← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 140

دليل الفالحين لطرق رياض الصالحين

ابن علان

Полный текст (2 250 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.

стр. 596

المسلمين (فقال أبو بكر) الصديق ﵁ تألفاً لأبي سفيان وتعظيماً ليسكن الإيمان في قلبه ويميل إلى المؤمنين وتوادهم (أتقولون هذا) أي القول، فهو مفعول مطلق (لشيخ قريش وسيدهم) فإنه كان عقيدهم في الحروب وإليه مرجعهم فيها لكونه كان أكبر بني عبد مناف حينئذٍ (فأتى) الصديق (النبي فأخبره) بما وقع من أولئك ومنه في جوابهم (فقال: يا أبا بكر لعلك أغضبتهم) أي زجرتهم، أو أسأت إليهم فتسبب عن ذلك غضبهم؛ ثم بين ما يترتب على غضبهم مؤكداً بالقسم المقدر المؤذن به اللام في قوله: (لئن كنت أغضبتهم لقد أغضبت ربك) لأنهم أولياؤه، وفي الحديث القدسي «ومن عادى لي ولياً، فقد آذنته بالحرب» وفي التعبير بربك المؤذن إلى أنه رباه بنعمه ونقله من حالة إلى حالة أكمل منها بفضله وكرمه، وذلك مستلزم للمحبة فقد جبل الإنسان على حب الإحسان، ومن أحبّ شيئاً أحبّ ما يتعلق به ويرجع إليه وهؤلاء لكونهم جنده وحزبه محبوبون له، فمن أغضبهم فقد غفل عن ذلك وتعرض لغضب الباري ، الإيماء إلى طلب محبة أوليائه المؤمنين والتلطف بهم. وهذا الحديث فيه دلالة على عظم رتبة المذكورين فيه عند الله تعالى، وفيه احترام الصالحين واتقاء ما يؤذيهم أو يغضبهم (فأتاهم فقال: يا إخوتاه) يا فيه للنداء للاستغاثة بهم، وإذا استغيث بالاسم المنادى ولم تدخل عليه لام الجر كيا لزيد فالأكثر أن يتصل بآخره ألف كقوله: يا يزيدا الآمل نيل عز وغنى بعد فاقة وهوان ولك إذا وقفت حينئذٍ أن تأتي بهاء السكت كذا في التوضيح وغيره، وحينئذٍ فلعل الصديق وقف على هذا المنادي فلذا أتى فيه بالهاء أو أنه أتى بها على لغة من يلحقها لغير المندوب وهي لغة قليلة حكاها ابن السيد في «شرح الجمل» وغيره (أغضبتكم) أي بما قلته من جهة أبي سفيان (قالوا: لا) أي لم يحصل لنا من ذلك غضب وذلك لعلمهم بأن الصديق لم يحتقرهم ولا قصد إيذاءهم، إنما أراد تألفه ليكثر سواد المسلمين بإيمانه وإيمان تابعيه، وقولهم (يغفر الله لك) جملة دعائية مزيدة على الجواب. وفي «اللطف واللطائف» للثعالبي «أن الصديق ﵁ رأى في يد دلال متاعاً فقال: أتبيعه؟ فقال: لا،

стр. 597

يرحمكالله، فقال له الصديق: قل: لا، ويرحمكالله، لئلا يشتبه الدعاء لي بالدعاء عليّ» وقد نقل مثله المصنف في «شرح مسلم» فقال: قال القاضي: وقد روي عن الصديق أنه نهى عن مثل هذه الصيغة وقال: قل وعافاك الله ولا تزد: أي ولا تقل قبل الدعاء لا، فتصير صورته صورة نفي الدعاء. وقال بعضهم: قل ويغفر الله لك اهـ. قال بعض الأدباء: وهي أحسن من واو الأصداغ (يا أخي) وفي تعبيرهم بهذا اللفظ إيماء إلى سبب عدم تأثرهم من كلامه وحملهم له على أحسن المحامل، لأن هذا شأن الإخوان وإن قل ذلك في الكثير من أبناء الوقت والزمان وبا المستعان (رواه مسلم) في الفضائل من «صحيحه» والنسائي في «المناقب» بنحوه. فائدة: من فضائل سلمان قوله: «لو كان العلم بالثريا لنا له سلمان» وفي رواية «لناله رجال من فارس» وقوله: «إن الله أمرني أن أحب أربعة وأخبرني أنه يحبهم: عليّ وأبو ذر والمقداد وسلمان» وقول علي ﵁: «سلمان علم العلم الأول والآخر بحر لا يترف هو منا أهل بيت» وقوله أيضاً: سلمان الفارسي مثل لقمان الحكيم ومن فضائل صهيب قوله: «من كان يؤمن با واليوم الآخر فليحب صهيباً حب الوالدة ولدها» وقوله: «صهيب سابق الروم وسلمان سابق فارس وبلال سابق الحبشة» اهـ. ملخصاً من «المفهم» للقرطبي (قوله مأخذها) قال المصنف ضبطوه بوجهين أحدهما مأخذها بالقصر وفتح الخاء المعجمة والثاني بالمد وكسر الخاء وكلاهما صحيح (أي لم تستوف حقها منه) تفسير لمجموع قولهم إن سيوف الله إلخ (وقوله) أي القائل من النفر، واكتفى به لأن الظاهر من إخباره عن نفسه وباقي النفر (يا أخي روي بفتح الهمزة وكسر الخاء) المعجمة (وتخفيف الياء، وروي بضم الهمزة وفتح الخاء وتشديد الياء) على صيغة التصغير وهو تصغير تحبب وترفق وملاطفة، وما أحسن قول الشاعر: ما قلت حبيبي من التحقير بل يعذب اسم الشخص في التصغير ثم هذا الذي حكاه المصنف هنا من أنه روي بالوجهين قد يخالفه قوله في شرح مسلم وأما قوله يا أخي فضبطوه بضم الهمزة على صيغة التصغير.

стр. 598

٢٦٢٣ - (وعن سهل بن سعد) الساعدي ﵁ قال: قال رسول الله: أنا وكافل اليتيم في الجنة هكذا) خبر، وقوله في الجنة في محل الحال ويصح العكس، ولعل الأول أقرب (وأشار) لزيادة التبيين وإدخال المعاني في ذهن السامع لكونها بصورة المحسوس المدركة عادة (بالسبابة) . وفي رواية بالسباحة بحاء مهملة بدل الموحدة الثانية وهي التي تلي الإبهام، سميت بذلك لأنها يسبح بها في الصلاة ويشار بها في التشهد لذلك وهي السبابة أيضاً لأنها يسب بها الشيطان (والوسطى) قال ابن بطال: حق على من سمع هذا الحديث أن يعمل به فيكون رفيق النبي في الجنة ولا منزلة في الآخرة أفضل من ذلك (وفرج) بتشديد الراء أي فرق (بينهما) أي بين السبابة والوسطى إشارة إلى أن بيت درجة النبي وكافل اليتيم قدر تفاوت ما بين السبابة والوسطى. قال القرطبي معنى قوله: «أنا وكافل اليتيم في الجنة كهاتين» أنه معه فيها وبحضرته غير أن كل واحد منهما على درجته فيها إذ لا يبلغ درجة الأنبياء غيرهم ولا يبلغ درجة نبينا أحد من الأنبياء وإلى هذا المعنى الإشارة بقرانه بين أصبعيه فيفهم من الجمع المعية والحضور ومن تفاوت ما بينهما اختصاص كل منهما بدرجة ومنزلة اهـ. وفي رواية «كهاتين إذا اتقى» أي إذا اتقى الله فيما يتعلق بحق اليتيم، ويحتمل أن يكون المراد قرب المنزلة حال دخوله الجنة لما أخرجه أبو يعلى من حديث أبي هريرة رفعه «أنا أوّل من يفتح باب الجنة فإذا امرأة تبادرني فأقول من أنت؟ فتقول: أنا امرأة قائمة على أيتام لي» ورواته لا بأس بهم، وقوله تبادرني، أي لتدخل معي أو في أثري، ويحتمل أن يكون المراد مجموع الأمرين سرعة الدخول وعلوّ المنزلة. قال الحافظ العراقي لعل الحكمة في تشبيه كافل اليتيم بالنبي في دخول الجنة أو في علوّ المنزلة أو في القرب منه كونه من شأنه أن يبعث إلى قوم لا يعقلون أمر دينهم فيكون كافلاً لهم ومعلماً ومرشداً/ وكذا كافل اليتيم يقوم بكفالة من لا يعقل أمر دينه بل ولا دنياه فيرشده ويعلمه ويحسن أدبه فظهرت مناسبة ذلك اهـ. (رواه البخاري) أي في الأدب من «صحيحه» وأخرجه أحمد وأبو داود والترمذي كلهم عن سهل كما في «الجامع الصغير» ، قال المزي وأخرجه أبو داود في الأدب والترمذي في البر (وكافل اليتيم القائم بأموره) ديناً ودنياً وذلك بالنفقة والكسوة

