← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 140

دليل الفالحين لطرق رياض الصالحين

ابن علان

Полный текст (2 250 стр.). Показаны 1471–1510 · переход к 1476.

стр. 1471

هكذا) أي مثل ما ذكر (إذا حضرتم المريض أو الميت على الشك) وقد تعقب القاري في شرح المشكاة الجزم بالشك، وقال إن أريد بالميت من يؤول إلى الموت فأو للشك وإن أريد به الحقيقة: أي المقابل للحي فأو للتنويع اهـ. والأوجه كما جزم به المصنف إنها للشك. وقد يجاب عنه بأنه قام ما يعلم منه أن المراد بالميت المعنى المجازي فيساوي المريض والشك حينئذ في تعيين أي اللفظين منهما قيل ويقوي أنه لفظ الميت قول المصنف (رواه أبو داود) في الجنائز (وغيره) من باقي أصحاب السنن الأربعة كما ذكره المزي قال: وقال الترمذي: حسن صحيح، قال الحافظ في تخريج أحاديث «الأذكار» ، وأخرجه كذلك البيهقي في طريقين (الميت بلا شك) قال الحافظ في تخريج أحاديث «الأذكار» : ورويناه في الغيلانيات مقتصراً على المريض من غير شك. ٢٩٢١ - (وعنها قالت سمعت رسول الله يقول: ما من) مزيدة للتأكيد (عبد) وفي المشكاة بدله مسلم (تصيبه مصيبة) متناولة لقليل المصيبة وكثيرها وعظيمها وحقيرها لكونها نكرة في عموم النفي (فيقول) زاد في رواية «ما أمر الله به» أي تلويحاً للثناء على قائله الثناء العظيم المستلزم لطلبه منه (إنا) أي ذاتنا وجميع ما ينسب إلينا (لله) ملكاً وخلقاً فيتصرف فينا كيف يشاء فالكل عوار مستردة كما أشار إليه بقوله (وإنا إليه راجعون) فعلينا الصبر على المصائب وتدير حقائق هذه الآية ليسهل علينا مزاولة كل ما أصابنا، وليس فائدة الأمر للمصاب قول هذا الذكر بمجرد لفظه لأنه لا ينفع وحده، وإنما فائدته مع تدبره حق التدبر فإنه الدواء النافع الحامل على كمال الصبر بل وحقائق الرضا (اللهم) ظاهره أن هذا من جملة ما رتب على الإتبان به ما وعد به الأجر (اؤجرني) بسكون الهمزة ووقع لابن مالك في «شرح المشارق» أنه قال بهمزة وصل وهو وهم لأن الهمزة الموجودة فاء

стр. 1472

الفعل وهمزة الوصل سقطت للدرج من أجره يأجره أو يأجره بضم الجيم وكسرها: أي أثابه وأعطاء الأجر قاله ابن حجر الهيثمي ويأتي ما في الكسر، والمعنى أعطني الأجر (في مصيبتي) «في» يحتمل كونها بمعنى مع وكونها للسببية والثاني أظهر، والمصيبة كل مكروه ينزل بالإنسان: أي أثبني ثواباً مقارناً لها أو بسببها (وأخلف) من الإخلاف، إذ ما يخلف يقال فيه أخلف عليك وما لا يخلف كالأب إذا مات يقال خلف عليك (لي خيراً منها إلا آجره الله) أي أثابه، في «المصباح» يقال أجره الله أجراً من بابي ضرب وقتل وآجره بالمد لغة ثالثة: أي أثابه لكن في المراقة أنه بالكسر مع القصر غير موجود في النسخ (تعالى في مصيبته وأخلف له خيراً منها) وذلك لاستكانته تحت أقضية مولاه وصبره على ما أتاه والله لا يضيع أجر من أحسن عملاً، ومن جاء بالحسنة فله خير منها (قالت: فلما توفي أبو سلمة قلت كما أمرني رسول الله) زاد في رواية عناه قالت: أيّ المسلمين خير من أبي سلمة أول بيت هاجر إلى رسول الله؟ ثم إني قلتها (فأخلف الله تعالى لي خيراً منه) أي من أبي سلمة (رسول الله) عطف بيان أو بدل من مفعول أخلف (رواه مسلم) في الجنائز، قال في سلاح المؤمن: انفرد به مسلم عن أصحاب الستة، وإلا فقد أخرجه أبو عوانة كما قاله الحافظ في تخريج أحاديث «الأذكار» . ٣٩٢٢ - (وعن أبي موسى ﵁ أن رسول الله قال: إذا مات ولد العبد) هو شرعاً المكلف ولو حرّاً وعمومه متناول للصغير والكبير (قال الله تعالى لملائكته قبضتم) بفتح

стр. 1473

الموحدة وهو على تقدير الاستفهام التقريري لبيان عظم خبره لهم: أي أقبضتم (ولد) بفتح أوليه ويقال بضم فسكون في لغة، قال في «المصباح» : وقيس تجعل المضموم جمعاً للمفتوح كأسد وأسد كما مر (عبدي) الإضافة فيه للتشريف جبراً لما أصابه من المصيبة وتشريفاً له لصبره على أقضية ربه (فيقولون نعم، فيقول) تنبيهاً لهم على عظيم صبره (قبضتم ثمرة فؤاده) أي لبّ لبِّه وخلاصة خلاصته، إذا القلب خلاصة ما في الإنسان وخلاصته اللطيفة الموضوعة فيه من كمال الإدراكات والعلوم التي خلق لها وشرف بشرفها، فلشدة شغف هذه اللطيفة بالولد صار كأنه ثمرتها المقصود منها، وبين بهذه الجملة عظم المصاب وعظم الصبر عليه مع ذلك (فيقولون نعم، فيقول ماذا قال عبدي؟ فيقولون حمدك) أي قال مترقياً عن مقام الصبر إلى مقام الرضا الحمد لله (واسترجع) أي قال «إنا لله إليه راجعون» (فيقول الله ابنوا لعبدي بيتاً في الجنة وسموه بيت الحمد) الفاء التفريعية إيماء إلى أن من فقد مثل هذه الثمرة الخطيرة ومع ذلك لم يعدها مصيبة من كل وجه بل من وجه فاسترجع ومنحة من وجه آخر فحمد، حقيق أن يقابل بالحمد حتى في تسمية محله به (رواه الترمذي وقال: حديث حسن) . ٤٩٢٣ - (وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله قال: يقول الله ما لعبدي المؤمن عندي) ظرف لقوله (جزاء) وهو مبتدأ خبره المجرور قبله، والعندية عندية شرف ومكانة لا عندية مكان وبينه وبين عبدي جناس مصحف، وإذا في قوله (إذا قبضت صفيه) ظرفية ويحتمل كونها متضمنة معنى الشرط، والجواب محذوف لدلالة ما قبله عليه، والصفي بفتح فكسر فتشديد: أي حبيبه لأنه يضافيه وده ويخلصه حبه فعيل بمعنى فاعل أو مفعول (من أهل الدنيا) حال أتى به لبيان الواقع (ثم احتسبه) أي بأن يرجو ثوابه

стр. 1474

ويدخره عند الله تعالى، وذلك ينبىء عن مزيد الصبر التسليم (إلا الجنة) بالرفع بدل من المبتدأ ويجوز نصبه على الاستثناء (رواه البخاري) في الرقاق، وقد سبق الحديث مشروحاً في باب الصبر أول الكتاب. ٥٩٢٤ - (وعن أسامة بن زيد ﵄ قال: أرسلت إحدى بنات النبي) وهي زينب كما صرح به ابن أبي شيبة وصوبه غيره (إليه تدعوه وتخبره أن صبياً لها أو ابناً) تقدم أنها أمامة بنت زينب من أبي العاص بن الربيع واستشكل بأن في الحديث لفظ صبيّ أوابن فكيف يطلق ذلك عليها؟ فالراجح أن القضية متعددة كان المريض في إحداهما الابن واسمه عليّ وهو المشار إليه بما في هذا الحديث، وأخرى كان البنت، وحمله على غيرهما يرد بأن الإخباريين صرحوا أنها لم تلد غيرهما، ثم لا ينافي تفسيرها بأمامة كونها عاشت حتى تزوجها عليّ ﵁، لأن المراد من قبض في رواية لهما قارب القبض كقولها هنا (في الموت) في مقدماته المعتاد وجوده بعدها (فقال للرسول: ارجع إليها وقل لها: إن لله ما أخذ) مقتبس من قوله تعالى: ﴿إنا لله﴾ (البقرة: ١٥٦) (وله ما أعطى) تأكيد مناسب للمقام (وكل شيء) مما أخذه وأعطاه من الآجال والأرزاق التي أخذها وأبقاها (عنده) عندية علم أو مكتوب عند ملائكته وجعل ما عندهم عنده تشريفاً لهم كقوله تعالى: ﴿والله يدعو إلى دار السلام﴾ (يونس: ٢٥) أي وأولياء الله يدعون إليها جعل دعاءهم دعاءه تشريفاً لهم كما أشار إليه البيضاوي (بأجل مسمى) معلوم معين لا يتقدم عليه ولا يتأخر عنه فلا فائدة في الجزع، ولذا قال (فمرها فتصبر) بأن تتحمل مرارة فقده من غير أن يظهر عليها شيء من أنواع الجزع (ولتحتسب) أي تدخر ثواب فقده والصبر عليه عند الله، وكل منهما أمر للغائبة المؤنثة

стр. 1475

أو الحاضرة نظير فبذلك فلتفرحوا فعلى الأول المبلغ المعنى لا بخصوص اللفظ، وعلى الثاني بخصوصه، وعلى الحضور التذكير باعتبار الشخص وفيه الوصية بالصبر عند البلية قبل وجودها ليستعد لها (وذكر تمام الحديث) السابق مع شرحه في باب الصبر (متفق عليه) . ١٥٣ - باب جواز البكاء على الميت بغير ندب بفتح النون فسكون المهملة: تعداد محاسن الميت (ولا نياحة) بكسر النون وتخفيف التحتية والمهملة ومن ذلك قلبت الواو فيه ياء كما في صيام: وهي رفع الصوت بالندب الذي هو ذكر محاسن الميت وإن لم يكن بكلام مسجع، وكذا يحرم أيضاً إفراط رفع الصوت بالبكاء ولو بلا ندب ولا نوح، قاله في «فتح الإله» . (أما النياحة فحرام) أي سواء كان معها بكاء أم لا (وسيأتي فيها باب في كتاب النهي إن شاء الله تعالى. وأماالبكاء فجاءت أحاديث بالنهي عنه وأن الميت يعذب ببكاء أهله عليه) وعقد المصنف في «الخلاصة» باباً لما جاء في ذلك فقال عن عمر ﵁ عن النبي قال «الميت يعذب في قبره بما نيح عليه» متفق عليه، وعن المغيرة مثله، وعن النعمان بن بشير ﵄ قال «أغمي على عبد الله بن رواحة فجعلت أخته تبكي واجبلاه واكذا، تعدِّد عليه، فقال حين أفاق، ما قلت شيئاً إلا قيل لي أنت كذا، فلما مات لم تبك عليه» . رواه البخاري. وعن ابن أبي مليكة قال: «توفيت بنت لعثمان بمكة فجئنا لنشهدها وحضرها ابن عمر وابن عباس، فقال ابن عمر لعمرو بن عثمان: ألا تنهى عن البكاء؟ فإن النبي قال: إن الميت ليعذب في قبره ببكاء أهله عليه، فقال ابن عباس: لما أصيب عمر دخل عليه صهيب يبكي يقول واأخاه،

