← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 140

دليل الفالحين لطرق رياض الصالحين

ابن علان

Полный текст (2 250 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

لست من أهل هذه الطبقة لأنه لكمال فضله لا يواجه أحداً بما يكره، فجاء بكلام موف للغرض، وفيه التعريض بالمراد. قال الكرماني: قيل: يحتمل أن يكون سبقك عكاشة بوحي أنه يجاب فيه ولم يحصل ذلك للآخر، وقال القرطبي: لئلا يطلب كل مثل ما طلب عكاشة، فسدّ الباب بحسن ذلك الجواب. وهذا أولى مما قيل كان ذلك الرجل منافقاً لوجهين: أحدهما: أن الأصل في الصحابة الإيمان والعدالة فلا يظن بأحد منهم خلاف الأصل ولا يسمع منه ذلك إلا بالنقل الصحيح. ٧٥٢ - والثاني: أنه قلّ أن يصدر مثل هذا السؤال من منافق، إذ لا يصدر غالباً عن تصديق صحيح ويقين بما عند الله تعالى اهـ. قلت: قد صرح الخطيب بأن ذلك الرجل سعدبن عبادة كما نقله عنه الكرماني وبه يبطل ذلك القول (متفق عليه) ورواه أحمد بنحوه وليس فيه ذكر عكاشة (والرهيط بضم الراء) المهملة أوله وسكون التحتية (تصغير رهط) بفتح فسكون (وهم دون عشرة أنفس) سبق بيان الأقوال فيه والخلاف في ذلك (والأفق: الناحية والجانب) عطف مرادفـ ففي «الصحاح» الجانب الناحية وكذا الجنبة (وعكاشة بضم العين) المهملة (وتشديد الكاف) قال في «القاموس» : بوزن رمانة (وبتخفيفها) قال القرطبي: قال ثعلب: وقد تخف. قلت: ولعله منقول من عكاشة بالتخفيف: اسم لبيت النمل، أو مأخوذ من عكش الشعر يعكش: إذا التوى اهـ. (والتشديد أفصح) . الحديث الثاني: (عن ابن عباس ﵄ أيضاً) منصوب على المصدرية، وقيل: على الحالية: كلمة تقال للاتفاق بين الشيئين معنى ويمكن الاستغناء بأحدهما عن الآخر، وقد ثبت نطقه بها كما في «صحيح البخاري ومسلم» وغيرهما، وقد بسطت الكلام فيها في باب فضل الذكر من «شرح الأذكار» . والمعنى هنا: أروي الحديث الثاني رجوعاً للرواية، أو حال كوني راجعاً للرواية عن ابن عباس (أن رسول الله) بفتح الهمزة في

стр. 247

تأويل مصدر مبتدأ مخبر عنه بالظرف السابق (كان يقول: اللهم) أي: يا أ (لك) لا لغيرك كما يؤذن به تقديم الظرف (أسلمت) قال ابن عبد البرّ: استسلمت لحكمك وأمرك وسلمت ورضيت آمنت وصدقت وأيقنت اهـ (وبك) أي: بذاتك وما يجب لها من أوصاف الكمال (آمنت) أي: صدقت (وعليك توكلت) ركنت إليك في سائر الأمور وخرجت عن تدبيري لنفسي وحولي وقوّتي، اكتفاء بما سبقت به الإرادة وجرت به الأقدار (وإليك أنبت) من الإنابة: الرجوع، وتختص بالرجوع إلى الخير كما في «التمهيد» لابن عبد البرّ: أي: رجعت إلى عبادتك والإقبال على ما يقرّب منك. وقيل: رجعت بالتوبة واللجأ والذلة والمسكنة، وقيل: رجعت إليك في تدابير الأمور وتصاريفها فيكون بمعنى «وعليك توكلت» (وبك) أي: بما أعطيتني من البرهان والحجج القولية، أو بالنصرة ونحوها من الحجج الفعلية (خاصمت) أعداء الدين فقصمت ظهورهم بالبراهين القوية وقطعت دابرهم بالسيوف والرماح السمهرية (اللهم إني أعوذ) أعتصم وألتجيّ (بعزتك) أي: بقوتك وقدرتك وسلطانك وغلبتك (لا إله إلا أنت) جملة معترضة لتأكيد العزة والاعتصام بحبله تعالى: وقوله: (أن تضلني) أصله من أن تضلني متعلق بأعوذ، وحذف الجار من إن وأن: قياس مطرد، وتضلني بضم الفوقية من الإضلال (أنت الحي) على الدوام (القيوم) بفتح القاف وتشديد التحتية القائم بتدبير الخلق وحفظه (الذي لا يموت) بالتحتية نظراً لكونه صلة للذي، وبالفوقية نظراً لضمير الخطاب قبله وهو كالتأكيد لما قبله، لأن من شأن القائم بالتدبير والحفظ ألا يموت، لأن من لا يحفظ حياة نفسه كيف يحفظ حياة غيره (والجن) أي: الشامل للملك (والإنس) وأتباعهم من الحيوانات والحشرات (يموتون) فيه تنبيه على سبب التوكل عليه ورد الأمر إليه دون غيره وهو أن غيره يموت: ويضمحلّ شأنه ويفوت، والتوكل إنما هو على الحيّ الذي لا يموت، فمن اعتزّ بغير الله ذلّ، ومن اهتدى بغير هدايته ضلّ، ومن اعتصم با تعالى وتوكل عليه: (متفق عليه) ورواه النسائي أيضاً (وهذا) المذكور (لفظ مسلم) في روايته (واختصره البخاري) . فقال: عن ابن عباس أن النبي كان يقول: «أعوذ بعزتّك

стр. 248

لا إله إلا أنت، أنت الذي لا تموت والجن والإنس يموتون» . ٧٦٣ - الحديث (الثالث عن ابن عباس ﵄ قال القارىء في «شرح الحصن الحصين» : إنه موقوف خلاف ما أورده الشيخ، يعني ابن الجزري. قلت: وكأنه لما رأى أن الحديث في حكم المرفوع سكت عليه اعتماداً على أنه مرفوع في بعض طرقه اهـ (قال: حسبنا الله ونعم الوكيل) تقدم الكلام في معناها أول الكتاب (قالها إبراهيم ﵇ حين ألقي في النار) في تفسير القرطبي: قال ابن إسحاق بعد ذكر المنجنيق وما هيئوه من الحطب: فضجت السموات والأرض ومن فيهن من الملائكة وجميع الخلق إلا الثقلين ضجة واحدة: ربنا إبراهيم ليس في أرضك أحد يعبدك غيره فأذن لنا في نصرته، فقال تعالى: إذا استعان بشيء منكم أو دعاه فلينصره فقد أذنت له في ذلك، وإن لم يدع غيري فأنا أعلم به وأنا وليه، فلما أرادوا إلقاءه في النار أتاه خازن الماء وهو في الهواء فقال: يا إبراهيم إن أردت أخمدت النار بالماء، فقال: لا حاجة لي فيك، فأتاه ملك الريح فقال: لو شئت طيرت النار، فقال لا، ثم رفع رأسه إلى السماء فقال: «اللهم أنت الواحد في السماء وأنا الواحد في الأرض، ليس أحد يعبدك غير حسبي الله ونعم الوكيل» ثم ذكر باقي القصة (وقالها محمد حين قالوا) أي: قال الناس له ( ﴿إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيماناً وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل﴾ ) قضية هذا أن يكون «الذين» الواقع أول الآية وضمائر الجمع بعده مما أريد به الواحد وهو النبيّ، فيكون نظير قوله تعالى: ﴿أم يحسدون الناس﴾ فإن المراد منه النبي، وكذلك الناس في قوله تعالى: ﴿قال لهم الناس﴾ فإن المراد منه كما تقدم أول الباب نعيمبن مسعود، لكن تقدم أول الباب أن المراد من الذين وما بعده الصحابة وذلك الذي ذكره السيوطي في تكملته لتفسير الجلال المحلي ولا مخالفة، فلعل ابن عباس اقتصر عليه لأنه الأصل المتبوع (رواه

стр. 249

البخاري) والنسائي أيضاً (وفي رواية له) أي: البخاري (عن ابن عباس ﵄ قال: كان آخر قول إبراهيم صلى ا) على نبينا و (عليه) وعلى سائر النبيين (وسلم) هكذا ينبغي أن يقال عند ذكر باقي الأنبياء (حين ألقي في النار: حسبي ا) أي: بالإفراد، وقد جاء ذلك عن ابن إسحاق في السيرة كما تقدم: فحسبي أي: كافيّ الله (ونعم الوكيل) فهو من عطف الجملة الخبرية على مثلها، قال السيوطي في «التوشيح» لأبي نعيم في «المستخرج» إنها أول ما قاله، فلعلها أول شيء قاله وآخر شيء قاله. وقد بسطت الكلام في إعرابها وما فيه في أوائل «شرح الأذكار» وذكرت خلاصته أوائل هذا الشرح. ٧٧٤ - الحديث (الرابع: عن أبي هريرة ﵁ عن النبي قال: يدخل الجنة) ظاهره مع الفائزين كما يدل عليه سياقه في مقام المدح لهم، وإلا فجميع أهل الإيمان يدخلون الجنة بوعد الله الذي لا يخلف (أقوام) جمع واحده قوم. وفي «مفردات الراغب» كما تقدم: القوم جماعة الرجال في الأصل دون النساء ولذا قال تعالى ﴿لا يسخر قوم من قوم * ولا نساء من نساء﴾ (الحجرات: ١١) وفي عامة القرآن أريد به الرجال والنساء اهـ. وظاهر أن ما نحن فيه من قبيل الثاني (أفئدتهم) في «مختصر القاموس» : الفؤاد القلب مذكراً، أو هو ما يتعلق بالمرء من كبد ورئة وقلب وجمعه أفئدة اهـ. وفي كتاب الإيمان من «شرح مسلم» للمصنف: المشهور أن الفؤاد هو القلب، وقيل: الفؤاد داخل القلب: أي: الطبقة القابلة للمعاني من العلوم وغيرها (مثل أفئدة الطير) جمع طائر ويقع على الواحد وجمعه طيور وأطيار (رواه مسلم) ورواه أحمد (قيل: معناه) أقوام (متوكلون) ففي الحديث الآتي «لو اتكلتم على الله حق اتكاله لرزقكم كما يرزق الطير» . وفيه إشارة إلى أنها لما لم تتسبب للأرزاق بتدابيرها يسر الله وصول الرزق إليها مع ضعفها وقلة حيلتها (وقيل: قلوبهم رقيقة) أي: فهي أسرع فهماً وقبولاً للخير وامتثالاً له.

стр. 250

٧٨٥ - الحديث (الخامس: عن جابربن عبد الله ﵁ وتقدمت ترجمته في باب الإخلاص (أنه غزا مع النبي) تقدم في باب التوبة عدة غزواته وسراياه وما حارب فيه بنفسه وهذه رواية عنه بالمعنى، وإلا فإنما قال غزوت بتاء المتكلم (قبل نجد) هو لغة: ما ارتفع من الأرض، وهي هنا اسم خاص لما دون الحجاز، والمراد بها ذات الرقاع وكانت في السنة السادسة (فلما قفل) بفتح أوليه، القاف والفاء: أي: رجع من سفره (رسول الله، قفل) أي: جابر (معه) أي: مع النبي، وفي نسخة «معهم» أي: مع النبي وصحبه المجاهدين معه التابعين له (فأدركتهم القائلة) أي: الظهيرة، في «الصحاح» وقد تكون بمعنى القيلولة أيضاً: وهي النوم في الظهيرة (في واد كثير العضاه) بكسر العين المهملة وبالضاد المعجمة (فنزل رسول الله) أي: صار في المنزل وترك السير للحر (وتفرّق الناس عنه يستظلون بالشجر) يستترون بها كما في «الصحاح» علة لتفرقهم عنه في ذلك المكان حتى انفرد ووصل إليه ذلك العدوّ الذي لولا عصمة الله لنبيه لتفك به (ونزل رسول الله ﷺ تحت سمرة فعلق) بالتشديد (بها سيفه ونمنا نومة) علة لما تقدم أيضاً والنوم من تعب السفر مع حرّ الشمس ولذا استحبت القيلولة (فإذا رسول الله ﷺ يدعونا، وإذا عنده أعرابي) منسوب للأعراب وهم سكان البوادي، والعرب يعمهم ويعم سكان القرى كما تقدم، وهذا الأعرابي من بني محارب الذين خرج لحربهم في غزوة ذات الرقاع. قال العلماء: اسمه غورث بغين معجمة وثاء مثلثة والغين مضمومة ومفتوحة. وحكى القاضي عياض الوجهين ثم قال: الصواب الفتح، قال: وضبطه بعض رواة البخاري بالعين المهملة والصواب المعجمة. والخطابي قال: هو غورث أو غويرث على التصغير والشك وهو غورثبن الحارث. قال القاضي: وجاء في حديث آخر مثل هذا الخبر وسمي فيه الرجل دعثور، كذا في «شرح مسلم» للمصنف. قال ابن سيد الناس في عنوان الأثر: وذلك في غزوة ذي قرد اهـ. لكن في البخاري كما يأتي أنها في ذات الرقاع، وكذا قال ابن النحوي في «شرح البخاري» وفي «شرح الشفاء» لابن أقبرس أن قصة غورث معه في ذات الرقاع في السنة الرابعة، وقد أسلم بعد هذا وصحب النبيّ

