← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 140

دليل الفالحين لطرق رياض الصالحين

ابن علان

Полный текст (2 250 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

عبد البرّ وغيرهم من طرق يفيد مجموعها الحسن له، ففي «الجامع الصغير» للسيوطي أن الحديث رواه أحمد والترمذي والحاكم والبيهقي عن أبي ذر وأحمد والترمذي والبيهقي عن معاذبن جبل وابن عساكر عن أنس. وذكر السخاوي في «تخريج أحاديث الأربعين» أن الأصح كون الحديث مسند أبي ذّر، وإلى ذلك أشار البيهقي ثم بسط في بيان ذلك. ٦٢٣ - (الثالث عن) عبد الله (بن عباس ﵄ قال: كنت خلف النبيّ) أي: على دابته كما جاء في رواية، ففيه جواز الإرداف على الدابة إن أطاقته. وقد تتبعت الذين أردفهم النبي معه على دابته فبلغت بهم فوق الأربعين وجمعتهم في جزء سميته (تحفة الأشراف بمعرفة الإرداف) . وقد نظمت اسم جماعة منهم وأوردته آخر ذلك الجزء وها هو: لقد أردف المختار طه جماعة فسنّ لنا الإرداف إن طاق مركب أبو بكر عثمان عليّ أسامة سهيل سويد جبرئيل المقرب صفية والسبطان ثم ابن جعفر معاذ وقيس والشريد المهذ وآمنة مع خولة وابن أكوع وزيد أبو ذر سما ذاك جندب معاوية زيد وخوّات ثابت كذاك أبو الدرداء في العدّ يكتب وأبناء عباس وابن أسامة صديّبن عجلان حذيفة صاحب كذلك جافيهم أبو هرّ من روى ألوفاً من الأخبار تروي وتكتب وعد من الإرداف ياذا أسامة هو ابن عمير ثم عقبة يحسب وأردف غلماناً ثلاثاً كذا أبو إياس وأنثى من غفار تقرب وأردف شخصاً ثم أردف ثانياً وما سميا فيما روى يا مهذب أولئك أقوام بقرب نبيهم لقد شرفوا طوبى لهم يا مقرب (يوماً) أي: في ساعة منه كما يدل عليه تنكيره (فقال: يا غلام) بضم الميم لأنه نكرة مقصودة، وتقدم أنه هو الصبيّ من حين يفطم إلى البلوغ، وسنه إذ ذاك كان نحو عشر سنين (إني أعلمك كلمات) ينفعك الله بهن كما في رواية أخرى وذكره ذلك ليتنبه السامع فيشتد شوقه ويلقي سمعه فيقع في نفسه فيكمل نفعه. وجاء بها بصيغة القلة ليؤذنه بأنها قلية اللفظ فيسهل حفظها، ومنونة إيذانا بعظم خطرها ورفعة حملها، وتأهيله لهذه الوصايا الرفيعة

стр. 212

المقدار الجامعة من العلوم والمعارف ما يفوق الحصر دليل على أنه علم ما يؤول إليه أمر ابن عباس من العلم والمعرفة وكمال الأخلاق وحسن الأحوال (احفظ ا) بملازمة تقواه، واجتناب نواهيه، وما لا يرضاه (يحفظك) يالجزم، في نفسك وأهلك، ودنياك ودينك لاسيما عند الموت، إذ الجزاء من جنس العمل، ومنه ﴿وأوفوا بعهدي أوف بعهدكم﴾ (البقرة: ٤٠) وهذا من جوامع كلمه فقد جمعت سائر أحكام الشريعة قليلها وكثيرها (احفظ ا) بما ذكر (تجده تجاهك) أي: تجده معك بالحفظ والإحاطة والتأييد والإعانة حيثما كنت فتأنس به وتغنى به عن خلقه، فهو كالتأكيد لما قبله، وهو من المجاز البليغ لاستحالة الجهة التي هي مدلول «تجاه» عليه تعالى، وتجاه بضم التاء وأصله وجاه بضم الواو وكسرها فأبدلت فوقية كما في تراث: ومعناه أمام كما جاء في ذلك الرواية الآتية: أي: تجده معك بالحفظ فهو نظير ﴿إن الله مع المتقين﴾ (التوبة: ٣٦) ونحوه، إذ هي معية معنوية لا ظرفية، وخص الإمام من بين باقي الجهات الستّ بالذكر إشعاراً بشرف المقصد وبأن الإنسان مسافر إلى الآخرة والمسافر إنما يطلب أمامه لا غير، فكأنّ المعنى: تجده حيثما توجهت وتيممت من أمر الدنيا والآخرة (إذا سألت) أي: أردت السؤال (فاسأل ا) أن يعطيك مطلوبك قال تعالى: ﴿واسئلوا الله من فضله﴾ (النساء: ٣٢) ولا تسأل غيره فإن خزائن الوجود بيده تعالى وأزمتها إليه * إذ لا قادر ولا معطي ولا متفضل غيره * فهو حق أن يقصد ويسأل، ولا فائدة في سؤال الخلق إذ لا يملكون نفعاً ولا ضراً لأنفسهم فضلاً عن غيرهم، وما أحسن قول الأستاذ أبي الحسن الشاذلي: أيست من نفع نفسي لنفسي؟ فكيف لا أيأس من نفع غيري لنفسي، ورجوت الله لغيري، فكيف لا أرجوه لنفسي، وإنما يميل القلب إلى المخلوق ويركن إليه لضعف يقينه ووقوعه في الغفلة عن حقائق الأشياء، وبقدر بعده من مولاه يكون ركونه لمن سواه. ولما نجا من تلك الهوة وتيقظ من تلك الغفلة أصحاب التوكل واليقين أعرضوا عن السوري، وأنزلوا جميع حوائجهم بباب كرم وجود المولى، لأنه المتكفل لكل متوكل بما يحب ويتمنى، قال تعالى: ﴿ومن يتوكل على الله فهو حسبه﴾ (الطلاق: ٣) (وإذا استعنت) أي: طلبت الإعانة على أمر من أمور الدارين (فاستعن با) لأنه القادر على كل

стр. 213

شيء وغيره عاجز عن كل شيء، فمن أعانه تعالى فهو المعان ومن خذله فهو المخذول، ومن ثم كانت «لا حول ولا قوّة إلا با» كنزاً من كنوز الجنة لتضمنها براءة النفس من حولها وقوتها، إلى حوله وقوّته. وكتب الحسن إلى عمربن عبد الغزيز: لا تستعن بغيره تعالى يكلك الله إليه. (واعلم أن الأمة) المراد بها هنا سائر المخلوقين كما صرحت به رواية أحمد «فلو أن الخلق جميعاً أرادوك الخ» . وأما مدلولها وضعاً فالجماعة وأتباع الأنبياء، والرجل الجامع للخير المقتدي به. والدين والملة نحو ﴿إنا وجدنا آباءنا على أمة﴾ (الزخرف: ٢٣) والزمان نحو ﴿وادكر بعد أمة﴾ (يوسف: ٤٥) والرجل المنفرد بدينه الذي لم يشركه فيه أحد كقوله: «يبعث زيدبن عمرو بن نفيل أمة وحده» فالأمة لفظ مشترك ومن جملة معانيه الأم كهذه أمة زيد أي أم زيد (لو اجتمعت) لو هنا بمعنى إن، إذ المعنى على الاستقبال، ونكتة العدول أن اجتماعهم على الإمداد من المستحيلات بخلاف اجتماعهم على الأذى فإنه ممكن (على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، وإن) عبر بها بدل لو تفننا في التعيير (اجتمعوا على أن يضرّوك بشيء لم يضرّوك إلا بشيء قد كتبه الله عليك) كما يشهد له قوله تعالى: ﴿وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو، وإن يردك بخير فلا رادّ لفضله﴾ (يونس: ١٠٧) والمعنى: وحد الله في لحوق الضرّ والنفع، فهو الضار النافع ليس معه أحد في ذلك لما تقرّر أنه القادر لا سواه، فأزمة المخلوقات بيده يتصرف فيها بما يشاء، فهذا تقرير وتأكيد لما قبله من توحيد الله تعالى في لحوق النفع والضرّ على أبلغ برهان وأوضح بيان، وحثّ على التوكل والاعتماد على الله في جميع الأمور، وعلى شهود أنه الفاعل المختار النافع الضار. وغيره ليس له من ذلك شيء، وعلى الإعراض عما سواه. وفي بعض الكتب الإلهية «وعزّتي وجلالي لأقطعن أمل من يؤمل غيري، ولألبسنه ثوب المذلة عند الناس، ولأحجبنه عن قربي، ولأبعدنه عن وصلي، ولأجعلنه متفكراً حيران، يؤمل غيري في الشدائد، والشدائد بيدي وأنا الحيّ القيوم، ويطرق بالفكر أبواب غيري وبيدي مفاتيح الأبواب، وهي مغلقة وبابي مفتوح لمن دعاني» (رفعت الأقلام) أي: تركت الكتابة بها لفراغ

стр. 214

الأمر وانبرامه (وجفت) بالجيم بالبناء للمفعول (الصحف) التي فيها تقادير الكائنات كاللوح المحفوظ، أي فرغ من الأمر وجفت كتابته فلم يمكن أن يكتب فيها بعد ذلك تبديل أو نسخ لما كتب من ذلك واستقرّ، لأنها أمور ثابتة لا تبدّل ولا تغير عما هي عليه، فذلك كناية عن تقدم كتابة المقادير كلها والفراغ منها من أمد بعيد، وهذا من أحسن الكنايات وأبلغها، وقد دل الكتاب والسنة على ذلك، فمن علم ذلك وشهده بعين بصيرته هان عليه التوكل على خالقه والإعراض عما سواه (رواه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح) . قال السخاوي في «تخريج أحاديث الأربعين» : حديث حسن وبين ذلك، ثم قال: وبالجملة فالحديث ثابت من حديث الليلة وغيره ممن قدمناه، ولذا أورده الضياء في المختارة من هذا الوجه بل صححه العراقي في «أمياله» تبعاً للترمذي، وقال ابن منده: إسناده مشهور ورواته ثقات اهـ.g وقد أورده جماعة من طرق عن ابن عباس، وجاء أنه وصاه بذلك، وعن علي وأبي سعيد رواه العسكري في كتاب الأمثال، وسهل ابن سعد رواه ابن مردويه، وعبد ابن جعفر رواه ابن عاصم في السنة. وقد خرّج طرقها كلها السخاوي؛ وقال: قال أبو جعفر العقيل، كل أسانيد هذا الحديث لينة وبعضها أصلح من بعض، وليس هذا بجيد. فحديث ابن عباس حسن جيد، وأصح طرقه رواية حنش كما صرح به ابن منده وغيره وهي التي أخرج الترمذي الحديث من طريقها (وفي رواية غير الترمذي) وهو عبدبن حميد في «مسنده» لكن بإسناد ضعيف، وقد رواه أحمد بإسنادين منقطعين ولفظه أتمّ من حديث عبدبن حميد وقد أوردته في «شرح الأذكار» (احفظ الله تجده أمامك، تعرف) بتشديد الراء: أي: تحب (إلى الله في الرخاء) بالدأب في الطاعات والإنفاق في وجوه القرب والمثوبات حتى تكون متصفاً عنده بذلك معروفاً به (يعرفك في الشدة) بتفريجها عنك وجعله لك من كل ضيق فرجاً ومن كل هم مخرجاً بواسطة ما سلف منك من ذلك التصرف. وقيل: إنه على حذف مضاف: أي تعرف إلى ملائكة الله في الرخاء بالتزام طاعته تعالى والتزام عبوديته يعرفك في الشدة بواسطة شفاعتهم عنده في تفريج كربك وغمك. وتعقب بأنه تكلف فالأول أولى. ومعرفة العبد ربه ضربان: عامة وهي الإقرار بوحدانيته وربوبيته والإيمان به. وخاصة وهي الانقطاع إليه والأنس به والطمأنينة بذكره والحياء منه وشهوده في

