعراض فكيف يعاد (فقال) أي الله تعالى يقال مبيناً أن إسناد المرض إليه تعالى مجاز عقلي لكونه عن إرادته وفيه تشريف ذلك الإنسان (أما) بتخفيف الميم أداة استفتاح لتنبيه المخاطب على ما بعده (علمت أن عبدي فلاناً) يحتمل أن يراد منه العبد الكامل كما تومىء إليه الاضافة إلى الذات العلى، ويحتمل أن يراد منه مطلق العبد فالإضافة فيه للعهد بدليل قوله فلاناً (مرض فلم تعده أما علمت) فصل عما قبله إيماء إلى أنه المقصود بالتنبيه عليه وما قبله كالوسيلة إليه (أنك لو عدته لوجدتني) أي وجوداً معنوياً (عنده) . قال تعالى: ﴿ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ولا خمسة إلى هو سادسهم ولا أدنى من ذلك ولا أكثر إلا هو معهم﴾ (المجادلة: ٧) أي بالعلم فعلمه شامل لجميع المكونات والله تعالى مقدس عن المكان والحلول في شيء أو الاتحاد معه، وفيه إيماء إلى أن المحسن ينبغي له التيقظ لهذا النور الأسنى ليفوز بوافر السناء وحسن الثناء والله الموفق (يا ابن آدم) فصله عما قبله إيماء إلى أن كلا مأمور به على حدته موبخ تاركه على تركه (استطعمتك فلم تطعمني) حاله كما تقدم فيما قبله من الإسناد المجازي العقلي والنكتة فيه (قال) أي العبد المخاطب، وعبر عنه بالماضي إما لأنه إخبار عما صدر منه مع بعض من تقدم

стр. 1446

على الإخبار عنه أو أنه لما كان محقق الحصول عبر به بما يعبر عن ذلك كقوله تعالى: ﴿ونفخ في الصور﴾ (الكهف: ٩٩) (يا ربّ وكيف أطعمك وأنت ربّ العالمين) الواو عاطفة لهذا الاستبعاد على الاستبعاد قبله، وكأن شدة دهش أحوال الموقف أذهله عن جريان ما ذكره الحق فيما قبله فيه وفيما بعده فاستغرب ذلك وقال ما قال (فقال: أما علمت أنه) أي الشأن (استطعمك) طلب منك الطعام (عبدي فلان فلم تطعمه) أي ومنعك له من ذلك الطالب ظاهراً كأنه منع منك للطالب حقيقة كما أشار إليه تعالى تلويحاً وتعريضاً في غير ما آية كقوله: ﴿ويطعمون الطعام على حبه مسكيناً ويتيماً وأسيراً إنما نطعمكم لوجه الله﴾ (الإنسان: ٨، ٩) الآية (إنك لو أطعمته لوجدت ذلك عندي) أي باعتبار ثوابه المضاعف. قال تعالى: ﴿وما تقدموا لأنفسكم من خير تجدوه عند الله﴾ (البقرة: ١١٠) أي تجدوا ثوابه عنده فلا يضيع عمل عامل قال تعالى: ﴿إن الله لا يظلم مثقال ذرة وإن تك حسنة يضاعفها ويؤت من لدنه أجراً عظيماً﴾ (النساء: ٤٠) (يا ابن آدم استسقيتك) أي طلبت منك السقيا بلسان عبدي (فلم تسقني) أي تسق عبدي السائل منك ذلك (قال: يا ربّ كيف أسقيك) لعل الفصل مع وصل ما قبله إن لم يكن لشدة الذهول من عظيم ما يلقاه من التوبيخ للتفنن في التعبير (وأنت رب العالمين؟ قال: استسقاك عبدي فلان فلم تسقه، أما إنك لو سقيته لو جدت ذلك) أي ثوابه (عندي) ففيه دليل على أن الحسنات لا تضيع وأنها عند الله بمكان (رواه مسلم) أواخر «صحيحه» .

стр. 1447

٤٨٩٧ - (وعن أبي موسى ﵁ قال: قال رسول الله. عودوا المريض) أي بأي مرض كان كما يؤذن به تعريفه بأل الاستغراقية، وفي كل زمان كما يؤذن به إطلاق الأمر عن التقييد بزمان (وأطعموا الجائع) وهو كغيره من القيام بسد خلات المحتاج فرض كفاية على مياسير المسلمين فإن لم يكن ثمة إلا واحد تعين عليه (وفكوا العاني) أي المأسور لكفار أو لدين عليه أداؤه (رواه البخاري) في كتاب المرضى، ورواه أحمد وابن حبان والبيهقي من حديث أبي سعيد بلفظ «عودوا المريض واتبعوا الجنازة تذكركم الآخرة» ورواه البغوي في مسند عثمان من حديثه بلفظ «عودوا المريض واتبعوا الجنائز والعيادة غبا أو ريعاً إلا أن يكون مغلوباً فلا يعاد والتعزي مرة» كذا في «الجامع الصغير» (العاني) بالمهملة وبعد الألف نون (الأسير) في «المصباح» عنا يعنو عنواً من باب قعد خضع وذل، وعنا عنواً أيضاً إذا نشِب في الإِسار فهو عان والجمع عناة، وعنى الأسير من باب تعب لغة فيه، ومنه قيل للمرأة عانية لأنها محبوسة كالأسير عند الزوج والجمع عوان. قلت: وقد تقدم في باب الوصية بالنساء خيراً «استوصوا بالنساء فإنهن عوان عندكم» . ٥٨٩٨ - (وعن ثوبان) بفتح المثلثة وبعد الواو موحدة وبعد الألف نون ابن بجدد بموحدة فجيم فمهملتين، قال في «القاموس» : كقعدد مولى رسول الله تقدمت ترجمته ﵁ في باب المجاهدة (عن النبي قال: إن المسلم إذا عاد أخاه) أي في الاسلام وإن لم تكن أخوة نسب كما يومىء إليه وصفه بقوله (المسلم لم يزل في خرفة الجنة) قال في «النهاية» : الخرفة بضم الخاء المعجمة وسكون الراء وبالفاء اسم ما يخترف من النخل حين يدرك (قيل) لم أر من سمى السائل (يا رسول الله وما خرفة الجنة) قال القاضي البيضاوي في «التفسير» «ما» يسأل به عن كل شيء ما لم يعرف، فإذا عرف خص العاقل بمن

стр. 1448

إذا سئل عن تعيينه وإن سئل عن وصفه قيل ما زيد أفقيه أم طبيب وقال في قوله تعالى: ﴿ادع لنا ربك يبين لنا ما هي﴾ (البقرة: ٦٨) أي ما حالها وما صفتها وكان حقهم أن يقولوا أي بقرة هي أو كيف هي لأن «ما» يسأل بها عن الجنس غالباً، لكنهم لما رأوا ما أمروا به على حال لم يوجد بها شيء من جنسه أجروه مجرى ما لم يعرفوا حقيقته ولم يروا مثله اهـ. والخرفة وإن كانت معلومة عندهم إلا أنها لما أضيفت في الحديث إلى الجنة جهلوا المراد منها فسألوا بما ذكر (قال جناها) بفتح الجيم وبالنون مقصور، قال في «النهاية» : هو ما يجني من الثمر وجمعه أجن كعضا وأعص قال التوربشتى: المعنى إنه بسعيه إلى عيادة المريض يستوجب الجنة ومخارفها والعيادة لما كانت مفضية إلى مخارف الجنة سميت بها، وروي «كان له خريف في الجنة» وروي في خرافة وخروف ومخروف ومخارف الجنة، وروى كان له خريف أي مخروف (رواه مسلم) في الأدب من «صحيحه» ورواه الترمذي في الجنائز من «جامعه» وقال. حسن، ثم أشار فيه إلى الاختلاف في رواته. ٦٨٩٩ - (وعن علي ﵁ قال: سمعت رسول الله يقول: ما من) صلة لتأكيد عموم الاستغراق (مسلم يعود مسلماً غدوة) بضم المعجمة وبالواو وسكون المهملة بينهما قال في «المصباح» : هي ما بين صلاة الصبح وطلوع الشمس وجمعها غدا كمدية ومدى (إلاّ صلى عليه سبعون ألف ملك) أي استغفروا له ودعوا له بأنواع الرحمة مستمرين كذلك (حتى) أي إلى أن (يمسي) أي يدخل في المساء وهو من زوال الشمس إلى نصف الليل (وإن عادة عشبة) هو وقرينه منصوبان على الظرفية وهي آخر النهار، وقيل ما بين الزوال إلى الغروب، قال ابن الأنباري: العشية مؤنثة: أي تأنيث العشي، قال: وربما ذكرتها العرب