стр. 1476

فقال عمر: أتبكي عليّ وقد قال رسول الله: إن الميت ليعذب ببكاء أهله عليه؟ قال ابن عباس: فلما مات عمر ذكرت ذلك لعائشة فقالت رحم الله عمر والّله ما حدث رسول الله «إنّ الله ليعذب المؤمن ببكاء أهله عليه» ولكن رسول الله قال: «إن الله ليزيد الكافر عذاباً ببكاء أهله عليه» وقالت: حسبكم القرآن ﴿ولا تزر وازرة وزر أخرى﴾ (الأنعام: ١٦٤) قال ابن أبي مليكة والله ما قال ابن عمر شيئاً. متفق عليه. وعن عائشة «أنها ذكر لها قول ابن عمر إن الميت يعذب ببكاء أهله عليه برفعه إلى النبي، فقالت: يغفر الله لأبي عبد الرحمن إنه لم يكذب، ولكنه نسي أو أخطأ إنما مرّ رسول الله على يهودية يبكى عليها فقال: إنهم ليبكون عليها وإنها لتعذب في قبرها» متفق عليه. وفي رواية «إنه ليعذب بخطيئته أو بذنبه وإن أهله ليبكون عليه الآن» . وعن أبي موسى أن رسول الله قال: «ما من ميت يموت فيقول باكيهم فيقول واجبلاه واسيداه ونحو ذلك إلا وكل الله به ملكين يلهزانه أهكذا أنت؟» رواه الترمذي وقال حسن،. اللهز: الضرب بجمع اليد في الصدر (وهي متأولة) أي مصروفة عن ظاهرها بأن المراد من تعذيبه ما يلحقه من الرقة عليهم حال سماعه بكاءهم، قاله ابن جرير الطبري وغيره. وقال عياض: هو أولى الأقوال، واحتجوا بحديث فيه «أن النبي زجر امرأة عن البكاء على ابنها وقال: إن أحدكم إذا بكى استعبر له صويحبه فيا عباد الله لا تعذبوا إخوانكم» أو كما قالت عائشة ﵂: إن الكافر أو غير من أصحاب الذنوب يعذب في حال بكاء أهله عليه بذنبه لا ببكائهم، أو بأنهم كانوا ينوحون على الميت ويندبونه بتعديد شمائله ومدحه في زعمهم، وتلك قبائح في الشرع يعذب بها كما كانوا يقولون يا مرمل النسوان ومخرب العمران وميتم الولدان وغير ذلك مما يرونه شجاعة وفخراً وهو حرام (أو محمولة على من أوصى به) جعل المصنف في الخلاصة هذا تأويل الأحاديث المذكورة/ ونقله في «شرح مسلم» عن الجمهور أو أهمل الوصية بتركه فيعذب لتفريطه بالوصية بذلك أو بإهمال الوصية بتركه، أما من أوصى بتركه فلا يعذب به إذ لا صنع له ولا تفريط منه، وحاصل هذا القول إيجاب الوصية بترك ذلك وتعذيب من أهملها أو وصى بفعله (والنهي إنما هو عن البكاء الذي فيه ندب أو نياحة) قال في الخلاصة: أجمعوا على

стр. 1477

أن البكاء الذي يعذب به أي على التفصيل السابق فيه هومجرد النياحة لا مجرد دمع العين ونحوه (والدليل على جواز) أي إباحة (البكاء بغير ندب ولا نياحة أحاديث كثيرة منها) . ١٩٢٥ - (وعن ابن عمر ﵄: أن رسول الله عاد سعد بن عبادة) وكان ذلك في أوائل أعوام الهجرة كما يومىء إليه ما وقع من ابن أبيّ المنافق من الكلام القبيح المذكور في الحديث في الصحيح (ومعه عبد الرحمن بن عوف وسعد بن أبي وقاص وعبد الله بن مسعود ﵃ يحتمل أن يكون معه أبو بكر وعمر أيضاً ولم يذكرهما الراوي لعدم مفارقتهما له إلا نادراً، ويحتمل أنهما لم يكونا حينئذ معه بأن خطرت العبادة له غيبتهما عنه. والّله أعلم والجملة حالية ربطها كل من الواو والضمير (فبكى رسول الله) أي لما رأى من الغلبة التي على سعد فغلبت عليه العبرة التي هي أثر الرحمة التي هو عينها (فلما رأى القوم) أي الحاضرون معه (بكاء رسول الله) بالعيان (بكوا) اقتداء أو تأسياً (فقال: ألا تسمعون) ثم استأنف بقوله (إن الله لا يعذب بدمع العين ولا بحزن القلب) سواء اجتمعا أو كان كل بانفراد (ولكن يعذب بهذا) أي بما يصدر منه مما حرّم الشارع من ندب أو نياحة أو مبالغة رفع صوت بالبكاء، وكذا يعذب بالتبرم بالقلب والتضجر، ودليل ذلك ما يصدر من لسانه لأنه يعرب عن شأنه (أو يرحم) أو فيه للتنويع: أي أو يرحمه به إن أتى بما فيه صبر واسترجاع وحمد لله سبحانه (وأشار) أي النبي (بيده) مبيناً للمشار إليه بقوله بهذا (إلى لسانه متفق عليه) . ٢٩٢٦ - (وعن أسامة بن زيد ﵄: أن رسول الله رفع) بالبناء للمفعول، ويجوز أن يقرأ بالبناء الفاعل (إليه ابن ابنته) زينب، وقد تقدم تعيينه وما فيه من الخلاف في

стр. 1478

حديثه قبل هذا (وهو في الموت) أي في مقدماته فلا ينافيه حياته إلى زمن طويل بعد (ففاضت عينا رسول الله) أي كثر دمعها حتى سال، ففيه إسناد مجازي وحذف التمييز: أي دمعاً لدلالة الحال على تعيينه. وفي «القاموس» : فاض الماء يفيض هو ابن عبادة كما تقدم في الحديث بجملته في باب الصبر «ومعه سعد بن عبادة» وليس فيه ابن معاذ ولا ابن أبي وقاص (ما هذا يا رسول الله) سؤال عن سببه وحكمته ووصفه لا عن حقيقته فلذا (قال) في جوابه (هذه) أي الرحمة المداول عليها بتلك العبرة وقد تقدم في باب الصبر فقال هذه (رحمة جعلها الله في قلوب عباده) مفعول ثان لجعل لأنه بمعنى صير: أي من يشاء منهم كما جاء كذلك في رواية وسبقت في باب الصبر (وإنما يرحم الله) أي الرحمة الكاملة كما يومىء إليه إسناد الفعل إلى لفظ الجلالة الذي هو جامع لمعاني الأسماء موضوع لمجرد تعيين الذات المسمى (من عباده الرحماء) جمع رحيم ككريم وكرماء (متفق عليه) . ٣٩٢٧ - (وعن أنس ﵁: أن رسول الله دخل على ابنه إبراهيم) في بيت ضيرة أبي سيف وكان من العوالي (وهو يجود بنفسه) في «المصباح» جاد بالمال بذله، وجاد بنفسه: سمح بها عند الموت والجود مستعار من ذلك اهـ. ففي الكلام استعارة تبعية. وفي «فتح الباري» يجود بنفسه: أي يخرجها ويدفعها كما يدفع الإنسان ما يجود به، وكان موت إبراهيم سنة عشر من الهجرة عن ثمانية عشر شهراً، وكان مولده في ذي الحجة من سنة ثمان منها، ووفاته يوم الثلاثاء لعشر خلون من شهر ربيع الأول سنة عشر قاله المصنف في «التهذيب» وغيره، وفي «فتح الباري» وجزم به الواقدي وقال ابن حزم: مات قبل النبي بثلاثة أشهر. واتفقوا على أنه ولد في ذي الحجة سنة ثمان اهـ (فجعلت) من أفعال

стр. 1479

الشروع واسمها (عينا رسول الله تذرفان) بسكون الذال المعجمة وكسر الراء من باب ضرب: أي تدمعان (فقال له عبد الرحمن بن عوف: وأنت يا رسول الله) قال الطيبي: فيه معنى التعجب والواو عاطفة على مقدر: أي الناس لا يصبرون وأنت تفعل كفعلهم كأنه تعجب لذلك منه مع عهده فيه أنه يحث على الصبر وينهى عن الجزع (فقال: يا ابن عوف إنها) أي الحال التي شاهدتها منى (رحمة) على الولد، لا ما توهمت من الجزع اهـ. وفي رواية عن ابن عوف «فقلت: يا رسول الله تبكي أو لم تنه عن البكاء» وزاد فيه «إنما نهيت عن صوتين أحمقين فاجرين: صوت نغمة لهو ولعب ومزامير الشيطان، وصوت عند مصيبة: خمش وجوه وشق جيوب ورنة شيطان، إنما هذه رحمة ومن لا يرحم لا يرحم» (ثم أتبعها بأخرى) قيل معناه: أتبع الدمعة الأولى بدمعة أخرى، وقيل أتبع الكلمة الأولى المجملة وهي قوله إنها رحمة بكلمة أخرى مفصلة هي قوله على سبيل البيان (فقال: إن العين تدمع والقلب يحزن) قال الدماميني في «المصابيح» : يجوز في القلب الرفع والنصب. قال ابن المنير: فيه أنه بين أن مثل هذا لا يدخل تحت القدرة ولا يكلف العبد الانكفاف عنه، وذلك لأنه أضاف الفعل إلى الجوارح، كأنها امتنعت على صاحبها فصارت هي الفاعل ولذا قال (ولا نقول إلا ما يرضي ربنا وإنا بفراقك يا إبراهيم لمحزونون) فعبر بصيغة اسم المفعول لا بصيغة الفاعل: أي ليس الحزن من فعلنا ولكنه واقع بنا من غيرنا ولا يكلف الإنسان بفعل غيره (رواه البخاري) وعقد له ترجمة فقال باب قول النبي إنا بك لمحزونون (وروى مسلم) في كتاب الفضائل (بعضه) ولفظه من حديث أنس «فقال أنس: لقد رأيته: يعني إبراهيم يكيد بنفسه بين يدي رسول الله، فدمعت عينا رسول الله وقال: تدمع العين ويحزن القلب ولا نقول إلا ما يرضي ربنا، والله يا إبراهيم إنا بك لمحزونون» قال في «فتح الباري» : قوله يكيد قال صاحب العين: إي يسوق بنفسه، وقيل معناه: يقارب بها الموت، وقال أبو مروان: قد يكون من الكيد وهو القيء، يقال منه كاد يكيد شبه تقلع نفسه عند الموت بذلك (والأحاديث في الباب) أي باب إباحة

стр. 1480

البكاء المجرد عن نياحة وندب ومبالغة رفع صوت به (كثيرة في الصحيح مشهورة) وشهرتها تغني عن ذكرها، وبالله التوفيق (والّه أعلم) . ١٥٤ - باب الكف عما يرى باب الكف عما يرى من الميت من مكروه من الميت من مكروه من تغير لون أو تشويه صورة، نعم إن كان من وقع له ذلك ذا بدعة فلا بأس به ليكون زجراً عن بدعته، أما إذا رأى به أمراً محموداً من إضاءة وإشراق ونحوهما فليذكر ذلك، إلا إن كان من وقع له ذلك ذا بدعة فليكتمه لئلا يقع الناس في بدعته. ١٩٢٨ - (عن أبي رافع) القبطي (أسلم) بفتح الهمزة وسكون السين المهملة هو اسمه، وقيل اسمه إبراهيم، وقيل ثابت بالمثلثة فالموحدة وقيل اسمه أيو هرمز (مولى رسول الله) قال المصنف في «التهذيب» : شهد أحداً والخندق والمشاهد بعدها، وزوّجه النبي مولاته سلمى فولدت له عبيد الله بن أبي رافع، وشهد أبو رافع فتح مصر، وتوفي بالمدينة قبل قتل عثمان وقيل بعده، وكان أبو راف مملوكاً للعباس فوهبه لرسول الله، فلما أسلم العباس أعتقه رسول الله اهـ. روى له عن رسول الله ثمانية وستون حديثاً، قال ابن الجوزي في «مختصر التلقيح» وقال في البرقي: في بضعة عشر حديثاً، وروى عنه البخاري حديثاً واحداً ومسلم ثلاثة (أن رسول الله قال: من غسل ميتاً فكتم عليه) معطوف على مقدر: أي ورأى منه سوءاً فكتم عليه (غفر الله له أربعين مرة) ولا يعلم عدد ما في كل مرة من الذنب المغفور إلا الستار الغفور (رواه الحاكم) في «المستدرك» (وقال: صحيح على شرط مسلم) زاد في «الجامع الكبير» ورواه البيهقي في «الشعب» وهو حديث فيه فضل الدفن