стр. 251

اهـ. فلعلها تعددت، فيجمع بين الأقوال بتعدد الغزوة وتعدد الأعرابي. وقضية كلام البخاري في «المغازي» من صحيحه أن ذات الرقاع يقال لها ذو قرد، والله أعلم (فقال: إن هذا اخترط عليّ سيفي وأنا نائم) وفي سيرة ابن سيد الناس عن جابر «أن النبيّ كان جالساً وأن السيف كان في حجره فقال: يا محمد انظر إلى سيفك هذا؟ قال نعم، فأخذه واستله ثم جعل يهزّه ويهمّ بقتل النبيّ فيكبتهالله، ثم قال: يا محمد أما تخافني؟ قال: ما أخاف منك، قال: وفي يدي السيف، قال لا، يمنعني الله منك» الحديث، وظاهر أن ما في «الصحيح» مقدم على ما في غيره (فاستيقظت) أي: عقب اختراطه قبل تمكنه من الفتك به، ويحتمل أن يكون بعد تمكنه من الفتك به وعصم الله تعالى نبيه وكبت عدوّه (وهو في يده صلتا) حال (وقال) أي: الأعرابي مخاطباً للنبي (من يمنعك مني) استفهام يتضمن النفي كأنه قال: لا مانع لك مني، ظن لقصور نظره أن السيف هو القاتل، ولم يدر أن اهو الفاعل وأنه يحول بين المرء وقلبه (فقلت: ا) أي: يمنعني منك فيكون مبتدأ محذوف الخبر بقرينة وجوده في السؤال، ويحتمل أن يكون التقدير: يمنعني الله فيكون فاعلاً حذف عامله لما ذكر فيما قبله (ثلاثاً) الظاهر أنه قيد في الجواب فقط، وكأنه أعاد هذا اللفظ ثلاثاً تلذذاً به، ولغلبة توحيده وكمال شهوده لم ينزعج قلبه الشريف، بل كان على حاله المنيف في أن قرّة عينه في مشاهدته لمولاه ومناجاته، ويحتمل أنه كرّر قوله: «من يمنعك» فكرر قوله: «ا» في جوابه. وقد وقع في نسخة من البخاري «من يمنعك مني من يمنعك مني» فكرّرها مرتين (و) من كرم أخلاقه (لم يعاقبه) ففيه العفو والحلم ومقابلة السيئة بالحسنة (وجلس) أي: النبيّ من اضطجاعه الذي كان عليه حال نومه، فيكون حالاً من مفعول يدعونا، وعليه اقتصر الشيخ زكريا، أو جلس الأعرابي من قيامه الذي كان عليه حال اختراط السيف لأمته (متفق عليه) في السيرة لابن سيد الناس عن جابر أن في ذلك نزل قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم إذ همّ قوم أن يبسطوا إليكم أيديهم﴾ (المائدة: ٢) الآية (في رواية) للبخاري (قال جابر: كنا مع رسول الله ﷺ بذات الرقاع) أي: بغزوة ذات الرقاع، وسميت بذلك لأنهم رفعوا فيها راياتهم، ويقال ذات

стр. 252

الرقاع شجرة بذلك الموضع، وقيل: لأن أقدامهم نقبت فكانوا يلفون عليها الخرق، وقيل: بل الجبل الذي نزلوا عليه كانت أرضه ذات ألوان تشبه الرقاع، وسيأتي هذه مع زيادة في سبب التسمية وبيان تاريخ الغزوة في باب القناعة إن شاء الله تعالى (فإذا أتينا) معطوف على كنا (على شجرة ظليلة) أي: ذات ظل كثيف لتراكم أغصانها وكثرة أوراقها (تركناها لرسول الله) لأنه السيد المقدم (فجاء رجل من المشركين وسيف رسول الله ﷺ معلق بالشجرة) جملة حالية (فاخترطه) أي: سله بسرعة (فقال: تخافني) أي: أتخافني (فقال) (لا) أي: لا أخافك لعلمه بأن الفاعل المختار هو الواحد القهار، فقام الحرف مقام جملة الجواب بقرينة وجود ما يدل عليه في السؤال (قال) الأعرابي (فمن يمنعك مني؟) أي: بالحيلولة بيني وبين ما أريد من الفتك (قال: ا) أي: الله يمنعني منك ويحول بينك وبين ما تريد (وفي رواية أبي بكر الإسماعيلي في «صحيحه» ) وكذا أخرجه أبو عوانة من حديث جابر المستخرج على صحيح البخاري (فقال) أي: الأعرابي (من يمنعك مني؟ قالالله، فسقط السيف من يده، فأخذ رسول الله ﷺ السيف فقال) للأعرابي (من يمنعك؟) أي: من البشر أي لا مانع لك الآن (مني، فقال: كن خير آخذ) أي: بأن تعفو وتصفح وتقابل السيئة بالحسنة (فقال: تشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله) فـ (قال لا، ولكن) استدراك مما قد يوهمه عدم إسلامه من شهوده مع محاربيه فنفى ذلك بقوله ولكن (أعاهدك أني لا أقاتلك ولا أكون مع قوم يقاتلونك) فرأى المصلحة في العفو عنه رجاء إسلام قومه وإقبالهم على حضرته الشريفة لما يسمعون بمحاسن هذه الأخلاق وكمال هذا الكرم فيسمعون منه ما يكون سبب إسلامهم وسعادتهم الأبدية (فخلى سبيله) أي: منّ عليه وأطلقه من غير فداء. وفي قصة دعثور الذي استظهر ابن سيد الناس وابن النحوي أنها وهذه قصة

стр. 253

واحدة «أن جبريل دفع في صدره فوقع السيف من يده، ثم أسلم ثم جاء قومه يدعوهم إلى الإسلام» . ولعله قال: هذا المذكور هنا من امتناعه من الإسلام أولاً، ثم شرح الله صدره في المجلس بحلول نظر المصطفى وملاحظته له فأسلم. وسكت عن ذلك رواة الصحيح، إما نسياناً أو لسبب آخر وذكره غيرهم، ويقربه قوله (فأتى أصحابه) أي: قومه الذين كان تعاقد معهم على الفتك برسول الله ﷺ (فقال: جئتكم من عند خير الناس) خلقاً وخلقاً، ويكفيك في شرف خلقه وكماله قوله تعالى: ﴿وإنك لعلي خلق عظيم﴾ (القلم: ٤) وسئلت السيدة عائشة عن خلقه فقالت: كان خلقه القرآن (قوله قفل) بالقاف والفاء (أي رجع) من السفر. (العضاة) بكسر العين المهملة والضاد المعجمة الواحدة عضه فالهاء أصلية وقيل عضهة وقيل عضاهة فحذفت الهاء الأصلية كما حذفت من الشفة ثم ردت في العضاه كما ردت في الشفاه؛ وقد يقال عضة مثل عزة ثم يجمع على عضوات، ويقرأ العضاه بالهاء وقفاً ووصلاً، لأن جمعه جمع تكسير وليس بجمع سلامة، فهو مثل شفاه وشياه، كذا في «التوضيح» على الجامع الصحيح لابن النحوي (الشجر الذي له شوك، والسمرة بفتح السين) المهملة (وضم الميم) وبعدها راء جمعه سمر (الشجرة من الطلع) بفتح المهملة أوله وسكون اللام بعد مهملة: وهو العوسج (وهي) أي: الطلح والتأنيث بالنظر إلى الخير: أي: قوله (العظام) أي: الكبار (من شجر العضاه، واخترط السيف: أي سله) قال ابن النحوي بسرعة (وهو في يده صلتاً: أي مسلولاً وهو بفتح الصاد) المهملة (وضمها) وسكون اللام فيهما. قال في «جامع الأصول كالنهاية والصحاح» : الصلت المشهور، يقال أصلت السيف: إذا شهرته اهـ: أي إن فعله من الثلاثي المزيد. وفي كتاب الأفعال لابن القوطية صلت الشيء برز، وأصلت الشيء أبرزته.

стр. 254

٧٩٦ - الحديث (السادس عن عمر ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: لو) تحقق (أنكم تتوكلون) بفتح الهمزة: أي لو تحقق توكلكم (على الله حق توكله) بأن تعتمدوا عليه في سائر الأحوال وتروا أن الخير بيده ومن عنده (لرزقكم كما يرزق الطير) أل فيه للجنس (تغدو خماصاً) بكسر الخاء المعجمة وبعد الألف صاد مهملة جمع خميص: وهو الضامر البطن وخماصاً حال: أي: خالية الأجواف من القوت (وتروح بطانا) بكسر الموحدة جمع بطين: وهو العظيم البطن وهو حال أيضاً (رواه الترمذي) وأحمد وابن ماجه والحاكم في «المستدرك» (وقال) الترمذي (حديث حسن) قال المصنف (معناه) أي: معنى الحديث المذكور (تذهب أول النهار خماصاً: أي: ضامرة البطن من الجوع) فمعنى الغدوّ: الذهاب أول النهار، والرواح ضده ولذا قال في معنى قوله: «وتروح بطانا» (وترجع آخر النهار بطاناً: أي ممتلئة البطون) قال السيوطي في قوت المغتدى: قال البيهقي في «شعب الإيمان» : ليس في هذا الحديث دلالة على القعود عن الكسب، بل فيه ما يدل على طلب الرزق، لأن الطير إذا غدت فإنها تغدو لطلب الرزق، وإنما أراد والله أعلم: لو توكلوا على الله تعالى في ذهابهم ومجيئهم وتصرفهم ورأوا أن الخير بيده ومن عنده لم ينصرفوا إلا سالمين غانمين كالطير تغدو خماصاً وتعود بطاناً، لكنهم يعتمدون على قوتهم وجلدهم ويغشون ويكذبون ولا ينصحون، وهذا خلاف التوكل اهـ. ٨٠٧ - الحديث (السابع عن أبي عمارة) بضم العين المهملة وتخفيف الراء ويقال أبو عمرو ويقال أبو الطفيل (البراء) بفتح الموحدة وتخفيف المهملة والمد هذا هو الصحيح المشهور عند طوائف من أهل الحديث والتاريخ والأسماء واللغة وغيرهم، قال المصنف في «التهذيب» ، وحكي فيه القصر أيضاً (ابن عازب) بالمهملة أوله وبعد الألف زاي فموحدة ابن

стр. 255

الحارثبن عديبن مخدعةبن حارثةبن الحارثبن الخزرجبن عمروبن مالكبن الأوس الأنصاري الأوسي الحارثي المدني، أبو عازب صحابي ذكره ابن سعد في «الطبقات» ، فلهذا قال المصنف ﵄ استصغر البراء يوم بدر، وأول مشاهدة أحد، وشهد بيعة الرضوان. وفي البخاري عن البراء «جاء رسول الله ﷺ إلى المدينة مهاجراً حتى قرأت ﴿سبح اسم ربك الأعلى﴾ (الأعلى: ١) في سور مثلها من المفصل» . روي له عن رسول الله ﷺ ثلاثمائة حديث وخمسة أحاديث، اتفقا على اثنين وعشرين حديثاً منها، وانفرد البخاري بخمسة عشر: ومسلم بستة. نزل الكوفة وبها توفي في زمن مصعببن الزبير ﵄ (قال: قال رسول الله: يا فلان) تقدم الكلام فيه أواخر باب الصبر هو أسيدبن حضير كما نقله المصنف في «مبهماته» عن الخطيب (إذا أويت) بالقصر على الأرجح لأنه قاصر: أي: انضممت (إلى فراشك) وقد بسطت الكلام فيه في باب ما يقول إذا استيقظ من منامه من «شرح الأذكار» (فقل: اللهم إني أسلمت نفسي) بسكون الياء وتفتح: أي: ذاتي (إليك) أي: أسلمت وجعلت نفسي منقادة لك طائعة لحكمك راضية بقضائك قانعة بقدرك (ووجهت وجهي إليك) أي: أقبلت بذاتي إليك مستسلماً راضياً قانعاً وهو مع ما قبله كالإطناب (وفوضت أمري إليك) أي: توكلت في جميع شئوني الدنيوية والأخروية عليك وجعلتها راجعة إليك (وألجأت) أي: أسندت (ظهري إليك) أي: إلى حفظك، لما علمت أنه لا سند يتقوى به سواك. قال الطيبي: في الجملة إشارة إلى أنه بعد تفويض أمره الذي هو مفتقر إليه وبه معاشه وعليه مدار أمره ملتجىء إليه مما يضرّه ويؤذيه من الأسباب الداخلة والخارجة (رغبة) أي: طمعاً في ثوابك (ورهبة) أي: خوفاً من عقابك (إليك) متعلق برغبة كقوله: علفتها تبناً وماء بارداً. كما قاله الكرماني. وقيل: بل تنازع فيه ما قبله بمعنى: إني في حالة الرغبة والرهبة لا أرجع إلا إليك، وقوله: (لا ملجأ) بهمزة مفتوحة: أي: مستند ولا من يلتجىء إليه، وقيل: لا مخلص ولا مفرّ (ولا منجا) غير مهموز. وقال الحافظ ابن حجر: الأصل في ملجأ الهمز وفي منجا عدمه، لكن لما جمعا جاز أن يهمزا وأن يترك الهمز منهما للازدواج وأن يبقى كل على حاله ويجوز التنوين مع القصر فتصير خمسة أوجه. قلت:

стр. 256

وكذا يجوز التنوين مع الهمز: أي: إن لم تعمل «لا» فإن أعملتها فلا تنوين مهموزاً كان أو لا (منك) قال الكرماني: تنازعه ما قبله إن كانا مصدرين وإن كانا اسمي مكان فلا، إذ اسم المكان لا يعمل (إلا إليك) أي: لا ملجأ منك إلى أحد إلا إليك، ولا منجا إلا إليك، فهو كقوله تعالى: ﴿كلالاً وزر إلى ربك يومئذٍ المستقر﴾ (القيامة: ١١، ١٢) فالجملة استئناف لما قبله بطريق الاستثناف البياني. ونصب رغبة ورهبة على العلة لما تقدم أي إن إسلام نفسي الخ معلل بالرغبة والرهبة. قال الطيبي: إنه بطريق اللفّ والنشر المرتب: أي فوضعت أمري طمعاً في ثوابك وألجأت ظهري من المكاره: إليك خوفاً من عقابك، وهو معنى صحيح بديع، ولا يظهر قول ابن حجر في «شرح المشكاة» إنه خلاف الصواب كما بينته مع الفرق بين الرهبة والخوف والخشية والوجل في «شرح الأذكار» . وقيل: منصوبان على الحال: أي: راغباً وراهباً، وقيل: على الظرفية: أي: في زمن تساوي الطمع والخوف الذي هو شأن أرباب الكمال، ففي الحديث «لو وزن خوف المؤمن ورجاؤه لاعتدلا» (آمنت بكتابك الذي أنزلت) قيل: الإضافة في كتابك للعهد: أي القرآن بقرينة المقام، والإيمان به إيمان بسائر الكتب، ويؤيده قوله: (ونبيك) من غير مراعاة الجار ووقع في «المصابيح» بإعادته (الذي أرسلت) أي: أرسلته لكافة الناس بشيراً ونذيراً، ويجوز أني راد من الكتاب والنبي الجنس (فإنك إن متّ) بكسر الميم وضمها كما قرىء بهما في السبع إلا أن تثبت رواية بأحدهما فيوقف عندها، ثم هو على كسرها على لغة من قال مات يمات كخاف يخاف، وعلى ضمها على لغة من قال مات يموت كقال يقول فهو بهما مبني للفاعل، ويجوز كونه على أحدهما مبنياً للفاعل وعلى الآخر مبنياً للمفعول (من ليلتك) مع اعتقاد مضمون هذا الكلام الذي أتيت به (مت على الفطرة) أي: على الإيمان الذي فطر الله عليه عباده قال تعالى: ﴿فطرة الله التي فطر الناس عليها﴾ (الروم: ٣٠) وهذا كما قال في الحديث الآخر «من كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة» وهما إن تساويا في فطرة الإسلام فبين الفطرتين ما بين الحالتين ففطرة الطائفة المذكورة في هذا الخبر فطرة المقربين وفطرة الثانية فطرة أصحاب اليقين ذكره القرطبي (وإن أصبحت) حيا (أصبت خيراً) أي: أجراً عظيماً وثواباً جزيلاً (متفق

стр. 257

عليه) ورواه أصحاب السنن الأربعة (وفي رواية في «الصحيحين» عن البراء قال: قال لي) ولا ينافي ما تقدم للجمع بوقوع الخطاب بذلك له تارة ولأسيد أخرى (رسول الله: إذا أتيت مضجعك) بفتح أوله وثالثه: أي: مكان اضطجاعك (فتوضأ وضوءك) أي: مثله (للصلاة) في غسل الأعضاء بنية (ثم اضطجع على شقك) بكسر الشين المعجمة وتشديد القاف: أي: جانبك (الأيمن) وذلك لشرف الأيمن، ولأنه يصير القلب حينئذٍ متعلقاً فلا يغتبط بالنوم فيكون سبباً لقلة النوم والقيام بالليل (وقل: فذكر نحوه) أي: بمعناه، ويقال مثله فيما لو كان بمبناه. هذه عادة المحدّثين إذا أوردوا الحديث بإسناد ثم بإسناد آخر (ثم قال) (واجعلهن آخر ما تقول) أي: من الدعوات. ٨١٨ - الحديث (الثامن: عن أبي بكر الصديق) بكسر المهملة وتشديد الثانية، وهو أول من لقب بذلك في الإسلام وغلبت الكنية عليه وعلى أبيه. لقب بذلك لمبادرته لتصديق النبي، وقيل: لقب به صبيحة الإسراء لمبادرته لتصديق النبي فيه. ويلقب بعتيق أيضاً من العتاقة: وهي الحسن لعتاقة وجهه أو لعتاقة نسبه، وقيل: من العتق لأن أمه كان لا يعيش لها ولد، فلما ولدته استقبلت به الكعبة فقالت: اللهمّ هذا عتيقك، أو لأن الله تعالى عتقه من النار كما جاء ذلك في حديث مرفوع لعائشة عند الترمذي (عبد الله بن عثمان) أبي قحافة (بن عامربن عمرو) بفتح المهملة، ويكتب بالواو حالتي الرفع والخفض لتلا يشتبه بعمر كزفر (ابن كعب) بفتح الكاف وسكون المهملة آخره موحدة (ابن سعد) بفتح المهملة الأولى وسكون المهملة الثانية (ابن تيم) بفتح الفوقية وسكون التحتية (ابن مرة) بضم الميم وتشديد الراء المهملة: محل اجتماعه مع النبي في نسبه الكريم (ابن

стр. 258

كعببن لؤي) بضم اللام وفتح الهمزة مصغر اللأي (ابن غالب القرشي التيمي) بدأ بالأول لأنه الأصل وعقبه بما بعده لأنه شعبة منه، وتقدم في أول باب الإخلاص أن القاعدة في مثله ذكر الأعم ثم الأخص لتحصل بالثاني فائدة لم تحصل من الأول، ولو عكس لم تحصل ﵁ الأولى عنهما لقوله: (هو وأبوه وأمه) أم الخير سلمى بنت صخر التيمية بنت عم أبيه (صحابة) ولم يتفق لأحد من الصحابة ما اتفق له من إسلام أبويه وبنيه وبعض بنيهم وصحبة الجميع ﵃ أسلم لما دعاه إلى الإسلام ولم يتلعثم ولم يتردد. وهو أول من أسلم من الرجال الأحرار البالغين بلا خلاف، وتأخر إسلام أبيه إلى يوم الفتح ويكفيك في فضله قوله: «إن من أمنّ الناس عليّ في صحبته وماله أبا بكر، ولو كنت متخذاً خليلاً غير ربي لاتخذت أبا بكر، ولكن أخوة الإسلام ومودته» رواه البخاري وفضائله كثيرة ومناقبه شهيرة وقد أفردت بالتأليف، وقال في فضله حسانبن ثابت: إذا تذكرت شجواً من أخي ثقة فاذكر أخاك أبا بكر بما فعلا خير البرية أتقاها وأفضلها بعد النبي وأولاها بما حملا والثاني التالي المحمود مشهده وأول الناس منهم صدقّ الرسلا روي له عن رسول الله ﷺ مائة حديث واثنان وأربعون حديثاً، اتفقا على ستة أحاديث منها، وانفرد البخاري بأحد عشر ومسلم بواحد. وتوفي رضي الله تعالى عنه بين المغرب والعشاء من ليلة الثلاثاء لثمان بقين من شهر جمادي الأولى سنة ثلاث عشرة عن ثلاث وستين سنة، وحمل على السرير الذي كان ينام عليه النبي، وصلى عليه عمربن الخطاب تجاه المنبر النبوي وكبر عليه أربعاً، ودفن بجانب قبر النبيّ (قال: نظرت إلى أقدام المشركين) الذين خرجوا يقصون أثر النبيّ لما هاجر ويلتمسون محله الذي هو فيه (ونحن في الغار) هو ثقب في الجبل عظيم كالكهف، وهو الغار المذكور في قوله تعالى ﴿إذ هما في الغار﴾ (التوبة: ٤٠) قال قتادة: هو غار في جبل بمكة يقال له ثور. واختلف في التفاضل بينه وبين غار حراء، فقال الفيروزآبادي في كتاب الصلاة والبشر: إن غار ثور أفضل،

стр. 259

لأن الله تعالى ذكره في القرآن وحمى فيه سيد ولد عدنان. وقال بعض المتأخرين: غار حراء أفضل لأنه اختاره للتعبد وفيه بدء الوحي (وهم) يعني المشركين (على رءوسنا) في طلبنا فأعماهم الله * وكيف تبصر الشمس مقلة عمياء * (فقلت: يا رسول الله لو) وقع (أن أحدهم نظر) موضع (تحت قدمه لأبصرنا) أي: من خلال أغصان الشجر وبيت العنكبوت التي كانت على باب الغار الذي دخلا منه وهو الباب الضيق، أما الباب المتسع فإنما شقّ له لما قال له الصديق: لو ولجوا علينا الغار ما كنا نصنع؟ فقال: كنا نخرج من هاهنا، وأشار بيده المباركة إلى الجانب الآخر ولم يكن فيه شقّ، فانفتح فيه للحين باب بقدرة الله تعالى. ذكره الحافظ تقي الدينبن فهد في كتاب «أقطاف النور مما ورد في ثور» (فقال) (ما ظنك) أي: ما تظن (يا أبا بكر باثنين الله ثالثهما) بالنصر والمعونة والكلاءة والحفظ أيصيبهما ضيم؟ وهذا استفهام تقريري، وفيه تسكين لما حصل للصديق حينئذٍ من الاضطراب (متفق عليه) ورواه الترمذي. وفي الحديث تنبيه على أن من توكل على مولاه كفاه وحماه من سائر عداه. فائدة: في كتاب «اقتطاف النور» بسنده إلى الواحدي أنه أخرج عن غالببن عبد الله القرفستاني عن أبيه عن جده قال: «شهدت رسول الله ﷺ قال لحسانبن ثابت: قلت في أبي بكر شيئاً؟ قل حتى أسمع، قال فقلت: وثاني اثنين في الغار المنيف وقد طاف العدا به إذ أصعد الجبلا وكل حب رسول الله قد علموا من الخلائق لم يعدل به رجلاً قال: فتبسم رسول الله» اهـ. ٨٢٩ - الحديث (التاسع: عن أم سلمة) بفتح المهملة واللام كنية لها بابنها