стр. 1449

على معنى العشي، وقال بعضهم: العشية واحدة وجمعها عشي كذا في «المصباح» (صلى عليه سبعون ألف ملك حتى يصبح) أي يدخل في الصباح وحتى فيه وفيما قبله غاية لمقدر دل عليه السياق كما أشرت إليه ثم إن كانت إن بمعنى ما لمقابلتها بها فتقدر إلا وحذفت لدلالة مقابلها عليها والواو حينئذ عاطفة أو مستأنفة، وإن كانت شرطية فلا تقدير لها، والجملة جواب الشرط (وكان له خريف في الجنة) كان يحتمل كونها تامة وخريف فاعلها والظرف المتقدم حال منه والمتأخر صفته، يحتمل كونها ناقصة والمرفوع اسمها وأحد الظرفين خبرها والثاني حال أو صفة، والرابط محذوف: أي بسببه والخريف بوزن الربيع (رواه الترمذي وقال حديث حسن) . (الخريف التمر المخروف أي المجتنى) قال في «النهاية» فعيل بمعنى مفعول. ٧٩٠٠ - (وعن أنس ﵁ قال: كان غلام يهودي) اسمه عبد القدوس كما قال الجلال البلقيني في مهمات البخاري (يخدم النبي فمرض، فأتاه النبي وسلم يعوده) فيه جواز عيادة الكافر (فقعد عند رأسه فقال له) أي عقب قعوده وقدمه على السؤال عن حاله لأنه الأهم المقدم وخشية أن يبغته الموت قبل الإسلام فيموت كذلك، ويحتمل أنه بعد السؤال عن ذلك وكان يسيراً جداً وتعقيب كل شيء بحسب حاله (أسلم، فنظر إلى أبيه وهو عنده) جملة حالية من المجرور بإلى والرابط كل من الضمير والواو: أي كالمستشير له في طاعة ما أمر به (فقال: أطع أبا القاسم، فأسلم) ففيه حلول الأنوار النبوية على نجاسه فانقلب إبريزاً (فخرج النبي وهو يقول: الحمد لله الذي أنقذه من النار) ففيه بركة صحبة الصالحين ظهور ثمرتها دنيا وأخرى (رواه البخاري في الجنائز من صحيحه) .

стр. 1450

١٥٤ - باب ما يدعى به للمريض أي بالفعل بصيغة المجهول ليشمل ما يدعو به المريض لنفسه أو يدعو به له غيره. ١٩٠١ - (عن عائشة ﵁ أن النبي كان إذا اشتكى) من باب الافتعال من الشكاية والتاء للمبالغة (الإنسان الشيء منه) من عضو ألم به (أو كانت قرحة) بفتح القاف من القرح وهو الجرح، فقوله (أو جرح) الظاهر أنه شك من الراوي هل قالت قرحة أو جرح (قال النبي بأصبعه) فيه إطلاق القول على الفعل (هكذا) وبين كيفية المشار إليه بقوله (ووضع سفيان) بتثليث السين من أتباع التابعين (ابن عيينة) بضم المهملة وكسرها (الراوي) أي لهذا الحديث (سبابته) بتشديد الموحدة الأولى وتخفيف الثانية بعدها فوقية وهي السبحة أي الأصبع التي تلي الإبهام، سميت بذلك لأنها تستعمل حال التسبيح، وسبابة لأنها بها يشار إلى الإنسان حال سبه (بالأرض) متعلق بوضع (ثم رفعها) إن كانت ثم على موضوعها من المهملة ففيه إيماء إلى طلب إطالة بقاء الأصبع بالأرض والله أعلم بسر ذلك وإلا فهي فيه بمعنى الفاء (وقال) عطف على قال الأول (باسم الله) يكتب بالألف بعد الباء وحذفها في مثله من خطأ الكتاب نبه عليه المصنف في «شرح مسلم» ، لكن حكى الخطابي المالكي في إعراب الألفية عن السمين جواز الوجهين، والظرف فيه متعلق بمحذوف دل عليه المقام: أي أداوي باسم الله، وقوله (تربة) بضم الفوقية وسكون الراء وفتح الموحدة (أرضنا) أي ترابها مبتدأ، وقال التوربشتي: خبر مبتدأ محذوف: أي هذه تربة أرضنا، والباء في قوله (بريقة بعضنا) باء المصاحبة: أي ممزوجة معها وخبر المبتدأ جملة (يشفي) بالبناء للمجهول ويتعلق به قوله (به) ونائب فاعله قوله (سقيمنا) والرابط هو الضمير المجرور وذكر لأن التربة بمعنى التراب، وقوله (بإذن ربنا) أي بأمره محل الحال من الخبر. والمعنى أنه يحصل الشفاء بإذن الله تعالى بهذا المذكور، قال

стр. 1451

التوربشتي: أمثال هذه الكلمات عسر الوقوف على معانيها وقصرت الأفهام عن تقرير التناسب بين ألفاظها ومبانيها لأنها لم توضع للعمل والاستنباط منها بل وضعت للتلفظ بها تيمناً وتشفيعاً، وربما وقع شيء من معانيها في القلوب السليمة الواقعة لاستماع كلام النبوة بمرصاد الأدب والحرمة، وقد علمنا من غير هذه الرواية أنه كان يبل أنملة إبهامه اليمنى بريقه ويضعها على الأرض ليلتزف بها التراب ثم يرفعها ويشير بها إلى السقيم، وذلك معنى قول عائشة بأصبعه. قلت: لكن صرحت في هذه الرواية بأنها السببابة والله أعلم. قال: والذي يسبق إلى الفهم من صنعه ذلك ومن قوله تربة أرضنا إشارة إلى فطرة أول مفطور من البشر، وريقة بعضنا إشارة إلى النطفة التي خلق الله منها الإنسان كأنه يتضرع بلسان الحال ويتعرض لفحوى المقال إنك اخترعت الأصل من طين، ثم ابتدعت نسله من سلالة من ماء مهين فهين عليك أن تشفي من كانت هذه نشأته وتمن بالعافية على من استوى في ملكك موته وحياته. فإن قيل إن صحت المناسبة بين التربة وفطرة الإنسان فما وجه المناسبة بين الريقة والنطفة؟ قلت: هما من فضلات الإنسان فعبر بإحداهما عن الأخرى وكانت عادته الكناية في مثل ذلك ونظيره ما جاء في حديث بشير بن الخصاصية «أنه بصق على كفه ثم وضع عليه أصبعه ثم قال: يقول الله : ابن آدم أتعجزني وقد خلقتك من مثل هذا؟ وأراد بها النطفة» (متفق عليه) . ٢٩٠٢ - (وعنها أن النبي كان يعود بعض أهله) أي عند مرضه (يمسح) أي ذلك المعاذ (بيده اليمنى) وبركتها عليه فيستحب فعل ذلك لمن يتبرك به (ويقول: اللهم ربّ الناس) ربّ منصوب على أنه منادى ثان، ولا يجوز نصبه عند البصريين على أن يكون صفة لقوله اللهم: أي يا مربيهم بالنعم والمخرج لهم إلى الوجود من العدم (أذهب) بهمزة

стр. 1452

القطع (الباس) هو في أصله مهموزاً وسهل بقلب الهمزة ألفا لمناسبة ما قبله: أي الشدة في الحرب والعذاب (اشف) بوصل الهمزة (أنت الشافي لاشفاء) بفتح الهمزة (إلا شفاؤك) بالرفع بدل من خبر لا المحذوف أو من ضميره أو من محل لا مع اسمها، وجملة لا شفاء إلا شفاؤك معترضة بين الفعل ومفعوله المطلق كالتعليل لسؤال ذلك (شفاء) مفعول اشف، ويجوز رفعه على أنه خبر مبتدأ محذوف: أي هو أو هذا وعليه فالجملة قبله مستأنفة (لا يغادر) بالغين المعجمة والدال المهملة والراء: أي لا يترك (سقماً) بفتحتين وبضم فسكون: أي مرضاً، وفائدة التقييد به أنه قد يحصل الشفاء من ذلك المرض فيخلفه مرض آخر متولد منه مثلاً فكأنه يدعو بالشفاء المطلق لا بمطلق الشفاء (متفق عليه) ورواه النسائي أيضاً. ٣٩٠٣ - (وعن أنس ﵁ أنه قال لثابت) بالمثلثة وبعد الألف موحدة فمثناة فوقية بوزن فاعل وهو البناني بضم الموحدة ونونين بينهما ألف التابعي الجليل، وقوله ﵀ جملة خبرية لفظاً دعائية معنى مستأنفة أتى بها دعاء لثابت (ألا) بفتح الهمزة واللام الخفيفة أداة استفتاح (أرقيك) بفتح الهمزة (برقية) بضم الراء وسكون القاف اسم للمرة من الرقي وجمعها رقي كمدية ومدى كذا في «المصباح» . وفي «فتح الباري» الرقى بضم الراء وبالقاف مقصور جمع رقية بسكون القاف، يقال رقي بالفتح في الماضي يرقى بالكسر في المستقبل، واسترقى فلان طلب الرقية والجمع بغير همز وهو بمعنى التعويذ بالذال المعجمة (رسول الله) أي بما كان يرقى به. قال القرطبي: فيه دليل على جواز الرقية من كل الآلام وأنه كان أمراً فاشياً معلوماً بينهم. وفي «فتح الباري» أجمع العلماء على جواز الرقى عند اجتماع ثلاثة شروط أن يكون بكلام الله تعالى أو بأسمائه أو بصفاته وباللسان العربي أو بما يعرف معناه من غيره وأن يعتقد أن الرقية لا تؤثر بذاتها بل بتقدير الله تعالى. واختلفوا في كون الأخير شرطاً والراجح أنه لا بد من اعتبار الشروط الثلاثة. وقال الربيع: سألت الشافعي عن الرقي فقال: لا بأس أن يرقي بكتاب الله أو بما يعرف من ذكر الله.