стр. 599

والتربية والتأديب وغير ذلك، قال في «شرح مسلم» وهذه الفضيلة تحصل لمن كفل اليتيم من مال نفسه أو مال اليتيم بولاية شرعية. ٢٦٣٤ - (وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله: كافل اليتيم له) الظرف يصح أن يكون حالاً من المضاف إليه وجاز لكون المضاف عاملاً في المضاف إليه قبل الإضافة فهو نظير ﴿إليه مرجعكم جميعاً﴾ (يونس: ٤) وأن يكون صفة لليتيم وجاز لأن المحلى بأل الجنسية كالنكرة من جهة المعنى وكونه له قال في «الكوكب المنير» بأن يكون جداً أو عماً أو أخاً أو نحو ذلك من الأقارب أو يكون مات أبو المولود فقامت أمه مقامه بكفالته أو ماتت أمه فقام أبوه مقامها في التربية اهـ. ومثله في «شرح مسلم» للمصنف وفي شمول الخبر للأخيرة ما لا يخفى إلا إن كان بطريق القياس على ما تضمنه الخبر إذ ما فيه ليس بيتيم والله أعلم (أو لغيره) بأن يكون أجنبياً منه وكافل مبتدأ، وقوله (أنا) مبتدأ ثان (وهو) معطوف عليه، وقوله (كهاتين في الجنة) خبر أو حال كما عرفته فيما قبله والمبتدأ وخبره الأول والرابط اسم الإشارة والمشار إليه هو السبابة والوسطى كما قال (وأشار الراوي وهو) الإمام الجليل (مالك بن أنس) ابن أبي عامر بن عمرو الأصبحي أبو عبد الله الفقيه المدني إمام دار الهجرة رأس المتقين وكبير المثبتين حتى قال البخاري أصح الأسانيد كلها مالك عن نافع عن ابن عمر، ومن أتباع التابعين مات سنة مائة وتسعة وسبعين، وكان مولده سنة ثلاث وتسعين، وقال الواقدي بلغ تسعين سنة كذا في «تقريب التهذيب» للحافظ (بالسبابة والوسطى، رواه مسلم) في أواخر الكتاب (وقوله له أو لغيره معناه قريبه أو الأجنبي منه) فيه لف ونشر مرتب، فالمراد بقوله له القريب وبقوله لغيره الأجنبي (فالقريب مثل أن تكفله أمه أو جده أو أخوه أو غيرهم من قرابته) أي غير الأب ليكون يتيماً (والله أعلم) .

стр. 600

٢٦٤٥ - (وعنه) أي عن أبي هريرة ﵁ (قال: قال النبي: ليس المسكين) أي الكامل الممدوح من هذا النوع الأحق بالصدقة والأحوج إليها (الذي) يسأل و (ترده التمرة والتمرتان واللقمة واللقمتان) عند سؤاله لأن المتردد يكون قادراً على تحصيل قوته (إنما المسكين) أي أما المسكين الكامل (الذي يتعفف) أي يترك السؤال من الناس مع فقره وليس المراد نفي المسكنة عن الطواف بل نفي كمالها (متفق عليه) فأخرجه البخاري في كتابي الزكاة والأطعمة وأخرجه مسلم في الزكاة. (وفي رواية في الصحيحين) ورواه كذلك أحمد وأبو داود والنسائي كما في «الجامع الصغير» كلهم عن أبي هريرة مرفوعاً (ليس المسكين الذي يطوف) أي يدور (على الناس) سائلاً وجملة (وترده اللقمة واللقمتان والتمرة والتمرتان) في محل نصب على الحال أي ليس هو منحصراً في ذلك كما أفاده الموصول والحال المفيدة للصلة أو الجملة مستأنفة لبيان حاله (ولكن المسكين الذي لا يجد غنىً يغنيه) صفة زائدة على اليسار المنفي إذ لا يلزم من حصول اليسار للمرء أن يغنى به بحيث لا يحتاج إلى شيء آخر/ وكأنّ المعنى نفي اليسار المفيد بأنه يغنيه مع وجود أصل اليسار (ولا يفطن) بالبناء للمفعول أي لا يعلم (له) أي لاحتياجه لتعففه وعدم تعرضه وفي نسخة به بدل اللام (فيسأل الناس) قال الخطابي وغيره: إنما نفى المسكنة عن السائل الطوّاف لأنه تأتيه الكفاية، وقد تأتيه الزكاة زيادة عليها فتزول خصائصه ويسقط اسم المسكنة عنه، وإنما تدوس الحاجة والمسكنة فيمن لا يسأل ولا يعطف عليه فيعطي.

стр. 601

٢٦٥٦ - (وعنه) أي أبي هريرة ﵁ (عن النبي قال: الساعي على الأرملة) هي كما قال الجوهري: التي لا زوج لها وقد أرملت المرأة إذا مات عنها زوجها، قال ابن السكيت: الأرامل المساكين من نساء ورجال ويقال لهم وإن لم يكن فيهم نساء ويقال قد جاءت أرملة من نساء ورجال محتاجين، قال المصنف: وقيل الأرملة التي فارقها زوجها، قال ابن قتيبة: سميت أرملة لما يحصل لها من الإرمال وهو الفقر وذهاب الزاد بفقد الزوج، يقال أرمل الرجل: إذا فنى زاده اهـ. (والمسكين) أي المكتسب لهما ما يمونهما به (كالمجاهد في سبيل ا) وشبه به لأن القيام على المرأة بما يصلحها ويحفظها ويصونها لا يتصور الدوام عليه إلا مع الصبر العظيم ومجاهدة النفس والشيطان فإنهما يكسلان عن ذلك ويثقلانه ويفسدان النية فيه وربما يدعوان بسبب ذلك إلى السوء ويسؤان له ولذا قل من يدوم على ذلك العمل وقلّ من يسلم منه فإذا حصل ذلك العمل حصلت منه الفوائد: كشف كرب الضعفاء وإبقاء رمقهم وسدّ خلتهم وصون حرمتهم كذا في «المفهم» للقرطبي قال في مسلم (وأحسبه قال) وفي البخاري في النفقات بدل قوله وأحسبه، أو التي هي للشك، أي أو قال بدل ذلك (وكالقائم) أي بالتهجد (الذي) كما في نسخة (لا يفتر، وكالصائم الذي لا يفطر) أي هو كالملازم للعبادة ليلاً ونهاراً في دوام الثواب واستمراره بدوام العمل الصالح (متفق عليه) رواه البخاري في النفقات وفي الأدب من «صحيحه» ، ومسلم في الأدب، ورواه الترمذي في البر، وقال حسن صحيح غريب، والنسائي في الزكاة وابن ماجه في التجارات، ومداره عندهم على أبي الغيث سالم مولى ابن مطيع عن أبي هريرة اهـ. ملخصاً من «الأطراف» للمزي. ٢٦٦٧ - (وعنه) أي أبي هريرة (عن النبي قال: شر الطعام) أفعل تفضيل حذفت