стр. 260

سلمةبن أبي سلمة (واسمها هند) على الصحيح المشهور، بل قال الحافظ العسقلاني في أطراف مسند الإمام أحمد بلا خلاف: أي: معتبر، فلا يشكل بما قيل إن اسمها «رملة» لأنه ضعيف بالمرة، فقد قال ابن الأثير في «أسد الغابة» : إنه ليس بشيء (بنت أبي أمية) بضم الهمزة وفتح الميم وتشديد التحتية (حذيفة) وقيل: سهل، وقيل: زهير، وقيل: هشامبن المغيرةبن عمروبن مخزوم القرشية (المخزومية) أم المؤمنين ﵂ تزوّجها بعد وفاة زوجها أبي سلمة سنة أربع، وخيرها بين أن يسبع لها ويسبع لنسائه وأن يثلث لها ويدور عليهن فاختارت التثليث، وهي أول من هاجرت إلى الحبشة وزوجها جميعاً فولدت ثمة زينب وسلمة وعمر ودرة. ويقال إنها أول ظعينة دخلت المدينة مهاجرة، وكانت من أجمل النساء، روي لها عن رسول الله ﷺ ثلاثمائة حديث وثمانية وسبعون حديثاً؛ اتفقا على ثلاثة عشر منها، وانفرد البخاري بثلاثة، ومسلم بثلاثة عشر، وماتت سنة اثنتين وستين، وقيل: سنة ستين، وقيل: إحدى وستين، وصححه ابن عساكر وقيل: أربع وستين، وقيل: تسع وخمسين، ودفنت بالبقيع وعمرت فعاشت تسعين سنة، وهي آخر أمهات المؤمنين وفاة ﵂ (أن النبيّ كان إذا خرج) أي: أراد الخروج، وقيل: بل هو على حقيقته: أي: عقب الخروج (من بيته قال) هو جواب إذا. ولفظ أبي داود «ما خرج رسول الله ﷺ من بيتي إلا رفع طرفه إلى السماء فقال: اللهم إني أعوذ بك الخ» وليس عنده قوله: (بسم ا) أي: أتحصن. قال السمين الحلبي: إنما تحذف ألها حيث يضاف الاسم للجلالة، وإذا أضيف لغيرها لم تحذف، هذا هو المشهور وعليه اقتصر المؤلف في «شرح مسلم» ونقله عن الكتاب من أهل العربية. قال الشيخ جلال الدين السيوطي: وحكي عن الكسائي والأخفش جواز حذفها إذا أضيفت إلى غير الجلالة. وقال الفراء: هذا باطل، ولا يجوز أن تحذف إلا مع اسم الله تعالى اهـ (توكلت على ا) وعلى في هذا المقام للتفويض مجازاً عن الاستعلاء، وقيل: المراد من توكلت على الله طلب الاستعلاء با تعالى على كل مرام لتصحبه إعانته ولطفه وتحفظه من غير قصور (اللهم) يا أ (إني أعوذ) أعتصم وألتجىء (بك) بقدرتك وعزتك من (أن أضل) يفتح أوله وكسر الضاد المعجمة: أي: أغيب عن معالي الأمور بارتكاب نقائصها فأبوء بالقصور عن أداء مقام العبودية، من ضلّ الماء في اللبن: غاب (أو أضلّ) بضم ففتح مبني للمجهول: أي: يضلني غيري (أو أزلّ) بفتح فكسر للزاي: أي: أنزل عن الطريق المستقيمة إلى هوة ضدها غلبة الهوى أو الإعراض عن

стр. 261

أسباب التقوى والإنهماك في تحصيل الدنيا، من زلت قدمه: وقع من علو إلى هبوط. والمزلة المكان المزلق الذي لا تثبت عليه الرجل وبه يظهر أن في استعمال أزل هنا نوع تشبيه (أو أزلّ) بضم ففتح: أي يستولي عليّ من يزلني عن المقام العلي إلى السفساف الدني، أو بضم فكسر: أي: من أن أوقع غيري في مهواة الزلل: أي: المعاصي والخلل (أو أظلم) بفتح فسكون فكسر: أي: أظلم غيري: من الظلم وضع الشيء في غير محله أو التصرّف في حق الغير (أو أظلم) بضم فسكون ففتح أي: أظلم من أحد من العباد (أو أجهل) أي: أجهل الحق الواجب عليّ (أو يجهل عليّ) أي: بأن أحمل على شيء ليس من خلقي، وفي الحديث «من استجهل مؤمناً فعليه إثمه» أي: حمله على شيء ليس من خلق المؤمنين فأغضبه فإثمه على ذلك المحرج له لذلك (حديث صحيح) . قال الحافظ ابن حجر العسقلاني وصححه الحاكم من طريق ابن مهدي وقال: إنه على شرط الشيخين. ونوزع بأن في سنده انقطاعاً، فإن الشعبي لم يسمع من أم سلمة. قال الحافظ: ولعل من صححه سهل الأمر لكون الحديث في «الفضائل» (رواه أبو داود والترمذي وغيرهما) فرواه أحمد والنسائي وابن ماجه والحاكم في «المستدرك» (بأسانيد صحيحة، وقال الترمذي: حديث حسن صحيح، وهذا) أي: المذكور من قوله: «اللهم إني أعوذ بك أن أضلّ إلخ» وإلا ففيه زيادة إلا. «رفع طرفه إلى السماء» ونقص قوله: «بسم الله توكلت على ا» (لفظ) رواية (أبي داود) وقد أوضح ذلك في كتاب «الأذكار» له، وعبارته بعد أن أورده بمثل اللفظ المذكور هنا: هكذا في رواية أبي داود أن أضل وكذا الباقي بلفظ التوحيد. وفي رواية الترمذي «أعوذ بك من أن نزلّ» وكذا الباقي بلفظ الجمع. وفي رواية أبي داود «ما خرج رسول الله ﷺ من بيتي إلا رفع طرفه إلى السماء فقال: اللهمّ إني أعوذ بك الخ» وفي رواية غيره «كان إذا خرج من بيته قال» : كما ذكرناه والله أعلم اهـ. فيه يعلم أن لفظ أبي داود المشار إليه إنما هو إفراد الكلمات فقط وإلا فقوله «من بيته» وزيادة قوله: «بسم الله توكلت على ا» ليست فيه،

стр. 262

وقد بسطت الكلام في هذا المحل وبينت اختلاف ألفاظه عند كل من رواية أصحاب السنن الأربعة في «باب ما يقول حال خروجه من بيته» من «شرح الأذكار» . ٨٣١٠ - (العاشر: عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله: من قال يعني إذا خرج من بيته) لفظ أبي داود: «إذا خرج الرجل من بيته فقال» (بسم ا) أي: أتحصن (توكلت على ا) أي: فوضت أمري إليه وعولت في سائر الأحوال عليه. (لا حول) وفي نسخة بإثبات الواو قبلها، ويجوز في حول الفتح على إعمال لا والرفع على إهمالها (ولا قوّة) بالنصب عطفاً على محل حول إن أعملت الأولى. وبالفتح على إعمال الثانية. وبالرفع على أهمالهما كما سبق بيانه آخر الخطبة (إلا با) ومعناها: لا حول عن المعاصي إلا بعصمةالله، ولا قوة على طاعة الله إلا با. قال ﵊: «كذا أخبرني جبريل عن الله تعالى» وفي «فتح المشكاة» للقارىء: أحسن ما ورد في معناه عن ابن مسعود قال: «كنت عند رسول الله ﷺ فقلتها، فقال: تدري ما تفسيرها؟ قلت: الله ورسوله أعلم، قال: لا حول عن معصيةالله، ولا قوّة على طاعة الله إلا بعون ا» أخرجه البزار، ولعل تخصيصه بالطاعة والمعصية لأنهما أمران مهمان في الدين اهـ (يقال له) الجملة خبر الموصول الأسمي، والقائل يحتمل أن يكون الله أو ملك (هديث وكفيت ووقيت) وهي بالبناء للمجهول في محل نائب الفاعل لأنه أريد منها اللفظ: أي: باستعانتك باسمه تعالى وتحصنك به هديت للصراط المستقيم وكفيت كل مهم دنيوي وأخروي، ووقيت: أي: حفظت من شرّ كل عدوّ وبواسطة صدقك في تفويض جميع الأمر لبارئه، وسلبك الحول والقوّة عن كل أحد، وإثباتهما له تعالى (وتنحى) بفتح أوليه وتشديد المهملة (عنه) أي: مال عن جهته وطريقه (الشيطان) فلا سبيل له إليه لكونه هدي ووقي من سائر الأعادي، وكفي الهموم الخفايا والبوادي (رواه أبو داود والترمذي والنسائي وغيرهم) فرواه ابن حبان في «صحيحه» ولفظ الحديث للترمذي. وقاعدة المحدثين في مثله تقديم ذكر من خرّجه باللفظ وتأخير من خرجه بنحو ما ذكروه، ولعل تقديم أبي داود لكونه مقدماً في الرتبة. (وقال الترمذي: حديث حسن) وفي نسخة صاحب «السلاح» : حسن غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه اهـ. ونسخ الترمذي مختلفة في مثل هذا كثيراً، فلذا اعتبر في اعتماد الأصل منه تعداد الوصول المقابل هو بها.

стр. 263

ويحتمل أن المصنف أسقط لفظة غريب لذلك أو لعدم تعلق غرضه بذكرها لأنها لا تقدح في العمل (زاد أبو داود فيقول يعني) تفسير من بعض الرواة لمرجع هو المستتر في «يقول» العائد للشيطان المذكور في قوله: وتنحى عنه الشيطان (الشيطان) بالنصب مفعول يعني وأل فيه عهدية (لشيطان آخر) يريد إغواء قائل هذا الذكر ولم يسمع ما قاله وما قيل له أو سمعه وأراد التمرّد (كيف) يتيسر (لك) أن تظفر (برجل قد هدي) وجملة قد هدي وكذا ما عطف عليه من قوله: (وكفي ووقي) في محل الصفة لرجل وجملة «كيف لك الخ» مقول القول. وحاصل المراد أنه يقول الشيطان لشيطان آخر: كيف يتيسر لك الظفر بإغواء رجل موصوف بأنه أعطي هذه الهبات. وفي «الترغيب» للمنذري والسلاح: فيقول شيطان بحذف اللام منه، فيكون فاعلاً وحذف المقول له ليعم. وعلم الشيطان حصول هذا المعنى لقائل هذا الذكر من الأمر العام، وهو أن من ذكره تعالى بهذه الكلمات المرغب فيها منه أعطي ذلك، أو بسماعه من الملك إن كان هو القائل لذلك كما تقدم في احتمال. فائدة: في «الجامع الصغير» للسيوطي إيراد الحديث السابق عن أم سلمة من حديث بريدة باللفظ المذكور هنا، وزاد بعد قوله: «توكلت على الله لا حول ولا قوّة إلا با» وزاد في آخره «أو أبغي أو يبغى عليّ» وقال: رواه الطبراني من حديث بريدة، وبه يعلم أن حديث أنس هذا قطعة من الحديث قبله اقتصر كل من رواته على ما ذكره وترك الباقي إما نسياناً أو لسبب آخر، والله أعلم. ٨٤١١ - (الحادي عشر: عن أنس ﵁ قال: كان أخوان) لم أقف على من سماهما (على عهد) أي: زمن حياة (رسول الله، فكان أحدهما يأتي مجلس النبي) ويلازمه ليتلقى من معارفه ويأخذ من أقواله وأفعاله (والآخر يحترف) افتعال من الحرفة: وهي الصناعة وجهة الكسب (فشكا المحترف أخاه) في ترك الاحتراف (إلى النبي فقال) مسلياً له

стр. 264

وفي انفراده بالاحتراف ترك أخيه الأسباب (فلعلك ترزق به) أي: فلعل قيامك بأمره سبب لتيسير رزقك، لأن الله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه. وفي الحديث أيضاً «وهل ترزقون» أو قال: «تنصرون إلا بضعفائكم» وفيه تنبيه على أن من انقطع إلى الله واكتفى بتدبيره عن تدبير نفسه وسكن تحت جري مقاديره كفاه مهماته. وفي الحديث «تكفل الله لطالب العلم بالرزق» أي: بتيسير وصوله إليه لما خرج عن حاجة نفسه وأقبل على باب مولاه واكتفى به عن أفعال نفسه، وإلا فما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها (رواه الترمذي بإسناد) هو رجال الطريق الموصلة إلى المتن (على شرط مسلم) أي: إنهم روى عنهم مسلم في «صحيحه» ، وهذا هو المراد بقولهم على شرط الشيخين مثلاً (يحترف) المذكور في الخبر معناه (يكتسب ويتسبب) أي: يتعاطى الأسباب التي أبرزتها الحكمة ستراً للتصرفات الإلهية. ٨ - باب في الاستقامة في «مفردات الراغب» : استقامة الإنسان لزومه للمنهج المستقيم نحو ﴿إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا﴾ اهـ. وقال بعض العارفين: مرجع الاستقامة إلى أمرين صحة الإيمان با واتباع ما جاء به رسول الله ﷺ ظاهراً وباطناً. وقال عمر ﵁: الاستقامة أن تقوم على الأمر والنهي ولا تروغ عنه روغان الثعلب. (قال الله تعالى: ﴿فاستقم كما أمرت﴾ ) الخطاب فيه للنبي، يعني فاستقم يا محمد على دين ربك والعمل به والدعاء إليه كما أمرك ربك، والأمر فيه للتأكيد لأن النبيّ كان على الاستقامة لم يزل