стр. 1481

والكفن. وفي «الجامع الصغير» : أخرج الطبراني من حديث أبي أمامة مرفوعاً «من غسل ميتاً فستره ستره الله من الذنوب» الحديث، وفي «الجامع الكبير» : أخرج الطبراني من حديث أبي أمامة مرفوعاً «من غسل ميتاً فكتم عليه طهره الله من ذنوبه، فإن هو كفنه كساه الله من السندس» وأخرج أبو يعلى والبيهقي وأحمد من حديث عائشة مرفوعاً «من غسل ميتاً فأدى فيه الأمانة ولم يفش عليه ما يكون منه عند ذلك خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه، ليله أقربكم منه إن كان بعلم، فإن لم يعلم فمن ترون عنده حظاً من ورع وأمانة» وفي «الجامع الكبير» أيضاً: أخرج ابن ماجه من حديث عليّ مرفوعاً «من غسل ميتاً وكفنه وحنطه وحمله وصلى عليه ولم يفش عليه ما رأى منه خرج من خطيئته كيوم ولدته أمه» . ١٥٥ - باب الصلاة على الميت وتشييعه وحضور دفنه وكراهة اتباع بتشديدالفوقية ويجوز تخفيفها، يقال اتبعه بالتشديد إذا سبقه فلحقه، وبالتخفيف أي ألحق به غيره كما يؤخذ من «القاموس» (النساء الجنائز) كراهة تنزيه. (قد سبق فضل التشييع) بقوله في كتاب عيادة المريض في حديث البراء «أمرنا بسبع إلى أن قال: واتباع الجنائز» وبقوله في حديث أبي هريرة عقبه «حق المسلم على المسلم خمس» إلى أن قال: واتباع الجنائز» . ١٩٢٩ - (وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله: من شهد الجنازة حتى يصلى) بالبناء للمفعول ونائب فاعله قوله (عليها فله قيراط) قال في «المصباح» : يقال أصله قرط بتشديد الراء لكن أبدل من أحد المضعفين ياء للتخفيف كما في دينار ونحوه، ولذا يرد في الجمع والتصغير إلى أصله فيقال قراريط وقريريط اهـ. قال ابن حجر الهيتمي: حصول هذا القيراط مرتب على الحضور معها من المنزل. وخالف الحافظ في «فتح الباري» فقال بعد أن

стр. 1482

ذكر ما تقدم وأنه صرح به المحب الطبري: والذي يظهر لي أن القيراط يحصل أيضاً لمن صلى فقط، لأن ما قيل الصلاة وسيلة إليها، لكن يكون قيراط من صلى فقط دون قيراط من شيع مثلاً وصلى اهـ. قال: وتتعدد قراريط الصلاة بتعدد الجنائز وإن صلى عليهم معاً (ومن شهدها حتى تدفن) أي ويكمل دفنها هذا أصح الأوجه عند إمامنا الشافعي، وقيل غير ذلك، ويترجح ما قلنا أولاً بما جاء عند مسلم «حتى يتفرغ منها» وللرواية الآتية «ويفرغ من دفنها» (فله قيراطان) أي أحدهما قيراط الصلاة، في حديث للطبراني «من تبع جنازة حتى يقضي دفنها كتب له ثلاث قراريط» فعليه. الأول للحضور معها من المنزل قبل الصلاة. والثاني للصلاة، والثالث للتشييع. قال في «فتح الباري» : الإشارة بهذا المقدار إلى الأجر المتعلق بالميت في تجهيزه وغسله وجميع ما يتعلق به، فللمصلي عليه قيراط من ذلك، ولمن شهد الدفن قيراط، وذكر القيراط تقريباً للفهم لما كان الإنسان يعرف القيراط ويعمل العمل في مقابلته وعد من جنس ما يعرف وضرب له المثل بما يعلم، نقله عن ابن الجوزي عن ابن عقيل قال: وليس ما قاله ببيعد. وقد روى الطبراني من طريق عجلان عن أبي هريرة مرفوعاً «من أتى جنازة من أهلها فله قيراط، فإن اتبعها فله قيراط، فإن اتبعها فله قيراط، فإن صلى عليها فله قيراط» وإن اختلف مقادير القراريط ولا سيما بالنسبة إلى مشقة ذلك العمل وسهولته، وعليه فيقال إنما خص قيراطي الصلاة والدفن بالذكر لكونهما المقصودين بخلاف باقي أحوال الميت فإنها وسائل، ولكن هذا يخالف ظاهر الحديث الذي في كتاب الإيمان من «صحيح البخاري» ، فإن فيه أن لمن كان معها حتى يصلي عليها ويفرغ من دفنها قيراطين فقط. ويجاب عنه بأن القيراطين المذكورين لمن شهد. والذي ذكره ابن عقيل لمن باشر الأعمال التي يحتاج إليها الميت فافترقا وقال المصنف وغيره: لا يلزم من ذكر القيراط في العملين تساويهما لأن عادة الشرع تعظيم الحسنة بحسب مقابلها (قيل: وما القيراطان) سأل عن تعيينهما لذكرهما مبهمين ولم يعين في هذه الرواية القائل ولا المقول له. وقد جاء عند مسلم «فقيل: وما القيراطان يا رسول الله» وعنده في حديث ثوبان «سئل رسول الله عن القيراط» وبين أبو عوانة في رواية أن السائل هو أبو هريرة (قال: فمثل الجبلين العظيمين) جاء في رواية للبخاري «مثل أحد» وعند النسائي من طريق الشعبي، وله قيراطان من الأجر كل واحد منهما

стр. 1483

أعظم من أحد وفي رواية لمسلم «أصغرها مثل أحد» وفي حديث وائلة عن ابن عدي «كتب له قيراطان من أجر أخفهما في ميزانه يوم القيامة أثقل من جبل أحد» قال ابن المنير: أراد بهذا تعظيم الثواب فمثله بالجبلين العظيمين (متفق عليه) . ٢٩٣٠ - (وعنه أن رسول الله قال: من اتبع جنازة مسلم إيماناً) مفعول له أي تصديقاً بالوعد الوارد فيه (واحتساباً) وقوله (وكان معه) كذا في الأصل والظاهر معها. وإن صحت به الرواية فالتذكير لعود الضمير إلى المضاف إليه (حتى يصلى عليها ويفرغ من دفنها) أي بتمام تسوية التراب على القبر (فإنه يرجع من الأجر بقيراطين) أجر للاتباع وأجر للصلاة عليها مع السير والصبر لتمام الدفن (كل قيراط مثل أحد) قال الطيبي قوله مثل أحد تفسير للمقصود من الكلام، لأن لفظ القيراط مبهم من وجهين، فبين الموزون بقوله من الأجر وبين المقدار منه بقوله مثل أحد.d قال الزين بن المنير: أراد تعظيم الثواب فمثله للعباد بأعظم الجبال خلقاً وأكثرها إلى النفوس المؤمنة حباً لأنه الذي قال في حقه «أحد جبل يحبنا ونحبه» اهـ، ولأنه أيضاً قريب من المخاطبين يشترك أكثرهم في معرفته، وخص القيراط بالذكر لأنه كان أقل ما تقع به الإجارة في ذلك الوقت، أو جرى ذلك مجرى العادة من تقليل الأجر بتقليل العمل (ومن صلى عليها ثم رجع قبل أن تدفن) بالفوقية أي الجنازة باعتبار من عليها إن كانت اسم النعش وإن كانت اسم الميت فالتأنيث باعتبار أنها نفس أو باعتبار لفظ الجنازة (فإنه يرجع بقيراط، رواه البخاري) . ٣ - (وعن أم عطية) نسيبة بضم النون وفتح المهملة وسكون التحتية بعدها موحدة

стр. 1484

(﵁ قالت: نهينا) بالبناء للمفعول، والمروي بهذه الصيغة موقوف لفظاً مرفوع حكماً: أي نهانا رسول الله، وقد رواه الإسماعيلي بهذا اللفظ والمراد جماعة النساء (عن اتباع الجنائز) وذلك أنهن يؤمرن بالستر واتباع الجنائز مقتض لكشفهن (ولم يعزم) بالبناء للمفعول: أي لم يؤكد (علينا) في المنع كما أكد علينا في غيره من المنهيات فكأنها قالت: كره لنا اتباع الجنائز من غير تحريم. قال القرطبي: ظاهر سياق حديث أم عطية أن النهي نهى تنزيه وبه قال جمهور أهل العلم. وقال المحب الطبري: يحتمل أن يكون المراد بقولها ولم يعزم علينا: أي كما عزم على الرجال بترغيبهم بحصول القيراط ونحو ذلك والله أعلم (متفق عليه) أخرجاه في الجنائز (ومعناه) أي معنى مجموع الحديث باعتبار قوله «لم يعزم علينا» (ولم يشدد في النهي كما يشدد في المحرمات) أي فيكره اتباعهن لها ولا يحرم. ١٥٦ - باب استحباب تكثير المصلين بالمثلثة (على الجنازة) لكونهم شفعاء للميت (وجعل صفوفهم ثلاثة) مفعول ثان لجعل وهو مضاف إلى مفعوله الأول (أو أكثر) أو فيه بمعنى بل. ١٩٣٢ - (عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: قال رسول الله: ما من) صلة لتأكيد النفي (ميت) أي من المسلمين كما في الحديث بعد (يصلي عليه أمة) أي جماعة (من المسلمين) والجملة الفعلية في محل الصفة لما قبله والظرف صفة أمة من فيه بيانية

стр. 1485

وقوله (يبلغون مائة) جملة في محل الحال من فاعل يصلي (كلهم) يحتمل أن يكون مبتدأ وخبره «يشفعون» ويحتمل أن يكون تأكيداً معنوياً لفاعل يبلغون، وجملة يشفعون حال منه أو من أمة فهي متداخلة أو مترادفة أو مستأنفة استئنافاً بيانياً (إلا شفعوا) بالبناء للمفعول: أي من أعم الأحوال (رواه مسلم) في الجنائز، ورواه النسائي من حديث ميمونة بلفظه، لكن بإسقاط قوله «يبلغون مائة كلهم يشفعون فيه» . ٢٩٣٣ - (وعن ابن عباس ﵄ قال: سمعت رسول الله يقول: ما من رجل مسلم) والتقييد بالرجل لأنه أشرف (يموت) جملة صفة لرجل لعدله فيها (فيقوم على جنازته أربعون رجلاً) أي مصلين عليه مستشفعين له فيها (لا يشركون بالله شيئاً) من الإشراك ومن المعبودين (إلا شفعهم الله فيه، روه مسلم) في الجنائز، ولا مخالفة بين هذا الخبر وما قبله لأن مفهوم العدد غير حجة على الصحيح، وأن الله أخبره بما جاء فيمن صلى عليه مائة ثم زاد الفضل من الله تعالى بحصول مثل ذلك فيمن صلى عليه أربعون فأخبر به، والله أعلم. ٣٩٣٤ - (وعن مرثد) بفتح الميم والمثلثة وسكون الراء بينهما آخره دال مهملة (ابن عبد الله اليزني) بفتح التحتية والزاي بعدها نون أبو الخير المصري ثقة فقيه من كبار التابعين، مات سنة تسعين، خرّج عنه أصحاب الستة كذا في «التقريب» للحافظ (قال: كان مالك بن هبيرة) بضم الهاء وفتح الموحدة والراء وسكون التحتية بينهما ابن خالد بن مسلم السكوني أو الكندي الصحابي ﵁ قال في «التقريب» : نزل حمص ومصر، مات في أيام مروان،