стр. 215

كل حال. ومعرفة الله تعالى كذلك عامة، وهي علمه بعباده واطلاعه على أعمالهم وخاصة وهي محبته لعبده وتقريبه إليه وإجابة دعائه وإنجاؤه من الشدائد، فلا يظفر بهذه الخاصة إلا من تحلى بتلك الخاصة (واعلم أن ما أخطأك) من المقادير فلم يصل إليك (لم يكن) مقدراً عليك (ليصيبك) أي: محال أن يصيبك لأنه بان بأنه أخطأك أنه مقدر على غيرك. وفيه مبالغة من وجوه من حيث دخول اللام المؤكدة للنفي على الخبر وتسليط النفي على الكينونة وسرايته في الخبر (وما أصابك) منها (لم يكن) مقدراً على غيرك (ليخطئك) وإنما هو مقدر عليك إذ لا يصيب الإنسان إلا ما قدر عليه، ومعنى ذلك أنه فرغ مما أصابك وأخطأك من خير أو شرّ، فما إصابته لك محتومة لا يمكن أن يخطئك، وما أخطأك فسلامتك منه محتومة فلا يمكن أن يصيبك لأنها سهام صائبة وجهت من الأزل فلا بد أن تقع مواقعها، وما أحسن ما قيل: جرى قلم القضاء بما يكون فسيان التحرك والسكون فلم يبق سوى التوكل على الله سبحانه والسكون تحت جري المقادير، وما أحسن ما قيل: ولما رأيت القضا جارياً بلا شك فيه ولا مرية توكلت حقاً على خالقي وأسلمت نفسي مع الجرية ففي الحديث تقرير وحضّ على تفويض الأمور كلها إلى الله ﵎ مع شهود أنه الفاعل لما يشاء، وأن ما قضاه وأبرمه لا يمكن أن يتعدّى حدّه المقدر له، وهذا راجع إلى قوله تعالى: ﴿ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبزأها﴾ (الحديد: ٢٢) ثم مدار هذه الوصية على هذا الأصل إذ ما قبله وما بعده مفرع عليه وراجع إليه، فإن من علم أنه لن يصيبه إلا ما كتب له وأن اجتهاد الخلق كلهم بخلاف المقدور لا يفيد شيئاً البتة علم أن الله وحده هو الضارّ النافع فأفرده بالطاعة وحفظ حدوده وخافه ورجاه وأحبه، وأفرده بالاستعانة والسؤال له والتضرّع إليه والرضا بقضائه في حالة الشدة والرخاء (واعلم) تنبيه على أن شأن هذه الدار لاسيما مع الصالحين الأخيار كثرة الأعراض والأنصاب، فينبغي الصبر للظفر بجزيل الثواب والرضا بالقضاء والقدر (أن النصر) من الله

стр. 216

للعبد على جميع أعداء دينه ودنياه كائن (مع الصبر) على طاعة الله وعن معصيته، وقيل: الصبر على نكياتهم وعدم انتصار مثهم لنفسه (وأن الفرج) وهو كما في «الصحاح» : الخروج من الغمّ اهـ حاصل سريعاً (مع الكرب) هو الغم الذي يأخذ بالنفس فلا دوام للكرب، وحينئذٍ فينبغي لمن نزل به ذلك أن يكون صابراً محتسباً راجياً سرعة الفرج مما نزل به حسن الظن بمولاه في جميع أموره، فإنه أرحم به من كل راحم إذ هو أرحم الراحمين (وأن مع العسر يسرا) كما نطق به قوله تعالى: ﴿فإن مع العسر يسرا * إن مع العسر يسرا﴾ (الشرح: ٥، ٦) ومن ثم ورد عنه «لن يغلب عسر يسرين» أي: لأن النكرة إذا كررت كانت الثانية غير الأولى، والمعرفة إذا أعيدت كانت الثانية عين الأولى غالباً فيهما، وليست الآية من غير الغالب خلافاً لمن فهم ذلك فقال: وفي الآية عسران: أيضاً عسر الدنيا ومعه يسر، وعسر الآخرة ومعه يسر، ولا ينافي وقوع العسر لنا، كما صرحت به هذه الآية عدم وجود وقوعه كما صرح به قوله تعالى: ﴿يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر﴾ (البقرة: ١٨٥) لاختلاف المراد بالعسرين، لأن المثبت هو العسر في العوارض الدنيوية التي تطرق العبد بما لا يلائم نفسه كضيق الأرزاق ونحوها، والمنفي هو العسر بالتكليف بالأحكام الشاقة كما قال تعالى: ﴿وما جعل عليكم في الدين من حرج﴾ (الحج: ٧٨) ثم اليسر السهولة، ومنه اليسار لأنه تسهل به الأمور، والعسر نقيضه. وفي «الصحاح» : كل ثلاثي أوله مضموم ووسطه ساكن فمن العرب من يثقله ومنهم من يخففه. وما تقرر في «مع» في محالها الثلاث من أنها على بابها هو الظاهر إذ أواخر أوقات الصبر والكرب والعسر هي أول أوقات النصر والفرج واليسر، فقد تحققت المقارنة بينها. ومن لطائف اقتران الفرج بالكرب واليسر بالعسر أن الكرب إذا اشتد وتناهى أيس العبد من جميع المخلوقين وتعلق قلبه با وحده وهذا هو حقيقة التوكل، وقد قال تعالى: ﴿ومن يتوكل على الله فهو حسبه﴾ (الطلاق: ٣) والحديث بطريقيه أصل عظيم في مراقبة الله ومراعاة حقوقه والتفويض لأمره والتوكل عليه وشهود توحيده وتفرده وعجز الخلائق كلهم وافتقارهم إليه.

стр. 217

٦٣٤ - (الرابع: عن أنس ﵁ قال) : مخاطباً للمتساهلين في الأعمال (إنكم لتعملون أعمالاً) تستهونونها لعدم نظركم إلى عظم المعصي بها (هي) لذلك (أدقّ في أعينكم من الشعر) استخفافاً بها (كنا نعدها) لكمال الخشية الناشئة عن كمال المعرفة با الحاصلة بحلول نظر النبيّ (على عهد) زمن (رسول الله ﷺ من الموبقات) وهذا كما جاء في الخبر الآخر «لا تنظر إلى صغر الخطيئة وانظر إلى عظم من عصيت» وفي الخبر الآخر «المؤمن يرى ذنبه كأنه صخرة يخاف أن تقع عليه، والكافر يرى ذنبه كأنه ذباب يمر على أنفه» . وفي الحديث كمال مراقبة القوم تعالى وكمال استحيائهم منه، حتى إنهم يرون تلك الأمور التي استهون غيرهم الوقوع فيها مهلكات لهم لعظم شهودهم جلال الله تعالى وعظمته. أحيا الله قلوبنا من موت الغفلة بمنته (رواه البخاري، وقال) أي: البخاري (الموبقات) بضم الميم (المهلكات) وفيه أن الإنسان ينبغي له أن يحذر من صغار الذنوب فلعلها تكون المهلكة له في دينه، كما يحترز من يسير السموم خشية أن يكون فيها حتفه. ٦٤٥ - (الخامس: عن أبي هريرة ﵁ عن النبيّ قال: إن الله تعالى يغار، وغيرة الله أن يأتي المرء ما حرّم الله عليه) أي: منعه أن يأتي ذلك (متفق عليه) ورواه أحمد والترمذي كلهم بزيادة «والمؤمن يغار» ورواه بإسقاطها البخاري (والغيرة بفتح الغين) المعجمة وسكون التحتية بعدها راء مهملة (وأصلها) في وضع اللغة (الأنفة) بفتح أولية، أي الامتناع من الضيم ونحوه، وفي «شرح مسلم» «أصلها المنع» والرجل غيور على أهله يمنعهم من التعلق بأجنبيّ بنظر أو غيرة، ومعنى غيره الله تعالى: منعه الناس من الفواحش:

стр. 218

أي: وسائر المحرمات كما في حديث الباب، لكن الغيرة في حق الناس يقارنها تغير حال الإنسان وانزعاجه، وهذا مستحيل في حق الله تعالى اهـ. ٦٥٦ - (السادس: عن أبي هريرة ﵁ أنه سمع) كلام (النبيّ يقول) : تقدم أن جملة يقول بدل اشتمال من مفعول سمع، أو جملة حالية من المفعول المحذوف الذي قدرته وأتي به مضارعاً بعد سمع الماضي، إما حكاية لحال وقت السماع أو لإحضار ذلك في ذهن السامع (إن ثلاثة من بني إسرائيل) أي: أولاد يعقوببن إسحاقبن إبراهيم صلوات الله وسلامه عليهم (أبرص) أي: به وضح، وهو بالنصب بدل من ثلاثة وخبر إن محذوف: أي: أقصّ عليكم شأنهم، ولو روي بالرفع لكان على القطع، والفاء في «فأراد ا» لتعقيب المفسر للمجمل، ويصح عند من جوّز دخول الفاء في خبر إن أن يكون الخبر الجملة بعدها وكذا على حذفها كما في نسخه (وأقرع) أي: من ذهب شعر رأسه من آفة (وأعمى) العمى عدم البصر عما من شأنه أن يكون بصيراً (فأراد الله أن يبتليهم) أي: يعاملهم معاملة المبتلي المختبر، وإلا فعلمه أزليّ شامل للموجود والمعدوم قبل وجوده (فبعث) أرسل (إليهم ملكاً) بفتح اللام في صورة إنسان (فأتى) الملك (الأبرص) بدأ به ثم بالأقرع اهتماماً بالتسجيل عليهما وتعجيلاً للانتقام، وقدم الأبرص لأن داءه أقبح وأشنع ولونه أعظم (فقال) له (أي شيء أحبّ إليك؟ قال: لون حسن) بالتنوين على الوصف (و) كذا (جلد حسن) لم يقتصر على طلب اللون الحسن، لأن جلد البرص يحصل له من التقلص والتشنج والخشونة ما يزيد به قبح صاحبه وعاره، فلم يكف طلب حسن اللون عن طلب حسن الجلد (ويذهب) عطف على ما قبله بتقدير أن (عني) الداء (الذي قد قذرني) بكسر الذال: أي تباعد عني وكرهني (الناس) أي: بسببه، والعائد محذوف: أي به. قال الكرماني: وفي نسخة «قذروني» على لغة أكلوني البراغيث قال: (فمسحه) الملك أي أمرّ يده عليه (فذهب عنه قذره) أي: سبب قذره وهو البرص الذي كان به (وأعطى لوناً حسناً وجلداً حسناً، قال) الملك له (فأي المال) معروف وتصغيره مويل

стр. 219

والعامة تقول مويل بتشديد الياء كذا في «الصحاح» (أحبّ إليك؟ قال: الإبل) بكسرتين وتسكن الموحدة تخفيفاً، أي الجمال: اسم يقع على الواحد والجمع وليس بجمع ولا اسم جمع، كذا قال ابن سيده. وقال الجوهري: ليس لها واحد من لفظها، وهي مؤنثة لأن أسماء الجموع التي لا واحد لها من لفظها إذا كانت لغير الآدميين فالتأنيث لها لازم، وإذا صغرتها أدخلتها التاء فقلت أبيلة وغنيمة ونحو ذلك (أو قال البقر. شك الراوي) اسمه إسحاقبن عبد الله، أي شك هل سمع الإبل أو البقر، والمرجح الإبل لكونه اقتصر عليها في قوله: «فأعطي ناقة عشراء» ويؤيده الاقتصار في الأقرع على البقر لا غير فتعين الإبل للأبرص. وكذا قيل. لكن في رواية للبخاري في أبواب بني إسرائيل: هو شك في ذلك أن الأبرص والأقرع قال أحدهما الإبل وقال الآخر البقر اهـ. وبها يعلم أن الاقتصار في الأقرع على البقر من الراوي وإلا فالشك فيه كما قبله، ويؤيد أنها الإبل أيضاً سؤال الملك له بعيراً وهذا كله بعد الشك (قال فأعطى) بالبناء للمفعول (ناقة عشراء فقال بارك ا) أي: أوقع (لك) البركة، وهو يحتمل أن يكون دعاء منه له بذلك، وأن يكون إخباراً به (فيها) أي في هذه الناقة (قال فأتى الأقرع) أي: عقب تمام ما يتعلق بالأبرص كما تشعر به الفاء (فقال: أيّ شيء أحبّ إليك؟ قال: شعر حسن) بالتنوين على الوصف (ويذهب عني هذا) الداء أي القرع (الذي قد قذرني الناس) أي: بسببه (قال: فمسحه) الملك، يحتمل أن يكون مسح محل الداء فقط وهو الأقرب، وأن يكون مسح جميع بدنه لتعمه بركته (فذهب عنه) القرع (وأعطى شعراً حسناً قال) الملك له (فأيّ المال أحب إليك؟) أي: من جميع الأموال، أي: أيها تحب أن يكون لك منها؟ (قال: البقر) اسم جنس يقال على الذكر والأنثى، وإنما دخلته الهاء للفرق بين الواحدة والجمّع، والباقر جماعة البقر مع رعاتها، وأهل اليمن يسمون البقرة باقورا (فأعطي بقرة حاملاً) لم يقل حاملة لاختصاص هذا الوصف بالمؤنث كحائض وطالق وإنما يحتاج إليها للفرق في نحو قائم وقائمة (وقال: بارك الله لك فيها) أي: في هذه البقرة (قال: فأتى الأعمى فقال: أيّ شيء أحبّ إليك؟ قال: أن يرد الله إليّ