стр. 265

عنها، فهو كقولك للقائم: قم حتى آتيك: أي: دم على ما أنت عليه من القيام حتى آتيك. وفي «تفسير القرطبي» أن الذي شيبه من سورة هود قوله: «فاستقم كما أمرت» وقال: روي عن عبد الرحمن السلمي قال: سمعت أبا علي الشنوي يقول: رأيت النبي في المنام فقلت: يا رسول الله روي عنك أنك قلت «شيبتني هود، فقال: نعم، فقلت له: ما الذي شيبك منها: قصص الأنبياء وهلاك الأمم؟ قال لا، ولكن قوله: ﴿فاستقم كما أمرت﴾ اهـ. (وقال تعالى: ﴿إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا﴾ ) على التوحيد وغيره مما وجب عليهم (تتنزّل عليهم الملائكة) عند الموت (أن) أي: أو بأن (لا تخافوا) من الموت وما بعده (ولا تحزنوا) على ما خلفتم من أهل وولد فنحن نخلفكم فيهم ( ﴿وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون. نحن أولياؤكم في الحياة الدنيا) أي: حفظتكم (وفي الآخرة﴾ ) أي: نكون معكم فيها حتى تدخلوا الجنة ( ﴿ولكم فيها ما تشتهي أنفسكم﴾ ) قيل: في إضافتها إليهم إشارة إلى تنعم أنفسهم التي ذاقت المرارة في الدنيا وانظر إلى ﴿تشتهي﴾ وإلى قوله: ﴿تدعون﴾ في قوله: ( ﴿ولكم فيها ما تدعون﴾ ) أي: تطلبون، فإن فيه إشارة إلى تفاوت المرات، ولا يخفى أن ذلك مما تذهب فيه النفس كل مذهب ( ﴿نزلاً﴾ ) رزقاً مهيئاً منصوب بجعل مقدراً ( ﴿من غفور رحيم﴾ ) وهو الله تعالى، وإذا كان هذا النزل وهو الكرامة المعجلة فكيف بالمؤجلة، رزقنا الله تعالى اتباع الكتاب والسنة وختم لنا بالحسنى بمنه آمين. (وقال تعالى) : ﴿إن الذين قالوا ربنا ا﴾ ) أي: آمنوا به ووحدوه ( ﴿ثم استقاموا﴾ ) اعتدلوا على ذلك وداموا عليه إلى أن يتوفاهم الله عليه، والمراد الاستقامة على التوحيد الكامل واتباع الكتاب والسنة ( ﴿فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون. أولئك أصحاب الجنة﴾ ) بفضل الله تعالى،

стр. 266

قال: «لن يدخل أحدكم الجنة بعمله» . الحديث (خالدين فيها) حال مقدرة (جزاء) منصوب على المصدرية بفعله المقدر: أي: يجزون جزاء (بما كانوا يعملون) . ٥٨١ - (وعن أبي عمرو) بفتح العين المهملة (وقيل أبي عمرة) بزيادة تاء في آخره (سفيان) بضم السين على الأفصح وهو بتثليث السين (ابن عبد الله الثقفي ﵁ معدود من أهل الطائف/ كان عاملاً عليه لعمر حين عزل عنه عثمانبن أبي العاص ونقله إلى البحرين. وروى له مسلم هذا الحديث والترمذي والنسائي وابن ماجه (قال: قلت يا رسول الله قل لي في الإسلام) أي: في دينه وشريعته (قولاً) جامعاً لمعاني الدين واضحاً في نفسه بحيث لا يحتاج إلى تفسير غيرك أعمل عليه وأكتفي به، بحيث (لا أسأل) أي: لا يحوجني لما اشتمل عليه من بديع الإحاطة والشمول ونهاية الإيضاح والظهور إلى أن أسأل (عنه أحداً غيرك، قال: قل آمنت با) أي: جدد إيمانك متذكراً بقلبك ذاكراً بلسانك مستحضراً تفاصيل معاني الإيمان الشرعي التي مرت في حديث جبريل (ثم استقم) على عمل الطاعات والانتهاء عن جميع المخالفات إذ لا تتأتى الاستقامة مع شيء من الاعوجاج فإنها ضده، والحديث على وفاق الآية قبله (رواه مسلم) وأخرجه أحمد والدارمي وابن حبان في «صحيحه» والطبراني في «الكبير والضياء» في «المختارة» والحاكم في «مستدركه» للبيهقي في شعب الإيمان والخرائطي في مكارم الأخلاق وغيرهم، قال المصنف: هذا أحد الأحاديث التي عليها مدار الإسلام. ٨٦٢ - (وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله: قاربوا وسددوا، واعلموا أنه) أي: الشأن (لن ينجو أحد منكم من الله بعمله، قالوا: ولا أنت) أي: ولا تنجو بعملك

стр. 267

فحذف الفعل فانفصل الضمير، ويحتمل أن يكون ولا أنت ناج بعملك فيكون مبتدأ محذوف الخبر (قال: ولا أنا) أي: ولا أنجو، أو ولا أنا ناج بالعمل (إلا أن يتغمدني) أي: يغمرني (ابرحمة منه وفضل) ويلبسنيها ويغمرني بها ومنه غمدت السيف وأغمدته: أي: جعلته في غمدة وسترته به. قال المصنف في «شرح مسلم» : مذهب أهل السنة أنه لا يثبت بالعقل ثواب ولا عقاب ولا حكم شرعي، ولا يثبت ذلك كله إلا بالشرع. ومذهبهم أن الله تعالى لا يجب عليه شيء، بل الدنيا والآخرة ملكه يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد، فلو عذب المطيعين جميعهم وأدخلهم النار لكان عدلاً منه ولو نعم الكافرين وأدخلهم الجنة كان له ذلك، ولكنه أخبر وخبره صدق أنه لا يفعل هذا، بل يغفر للمؤمنين ويدخلهم الجنة برحمته ويعذب الكافرين ويدخلهم النار عدلاً منه. وفي هذا الحديث دليل ظاهر لما قلناه من أنه لا يستحق أحد الثواب والجنة بطاعته. وأما قوله تعالى: ﴿ادخلوا الجنة بما كنتم تعملون﴾ (النحل: ٣٢) ونحوها من الآيات الدالة على أن الأعمال يدخل بها الجنة، فهي لا تعارض هذه الأحاديث، بل معنى الآيات أن دخول الجنة بسبب الأعمال، ثم التوفيق للأعمال والهداية للإخلاص فيها وقبولها برحمة الله وفضله، فصحّ أنه لم يدخل الجنة أحد بمجرد العمل وهو مراد الأحاديث. ويصح أن يقال: إنه دخل بالأعمال المسببة عن الفضل: أي: بسببها وهي من الرحمة اهـ ملخصاً. وأشار العارف با تعالى ابن أبي جمرة إلى جواب آخر حاصله أن الأعمال أسباب عادية كسائر الأسباب التي هي من مقتضيات الحكمة ولا تأثير لها في دخول الجنة، فالنفي باعتبار التأثير بمعنى أن الذي يؤثر في دخول الجنة في الحقيقة إنما هو الله تعالى لا الأعمال، فإنما هي مجرد أسباب صورية اقتضتها الحكمة الإلهية والإسناد إليها تارة باعتبار أنها سبب صوري، وسيأتي في باب بيان طرق الخير أجوبة أخرى. قال ابن أبي جمرة: وفي الحديث دلالة على أنه ليس أحد من الخلق يقدر على توفية حق الربوبية على ما يجب لها. يؤخذ ذلك من قوله: «ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمته» فإذا كان هو وهو خير البشر وصاحب المقامات العلا لا يقدر على ذلك فالغير أحرى وأولى. وإذا تأملت ذلك من جهة النظر تجده مدركاً حقيقة لأنه إذا طالبنا بشكر النعم التي أنعم علينا عجزنا عنه بالقطع ومنها ما لا نعرفه كما قال: ﴿وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها﴾ (ابراهيم: ٣٤) فكيف غير ذلك من أنواع التكليفات فما بقي إلا ما أخبر به الصادق وهو التغمد بالفضل والرحمة (رواه مسلم.

стр. 268

والمقاربة: القصد الذي لا غلوّ فيه) أي: مجاوزة المأمور به والزيادة فيه (ولا تقصير) أي إخلال بشيء منه (والسداد) بفتح الأولى (الاستقامة والإصابة) قال بعضهم: السداد هو الإصابة في الأقوال والأعمال والمقاصد، والإصابة في جميعها: هي الاستقامة (ويتغمدني: يلبسني ويسترني) هو مثل يتغمدني في التعدي بالباء وإن كان لا يلزم من ترادف معنى الفعلين توافقهما في الاستعمال والصلة كصلى فإنه بمعنى دعا، ومع هذا فالأول يعدى بعلى في الخير والثاني لا يعدى بها إلا في الشرّ. (قال العلماء: معنى الاستقامة) المطلوبة الممدوحة بالكتاب والسنة (لزوم طاعة الله تعالى) ويلزم من ذلك ترك منهياته (قالوا) أي: العلماء (وهي من جوامع الكلم) هو أن يكون اللفظ قليلاً والمعنى جزيلاً وهو ما أعطيه (وهي) أي الاستقامة (نظام الأمور) . قال بعض العلماء: الاستقامة هي الدرجة القصوى التي بها كمال المعارف والأحوال وصفاء القلوب في الأعمال وتنزيه العقائد عن سفاسف البدع والضلال. قال الأستاذ أبو القاسم القشيري: من لم يكن مستقيماً في حاله ضاع عمله وخاب جده، ونقل أنه لا يستطيعها إلا الأكابر لأنها الخروج عن المألوفات ومفارقة الرسوم والعادات والقيام بين يدي الله تعالى على حقيقة الصدق، ولعزتها أخبر أن الناس لن يطيقوها، فقد أخرج أحمد «استقيموا ولن تطيقوا» .

стр. 269

٩ - باب في التفكر أي إجالة الفكر (في عظيم مخلوقات الله تعالى) كالعرش والكرسي والسماء والأرض، ففي الحديث: «ما السماء والأرض وما بينهما في العرش إلا كحلقة ألقيت في فلاة من الأرض» وعظم المخلوق يدل على كمال الخالق وعظمته (و) التفكر في (فناء الدنيا) واضمحلالها وتلاشي أمرها، قال تعالى: ﴿واضرب لهم مثل الحيوة الدنيا كماء أنزلناه من السماء فاختلط به نبات الأرض فأصبح هشيماً تذره الرياح﴾ (الكهف: ٤٥) ليبعثه ذلك على الزهد فيها والإعراض عن غرورها والإقبال على الآخرة، ففي الحديث: «كونوا أبناء الآخرة ولا تكونوا أبناء الدنيا» فإن رفع الله قدره وخلصه عن السوى وخصصه بالتخلص للمولى فتلك الغاية القصوى (و) التفكر في (أهوال الآخرة) وشدائدها كما قال تعالى: ﴿يوم ترونها تذهل كل مرضعة عما أرضعت وتضع كل ذات حمل حملها وترى الناس سكارى وما هم بسكارى﴾ (الحج: ٢) وقال تعالى: ﴿يوماً يجعل الولدان شيباً﴾ (المزمل: ١٧) ليبعثه ذلك على التقوى وطاعة المولى فينجو من كرب الدارين ويجزى بالإحسان قال تعالى: ﴿هل جزاء الإحسان إلا الإحسان﴾ (الرحمن: ٦) (وسائر أمورهما) أي أمور الدنيا وأنها جميعها ثانية، وأهوال الآخرة وأنها شديدة (وتقصير) أمل (النفس) بذكر الموت (وتهذيبها) من الأخلاق السيئة بتذكر أهوال الآخرة وشدة عقابها (وحملها على الاستقامة) بتذكر النفس وما ورد من الوعد الصادق في الطاعة من الثواب بمحض الفضل، وعلى المعصية من العقاب بطريق العدل، وهذا إنما يبلغه العبد بتأييد الله وتوفيقه لاتباع الكتاب والسنة، فإن ظفر بشيخ مرشد مربّ موصل للمريد إلى طريق الحق بتهذيب النفس من رعونتها وتحليتها بأنواع العبادات فذلك أعلى، وإلا فما لا يدرك كله لا يترك كله، (قال تعالى) : ﴿قل إنما أعظكم بواحدة﴾ ) هي ( ﴿أن تقوموا﴾ )

стр. 270

بالانتصاب في الأمر والنهوض فيه بالهمة () أي لأجله (مثنى) أي اثنين اثنين ( ﴿وفرادى﴾ ) أي واحداً واحداً ( ﴿ثم تتفكروا﴾ ) أي: في السموات والأرض فتعلموا أن خالقهما واحد، فعلى هذا تم الكلام بقوله «تتفكروا» وقوله: ﴿ما بصاحبكم من جنة﴾ (سبأ: ٤٦) ابتداء كلام، وهذا أحد قولين في الآية للمفسرين. ٦ والثاني: أن المراد التفكر في شأن النبيّ بأن يتفكروا أي يتفكر كل منهم في ذلك ويعرض كل فكرته على صاحبه لينظر فيه نظر متصادقين متناصفين لا يميل به اتباع الهوى، وبأن يتفكر الواحد أيضاً بعدل ونصف هل رأينا في هذا الرجل جنوناً قط أو كذباً، وقد علمتم أن محمداً ما به من جنة، بل علمتموه أرجح قريش عقلاً وأوزنهم حلماً وأحدّهم ذهناً وأجمعهم لما يحمد عليه الرجال، فإذا علمتم ذلك كفاكم أن تطالبوه بآية، فإذا أجابها تبين أنه صادق فيما جاء به (وقال تعالى: ﴿إن في خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات﴾ ) (آل عمران: ١٩٠) لدلائل واضحة على وجود الصانع ووحدته وكمال علمه وقدرته ( ﴿لأولي الألباب﴾ ) العقول المجلوة عن شوائب الحسّ والوهم، ولعل الاقتصار على هذه الثلاثة في هذه الآية لأن مناط الاستدلال هو التغير، وهذه متعرضة لجملة أنواعه، فإنه إما أن يكون في ذات الشيء كتغير الليل والنهار، أو جزئه كتغير العناصر يتبدل صورها، أو الخارج عنه كتغير الأفلاك بتبدل أوضاعها. وعن عائشة ﵂ عن النبيّ: «ويل لمن قرأها ولم يفكر فيها» رواه ابن حبان وغيره ( ﴿الذين يذكرون الله قياماً وقعوداً وعلى جنوبهم﴾ ) أي: يذكرون دائماً على الحالات كلها قائمين وقاعدين ومضطجعين، وقيل: معناه، يصلون على الهيئات الثلاث حسب طاقتهم ( ﴿ويتفكرون في خلق السموات والأرض﴾ ) استدلالاً واعتباراً، وهو أفضل العبادات. أخرج ابن حبان عن عليّ قال: قال «لا عبادة كالتفكر» أي: لأنه المخصوص بالقلب والمقصود من الخلق.