стр. 602

همزته تخفيفاً وجاءت ثابتة في حديث عن أنس سئل عن الأكل قائماً فقال: ذلك أشر (طعام الوليمة) قال في «الصحاح» : هي طعام العرس وسيأتي فيه مزيد (يمنعها) بالبناء للمفعول (من يأتيها) للحاجة والفاقة وهم الفقراء وهم الفقراء والمساكين (ويدعى إليها من يأباها) قال المصنف: معناه الإخبار بما يقع من الناس بعده من مراعاة الأغنياء في الولائم وتخصيصهم بالدعوة وإيثارهم بطيب الطعام ورفع مجالسهم وغير ذلك مما هو الغالب في الولائم (ومن لم يجب الدعوة) بفتح الدال المهملة، قال ابن السيد في كتاب المثلث الدعوة بالفتح: الدعاء إلى الله تعالى وكذا كل شيء دعوته وكذا الدعوة إلى الطعام، وبالكسر أن ينتسب الرجل إلى غير أبيه وغير أهله: وبالضم زعم قطرب: أنها الدعوة إلى الطعام، ولا أحفظ ذلك من غيره، والذي حكاه اللغويون دعوة بالفتح اهـ. ملخصاً (فقد عصى الله ورسوله) والمراد منه الدعوة لوليمة النكاح فإن الإجابة إليها واجبة بالشروط المعروفة في كتب الفقه (رواه مسلم) . (وفي رواية في الصحيحين عن أبي هريرة بئس) وهي كلمة لإنشاء الذم وفاعلها إما اسم ظاهر محلى بأل، ومنه قوله: (الطعام) واختلف فيها هل هي للجنس أو للعهد أو مضاف لما فيه أل نحو بئس منزل الأشرار النار، أو ضمير مبهم مفسر باسم نكرة منصوب على التمييز والمخصوص بالدم هو قوله: (طعام الوليمة) والوليمة طعام العرس، والذي عند الإملاك نقيعة كذا في «المصباح» . وفي النجم: الوليمة الطعام المتخذ للعرس، وقال الماوردي إصلاح الطعام واستدعاء الناس لأجله، ولفظها من الولم وهو الجمع لأن الزوجين يجتمعان، وهي تقع على كل دعوة تتخذ لسرور حادث من إملاك وختان وغيرهما لكن استعمالها على الإطلاق في العرس أشهر، وفي غيره بقيد، فيقال وليمة الختان وغيره اهـ. فظاهر أن ما في الحديث مما أريد بما فيه مطلق الطعام المتخذ لأيّ سرور كان وبين سبب الذم على سبيل الاستئناف البياني بقوله (يدعى) بالبناء للمفعول (إليها الأغنياء) نائب الفاعل والظرف قبله لغو متعلق بالفعل (ويترك الفقراء)

стр. 603

أي يمنعون. في «المصباح» يقال ترك حقه إذا أسقطه اهـ. فيؤخذ من التعبير به أن لهم الحق في ذلك وأن المانع لهم ساع في إسقاط حقهم. وفي الحديث أن القربة قد يقترن بها ما يخرجها عن ذلك، وفيه الاحتياط والتحرز عن الموبقات، وفيه مراعاة الفقراء والتلطف بهم، وفيه النهي عن الركون إلى الأغنياء وتعظيمهم لغناهم، فقد ورد «من عظم غنياً لغناه ذهب ثلثا دينه» وذلك لأن أعمال العبادة باللسان والجنان والأركان فهذا استعمل لغرض نفسه ثلثي ما يستعمل في العبادة فأثنى على ذلك بلسانه بالباطل وأكرمه بجوارحه طمعاً فيما عنده وغفله عن أبي الذي ينبغي أن يتوجه إليه العبد على كل حال هو الله الموصوف بأنواع الكمال، قالوا: فإن جمع إلى تعظيمه بلسانه وأركانه تعظيمه بجنانه ذهب جميع دينه والمراد التعظيم المنهى عنه، أما شكره لكونه مظهراً للفيض الرباني فلا منع منه بل هو مأمور به، قال: «لا يشكر الله من لا يشكر الناس» وقال: «من صنع إليكم معروفاً فكافئوه فإن لم تستطيعوا فكافئوه بالدعاء» . ٢٦٧٨ - (وعن أنس) بن مالك ﵁ ناقلاً (عن النبي قال: من عال جاريتين) أي قام عليهما بالمؤنة والتربية ونحوهما مأخوذ من العول وهو العون ومنه: «ابدأ بمن تعول» وفي «المصباح» : عال الرجل اليتيم عولاً من باب قال كفله وقام به (حتى تبلغا) بالفوقية أي تصيرا بالغتين. قال في «المصباح» : بلغ الصبي بلوغاً من باب قعد: احتلم وأدرك، وقال ابن القطاع: بلغ بلاغاً فهو بالغ والجارية بالغ أيضاً بغير تاء، قال ابن الأنباري يقال جارية بالغ فاستغنوا بذكر الموصوف وبتأنيثه عن تأنيث صفته كما يقال امرأة حامل، قال الأزهري: وكان الشافعي يقول جارية بالغ وسمعت العرب تقوله، وهذا التعليل والتمثيل يفهم أنه لو لم يذكر الموصوف وجب التأنيف دفعاً للبس اهـ. ثم بلوغها إما بالسن أو بالحيض أو بالاحتلام ويقدر بلوغها قبل الولادة بستة أشهر، قال القرطبي ويعني ببلوغهما وصولهما إلى حال يستقلان بأنفسهما وذلك إنما يكون في النساء إلى أن يدخل بهن أزواجهن فلا يعني به بلوغهما إلى أن تحيض وتكلف إذ قد تتزوج قبل ذلك فتستغني بالزوج عن قيام الكافل، وقد تحيض وهي غير مستقلة بشيء من مصالحها ولو تركت لضاعت وفسدت أحوالها، بل هي في هذه الحالة أحق بالصيانة والحفظ والقائم عليها لتكمل صيانتها فيرغب في تزويجها ولهذا المعنى قال علماؤنا لا تسقط النفقة عن والد الصبية ببلوغها بل بدخول الزوج بها اهـ. (جاء يوم القيامة) معي وبقربي (أنا وهو)

стр. 604

أي مقرونان فالخبر محذوف وجوباً لدلالة واو المعية عليه وقيامها مقامه، قال ابن مالك في «شرح المشارق» : أنا مبتدأ وهو معطوف عليه وخبره هكذا أي المصرح به في روايته والجملة حال بغير واو أي جاء مصاحباً لي، وقيل فيه تقديم وتأخير تقديره جاء هو وأنا لأن في جاء ضمير يعود إلى من فكلمة هو تأكيد له وأنا معطوف عليه، وقدم لشرفه ولكونه أصلاً في تلك الخصلة اهـ. وعلى الأول فالخبر مقدر وهو كهاتين وقد صرح في رواية من حديث أنس وهي عند البخاري وجاءت في حديثه بلفظ «من عال جاريتين حتى يدركا دخلت أنا وهو الجنة كهاتين» قال السيوطي في «الجامع الصغير» أخرجه مسلم والترمذي وبين ذلك المقدر قول الصحابي (وضم أصابعه) مبيناً لذلك القرب المشار إليه بالمقدر (رواه مسلم) في كتاب الأدب ثم فسر المصنف (الجاريتين) المذكورتين في الخبر بقوله (أي بنتين) ولا يظهر وجه قصر الجاريتين في الخبر على البنتين فإن الجارية في اللغة لا تختص بالبنت، قال في «المصباح» : الجارية السفينة، سميت بذلك لجريها في البحر، ومنه قيل للأمة جارية على التشبيه لجريها مسخرة في أشغال مواليها، والأصل فيها الشابة لخفتها، ثم توسعوا حتى سموا كل أمة جارية وإن كانت عجوزاً لا تقدر على السعي تسمية بما كانت عليه اهـ. وأصرح منه ما في «المعرب» للمطرزي الجريّ بوزن الوصي الوكيل لأنه يجري في أمور موكله والجمع أجرياء، ومنه الجارية لأنثى الغلام لخفتها وجريانهم بخلاف العجوز اهـ. فلا يختص الفضل المذكور في الخبر بالبنتين بل يعمهما وغيرهما. ففي «مسند الفردوس» للديلمي عن أبي المحبر قال: قال رسول الله: «من عال بنتين أو أختين أو خالتين أو جدتين أو عمتين فهو معي في الجنة كهاتين» الحديث أخرجه أحمد في «المسند» . ٢٦٨٩ - (وعن عائشة ﵂ قالت: دخلت) بتسكين التاء وهي الدلالة على تأنيث الفاعل وقوله (عليّ) بتشديد الياء متعلق به و (امرأة) فاعل وفي «المصباح» ، الأنثى امرأة، وفيها لغة أخرى مرأة بوزن تمرة، ويجوز نقل حركة الهمزة إلى الراء فتحذف وتبقى مرة بوزن سنة، وربما قيل أمرء بغير هاء اعتماداً على قرينة تدل عن المسمى. قال الكسائي:

стр. 605

سمعت امرأة من فصحاء العرب تقول: أنا امرء أريد الخير، بغير هاء وجمعها نساء ونسوة من غير لفظها اهـ. وهذه المرأة وبنتاها لم أقف على من عينهن من شرّاح الصحيحين ولا غيرهما. قال الشيخ زكريا لم تعرف أسماؤهن (ومعها ابنتان) جملة حالية وتعدد الرابط، وقوله (لها) في محل الصفة وجملة (تسأل) مستأنفة استئنافاً بيانياً كأن قائلاً يقول: ما سبب دخولها بمن معها؟ فقالت: تسأل (فلم تجد عندي شيئاً) من مطلوبها الذي تعرضت له بالسؤال (غير تمرة واحدة) أكدت مفهوم الواحدة الدال عليها التاء في تمرة دفعاً لتوهم أنها للتأنيث لا للواحدة و «وواحدة مما انفرد بها مسلم عن البخاري فلم يذكرها في الحديث في كتاب الزكاة (فأعطيتها) أي المرأة (إياها) أي التمرة. قال في «فتح الباري» : فيه مزيد حرص عائشة ﵂ على الصدقة امتثالاً لوصية النبي لها بقوله: «لا يرجع من عندك سائل ولو بشق تمرة» رواه البزار (فقسمتها) بتخفيف السين: أي الثمرة (بين ابنتيها ولم تأكل منها) أي التمرة وفي نسخة «شيئاً» وهذا منها محتمل لكونه لداعي الثواب لكونه لذلك ولداعي الطبع أيضاً، فإن طبع الوالد إيثار الولد بذلك، فيؤخذ منه على الاحتمال الأخير حصول الثواب فيه، ويؤيده حديث سعد السابق في باب الإخلاص «وإنك لن تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله تعالى إلا أجرت بها حتى ما تجعل في امرأتك» (ثم قامت) أي منصرفة (فخرجت) ولعل حكمة الإتيان بثم في الأول وبالفاء في الثاني أنها كانت راجية حصول شيء غير التمرة فأطالت الجلوس لانتظاره، فلما غلب على ظنها عدم ذلك قامت فعقبت قيامها بخروجها (فدخل النبي علينا) أي أهل المنزل الشامل لها ولمن عندها من خادم وجليس، فالنون على حقيقتها ويحتمل أن يكون الضمير استعملته في نفسها على انفرادها تعظيماً لكونها من أمهات المؤمنين وزوجات سيد المرسلين لا لذاتها، وقالت بالنظر لذاتها متواضعة كما هو مقتضى عظيم شأنها ومزيد فضلها (فأخبرته) وحذفت المفعولين الأخيرين لدلالة السياق عليهما (فقال: من ابتلي) بضم الفوقية مبنى للمجهول أي امتحن واختبر، وسماه ابتلاء لموضع الكراهة لهن (من هذه البنات) من فيه بيان لقوله (بشيء) وهو نائب الفاعل: أي بأنفسهن أو أحوالهن. قال القرطبي: يفيد بعمومه أن الستر من النار يحصل بالإحسان إلى واحدة من البنات، فإذا عال زيادة على الواحدة فيحصل له زيادة على الستر السبق مع النبي إلى الجنة كما في الحديث السابق «من عال جاريتين» إلخ (فأحسن إليهن) هذه الجملة عند مسلم، وعند

стр. 606

البخاري في كتاب الأدب وليست عنده في كتاب الزكاة، وإحسانه إليهن: صونهن والقيام بمصالحهن والنظر في أصلح الأحوال لهن، فمن فعل ذلك قاصداً به وجه الله تعالى: (كنّ له ستراً) أي سبب ستر (من النار) ولم يقل أستاراً لأن المراد الجنس المتناول للقليل والكثير، ولا شك أن من لم يدخل النار دخل الجنة، وقد جاء في الحديث الآخر في المرأة التي قسمت التمرة بين بنتيها «قد أوجب الله لها الجنة وأعاذها من النار» والحديث عند مسلم (متفق عليه) رواه البخاري في الزكاة والأدب، ورواه مسلم في الأدب، ورواه الترمذي في البرّ والصلة وفي «الجامع الصغير» بعد ذكر المرفوع منه الرمز لمن ذكر وزاد أحمد. ٢٦٩١٠ - (و) روي (عن عائشة ﵂ قالت: جاءتني مسكينة) مأخوذ من السكون: أي ذهاب الحركة وهو بفتح الميم في لغة بني أسد وبكسرها عند غيرهم. قال ابن السكِّيت: المسكين الذي لا شيء له، والفقير الذي له بلغة من العيش، وكذا قال يونس وجعل الفقير أحسن حالاً من المسكين قال: وسألت أعرابياً أفقير أنت؟ قال: لا وا بل مسكين، وقال الأصمعي: المسكين أحسن حالاً من الفقير، وهو الوجه لأن الله تعالى قال: ﴿أما السفينة فكانت لمساكين﴾ (الكهف: ٧٩) وكانت تساوي جملة. وقال في حق الفقراء: ﴿لا يستطيعون ضرباً في الأرض يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف﴾ (البقرة: ٢٧٣) وقال ابن الأعرابي: المسكين هو الفقير وهو الذي لا شيء له فجعلهما سواء، والمسكين أيضاً الذليل وإن كان غنياً والمرأة مسكينة، والقياس حذف الهاء لأن بناء مفعيل ومفعال في المؤنث لا تلحقه هاء نحو امرأة معطير ومسكان لكنها حملت على فقيرة فدخلت الهاء كذا في «المصباح» (تحمل ابنتين لها) أي تسأل كما تقدم في الرواية قبلها وحذف لدلالة الحال عليه/ وكذا ظاهر قولها (فأطعمتها ثلاث تمرات) بفتح الفوقية والميم جمع تمرة بسكونها كسجدة وسجدات (فأعطت كل واحدة منهما تمرة ورفعت إلى فيها تمرة