стр. 220

بصري) أي: القوّة المودعة في العينين التي بها تدرك المبصرات (فأبصر) بضم الهمزة (به الناس) أي: أراهم ببصري، أي بعيني رأسي (قال: فمسحه) أي: أمرّ يده على عينيه، ويحتمل على جميع بدنه، والأول أقرب كما تقدم في «نظيره» (فردّ الله إليه بصره) أي: القوّة المدركة المذكورة (قال: فأي المال أحب إليك؟ قال: الغنم) أي: أحبه إليّ، فهو مبتدأ محذوف الخبر، أو الأحبّ إليّ الغنم فيكون خبر مبتدأ محذوف. وفي «الصحاح» : الغنم اسم مؤنث موضوع للجنس يقع على الذكور والإناث، وإذا صغرتها ألحقتها التاء فقلت غنيمة، لأن أسماء الجموعـ إلى آخر ما تقدم يقال خمس من الغنم ذكور فيؤنث العدد وإن عنيت الكباش، لأن العدد يجري في تذكيره وتأنيثه على اللفظ لا على المعنى، والإبل كالغنم في جميع ما ذكرناه، كذا نقله عنه الدميري في حياة الحيوان (فأعطي) بالبناء للمجهول (شاة) المفعول الثاني لأعطى ومفعوله الأول نائب الفعل المضمر في الفاعل (والداً) أي: ذات ولد، وقيل حاملاً. وفي «جامع الأصول» : هي التي قد عرف منها كثرة الولد والنتاج (فأنتج هذان) سيأتي أنه بالبناء للفاعل لكن في «الصحاح» : للعرب أحرف لا يتكلمون بها إلا على سبيل المفعول وإن كان بمعنى الفاعل مثل قولهم: زهى الرجل وعنى بالأمر ونتجت الناقة والشاة وأشباهها اهـ والمشار إليهما صاحبا الإبل والبقر (وولد) بتشديد اللام (هذا) أي: صاحب الغنم (فكان لهذا واد) أي: ملؤه (من الإبل، ولهذا واد من البقر) من عطف معمولين على معمولي عامل واحد وهو جائز اتفاقاً، وقوله من الإبل في محل الصفة لواد، ويجوز أن يكون حالاً لتخصيصه بتقديم الخبر (ولهذا واد من الغنم قال: ثم إنه) أي: الملك (أتى الأبرص) متصوراً (في صورته) أي: التي كان عليها (وهيئته) من رذالة الملبس، وقيل: الضمير في صورته وهيئته يرجعان للملك: أي: جاءه بعد أن صار معافى غنياً في الصورة التي قد جاءه فيها وهو بضد ذلك فدعا له فذهب عنه (فقال رجل مسكين) بكسر الميم من المسكنة: الحاجة خبر مبتدإ محذوف أي أنا رجل محتاج (قد انقطعت بي) الباء للتعدية (الحبال) الرواية المشهورة بالمهملة والموحدة كما سيأتي في الأصل واحده

стр. 221

حبل: وهو المستطيل من الرمل. وقيل الأسباب في طلب الرزق. قال القرطبي: وهذا أوقع التفسيرين. وفي رواية لمسلم «الحيال» بالتحتية من الحيلة، ومن رواه بالجيم والموحدة كبعض رواة البخاري ففيه بعد، بل قال بعضهم: إنه قد صحف (في سفري) ظرف لغو متعلق بانقطعت، أو ظرف مستقرّ حال من الضمير المجرور (فلا بلاغ لي) البلاغ: ما يتبلغ ويتوصل به إلى الشيء المطلوب: أي لا وصول لي لما أريده (اليوم إلا با) أي: إيجاده وتيسيره (ثم بك) لكونك مظهراً للخير يجري على يديك، وثم هي هنا للترتيب في التنزل، ولم يقل وبك دفعاً لإيهام التشريك، ولذا كان الإتيان بثم هو الأدب المتأكد كما يأتي، وهذا من الملك من المعاريض التي يقصد بها التوصل إلى إفهام المقصود من غير أن يراد حقيقتها كما في قول إبراهيم صلى الله على نبينا وعليه وسلم: هذا ربي، وهذه أختي (أسألك) أي: أقسم عليك مستعطفاً (بـ) ا (الذي أعطاك اللون الحسن والجلد الحسن) بفتح المهملتين، أي بعد الابتلاء في اللون والجلد (والمال) أي: بعد الابتلاء بالفقر (بعيراً) هو اسم يقع على الذكر والأنثى، وهو من الإبل بمنزلة الإنسان من الناس، والجمل بمنزلة الرجل، والناقة بمنزلة المرأة والقعود بمنزلة الفتى، والقلوص بمنزلة الجارية، وإنما يقال له بعير إذا أجذع والجمع أبعرة وأباعر وبعران (أتبلغ) بتشديد اللام: أي من البلغة: وهي الكفاية (به) كذا رواية الكشميهني في البخاري وعند غيره في «عليه» أي بعيراً أكتفى به أو حال كوني عليه (في سفري فقال) الأبرص (الحقوق كثيرة) أي: علىّ فلا فاضل عن الحاجة لأعطيك إياه فانظر غيري (فقال) الملك (إنه) أي الشأن (كأني) بتشديد النون (أعرفك) الظاهر أن كأنّ فيه للتحقيق وهو معنى أثبته الكوفيون وذكره ابن هشام في «المغني» ، قال العلوي: وهو التحقيق، وأنشدوا عليه: وأصبح بطن مكة مقشعراً كأن الأرض ليس بها هشام أي: لأن الأرض؛ وقال ابن السيد في «شر شواهد الجمل» : جرت عادة النحويين أن

стр. 222

يجعلوا كأن للتشبيه حيث وقعت، وليس ذلك بصحيح إنما تكون تشبيهاً محضاً إذا وقع في الخبر اسم ممثل به اسمها ويكون الخبر أرفع من الاسم أو أحط منه نحو: كأن زيداً ملك، أو كأن عمراً حمار. أما إذا كان خبرها فعلاً أو ظرفاً أو مجروراً أو صفة من صفات اسمها فإنها يدخلها حينئذٍ معنى الظن والحسبان نحو: كأن زيداً قائم أو في الدار، فلست تشبه زيداً بشيء هاهنا، وإنما تظن أنه قائم أو في الدار انتهى بلفظه. لكن الذي صححه ابن مالك وأبو حيان والرضي وغيرهم ما ذهب إليه الجمهور من أن التشبيه لا يفارقها، وأن ما أوهم خلافه مؤول (ألم) استفهام تقريري (تكن أبرص تقذرك) بفتح الذال المعجمة: أي: تكرهك (الناس) أي: فعافاك الله (فقيراً) أي: محتاجاً (فأعطاك ا؟ فقال إنما ورثت) بتشديد الراء مبني للمفعول وبتخفيفها مبني للفاعل (هذا المال كابراً عن كابر) أي: كبيراً عن كبير في العزّ والشرف: أي: ورثته عن أبي وجدي. وحاصله إنكار تلك الحال ودعوى أنه نشأ في تلك الأحوال فهي غير متجددة عليه، وهذا من إنكار النعم وكفر المنعم، حمله عليه البخل، وحق العبد ألا يزال لنعم مولاه شاكراً ولأحواله التي كان عليها وآل إليها ذاكراً. وفي الحوض المورود للشيخ عبد الوهاب الشعراني: أخذ علينا العهود إذا حصل لنا ضخامة وقيام ناموس بين الناس ألا ننسى صفتنا التي كنا عليها قبل من الثياب الخلقة وخدمة الناس وضيق المعيشة ونحو ذلك، وذلك لنعرف الله بالنعم، فإن من نسي حاله أيام صغره قلّ شكره، وربما قال: نحن بحمد الله نشأنا في الضخامة أباً عن جدّ ليوهم من لم يعرفه أن حاله لم يزل كذلك. وقد دخل شخص على معنبن زائدة فقال له: أتذكر إذ قميصك جلد شاة وإذ نعلاك من جلد البعير فقال معن: أذكر والحمد رب العالمين. فقال: Y فقد جلّ الذي أعطاك ملكاً وعلمك الجلوس على السرير فقال: جل ربي وعز. فقال: فجد لي يابن ناقصة بمال فإني قد عزمت على المسير فأمر له بمال جزيل وشكر له تذكيره الحالة التي لعله نسيها اهـ. وقال القرطبي: حمل هذا القائل بخله على نسيان منة الله تعالى وجحد نعمه وعلى الكذب، ثم أورثه ذلك سخطه

стр. 223

الدائم وذلك بشؤم البخل، واعتبر بحال الأعمى لما اعترف بشكر النعم، وسخت نفسه بما ثبتها الله عليه وشكر فعله ﵁ كما يأتي (فقال) الملك (إن كنت كاذباً في دعواك) وأتى بأن الموضوعة للشك في الشرط مع أنه جازم به مماشاة ومساجلة، أو أنّ «إن» فيه بمعنى إذ (فصيرك ا) بتشديد الياء التحتية (إلى ما كنت) قال (وأتى الأقرع في صورته) التي يقذرها الناس (وهيئته) التي يحقرونها لرثاثتها، وسقطت هذه المعطوفة عند صاحب المشكاة في روايته المعزوّة للصحيحين. قال شارحهما ابن حجر: لم يقل هنا وهيئته اختصاراً أو إشارة إلى شدة لؤم الأبرص وغباوته، فإنه مع كونه أتى له في صورته وهيئته التي أتاه عليها أولاً وحصل له منه ما حصل من الشفاء والغنى أنكر معرفته وتجاهل به وتفاخر عليه بأنه إنما جاءه المال من أبيه، فضم إلى كذبه قبائح تنبىء عن أنه انتهى في اللؤم والحمق إلى غاية لم يصلها غيره (فقال له) الملك (مثل ما قال لهذا) الأبرص (وردّ) الأقرع (عليه مثل ما ردّ هذا) الأبرص (فقال) الملك (إن كنت كاذباً فصيرك الله إلى ما كنت) عليه من القرع والفقر: قال (وأتى الأعمى) متشكلاً (في صورته) أي: في صورة آدمي أعمى (وهيئته فقال) الملك (رجل) أي: صورة، إذ الملائكة لا يوصفون بذكورة ولا أنوثة (مسكين وابن سبيل) أي: مسافر سمي به لملازمته السبيل كما سمي القاطع ابن الطريّق، ويحتمل أنه أراد أنه ضيف وسمي به لأن السبيل تظهر به (انقطعت بي الحبال في سفري فلا بلاغ لي اليوم إلا با ثم بك، أسألك بالذي ردّ عليك بصرك) أي: القوة الباصرة المدرك بها المبصرات (شاة أتبلغ بها في سفري، فقال) ذلك الرجل متذكراً نعم الله تعالى عليه وحسن حاله بعد بؤسه (قد كنت أعمى فردّ الله إليّ) بتشديد الياء وفي نسخة «عليّ» (بصري فخذ ما شئت) أي: من المال (ودع ما شئت) منه (فوا لا أجهدك) بفتح الهاء وهذه رواية مسلم (اليوم بشيء) أي: في ردّ شيء (أخذته) علة لعدم الإجهاد: أي: لا أشق عليك الله أو للأخذ، وشتان ما بين هذا وقول ذينك «الحقوقـ أي الموانع من

стр. 224

الإعطاءـ كثيرة» فلا يمكن أن أعطيك شيئاً وإن قل (فقال) الملك (أمسك مالك فإنما ابتليتم) أي: امتحنتم: أي: عاملكم الله العالم بجميع الأمور معاملة المبتلى المختبر ليترتب على عملكم أثره إذ الجزاء إنما جعله الله مرتباً على ما يبدو في عالم الشهادة لا على ما سبق في علمه (فقد رضي عنك وسخط) بالبناء للمجهول (على صاحبيك) والرضا والسخط المراد بهما في حقه تعالى لازمهما مجازاً مرسلاً إما عن إرادة الإثابة والتعذيب فيكونان صفتي ذات، أو التعذيب والإثابة نفسهما فيكونان صفتي فعل (متفق عليه) وانفرد به الشيخان عن باقي أصحاب الكتب الستة (والناقة العشراء بضم العين) المهملة (وفتح الشين) المعجمة (وبالمد: هي الحامل) كذا أطلقه وهو قول، وقيل: الحامل التي أتي عليها من حملها عشرة أشهر من يوم طرقها الفحل وهي من أنفس الإبل. وفي «مختصر القاموس» : والعشراء من النوق التي مضى لحملها عشرة أشهر أو ثمانية، وهي كالنفساء من النساء جمعه عشروات وعشار اهـ. ( قول أنتج بالبناء للفاعل) هو شاذ قليل لأنه لم يسمع من هذه المادة إلا نتج مبني للمفعول، والنتاج: الأولاد، والنتج والإنتاج: تولى الولادة (وفي رواية فنتج) بالبناء للفاعل كذلك و (معناه تولى نتاجها) الأقرب أن معناه ولد الإبل والبقر، ومعنى ولد الغنم: أي: صيرها والدة أي منسوبة للولادة نحو فسقت الرجل نسبته للفسق، والناتج للناقة كالقابلة للمرأة. وقوله: ولد هذا هو بتشديد اللام: أي: تولى ولادتها وهو بمعنى أنتج في الناقة (فالمولد والناتج والقابلة بمعنى) وهي المتولية للولادة (لكن) في عرف الاستعمال (خص هذا) أي: الناتج (للحيوان) هو الإبل والبقر (وذاك) أي: المولد (لغيره) أي: الغنم والقابلة لبني آدم (قوله انقطعت بي الحبال، هو بالحاء المهملة والباء الموحدة) أي: الأسباب (قوله لا أجهدك) بالجيم والهاء وهي رواية مسلم (معناه لا أشق عليك في ردّ شيء) فهو على حذف مضاف (تأخذه) بأن أنزعه منك (أو تطلبه من