стр. 271

وأخرج الثعلبي بسند فيه من لا يعرف عن رأسه فنظر إلى السماء والنجوم فقال: أشهد أن لك رباً وخالقاً اللهم اغفر لي، فنظر الله إليه فغفر له» وعن ابن عباس وأبي الدرداء «فكرة ساعة خير من قيام ليلة» . وقال الحسن ابن أبي الحسن: الفكرة مرآة المؤمن ينظر فيها إلى حسناته وإلى سيئاته. وقال سرّي السقطي الفكرة خير من عبادة سنة، ما هو إلا أن تحلّ أطناب خيمتك فتحطها في الجنة. وفي «تفسير ابن عطية» : حدثني أبي عن بعض علماء المشرق قال: كنت بائتاً بمسجد في مصر فصليت العتمة، فرأيت رجلاً قد اضطجع مسجى بكسائه حتى أصبح وصلينا تلك الليلة وسهرنا، فلما أقيمت صلاة الصبح قام ذلك الرجل فاستقبل القبلة وصلى مع الناس، فاستعظمت جرأته في الصلاة بغير وضوء، فلما فرغت الصلاة خرج فتبعته لأعظه، فلما دنوت منه سمعته يقول: مسنجز الجسم غائب حاضر منتبه القلب صامت ذاكر منقبض في العيون منبسط كذاك من كان عارفاً فاكر يبيت في ليله أخا فكر فهو مدى الليل نائم ساهر وانصرفت عنه، قال فقلت إنه ممن يعبد الله بالفكرة اهـ. ( ﴿ربنا ما خلقت هذا باطلاً﴾ ) حال من فاعل يتفكرون على إرادة القول: أي يتفكرون قائلين ذلك و «هذا» إشارة إلى المتفكر فيه أو الخلق على أنه أريد به المخلوق من السموات والأرض أو إليهما لأنهما في معنى المخلوق. والمعنى: ما خلقته عبثاً ضائعاً من غير حكمة بل لحكم عظيمة من جملتها أن يكون مبدءاً لوجود الإنسان وسبباً لمعاشه ودليلاً يدله على معرفتك ويحثه على طاعتك لينال الحياة الأبدية والسعادة السرمدية في جوارك ( ﴿سبحانك﴾ ) تنزيهاً لك من العبث وخلق الباطل وهو اعتراض (الآيات) يحتمل أن يكون إلى قوله: ﴿إنك لا تخلف الميعاد﴾ (آل عمران: ١٩٤) ويحتمل أن يكون إلى آخر السورة والأول أقرب، وكرّر في الدعاء «ربنا» خمس مرات مبالغة في الابتهال ودلالة على استقلال المطالب وعلو شأنها. وفي الآثار: «من حزبه أمر فقال خمس مرات «ربنا» أنجاه الله مما يخاف وأعطاه ما أراده، ثم قرأ هذه الآيات» (وقال تعالى: ﴿أفلا ينظرون﴾ ) نظر اعتبار ( ﴿إلى الإبل كيف خلقت﴾ ) خلقاً دالاً على كمال

стр. 272

قدرته وحسن تدبيره حيث خلقها لحمل الأثقال إلى البلاد النائية، فجعلها عظيمة باركة للحمل ناهضة بالحمل منقادة لمن قادها طوال الأعناق لتبوء بالأوقار، ترعى كل نابت وتحتمل العطش إلى عشر فصاعداً، ليتأتى بها قطع البراري والمفاوز مع ما لها من منافع أخرى، ولذا خصت بالذكر لبيان الآيات المنبثة في الحيوانات التي هي أشرف المركبات وأكبرها صنعاً، ولأنها أعجب ما عند العرب من هذا النوع، وقيل لامراد بها السحاب على الاستعارة ( ﴿وإلى السماء كيف رفعت﴾ ) بلا عمد ( ﴿وإلى الجبال كيف نصبت﴾ ) فهي راسخة لا تميل ( ﴿وإلى الأرض كيف سطحت﴾ ) بسطت حتى صارت مهاداً. والمعنى: أفلا ينظرون إلى أنواع المخلوقات من البسائط والمركبات ليتحققوا كمال قدرة الخالق فلا ينكروا اقتداره على البعث؛ ولذلك عقب به أمر المعاد ورتب عليه الأمر بالتذكير فقال ( ﴿فذكر﴾ ) (الغاشية: ١٧ - ٢٠) . وفي «تفسير ابن عادل» : إن قيل ما المناسبة بين هذه الأشياء؟ فالجواب قال الزمخشري: من فسر الإبل بالسحاب فالمناسبة ظاهرة وذلك تشبيه ومجاز، ومن حملها على الإبل فالمناسبة بينها وبين السماء والأرض والجبال من وجهين: أحدهما: أن القرآن نزل بلغة العرب وهم أهل أسفار، والمسافر قد يخلو بنفسه لفقد من يصحبه، وشأن الإنسان إذا انفرد الإقبال على التفكر في الأشياء فإذا فكر فأول ما يقع نظره على الجمل الذي هو راكبه، فإذا هو منظر جميل جمع أموراً تدل على كمال قدرته سبحانه وإن نظر إلى ما فوق فإلى السماء، أو إلى تحت فالأرض، أو إلى الجانب فالجبال، فكأنه تعالى أمره بالنظر وقت الخلوة والانفراد حتى لا تحمله داعية الكبر والحسد على ترك النظر. الثاني: أن جميع المخلوقات دالة على الصانع، إلا أن منها ما هو مشتهى للنفس كحسن الصور واللباس والنزهة فهذه استحسانها قد يمنع من كمال النظر فيها، ومنها ما لا حظّ فيه للشهوة فأمر بالنظر فيها إذ لا مانع من إكمال النظر فيها اهـ. (وقال تعالى: ﴿أفلم يسيروا في الأرض فينظروا﴾ ) أي: إلى تقلب الأحوال بأبناء الدنيا واضمحلالهم بعد وجودهم

стр. 273

فيها، وتلاشي أمرهم بعد كمال قوّتهم صورة فيعرفون أن الحيّ القيوم هو الله وأن غيره فان، فلا يركنوا إلى الدنيا ولا يغتروا بزهواتها ولا يقبلوا على مستلذاتها وشهواتها ويغفلوا عما خلقوا له من عبادة مولاهم وطاعته اللذين بهما كمال المرء وسعادته (الآية) بالنصب: أي إقرإ الآية، أو بالرفع: أي الآية إلى آخرها معلومة، أو المستدل به الآية فهو مبتدأ أو خبر (والآيات في الباب كثيرة. ومن الأحاديث الحديث السابق) عن شدادبن أوس في باب المراقبة « (الكيس من دان نفسه) وعمل لما بعد الموت» فإن محاسبته لها وعدم تركها هملا إنما ينشأ عن تفكره في الدنيا وزوالها وفي نفسه وانتقالها كأنك بالدنيا ولم تكن وبالآخرة ولم تزل، فيحاسب نفسه فيمنعها عما لا ينبغي ويحليها بما يرضىالله، وبا التوفيق. ١٠ - باب في المبادرة أي المسارعة (إلى) فعل (الخيرات وحثّ) أي: حض (من توجه لخير على الإقبال عليه) أي: على التوجه (بالجدّ) بالعزم على الأمر والإتيان به (من غير تردد) في ذلك (قال تعالى: ﴿فاستبقوا الخيرات﴾ ) سارعوا إليها (وقال تعالى) : ﴿وسارعوا﴾ ) بادروا ( ﴿إلى مغفرة من ربكم﴾ ) أي: الأعمال الموجبة للمغفرة بالوعد الصادق، أو إلى التوبة، أو إلى أداء الفرائض، أو إلى الهجرة (و) إلى ( ﴿جنة عرضها السموات والأرض﴾ ) أي: كعرضها أي: سعتها كذلك،

стр. 274

وخص العرض بالذكر لأن طول كل شيء غالباً أكثر من عرضه هذا عرضها، وأما طولها فلا يعلمه إلاالله، وهذا على التمثيل لا أنها كالسموات والأرض لا غير بل كعرض السموات والأرض عند ظنكم (الآية) أي أتم الآية، يعني: ﴿أعدت للمتقين﴾ وهو وقف تامّ وما بعده من الآيات وصف للمتقين المعدّ لهم الجنة في علم الله من فضله. ٨٧١ - (وأما الأحاديث: فالأول عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: بادروا بالأعمال فتناً) أي: ائتوا بالعمل الصالح وابتدروا إليه قبل ظهور المانع منه من الفتن، فهو قريب من حديث «اغتنم خمساً قبل خمس: شبابك قبل هرمك، وصحتك قبل سقمك، وغناك قبل فقرك، وفراغك قبل شغلك، وحياتك قبل موتك» ثم وصف الفتن المانعة من كمال العمل أو من أصله بأنها (كقطع) بسكر ففتح جمع قطعة: أي: طائفة من (الليل المظلم) أي: كلما ذهب ساعة منه مظلمة عقبتها ساعة مثل ذلك. قال في «النهاية» : أراد فتنة سوداء تعظيماً لشأنها اهـ. وفي الحديث إشارة إلى تتابع الفتن المضلة أواخر الزمان وكلما انقضى منها فتنة أعقبتها أخرى. وقانا الله من الفتن بمنه وكرمه (يصبح الرجل مؤمناً) أي: باقياً على إيمانه الذي كان عليه (ويمسي) بضم التحتية فيه وفي يصبح (كافراً) يحتمل الكفران بالنعم لما يداخله من المعاصي المبعدة من ساحة الشكر. ويحتمل الكفر الحقيقي، قال القرطبي: ولا يمتنع حمله على ذلك لأن الفتن إذا تراكمت أفسدت القلب وأورثته القسوة والغفلة التي هي سبب الشقاء. (ويمسي مؤمناً ويصبح كافراً. يبيع دينه بعرض) بفتح الراء: أي: متاع وحطام (من الدنيا) استئناف بياني: أي: أن سبب كفره بيعه: أي أخذه العرض في مقابلة دينه، بأن يأخذ أو يستحل مال أخيه المسلم أو يستحلّ الربا والغشّ أو نحوه مما أجمع على تحريمه وعلم من الدين بالضرورة. قال القرطبي: ففي الحديث التمسك بالدين (رواه مسلم) ورواه أحمد