стр. 607

لتأكلها) بحق القسمة (فاستطعمها) وفي نسخة فاستطعمتها وفي نسخة فاستطعمتها بإثبات التاء (ابنتاها) حذف المفعول الثاني لاستطعم: أي استطعمتها التمرة الثالثة أي طلبتا منها أن تطعمهما إياها (فشقت التمرة) أي شقين (التي كانت تريد أن تأكلها) وقولها (بينهما) متعلق بمحذوف أي وقسمتها (فأعجبني شأنها) لما فيه من الإيثار على النفس بحظوظها ورحمة الصغار ومزيد الإحسان والرفق بالبنات طلباً لوجه الله تعالى، وفي «مفردات الراغب» : الشأن الحال والأمر الذي يتفق ويصلح ولا يقال إلا فيما يعظم من الأحوال والأمور اهـ. (فذكرت التي صنعت) بتاء التأنيث أي الخصلة التي، وفي نسخة «الذي» أي الأمر الذي (لرسول الله) والإتيان بالفاء الدالة على التعقيب، إما لكونه كان بالمنزل إلا أنه لم ير ذلك أو لدخوله عقب صدور ذلك منها كما جاء كذلك فيما قبله (فقال: إن الله قد أوجب لها) أي للمرأة (بها) أي بهذه الفعلة (الجنة) بفضله لما عندها من الرحمة والشفقة وذلك سبب لحلول الرحمة قال: «الراحمون يرحمهم الرحمن يوم القيامة» (أو) شك من الراوي، ويحتمل كونها بمعنى الواو (أعتقها بها من النار) لإعتاقها نفسها من الركون إلى الدنيا والغفلة عن جانب الله بالإيثار للصغار ورحمة لهم (رواه مسلم) في الأدب من صحيحه. ٢٧٠١١ - (وعن أبي شريح) بضم الشين المعجمة وفتح الراء وسكون التحتية بعدها حاء مهملة (خويلد) بضم المعجمة وفتح الواو وسكون التحتية آخره دال مهملة (ابن عمرو) بن صخر بن عبد العزى بن معاوية بن المحترس بن عمرو بن مازن بن عمرو بن ربيعة (الخزاعي) نسبة إلى خزاعة قبيلة، وما ذكره من أن اسمه ﵁ خويلد هو قول الأكثر وقيل اسمه كعب بن عمرو، وقيل عبد الرحمن بن عمرو، وقيل عمرو بن خويلد، وقيل هانىء نزل المدينة وأسلم قبل الفتح، وتوفى بالمدينة سنة ثمان وستين كما قاله ابن سعد، وأخرج ابن الأثير في الكنى من «أسد الغابة» عن المقدام بن شريح بن هانىء

стр. 608

عن أبيه قال: قدم هانىء على رسول الله في وفد بني الحارث بن كعب وكان يكنى أبا الحكم فقال: كانوا إذا كان بينهم شيء حكموني فرضوا لحكمي فكنوني أبا الحكم فقال رسول الله ﷺ أيّ ولدك أكبر؟ فقلت: شريح؟ فقال: أنت أبو شريح. قيل إن النبي دعا له ولولده وهو والد شريح بن هانىء صاحب علي بن أبي طالب يعد في أهل الكوفة، وما ذكر من أنه خزاعي هو أحد ما قيل فيه. قيل كعبيّ، وقيل عدوي قال المصنف في «التهذيب» : كان يوم فتح مكة حاملاً أحد ألوية بني كعب، روي له عن رسول الله ﷺ عشرون حديثاً، اتفقا على حديثين منها، وانفرد البخاري بحديث واحد اهـ. (قال قال رسول الله: اللهم) أصله كما تقدم يا أعلى الصحيح وهو قول البصريين، فحذف حرف النداء وعوض عنه الميم المشددة في الآخر، ولذا لا يجمع بينهما إلا ضرورة نحو: أقول يا اللهم يا اللهما (إني أحرّج) بتشديد الراء تفعيل من الحرج: وهو الإثم والصيغة للمبالغة (حق الضعيفين) أي ما يستحقانه بملك أو غيره كاختصاص ولذا عبر به دون مال وليشمل سائر الحقوق المالية وغيرها (اليتيم) هو من بني آدم من لا أب له وهو دون البلوغ كما مرّ قريباً (والمرأة) بوزن التمرة، وتقدم أنها لغة، وإنما حرّج حقهما وبالغ في المنع منه لأنهما لا جاه لهما يلتجئان إليه ويحاجّ عنهما سوى المولى / فالمتعرض لهما كالمخفر في عهده فهو حقيق بأنواع الوبال، وهذا بخلاف الكامل من الرجال فإن الغالب منهم من يعتمد على قوته أو قوة من يركن إليه ويعول في أمره عليه من مخلوق ذي أمر صورى، ومن اعتزّ بغير الله ذلّ (حديث حسن) هو مشارك للصحيح في اعتبار اتصال السند وعدالة الرواة وضبطهم وانتفاء الشذوذ والعلة القادحة كما تقدم أواخر شرح خطبة الكتاب، إلا أن المعتبر من هذه الأوصاف في الصحيح أعلاها، وفي الحسن مسماها، وهذا من المصنف بناء على ما مشى عليه هو والمتأخرون من إمكان التصحيح والتضعيف والتحسين من الأئمة المتأخرين وخالف فيه ابن الصلاح (رواه النسائي بإسناد جيد) أراد من الإسناد الرواة وتارة يسمون ذلك بالسند ويطلقون الإسناد على رفع الحديث لقائله فلذا قال السيوطي: والسند الإخبار عن طريق متن والإسناد لذي فريق. قال السيوطي في شرح ألفيته في علم الأثر نقلاً عن الحافظ ابن حجر. قال بعد نقله الكلام عن ابن الصلاح: هذا يدل على أن ابن الصلاح يرى التسوية بين الجيد والصحيح. وكذا قال البلقيني في محاسن الاصطلاح بعد أن نقل ذلك ومن ذلك يعلم أن الجودة يعبر بها عن الصحة، وكذا قال غيره لا مغايرة بين جيد وصحيح عندهم إلا أن الجيد منهم لا يعدل

стр. 609

عن صحيح إلى جيد إلا لنكتة، كأن يرتقي الحديث عنده عن الحسن لذاته ويتردد في بلوغه الصحيح. فالوصف به أنزل من الوصف بصحيح اهـ. (ومعنى أحرج ألحق الحرج وهو الإثم بمن ضيع حقهما) فالتفعيل فيه للنسبة نحو فسقت زيداً: أي نسبته إليه وقوله ضيع حقهما يقتضي أنه لو ضاع بسكونه وكان لا مانع به من الكلام شرعاً دخل في الحرج وقوله: (وأحذر من ذلك تحذيراً بليغاً وأزجر عنه زجراً أكيداً) ليس مدلول قوله أحرّج وإنما أخذه المصنف من دلالة السياق عليه وأكيد بمعنى متأكد. ٢٧١١٢ - (وعن مصعب) بضم أوله وسكون الصاد المهملة وفتح المهملة بعدها موحدة (ابن سعد ابن أبي وقاص) بتشديد القاف وآخره صاد مهملة: وهو مالك بن وهيب ويقال أهيب بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب بن كعب بن لؤي القرشي الزهري التابعي المدني سمع أباه وعلي بن أبي طالب وابن عمر، روى عنه مجاهد وأبو إسحاق السبيعي وآخرون واتفقوا على توثيقه. قال ابن سعد: كان ثقة كثير الحديث، توفي سنة مائة وثلاث (قال: رأى) أي ظن وهي رواية النسائي كما في «فتح الباري» (سعد) يعني أباه (أن له فضلاً على من دونه) زاد النسائي من أصحاب رسول الله: أي بسبب شجاعته أو نحو ذلك (فقال: النبي: هل تنصرون وترزقون) ببنائهما للمفعول (إلا بضعفائكم؟) جمع ضعيف ويجمع على ضعاف أيضاً، وفي رواية النسائي «إنما نصر هذه الأمة بضعفتهم بدعواتهم وصلاتهم وإخلاصهم» وله شاهد من حديث أبي الدرداء عند أحمد والنسائي بلفظ: «إنما تنصرون وترزقون بضعفاكم» قال ابن بطال: تأويل الحديث أن الضعفاء أشد إخلاصاً في الدعاء وأكثر خشوعاً في العبادة لخلاء قلوبهم عن التعلق بزخرف الدنيا. وقال المهلب: أراد بذلك حض سعد على التواضع ونفي الزهو على غيره وترك احتقار المسلم في كل حالة. وقد روى عبد الرزاق من طريق مكحول في قصة سعد هذه زيادة مع إرسالها فقال: «قال سعد: يا رسول الله أرأيت رجلاً يكون حامية القوم ويدفع عن أصحابه أيكون نصيبه كنصيب غيره؟ فذكر الحديث، وعلى هذا فالمراد