стр. 1453

قلت: أيرقي أهل الكتاب المسلمين؟ قال نعم إذا رقوا بما يعرف من كتاب الله وبذكر الّله، ثم أورد نحوه عن مالك. وسئل ابن عبد السلام عن الحروف المقطعة فمنع منها مالا يعرف لئلا يكون كفراً هـ ملخصاً (قال: بلى قال: اللهم ربّ الناس مذهب الباس) بقلب الهمزة ألفاً لمناسبة ما قبله، ومذهب يجوز أن يكون منادى أيضاً كما قبله، ويجوز أن يكون نعتاً لرب، أما على أن رب صفة مشبهة فإضافته كإضافة مذهب لفظية، وعلى كونه مصدراً فيجعل مذهب بمعنى الدوام والثبوت فتكون إضافته معنوية، ويجوز كونه بدلاً مطابقاً مما قبله (اشف) وقوله (أنت الشافي لا شافي إلا أنت) معترضة كما تقدم فيما قبله (شفاء لا يغادر سقماً، رواه البخاري) في آخر كتاب المرضى، ورواه أبو داود والترمذي والنسائي في «اليوم والليلة» . ٤٩٠٤ - (وعن سعد بن وقاص) بفتح الواو وتشديد القاف آخره مهملة كنية مالك بن أهيب ابن عبد مناف بن زهرة بن كلاب القرشي الزهري تقدمت ترجمته ﵁ في الكتاب في باب الإخلاص (قال: عادني رسول الله فقال اللهم اشف سعداً ثلاث مرات) ظرف لقال: أي كرره ثلاثاً لمزيد الاهتمام والاعتناء، وقد تقدم أن النبي كان إذا تكلم بالكلمة أعادها ثلاثاً وفي الحديث «إن الله يحبّ الملحين في الدعاء» رواه الحكيم الترمذي وابن عديّ والبيهقي في «الشعب» من حديث عائشة مرفوعاً (رواه مسلم) .j ٥٩٠٥ - (ومن أبي عبد الله عثمان بن أبي العاص) بحذف التحتية في الأصول على حذف ياء المنقوص المعرف حال الوقف عليه، وبه قرىء قوله تعالى: ﴿المتعال﴾ ويجوز

стр. 1454

إثباتها وتقدم زيادة بيان فيه في ترجمة عبد الله بن عمرو بن العاص، وعثمان هذا ﵁ ثقفى طائفي صحابي شهير استعمله النبي على الطائف ومات في خلافة معاوية بالبصرة خرج عنه مسلم والأربعة كذا في «تقريب الحافظ» ، وزاد المصنف في «التهذيب» أن الصديق وعمر أقراه على الطائف وأنه أسلم في وقد ثقيف، قال: روى له عن رسول الله تسعة أحاديث، أخرج له مسلم ثلاثة منها، واستعمله عمر على عمان والبحرين ثم نزل البصرة قال ابن قتيبة: أقطعه عثمان بن عفان اثني عشر ألف جريب. قال في «المصباح» بعد كلام قدمه فحصل من هذا أن الجريب عشرة آلاف ذراع، وعن عبد الله الكاتب ثلاثة آلاف وستمائة ذراع، وجريب الطعام أربعة أقفزة قاله الأزهري (أنه شكا إلى رسول الله مرضاً يجده) من الوجدان أي يحسه في جسده (فقال له رسول الله: ضع يدك) أي أجعلها موضوعة (على الذي يألم) بفتح التحتية واللام وسكون الهمزة بينهما: أي يوجع (من جسدك) بيان للذي (وقل) أي مع وضعها أو عقبه مصاحباً كما يومىء إليه السياق وهو يدفع ما تصدق به الواو من قوله ذلك قبل الوضع: أي بحضور قلب مع الربّ ونسيان ما سواه (باسم الله) أي استشفى باسمه (ثلاثاً) ظرف لقل (وقل) عطف على قل الأول (سبع) ظرف لقل الثانية (مرات) أي تارات (أعوذ) أعتصم وأتحصن (بعزّة الله) أي بغلبته (وقدرته) أي صفته الأزلية القادر بها على كل ممكن (من شر ما أجد) أي من الألم (وأحاذر) أي أحذر والمغالبة للمبالغة والإتيان بالذكر المذكور ليسرى أثره في الأعضاء السبعة. قال الطيبي، تعوذ من مكروه ووجع هو فيه ومما يتوقع حصوله في المستقبل من حزن وخوف فإن الحذر الاحتراز عن الخوف (رواه مسلم) والأربعة أيضاً.

стр. 1455

٦٩٠٦ - (وعن ابن عباس ﵄ عن النبي قال: من عاد مريضاً لم يحضر أجله) أي لم تتم مدة عمره (فقال: عنده سبع مرات) كلاهما ظرفان للقول والأول مكاني والثاني زماني (أسأل الله العظيم) والإتيان به لبيان أنه لا يتعاظم عليه مطلوب لعظمته (ربّ العرش العظيم) بالجرّ على أنه صفة العرش، وفي نسخة مصححة من «الحصن» لابن الجزري بنصبه على أنه صفة لربّ (أن يشفيك) بفتح التحتيتين وهو ثاني مفعول أسأل (إلا عافاه الله) استثناء من «من» الشرطية العامة كأنه قال: ما عاد أحد مريضاً فقال كذا إلا عافاه الله والمغالة وللمبالغة: أي أعطاه عافية تامة (من ذلك المرض) ويشمل الوعد ما ينشأ عنه ففيه عافية من قيل عنده ذلك من مرضه القائم به ومما يتسبب عنه، ويحتمل أن يكون قاصراً عليه دون ما ينشأ عنه والله أعلم (رواه أبو داود والترمذي وقال: حديث حسن) وكذا رواه النسائي وابن حبان الحاكم في «مستدركه» كما أشار إليه المصنف بقوله (وقال الحاكم: حديث صحيح على شرط البخاري) أي مرويّ برجال روى عنهم البخاري في «صحيحه» الحديث الصحيح ورواه أيضاً ابن أبي شيبة في «مصنفه» . ٧٩٠٧ - (وعنه أن النبي دخل على أعرابيّ) منسوب إلى الأعراب بفتح فسكون وهم سكان البادية، قال الشيخ زكريا في «التحفة» : واسمه قيس بن أبي حازم بالمهملة والزاي (يعوده وكان إذا دخل على من يعوده) قال: وفي رواية البخاري فقال له بزيادة الفاء أوله

стр. 1456

والظرف بعده (لا بأس) بالهمزة على أصله ويجوز تسهيله ألفاً، وقد أجاز السوسى إبداله وإبدال مثله ألفاء مطلقاً وهمزة عند الوقف (طهور) بفتح أوله ويجوز ضمه وهو مرفوع على أنه خبر مبتدأ محذوف: أي هذا: أي مرضك مطهر لذنبك مكفر لعيبك واقتصر عليه لكونه الأكثر، وإلا فقد يكون أيضاً سبباً لرفع الدرجات في العقبى أو لعلوّ المقامات فيها في الدنيا لأن الرياضيات تنتج الحالات والكشوفات (إن شاء الله تعالى) أي إن تعلقت المشيئة بتطهيره بذلك، وجملة «كان» حالية من فاعل دخل والجملة الشرطية في محل نصب خبر كان، وقد أورده ابن الجوزي في «الحصن» مكرراً، وعزاه لتخريج البخاري والنسائي وهو في باب العيادة من البخاري بلا تكرار فلعله للنسائي (رواه البخاري) . ٨٩٠٨ - (وعن أبي سعيد الخدري ﵁ أن جبريل أتى النبي فقال: يا محمد) في ندائه باسمه إيماء إلى أن الخطاب بقوله تعالى: ﴿لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضاً﴾ (النور: ٦٣) متوجه للمكلف من الثقلين (اشتكيت) لعل التاء فيه للمبالغة في الشكوى. كما يومىء إليه حديث «أشد الناس بلاء الأنبياء (قال نعم) فيه جواز الإخبار بالمرض على طريق بيان الواقع من غير تضجر ولا تبرم (قال باسم الله) قدمه على متعلقه وهو قوله (أرقيك) بفتح الهمزة وكسر القاف اهتماماً واختصاصاً كما في بسم الله مجراها، وعلق به أيضاً قوله (من كل شيء يؤذيك) أي يوصلك إلى المكروه، ثم بين إبهام شيء بقوله (من شرّ كل نفس) خبيثة أمارة بالسوء ولا ينافي هذا قوله تعالى: ﴿والله يعصمك من الناس﴾ (المائدة: ٦) بفرض تأخره عنه لأن الذي عصم منه هو إزهاق الروح ونحوه لا مطلق الإيذاء، لأنه لم يزل يؤذي إلى آخر حياته زيادة في إعلاء رتبه وتشريفاً للسالكين