стр. 225

مالي) بأن أمنعه. قال القرطبي: قال صاحب «الأفعال» : جهدته وأجهدته: بالغت في مشقته وقيل معنى أجهدك: لا أقلل لك فيما تأخذه. والجهد ما يعيش به المقل، ومنه: ﴿والذين لا يجدون إلا جهدهم﴾ (التوبة: ٧٩) (وفي رواية البخاري) وهي عند ابن ماهان كما قال القرطبي (لا أحمدك بالحاء المهملة والميم) وبلا النافية (ومعناه لا أحمدك بترك شيء تحتاج إليه) فهو على تقدير المضاف وذلك لطيب نفسي بما تأخذه (كما قال) أي: الشاعر: ليس على طول الحياة ندم أي: على فوات طولها. قال الشاعر: أتوب إليك يا مولاي مما عليّ به تواترت الذنوب وأما عن هوى ليلى وتركي زيادتها فإني لا أتوب أي: وعدم تركي زيارتها. قال الكرماني في «شرح البخاري» : أو أنه من قولهم فلان بتحمد أي يمتن. يقال من أنفق ماله على نفسه فلا يتحمد به على الناس. قال: وروي «لأحمدك» بالام فقط قبل المضارع من الحمد. ٦٦٧ - (السابع عن أبي يعلى) بفتح التحتية وسكون المهملة (شدادبن أوس) بفتح الشين المعجمة وتشديد الدال الأولى ﵁ وأوس بفتح الهمزة وسكون الواو آخره سين مهملة ابن ثابتبن المنذربن حرامبن عمروبن زيدبن مناةبن عديبن عمروبن مالكبن النجار الأنصاري، وهو ابن أخي حسانبن ثابت الجامع بين العلم والعمل والحلم. مات بفلسطين سنة ثمان وخمسين، وهو ابن خمس وسبعين سنة. وقال المصنف في «التهذيب» : مات ببيت المقدس قبره بظاهر باب الرحمة باق إلى الآن اهـ. وروي له عن رسول الله ﷺ خمسون حديثاً أخرجا له حديثين انفرد بأحدهما البخاري وبالآخر مسلم (عن النبي قال: الكيس) العاقل (من دان نفسه) أي: حاسبها ومنعها مستلذاتها وشهواتها التي فيها

стр. 226

هلاك دينها (وعمل لما بعد الموت) من القبر وما بعده صالح العمل المؤنس له في الوحدة والوحشة، وما أحسن ما قيل: با يا نفس اسمعي واعقلي مقالة قد قالها ناصح لا ينفع الإنسان في قبره إلا التقى والعمل الصالح (والعاجز) التارك لما يجب فعله بالتسويف (من أتبع) بإسكان الفوقية (نفسه هواها) أي: جعلها تابعة لما تهواه مؤثرة لشهواتها معرضة عن صالح الأعمال لكونه على خلاف ما تدعو إليه النفس (وتمنى على ا) الفوز في الآخرة. فالحاصل أن الحزم الإتيان بواجب العبودية من أداء الخدمة، ومحاسبة النفس حذر مجاوزة الحدود وعدم الالتفات إلى ذلك بالقلب والركون إليه، بل يكون اعتماده مع ذلك على فضل مولاه سبحانه. وأما ترك أداء مقام العبودية فذلك من رعونات النفس الخفية لاسيما إن أوقعها في ميدان شهواتها الذي فيه هلكها ومحقها (رواه الترمذي) وكذا رواه أحمد وابن ماجه والحاكم (وقال) الترمذي (حديث حسن) ورواه البيهقي من حديث أنس في «الجامع الصغير» (قال الترمذي وغيره) من العلماء (معنى دان نفسه: حاسبها) حكاه في «النهاية» بقيل فسره هو بقوله: أي: أذلها واستعبدها، والحساب من جملة معاني الدين ذكره في «القاموس» . وفي «الكشاف» في قوله تعالى: ﴿إنا لمدينون﴾ (الصافات: ٥٣) أو معناه لمسوسون أي مربوبون من الدين بمعنى السياسة ومنه حديث «الكيس من دان نفسه» اهـ. ٦٧٨ - (الثامن عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله: من حسن إسلامٍ المرء) «من» فيه تبعيضية أو ابتدائية وتقديم الخبر لكون التركيب من قبيل: على التمرة مثلها

стр. 227

زبدا. وحسن الإسلام عبارة عن كماله، وهو أن تستقيم نفسه في الإذعان لأمر الله تعالى والاستسلام لأحكامه، وهو علامة شرح الصدر بنور الرّب (تركه ما لا يعنيه) أي: ما لا يريده ولا يحتاج إليه ولا ضرورة إليه فيه ولا ينفعه بكون عيشه بدونه ممكناً، وذلك يشمل الأفعال الزائدة والأقوال الفاضلة، فينبغي ألا يشتغل إلا بما فيه صلاحه معاشاً ومعاداً بتحصيل ما لا بد منه في قوام البدن وبقاء النوع الإنساني، ثم بالسعي في الكمالات العلمية والفضائل العلية، التي هي وسيلة لنيل السعادة الأبدية، والفوز بالنعم السرمدية، وأن يعرض عما عدا ذلك: وذلك إنما يكون بالمراقبة ومعرفة أنه فيما يأتيه بمرأى ومسمع من الله ، وأنه لا يخفى عليه شيء من شأنه. قال معروف: علامة مقت الله للعبد أن تراه مشتغلاً بما لا يعنيه، فإنّ من اشتغل بما لا يعنيه فاته ما يعنيه. وقال الغزالي: حدّ ما لا يعنيك في الكلام أن تتكلم بما لو سكت عنه لم تأثم ولا تتضرّر حالاً ولا مآلاً، قال: فإن شغلت بما لا يعنيك فإنك مضيع زمانك ومحاسب على عمل لسانك، إذ تستبدل الذي هو أدنى بالذي هو خير، ولو صرفته في الذكر والدعاء ربما انفتح لك من نفحات الله ما يعظم جدواه، ومن قدر على أن يأخذ كنزاً من كنوز الجنة وأخذ بدله بدرة كان خاسراً، وما أحسن ما قيل: اغتنم ركعتين في ظلمة الليـ ـل إذا كنت فارغاً مستريحاً وإذا ما هممت بالحوض في البا طل فاجعل مكانه تسبيحاً وقول الحافظ أبي إسماعيل البخاري كما عزاه إليه الحاكم في تاريخه. اغتنم في الفراع فضل ركوع فعسى أن يكون موتك بغته كم صحيح تراه من غير سقم ذهبت نفسه الصحيحة فلته وقلت في المعنى: واغتنم في الحياة حسب اقتدار طاعة الله كي تفوز بقربه لا تسوّف إلى غد كم صحيح مات في الحال من تقلب قلبه (حديث حسن رواه الترمذي وغيره) فرواه ابن ماجه وابن حبان في «صحيحه»

стр. 228

والقضاعي في «مسند الشهاب» . وعن أبي داود قال: أقمت بطرسوس فاجتهدت في «المسند» فإذا هو أربعة آلاف حديث، ثم نظرت فإذا مدارها على أربعة وذكر هذا منها اهـ. ٦٨٩ - (التاسع: عن عمر ﵁ عن النبيّ قال: لا يسأل) بالبناء للمجهول (الرجل فيم) بحذف ألف ما الاستفهامية لجرها بفي، أي: بأيّ سبب (ضرب امرأته) لاحتمال أن يكون السبب مما يستحيا من ذكره كالامتناع من التمكين، بل يترك ذلك إليه وإلى مراقبته لولاه إلا إن احتاج الأمر إلى جريان الأحكام والرفع إلى الحكام فتبين الأمور (رواه أبو داود وغيره) فرواه الإمام أحمد، والحديث صحيح كما صرّح به ابن حجر الهيثمي في كتابه (تنبيه الأخيار) . ولما كانت نتيجة مراقبة العبد لمولاه في سائر الأحوال وأنه بمرأى منه لا يخفى عليه شيء، من شأنه امتثال الأوامر واجتناب النواهي وذلك هو التقوى، عقبها بها فقال: ٦ - باب في التقوى أصلها «وقوى» بكسر أوله وقد يفتح من الوقاية أبدلت تاء كتراث وتخمة: وهي ما يستر الرأس، فهي اتخاذ وقاية تقيك مما تخافه وتحذره؛ فتقوى العبد أن يجعل بينه وبين ما يخشاه وقاية تقيه منه، وهي امتثال أوامره تعالى واجتناب نواهيه بفعل كل مأمور به وترك كل منهي عنه حسب الطاقة، من فعل ذلك فهو من المتقين الذين شرفهم الله تعالى في كتابه بالمدح والثناء ﴿وإن تصبروا وتتقوا فإن ذلك من عزم الأمور﴾ (آل عمران: ١٨٦) وبالحفظ من الأعداء ﴿وإن تصبروا وتتقوا لا يضركم كيدهم شيئاً﴾ (آل عمران: ١٢٠) وبالتأكيد والنصرة ﴿إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون﴾ (النحل: ١٢٨) وبالنجاة من الشدائد والرزق من الحلال ( ﴿ومن

стр. 229

يتق الله يجعل له مخرجاً ويرزقه من حيث لا يحتسب﴾ ) (الطلاق: ٢، ٣) قال أبو ذر «قرأ رسول الله ﷺ هذه الآية ثم قال: يا أبا ذرّ لو أن الناس كلهم أخذوا بها لكفتهم» وبإصلاح العمل وغفران الذنب ﴿اتقوا الله وقولوا قولاً سديدا * يصح لكم أعمالك ويغفر لكم ذنوبكم﴾ (الأحزاب: ٧٠، ٧١) وبكلفين من الرحمة والنور ﴿اتقوا الله وآمنوا برسوله يؤتكم كفلين من رحمته ويجعل لكم نوراً تمشون به﴾ (الحديد: ٢٨) وبالقبول ﴿إنما يتقبل الله من المتقين﴾ (المائدة: ٢٧) وبالإكرام والإعزاز عند الله تعالى ﴿إن أكرمكم عند الله أتقاكم﴾ (الحجرات: ١٣) وبالنجاة من النار ﴿ثم ننجي الذين اتقوا﴾ (مريم: ٧٢) وبالخلود في الجنة ﴿أعدت للمتقين﴾ (آل عمران: ١٣٣) وبغاية ذلك القصوى وهي محبة الله تعالى وموالاته، وانتفاء الخوف والحزن، وحصول البشارة في الدنيا والآخرة والفوز العظيم ﴿إن الله يحب المتقين﴾ (التوبة: ٧) ﴿ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون * الذين آمنوا وكانوا يتقون * لهم البشرى في الحيوة الدنيا وفي الآخرة لا تبديل لكلمات الله ذلك هو الفوز العظيم﴾ (يونس: ٦٢ - ٦٤) ولو لم يكن في التقوى سوى هذه الخصلة لكفت «وفي أوائل تفسير البيضاوي: للتقوى ثلاث مراتب: (الأولى) التوقي عن العذاب المخلد بالتبري عن الشرك وعليه قوله تعالى: ﴿وألزمهم كلمة التقوى﴾ (الفتح: ٢٦) (والثانية) التجنب عن كل ما يؤثم من فعل أو ترك حتى الصغائر عند قوم، وهو المتعارف باسم التقوى في الشرع وهو المعنى بقوله تعالى: ﴿ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا﴾ (الأعراف: ٩٦) (والثالثة) أن يتنزه عما يشغل سره عن الحق ويتبتل إليه بشراشره: وهو التقى الحقيقي المطلوب بقوله تعالى: ﴿اتقوا الله حق تقاته﴾ (آل عمران: ١٠٢) . ثم قال في قوله تعالى: ﴿اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم لعلكم تتقون﴾ (البقرة: ٢١) نبه به على أن التقوى منتهى درجات السالكين وهو التبري من كل شيء سوى الله تعالى اهـ فحمله على المقام الأكمل من مراتبها. وفي كتاب «التقوى» لابن أبي الدنيا والحليلة وغيرهما أنه قيل لأبي الدرداء: إنه ليس أحد له بيت في الأنصار إلا وقد قال شعراً فقال: وأنا قد قلت