стр. 610

بالفضل الزيادة من الغنيمة، فأعلمه أن سهام المقاتلة سواء، فإن كان القويّ يترجح بفضل شجاعته فإن الضعيف يترجح بفضل دعائه وإخلاصه (رواه البخاري) في كتاب الجهاد (هكذا) من طريق محمد بن طلحة بن مصرف عن أبيه عن مصعب (مرسلاً) لعدم إدراك مصعب لزمن القصة كما قال (فإن مصعب بن سعد تابعي) فحذف منه الصحابي (ورواه الحافظ أبو بكر) أحمد بن محمد بن أحمد بن غالب (البرقاني) بفتح الموحدة والقاف بينهما راء ساكنة وبعد الألف نون نسبة إلى برقان: قرية بنواحي خوارزم كذا في «اللباب» للسيوطي، زاد الأصبهاني: وفي «لب اللباب» له البرقاني نسبة إلى قرية من قرى كانت بنواحي خوارزم خربت، والمشهور منها الإمام أبو بكر أحمد بن محمد البرقاني الخوارزمي الفقيه المحدث الأديب الصالح (في صحيحه متصلاً عن مصعب عن أبيه) وكذا هو عند النسائي من طريق مسعر عن طلحة بن مصرف عن مصعب بن سعد عن أبيه أنه ظن أن له فضلاً الحديث. قال الحافظ ابن حجر في «النكت الظراف على الأطراف» بعد أن بين اختلاف الرواة في ذكر لفظة «عن أبيه» وحذفها في طريق محمد بن طلحة أيضاً ما لفظه: قال الدارقطني: المحفوظ عن محمد بن طلحة مرسل كما عند البخاري، قال: ولم يسمع محمد بن طلحة من أبيه، والصواب رواية مسعر، يعني التي أخرجها النسائي، قال: وتابعه زبيد وليث على وصله اهـ. ٢٧٢١٣ - (وعن أبي الدرداء) بفتح الدالين المهملتين وسكون الراء بينهما وبالمد كنيته (عويمر) بالمهملة تصغير عامر، وقيل إن اسمه مكبراً، ابن قيس بن زيد بن أمية بن مالك بن عامر بن عدي بن كعب بن الخزرج بن الحارث الأنصاري ﵁ قال ابن قدامة في كتاب «أنساب الأنصار» : وقيل في نسبه غير هذا، تأخر إسلامه قليلاً، شهد ما بعد أحد من المشاهد، واختلف في شهوده أحداً، وكان فقيهاً عاقلاً حكيماً عالماً آخى رسول الله ﷺ بينه وبين سلمة كما تقدم في باب الاقتصاد من حديث أبي جحيفة بذلك عند البخاري. روى عن النبي أنه قال: «عويمر حكيم أمتي» وعن أبي ذر قال: «ما حملت» ورقاء ولا أظلت خضراء أعلم منك يا أبا الدرداء» وعن خالد بن معدان قال: كان ابن المبارك يقول: حدثونا عن العالمين العاملين: معاذ، وأبي الدرداء. وله حكم مشهورة

стр. 611

توفي في خلافة عثمان سنة نيف وثلاثين، وقبره في مقبرة الشهداء يزار. قال المصنف روي له عن رسول الله ﷺ مائة حديث وتسعة وسبعون حديثاً اتفقا على حديثين منها وانفرد البخاري بثلاثة ومسلم بثمانية اهـ. وقال المصنف في «التهذيب» روى عنه جماعة الصحابة منهم ابن عمر وابن عباس وخلائق من التابعين اهـ. (قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ابغوني) بكسر همزة الوصل لأنه من فعل ثلاثي مكسور العين: أي اطلبوا لي (الضعفاء) يعني صعاليك المسلمين أستعين بهم فإذا قلت: أبغني بهمزة القطع فمعناه أعني على الطلب. وقال الحافظ: ابغني بالوصل من الثلاثي أي اطلب لي، يقال بغيتك الشيء: طلبته لك، وبالقطع: أي أعني والأول المراد بالحديث اهـ. والحاصل أنه إن كان من الثلاثي فهمزته للوصل مكسورة والمراد به مطلق الطلب، وإن كان من الرباعي فهمزته للقطع والمراد به طلب الإعانة: أي أعينوني على طلب الضعفاء. قال السيوطي: هو بإسقاط حرف الجرّ عند أبي داود والنسائي، وعند أحمد والطبراني «ابغوني ضعفاءكم» وعن الترمذي «ابغوني في ضعفائكم» قال صاحب «الفتح الكبير» لمعلق «الجامع الصغير» : وطلبهم ليكتبهم في ديوان المجاهدين ويستعين بهم. ولحضورهم فوائد أشار إليها بقوله: (فإنما ترزقون) بالبناء للمفعول وحذف المفعول الثاني المتعدى إليه لتضمنه معنى إعطاء للتعميم: أي ترزقون المطر والفيء وغيرهما مما تنتفعون به (وتنصرون) على أعدائكم (بضعفائكم) أي ببركة وجود صعاليك المسلمين فيكم ودعائهم لكم (رواه أبو داود) في كتاب الجهاد (بإسناد جيد) أي مقبول كما تقدم قريباً/ رواه الترمذي والنسائي وابن حبان والحاكم في «المستدرك» وفي أحاديث الباب والانقطاع إلى الله سبحانه وإعانة الفقراء وإغاثة المنقطعين وعدم رؤية النفس وفضلها على أحد من العاملين والحذر من التعرض لإيذاء أحد من الضعفاء والمساكين الذين لا جار لهم ولا كهف سوى ربّ العالمين.d ٣٤ - باب الوصية بالنساء بكسر النون وبالمد، جمع لامرأة من غير لفظها، وتجمع على نسوة بكسر النون

стр. 612

كما تقدم عن «المصباح» ، والمراد الوصية بالرفق بهن والإحسان إليهن لضعفهن واحتياجهن لمن يقوم بأمرهن. (قال الله تعالى) شأنه عما لا يليق به ( ﴿وعاشروهن بالمعروف﴾ ) أمر يعم الأزواج والأولياء ولكن المتلبس في الأغلب بهذا الأمر الأزواج والمعاشرة المخالطة والممازجة. قال السلمي: «وعاشروهن بالمعروف» قيل علموهن الفرائض والسنن. وقال أبو جعفر: المعاشرة بالمعروف حسن الخلق مع العيال. (وقال تعالى: ﴿ولن تستطيعوا أن تعدلوا﴾ ) العدل التام على الإطلاق: المستوى في الأقوال والأفعال والمحبة والجماع وغير ذلك ( ﴿بين النساء ولو حرصتم﴾ ) «كان يقسم بين نسائه ثم يقول: اللهم هذا فعلي فيما أملك فلا تؤاخذني فيما تملك ولا أملك» فأخبر عن حال البشر أنهم بحكم الخلقة لا يملكون ميل قلوبهم إلى بعض الأزواج دون بعض ( ﴿فلا تميلوا كل الميل﴾ ) بأن يفعل فعلاً يقصد به التفضيل، وهو يقدر أن لا يفعله فهذا هو كل الميل وإن كان في أمر حقير (فتذورها) أي الزوجة التي ميل عليها كل الميل ( ﴿كالمعلقة﴾ ) لا هي أيم ولا هي ذات زوج (وإن تصلحوا) ما أفسدتم بالميل التام (وتتقوا) بالعدل في القسم وترك خلافه ( ﴿فإن الله كان﴾ ) فيما مضى وبالاستمرار ( ﴿غفوراً﴾ ) لما عدا الشرك من المعاصي إن شاء ذلك ( ﴿رحيماً﴾ ) مفيضاً للنعم على عباده، ومناسبة هذين الاسمين لما قبلهما أن الميل السابق إثم ودواءه الغفران، وأن الداعي إلى عدم التقوى من المساواة بالمواساة بين الأزواج ما يعد لهم الشيطان من الفقر فدواؤه استحضار ما للمولى من النعم الحسان. ٢٧٣١ - (وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله: استوصوا بالنساء خيراً) أي تواصوا بهن والباء للتعدية، والاستفعال بمعنى الإفعال كالاستجابة بمعنى الإجابة. وقال الطيبي: السين للطلب وهو للمبالغة: أي اطلبوا الوصية من أنفسكم في حقهن، أو اطلبوا الوصية من غيركم بهن، وقيل معناه: اقبلوا وصيتي فيهن واعملوا بها وارفقوا بهن وأحسنوا عشرتهن. قال العلقمي: وهذا الوجه أوجه في نظري وليس مخالفاً لما قال الطيبي.