стр. 275

والترمذي كما في «الجامع الصغير» ، وزاد في آخر الحديث «يبيع دينه بعرض من الدنيا قليل» . ٨٨٢ - (الثاني: عن أبي سروعة بكسر السين المهملة وفتحها) وإهمال الراء والعين (عقبة ابن الحارث) بن عامربن نوفلبن عبد منافبن قصي القرشي النوفلي ﵁ وما ذكره المصنف من أنه أبو سروعة قول أهل الحديث ومصعب الزبيري. وأهل النسب يقولون: إن عقبة أخو أبي سروعة وإنهما أسلما معاً يوم الفتح. قال ابن الأثير: وهو الأصح روى له البخاري ثلاث أحاديث (قال: صليت وراء النبيّ بالمدينة) علم بالغلبة على مهاجره والنسبة إليها مدني (العصر) هذا بناء على أنها اسم للصلاة، وعلى كونها اسماً للوقت فهو على تقدير المضاف: أي: صلاة العصر (فسلم ثم قام مسرعاً) لعل تراخي القيام عن السلام مع مبادرته في الأثر وإسراعه أنه إنما تذكر، وحينئذٍ وفي رواية «فقام» (فتخطى رقاب الناس) أي: قطع الصفوف حال جلوس الناس، أما وهم قيام فيقال له خرق الصفوف (إلى بعض حجر نسائه) متعلق بتخطي، وحجر بضم الحاء وفتح الجيم جمع حجرة: اسم للمنزل (ففزع) بوزن علم، من الفزع الخوف: أي: خاف (الناس من سرعته) في السير إلى تلك الحجرة، وعادته أن يمشي هوناً، وعادتهم الفزع إذا رأوا منه غير ما يعهدون خشية أن ينزل فيهم شيء يسوءهم (فخرج عليهم، فرأى أنهم قد عجبوا من سرعته) في خروجه من الحجرة (فقال: ذكرت شيئاً من تبر) بكسر الفوقية وسكون الموحدة، وفي رواية «وأنا في الصلاة» . وعليه فثم في قوله ثم قام مستعارة من الفاء (عندنا فكرهت أن يحبسني) أي: يشغلني التفكر فيه عن التوجه والإقبال على الله تعالى. وفهم بعضهم معنى آخر فقال: إن تأخير الصدقة يحبس صاحبها يوم القيامة (فأمرت بقسمته) وفي رواية فقسمته، وفيه جواز الاستنابة مع القدرة على المباشرة (رواه البخاري) وترجم له باب: من صلى بالناس فذكر

стр. 276

حاجة فتخطاهم (وفي رواية له: كنت خلفت في البيت تبراً من الصدقة فكرهت أن أبيته) من التبييت: أي: أتركه عندي ولا أدفعه لمستحقه ففيه المبادرة لأداء القربات وفعل الخيرات (والتبر قطع) بكسر القاف ففتح المهملة (ذهب أو فضة) هذا قول لبعضهم، والذي قال الجوهري: إنه الذهب فقط، فلذا قال في «فتح الباري» : التبر الذهب إذا لم يصفّ ولم يضرب. وأطلقه بعضهم على جميع جواهر الأرض قبل أن يصاغ أو يضرب حكاه ابن الأنباري عن الكسائي، وكذا أشار إليه ابن دريد. وقيل: هو المكسور حكاه ابن سيده. ٨٩٣ - (الثالث: عن جابر) أي: ابن عبد الله ﵁ قال: قال رجل للنبيّ يوم أحد) قال الخطيب: هو عمروبن الحمامبن الجموحبن حرام الأنصاري، وقيل: غيره لأنه كانت قصته هذه يوم بدر لا يوم أحد نقله المصنف في «مهماته» (أرأيت) بفتح الفوقية: أي أخبرني (إن قتلت) أي في سبيل الله (فأين أنا) أي: فأين أصير حذف الفعل فانفصل مرفوعه (قال: في الجنة، فألقى تمرات) أي: قليلات (كن في يده) كان يأكل منهن ولم يطمئن للأكل مسارعة للجهاد، ثم لم يرض بالصبر مدة أكل تلك الحباب مسارعة للخيرات واستباقاً لمرضاة الله عليه (ثم قاتل حتى قتل. متفق عليه) وفي أخرى عنه: «لئن أنا حييت حتى آكل تمراتي هذه إنها لحياة طويلة، فرمى بما كان معه من التمر ثم قاتلهم حتى قتل» رواه مسلم من حديث أنس. وذكر ابن عقبة في «مغازيه» أنه أول من قتل يومئذٍ من المسلمين. وفي كتاب «مفتاح البلاد في فضائل الغزو والجهاد» تأليف جدي الشيخ محمد علان الصديقي البكري سبط آل الحسن، روى الحاكم عن أنس: «أن رجلاً أسود أتى النبي فقال: يا رسول الله إني رجل أسود اللون منتن الريح لا مال لي، فإن أنا قاتلت هؤلاء حتى أقتل فأين أنا؟

стр. 277

قال في الجنة، فقاتل حتى قتل، فأتاه النبيّ فقال: بيض الله وجهك وطيب ريحك وأكثر مالك» الحديث اهـ. ٩٠٤ - (الرابع عن أبي هريرة ﵁ قال: جاء رجل) قال في «فتح الباري» : لم أقف على اسمه، ويحتمل أنه أبو ذرّ، ففي «مسند أحمد» «أنه سأل أي الصدقة أفضل» لكن في الجواب «جهد من مقلّ أو سرّ إلى الفقير» وكذا في «مسند عبدبن حميد» : أن أبا ذرّ سأل فأجيب (إلى النبي فقال: يا رسول الله أي الصدقة أعظم أجراً) . في رواية: «أي الصدقة أفضل؟» (قال: أن تصدق) بتشديد الصاد والدال المهملتين وأصله تتصدق بتاءين فأدغمت إحداهما في الصاد (وأنت صحيح شحيح) . قال الخطابي: الشحّ أعم من البخل، وكأنّ الشحّ جنس والبخل نوع، وأكثر ما يقال البخل في أفراد الأمور والشحّ عام. وقيل: هو الذي كالوصف اللازم ومن قبيل الطبع، قال: فمعنى الحديث: أنّ الشحّ غالب في حالة الصحة، فإذا سمح فيها وتصدق كان أصدق في نيته وأعظم لأجره، بخلاف من أيس من الصحة ورأى مصير المال لغيره، فإن صدقته حينئذٍ ناقصة بالنسبة إلى حال الصحة والشح ورجاء البقاء وخوف الفقر اهـ. وفي «فتح الباري» قال صاحب «المنتهى» الشحّ بخل مع حرص. وقال صاحب «المحكم» : الشحّ بثليث الشين والضم أعلم. وقال صاحب «الجامع» : كان الفتح في المصدر والضم في الاسم تخشى أي: تخاف ولهذا الفعل ستة مصادر نظمها ابن مالك فقال: خشيت خشياً ومخشاة ومخشية وخشية وخشاء ثم خشيانا (الفقر) أي: إن أنفقت لوسوسة الشيطان بذلك قال تعالى: ﴿الشيطان يعدكم الفقر﴾ (البقرة: ٢٦٨) (وتأمل) بضم الميم (الغنى) أي: تطمع به (ولا تمهل) بالإسكان على أنه نهي والرفع على أنه نفي ويجوز النصب قاله في «فتح الباري» : أي لا تؤخر الصدقة (حتى إذا بلغت) أي: الروح (الحلقوم) أي: قاربت بلوغه، إذ لو بلغته حقيقة لم تصح وصية ولا

стр. 278

صدقة ولا شيء من تصرفاته بالاتفاق، ولم يجر للروح ذكر اكتفاء بدلالة السياق كالآية (قلت) ليأسك من الحياة أوصيت (لفلان) بما هو (كذا و) أوصيت (لفلان) بما هو (كذا وقد كان لفلان كذا) الظاهر أن هذا من باب الإقرار لا الوصية. وقال الخطابي: فلان الأول والثاني الموصى له، وفلان الأخير الوارث قال يريد: يعني النبي أنه إذا صار للوارث إن شاء أبطله وإن شاء أجازه. وقال غيره: يحتمل أن يكون المراد من الجميع الموصى له، وإنما دخل كان في الثالث إشارة إلى تقدير المقدر له في الأزل بذلك. وقال الكرماني: يحتمل أن يكون الثالث المورث أو الموصى له. قال الحافظ: ويحتمل أن يكون بعضها وصية وبعضها إقراراً، وقد وقع في رواية ابن المبارك «قلت: اصنعوا لفلان كذا وتصدقوا لفلان بكذا» اهـ ملخصاً. قيل: وهذا من باب التسجيل عليه: أي إذا كان طمعك في الحياة أوجب لك كتمان الحق اللازم لك إلى أن أيست منها، فما أقررت به إلا الآن ولم تقر به قبل، فأولى أن يوجب لك الطمع تأخير الصدقة إلى الآن، فاحذر ذلك فإنك يؤخذ من مالك حيث لا ينفعك التحسر ولا يفيدك الندم (متفق عليه) ورواه أبو داود والترمذي والنسائي. وعن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله: «لأن يتصدق المرء في حياته بدرهم خير له من أن يتصدق بمائة عند موته» رواه أبو داود. وقال الحافظ في «فتح الباري» : أخرجه الترمذي بإسناد حسن وصححه ابن حبان: (الحلقوم) بضم الحاء المهملة وسكون اللام وبالقاف قال في «النهاية» : والميم أصلية، وقيل: إنه مأخوذ من الحلق، فالواو والميم زائدتان (مجرى) بضم الميم وسكون الجيم محل جريان (النفس) بفتح النون والفاء (والمريء) بفتح الميم وكسر الراء المهملة مهموز ممدود، (مجرى الطعام والشراب) من الحلق وجمعه مرؤ كسرير وسرر.

стр. 279

٩١٥ - (الخامس عن أنس ﵁: أن رسول الله ﷺ أخذ سيفاً يوم أحد) بضم أوليه: جبل معروف بالمدينة كانت عنده الغزوة المعروفة (فقال: من يأخذ مني هذا) أي: السيف مطلقاً عن التقييد (فبسطوا) بموحدة فمهملتين (أيديهم) أي: مدوها لأخذه (كل إنسان منهم يقول أنا) آخذه (أنا) آخذه والتكرار باعتبار التعدد في معنى كل (قال) (فمن يأخذه بحقه) . قال القرطبي: يعني بهذا الحق أن يقاتل بذلك السيف إلى أن يفتح الله على المسلمين أو يموت (فأحجم القوم) لما فهموا ذلك (فقال أبو دجانة) بضم الدال المهملة وبالجيم وبعد الألف نون واسمه: سماكبن خرشةبن لودان الأنصاري مشهور بكنيته ﵁ شهد بدراً وأحداً ودافع عن رسول الله ﷺ يومئذٍ هو ومصعببن عمير وكثرت فيه الجراحات وقتل مصعب واستشهد أبو دجانة يوم اليمامة. قال أبو عمرو: إسناد حديث الحرر المنسوب إليه فيه ضعف، وقيل: إنه موضوع والأول أشهر (أنا آخذه بحقه) أي: بعد أن قال: «يا رسول الله وما حقه؟ فقال: أن تضرب به في وجه العدوّ حتى ينحني، فقال أنا آخذه (فأخذه) فقام بشرطه ووفى بحقه (فقلق) أي: شق (به هام) بتخفيف الميم، أي رؤوس (المشركين) وفي «سيرة ابن سيد الناس» عن الزبير أنه قال: «وجدت في نفسي حين سألت النبي السيف فمنعنيه وأعطاه أبا دجانة، فقلت، وا لأنظرنّ ما يصنع فاتبعته فأخذ عصابة حمراء فعصب بها رأسه؛ فقالت الأنصار، أخرج أبو دجانة عصابة الموت، وهكذا كان يقول إذا عصب بها. فخرج وهو يقول: أنا الذي عاهدني خليلي ونحن بالسفح لدى النخيل ألا أقوم الدهر في الكيول أضرب بسيف الله والرسول فجعل لا يلقى أحد إلا قتله رواه مسلم، وقوله أحجم القوم قال في «شرح مسلم» ، هو بحاء ثم جيم كذا في معظم الأصول، وفي بعضها بتقديم الجيم على الحاء، وادعى القاضي عياض أنه الرواية ولم يذكر غيره، قال: لكنهما لغتان، ومعناهما تأخروا وكفوا،

стр. 280

وهو بمعنى قول المصنف هنا (توقفوا وفلق به: أي شق) به (هام المشركين أي: رؤوسهم) قال الشاعر: ويضرب بالسيوف رؤوس قوم أزيلت هامهن عن المقيل المقيل: أصول الأعناق. ٩٢٦ - (السادس: عن الزبير) بضم الزاي وفتح الموحدة وسكون التحتية (ابن عدي) بفتح فكسر للمهملتين وتشديد الياء. قال الذهبي في «الكاشف» : الزبيربن عدي الهمداني اليامي نسبة إلى بني يامة قاضي الري يروي عن أنس، ثقة ففيه مات سنة إحدى وثلاثين ومائة روى عنه الستة اهـ (قال: أتينا أنسبن مالك ﵁ أي: بالبصرة (فشكونا إليه ما نلقى من الحجاج) بفتح المهملة وتشديد الجيم الأولى ابن يوسف الثقفي عامل عبد الملكبن مروان على الحجاز ثم على العراق (فقال اصبروا) أي على ما تلقون منه (فإنه لا يأتي زمان إلا والذي بعده شرّ منه) أي فينبغي للإنسان أن يبادر لصالح الأعمال وإن لحقته المتاعب والمشاق والأتعاب ولا يترقب الخلوّ عن ذلك، فما يأتي بعد أشد في ذلك مما في الزمان الذي كان فيه، لأن الزمان لا يزال في البعد عن مكشاة النبوّة والقرب من البدع والفتن، فلا يمضي زمن فيه نقص لشيء من السنن أو ابتلاء بشيء من المحن إلا والذي بعده أشد منه في ذلك، بأن يعتقد أن تلك السنة التي تركت أولاً للتمادي على تركها والجهل بها بدعة، أو يصيبه من الكروب ما يتهوّن معه ما سلف له من الخطوب/ وفي الحديث الشريف «في كل عام ترذلون» وقال الشاعر: يا زماناً بكيت منه فلما صرت في غيره بكيت عليه قال الشيخ عبد الوهاب الشعراني في «المواثيق والعهود» : جرت عادة الله تعالى بالابتلاء