стр. 1457

سننه من بعده من أمته (أو) الظاهر أنها بمعنى الواو، وإنما ذكر هين مع أن المراد ما يعمهما وغيرهما لبيان أخص أنواع الأذى وحينئذ يصح بقاء «أو» على حالها إشارة إلى أن الأخص أحد هذين (عين كل حاسد) عدل إليه عن معيان الذي هو القياس، إذا لا يلزم من الحاسد أن يكون معياناً إشارة إلى أن الغالب أن المعيان لا تؤثر عينه إلا بعد استحسان الشيء في نفسه الخبيثة حسداً لصاحب ذلك الشيء. وقال المصنف في «شرح مسلم» : قيل يحتمل أن المراد بالنفس نفس الآدمي. ويحتمل أن المراد بها العين فإن النفس تطلق عليها، ويكون قوله أو عين حاسد من باب التوكيد بلفظ مختلف أوشك من الراوي في لفظه اهـ. ويحتمل أن يكون الظرف بدلاً من قوله من شيء ما بدل بعض من كل، ويحتمل أن يكون متعلقاً بقوله يؤذيك ومن فيه حينئذ للابتداء (الله يشفيك) بفتح التحتية كما تقدم قريباً (باسم الله أرقيك) كرره تأكيداً تنبيهاً على أن الرقي لا تنبغي أن تكون إلا بأسماء الله وأوصافه وذكره، فببركة ذلك يرتفع ما يؤذن في رفعه من الضرر (رواه مسلم) . ٩٩٠٩ - (وعن أبي سعيد وأبي هريرة ﵄: أنهما شهدا على رسول الله أنه قال: من قال لا إله إلا الله والله أكبر صدقه ربه) وبين كيفية تصديقه بقوله على سبيل عطف البيان والتفسير (فقال: لا إله إلا أنا وأنا أكبر) أي فإتيانه تعالى بمثل ما قال العبد بمعناه تصديق له (وإذا قال) أي الشخص المدلول عليه بأداة الشرط (لا إله) أي لا معبود بحق في الوجود (إلا الله وحده) منفرداً في ذاته وفي أوصافه (لا شريك له) أي في ملكه ولا في فعله (قال) أي الله مصدقاً له نظير ما قبله (لا إله إلا أنا وحدي لا شريك لي، وإذا قال لا إله إلا الله له) دون غيره (الملك) بضم الميم: أي التصرف والقهر وكل ملك مالك ولا عكس، وهو بمعنى قوله فيما قبله لا شريك له (وله) دون غيره (الحمد) إذ هو الثناء على الجميل الاختياري، وهو الفاعل لجميع ذلك الموجد له، والموجد على يده إنما هو مظهر فعله سبحانه، فعاد جميع الحمد إليه وقصر عليه كما يؤذن به تقديم ما حقه التأخير فيهما (قال)

стр. 1458

أي الله مصدقاً لعبده (لا إله إلا أنا لي الحمد ولي الملك، وإذا قال: لا إله إلا الله ولا حول ولا قوة إلا بالله) عطف جملة الحوقلة على جملة التوحيد وذلك لتلازمهما وعدم انفكاك مضمون كل منهما عن مضمون الآخر، إذ الممكن لا بد له من موجد ومنه الحول والقوة، وليس ذلك الموجد إلا إله، فإذا لم يكن الإله إلا هو فيلزم أن لا حول ولا قوة لغيره (قال) أي الله (لا إله إلا أنا ولا حول ولا قوة إلا بي) ثم الذي وقفت عليه في الأصول ضبط «حول» و «قوة» فيهما بالفتح على إعمال «لا» فيهن وكأنه لأنه الرواية (وكان) يعني النبي وهو عطف على قال فيكون من جملة ما حكياه (يقول من قالهن في مرضه ثم مات) أي فيه (لم تطعمه) بفتح الفوقية والمهملة (والنار) وهذا كناية من عدم دخوله إليها، ثم يحتمل أن يراد لا يدخلها دخول تخليد وتأبيد، ويحتمل أن يتسبب عنه بفضل الله تعالى من حسن الخاتمة ما يدخل به قائله الجنة مع الفائزين وهو المتبادر من متن الحديث (رواه الترمذي) في الدعوات من «جامعه» (وقال: حديث حسن) ثم أشار إلى أن شعبة قد رواه عنهما بنحوه ووقفه عليهما. ١٤٦ - باب استحباب سؤال أهل المريض عن حاله وذلك لما فيه من العناية بحال المريض والاحتفال بأمره وإدخال السرور عليه. ١ - (وعن ابن عباس ﵄ أن عليّ بن أبي طالب ﵁ خرج من عند رسول الله في وجعه الذي توفي فيه فقال الناس: يا أبا الحسن كيف أصبح رسول الله؟) يؤخذ منه استحباب السؤال عن حال المريض إذا عسر الوصول إليه لعارض

стр. 1459

كغلبة مرض أو شرب دواء فيسن سؤال أهله حينئذ عن حاله، قال ابن حجر الهيتمي: وهذا الندب وإن لم يصرح به أصحابنا لكنه ظاهر المعنى لأن المريض إذا بلغه ذلك سرّ به (قال: أصبح بحمد الله) أي متلبساً بحمد الله (بارئاً) اسم فاعل من البرء خبر بعد خبر أو حال ضمير أصبح ويجوز عكسه، والمعنى قريباً من البرء بحسب ظنه، أو للتفاؤل أو بارئاً مما يعتري المريض من قلق وغفلة. وفيه أن ينبغي لمن يسأل عن حال المريض أن يجيب بمثل ما ذكره فيه مما يشعر برضا المريض بما هو فيه عن الله تعالى، وأنه مستمرّ على حمده وشكره لم نغيره عنه شدة ولا مشقة، وبما يؤذن بخفة مرضه وقرب عافيته: قال ابن حجر أيضاً: وهذا وإن لم يصرح به أصحابنا لكنه واضح (رواه البخاري) في الاستئذان، وأخرجه في المغازي أيضاً من وجهين وزاد بعد بارئاً، فقال العباس: «والله إني لأرى رسول الله سيتوفى من وجعه هذا، وإني لأعرف وجوه بني عبد المطلب عند الموت» الحديث. ١٤٧ - باب ما يقوله من أيس بالبناء للفاعل (من حياته) أي بظهور علامات الموت التي لا يتخلف عنها عادة. ١٩١١ - (وعن عائشة ﵂ قالت: سمعت رسول الله) وفي نسخة: (وهو مستند إلى) جملة حالية من مفعول سمعت وجملة (يقول) يصح كونها حالاً منه أيضاً أو من مجرور إلى فهي مترادفة أو متداخلة (اللهم اغفر لي) وهذا منه خضوع لمقام الربوبية وإلا فهو معصوم من جميع الذنوب، أو تشريع للأمة وتنبيه على أن حق مثل هذا المطلب ألا يغفل عنه المستيقظ حالتئذ لأنها حالة الانتقال وساعة الارتحال (وارحمني) ورحمة كل

стр. 1460

شيء بحسب ما يليق به، فأعظم الرحمات ما منحه نبيه مما لا يحيط به بيان، وظاهر أن الرحمة فيها مجاز مرسل تبعي، وقد صرح العصام بأنه كما توصف الاستعارة بالتبعية وهي ما كان في الحرف أو المشتق يوصف به المجاز المرسل، قال: ومنه قوله تعالى: ﴿إذا قمتم إلى الصلاة﴾ (المائدة: ٦) أي إذا أردتم القيام إليها (وألحقني) بقطع الهمزة (بالرفيق الأعلى) قيل المراد به الملائكة المقرّبون والعباد الصالحون بالمعنى الأعمّ وهو الوجه الأتم المناسب لما جاء في قول يوسف ﴿توفني مسلماً وألحقني بالصالحين﴾ (يوسف: ١٠١) وفي السلاح لابن همام: هم الأنبياء والصديقون والشهداء والصالحون المذكورون في قوله تعالى: ﴿وحسن أولئك رفيقاً﴾ (النساء: ٦٩) ويؤيده ما جاء في الحديث الصحيح مبيناً «فجعل يقول مع الذين أنعمت عليهم من النبيين والصديقين» الخ. والحديث يفسر بعضه بعضاً اهـ. قال القاري عن بعضهم: وهو المعتمد، ومعنى كونهم رفيقاً بقاؤهم على طاعة الله تعالى وارتفاق بعضهم ببعض، ونكتة إفراد هذه الكلمة الإشارة إلى أن أهل الجنة يدخلونها على قلب رجل واحد. وقيل معناه: الإلحاق بالله تعالى فإن من أسمائه الحسنى الرفيق، والمراد بالأعلى الموصوف به أعلى علوّ المكانة لا المكان. قال في الحرز وهذا هو الأنسب بالمصطفى آخر كلامه في طلب المولى كما أنه أول من قال بلى في جواب ألست بربكم في الميثاق الأعلى (متفق عليه) ورواه الترمذي والإسماعيلي وابن حبان. ٢٩١٢ - (وعنها قالت: رأيت رسول الله وهو بالموت) أي متلبس بمقدماته (وعنده قدح فيه ماء) الجملتان الأوليان حالان من مفعول رأيت والثانية حال من الأولى، وأما قوله فيه ماء فهي في محل الصفة للمبتدأ إن أعرب الظرف خبراً مقدماً وما مبتدأ مؤخراً، فإن