стр. 1486

روى له عن رسول الله كما في «مختصر التلقيح» أربعة أحاديث، وقال البرقي: له حديثان (إذا صلى على الجنازة فتقال الناس) بتشديد اللام من باب التفاعل والأصل تقالل فسكنت الأولى وأدغمت: أي إذا رآهم قليلين، وقوله (عليها) ظرف متعلق بمحذوف: أي المصلين عليها (جزأهم) بتشديد الزاي: أي جعلهم مجزئين (ثلاثة أجزاء) مفعول مطلق كل جزء صفا (ثم قال: قال رسول الله: من صلى عليه ثلاثة صفوف) بضم أوليه جمع صف وهو كقوله : ﴿ثلاثة قروء﴾ () في استعمال جمع القلة موضع جمع الكثرة على سبيل التجوز (فقد أوجب) أي أوجب له الجنة بالوعد الصادق على لسان نبيه ووعد الله لا يخلف (رواه أبو داود) في الجنائز (والترمذي) فيه، وكذا رواه ابن ماجه في الجنائز أيضاً، ورواه البزار أيضاً (وقال) أي الترمذي (حديث حسن) وقال: يزيد وبين مالك رجلاً، ورواية هؤلاء أصح عندنا. ١٥٧ - باب ما يقرأ بالبناء للمفعول ويجوز بالبناء للفاعل ويعود الفاعل إلى المصلي (في الصلاة على الجنازة) . (يكبر) أي المصلي مع رفع يديه إلى حذو منكبيه كما يفعل في تكبير التحريم (أربع تكبيرات) بالنصب مفعول مطلق (يتعوذ) أي ندباً (بعد) التكبيرة (الأولى) وهي تكبيرة التحريم (ثم يقرأ) أي من غير دعاء افتتاح صلاتها على التخفيف (فاتحة الكتاب)

стр. 1487

والأولى كونها بعد التكبيرة الأولى، ويجوز إخلاؤها منها وقراءتها مع الصلاة على النبي بعد التكبيرة الثانية أو مع الدعاء بعد الثالثة (ثم يكبر الثانية) رافعاً يديه كما يفعل في تكبير الركوع (ثم يصلي على النبي فيقول) وجوباً (اللهم صل على محمد) ندباً (وعلى آل محمد، والأفضل) في حصول اللفظ المسنون فيها (أن يتممه) بضم أوله من التتميم: أي يكمل لفظ الصلاة بقوله (كما صليت على إبراهيم) والكاف للتشبيه وسيأتي بيان وجهه إن شاء الله تعالى، ومن أحسنه أنه من تشبيه الإحسان بالإحسان، وقوله (إلى قوله حميد مجيد) متعلق بقوله يتممه: أي فيقول «كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد» وتبين بما ذكر أن الأقل والأكمل منها هنا كالأقل والأكمل منها في الصلاة (ولا يفعل) بالجزم نهي، ويجوز أن يقرأ بالرفع فيكون خبراً لفظاً إنشاء معنى (ما يفعله العوام) بتشديد الميم جمع عامة مثل دابة ودواب، والعامة خلاف الخاصة، كذا في «المصباح» ، وفي الكلام إطلاق الفعل على القول لأنه فعل اللسان وباقي المخارج (من قراءتهم إن الله وملائكته يصلون على النبيّ الآية) بالنصب بتقدير بأن فيه حذف الجارّ وإبقاء عمله، وذلك سماعي لا يجوز في مثله (فإنه لا تصح صلاته إذا اقتصر عليه) أي من غير أن يأتي بعده بنحو اللهم صل على محمد وذلك لأنه ليس فيه إلا الإخبار عما تفضل به الله تعالى على نبيه من أنه مع ملائكته يصلون عليه وأمر الأمة لذلك، وهذا ليس بصلاة والواجب فيها الصلاة عليه وهو لم يأت بها، ويكره الإتيان بها مع الإتيان بالصلاة عليه لما فيها من ابتداع ما لم يرد عن الشارع والتطويل فيها مع بنائها على التخفيف (ثم يكبر الثالثة ويدعو للميت) وهو واجب وأقله نحو اللهم اغفر له (وللمسلمين) وهو مندوب، واستحب الدعاء لهم حينئذ للخبر لما لحقهم من النقص بفقد ذلك الميت (بما سنذكره من) أي في (الأحاديث إن شاء الله تعالى) ويجوز كون ابتدائية: أي مبدوءة من الأحاديث (ثم يكبر الرابعة ويدعو) ندباً (ومن أحسنه) أي في

стр. 1488

الدعاء المندوب بعدها (اللهم) أي بالله (لا تحرمنا) بفتح الفوقية وكسر الراء. في القاموس: حرمه الشيء كضربه وأحرمه وكسر الثانية: أي لا توقعنا في الفتنة: أي المحنة (بعده) أي بعد موته (واغفر لنا وله، والمختار) عند أصحابنا الشافعية (أنه يطوّل الدعاء) للميت وللمسلمين (في) أي بعد التكبيرة (الرابعة) وقوله (خلاف ما يعتاده الناس من الدعاء) بالنصب حال من فاعل يطول: أي حال كونه مخالفاً لمعتاد أكثر الناس من تقصير الدعاء فيه اقتصار على الذكر السابق مرة واحدة (لحديث) عبد الله (بن أبي أوفي الذي سنذكره إن شاء الله تعالى) آخر الباب (فأما الأدعية) جمع دعاء وقلبت الواو ياء لانكسار ما قبلها (المأثورة) بالمثلثة أي الواردة عنه بعد التكبيرة الثالثة (فـ) كثيرة (منها) . ١٩٣٥ - (عن أبي عبد الرحمن عوف) بالفاء في آخره (بن مالك الأشجعي) وما ذكره المصنف في كنيته أحد أقوال فيها، وقيل كنيته أبو عمرو وقيل أبو عبد الله وقيل أبو محمد وقيل أبو حماد وتقدمت ترجمته ﵁ في باب القناعة (قال: صلى رسول الله على جنازة فحفظت من دعائه) لعله جهر به ليحفظ عنه (وهو يقول) جملة في محل الحال من الضمير المضاف إليه المصدر (اللهم اغفر له) وحذف المفعول طلباً للتعميم ولتذهب النفس فيه كل مذهب (وارحمه) أي بفيض خاص تتلقاه به من كرامتك (وعافه) أي من المؤذيات في القبر من فتنته ووحشته وظلمته وعذابه (واعف عنه) أي مما وقع له من التقصير في الطاعة قال في النهاية: العفو محو الذنوب والعافية السلامة من الأسقام والبلايا (وأكرم) بقطع الهمزة (نزله) بضمتين: وهو ما يهيأ للضيف من الطعام: أي أحسن

стр. 1489

نصيبه من الجنة. قال ابن الجزري: وهو في الأصل قرى الضيف، والمراد الدعاء بإكرامه بالأجر والثواب والمغفرة (ووسع) بكسر السين المشددة (مدخله) بضم الميم وفتحها وبهما قرى قوله تعالى: ﴿مدخلاً كريماً﴾ (النساء: ٣١) قال ابن الجزري: بضم الميم الموضع الذي يدخل فيه وهو قره الذي يدخله الله فيه، وقال: لكن المسموع من أفواه المشايخ والمضبوط في الأصول فتح الميم وكلاهما صحيح المعنى. قال صاحب «الصحاح» : المدخل الدخول وموضع الدخول أيضاً تقول دخلت مدخلاً وأدخلته مدخل صدق اهـ. قال صاحب «الحرز» : ويجوز بالضم موضع الإدخال وهو المناسب للمقام. قلت: وعليه فيكون نصبه على الظرفية بخلافه إذا جعل بمعنى الدخول فيكون على المصدرية (واغسله) بوصل الهمزة: أي اغسل ذنوبه وطهر عيوبه (بالماء والثلج والبرد) بفتحتين، والغرض تعميم أنواع الرحمة والمغفرة في مقابلة أصناف المعصية والغفلة (ونقه) بتشديد القاف دعاء من التنقية، بمعنى التطهير، والهاء يحتمل أن تكون ضمير الميت وأن تكون هاء السكت (من الخطايا) أي من أثرها وهي جمع خطيئة وهل وزنها فعالى أو فعائل خلاف (كما نقيت) نظفت (الثوب الأبيض من الدنس) بفتحتين: أي الدرن، قال ابن الجزري: الدنس بفتح الدار المهملة والنون: الوسخ يريد المبالغة في التطهير من الخطايا والذنوب (وأبدله) من الإبدال: أي عوّضه (داراً) من القصور أو من سعة القبور (خيراً من داره) التي بالدنيا الفانية (وأهلاً) أي من الخدم والولدان (خيراً من أهله) ليأنس بهم وتذهب عنه الوحشة (وزوجاً) أي من الحور العين، أو من نساء الدنيا في الجنة (خيراً من زوجه) أي زوجته التي كانت في الدنيا، فإن كان الميت امرأة فالمعنى إبدالها زوجاً من رجال الدنيا في الجنة خيراً من زوجها حقيقة أو حكماً (وأدخله الجنة) أي ابتداء من الناجين الفائزين (وأعذه) من الإعاذة: أي خلصه (من عذاب القبر) الناشىء عن فتنته في عالم البرزخ (ومن عذاب النار) أي بعد البعث،

стр. 1490

إما بإعاذته منها ابتداء أو بإنجائه من الخلود فيها وإعادة الجار إيماء إلى اختلاف نوعي العذاب، قال عوف بن مالك راوي الحديث (حتى تمنيت أن أكون ذلك الميت) أي لأظفر بتلك الدعوات المجابات والأدعية المقبولات (رواه مسلم) والترمذي والنسائي وابن ماجه وابن أبي شيبة و (المصنف) كلهم من حديث عوف. ٢٩٣٦ - (وعن أبي هريرة وأبي قتادة) الأنصاري واسمه ربعي بن النعمان (وأبي إبراهيم الأشهلي) قال الحافظ في «التقريب» : مقبول من كبار التابعين، قيل إنه عبد الله بن أبي قتادة ولا يصح، قال الترمذي: هو غلط، أبو إبراهيم من بني عبد الأشهل وأبو قتادة من بني سلمة بطن من الأنصار (عن أبيه) لم يعلم اسمه (وأبوه صحابي) فلا تضرّ جهالة عينه لأن الصحابة ﵃ كلهم عدول (عن النبي أنه صلى على جنازة فقال: اللهم اغفر لحينا وميتنا) أي لجميع أحيائنا وأمواتنا معشر المسلمين لأن المفرد المضاف حيث لا عهد للعموم (وصغيرنا وكبيرنا وذكرنا وأنثانا وشاهدنا) أي حاضرنا (وغائبنا) قال التوربشتي: سئل الطحاوي عن معنى الاستغفار للصغار مع أنه لا ذنب لهم، فقال: إن النبي سأل ربه أن يغفر لهم الذنوب التي قضيت لهم أن يصيبوها بعد الانتهاء إلى الكبر، وعليه فالصغار عام مخصوص بمن سيكبر. قيل ويجوز أن يراد بالصغار الشباب وبالكبار الشيوخ، وعليه فالأمر واضح. قال ميرك: كل من القرائن الأربع في الحديث على الشمول والاستيعاب فلا يحمل على التخصيص نظراً إلى مفردات التركيب كأنه قيل: اللهم اغفر لكل السملمين فهي من الكنايات الرمزية يدل عليه جمعه في قوله «اللهم من أحييته منا» الخ، قال في «الحرز» ، لا كلام في إفادة العموم (اللهم من أحييته منا فأحيه) بقطع الهمزة