стр. 613

قلت: لأن المعنى اطلبوا وصيتي واقبلوها واعملوا بها (فإن المرأة خلقت) بالبناء للمفعول: أي أخرجت (من ضلع) بكسر المعجمة وفتح اللام، ويجوز تسكينها وهي مؤنثة كما في «القاموس» و «المصباح» ، قال في «الفتح» : فيه إشارة إلى أن حواء خلقت من ضلع آدم الأيسر، وقيل من ضلعه القصير، أخرجه ابن إسحاق في المبتدأ عن ابن عباس وكذا أخرجه ابن أبي حاتم وغيره من حديث مجاهد، وأغرب النووي فعزاه للفقهاء أو لبعضهم اهـ. وهذا لا يختلف الحديث الذي فيه تشبيه المرأة بالضلع، بل يستفاد من هذا نكتة التشبيه وأنها عوجاء مثله لكون أصلها منه. وقال القرطبي: يحتمل أن يكون معناه: أن المرأة خلقت من مبلغ ضلع فهي كالضلع (وإن أعوج ما) أي شيء كما في رواية أخرى (في الضلع أعلاه) قيل فيه إشارة إلى أن أعوج ما في المرأة لسانها، وفائدة هذه المقدمة أن المرأة خلقت من ضلع أعوج فلا ينكر اعوجاجها، أو أنها لا تقبل التقويم كما أن الضلع لا يقبله، ولذا قال (فإن ذهبت تقيمه) أي أعلاه عن الاعوجاج الذي هو شأنه (كسرته) لعدم قابليته له (وإن تركته) غير آخذ في إقامته (لم يزل أعوج) لأنه وضعه وشأنه، وكذا المرأة إن أردت إقامتها على الجادة، وعدم اعوجاجها أدى إلى الشقاق والفراق، وهو كسرها وإن صبرت على سوء حالها وضعف معقولها ونحو ذلك من عوجها دام الأمر واستمرت العشرة، والفاء في قوله: (فاستوصوا بالنساء) الفاء الفصيحة: أي فاعرفوا ذلك فاستوصوا بهن (خيراً) بالصبر على ما يقع منهن، فيه رمز إلى التقويم برفق بحيث لا يبالغ فيه فيكسر ولا يتركه فيستمر على عوجه وما قررت من أن الفاء الفصيحة هي العاطفة على مقدر هو ما في النهر لأبي حيان وردّ ما في «الكشاف» ، وتبعه البيضاوي من أنها الواقعة جواباً لشرط مقدر حذف هو وفعله بأن النحاة أجمعوا على عدم جواز حذف الأداة والفعل في مثل ذلك (متفق عليه) رواه البخاري في بدء الخلق وفي النكاح، ورواه مسلم في النكاح، ورواه النسائي في عشرة النساء وابن أبي شيبة، وزاد «من كان يؤمن با واليوم الآخر فإذا شهد أمراً فليتكلم بخير أو ليسكت» . (وفي رواية في الصحيحين) في هذا الحديث عن أبي هريرة لكن اقتصر المزيّ على عزوه بهذا اللفظ إلى مسلم في النكاح. قال: ورواه الترمذي فيه وقال: حسن صحيح غريب من هذا الوجه (المرأة) اللام فيها للحقيقة (كالضلع) في الاعوجاج وعدم قابلية الإقامة (إن أقمتها) أي الضلع وهي مؤنثة، ويحتمل

стр. 614

أن يكون ضمير المؤنث هنا للمرأة، ويؤيده قوله بعد (وإن استمتعت بها كسرتها) لعدم قابليتها للإقامة ويحتمل أن المراد بكسرها طلاقها، وقد وقع ذلك صريحاً كما سيأتي، وكسرها طلاقها (وإن استمتعت بها) لقضاء الوطر وطلب الولد الصالح والإعفاف (استمتعت بها) وجملة (وفيها عوج) جملة إسمية حالية. (وفي رواية لمسلم) في النكاح (إن المرأة) الإتيان بالمؤكد لاقتضاء المقام له، وكأنه لكثرة الشكاية من الأزواج من عدم استقامتهن، وذلك يقتضي منهم أنهم توهموا إمكان استقامتهن أو ترددوا فيه، فأتى دفعاً لذلك بذلك (خلقت من ضلع لن تستقيم لك) أي تدوم (على طريقة) ترضاها، والجملة مستأنفة استئنافاً بيانياً كأن سائلاً يقول: ماذا ينشأ من كونها خلقت من ذلك؟ فقال: لن تستقيم (فإن استمتعت بها استمتعت بها وفيها عوج، وإن ذهبت تقيمها) إقامة تامة مرضية لك (كسرتها) لأنه خلاف شأنها، وليس في وسعها واستعدادها (وكسرها) المدلول عليه بقوله كسرتها (طلاقها. قوله) في الحديث (هو عوج بفتح العين) المهملة (والواو) قال الفيومي في «المصباح» : العوج بفتحتين في الأجساد: خلاف الاعتدال، وهو مصدر من باب تعب، يقال عوج العود ونحوه فهو أعوج والأنثى عوجاء من باب أحمر، والعوج بكسر العين في المعاني، يقال: في الأمر عوج وفي الدين عوج. قال أبو زيد في الفرق بكل ما رأيته بعينك فهو مفتوح، وما لم تره فهو مكسور. وقال بعض العرب: يقول في الطريق عوج بالكسر اهـ. وفي «التهذيب» للمصنف اختلف في ضبط عوج في هذا الحيث، فضبطه كثيرون بفتح العين، وضبطه الحافظ أبو القاسم وآخرون من المحققين بالكسر وهو الصواب الجاري على ما ذكره أهل اللغة اهـ. ومنه يعلم أنه تبع في ضبطه هنا الكثيرين والصواب خلافه، إلا أن يدعي أن تلك الأخلاق منهن لما تكررت صارت كالمحسوس فاستعمل فيها ما يستعمل فيه، فيكون صحيحاً أيضاً إلا أنه تكلف. ٢٧٤٢ - (وعن عبد الله بن زمعة) بفتح الزاي وإسكان الميم، ابن الأسود بن