стр. 1461

أعرب الظرف صفة فماء فاعله (وهو يدخل يده في القدح ثم يمسح وجهه بالماء) الذي بيده من القدح وذلك للحرارة التي يجدها من مزاولة ما كان فيه (ثم يقول: اللهم أعني على غمرات) بفتح المعجمة والميم كسجدة وسجدات: أي شدائد (الموت) التي هي لشدتها تكاد تغمر: أي تغطى عليه وتستره (وسكرات) بفتح أوليه أيضاً (الموت) كذا هو في الأصول وسكرات بالواو: أي شدائد مقدماته التي يقوي على الروح حتى يغيبها عن إدراكها وقد صح «أنه كان يعمى عليه من مرض موته» وقد ألف الشيخ محمد البكري رسالة سماها «القول الأجلّ في حكمة كرب المصطفى عند حلول الأجل» لخصناها في «شرح الأذكار» (رواه الترمذي) وكذا رأيته في الجنائز من «جامعه» في أصلين مصححين ثم رأيته في المشكاة بلفظ «أعنى على منكرات الموت أو سكرات الموت» وقال: رواه الترمذي وابن ماجه ولعله لفظ ابن ماجه، وعزوه للترمذي باعتبار أصل الحديث، وسكت المصنف عن نقل قول الترمذي في رتبة الحديث على خلاف عادته سهواً، قال الترمذي: هذا حديث غريب. ١٤٨ - باب استحباب وصية أهل المريض مصدر مبني للمفعول مضاف إليه: أي أن يوصوهم (ومن يخدمه بالإحسان إليه) بلين الكلام وإظهار البشر وإعطائه المطلوب (واحتماله) على ما قد يوقعه فيه المرض من سيء الكلام (والصبر على ما يشقّ من أمره وكذا الوصية بمن قرب سبب موته بحد) نحو زنا (أو قصاص ونحوهما) الأولى ونحوه لأن العطف فيما قبله بـ «و» وهي لأحد الشيئين. ١٩١٣ - (عن عمران بن حصين) بضم المهملة وفتح الثانية وسكون التحتية ﵂ أن امرأة) لم أقف على من سماها وهي واحدة نسوة من معناها (من جهينة) بضم

стр. 1462

الجيم وفتح الهاء والنون وسكون التحتية بينهما: وعند مسلم في رواية «من غامد» قال المصنف في شرحه: وغامد بالغين المعجمة وبعد الألف ميم فدال مهملة. بطن من جهينة (أتت النبي وهي حبلى من الزنى) من فيه ابتدائية أو تعليمية (فقالت: يا رسول الله أصبت حداً) أي موجبه ومقتضيه. ففيه مجاز مرسل من إطلاق الملزوم وإرادة اللازم (فأقمه على) وذلك لتبالغ في تطهير نفسها من دنس ذلك الذنب الذي تطهرت منه بالتوبة إذ لولاها لما سمحت بنفسها (فدعا نبي الله وليها) أي قريبها القائم عليها (فقال: أحسن إليها) أمره بذلك للخوف عليها منه لما أن العار يلحقهم من الغيرة ولحوق العار بهم ما يحملهم على أذاها، فأوصى بها تحذيراً من ذلك، ولمزيد الرحمة بها لأنها تابت وحرض على الإحسان إليها لما في قلوب الناس من النفرة من مثلها وإسماعها الكلام المؤذي، فنهى عن ذلك كله كما أشار إليه المصنف (فإذا وضعت فأثنى بها) إنما وجه الأمر إليه بذلك ليحمله على الاهتمام بحفظها ودفع الموبقات عنها (ففعل) أي الرجل (فأمر بها النبي) أي بعد استغناء ولدها عنها (فشدت) وفي رواية النسائي وابن ماجه «فشكت» بالكاف بدل الدال (عليها ثيابها) لئلا ينكشف شيء من بدنها عند رجمها (ثم أمر بها فرجمت) وهي معنى قوله في رواية النسائي فرجمها، ويحتمل أنه ابتدأ بالرجم فرجمها الناس بعد فيكون كل من الروايتين بعض ما وقع. وفيه دليل على أن ذلك موقوف على إذن الإمام فيه فمن افتات فيه عليه عزر (ثم صلى عليها) وعلل ذلك في «صحيح مسلم» بأنها «تابت توبة لو قسمت على أهل المدنية لوسعتهم، وهل وجدت أفضل من أن جادت بنفسها لله » . وفيه الصلاة على المقتول حداً وأن الحد طهرة له من دنس الذنب (رواه مسلم) في الحدود ورواه أبو داود والترمذي في الحدود، وقال الترمذي: صحيح أيضاً، ورواه النسائي في الجنائز وفي الرجم، والحديث مر شرحه بكماله في باب التوبة.

стр. 1463

باب جواز قول المريض أنا وجع بكسر الجيم: أي مريض متألم كما في «المصباح» اسم فاعل من وجه من باب علم (أو شديد الوجع) بفتح أوليه من إضافة الصفة إلى الموصوف (أو موعوك) أي محموم (أو وا رأساه) هو مندوب والمندوب المنادى المتفجع عليه نحو واعمراه، أو المتوجع منه نحو وارأساه والهاء فيه للوقف فإن وصلت حذفتها، ويجوز إثباتها في الضرورة، ويجوز حينئذ كسرها على أصل التخلص من التقاء الساكنين وضمها وتشبيهاً بهاء الضمير (ونحو ذلك، وبيان أنه لا كراهة في ذلك إذا لم يكن على وجه التسخط) أي تكلف السخط مما نزل به وكأنه أشار بذلك إلى أن من شأن المؤمن ألا يبدو منه غضب امتحان المولى سبحانه له، وأن ما يظهر منه على بغض كأنه تكلف صدر عن غير سجيته (وإظهار الجزع) وفي تعبير المصنف بالجواز أولاً وعدم الكراهة ثانياً إيماء إلى أن الأفضل والأعلى الصبر على ما نزل به وعدم إبرازه وإظهاره وما فعله المصطفى فهو على وجه التشريع وبيان جوازه كما فعل التداوي لذلك وإن كان تركه توكلاً أعلى وأغلى. ١٩١٤ - (وعن ابن مسعود ﵁ قال: دخلت على النبي وهو بالبناء للمفعول: أي وعك الحمى (فمسته) بكسر المهملة الأولى وجاء أيضاً بفتحها من باب قتل: أي أفضيت إليه بيدي من غير حائل، كذا قيدوه، قاله في «المصباح» (فقلت إنك لتوعك) بالبناء للمفعول (وعكاً) بسكون العين المهملة مصدر مبني للمفعول (شديداً) وعرف ذلك بما أصاب يده عند مسه جسده (قال أجل) بفتح الجيم وسكون اللام قال في «القاموس» حرف جواب كنعم إلا أنه أحسن منه في التصديق ونعم أحسن منه في الاستفهام اهـ (كما يوعك رجلان منكم) وذلك زيادة في درجته وإعلاء رتبته كما صرح به في الحديث «فقلت ذلك أن لك أجرين، فقال رسول الله أجل» الحديث، وسكت عنه المصنف

стр. 1464

لعدم تعلق غرض الترجمة به (متفق عليه) أخرجه البخاري في الطب ومسلم في الأدب وكذا رواه فيه النسائي، وقد سبق الحديث مشروحاً في باب الصبر. ٢٩١٥ - (وعن سعد بن أبي وقاص ﵁ سبقت ترجمته في باب الإخلاص (قال جاءني رسول الله يعودني من وجع اشتد بي) وكان ذلك بمكة عام حجة الوداع كما صرح به البخاري في رواية له في أبواب الهجرة (فقلت: بلغ بي ما ترى) يحتمل أن يكون «ما» فاعل بلغ ويكون المفعول محذوفاً، ويحتمل كونها مفعولاً به والفاعل مستتر يعود إلى الوجع المدلول عليه بالمشاهدة (وإناذو) أي صاحب (مال) أي عظيم كما يومىء إليه إضافة ذو الأبلغ من «صاحب» إليه (ولا ترثني إلا ابنتي) لعلها ابنته عائشة التي روى البخاري الحديث من طريقها عنه في باب المرضى (وذكر الحديث) وفيه الإذن بالوصية بالثلث والإيماء إلى طلب النقص منه وشاهد الترجمة من الحديث إقرار النبي سعداً على قوله بلغ بي ما ترى، ولو كان منهياً عنه ولو تنزيهاً لنهاه كما نهى بشيراً عن تخصيص ولده النعمان بعطية وعن باقي إخوته بامتناعه عن الشهادة على ذلك وقوله لا أشهد على جور (متفق عليه) رواه البخاري في الجنائز والهجرة والمغازي والطب والدعوات والفرائض قاله المزي، وتعقبه الحافظ ابن حجر بأنه لم يجده فيه وإنما وجده في كتاب الإيمان باختصار اهـ. ورواه مسلم في الوصايا، وكذا رواه فيه أبو داود والترمذي، وقال الترمذي: حسن صحيح ورواه فيه النسائي وابن ماجه في الوصايا.