стр. 1491

(على الإسلام) وفي رواية للترمذي والحاكم «على الإيمان» (ومن توفيته) بتشديد الفاء: أي قبضت روحه (منا فتوفه على الإيمان) وفي روايتهما «على الإسلام» ولا شك أن رواية غيرهما أولى لمناسبة الحياة للإسلام ولائمة الوفاة لللإيمان (منهم لا تحرمنا أجره) أي أجر المصيبة فيه (ولا تفتنا) وفي رواية «تضلنا» (بعده) أي بعد موته (رواه الترمذي من رواية) أي من حديث (أبي هريرة والأشهلي، ورواه أبو داود من رواية أبي هريرة وأبي قتادة) وكذا رواه من حديث أبي هريرة أحمد والنسائي وابن حبان (قال الحاكم) في «المستدرك» (حديث أبي هريرة صحيح على شرط البخاري ومسلم قال الترمذي) في «جامعه» (قال البخاري) صاحب الصحيح وهو من مشايخ الترمذي (أجمع روايات هذا الباب) أي لهذا الحديث (رواية الأشهلي، قال البخاري، وأصح شيء في الباب حديث عوف بن مالك) وقد تقدم أنه صحيح أخرجه مسلم، ولا شك أن ما أخرجه أحدهما مقدم على ما هو على شرطهما مما لم يخرّجاه وإن كان قول المحدث أصح ما في هذا الباب حديث كذا لا يستلزم الحكم بصحة ذلك الحديث. ٣٩٣٧ - (وعن أبي هريرة ﵁ قال: رسول الله يقول: إذا صلبتم على الميت) أي تلبستم بها (فأخلصوا) بقطع الهمزة (له الدعاء) قال العلقمي: إخلاص الدعاء له ألا يشرك معه غيره، وأقله: اللهم اغفر له، ويدعي له بخصوصه وإن كان طفلاً (رواه أبو داود) ورواه ابن ماجه وابن حبان كما في «الجامع الصغير» وفي «تخريج أحاديث الرافعي»

стр. 1492

للحافظ ابن حجر، وأخرجه البيهقي وفيه ابن إسحاق، وقد عنعن لكن أخرجه ابن حبان من طريق أخرى عنه مصرحاً بالسماع. ٤٩٣٨ - (وعنه عن النبي في الصلاة على الجنازة) أي من دعائه في الصلاة عليها (اللهم) أي يا ألله (أنت ربها) أي مربيها بنعمتك بالإخراج من العدم ثم بالغذاء بالنعم (وأنت خلقتها) أي والمضاف يشرف بشرف المضاف إليه (وأنت هديتها) أي أوصلتها (للإسلام) إذ لولا إرادتك هدايته لما اهتدى (وأنت قبضت) بفتح الموحدة (روحها) أي وذلك بإخراج الملائكة الموكلين بالنزع لها من الجسد ثم أخذ الملك لها. وليس إسناد القبض مجازاً عقلياً خلافاً لما في «الحرز» (وأنت أعلم بسرها) أي بما كانت تسره في الحياة من اعتقاد ونية (وعلانيتها) بتخفيف التحتية: أي ما تعلنه أي تظهره من ذلك والجملة معطوفة على ما قبلها ويحتمل كونها حالية من فاعل هديت: أي حكمنا بهدايتك إياها باعتبار ما ظهر لنا والسرائر علمها إليك (جئنا) أي حضرنا (شفعاء) حال أي شافعين (له فاغفر له) أي جميع ذنوبه كما يومىء إليه حذف المفعول (رواه أبو داود) . ٥٩٣٩ - (وعن واثلة) بالمثلثة (ابن الأسقع) بالمهملة وبعدها قاف فعين مهملة سبقت ترجمته ﵁ في باب الرؤيا وما يتعلق بها (قال: صلى بنا رسول الله على رجل من المسلمين) لم أقف على تسميته (فسمعته يقول: اللهم إن فلان بن فلان) كناية عن اسم الرجل المصلى عليه واسم أبيه، ولما نسى الراوي اسمهما كنى به عنهما (في ذمتك) بكسر الذال المعجمة وتشديد الميم: أي في عهدك المشار إليه بقوله تعالى: ﴿وأوفوا بعهدي أوف بعهدكم﴾ (البقرة: ٤٠) (وحبل) بالمهملة فالموحدة مستعار استعارة مصرحة للميثاق: أي وفي عروة

стр. 1493

(جوارك) بكسر الجيم: أي أمانك، قال تعالى: ﴿واعتصموا بحبل الله﴾ (آل عمران: ١٠٣) قال الطيبي: الحبل العهد والأمان والذمة: أي هو في كنف حفظك وعهد طاعتك. وقال ابن الجزري: أي في خفارتك وطلب غفرانك، وكان عادة العرب أن يخفر بعضها بعضاً، فكان الرجل إذا أراد سفراً أخذ عهداً من سيد كل قبيلة فيأمن به ما دام في حدودها حتى ينتهي إلى أخرى فيفعل مثل ذلك فهذا حبل الجوار: أي ما دام مجاور أرضه. ويجوز أن يكون من الإجارة وهو الأمان والنصرة (فقه) بهاء الضمير: أي حفظه (من فتنة القبر) أي اختباره أو عذابه، وعليه فعطف قوله (وعذابه) من عطف الرديف وعلى الأول من عطف المسبب على السبب (وأنت أهل الوفاء) قال تعالى: ﴿أوف بعهدكم﴾ (والحمد) وأهل أن تحمد بالتزكية والثناء وبالشكر والجزاء لمن ثبت على الإيمان وقام بحق القرآن، والجملة حالية من فاعل «قه» أو استئنافية (اللهم فاغفر له) الإتيان بفاء السببية للإيماء إلى أن من كان محموداً أهلاً للوفاء فهو الذي يسأل منه الغفران بمحو السيئات (وارحمه) أي برفع الدرجات (إنك أنت الغفور الرحيم) بكسر همزة «إن» على الاستئناف ويجوز فتحها بتقدير لام التعليل، وهو كالدليل لسؤال المغفرة والرحمة منه، وأتى بهما بصيغة المبالغة إيماء إلى سعة رحمته وشموله مغفرته وعظمها (رواه أبو داود وابن ماجه) . ٦٩٤٠ - (وعن عبد الله بن أبي أوفى) واسمه علقمة بن خالد بن الحارث الأسلمي ﵄ أنه كبر على جنازة ابنة له) بدل اشتمال من عبد الله (أربع تكبيرات) مفعول مطلق لكبر (فقام بعد) التكبيرة (الرابعة) قياماً (بقدر ما بين التكبيرتين) الثالثة والرابعة التي يدعى

стр. 1494

فيها للميت لأن في هذه أيضاً دعاء له (يستغفر لها) أي يسأل الله لها المغفرة (ويدعو) لها أي بنيل المراتب العلية كالجنة (ثم قال: كان رسول الله يصنع هكذا) أي مثل ما صنعت من تطويل ما بعد التكبيرة الرابعة (وفي رواية) لأبي بكر الشافعي الغيلاني كما قال الحافظ في «تخريج أحاديث الرافعي» : أي عن ابن أبي أوفى (كبر أربعاً فمكث) بفتح الكاف على الأفصح (ساعة) أي زمناً طويلاً يستغفر ويدعو، وقوله (حتى ظننا أنه سيكبر خمساً) غاية للإطالة المدلول عليها بقوله ساعة (ثم سلم عن يمينه) كتسليم الصلاة حتى يرى بياض خده الأيمن (و) كذا (عن شماله، فلما انصرف) أي انتهى من الصلاة (قلنا له: ما هذا قال: إني لا أزيدكم على ما رأيت رسول الله يصنع، أو) شك من الراوي هل قال ابن أبي أوفى كما تقدم عنه، أو (قال هكذا) مثل ما صنعت (صنع رسول الله رواه الحاكم) في «المستدرك» (وقال: حديث صحيح) وفي «تخريج أحاديث الرافعي» رواه أحمد اهـ. فيؤخذ منه استحباب الدعاء للميت بعد الرابعة وهو الذي رجحه الرافعي بعد أن ذكر فيه خلافاً. ١٥٨ - باب الإسراع بالجنازة أي ندب الإسراع بالسير بها، وحكى البيهقي في «المعرفة» عن الشافعي أن الإسراع بها هو فوق سجية المشي، وحكى ابن المنذر وابن بطال أنه سجية المشي. قال العراقي: والأول أثبت ويوافقه قول أصحابنا وهذه عبارة الرافعي والنووي. والمراد بالإسراع فوق المشي المعتاد ودون الخبب. وعبارة صاحب «الهداية» من الحنفية ويمشون بها مسرعين دون الخبث، والمراد بطلب إسراع لا يشق على من تبعها ولا يحرك الميت فذلك مكروه. ١٩٤١ - (عن أبي هريرة ﵁ عن النبي قال: أسرعوا) بقطع الهمزة (بالجنازة)

стр. 1495

أي بالسير إلى القبر على وجه لا يؤدي إلى سقوطها ولا إلى تفجر الميت (فإن تك صالحة فخير) أي فهو خير (تقدمونها إليه) والمبادرة بتقريب الخير مطلوبة (وإن تك) أي الجنازة (سوى ذلك) ذكر اسم الإشارة باعتبار الميت ولذا ذكر الضمير في قوله (فشر تضعونه عن رقابكم، متفق عليه) ورواه أحمد وأصحاب السنن الأربع كما في «الجامع الصغير» (وفي رواية لمسلم: فخير تقدمونها عليه) فينبغي الاسراع به ليظفر عن قرب بنيل ماأعد له والتأخير يفوِّت عليه بعض ذلك، وروى بنصب خير من باب الاشتغال. ٢٩٤٢ - (وعن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: كان النبي يقول: إذا وضعت) بالبناء لما لم يسم فاعله ونائب فاعله (الجنازة) بفتح الجيم الميت وتقدم الكلام في ذلك وبكسرها: السرير كذا في «شرح المشارق» لابن ملك، وفي «القاموس» : الجنازة وبفتح الميت أو بالكسر الميت، وبالفتح السرير أو عكسه، أو بالكسر السرير مع الميت، وتقدم الكلام في ذلك في كتاب عيادة المريض، وقوله «إذا وضعت الجنازة» أي إذا وضعها أهلها (فاحتملها) وفي «المشارق» بالواو بدل الفاء (الرجال على أعناقهم) أي على أكهالهم المقاربة لأعناقهم، ففيه مجاز مرسل علاقته المجاورة (فإن كانت صالحة) بامتثال الأوامر واجتناب النواهي في حياتها، أو لم تكن كذلك ولكن منّ عليها بالتوبة عند موتها (قالت: قدموني) وحذف المقدم إليه إيماء إلى أنه مما تضيق العبارة عن بيانه لكثرته (وإن كانت غير صالحة قالت لأهلها: يا ويلها) يحتمل أنها تقول يا ويلي، لكن كنى عن ذلك بضمير الغيبة إيماء إلى أن الإنسان إذا حكى ما تستقبح إضافته للنفس ينبغي أن يسنده لضمير الغيبة، كما في حديث وفاة أبي طالب «فكان آخر ما قال: هو على ملة عبد المطلب» مع أنه جاء بضمير المتكلم قال: المصنف في «شرح مسلم» : هذا من حسن الآداب والتصرفات، وهو أن من حكى قول غيره