стр. 281

بالمصيبة ثم بأشد منها، وذلك ليتدرج العبد من الأخفّ إلى الأشد، إذ لو فاجأه الأشد ابتداء ربما عجز عن حمله بخلافه بعد التدرّج من الأخف إليه. ولا يشكل على ما ذكره وجود زمان عمربن عبد العزيز بعد زمان الحجاج، لما روي أن الحسن البصري سئل عن ذلك؟ فقال: لا بد للناس من زمان يتنفسون فيه. وفي «التوشيح» : حمل الأكثر حديث الباب على الأكثر الأغلب. وأجاب آخرون بأن المراد تفضيل مجموع كل عصر على مجموع العصر الذي بعده، فإن زمن الحجاج كان فيه كثير من الصحابة وقد انقرضوا في زمن عمربن عبد العزيز، والزمن الذي فيه الصحابة خير من الزمن الذي بعده اهـ. وحاصل الأمر أن الوقت سيف إن لم تقطعه بصالح العمل: وانتظرت الفراغ من سائر الأتعاب، قطعك وذهب عليك أنفس الأشياء بلا فائدة، وا المستعان، ويستمر توارد الأهوال وتعاقب الأحوال عليكم (حتى تلقوا ربكم) فلا راحة للمؤمن دون لقاء ربه. ولا يشكل على هذا الحديث حديث النسائي «أمتى كالمطر لا يدرى أولها خير أم آخرها» لأن ما في حديث الباب باعتبار الزمان كما تقدم وذلك باعتبار أهله، وعطايا الله تعالى غير مختصة بزمن دون زمن، فكم وجد في الأزمنة الأخيرة من هو خير من كثير ممن تقدم في الأزمنة: كالأئمة العلماء العاملين الذين لا يزالون على الحق ظاهرين، وكالأولياء والصالحين الذين بهم يرفع البلاء عن العالمين وتدرّبهم البركات وينتظم بهم شمل الأوقات (سمعته) أي: ما حدثتكم به (من نبيكم) أضافه إليهم ليخف عنهم ألم ما يكابدونه من المشاق (. رواه البخاري) وفي الأربعين للماليني عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله: «لا يزداد الأمر إلا شدة، والدنيا إلا إدباراً، والناس إلا شحاً، ولا مهديّ إلا عيسى ابن مريم، ولا تقوم الساعة إلا على شرار الناس» . ٩٣٧ - (السابع: عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: بادروا) سابقوا: أي اسبقوا بالاشتغال (بالأعمال) الصالحة (سبعاً) من الأحوال الطارئة المشغلة واهتموا بالأعمال الصالحة قبل حصولها وحذف التاء لكون المعدود مؤنثاً أو لحذفه (هل تنتظرون إلا فقراً

стр. 282

منسياً) أي: أنه لما ينال النفس منه من الغم ينشأ عنه النسيان (أو غنى مطغياً) لصاحبه وملهياً له عن القيام بأنواع حتى العبودية (أو مرضاً مفسداً) للعقل أو البدن مانعاً من أداء العبادة أو من كمالها، ومن ثم ورد «نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة، والفراغ» (أو هرماً مفنداً) قال في «النهاية» : الفند في الأصل: الكذب، وأفند تكلم بالفند، ثم قالوا للشيخ إذا هرم قد أفند لأنه يتكلم بالمنحرف من الكلام عن سنن الصحة، وأفنده الكبر إذا أوقعه في الفند. قال العاقولي: ولا يقال امرأة مفندة لأنها لم تكن في شبيبتها صاحبة رأي فتفند في كبرها (أو موتاً مجهزاً) بضم الميم وسكون الجيم وكسر الهاء آخره زاي: أي سريعاً يقال أجهز على الجريح يجهز: إذا بأسرع قتله، كأنه يريد به الموت الفجأة أو الاخترام في الشباب (أو الدجال) فهو (شرّ غائب ينتظر) لما فيه من شدة الفتنة التي لا ينجو منها إلا من عصمه الله (أو الساعة فالساعة) أي: عذابها/ وأعادها بلفظها تفخيماً لشأنها (أدهى) أعظم بلية (وأمرّ) أشد مرارة من عذاب الدنيا وأهوالها (رواه الترمذي، وقال: حديث حسن) ورواه الحاكم في «المستدرك» . ٩٤٨ - (الثامن: عنه) أي: عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال يوم خيبر:) بوزن جعفر، وكانت في السنة السابعة (لأعطينّ هذه الراية رجلاً يحبّ الله ورسوله) بالنصب. ومحبة العبد ورسوله: هو الإيمان بهما واتباع ما جاء به (يفتح الله على يديه) أي: بعض حصون خيبر، وكان كذلك بعد إرسالها مع رجلين من كبار الصحابة وما كان الفتح على أيديهما ففيه معجزة للنبيّ حيث أخبر عن مغيب فكان كما أخبر به كما سيأتي (قال عمر ﵁: ما أحببت الإمارة) بفتح الهمزة وكسرها (إلا يومئذٍ) ليس حبه لها لذاتها إنما

стр. 283

هو لكونها علامة لحب ذلك الأمير تعالى اللازمة لحبّ الله تعالى (له) قال تعالى: ﴿يحبهم ويحبونه﴾ (المائدة: ٥٤) ولحصول الفتح على يديه (فتساورت) أي: تطاولت له كما جاء في رواية لمسلم أيضاً (رجاء أن أدعى لها) بالبناء للمفعول (فدعا رسول الله ﷺ عليّبن أبي طالب ﵁ فأعطاه إياها وقال: امش ولا تلتفت) لئلا يشغلك ذلك الالتفات عن كمال التوجه (حتى يفتح الله عليك) أي: واصبر على الجهاد واترك الالتفات إلى أن يفتح الله عليك، ويحتمل أن تكون حتى تعليلية ويكون علم كونه علة لذلك بالوحي (فسار عليّ) أي: عقب الأمر مبادراً للجهاد (شيئاً) أي: من السير فهو مفعول مطلق (ثم وقف ولم يلتفت) لئلا يخالف نهيه عنه، وفهم منه عليّ ﵁ ظاهره من الالتفات يمنة ويسرة، فلذا لم يلتفت بعينه مع أنه يحتاج إليه للخطاب وإن كان يحتمل أن يكون المراد من ترك الالتفات كما قال المصنف الحث على الإقدام والمبادرة إلى ما أمر به، وأن يكون المراد لا تتصرف بعد لقاء عدوك حتى يحصل الفتح، ففيما فعله عليّ ﵁ الأخذ بظاهر الأمر وترك الوجوه المحتملات إذا خالفت الظاهر (فصرخ) أي: رفع صوته (يا رسول الله على ماذا) مركب بمعنى على أيّ شيء (أقاتل الناس؟ قال: قاتلهم حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله) سكت فيه عن ذكر أداء الجزية. وفي الحديث الدعاء إلى الإسلام قبل القتال. ومذهبنا ومذهب آخرين إن كان القوم ممن لم تبلغهم دعوة الإسلام وجب إنذارهم قبل القتال أو من غيرهم فلا، ولذا قال (فإذا فعلوا ذلك) فيه إطلاق الفعل على القول: أي إذا تلفظوا بهذه الكلمة (فقد منعوا منك دماءهم وأموالهم إلا بحقها) أي: فيؤخذ بذلك كالنفس بالنفس والزكوات (وحسابهم على ا) أي يكفّ عن قتالهم بنطقهم بذلك، وأما ما بينهم وبين الله تعالى فإن صدقوا وآمنوا بالقلب نفعهم ذلك في الآخرة ونجوا من العذاب كما نفعهم في الدنيا، وإلا فلا ينفعهم بل يكونون منافقين من أهل النار

стр. 284

(رواه مسلم. قوله فتساورت هو بالسين المهملة) وبالراء المهملة أيضاً (أي وثبت متطلعاً) لها أي حصرت عليها حتى أظهرت وجهي وتصديت له ليرى مكاني فلعله يوليني. ١١ - باب في المجاهدة مفاعلة من الجهد: أي الطاقة فإن الإنسان يجاهد نفسه باستعمالها فيما ينفعها حالاً ومآلاً، وهي تجاهده بما تركن إليه بحسب طبعها وجبلتها من ضد ذلك، ولكون المجاهدة مع النفس التي بين جنبي الإنسان وهي لا تخرج ولا تنفك عنه كان هذا الجهاد الأكبر وجهاد العدو الخارج الجهاد الأصغر. (قال تعالى) : ﴿والذين جاهدوا فينا﴾ ) قال بعض العارفين: هذه الآية صفوة هذه السورة. ومن جملة المجاهدات مجاهدة النفس بالصبر عند الابتلاء ليعقب ذلك أنس الصفاء وينزع عنه لباس الجفاء. وفي الحديث: «إن ابتلاء المؤمن يذهب عنه درنه» ( ﴿لنهدينهم سبلنا﴾ ) أتى بلام الابتداء أو لام جواب القسم المقدر المسند إلى الحق سبحانه إشارة إلى أنه تعالى يتولى الهداية بنفسه للمجاهدين فيه، وأنه ينعم عليهم بكمال النعمة والجزاء، ولم يقل سبيلي إشارة إلى الإمناح بكثرة المعارف، ولطائف الشهود ودوامه، وانهلال سحب الأفضال ( ﴿وإن الله لمع المحسنين﴾ ) المحسن من يعبد الله كأنه يراه، فإن لم يكن يراه فإنه سبحانه يراه، فإن كان هكذا كان له من شريف المعية ما أشار إليه بقوله: ﴿وإن الله لمع المحسنين﴾ وقد ورد من حديث أبي هريرة عن النبي: «أنا جليس من ذكرني، وأما مع عبدي إذا ذكرني وتحركت بي شفتاه» قال الزركشي في «الدرر» : رواه البيهقي.

стр. 285

(وقال تعالى) : ﴿واذكر اسم ربك﴾ ) بالتوحيد والتعظيم: أي دم على ذلك ( ﴿وتبتل إليه﴾ ) في العبادة ( ﴿تبتيلاً﴾ ) مصدر بتل، جيء به رعاية للفواصل وهو ملزوم التبتل، وأيضاً فهو أبلغ منه في المعنى لزيادة المبنى، وقيل إن تبتل في الآية بمعنى بتل (أي انقطع إليه) عما سواه انقطاعاً، وقيل أخلص إخلاصاً، وقيل توكل توكلاً. قال بعضهم التبتل: رفض الدنيا بما فيها والتماس ما عندالله. (وقال تعالى: ﴿واعبد ربك حتى يأتيك اليقين﴾ ) أي الموت. (وقال تعالى: ﴿فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره﴾ ) أي ير ثوابه، ففيه تشويق لتقديم العمل الصالح بين يديه ليجد جزاءه عند قدومه عليه (وقال تعالى: ﴿وما تقدموا لأنفسكم من خير﴾ ) بيان لما ( ﴿تجدوه عند اهو خيراً﴾ ) مما خلفتم ( ﴿وأعظم أجراً﴾ ) وهو فصل وما بعده وإن لم يكن معرفة يشبهها لامتناعه من التعريف لاقترانه بمن، ولا يجوز الجمع بينه وبين أل. والمعنى ما أخرجتم خير لكم وأعظم أجراً عند الله مما ادخرتم، قال: «أيكم مال وارثه أحبّ إليه من ماله، قالوا يا رسول الله ما منا أحد إلا ماله أحب إليه من مال وارثه، قال: اعلموا ما تقولون، قالوا: ما نعلم إلا ذلك يا رسولالله، قال: ما منكم من أحد إلا مال وارثه أحبّ إليه من ماله؟ قالوا: كيف يا رسول الله؟ قال: إنما مال أحدكم ما قدم، ومال وارثه ما أخر» . (وقال تعالى: ﴿وما تفعلوا من خير﴾ ) إنفاق أو غيره ( ﴿فإن الله به عليم﴾ ) فمجاز عليه، (والآيات) القرآنية (في الباب) أي باب المجاهدة (كثيرة معلومة. وأما الأحاديث:) النبوية.
следующие страницы →