стр. 1465

٣٩١٦ - (وعن القاسم بن محمد) بن أبي بكر الصديق القرشي التيمي، قال الحافظ: هو ثقة وهو أحد الفقهاء بالمدينة، قال أيوب: ما رأيت أفضل منه وهو من الثالثة: أي من كبار التابعين مات سنة ستّ ومائة على الصحيح خرّج عنه أصحاب الستة، وقد نظم بعض المتقدمين أسماء فقهاء المدينة السبعة فقال: ألا كل من لا يقتدي بأئمة فقسمته ضيزي عن الحق خارجه فخذهم عبيد الله عروة سالم سعيد أبو بكر سليمان خارجه وقد نظمت أسماءهم أيضاً فقلت: عبيد الله خارجة وعروه أبو بكر سعيد ثم سالم سليمان همو فقهاء طيبة بعد التابعين أولى المكارم (قال: قالت عائشة ﵂ وارأساه، فقال النبي: بل أنا وارأساه) فيه دليل الترجمة في موضعين: الأول من المرفوع والثاني من الموقوف على عائشة كما تقدم في نظيره من قول سعد من إقرره (وذكر الحديث، رواه البخاري) في كتاب المرضى. ١٥٠ - باب استحباب تلقين المحتضر بالبناء للمفعول: أي من حضره الموت (لا إله إلا الله) ليكون آخر كلامه فيفوز بالوعد المرتب عليه، واستغنى المصنف بما أورده من الأحاديث الدالة على استحبابه عن التصريح به. ١٩١٧ - (عن معاذ ﵁ قال: قال النبي من كان آخر كلامه) بالنصب خبر كان

стр. 1466

مقدماً واسمها قوله (لا إله إلا الله) لأنه أريد بها لفظها فصارت كلمة، بل إسماً وعلماً، ويجوز العكس (دخل الجنة) أي بعد التعذيب إن عذب، ففيه الوعد بموت قائل ذلك على الإسلام، ويحتمل أن يراد دخلها ابتداء مع الفائزين، ويؤيده حديث أبي يعلى الآتي وهذا ما استظهره عياض (رواه أبو داود والحاكم) في «المستدرك» (وقال صحيح الإسناد) ورواه: أحمد في «الجامع الكبير» للسيوطي، وأخرجه الطبراني في «الأوسط» من حديث علي ابن أبي طالب «من كان آخر كلامه لا إله إلا الله لم يدخل النار» وأخرجه أبو يعلى وابن عساكر في «تاريخه» من حديث «من كان آخر كلامه عند الموت لا إله إلا الله وحده لا شريك له هدمت ما كان قبلها من الذنوب والخطايا» وبيض في «الجامع» لصحابيه في روايتهما. ٢٩١٨ - (وعن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله لقنوا موتاكم) أي الآيلين إلى الموت فسماهم بذلك مجازاً مرسلاً أو لأنهم صاروا في حكم الأموات، وقد اقتصر عليه التوربشتي، وأجاز في حديث «اقرءوا على موتاكم يس» حمله على ذلك وعلى حقيقته فتقرأ عليه بعد موته في بيته ومدفنه (لا إله إلا الله) وجرى قوم على حقيقة اللفظ وعليه أصحابنا وجمع من الأئمة، فاستحبو التلقين بعد الموت وبعد الدفن، وقد ألف فيه الحافظ السخاوي مؤلفاً نفيساً (رواه مسلم) وأحمد والأربعة كلهم في حديث أبي سعيد ورواه مسلم وابن ماجه عن أبي هريرة والنسائي عن عائشة كذا في «الجامع الصغير» . قال السخاوي في مؤلفه في التلقين: وهو عند ابن حبان من حديث أبي هريرة، وفيه من الزيادة قوله «فإنه من كان آخر كلامه عند الموت لا إله إلا الله دخل الجنة يوماً من الدهر وإن أصابه قبل ذلك ما أصابه» وعند الطبراني من حديث ابن عباس مرفوعاً «لقنوا موتاكم لا إله إلا الله، فإنه ليس من مسلم يقولها عند الموت إلا نجته» وجاء كذلك من طرق عديدة وهو مؤيد لحمل الموتى على المشارفين له، ومن جملة من حمله على ذلك من الشافعية العزّ بن عبد السلام في «فتاويه» . قال العراقي في «شرح الترمذي» في قوله لقنوا موتاكم: هل الأولى حمله على الحقيقة

стр. 1467

فيكون المراد به تلقين الميت بعد الموت لأن إطلاق اسم الميت عليه قبل موته مجاز والحقيقة مقدمة على المجاز أو الأولى حمله على المجاز لما دل عليه لفظ حديث أبي هريرة عند ابن حبان «من كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة» فإن هذا يدل على تلقين المحتضر وهو قرينة صارفة للفظ عن الحقيقة وعليه حمله المصنف: يعني الترمذي وغيره اهـ. ومعتمد مذهب الشافعية التلقين بعد الموت كما نقله المصنف في «المجموع» عن جماعة من الأصحاب. قال السخاوي: وممن نص على استحبابه القاضي حسين والمتولي والشيخ نصر المقدسي والرافعي وغيرهم، ونقل حسين عن أصحابنا مطلقاً، وقال ابن الصلاح، هو الذي نختاره ونعمل به، قال السخاوي وقد وافقنا المالكية على استحبابه أيضاً، وممن صرح به منهم القاضي أبو بكر بن العربي قال: وهو فعل أهل المدينة والصالحين والأخيار، وجرى عليه العمل عندنا بقرطبة. وأما الحنفية فاختلف فيه مشايخهم كما في المحيط من كتبهم، وكذا اختلف فيه الحنابلة اهـ. ملخصاً. ١٥١ - باب ما يقوله بعد تغميض الميت ١٩١٩ - (وعن أم سلمة ﵂ قالت: دخل رسول الله أبي سلمة) هو عبد الله بن عبد الأسد المخزومي الصحابي الجليل (وقد شقّ بصره) قال التوربشتي: بفتح الشين وضم الراء إذا نظر إلى شيء لا يرتد إليه طرفه، وضم الشين منه غير مختار. قال ابن السكيت: ولا يقال شق الميت بصره، وقد اختصر في هذا المقام لكنه بسطه المؤلف فقال في «شرح مسلم» هو بفتح الشين، ورفع بصره فاعل على شق، كذا ضبطناه وهو المشهور وضبطه بعضهم بضره بالنصب وهوصحيح أيضاً والشين مفتوحة بلا خلاف. قال القاضي: قال صاحب الأفعال: يقال شق بصر الميت وشق الميت بصره ومعناه شخص كما في الرواية الأخرى. وقال ابن السكيت في الاصطلاح والجوهري حكاية عن ابن السكيت: يقال شق بصر الميت ولا يقال شق الميت بصره وهو الذي حضره الموت وصار ينظر إلى الشيء لا يرتد إليه طرفه (فأغمضه) لئلا يتشوه منظره (ثم قال: إن الروح إذا قبض) بالبناء

стр. 1468

للمفعول (تبعه البصر) أي إذا خرج الروح من الجسد تبعه البصر ناظراً أين نذهب. قال الحافظ: وفي فهم هذا المقام دقة لأن البصر إنما يبصر ما دام الروح في الجسد، فإذا فارقه تعطل كغيره من الإحساس، والذي ظهر لي فيه بعد النظر ثلاثين عاماً أنه محمول على أن المراد خروج الروح من أكثر الجسد مع بقائه في الرأس والعين، فإذا خرج الأكثر من الفم ولم يخرج الباقي نظر البصر إلى القدر الخارجي فيكون معنى قوله إذا قبض أخذ في القبض ولم ينته، أو على ما ذكر كثير من العلماء من أن للروح اتصالاً بالبدن وإن خرجت فترى وتسمع وترد السلام، فيكون هذا الحديث من أقوى الأدلة لذلك اهـ ملخصاً. وفيهما نظر إذا الأول مجاز والثاني إنما فيه بقاء إدراك حاسة البصر الذي الكلام فيه وفي شرح المنهاج لابن حجر الهيتمي يحتمل أن المراد من قوله تبعه البصر أن القوة الباصرة تذهب عقب خروج الروح فحينئذ تجمد العين ويقبح منظرها، ويحتمل أنه يبقى فيه عقب خروج الروح شيء من البخار الغريزي فيشخص بذلك ناظراً إلى أين تذهب. ولا بعد في هذا لأن حركته حينئذ قريبة من حركة المذبوح، ويحكم على الإنسان مع وجودها بسائر أحكام الموتى اهـ. والأول من وجهية أقرب، وقد سبقه إليه التوربشتي في «شرح المصابيح» ، وعلل الإغماض بوجه آخر فقال: ولذا أغمض لذهاب فائدة الانفتاح بذهاب البصر عند ذهاب الروح، وذكر احتمالاً ثانياً هو أن من حضره الموت ينظر إلى روحه نظر شزر لا يرتد إليه طرفه حتى تضمحل بقية القوة الباقية بعد مفارقة الروح الإنساني الذي يقع به الإدراك والتمييز دون الحيواني الذي به الحس والحركة وغير مستنكر من قدرة الله تعالى أن ينكشف عنه الغطاء ساعتئذ حتى يبصر ما لم يكن يبصر، وهذا الوجه في حديث أبي هريرة أظهر، وهو أيضاً صحيح أخرجه مسلم في «صحيحه» عنه مرفوعاً «ألم تروا أن الإنسان إذا مات شخص بصره، قالوا بلى؟ قال فذلك حين يتبع بصره نفسه» اهـ (فضج) بفتح الضاد المعجمة وتشديد الجيم أي رفع الصوت بالبكاء وصاح (ناس من أهله) من هول ما سمعوا ووقع منهم دعاء على أنفسهم كما أومأ إليه بقوله (فقال لا تدعو على أنفسكم