стр. 1496

القبيح أتى به بضمير الغيبة لقبح صورة اللفظ الواقع اهـ. وعلى هذا فلا التفات في العبارة. ويحتمل أنه يقول بهذا اللفظ ففيه التفات على مذهب السكاكي، والويل كلمة تقال عند العذاب أو خوفه. قال ابن ملك: إن أريد من الجنازة السرير يكون الضمير في يا ويلها في موضعه لكن يكون المراد من صالحة ومن قدموني ما حمل عليه فيلزم التجوز في موضعين فإرادة الميت أولى، وهذا القول بلسان الحال فيكون استعارة. وقال المكاشفون: إنه حقيقي لأن الجمادات ناطقة ومسبحة بالحقيقة لكن لا يفهم المحجوب قاله ابن ملك. قلت: ويؤيده أن الأصل حمل ما جاء في الكتاب والسنة على حقيقته حتى يأتي ما يصرفه عنها، ويؤيده قوله في الحديث «يسمع صوتها» الخ (أين تذهبون بها يسمع صوتها كل شيء إلا الإنسان) دخل في جملة السامع الجن (ولو سمع الإنسان لصعق) بفتح فكسر: أي لغشي عليه وقيل لمات وهذا أبلغ في حكمة منع إسماع الصوت لإفضائه إلى فساد العالم (رواه البخاري) في باب الجنائز. ١٥٩ - باب تعجيل قضاء الدين عن الميت مسارعة لللإطلاق مما يعقله عن بلوغه مقامه السني (والمبادرة إلى تجهيزه) بالغسل والتكفين والصلاة والدفن (إلا أن يموت) استثناء من أعم الأحوال: أي في كل حال وهو استثناء مفرغ اعتباراً بوجود النفي من حيث المعنى كأنه قيل لا يترك المبادرة بتجهيزه في حال من الأحوال إلا حال موته (فجأة) بفتح فسكون وبضم ففتح فألف ممدودة: أي بغتة (فيترك) بالبناء للمفعول ونائب فاعله ضمير الميت (حتى يتيقن موته) ولو بالتغير. ١٩٤٣ - (عن أبي هريرة ﵁ عن النبيّ قال: نفس المؤمن معلقة بدينه) قال

стр. 1497

السيوطي: أي محبوسة عن مقامها الكريم. وقال العراقي: أي أمرها موقوف لا يحكم لها بنجاة ولا هلاك حتى تنظر: هل يقضي ما عليها من الدين أو لا؟ ويستمر تعلقها الحديث. وشذ الماوردي فقال: الحديث محمول على من لم يخلف وفاء، وظاهر أن من عصى بالاستدانة أو قصر في القضاء فذلك حاله، وإلا فالمرجو من الله العفو عنه وإرضاء الخصوم (رواه الترمذي وقال: حديث حسن) وفي نسخة من الرياض زيادة «صحيح» ولا وجود لها فيما وقفت عليه من أصلي من الترمذي. ٢٩٤٤ - (وعن حصين) بضم المهملة الأولى وفتح الثانية وسكون التحتية آخره نون (ابن وحوح) بفتح أوله وبمهملتين الأولى ساكنة الأنصاري المدني صحابي ﵁ له حديث ذكر ابن الكلبي أنه استشهد بالقادسية، خرّج عنه أبو داود كذا في «تقريب» الحافظ (أن طلحة بن البراء) بتخفيف الموحدة والراء ابن عمير بن وبرة بن ثعلبة بن غنم بن سري بضم المهملة وفتح الراء وتشديد الياء ابن سلمة بن أسد البلوي الأنصاري ﵁ مرض، فأتاه رسول الله يعوده فقال) أي لأهله كما صرح به ابن الأثير في روايته وقال: أخرجه ابن عبد البرّ والمديني وأبو نعيم (إني لا أرى) بضم الهمزة: أي أظن (طلحة إلا قد حدث فيه الموت) أي بالشروع في النزع وفي رواية ابن الأثير «إني أرى طلحة» الخ (فآذنوني) زاد ابن الأثير في روايته «فإذا مات فآذنوني» وهو بمد الهمزة وكسر الذال المعجمة: أي أعلموني (به) أي بموته زاد ابن الأثير في روايته «أصلي عليه» (وعجلوا) بتشديد الجيم (به فإنه لا ينبغي) أي لا يحسن (لجيفة مسلم أن تحبس بين ظهري أهله) زادابن الأثير روي «أنه توفي ليلاً فقال: ادفنوني ليلاً وألحقوني بربي، ولا تدعوا رسول الله فإني أخاف عليه من اليهود أن يصاب في سببي. فأخبر رسول الله حين أصبح، فجاء حتى وقف على قبره وصفّ الناس معه ثم رفع يديه وقال: اللهم الق طلحة وأنت تضحك إليه وهو

стр. 1498

يضحك إليك» وقد روي عن طلحة بن البراء أن النبي دعا له، أخرجه الثلاثة اهـ. وتذكير ضمير أهله لعوده على المضاف إليه وتأنيث ضمير تحبس لعوده على المضاف (رواه أبو داود) . ١٦٠ - باب الموعظة مصدر ميمي بمعنى الوعظ وهو التذكير بعذاب الله تعالى الزاجر عن مخالفته وبثوابه الباعث على طاعته (عند القبر) لأنه حينئذ أنجع وذلك لأن رؤية الميت وذكر الموت يرقق القلب ويذهب غلظته. ٣٩٤٥ - (عن علي ﵁ قال: كنا في جنازة) لم أر عين اسمها (في بقيع) بفتح الموحدة وكسر القاف فعين مهملة وسكون التحتية (الغرقد) بالمعجمة والقاف بوزن جعفر هو كما في «النهاية» : ضرب من شجر العضاه وسجر الشوك، الغرقدة واحدته، وبقيع الغرقد: مقبرة المدينة، قال في «النهاية» : قيل لها ذلك لأنه كان فيها غرقد وقطع (فأتانا رسول الله فقعد وقعدنا حوله ومعه مخصرة) بكسر الميم وسكون الخاء المعجمة وفتح الصاد المهملة، قال في النهاية: هي ما يختصره الإنسان فيمسكه: من عصاة أو عكاز أو مقرعة أو قضيب، وقد يتكىء عليه. قلت: والمراد هنا عصا ذات رأس معوج (فنكس) أي طأطأ رأسه، وذلك يكون عند التفكر والتدبر (وجعل) من أفعال الشروع (ينكث) أي يؤثر في الأرض (بمخصرته) أي يضرب الأرض بطرفها، قال في «النهاية» : وهو فعل المفكر المهموم (ثم قال:

стр. 1499

ما منكم من) مزيدة لتأكيد استغراق النفي في (أحد إلا قد كتب) بالبناء للمجهول (مقعده) بالرفع نائب الفاعل، ويجوز نصبه على الظرفية، ونائب الفاعل مستتر (من النار) قدم ذكر مقعدها لأن المقام للوعظ وهي أنجع فيه من قرينتها لأنها من باب النذارة وهي انجع من البشارة (ومقعده من الجنة) والمراد أن أهل الجنة كتب في الأزل مقعدهم منها، وكذا أهل النار، ويدل على إرادة ذلك المقام، وأن ما بعد إلا من الجملة في محل الحال وهو استثناء مفرغ من أعم الأحوال: أي ما منكم أحد في حال إلا حال كتابة مقعدة منهما في الأزل (فقالوا: يا رسول الله أفلا نتكل) من الاتكال وهو الاعتماد: أي أتعمل مع ذلك فلا نتكل (على كتابنا) أي مكتوبنا السابق من سعادة وضدها، قال الشيخ زكريا في «تحفة القاري» : والقائل هو سراقة بن خيثم أو أبو بكر أو عمر أو علي الراوي، قلت: ولا مانع من كون كل سأل بدليل فقالوا (فقال اعملوا) أي ماأمرتم بعمله من التكاليف الشرعية (فكل) منكم (ميسر لما خلق له) من سعادة أو شقاوة بعمل السعداء أو الأشقياء (وذكر تمام الحديث) جاء في رواية البخاري قال «أماأهل السعادة فييسرون لعمل أهل السعادة، وأما أهل الشقاوة فييسرون لعمل الشقاوة، ثم قرأ فأما من أعطى واتقى وصدق بالحسنى إلى قوله: ﴿فسنيسره للعسرى﴾ (الليل: ٦) (متفق عليه) وأخرجه أبو داود والترمذي وابن ماجه. ١٦١ - باب الدعاء للميت بعد دفنه لأن ذلك أول مفارقته للدنيا ونزوله بمنزل لا يألفه ولا يعرفه فيناسب الدعاء له بالعفو والغفران والتثبيت ودفع هوله (والقعود عند قبره) بعد الدفن (ساعة) قدر نحر جزور وتفريق لحمها (للدعاء والاستغفار والقراءة) أي عليه، فإن الرحمة تنزل عند قراءة القرآن فتعمه فتعود عليه بركتها.

стр. 1500

١٩٤٦ - (عن أبي عمرو) بفتح المهملة (وقيل أبو عبد الله) ولد من بنت سيدنا رسول الله توفي مراهقاً من ديك نقر عينه (وقيل أبو ليلى عثمان بن عفان) تقدمت ترجمته ﵁ في باب فضل الزهد (قال: كان النبي إذا فرغ) بالبناء للمفعول (من دفن الميت وقف عليه فقال: استغفروا) أي أسألوا الله غفر الذنوب (لأخيكم) وفي التعبير به إيماء إلى السبب الداعي للدعاء له لأن شأن الأخ الاهتمام بنفع أخيه (واسألوا له التثبيت) أي أن يثبته الله عند سؤال الملكين له في القبر عن ربه ونبيه (فإنه) أي الأخ (الآن) ظرف لقوله (يسأل) بالبناء للمفعول: أي يسأله الملكان أي والدعاء له بالتثبيت ربما كان يفضل الله تعالى سبباً لتلقينه حجته وكفايته من القبر وفتنته (رواه أبو داود) . ٢٩٤٧ - (وعن عمرو بن العاص ﵁ قال: إذا دفنتموتي فأقيموا) أي امكثوا (حول) أي عند (قبري قدر ما ينحر) بالبناء للمفعول (جزور) بفتح الجيم وضم الزاي وهي المنحور من الإبل ذكراً كان أو أنثى (ويقسم لحمها) ببناء الفعل للمجهول أيضاً (حتى) تعليلية: أي كي (أستأنس) أي آنس (بكم) والسين فيه للمبالغة (وأعلم ما) أي أيّ شيء الذي (أراجع به رسل ربي) وكأنّ حكمة ذلك والله أعلم أن النوع الإنساني يأنس بمثله ولو من وراء جدار، وإذا أنس الإنسان سكن قلبه واطمأنت نفسه وإذا كان كذلك ثبت في بين ما يطلب منه بيانه بخلاف النفس عند الوحشة والقلق والاضطراب والفرق فإنه يختل عليها الأمر في الجواب، والله الموفق (رواه مسلم، وقد سبق) الحديث (بطوله) في باب

стр. 1501

الرجاء (قال الشافعي ﵀: ويستحب أن يقرأ عنده شيء من القرآن) ليصيبه من الرحمة النازلة على القراء للقرآن نصيب (وإن ختموا القرآن) أي قرءوه (كله كان حسناً) لعظيم فضله. ١٦٢ - باب الصدقة عن الميت والدعاء له أي استحباب ذلك له. (قال الله تعالى) : ( ﴿والذين﴾ ) معطوف إما على قوله «للفقراء» أو على قوله «والذين تبوءوا الدار» أي أن الفىء لهؤلاء الثلاثة المهاجرين والأنصار والذين ( ﴿جاءوا من بعدهم﴾ ) زمناً وهم التابعون بإحسان (يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان» ) جملة حالية قيد لاستحقاق المتأخر الفىء ولذا قال الإمام مالك: لا حق لسابي السلف في الفيء وذكر الآية وهذا دليل طلب الدعاء للميت، ويقاس به الصدقة عنه بالأولى لأنهم إذا مدحوا بالدعاء لهم فلأن يمدحوا بالصدقة عنهم أولى. ١ ٩٤٨ـ (وعن عائشة ﵂ أن رجلاً) هو سعد بن عبادة الأنصاري (قال للنبي: إن أمى افتلتت) افتعال من الفلت مبني لما لم يسم فاعله و (نفسها) بالرفع نائبه (وأراها) بضم الهمزة (لو تكلمت تصدقت) الجملة الشرطية ثاني مفعولي رأى (فهل لها أجر إن تصدقت عنها؟) وكأن وجه هذا السؤال ظاهر قوله تعالى: ﴿وأن ليس للإنسان إلا ما سعى﴾ (النجم: ٣٩) الموهم قصور الثواب على ما يعمله العامل دون ما عمل له وإن بفتح الهمزة