стр. 230

فاسمعوه: يريد المرء أن يعطي مناه ويأبى الله إلا ما أرادا يقول المرء فائدتي ومالي وتقوى الله أولى ما استفادا وقلت في شرف التقوى: عليك بالتقوى لرب الورى فخير أمر المرء تقواه واله عن المال ففيه الأذى ولست والرحمن تقواه (قال الله تعالى) : ﴿يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين﴾ سبق الكلام فيها في باب الصدق (قال تعالى) : ﴿اتقوا الله حق تقاته﴾ (آل عمران: ١٠٢) بأن يطاع فلا يعصى، ويذكر فلا ينسى، ويشكر فلا يكفر، أخرجه الحاكم مرفوعاً، وعن أنس: «لا يتقي الله العبد حق تقاته حتى يحزن من لسانه» . (وقال تعالى) : ﴿فاتقوا الله ما استطعتم﴾ وهذه الآية المقيد فيها أمر التقوى بالاستطاعة (مبنية للمراد من) الآية (الأولى) الخالية من ذلك التقييد، وذلك بأن يقال المراد أن يطاع فلا يعصى بحسب الاستطاعة وكذا ما بعده. وقال ابن الجوزي: قال ابن عقيل: ليست منسوخة، لأن قوله ما استطعتم بيان لحق تقاته وأنه بحسب الطاقة: فمن سمى بيان المراد نسخاً فقد أخطأ، وهذا في تحقيق الفقهاء تفسير مجمل وبيان مشكل، وذلك أن القوم ظنوا أن ذلك تكليف ما لا يطاق، فأزال الله إشكالهم وبين أني لم أرد بحق تقاته ما ليس في الطاقة اهـ. وقيل: إنها منسوخة بهذه، قال السيوطي في «تفسيره» ، وفي الإكليل بعد أن ذكر تفسيرها بما سبق «فقالوا» يا رسول الله فمن يقوى على هذا؟ فنسخ بقوله: ﴿فاتقوا الله ما استطعتم﴾ اهـ. قال بعض المحققين وينبغي أن لا نسخ إذ لا يصار إليه إلا بشروط لم توجد كما يعلم من محله. وقال ابن الجوزي في «عمدة العالم الراسخ في المنسوخ والناسخ» : في الآية قولان: أحدهما: أنها منسوخة ثم نقل في ذلك آثاراً، وقال بعده: وإلى هذا ذهب الربيع بن أنس

стр. 231

وابن زيد ومقاتلبن سلمان؛ ومن نصر هذا القول قال: حق تقاته هو القيام له بجميع ما يستحقه من طاعته واجتناب معصيته، قال: وهذا أمر يعجز الخلائق فكيف بالواحد؟ فوجب أن تكون منسوخة وأن يعلق الأمر بالاستطاعة. والقول الثاني: أنها محكمة؛ ومن نصر هذا القول قال: حق تقاته هو اجتناب ما نهى عنه وامتثال ما أمر به، ولم ينه عن شيء ولا أمر به إلا وهو داخل تحت الطاقة؟ فقد فهم الأولون من الآية تكليف ما لا يطاق فحكموا بالنسخ، وقد رد عليهم قوله تعالى: ﴿لا يكلف الله نفساً إلا وسعها﴾ (البقرة: ٢٨٦) وأما قوله: ﴿حق تقاته﴾ فالحق بمعنى الحقيقة اهـ. وفي «شرح الأربعين» لابن حجر الهيثمي: إنما يتم هذا: أي كون هذه الآية تفسيراً لتلك على تفسير حق تقاته بامتثال أمره واجتناب نهيه، أما على المشهور من تفسيره بأن يذكر فلا ينسى الخ فالأوجه النسخ، فإن هذه لما نزلت تحرجت الصحابة منها فقالوا أينا يطبق ذلك فنزلت تلك اهـ. وبقولي «وذلك بأن يقال الخ» اندفع ما قاله من أن الأوجه النسخ، ونزولها عقب تحرجهم من تلك لا يستلزم النسخ فتأمل، ولذا جرى هو في مكان على موافقة المصنف وترجيح ما قاله من غير تقييد بما ذكر، وكأن وجهه أن يقيد ما في تفسيرها المشهور بحسب الطاقة. (وقال تعالى) : ﴿يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولاً سديدا﴾ صواباً ( ﴿يصلح لكم أعمالكم﴾ ) يتقبلها أو يوفقكم للأعمال الصالحة ( ﴿ويغفر لكم ذنوبكم﴾ ) (الأحزاب: ٧٠) بجعلها مكفرة باستقامتكم في القول والعمل (والآيات في الأمر بالتقوى كثيرة معلومة. وقال تعالى: ﴿ومن يتق الله يجعل له مخرجا﴾ ) من كرب الدنيا والآخرة ( ﴿ويرزقه من حيث لا يحتسب﴾ ) يخطر بباله. في «تفسير البيضاوي» : يروي «أن سالمبن عوفبن مالك الأشجعي أسره العدو، فشكا أبوه إلى رسول الله ﷺ فقال: اتق الله وأكثر قول لا حول ولا

стр. 232

قوّة إلا با» ففعل، فبينا هو في بيته إذ قرع ابنه الباب ومعه مائة من الإبل غفل عنه العدوّ فاستاقها. وفي رواية: إذ رجع ومعه غنيمات ومتاع. قلت: روى الثعلبي الثاني وفيه «أنه جاء بأربعة آلاف شاة» . والبيهقي في «الدلائل» الأول. قال الحافظ ابن حجر في «تخريج أحاديث الكشاف» : وأخرج الحاكم عن جابر قال: «نزلت هذه الآية في رجل من أشجع كان فقيراً خفيف ذات اليد كثير العيال. فأتى رسول اا فسأله، فقال له: اتق الله واصبر، فلم يلبث إلا يسيرا حتى جاء ابن عم له بغنم كان العدو أصابوه» فذكر نحو حديث عوف السابق مختصراً، وفي سنده من تكلم فيه اهـ.g (وقال الله تعالى: ﴿إن تتقوا ا﴾ ) بالأمانة وغيرها ( ﴿يجعل لكم فرقانا﴾ ) بينكم وبين ما تخافون فتنجون ( ﴿ويكفر عنكم سيئاتكم ويغفر لكم﴾ ) (الأنفال: ٢٩) ذنوبكم (والآيات في الباب كثيرة معلومة) وقد سبق جملة منها أول الباب. (وأما الأحاديث) النبوية: ٦٩١ - (فـ) الحديث (الأول: منها عن أبي هريرة ﵁ قال: قيل يا رسول الله من أكرم الناس) ؟ قال المصنف في «شرح مسلم» : أصل الكرم كثرة الخير، فلما سئل أيّ الناس أكرم؟ أخبر بأكرم الكرم وأعمه (فقال: أتقاهم) ، فإن من كان متقياً كان كثير الخير في الدنيا صاحب الدرجات العليا في الآخرة اهـ. وقال بعضهم: الكريم هو المتقي وهو المنقطع عن الأكوان (فقالوا ليس عن هذا) الكرم (نسأل، قال فـ) أكرم الناس (يوسف) بتثليث السين مع الهمزة وتركه، فإنه جمع خيري الدارين وشرفهما فإنه مع كونه (نبيّ الله ابن نبيّ ا) يعقوب (ابن نبيّ ا) إسحاق (ابن خليل ا) إبراهيم، انضم إليه شرف علم الرؤيا وتمكنه فيه ورياسة الدنيا وملكها بالسيرة الجميلة وإحاطته

стр. 233

للرعية وعموم نفعه إياهم وشفقته عليهم، وما ذكر من تكرير ابن نبي الله مرتين هو كذلك في بعض روايات البخاري وهو الأصل، ووقع في رواية مسلم وبعض روايات البخاري «نبيّ الله ابن نبيّ الله ابن خليل ا» وهذه الرواية مختصرة من تلك الرواية/ إذ هو يوسفبن يعقوببن إسحاق ابن إبراهيم (قالوا: ليس عن هذا) أيضاً (نسألك) . ففهم حينئذٍ أن مرادهم قبائل العرب (قال: فعن معادن العرب تسألوني؟) قالوا نعم وسكت عنه لدلالة السياق عليه فقال خيارهم بكسر الخاء المعجمة (في الجاهلية) ما قبل الإسلام، سموا بذلك لكثرة جهالتهم (خيارهم في الإسلام) أي: إن أصحاب المروءات ومكارم الأخلاق في الجاهلية هم أصحابها في الإسلام وهم الخيار (إذا فقهوا) أي: صاروا فقهاء عالمين بالأحكام الشرعية الفقهية. قال القاضي عياض: قد تضمن الحديث في الأجوبة الثلاثة أن الكرم كله عمومه وخصوصه مجمله ومفصله إنما هو بالدين من التقوى والنبوّة والاعتراف بها الإسلام مع الفقه (متفق عليه. وفقهوا بضم القاف على المشهور، وحكي كسرها) يقال فقه بضم القاف: إذا صار ذا سجية، وبكسرها بمعنى فهم. وفي «شرح مسلم» : الفقه في اللغة بمعنى الفهم، يقال فقه يفقه كفرح يفرح. أما الفقه الشرعي فقال صاحب «العين» والهروي وغيرهما: يقال منه فقه بضم القاف. وقال ابن دريد بكسرها كالأول، وقد روي فقه في دين الله بالوجهين، والمشهور الضم اهـ. أي: علموا أحكام الشرع ظاهره أصولاً وفقها وسلوكاً، ولا شك أن ذلك أكمل الأنواع، والجامع بين الجميع هو الإنسان الكامل. ٧٠٢ - (الحديث الثاني) من أحاديث الباب (عن أبي سعيد الخدري رضي الله عن النبي قال: إن الدنيا حلوة خضرة) بفتح المعجمة الأولى وكسر الثانية. قال في «النهاية» :

стр. 234

الخضر نوع من البقول ليس من أحرارها وجيدها، فشبه الدنيا للرغبة فيها والميل إليها بالفاكهة الحلوة الخضرة، فإن الحلو مرغوب فيه من حيث الذوق، والأخضر مرغوب فيه من حيث النظر، فإذا اجتمعا زادت الرغبة. وفيه إشارة إلى عدم بقائها وهو من التشبيه المطوي فيه الأداة. قيل: والفرق بين هذا النوع والاستعارة أن هذا لا يتغير حسنه إذا ظهرت الأداة، فإن قولك: المال خضرة في الحسن كقولك المال كالخضرة، ولا كذلك الاستعارة فإن قولك: رأيت أسداً يرمي، ليس كقولك: رأيت رجلاً كأسد، ذكره العاقولي (وإن الله مستخلفكم فيها) بكسر اللام: أي: جعلكم خلفاء في الدنيا: أي: أنتم بمنزلة الوكلاء فيها. وقيل معناه: جعلكم خلفاء ممن كان قبلكم، فإنها لم تصل إلى قوم إلا بعد آخرين (فينظر) أي: فيعلم علم مشاهدة وعيان (كيف تعملون) من إنفاقها في مراضيه فتثابون، أو في مساخطه فتأثمون، فإن الجزاء إنما يترتب على ما يبدو في عالم الشهادة من الأعمال كما تقدم، أو فينظر كيف تعملون: أي: أتعتبرون بحالهم وتتدبرون في مآلهم (فاتقوا الدنيا) أي: اجتنبوا فتنتها واحذروا أن تميلكم محبتها والاغترار بها عن أوامر الله تعالى واجتناب مناهيه فيها (واتقوا النساء) أي: اجتنبوا الافتتان بهن: أي: أن يمنعكم التمتع بهن لاستيلاء محبتهن عن القيام بأداء حقوق العبودية والتقرّب إلى مراضي الله تعالى، فإن بمقدار محبة السوي والركون إليه البعد عن المولى، ويدخل فيهن كما قال المصنف الزوجات وهن أكثر فتنة لدوام فتنتهن وابتلاء أكثر الناس بهن (فإن أول فتنة بني إسرائيل كانت في النساء) أي: بسببهن، فهو كحديث «عذبت امرأة في هرة» قال شارح «الأنوار السنية» يحتمل أن يكون إشارة إلى قصة هاروت وماروت، لأنهما فتنا بسبب امرأة من بني إسرائيل. ويحتمل أن يكون إشارة إلى قصة بلعامبن باعوراء لأنه إنما هلك بمطاوعة زوجته. وبسببهن هلك كثير من الفضلاء (رواه مسلم) . ٧١٣ - الحديث (الثالث عن) عبد الله (بن مسعود ﵁ أن النبي كان يقول اللهم) أصله يا أفحذف حرف النداء وعوّض عنه الميم كما تقدم (إني أسألك