стр. 1469

إلا بخير) أي لا يقل أحدكم ويلي أو الويل أو الشرّ لي أو نحو ذلك، وقيل معناه: لا تدعوا على الميت بما لا يرضاه فترجع تبعته عليكم والأول بدليل قوله (فإن الملائكة) أي الحاضرين حينئذ (يؤمنون) بتشديد الميم: أي يقولون آمين: أي استجب (على ما تقولون) أي من الدعاء ودعاؤهم مجاب لما لهم من علوّ الاقتراب فلا تدعوا: إلا بما تحبون أن تجابوا إليه (ثم قال: اللهم اغفر لأبي سلمة) ذكره بكنيته دون اسمه وهو عبد الله لأنه اشتهر بها (وارفع درجته) وهذا أحسن ترتيب لأن الأول من باب التخلية بالمعجمة والثاني من باب التحلية بالمهملة، وفيه أن الأوزار تتقاعد بصاحبها عن رفعة المنار والمراد واجعل له درجة علية عندك (في المهديين) بتشديد الياء الأولى: أي الذين هداهم الله بالإسلام سابقاً والهجرة إلى خير الأنام لاحقاً، والظرف في محل الحال من الضمير المضاف إليه لكون المضاف إليه كجزئه: أي ارفع درجته حال كونه منغمراً في عداد المهديين المشرّفين بالاهتداء (واخلفه) بوصل الهمزة وضم اللام: أي كن له خلفاً وخليفة (في عقبه) بفتح فكسر: أي فيمن يعقبه من ولد وغيره (في الغابرين) بالمعجمة فالموحدة: أي الباقين بدل بإعادة العامل، ويحتمل كونه حالاً مما قبله (واغفر لنا) هذا من باب الخضوع لمقام الربوبية كما تقدم أو هو مجاز عن إعلاء الرتبة من ذكر اللازم وإرادة الملزوم (وله) وقوله (يا ربّ العالمين) مناسبة ختم الدعاء به واضحة إذ من كان موجداً للعالم ماكلاً أمورهم مصلحاً شؤونهم هو الذي يطلب منه ذلك، والعالمين بفتح اللام اسم جميع عالم لاجمعه لاختصاص عالمين بأولى العقول من إنس وجن وملك وشمول عالم لما سوى الله تعالى من سائر الأجناس، والجمع لا يكون أخص من مفرده، وقيل جمعه مراداً به العموم للعقلاء وغيرهم وغلب العقلاء لشرفهم، وعلى الأول ابن مالك في آخرين (وافسح) بهمزة وصل وفتح المهملة الأولى: أي أوسع (له في قبره) يقال فسحت له فسحاً من باب نفع فرجت له عن مكان يسعه كذا في «المصباح» (ونور) أي أوجد النور العظيم المتكاثف (له فيه، رواه مسلم) .

стр. 1470

١٥٢ - باب ما يقال (باب ما يقال) للمفعول عند الميت بالبناء للمفعول أي ما يطلب قوله من كل حاضر (عند الميت) من قريب وغيره (وما يقوله من مات له ميت) ١٩٢٠ - (عن أم سلمة ﵂ قالت: قال رسول الله: إذا حضرتم المريض) أي المحتضر كما يومىء إليه السياق، وشك الراوي فيه وفي الميت المشار إليه بقوله (أو الميت) أي من فارق الروح جسده كما هو الحقيقة، وقال في «فتح الإله» : المراد منه هو الأول نظير ما في حديث «لقنوا موتاكم» فجعله من مجاز المشارفة» ومن مجاز الأول (فقولوا خيراً) أي لا إله إلا الله مع الإتيان بالدعاء بخير له أولكم كما يدل هل ما جاء في أحاديث طلب الدعاء في العيادة السابق بعضها، وقوله (فإن الملائكة) أي الموظفين بالاستغفار للمؤمنين وللتأمين على دعائهم (يؤمنون) من التأمين: أي يقولون آمين (على ما تقولون) أي من الدعاء (قالت: فلما مات أبو سلمة) وذلك سنة ثلاث أو أربع، وقول ابن عبد الله: إن النبي تزوّح أم سلمة سنة اثنتين من الهجرة بعد وفاة زوجها، رده في «المفهم» نقلاً عن أبي محمد عبد الله بن على الرشاطى بأنه وهم شنيع، قال: فإن أبا سلمة شهد أحداً وكانت في شوال سنة ثلاث فجرح فيها جرحاً فاندمل ثم انتقض فتوفي منه لثلاث خلون من جمادى سنة أربع، وقد ذكره ابن عبد البرّ في كتابه «الاستيعاب» على الصواب (أتيت النبي فقلت: يا رسول الله إن أبا سلمة قد مات، قال) حذف العاطف لأن مرادها الإخبار بما قال من غير قيد اتصال أو انفصال (قولي: اللهم اغفر لي وله) فيه البداءة بالنفس في الدعاء (وأعقبني) بقطع الهمزة: أي أبدلني وعوضني (منه) أي بدله (عقبى) بوزن بشرى اسم مصدر أعقب (حسنة) أي بدلاً صالحاً (فقلت) أي ما أمرني به (فأعقبني الله من هو خير لي منه) أبدلت «من» من قولها (محمداً) ففيه حصول ثمرة الامتثال بسرعة من غير توان (رواه مسلم

стр. 1471

هكذا) أي مثل ما ذكر (إذا حضرتم المريض أو الميت على الشك) وقد تعقب القاري في شرح المشكاة الجزم بالشك، وقال إن أريد بالميت من يؤول إلى الموت فأو للشك وإن أريد به الحقيقة: أي المقابل للحي فأو للتنويع اهـ. والأوجه كما جزم به المصنف إنها للشك. وقد يجاب عنه بأنه قام ما يعلم منه أن المراد بالميت المعنى المجازي فيساوي المريض والشك حينئذ في تعيين أي اللفظين منهما قيل ويقوي أنه لفظ الميت قول المصنف (رواه أبو داود) في الجنائز (وغيره) من باقي أصحاب السنن الأربعة كما ذكره المزي قال: وقال الترمذي: حسن صحيح، قال الحافظ في تخريج أحاديث «الأذكار» ، وأخرجه كذلك البيهقي في طريقين (الميت بلا شك) قال الحافظ في تخريج أحاديث «الأذكار» : ورويناه في الغيلانيات مقتصراً على المريض من غير شك. ٢٩٢١ - (وعنها قالت سمعت رسول الله يقول: ما من) مزيدة للتأكيد (عبد) وفي المشكاة بدله مسلم (تصيبه مصيبة) متناولة لقليل المصيبة وكثيرها وعظيمها وحقيرها لكونها نكرة في عموم النفي (فيقول) زاد في رواية «ما أمر الله به» أي تلويحاً للثناء على قائله الثناء العظيم المستلزم لطلبه منه (إنا) أي ذاتنا وجميع ما ينسب إلينا (لله) ملكاً وخلقاً فيتصرف فينا كيف يشاء فالكل عوار مستردة كما أشار إليه بقوله (وإنا إليه راجعون) فعلينا الصبر على المصائب وتدير حقائق هذه الآية ليسهل علينا مزاولة كل ما أصابنا، وليس فائدة الأمر للمصاب قول هذا الذكر بمجرد لفظه لأنه لا ينفع وحده، وإنما فائدته مع تدبره حق التدبر فإنه الدواء النافع الحامل على كمال الصبر بل وحقائق الرضا (اللهم) ظاهره أن هذا من جملة ما رتب على الإتبان به ما وعد به الأجر (اؤجرني) بسكون الهمزة ووقع لابن مالك في «شرح المشارق» أنه قال بهمزة وصل وهو وهم لأن الهمزة الموجودة فاء