стр. 1502

وحذف الجار: أي في تصدقي عنها أو بكسرها والجواب محذوف لدلالة ما قبله عليه (قال نعم) أي لها ذلك والآية، قيل هي في الكافر فالإنسان عام مراد به خاص، وإن كان في المؤمن فالمعنى ليس للمؤمن من حيث العدل إلا جزاء ما عمل، وأما على سبيل الفضل فالله أعظم وأكرم يتجاوز عن السيئة ويضاعف الحسنة ويثيبه بما فعل عنه من القرب (متفق عليه) . ٢٩٤٩ - (وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله قال: إذا مات الإنسان انقطع عمله) لزوال التكليف بالموت ولخروجه من عالمه إلى البرزخ وليس محل عمل والمراد لازم العمل: أي أن الإنسان يتم تحصيله للثواب بنفسه بموته (إلا من ثلاث) لا تنافي بينه وبين حديث ابن ماجه عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله «إنما يلحق المؤمن من عمله وحسناته بعد موته: علماً نشره، وولداً صالحاً تركه ومصحفاً ورثه، ومسجداً بناه، وبيتاً لابن السبيل بناه، ونهراً أجراه، وصدقة أخرجه من ماله في صحته وحياته تلحقه من بعد موته» إما لأن مفهوم العدد خير حجة، وإما لأنه اطلع أولاً على ما في حديث مسلم ثم أطلعه الله على الزائد فأخبر به.. قال السيوطي: وقد تضمن حديث ابن ماجه سبع خصال، ووردت خصال أخر بلغت بها عشراً، وقد نظمتها فقلت: إذا مات ابن آدم ليس يجري عليه من فعال غير عشر علوم بثها ودعاء نجل وغرس النخل والصدقات تجري وراثة مصحف ورباط ثغر وحفر البئر أو إجراء نهر وبيت للغريب بناه يأوي إليه أو بناء محل ذكر وزاد ﵀ في شرح مسلم الحادية عشر فقال: وتعليم لقرآن كريم فخذها من أحاديث بحصر

стр. 1503

(صدقة جارية) كوقف أو وصية لفقير (أو علم) شرعي أو آلته (ينتفع به) لكونه ألفه أو وقف كتباً فيه أو تخرّج عليه الطلبة أو تعلم منه متعلم فعمل به فله مثل ثوابه (أو ولد صالح) أي مسلم (يدعو له) لأنه من كسبه وقد تفضل الله تعالى بكتابه مثل ثواب سائر الحسنات التي يعملها الأولاد للوالد دون آثام السيئات (رواه مسلم) . باب ثناء الناس بتقديم المثلثة (على الميت) والثناء وإن كان محصوصاً بالمحاسن والمساوي ثناء، لكن المراد ما يعمها ١٩٥٠ - (وعن أنس ﵁ قال: مروا بجنازة) أي على النبي ومن عنده (فأثنوا عليها خيراً) منصوب بنزع الخافض: أي بخير أو أنه مفعول مطلق إما بتقدير ثناء خير فحذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه، أو لكون الخير من نوع الثناء فيكون نحو قعدت جلوساً وقرينة كون المرور عليه قول أنس (فقال النبي) أي عند سماع ثنائهم عليها (وجبت) واحتمال كونها مرت عليهم فقط فأثنوا عليها فبلغه ذلك خلاف الظاهر، وضمير وجبت يرجع إلى الجنة المدلول عليها بالسياق (ثم مرّوا بأخرى) أي بجنازة أخرى (فأثنوا عليها شراً) هذا الحديث مؤيد للعزّ بن عبد السلام الشافعي حيث رأى أن الثناء حقيقة في الخير والشرّ، ورأى الجمهور أنه حقيقة في الخير فقط، وعله ففي الحديث مجاز مرسل تبعي علاقته التضادّ، وأقرهم على الثناء عليه بالشر مع نهيه عن ذكر مساوىء الموتى،

стр. 1504

لأن النهي عنه في غير الكافر والمنافق والمتجاهر بفسقه، فلعل التي أثنوا عليها شراً كانت واحداً من الثلاثة (فقال النبي وجبت) أي النار كما سيصرح به والخفاء الدالّ على تعيين الواجب فيهما سأل عمر ﵁ عن بيانه (فقال عمر) بن الخطاب ﵁: ما وجبت؟) أي ما معناها فقال معناها ما تضمنه قولنا (هذا أثنيتم عليه خيراً فوجبت له الجنة) فانطلاق الألسنة بالثناء الحسن علامة على وجوب الجنة للمثنى عليه به (وهذا أثنيتم عليه شراً فوجبت له النار) أما إذا كان ذلك على سبيل الهوى والغرض من غير باعث ووازع فالظاهر أنه لا يكون كذلك (أنتم) أيها الصحابة أو مطلق المؤمنين ويؤيده أنه جاء في رواية المؤمنون (شهداء الله في الأرض) فإذا جرى على ألسنتكم ثناء بخير أو شرّ كان مطابقاً لما عند الله: أي باعتبار الغالب أن الله تعالى يطلق الألسنة في حق كل إنسان بما يعلم من سريرته التي لا يطلع عليها غيره، وبما يظهر عليه من الأعمال الصالحة وضدها، فكأنه استنبط من هذا في حق هذين القطع لهما بالجنة والنار، أو أعلم الله تعالى أنهما في باطن الأمر عنده على طبق ثناء الناس عليهما، فعلم أنه ليس المراد أن من خلق للجنة يصير للنار بقولهم ولا عكسه، بل قد يقع الثناء بالخير أو الشر وفي الباطن خلافه، وإنما المراد أن الثناء علامة مطابقة وعلة دالة على ما في الواقع غالباً كما أنبأ عن ذلك ترتيبه وجبت على الثناء المشعر بأن الثناء علة ذلك، ولذا أشار أشرف المثنين بكونهم شهداء الله الصادقين في ثنائهم لكونهم يجري على ألسنتهم ما يطابق ما عنده غالباً، ففيه غاية التزكية منه لأمته بأن الله تعالى ما أنطقهم إلا ليصدقهم غالباً في ثنائهم الواقع كالدعاء والشفاعة بوعده الحق الذي لا يخلف، أو العادة المنزلين منزل الواجب الوقوع، فلذا رتب على الثناء الوجوب بالمعنى المذكور لأنه تعالى لا يجب عليه شيء بعمل ولا بشهادة ولا بغيرهما، تعالى الله عن ذلك علوّاً كبيراً اهـ من «فتح الإله» (متفق عليه) .c ٢٩٥١ - (وعن أبي الأسود الديلي) هو بكسر الدال وسكون التحتية، ويقال الدؤلي بضم

стр. 1505

الدال بعدها مفتوحة البصري اسمه ظالم بن عمرو بن سفيان ويقال ابن عمر، ويقال: عمير بن ظليم بالتصغير فيهما، ويقال: عمرو بن عثمان بن عمر، ثقة فاضل مخضرم مات سنة تسع وستين من الهجرة، خرّج عنه الجميع، قاله الحافظ العسقلاني في «التقريب» (قال: قدمت المدينة فجلست) مستنداً (إلى عمر بن الخطاب ﵁ فمرت بهم جنازة فأثنى) بالبناء للمجهول ونائب فاعله قوله (على صاحبها) أي المتوفى (خيراً، فقال عمر وجبت، ثم مرّ بأخرى فأثنى على صاحبها خيراً، فقال عمر: وجبت، ثم مرّ بالثالثة فأثنى على صاحبها شرّاً) هو على وزن قرينه وإعرابه (فقال عمر وجبت، فقال أبو الأسود) مستكشفاً للواجب (فقلت: وما وجبت يا أمير المؤمنين؟ قال: قلت كما قال النبي) في نظير ما وقع الآن من قوله لمن أثنى عليه بخير وجبت: أي الجنة، ولمن أثنى عليه بشرّ وجبت: أي النار، وعليه فالمشبه قول عمر فيهما والمشبه به قول النبيّ فيهما بخصوص اللفظ المذكور، ويحتمل أن يكون المشبه به ما دلّ عليه قوله (أيما) اسم شرط جازم مبتدأ، وما صلة غير مانعة أياً من إضافتها إلى (مسلم) وقوله (شهد له أربعة بخير أدخله الله الجنة) جملتا الشرط والجواب فإن ذلك يدل بمنطوقه بوجوب الجنة لمن انطلقت الألسنة بالثناء عليه بخير، وبمفهومه بوجوب النار لمن انطلقت الألسنة بالثناء عليه بشرّ. وعند أحمد «تشهد له أربعة أبيات من جيرانه الأدنين إلا قال الله تعالى: قد قبلت علمهم فيه وغفرت له ما لا يعلمون» (فقلنا: وثلاثة) أي ومن شهد له ثلاثة بخير أدخله الله الجنة (قال: وثلاثة) أي ومن شهد له ثلاثة كذلك (فقلنا واثنان؟ قال: واثنان، ثم لم نسأله عن الواحد) أي عمن شهد له واحد بالخير أيدخلها: أي والباب توقيف لا مجال فيه للرأي (رواه البخاري) قال في «فتح الإله» : وكأن سبب تخصيص المسلم بهذا سعة مظاهر الفضل والرحمة للمؤمنين، وأن الله تعالى يعطيهم من خير ما عنده بأدنى سبب أو

стр. 1506

دعاء أو شفاعة، وأخذ أئمتنا من هذا وما قبله أنه يسن لمن مرّت به جنازة أن يدعو لها ويثني عليها خيراً إن تأهل الميت لذلك لكن بلا إطراء. ١٦٤ - باب فضل من مات له أولاد صغار بكسر المهملة جمع صغير، والمراد منه من دون البلوغ ذكراً كان أو غيره. ١٩٥٢ - (عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله: ما من مسلم يموت له ثلاثة) أي من الأولاد (لم يبلغوا الحنث) بكسر المهملة وسكون النون بعدها مثلثة كذا لجميع الرواة. وحكى ابن قرقول عن الداودي أنه ضبطه الخبث بفتح المعجمة والموحدة وفسره بأن المراد لم يبلغوا، أو أن يعملوا المعاصي، قال: ولم يذكره غيره كذلك، والمحفوظ الأول والمعنى لم يبلغوا الحلم فتكتب عليهم الآثام. قال الخليل: بلغ الغلام الحنث: أي جرى عليه القلم، والحنث الذنب، قال الله تعالى: ﴿وكانوا يصرون على الحنث العظيم﴾ (الواقعة: ٤٦) وقال الراغب غبر بالحنث عن البلوغ لما كان الإنسان يؤاخذ بما يرتكبه فيه بخلاف ما قبله، وخص الإثم بالذكر لأنه الذي يحصل بالبلوغ لأن الصبي قد يثاب، وخص الصغير بذلك لأن الشفقة عليه أعظم والحب له أشد والرحمة له أوفر، وعليه فمن بلغ الحنث لا يحصل لمن فقده ما ذكر من هذا الثواب وإن كان في فقد الولد أجر في الجملة، وبه صرح كثير من العلماء. وفرقوا بين البالغ وغيره بأنه يتصوّر منه العقوق المقتضي لعدم الرحمة، بخلاف الصغير فإنه لا يتصوّر منه ذلك إذ ليس مخاطباً. وقال ابن المنير: بل يدخل الكبير في ذلك من طريق الفحوى، لأنه ثبت ذلك من الطفل الذي هو كلّ على أبويه فكيف لا يثبت في الكبير الذي ببلغ معه السعي وحصل له منه النفع وتوجه إليه الخطاب بالحقوق اهـ. قال في «فتح الباري» : ويؤيد الأول قوله (إلا أدخله الله الجنة بفضل رحمته إياهم) لأن الرحمة للصغار أكثر لعدم حصول الإثم منهم، وهل يلتحق بالصغار من بلغ مجنونا مثلاً واستمر على ذلك