стр. 235

الهدى) بضم الهاء: الرشاد (والتقوى) وفي نسخة «والتقى» : امتثال الأوامر واجتناب النواهي (والعفاف) أي: التنزه عما لا يباح والكف عنه (والغنى) أي: غنى النفس والاغتناء عن الناس وعما في أيديهم، والمسؤول له زيادة ذلك. وفيه شرف هذه الخصال، وفيه الخضوع واللجأ للكريم الوهاب في سائر الأحوال (رواه مسلم) ورواه الترمذي وابن ماجه. ٧٢٤ - الحديث (الرابع عن أبي طريف) بفتح الطاء وكسر الراء المهملتين وسكون التحتية بعدها فاء (عدي) بفتح أوله فكسر ثانيه المهملتين فتشديد الياء (ابن حاتم) بالحاء المهملة والفوقية المكسورة، العلم المضروب به المثل في الجود (الطائي) نسبة إلى طيىء بوزن سيد، واسمه جلهمة، وسمي طيئاً لأنه أول من طوى أي بنى المناهل، وقيل: لغير ذلك، وهو ابن عدي ابن سعيدبن الحشرجبن امرىء القيسبن عديبن أخرمبن ربيعةبن جرولبن ثغلبن عمرو ابن الغوثبن طيىءبن أددبن زيدبن يشجببن عريببن زيدبن كهلانبن سبأ كذا في عجالة المبتدي للحازمي. وقد عدىّ ﵁ على النبيّ سنة تسع في شعبان، وقيل: سنة عشر وكان نصرانياً، وقيل: بل أسر المسلمون أخته سفانة بنت حاتم فأسلمت وعادت إليه، فأخبرته ودعته إلى رسول الله، فأسلم وحسن إسلامه. روي له عن رسول الله ﷺ ستة وستون حديثاً، اتفقا على ثلاثة منها، وانفرد مسلم بحديثين. ولما توفي رسول الله ﷺ قدم على الصديق وقت الردّة بصدقة قومه، وثبت على الإسلام ولم يرتدّ وثبت قومه معه، وكان جواداً شريفاً في قومه معظماً عندهم وعند غيرهم. روي عنه أنه قال: ما دخل عليّ وقت صلاة إلا وأنا مشتاق إليها. وكان يكرمه إذا دخل عليه، وكان يفتّ للنمل الخبز ويقول: إنهن جارات ولهن حق، شهد صفين مع علىّ. توفي سنة سبع، وقيل: تسع وستين، وله مائة وعشرون سنة. قيل: مات بالكوفة أيام المختار، وقيل: مات بقرقيسا، والأول أصح (قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: من حلف على يمين) الحلف هو اليمين كما تقول حلف يحلف حلفا، وأصلها العقد بالعزم والنية فخالف بين اللفظين وقال: حلف على يمين تأكيداً. وقال القرطبي: اليمين المحلوف عليه. (ثم رأى أتقى منها) أي: من

стр. 236

يمينه التي التزمها في ترك أمر (فليأت التقوى) وحاصله أن من حلف على ترك فعل شيء أو فعله فرأى غيره خيراً من التمادي على اليمين وأتقى كأن حلف ليتركنّ الصلاة أو ليشربنّ المسكر وجب عليه الحنث والإتيان بما هو التقوى من فعل المأمور به وترك المنهيّ عنه، فإن حلف على ترك مندوب أو فعل منهي عنه نهي كراهة ندب له الحنث، ومثله حديث مسلم أيضاً «من حلف على يمين فرأى غيرها خيراً منها فليأت الذي هو خير وليكفر عن يمينه» (رواه مسلم) . (الخامس عن أبي أمامة) بضم الهمزة (صدي) بضم الصاد ففتح الدال المهملتين وتشديد الياء، ويقال الصدي بأل ولم يذكره الحاكم في كتابه إلا بها (ابن عجلان) بفتح المهملة وسكون الجيم وابن والبة بالموحدة ابن رباح بكسر الراء ابن الحارثبن معنبن مالكبن أعصربن سعد ابن قيس عيلان بالمهملة ابن مضربن نزاربن معدبن عدنان. قال المصنف في «التهذيب» : ويقال في نسبه غير هذا (الباهلي) كان ﵁ من مشهوري الصحابة. روي له عن رسول الله ﷺ مائتا حديث وخمسون حديثاً، روى البخاري خمسة منها/ ومسلم ثلاثة، وخرّج عنه أصحاب السنن. سكن مصر ثم حمص وتوفي بها سنة إحدى، وقيل: سنة ست وثمانين. وهو آخر من مات من الصحابة في البلدان المتفرقة فقال: آخر من مات من الصحابة أبو الطفيل موته بمكة سهلبن عبد الله بالمدينة وأنسبن مالك بالبصرة ومات بالشام أبو قرصافه وابن أبي أوفى الحمام وافه بكوفة واليمن اذكر أبيضاً وبخراسان بريدة قضى ولم تنم مائة إلا وقد ماتوا ولم يبق على الأرض أحد رأى بعينيه النبي المصطفى فاحفظ لنظمي ذا تنال الشرفا

стр. 237

قلت: ويزاد عليه: وآخر الصحب بحمص ماتا أبو أمامة وذا قد فاتا وفي كتاب «اليواقيت الفاخرة» : أن آخر من مات بالمدينة السائببن يزيد، يعرف بابن أخت النمر، أدرك النبي صغيراً وروي عنه وتوفى سنة إحدى وتسعين وهو ابن ثمان وثمانين اهـ. وكذا في «التقريب» للحافظ أن السائب آخر من مات من الصحابة بالمدينة (قال: سمعت رسول الله ﷺ يخطب في حجة الوداع) بكسر الحاء على الأفصح وفتح الواو اسم مصدر من التوديع، وبكسرها مصدر وادع، سميت بذلك لأنه ودع الناس فيها. وفيه جواز تسميتها بذلك من غير كراهة (فقال: اتقوا ا) بدأ به لأنه الأساس لتناوله فعل سائر المأمورات وترك سائر المناهي، وعطف عليه ما بعده من عطف الخاص على العام اهتماماً به واعتناء بشأنه، ويحتمل أن عطف قوله: «وأطيعوا أمراءكم» من عطف المغاير من حيث أن أظهر مقاصد التقوى انتظار الأمور الأخروية (وصلوا خمسكم) أي: الفروض الخمسة (وصوموا شهركم) أي: شهر رمضان، وأضيف للأمة لما يسبغ عليهم فيه من الفيوض الإلهية من عتق الرقاب وجزيل الثواب. وفي الحديث «رجب شهرالله، وشعبان شهري، ورمضان شهر الأمة» (وأدّوا زكاة أموالكم) في الخلافيات «وأدوا زكاتكم طيبة بها نفوسكم، وحجوا بيت ربكم» (وأطيعوا أمراءكم) وفي رواية «ذا أمركم» فيما ليس فيه معصية الله تعالى، وفي ذلك انتظام الأحوال المتوصل به إلى قوام المعاش والاستعداد للمعاد (تدخلوا) بالجزم في جواب الأمر (جنة ربكم. رواه الترمذي في آخر كتاب الصلاة، وقال: حديث حسن صحيح) ورواه ابن حبان والحاكم. ولما كان من ثمرات التقوى العرفان الذي به تنجلي الأمور، والنور الذي تنشرح به

стр. 238

الصدور، ومن انشرح صدره واستنار قلبه بشهود التوحيد وأنه لا شريك له في ملكه ولا في شيء من أفعاله، تيقن أن لا حول له ولا قوّة، وأنه لا يملك لنفسه نفعاً ولا ضرّاً، فخرج عما في نفسه من التدابير، وألقى نفسه مع جري المقادير، ففاز كما جاء في الحديث الشريف «لا حول ولا قوة إلا با كنز من كنوز الجنة» وظهر بهذا أن التوكل واليقين من ثمرات التقوى فلذا عقبها بهما فقال: ٧ - باب في اليقين

стр. 239

قال السيد في كتاب «تعريفات العلوم» : اليقين في اللغة: العلم الذي لا شك معه. وفي الاصطلاح: اعتقاد الشيء أنه كذا مع اعتقاد أنه لا يمكن إلا كذا، وهو مطابق للواقع غير ممكن الزوال. وعند أهل الحقيقة رؤية العيان بقوة الإيمان لا بالحجة والبيان، وقيل: مشاهدة الغيوب بصفاء القلوب وملاحظة الأسرار بمحافظة الأفكار (والتوكل) عرفه الشيخ العارف با أبو مدين بقوله في حكمه: التوكل وثوقك بالمضمون استبدالك الحركة بالسكون. وعرّفه غيره بقوله: اعتمادك على مولاك ورجوعك إليه، وخروجك عن حولك وقوّتك وانطراحك بين يديه. وقيل: اكتفاؤك بعلم الله فيك عن تعلق القلب بسواه، ورجوعك في كل الأمور إلىالله. عباراتنا شتى وحسنك واحد وكل إلى ذاك الجمال يشير كذا في «شرح الحكم» المذكورة لعمي الشيخ العارف با أحمدبن علان الصديقي. وفي «شرح مسلم» للمصنف، اختلفت عبارات السلف والخلف في حقيقة التوكل، فحكى الإمام أبو جعفر الطبري وغيره عن طائفة من السلف أنهم قالوا: لا يستحق اسم التوكل إلا من لم يخالط قلبه خوف غير الله من سبع أو عدوّ حتى لا يطلب الرزق ثقة بضمان الله رزقه. وقالت طائفة: هو الثقة با والإيقان بأن قضاءه نافذ، واتباع سنة نبيه والسعي فيما لا بد منه من مطعم ومشرب، والتحرّز من العدوّ كما فعله الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم. قال القاضي عياض: وهذا المذهب هو اختيار الطبري وعامة الفقهاء، والأول مذهب بعض المتصوفة وأصحاب علم القلوب والإشارات. وذهب المحققون منهم إلى نحو

стр. 240

مذهب الجمهور، ولكن لا يصح عندهم التوكل مع الالتفات والطمأنينة إلى الأسباب، بل فعل الأسباب سنة الله وحكمته والثقة بأنها لا تجلب نفعاً ولا تدفع ضرّاً والكل منالله، هذا كلام القاضي. وقال القشيري: اعلم أن التوكل محله القلب وأما الحركة بالظاهر فلا تنافي توكل القلب بعد ما تحقق العبد أن التقدير من فعل الله ، فإن تعسر شيء فبتقديره، وإن تيسر شيء فبتيسيره. وقال سهلبن عبد الله التوكل في الاسترسال مع الله على ما يريد. وقال أبو عثمان الحيري: التوكل الاكتفاء با تعالى مع الاعتماد عليه اهـ. (قال الله تعالى: ﴿ولما رأى المؤمنون الأحزاب﴾ ) من الكفار ( ﴿قالوا: هذا ما وعدنا الله ورسوله﴾ ) من الابتلاء والنصر ( ﴿وصدق الله ورسوله﴾ ) في الوعد ( ﴿وما زادهم﴾ ) ذلك ( ﴿إلا إيماناً﴾ ) تصديقاً بوعد الله ( ﴿وتسليماً﴾ ) لأمره. (وقال تعالى: ﴿الذين﴾ ) بدل من الذين قبله أو نعت له ( ﴿قال لهم الناس﴾ ) أي: نعيمبن مسعود الأشجعي ( ﴿إن الناس﴾ ) أبا سفيان وأصحابه ( ﴿قد جمعوا لكم﴾ ) الجموع ليستأصلوكم ( ﴿فاخشوهم﴾ ) ولا تأتوهم ( ﴿فزادهم﴾ ) ذلك القول ( ﴿إيماناً﴾ ) تصديقاً با ويقيناً ( ﴿وقالوا: حسبنا ا﴾ ) كافنا أمرهم ( ﴿ونعم الوكيل﴾ ) المفوض إليه الأمر هو، وخرجوا مع النبيّ فوافوا سوق بدر الذي كان واعد النبيّ كفار قريش يوم أحد عليه، وألقى الله الرعب في قلب أبي سفيان وأصحابه فلم يأتوا، وكان مع الصحابة تجارات فباعوا وربحوا، قال تعالى: ( ﴿فانقلبوا﴾ ) رجعوا من بدر ( ﴿بنعمة من الله وفضل﴾ ) بسلامة وربح ( ﴿لم يمسهم سوء﴾ ) من قتل أو جرح ( ﴿واتبعوا رضوان ا﴾ ) بطاعته وطاعة رسوله في الخروج ( ﴿وا ذو فضل عظيم﴾ ) على أهل طاعته، وقد بسطت الكلام في هذه الآية في كتاب الجهاد من «شرح الأذكار» .