стр. 1472

الفعل وهمزة الوصل سقطت للدرج من أجره يأجره أو يأجره بضم الجيم وكسرها: أي أثابه وأعطاء الأجر قاله ابن حجر الهيثمي ويأتي ما في الكسر، والمعنى أعطني الأجر (في مصيبتي) «في» يحتمل كونها بمعنى مع وكونها للسببية والثاني أظهر، والمصيبة كل مكروه ينزل بالإنسان: أي أثبني ثواباً مقارناً لها أو بسببها (وأخلف) من الإخلاف، إذ ما يخلف يقال فيه أخلف عليك وما لا يخلف كالأب إذا مات يقال خلف عليك (لي خيراً منها إلا آجره الله) أي أثابه، في «المصباح» يقال أجره الله أجراً من بابي ضرب وقتل وآجره بالمد لغة ثالثة: أي أثابه لكن في المراقة أنه بالكسر مع القصر غير موجود في النسخ (تعالى في مصيبته وأخلف له خيراً منها) وذلك لاستكانته تحت أقضية مولاه وصبره على ما أتاه والله لا يضيع أجر من أحسن عملاً، ومن جاء بالحسنة فله خير منها (قالت: فلما توفي أبو سلمة قلت كما أمرني رسول الله) زاد في رواية عناه قالت: أيّ المسلمين خير من أبي سلمة أول بيت هاجر إلى رسول الله؟ ثم إني قلتها (فأخلف الله تعالى لي خيراً منه) أي من أبي سلمة (رسول الله) عطف بيان أو بدل من مفعول أخلف (رواه مسلم) في الجنائز، قال في سلاح المؤمن: انفرد به مسلم عن أصحاب الستة، وإلا فقد أخرجه أبو عوانة كما قاله الحافظ في تخريج أحاديث «الأذكار» . ٣٩٢٢ - (وعن أبي موسى ﵁ أن رسول الله قال: إذا مات ولد العبد) هو شرعاً المكلف ولو حرّاً وعمومه متناول للصغير والكبير (قال الله تعالى لملائكته قبضتم) بفتح

стр. 1473

الموحدة وهو على تقدير الاستفهام التقريري لبيان عظم خبره لهم: أي أقبضتم (ولد) بفتح أوليه ويقال بضم فسكون في لغة، قال في «المصباح» : وقيس تجعل المضموم جمعاً للمفتوح كأسد وأسد كما مر (عبدي) الإضافة فيه للتشريف جبراً لما أصابه من المصيبة وتشريفاً له لصبره على أقضية ربه (فيقولون نعم، فيقول) تنبيهاً لهم على عظيم صبره (قبضتم ثمرة فؤاده) أي لبّ لبِّه وخلاصة خلاصته، إذا القلب خلاصة ما في الإنسان وخلاصته اللطيفة الموضوعة فيه من كمال الإدراكات والعلوم التي خلق لها وشرف بشرفها، فلشدة شغف هذه اللطيفة بالولد صار كأنه ثمرتها المقصود منها، وبين بهذه الجملة عظم المصاب وعظم الصبر عليه مع ذلك (فيقولون نعم، فيقول ماذا قال عبدي؟ فيقولون حمدك) أي قال مترقياً عن مقام الصبر إلى مقام الرضا الحمد لله (واسترجع) أي قال «إنا لله إليه راجعون» (فيقول الله ابنوا لعبدي بيتاً في الجنة وسموه بيت الحمد) الفاء التفريعية إيماء إلى أن من فقد مثل هذه الثمرة الخطيرة ومع ذلك لم يعدها مصيبة من كل وجه بل من وجه فاسترجع ومنحة من وجه آخر فحمد، حقيق أن يقابل بالحمد حتى في تسمية محله به (رواه الترمذي وقال: حديث حسن) . ٤٩٢٣ - (وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله قال: يقول الله ما لعبدي المؤمن عندي) ظرف لقوله (جزاء) وهو مبتدأ خبره المجرور قبله، والعندية عندية شرف ومكانة لا عندية مكان وبينه وبين عبدي جناس مصحف، وإذا في قوله (إذا قبضت صفيه) ظرفية ويحتمل كونها متضمنة معنى الشرط، والجواب محذوف لدلالة ما قبله عليه، والصفي بفتح فكسر فتشديد: أي حبيبه لأنه يضافيه وده ويخلصه حبه فعيل بمعنى فاعل أو مفعول (من أهل الدنيا) حال أتى به لبيان الواقع (ثم احتسبه) أي بأن يرجو ثوابه

стр. 1474

ويدخره عند الله تعالى، وذلك ينبىء عن مزيد الصبر التسليم (إلا الجنة) بالرفع بدل من المبتدأ ويجوز نصبه على الاستثناء (رواه البخاري) في الرقاق، وقد سبق الحديث مشروحاً في باب الصبر أول الكتاب. ٥٩٢٤ - (وعن أسامة بن زيد ﵄ قال: أرسلت إحدى بنات النبي) وهي زينب كما صرح به ابن أبي شيبة وصوبه غيره (إليه تدعوه وتخبره أن صبياً لها أو ابناً) تقدم أنها أمامة بنت زينب من أبي العاص بن الربيع واستشكل بأن في الحديث لفظ صبيّ أوابن فكيف يطلق ذلك عليها؟ فالراجح أن القضية متعددة كان المريض في إحداهما الابن واسمه عليّ وهو المشار إليه بما في هذا الحديث، وأخرى كان البنت، وحمله على غيرهما يرد بأن الإخباريين صرحوا أنها لم تلد غيرهما، ثم لا ينافي تفسيرها بأمامة كونها عاشت حتى تزوجها عليّ ﵁، لأن المراد من قبض في رواية لهما قارب القبض كقولها هنا (في الموت) في مقدماته المعتاد وجوده بعدها (فقال للرسول: ارجع إليها وقل لها: إن لله ما أخذ) مقتبس من قوله تعالى: ﴿إنا لله﴾ (البقرة: ١٥٦) (وله ما أعطى) تأكيد مناسب للمقام (وكل شيء) مما أخذه وأعطاه من الآجال والأرزاق التي أخذها وأبقاها (عنده) عندية علم أو مكتوب عند ملائكته وجعل ما عندهم عنده تشريفاً لهم كقوله تعالى: ﴿والله يدعو إلى دار السلام﴾ (يونس: ٢٥) أي وأولياء الله يدعون إليها جعل دعاءهم دعاءه تشريفاً لهم كما أشار إليه البيضاوي (بأجل مسمى) معلوم معين لا يتقدم عليه ولا يتأخر عنه فلا فائدة في الجزع، ولذا قال (فمرها فتصبر) بأن تتحمل مرارة فقده من غير أن يظهر عليها شيء من أنواع الجزع (ولتحتسب) أي تدخر ثواب فقده والصبر عليه عند الله، وكل منهما أمر للغائبة المؤنثة

стр. 1475

أو الحاضرة نظير فبذلك فلتفرحوا فعلى الأول المبلغ المعنى لا بخصوص اللفظ، وعلى الثاني بخصوصه، وعلى الحضور التذكير باعتبار الشخص وفيه الوصية بالصبر عند البلية قبل وجودها ليستعد لها (وذكر تمام الحديث) السابق مع شرحه في باب الصبر (متفق عليه) . ١٥٣ - باب جواز البكاء على الميت بغير ندب بفتح النون فسكون المهملة: تعداد محاسن الميت (ولا نياحة) بكسر النون وتخفيف التحتية والمهملة ومن ذلك قلبت الواو فيه ياء كما في صيام: وهي رفع الصوت بالندب الذي هو ذكر محاسن الميت وإن لم يكن بكلام مسجع، وكذا يحرم أيضاً إفراط رفع الصوت بالبكاء ولو بلا ندب ولا نوح، قاله في «فتح الإله» . (أما النياحة فحرام) أي سواء كان معها بكاء أم لا (وسيأتي فيها باب في كتاب النهي إن شاء الله تعالى. وأماالبكاء فجاءت أحاديث بالنهي عنه وأن الميت يعذب ببكاء أهله عليه) وعقد المصنف في «الخلاصة» باباً لما جاء في ذلك فقال عن عمر ﵁ عن النبي قال «الميت يعذب في قبره بما نيح عليه» متفق عليه، وعن المغيرة مثله، وعن النعمان بن بشير ﵄ قال «أغمي على عبد الله بن رواحة فجعلت أخته تبكي واجبلاه واكذا، تعدِّد عليه، فقال حين أفاق، ما قلت شيئاً إلا قيل لي أنت كذا، فلما مات لم تبك عليه» . رواه البخاري. وعن ابن أبي مليكة قال: «توفيت بنت لعثمان بمكة فجئنا لنشهدها وحضرها ابن عمر وابن عباس، فقال ابن عمر لعمرو بن عثمان: ألا تنهى عن البكاء؟ فإن النبي قال: إن الميت ليعذب في قبره ببكاء أهله عليه، فقال ابن عباس: لما أصيب عمر دخل عليه صهيب يبكي يقول واأخاه،
следующие страницы →