стр. 1507

فمات؛ فيه نظر لكونهم لا إثم عليهم يقتضي الإلحاق، وكون الامتحان بهم يخفّ لموتهم يقتضي عدمه، قال: ولم يقع التقييد في طرق الحديث بشدة الحبّ ولا عدمه، وكان القياس يقتضي ذلك لما يوجد من كراهة بعض الناس لولده وتبريه منه لاسيما من كان ضيق الحال، لكن لما كان الولد مظنة المحبة والشفقة نيط الحكم به وإن تخلف في بعض الأفراد. وعند أبي ماجه من حديث عقبة مرفوعاً حديث نحو حديث الباب لكن قال فيه «إلا تلقوه من أبواب الجنة الثمانية من أيها شاء دخل» ويشهد له رواه النسائي بإسناد صحيح من حديث معاوية بن قرة عن أبيه مرفوعاً من أثناء حديث «أما يسرك أنك لا تأتي باباً من أبواب الجنة إلا وجدته عنده يسعى يفتح لك؟» والضمير في قوله «بفضل رحمته إياهم» يرجع إلى الله تعالى: أي بفضل رحمة الله للأولاد، وقال ابن التين: يرجع للأب: أي لكونه يرحمهم في الدنيا جوزى برحمته في الآخرة. قال الحافظ: والأولى أولى، ويؤيده أن في رواية ابن ماجه من هذا الوجه بفضل رحمة الله إياهم. وللنسائي من حديث أبي ذرّ «إلا غفر الله لهما بفضل رحمته» وضمير إياهم راجع للأولاد خلافاً لما توهمه الكرماني من كونه راجعاً لمسلم وإن جمعه باعتبر عمومه لكونه في سياق النفي (متفق عليه) لكن اقتصر السيوطي في كتاب فقد الولد على عزوه للبخاري فقط، ولعله لكونه عنده بهنا اللفظ، وزاد: ورواه النسائي وابن ماجه. ٢٩٥٣ - (وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله: لا يموت لأحد من المسلمين ثلاث من الولد) بفتحتين اسم جنس يقع على الواحد فما فوقه وجمعه ولد بضم فسكون، والمراد ثلاثة منهم مطلقاً أو لم يبلغوا الحنث كم تقدم فيما قبله (لا تمسه النار) برفع تمسه جزماً كما قال في «فتح الباري» قال الكرماني: هو في حكم البدل من لا يموت فكأنه قال: لا تمس النار من مات له ثلاث من الأولاد من المسلمين (إلا تحلة) بفتح المثناة الفوقية وكسر المهملة وتشديد اللام (القسم) أي إلا بقدر ما ينحل به القسم وهو اليمين.

стр. 1508

والتحلة مصدر حلل اليمين كفرها، يقال حللته تحليلاً وتحلة وتحللاً بغير هاء والثالثة شاذة. قال أهل اللغة يقال فعلته تحلة القسم: أي قدر ما حللت به يميني ولم أبالغ (متفق عليه وتحلة القسم) المذكور في الحديث (هو قول الله تعالى) : ( ﴿وإن منكم إلا واردها﴾ ) قال في «فتح الباري» : قال الكرماني: اختلف في المراد بهذا القسم، فقيل هو معين، وقيل غير معين، والجمهور على الأول، وقيل لم يعن به قسم معين وإنما معناه التقليل لأمر ورودها، وهذا اللفظ يستعمل في هذا القول يقال ما ينام فلان إلا تحلة الألية، وقيل الاستثناء بمعنى الواو: أي لا تمسه النار أصلاً ولا تحلة القسم، وجّز الفراء والأخفش مجىء إلا بمعنى الواو، والأول هو قول الجمهور، وبه جزم أبو عبيد وغيره وقالوا: المراد به قوله تعالى: ﴿وإن منكم إلا واردها﴾ (مريم: ٧١) قال الخطابي: معناه لا يدخل النار ليعاقب بها، ولكنه يدخل مجتازاً ويكون ذلك الجواز بقدر ما يحلل الرجل به يمينه، ويدل لذلك ما وقع عند عبد الرزاق عن معمر عن الزهري في آخر الحديث «إلا تحلة القسم» يعني الورود، وفي سنن سعد بن منصور عن سفين بن عيينة، ثم قرأ سفيان ﴿وإن منكم إلا واردها﴾ ومن طريق زمعة بنت صالح عن الزهري في آخره «قيل وما تحلة القسم؟ قال قوله تعالى: ﴿وإن منكم إلا واردها﴾ » وكذا حكاه عبد الملك بن حبيب عن مالك في تفسير هذا الحديث، وجاء عند الطبراني من حديث عبد الرحمن بن بشير الأنصاري مرفوعاً «من مات له ثلاثة من الولد لم يبلغوا الحنث لم يرد النار إلا عابر سبيل» يعني الجواز على الصراط. واختلف في موضع القسم من الآية، فقيل هو مقدر: أي والله إن منكم إلا واردها، وقيل معطوف على القسم الماضي في قوله تعالى: ﴿فوربك لنحشرنهم﴾ (مريم: ٦٨) وقيل مستفاد من قوله: ﴿حتماً مقتضياً﴾ أي قسماً واجباً كذا رواه الطبراني وغيره، وقال الطيبي: يحتمل أن المراد بالقسم ما دل على القطع والبت من السياق، فإن قوله: ﴿كان على ربك حتماً مقتضياً﴾ تذييل وتقرير لقوله: ﴿وإن منكم إلا واردها﴾ فهو بمنزلة القسم بل أبلغ لمجىء الاستثناء بالنفي والإثبات. واختلف في المراد بالورود في الآية، فقال المصنف (والورود هو العبور على الصراط، وهو) أي الصراط (جسر) بكسر الجيم وسكون المهملة أي ممر (منصوب على ظهر جهنم، عافانا الله منها) وهذا القول رواه الطبراني وغيره من

стр. 1509

طريق بشر ابن سعيد عن أبي هريرة، ومن طريق أبي الأحوص عن عبد الله بن مسعود، ومن طريق معمر وسعيد عن قتادة، ومن طريق عن كعب الأحبار وزاد يستوون كلهم على منتهاه ثم ينادي منادٍ: أمسكي أصحابك ودعي أصحابي، فيخرج المؤمنون ندية أبدانهم. وقيل «الورود» هو الدخول بها. روى النسائي والحاكم من حديث جابر مرفوعاً: «الورود الدخول لا يبقى برّ ولا فاجر إلا دخلها، فتكون على المؤمنين برداً وسلاماً» . وروى الترمذي وابن أبي حاتم من حديث ابن مسعود موقوفاً قال: «يردونها أو يلجونها ثم يصدرون عنها بأعمالهم» . قال عبد الرحمن بن مهدي: قلت لشعبة إن إسرائيل يرفعه، قال: صدق وعمداً أدعه. ثم رواه الترمذي عن إسرائيل مرفوعاً. قال في «فتح الباري» : وهذان القولان أصح ما ورد في ذلك. ولا تنافي بينهما لأن من عبر بالدخول تجوز به عن المرور، ووجهه أن المارّ عليه فوق الصراط بمعنى من دخلها، لكن تختلف أحوال المارين باختلاف أعمالهم، فأعلى درجة من يمرّ كملح البرق. ويؤيد الأول ما يراه مسلم من حديث أم مبشر أن حفصة قالت للنبي لما قال: لا يدخل أحد ممن شهد الحديبية النار، أليس الله تعالى يقول: ﴿وإن منكم إلا واردها؟﴾ فقال لها: أليس الله يقول: ﴿ثم ننجي الذين اتقوا؟﴾ (مريم: ٧٢) الآية. وفي هذا بيان ضعف قول من قال: الورود مختص بالكفار، ومن قال معنى الورود الدنوّ منها، ومن قال معناه الإشراف عليها، ومن قال معناه ما يصيب المؤمن من الحمى في الدنيا، على أن هذا الأخير ليس ببعيد ولا ينافيه بقية الأحاديث اهـ. ٣٩٥٤ - (وعن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: جاءت امرأة) أشار الحافظ في «الفتح» إليها أنها من نساء الأنصار (إلى رسول الله فقالت: يا رسول الله ذهب الرجال بحديثك) أي منفردين به عن النساء (فاجعل لنا من نفسك يوماً) فيه تجريد أو في الكلام مضاف: أي من أوقات نفسك: أي الأوقات التي تجعلها لنفسك منفرداً فيها عنهم، فإنه يجزىء أوقاته ثلاثاً كما في «شمائل الترمذي» (نأتيك فيه تعلمنا مما علمك الله) الجملتان مستأنفتان بسبب طلبهن اليوم والمراد منه مطلق الوقت وفصلهما إيماء إلى استقلال كل منهما بالكفاية فيما طلبوا (قال: اجتمعن يوم كذا وكذا) عينه لهن ليستعددن له وليكن أشوق، فتكون

стр. 1510

الموعظة أوقع لأن ما حصل بالطلب ليس كالحاصل بلا تعب (فاجتمعن فأتاهن النبيّ فعلمهن مما علمه الله) أي من الأحكام المحتاجات إليها (ثم قال) زيادة على مطلوبهن مبشراً (ما منكن من امرأة) من الثانية مزيدة ومن في «منكن» لبيان إبهام المرأة حال منها: أي ما أمره منكن والمراد معشر النساء المسلمات (تقدم ثلاثة من الولد) بفتحتين يشمل الذكر والأنثى والمفرد والجمع (إلا كانوا) لبعض، رواة البخاري «كن» بضم الكاف وتشديد النون وكأن التأنيث باعتبار النفس أو النسمة (لها حجاباً من النار) الظرف الأول لغو متعلق بكان على الأصح من تعلق الظرف بها، ويجوز إعرابه حالاً من حجاباً، كان وصفاً له فنقدم فأعرب حالاً والظرف الثاني في محل الصفة. قال القرطبي: وخصت الثلاثة لأنها أول مراتب الكثرة فتعظم المصيبة بكثرة الأجر، فأما إذا زاد عليها فقد يخف أمر المصيبة لكونها تصير كالعادة اهـ. وتعقبه الحافظ ابن حجر فيما أوهمه كلامه من قصر ذلك على من فقد له ثلاثة دون من فقد له أربعة أو خمسة بأنه جمود شديد، فإن مات له أربعة مات له ثلاثة ضرورة وثبت له أجرهم وموت الرابع إن لم يزد في الأجر لا يرفعه والحق أن تناول الخبر لما فوق الثلاثة بالأولى والأحرى، ويؤيده أنهم لم يسألوا عن الأربعة فما فوق لأن ذلك كالملعلوم عندهم من الثلاثة (فقالت امرأة) هي أم سليم أم أنس بن مالك كما رواه الطبراني عنها أنها سألته عن الاثنين، ووقع لأم مبشر الأنصارية السؤال عن ذلك، رواه الطبراني أيضاً، وجاء من حديث جابر بن سمرة أن أم أيمن ممن سأله عنه، ومن حديث ابن عباس أن عائشة أيضاً منهن. وحكى ابن بشكوال أن أم هانىء أيضاً سألت عنه قال في «فتح الباري» : فيحتمل أن كلاً منهن سألت عن ذلك في ذلك المجلس واحتمال تعدد القصة فيه بعد لأنه لما سئل عن الاثنين بعد ذكر الثلاثة أجاب بأن الاثنين كذلك. والظاهر أنه كان بوحي أوحي إليه في الحال، وبذلك جزم ابن بطال وغيره، وإذا كان كذلك كان الاقتصار على الثلاثة بعد ذلك مستبعداً لأن المفهوم يخرج الاثنين اللذين ثبت لهما ذلك الحكم بناء على الحكم بمفهوم العدد وهو المعتبر، نعم قد جاء في حديث جابر بن عبد الله أنه ممن سأل عن ذلك، وكذا عمر وحديثه عند الحاكم والبزار، وهذا لا بعد في تعدده لأن خطاب النساء بذلك لا يستلزم علم الرجال به (واثنين) هذا اللفظ رواية مسلم، والتقدير: وما حكم اثنين، وعند البخاري واثنان بالألف: أي وإذا مات اثنان ما الحكم، وهذا منها بناء على عدم اعتبار مفهوم العدد إذ لو اعتبرته لعلمت
следующие страницы →