стр. 241

(وقال تعالى: ﴿وتوكل﴾ ) فيه إشارة لشرف الموكل، وأوجبه بعضهم مطلقاً، والظاهر وجوبه باعتبار لا مطلقاً. أما التوكل بطرح الأسباب والاكتساب فهو من شأن أهل الكمال وهو المندوب، وفي «المفهم» للقرطبي: المتوكلون على حالين: الحال الأول حال المتمكن في التوكل فلا يلتفت إلى شيء من الأسباب بقلبه ولا يتعاطاها إلا بحكم الأمر. والحال الثاني حال غير المتمكن، وهو الذي يقع له الالتفات إلى الأسباب أحياناً غير أنه يدفعها عن نفسه بالطرق العلمية والبراهين القطعية والأزواق الحالية، فلا يزال كذلك إلى أن يرقيه تعالى بجوده إلى مقام المتمكنين ويلحقه بدرجات العارفين اهـ. ( ﴿على الحيّ الذي لا يموت﴾ ) فيه إشارة إلى أن من توكل على غير الله فقد ضاع لأن الغير يموت؛ والعاقل لا ينبغي له أن يتوكل على من يموت ويفنى. وقال بعضهم: الاعتماد على الغني غايته الفقر، والاعتماد على القوّة آخره الضعف، والاعتماد على الخلق هو طريق الخذلان، ومن اعتمد على سوى الله وتوكل على غيره فقد ضيع وقته وخاب سعيه، لأن الحيّ الذي لا تجري عليه فنون العوارض دعاك إليه بألطف دعواه فقال ﴿وتوكل على الحي الذي لا يموت﴾ . ( ﴿وقال تعالى: وعلى ا﴾ ) لا على غيره ( ﴿فليتوكل المؤمنون﴾ ) إذ هو الحي القيوم. (وقال تعالى) : ﴿فإذا عزمت﴾ ) على إمضاء ما تريد بعد المشاورة ( ﴿فتوكل على ا﴾ ) أي: ثق به لا بالمشاورة (والآيات في الأمر بالتوكل كثيرة معلوماً) . (وقال تعالى:) في فضل التوكل وثمراته ( ﴿ومن يتوكل على ا) فهو حسبه﴾ أي: كافيه

стр. 242

(وقال تعالى) : ﴿إنما المؤمنون﴾ ) أي: الكاملو الإيمان ( ﴿الذين إذ ذكر ا﴾ ) أي وعيده ( ﴿وجلت﴾ ) خافت ( ﴿قلوبهم﴾ ) وقيل: «إذ ذكر الله وجلت قلوبهم» فزعت لذكره استعظاماً له وتهيباً من جلاله ( ﴿وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيماناً﴾ ) تصديقاً، وإسناد الزيادة للآيات من الإسناد للسبب ( ﴿وعلى ربهم يتوكلون﴾ ) يفوضون أمرهم إليه ولا يخشون ولا يرجون إلا إياه (والآيات في فضل التوكل) وثمراته (كثيرة معروفة) . (وأما الأحاديث) النبوية في فضل التوكل: ٧٤١ - (فـ) الحديث (الأول) منها (عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله: عرضت) بالبناء للمفعول (عليّ) بتشديد التحتية (الأمم) وفيه كمال شرفه وعرض جميع الأمم عليه صلوات الله وسلامه عليه، ولعل من حكمة ذلك ما قيل إنه مبعوث لجميع بني آدم من آدم فمن دونه، والأنبياء إنما هم نوّاب عنه في تبليغ الشرائع لأولئك الأمم، وهذا العرض يحتمل أن يكون مناماً ورؤيا الأنبياء وحي أو في اليقظة ليلة الإسراء أو غيرها، وا يكرم نبيه بما شاء (فرأيت) أبصرت إن كانت يقظة أو رؤىً حلمية إن كانت مناماً (النبي) أل فيه للماهية أي المتصف بالنبوة، ويظهر أن المراد به الرسول (ومعه الرهيط) بضم المهملة وفتح الهاء وسكون التحتية آخره طاء مهملة أيضاً. وفي «مختصر القاموس» الرهط ويحرك قوم الرجل وقبيلته، أو من ثلاثة أو سبعة إلى عشرة أو ما دون العشرة وما فيهم امرأة، ولا واحد له من لفظه، جمعه أرهط وأرهاط وأراهط. قلت: الرهط من الرجال ما دون العشرة، وقيل: إلى الأربعين اهـ والجملة في محل الحال لتصديرها بالواو بناء على أن رأى الحلمية لا تنصب مفعولين وأن المنصوب الثاني بعدها في محل الحال وهو الذي رجحه ابن هشام في بعض كتبه (والنبي ومعه الرجل والرجلان والنبي) حال كونه (ليس معه أحد) . فإن قلت: النبي هو المخبر عن الله للخلق فأين الذين أخبرهم؟

стр. 243

قلت: ربما أخبر ولم يؤمن به أحد ولا يكون معه إلا المؤمن (إذ رفع) بالبناء المفعول (لي سواد) أي: أشخاص وهو كما في «مختصر القاموس» : الشخص، ومن البلدة قراها والعدد الكثير من أهلها، ومن الناس عامتهم اهـ. ٥ ولذا قال القرطبي: أي: أشخاص كثيرة ويجمع على أسودة (عظيم) لكثرته (فظننت أنهم) أي: السواد الذي هو الأشخاص وباعتباره جمع الضمير العائد إليه (أمتي فقيل لي هذا) أي: السواد العظيم (موسى وقومه) أي: أمته المؤمنون (ولكن انظر إلى الأفق) بضم الهمزة والفاء وبسكونها كما في «الصحاح» ، وعبارته: الآفاق النواحي الواحد أفق، وأفق مثل عسر وعسر انتهت، وبالقاف: الناحية. وجوزّ الحافظ السيوطي أن يكون الأفق واحداً وجمعاً كالفلك ويجمع أيضاً على آفاق (فنظرت فإذا سواد عظيم فقيل لي انظر إلى الأفق الآخر فإذا سواد عظيم) أي: غير السواد الأول إذ النكرة إذا أعيدت كانت الثانية غير الأولى غالباً (فقيل لي هذه) أي: مجموع السوادين العظيمين (أمتك) أي: المؤمنون كما تقدم نظيره (ومعهم سبعون ألفاً) يحتمل أن يكون معناه ومن أمتك غير هؤلاء سبعون ألفاً، ويحتمل أن يكون معناه وفي جملة هذه الأسودة سبعون ألفاً (يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب) ويؤيد الاحتمال الثاني رواية البخاري في «صحيحه» (هذه أمتك، ويدخل الجنة من هؤلاء سبعون ألفاً) فالسبعون ألفاً من أمته بلا شك. وعذاب بفتح المهملة وبالذال المعجمة، وفي نسخة عقاب بكسر المهملة وبالقاف، وجملة يدخلون الجنة الخ صفة أو حال من سبعون لتخصيصه بالظرف قبله. فإن قلت: هل يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب وإن كانوا أصحاب معاصي ومظالم؟ قلت: الذين كانوا بهذه الأوصاف الأربعة المذكورة في الحديث لا يكونون إلا عدولاً مطهرين من الذنوب أو ببركة هذه الصفات يغفر الله لهم ويعفو عنهم (ثم نهض) قبل بيان السبعين المذكورين (فدخل منزله فخاض) بالحاء والضاد المعجمتين: أي تكلم (الناس) والمراد منهم الصحابة وتناظروا (في) تعيين (أولئك الذين يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب) وفي البخاري «فأفاض الناس» وهو بمعناه يقال أفاض الناس في

стр. 244

الحديث إذ تباحثوا فيه وناظروا عليه وتناظروا. وفي الحديث إباحة المناظرة في العلم والمباحثة في نصوص الشرع على جهة الاستفادة وإظهار الحق (فقال بعضهم: فلعلهم الذين صحبوا رسول الله) أي: السابقون الذين صحبوه وقاموا بنصرة الدين وهجروا الأهل والأوطان لذلك (وقال بعضهم: فلعلهم الذين ولدوا) بالبناء للمفعول (في الإسلام) أي: وإن لم يرهم وفضلهم ما أشاروا إليه بقولهم (فلم يشركوا با) فيه دليل على شرف المسلم أصالة على من كان كافراً ثم أسلم، ويدل له ما ذكره الفقهاء في تقديم من دخل آباؤه في الإسلام على من تأخر آباؤه في الدخول فيه في الإمامة (وذكروا أشياء) من الاحتمالات في التعيين (فخرج عليهم رسول الله) أو عقب خضوهم في ذلك كما تشعر به الفاء إراحة لهم من الخوض فيما لا سبيل لهم لمعرفته إلا من جهته (فقال ما الذي تخوضون فيه؟ فأخبروه، فقال: هم الذين لا يرقون ولا يسترقون) أي: يطلبون الراقية لهم من الغير. وقد اختلف العلماء في هذا المقام مع ورود السنة فعلاً وإذناً بجواز الرقية والاسترقاء. والذي رجحه المصنف والقرطبي وغيرهما من ذلك ما قاله الخطابي وغيره أن المراد ترك ذلك توكلاً ورضاً بقضاء الله تعالى وبلائه، قال الخطابي: وهذه من أرفع درجات المتحققين بالإيمان. قال: وإلى هذا ذهب جماعة سماهم. قال المصنف: وحاصله أن هؤلاء كمل تفويضهم إلى الله تعالى فلم يسعو في دفع ما أوقعه بهم، ولا شك في رجحان هذه الحال وفضيلة صاحبها. وأما تطببه فلبيان الجواز اهـ. وقال القرطبي: الرقى والاسترقاء ما كان منه برقيا الجاهلية أو بما لا يعرف فواجب اجتنابه على سائر المسلمين واجتنابه حاصل من أكثرهم، فلا يكون اجتناب ذلك هو المراد هنا ولا اجتناب الرقى بأسماء الله تعالى، وبالمرويّ عن رسول الله، لأن ذلك التجاء إلى الله تعالى، قال: ويظهر لي - والله أعلم - أن المقصود اجتناب رقى خارج عن القسمين كالرقيا بأسماء الملائكة والأنبياء والصالحين كما يفعله كثير ممن يتعاطى الرقيا، فهذا ليس من قسم المحظور الذي يعم اجتنابه، ولا من قبيل الرقيا التي فيها اللجأ إلى الله تعالى، فهذا القسم المتوسط يلحق بما

стр. 245

يجوز فعله، غير أن تركه أولى من حيث إن الرقى بذلك تعظيم وفيه تشبيه للرقي به بالرقى بأسمائه تعالى وكلماته، فينبغي اجتنابه كاجتناب الحلف بغير الله تعالى اهـ. (ولا يتطيرون) أي: يتشاءمون بالطيور ونحوها مما يتشاءم به: أي: لا يرجعون عما عزموا عليه عند وجود ما جرت به عادة الجاهلية من التطير به والوقوف عن الفعل منه من الجوائح والسوانح وسيأتي في هذا بسط (وعلى ربهم) لا على غيره في سائر أحوالهم (يتوكلون) وهؤلاء هما القائمون بأعلى مقام التوكل بترك الأسباب وعدم معاطاتها رضا بتصرف المولى فيهم، واكتفاء بتدبيره تعالى عن تصرّف كلّ وتدبيره (فقام عكاشةبن محصن) بكسر الميم وسكون المهملة الأولى وفتح الثانية، ابن حرثان بضم المهملة وسكون مهملة بعدها مثلثة وبعد الألف نون، ابن قيسبن مرةبن كثيربن غنمبن داودبن أسدبن خزيمة (الأسدي) بفتح أوّليه والمهملتين حليف بني عبد شمس، وكان عكاشة من أفاضل الصحابة وخيارهم وشجعانهم، له ببدر المقام المشهور، وذلك أنه ضرب بالسيف في الكفار حتى انقطع، فأعطاه جزل حطب، فأخذه فهزه في يده فعاد سيفاً صارماً، فقاتل به حتى فتح الله على المسلمين، وكان ذلك السيف يسمى العون، ولم يزل عنده يشهد المشاهد مع رسول الله ﷺ حتى قتل عكاشة وهو معه، وقتل في قتال أهل الردة في خلافة أبي بكر الصديق ﵁، قتله طليحةبن خويلد الأسدي، هذا قول أهل السير. وقال سليمان التيمي: أرسله رسول الله ﷺ إلى بني أسد سرية فقتله طليحة. قال ابن الأثير: وهو وهم، وإنما قاله لقرب الحادثة من عهد رسول الله، وكان عكاشة يوم توفي رسول الله ﷺ ابن أربع وأربعين سنة. وكان من أجمل الرجال اهـ. وقال «منا خير فارس في العرب، قالوا: ومن هو يا رسول الله؟ قال: عكاشةبن محصن» ﵁، ولقوّة يقينه وشدة حرصه على الخير ورغبته فيما عند الله تعالى سبق الصحابة كلهم (فقال: ادع الله لي أن يجعلني منهم، فقال: أنت منهم) يحتمل كونه منهم لدعائه له بذلك، ويحتمل لكونه كان موصوفاً بتلك الأوصاف الجميلة، ويحتمل أنه أوحى إليه بأنه منهم وفي جملة، والله أعلم بحقيقة الحال، ثم رأيت الكرماني نقل الأول قولاً عن بعضهم (ثم قام رجل آخر فقال: ادع الله أن يجعلني منهم، فقال) له لما لم يكن عنده ما عند عكاشة من تلك الأحوال الشريفة (سبقك بها) أي: في الفضل بالدعوة إلى منزلة أصحاب هذه الأوصاف (عكاشة) وكره أن يقول له:

стр. 246

لست من أهل هذه الطبقة لأنه لكمال فضله لا يواجه أحداً بما يكره، فجاء بكلام موف للغرض، وفيه التعريض بالمراد. قال الكرماني: قيل: يحتمل أن يكون سبقك عكاشة بوحي أنه يجاب فيه ولم يحصل ذلك للآخر، وقال القرطبي: لئلا يطلب كل مثل ما طلب عكاشة، فسدّ الباب بحسن ذلك الجواب. وهذا أولى مما قيل كان ذلك الرجل منافقاً لوجهين: أحدهما: أن الأصل في الصحابة الإيمان والعدالة فلا يظن بأحد منهم خلاف الأصل ولا يسمع منه ذلك إلا بالنقل الصحيح. ٧٥٢ - والثاني: أنه قلّ أن يصدر مثل هذا السؤال من منافق، إذ لا يصدر غالباً عن تصديق صحيح ويقين بما عند الله تعالى اهـ. قلت: قد صرح الخطيب بأن ذلك الرجل سعدبن عبادة كما نقله عنه الكرماني وبه يبطل ذلك القول (متفق عليه) ورواه أحمد بنحوه وليس فيه ذكر عكاشة (والرهيط بضم الراء) المهملة أوله وسكون التحتية (تصغير رهط) بفتح فسكون (وهم دون عشرة أنفس) سبق بيان الأقوال فيه والخلاف في ذلك (والأفق: الناحية والجانب) عطف مرادفـ ففي «الصحاح» الجانب الناحية وكذا الجنبة (وعكاشة بضم العين) المهملة (وتشديد الكاف) قال في «القاموس» : بوزن رمانة (وبتخفيفها) قال القرطبي: قال ثعلب: وقد تخف. قلت: ولعله منقول من عكاشة بالتخفيف: اسم لبيت النمل، أو مأخوذ من عكش الشعر يعكش: إذا التوى اهـ. (والتشديد أفصح) . الحديث الثاني: (عن ابن عباس ﵄ أيضاً) منصوب على المصدرية، وقيل: على الحالية: كلمة تقال للاتفاق بين الشيئين معنى ويمكن الاستغناء بأحدهما عن الآخر، وقد ثبت نطقه بها كما في «صحيح البخاري ومسلم» وغيرهما، وقد بسطت الكلام فيها في باب فضل الذكر من «شرح الأذكار» . والمعنى هنا: أروي الحديث الثاني رجوعاً للرواية، أو حال كوني راجعاً للرواية عن ابن عباس (أن رسول الله) بفتح الهمزة في

стр. 247

تأويل مصدر مبتدأ مخبر عنه بالظرف السابق (كان يقول: اللهم) أي: يا أ (لك) لا لغيرك كما يؤذن به تقديم الظرف (أسلمت) قال ابن عبد البرّ: استسلمت لحكمك وأمرك وسلمت ورضيت آمنت وصدقت وأيقنت اهـ (وبك) أي: بذاتك وما يجب لها من أوصاف الكمال (آمنت) أي: صدقت (وعليك توكلت) ركنت إليك في سائر الأمور وخرجت عن تدبيري لنفسي وحولي وقوّتي، اكتفاء بما سبقت به الإرادة وجرت به الأقدار (وإليك أنبت) من الإنابة: الرجوع، وتختص بالرجوع إلى الخير كما في «التمهيد» لابن عبد البرّ: أي: رجعت إلى عبادتك والإقبال على ما يقرّب منك. وقيل: رجعت بالتوبة واللجأ والذلة والمسكنة، وقيل: رجعت إليك في تدابير الأمور وتصاريفها فيكون بمعنى «وعليك توكلت» (وبك) أي: بما أعطيتني من البرهان والحجج القولية، أو بالنصرة ونحوها من الحجج الفعلية (خاصمت) أعداء الدين فقصمت ظهورهم بالبراهين القوية وقطعت دابرهم بالسيوف والرماح السمهرية (اللهم إني أعوذ) أعتصم وألتجيّ (بعزتك) أي: بقوتك وقدرتك وسلطانك وغلبتك (لا إله إلا أنت) جملة معترضة لتأكيد العزة والاعتصام بحبله تعالى: وقوله: (أن تضلني) أصله من أن تضلني متعلق بأعوذ، وحذف الجار من إن وأن: قياس مطرد، وتضلني بضم الفوقية من الإضلال (أنت الحي) على الدوام (القيوم) بفتح القاف وتشديد التحتية القائم بتدبير الخلق وحفظه (الذي لا يموت) بالتحتية نظراً لكونه صلة للذي، وبالفوقية نظراً لضمير الخطاب قبله وهو كالتأكيد لما قبله، لأن من شأن القائم بالتدبير والحفظ ألا يموت، لأن من لا يحفظ حياة نفسه كيف يحفظ حياة غيره (والجن) أي: الشامل للملك (والإنس) وأتباعهم من الحيوانات والحشرات (يموتون) فيه تنبيه على سبب التوكل عليه ورد الأمر إليه دون غيره وهو أن غيره يموت: ويضمحلّ شأنه ويفوت، والتوكل إنما هو على الحيّ الذي لا يموت، فمن اعتزّ بغير الله ذلّ، ومن اهتدى بغير هدايته ضلّ، ومن اعتصم با تعالى وتوكل عليه: (متفق عليه) ورواه النسائي أيضاً (وهذا) المذكور (لفظ مسلم) في روايته (واختصره البخاري) . فقال: عن ابن عباس أن النبي كان يقول: «أعوذ بعزتّك

стр. 248

لا إله إلا أنت، أنت الذي لا تموت والجن والإنس يموتون» . ٧٦٣ - الحديث (الثالث عن ابن عباس ﵄ قال القارىء في «شرح الحصن الحصين» : إنه موقوف خلاف ما أورده الشيخ، يعني ابن الجزري. قلت: وكأنه لما رأى أن الحديث في حكم المرفوع سكت عليه اعتماداً على أنه مرفوع في بعض طرقه اهـ (قال: حسبنا الله ونعم الوكيل) تقدم الكلام في معناها أول الكتاب (قالها إبراهيم ﵇ حين ألقي في النار) في تفسير القرطبي: قال ابن إسحاق بعد ذكر المنجنيق وما هيئوه من الحطب: فضجت السموات والأرض ومن فيهن من الملائكة وجميع الخلق إلا الثقلين ضجة واحدة: ربنا إبراهيم ليس في أرضك أحد يعبدك غيره فأذن لنا في نصرته، فقال تعالى: إذا استعان بشيء منكم أو دعاه فلينصره فقد أذنت له في ذلك، وإن لم يدع غيري فأنا أعلم به وأنا وليه، فلما أرادوا إلقاءه في النار أتاه خازن الماء وهو في الهواء فقال: يا إبراهيم إن أردت أخمدت النار بالماء، فقال: لا حاجة لي فيك، فأتاه ملك الريح فقال: لو شئت طيرت النار، فقال لا، ثم رفع رأسه إلى السماء فقال: «اللهم أنت الواحد في السماء وأنا الواحد في الأرض، ليس أحد يعبدك غير حسبي الله ونعم الوكيل» ثم ذكر باقي القصة (وقالها محمد حين قالوا) أي: قال الناس له ( ﴿إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيماناً وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل﴾ ) قضية هذا أن يكون «الذين» الواقع أول الآية وضمائر الجمع بعده مما أريد به الواحد وهو النبيّ، فيكون نظير قوله تعالى: ﴿أم يحسدون الناس﴾ فإن المراد منه النبي، وكذلك الناس في قوله تعالى: ﴿قال لهم الناس﴾ فإن المراد منه كما تقدم أول الباب نعيمبن مسعود، لكن تقدم أول الباب أن المراد من الذين وما بعده الصحابة وذلك الذي ذكره السيوطي في تكملته لتفسير الجلال المحلي ولا مخالفة، فلعل ابن عباس اقتصر عليه لأنه الأصل المتبوع (رواه

стр. 249

البخاري) والنسائي أيضاً (وفي رواية له) أي: البخاري (عن ابن عباس ﵄ قال: كان آخر قول إبراهيم صلى ا) على نبينا و (عليه) وعلى سائر النبيين (وسلم) هكذا ينبغي أن يقال عند ذكر باقي الأنبياء (حين ألقي في النار: حسبي ا) أي: بالإفراد، وقد جاء ذلك عن ابن إسحاق في السيرة كما تقدم: فحسبي أي: كافيّ الله (ونعم الوكيل) فهو من عطف الجملة الخبرية على مثلها، قال السيوطي في «التوشيح» لأبي نعيم في «المستخرج» إنها أول ما قاله، فلعلها أول شيء قاله وآخر شيء قاله. وقد بسطت الكلام في إعرابها وما فيه في أوائل «شرح الأذكار» وذكرت خلاصته أوائل هذا الشرح. ٧٧٤ - الحديث (الرابع: عن أبي هريرة ﵁ عن النبي قال: يدخل الجنة) ظاهره مع الفائزين كما يدل عليه سياقه في مقام المدح لهم، وإلا فجميع أهل الإيمان يدخلون الجنة بوعد الله الذي لا يخلف (أقوام) جمع واحده قوم. وفي «مفردات الراغب» كما تقدم: القوم جماعة الرجال في الأصل دون النساء ولذا قال تعالى ﴿لا يسخر قوم من قوم * ولا نساء من نساء﴾ (الحجرات: ١١) وفي عامة القرآن أريد به الرجال والنساء اهـ. وظاهر أن ما نحن فيه من قبيل الثاني (أفئدتهم) في «مختصر القاموس» : الفؤاد القلب مذكراً، أو هو ما يتعلق بالمرء من كبد ورئة وقلب وجمعه أفئدة اهـ. وفي كتاب الإيمان من «شرح مسلم» للمصنف: المشهور أن الفؤاد هو القلب، وقيل: الفؤاد داخل القلب: أي: الطبقة القابلة للمعاني من العلوم وغيرها (مثل أفئدة الطير) جمع طائر ويقع على الواحد وجمعه طيور وأطيار (رواه مسلم) ورواه أحمد (قيل: معناه) أقوام (متوكلون) ففي الحديث الآتي «لو اتكلتم على الله حق اتكاله لرزقكم كما يرزق الطير» . وفيه إشارة إلى أنها لما لم تتسبب للأرزاق بتدابيرها يسر الله وصول الرزق إليها مع ضعفها وقلة حيلتها (وقيل: قلوبهم رقيقة) أي: فهي أسرع فهماً وقبولاً للخير وامتثالاً له.

стр. 250

٧٨٥ - الحديث (الخامس: عن جابربن عبد الله ﵁ وتقدمت ترجمته في باب الإخلاص (أنه غزا مع النبي) تقدم في باب التوبة عدة غزواته وسراياه وما حارب فيه بنفسه وهذه رواية عنه بالمعنى، وإلا فإنما قال غزوت بتاء المتكلم (قبل نجد) هو لغة: ما ارتفع من الأرض، وهي هنا اسم خاص لما دون الحجاز، والمراد بها ذات الرقاع وكانت في السنة السادسة (فلما قفل) بفتح أوليه، القاف والفاء: أي: رجع من سفره (رسول الله، قفل) أي: جابر (معه) أي: مع النبي، وفي نسخة «معهم» أي: مع النبي وصحبه المجاهدين معه التابعين له (فأدركتهم القائلة) أي: الظهيرة، في «الصحاح» وقد تكون بمعنى القيلولة أيضاً: وهي النوم في الظهيرة (في واد كثير العضاه) بكسر العين المهملة وبالضاد المعجمة (فنزل رسول الله) أي: صار في المنزل وترك السير للحر (وتفرّق الناس عنه يستظلون بالشجر) يستترون بها كما في «الصحاح» علة لتفرقهم عنه في ذلك المكان حتى انفرد ووصل إليه ذلك العدوّ الذي لولا عصمة الله لنبيه لتفك به (ونزل رسول الله ﷺ تحت سمرة فعلق) بالتشديد (بها سيفه ونمنا نومة) علة لما تقدم أيضاً والنوم من تعب السفر مع حرّ الشمس ولذا استحبت القيلولة (فإذا رسول الله ﷺ يدعونا، وإذا عنده أعرابي) منسوب للأعراب وهم سكان البوادي، والعرب يعمهم ويعم سكان القرى كما تقدم، وهذا الأعرابي من بني محارب الذين خرج لحربهم في غزوة ذات الرقاع. قال العلماء: اسمه غورث بغين معجمة وثاء مثلثة والغين مضمومة ومفتوحة. وحكى القاضي عياض الوجهين ثم قال: الصواب الفتح، قال: وضبطه بعض رواة البخاري بالعين المهملة والصواب المعجمة. والخطابي قال: هو غورث أو غويرث على التصغير والشك وهو غورثبن الحارث. قال القاضي: وجاء في حديث آخر مثل هذا الخبر وسمي فيه الرجل دعثور، كذا في «شرح مسلم» للمصنف. قال ابن سيد الناس في عنوان الأثر: وذلك في غزوة ذي قرد اهـ. لكن في البخاري كما يأتي أنها في ذات الرقاع، وكذا قال ابن النحوي في «شرح البخاري» وفي «شرح الشفاء» لابن أقبرس أن قصة غورث معه في ذات الرقاع في السنة الرابعة، وقد أسلم بعد هذا وصحب النبيّ
следующие страницы →