стр. 615

المطلب بن أسد بن عبد العزي بن قصيّ القرشي الأسدي ﵁ أمه قرينة بنت أمية بن المغيرة أخته أم سلمة أم المؤمنين، كان من أشراف قريش، وكان يأذن على النبي روى عنه أبو بكر بن عبد الرحمن وعروة بن الزبير، وقتل زمعة يوم بدر كافراً، وكان الأسود من المستهزئين الذين قال تعالى في حقهم: ﴿إنا كفيناك المستهزئين﴾ (الحجر: ٩٥) وقتل عبد الله مع عثمان يوم الدار، قاله أبو أحمد العسكري عن أبي حسان الزيادي، وكان لعبد الله ابن اسمه يزيد قُتل يوم الحرة صبراً، قتله مسلم بن عقبة المري اهـ. ملخصاً من «أسد الغابة» . قال ابن حزم في آخر كتابه «مختصر التاريخ» : روي له عن النبي حديث واحد. قلت: وذكر المزي في الأطراف له حديثين أحدهما حديث الباب والثاني عند أبي داود (أنه سمع النبي يخطب وذكر الناقة) التي كانت معجزة لسيدنا صالح على نبينا وعليه أفضل الصلاة والسلام، والواو عاطفة على محذوف تقديره خطب فذكر كذا وذكر الناقة (والذي عقرها) وهو قذار بضم القاف وبالذال المعجمة آخره راء، ابن سالف أحيمر ثمود (فقال) مبيناً لوصفه (إذا انبعث أشقاها) أشقى قبيلة ثمود، وهو أشقى الأولين (انبعث لها) أي للناقة (رجل عزيز) بالمهملة وزاءين معجمتين بوزن رحيم: أي قليل المثل (عارم) بالمهملتين كما سيأتي في تفسيره (منيع) أي قوي ذو متعة (في رهطه) يمنعونه من الضيم، زاد البخاري في رواية «مثل أبي زمعة» وفي أخرى «مثل أبي زمعة عم الزبير بن العوام» وهو عمه مجازاً لأنه ابن عم أبيه فكأنه أخر أبيه فأطلق عليه عم بهذا الاعتبار قال القرطبي في «المفهم» : يحتمل أن المراد بأبي زمعة الصحابي الذي بايع تحت الشجرة، يعني وهو عبيد البلوى، قال: ووجه تشبيهه به أنه كان في عز ومنعة في قومه كما كان ذلك الكافر، قال: ويحتمل أن يريد غيره من الكفار ممن يكنى بأبي زمعة. قال الحافظ في «الفتح» : وهذا الثاني هو المعتمد والغير المذكور هو الأسود، وهو جد عبد الله بن زمعة راوي الخبر لقوله في نفس الخبر عم الزبير، وليس بين البلوى والزبير نسب اهـ. (ثم ذكر) يعني النبي في خطبته تلك (النساء) استطراداً (فوعظ فيهن) فاستطرد إلى ما يقع من

стр. 616

أزواجهن (فقال يعمد) بكسر الميم (أحدكم فيجلد امرأته جلد العبد) بالنصب أي مثل ضربه في كونه مبرّحاً مؤذياً. وعند مسلم في رواية «ضرب الأمة» وللنسائي «كما يضرب العبد أو الأمة» . وفي البخاري في الأدب من رواية ابن عيينة «ضرب الفحل» والمراد منه البعير. وفي حديث لقيط بن صبرة عند أبي داود «ولا تضرب ظعينتك ضربك» ، أمتك «فلعله يضاجعها» . وفي رواية البخاري في النكاح «يجامعها» (من آخر يومه) وعند النسائي «من آخر النهار» ورواية ابن نمير والأكثر «آخر يومه» ورواية وكيع «آخر الليل أو من آخر الليل» وكلها متقاربة وفي الحديث جواز تأديب الرقيق بالضرب الشديد، والإيماء إلى جواز ضرب النساء دون ذلك، وفي سياق الحديث استبعاد وقوع الأمرين من العاقل أن يبالغ في ضرب امرأته ثم يجامعها من بقية يومه أو ليلته، والمجامعة أو المضاجعة إنما تستحسن مع الميل والرغبة في العشرة والمجلود غالباً ينفر ممن جلده، فوقعت الإشارة إلى ذم ذلك، وأنه إذا كان ولا بد فليكن التأديب بالضرب اليسير بحيث لا يحصل معه النفور التام فلا يفرط في الضرب ولا يفرط في التأديب (ثم وعظهم) استطراداً: أي حذرهم (في ضحكهم من الضرطة) وذلك لأنه خلاف المروءة، ولما فيه من هتك الحرمة (وقال) في تقبيح ذلك (لم) بكسر اللام (يضحك أحدكم مما يفعل) وذلك لأن الضحك إنما يكون من الأمر العجيب والشأن الغريب يبدو أثره على البشرة فيكون التبسم، فإن قوي وحصل معه الصوت كان الضحك، فإن ارتقى على ذلك كانت القهقهة، وإذا كان هذا الأمر معتاداً من كل إنسان فما وجه الضحك من وقوع ذلك ممن وقع منه (متفق عليه) رواه البخاري في التفسير بجملته، وروى قصة النساء فقط في النكاح أيضاً، وقصة النكاح والضرطة في الأدب أيضاً، ورواه بجملته مسلم في باب صفة النار، ورواه الترمذي في «التفسير» وقال: حسن صحيح، ورواه النسائي في «التفسير» وفي عشرة النساء بالقصة الثالثة، كذا قاله المزي في «الأطراف» . قال الحافظ التقي ابن فهد: بل الثانية وابن ماجه في النكاح (والعارم بالعين المهملة والراء) لم يحتج لتقييد الراء بالمهملة لأن تلك زاي بالياء في اللغة المشهورة فلا تلتبس بالراء (هو الشرير) بكسر المعجمة وتشديد الراء الأولى (المفسد) . وفي «النهاية» ، أي خبيث شرير وقد عرم بالضم والفتح والكسر، والعرام: القوة والشدة والشراسة. وفي «الصحاح» : وصبيّ عارم بين العرام: أي شرس. وقد عرم يعرم ويعرم أي بضم عين المضارع

стр. 617

وكسرها عرامة بالفتح، (وقوله) في الحديث (انبعث) انفعل من البعث (أي قام بسرعة) وجعله في «الصحاح» مطاوع بعثه وابتعته وذلك يؤذن بالسرعة. ٢٧٥٣ - (وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله: لا يفرك) أتى ضبطه ومعناه (مؤمن مؤمنة) نكرهما للتعميم: أي لا تبغض المؤمنة على كل حالها به شأن المؤمن معها (إن كره فيها خلقاً) بضم الخاء المعجمة كسوء الخلق مثلاً (رضي منها) خلقاً (آخر) كالعفاف (أو) شك من الراوي (قال) يعني النبي (غيره) بدل قوله آخر. قال المصنف: قال القاضي عياض: ليس هذا على النهي بل هو خبر: أي لا يقع منه بغض تام لها، قال: وبغض الرجال للنساء بخلاف بغضهن لهم، قال: ولهذا قال: إن كره منها خلقاً رضي منها آخر اهـ. وهو ضعيف أو غلط، بل الصواب أنه نهي: أي ينبغي أن لا يبغضها لأنه إن وجد فيها خلقاً يكره وجد فيها خلقاً مرضياً، وهذا الذي ذكرته من أنه نهي يتعين بوجهين: أحدهما أن المعروف في الروايات لا يفرك بإسكان الكاف لا برفعها وهذا يتعين فيه النهي، ولو روي مرفوعاً لكان نهياً لفظ الخبر. الثاني: أنه قد وقع خلافه فبغض الناس يبغض زوجته بغضاً شديداً ولو كان خبراً لم يقع خلافه وهذا وقع خلافه، وما أدري ما حمل القاضي على هذا التعبير اهـ. (رواه مسلم) في كتاب النكاح (قوله: يفرك هو بفتح الياء) التحتية (وإسكان الفاء) هذا مستغنى عنه أتى به زيادة في الإيضاح (وفتح الراء) فهو من باب فرح يفرح (ومعناه يبغض) بضم

стр. 618

التحتية وكسر المعجمة مضارع من الإبغاض (يقال: فركت المرأة زوجها وفركها زوجها بكسر الراء) في الماضي (يفركها بفتحها) في المضارع (أي أبغضها) قال في «المصباح» : أبغضت الشيء إبغاضاً فهو مبغض والاسم البغض، ولا يقال بغضه بغير ألف، والمراد من الحديث أن شأن المؤمن أن لا يبغض المؤمنة بغضاً كلياً يحمله على فراقها: أي ينبغي له أن يغفر سيئتها لحسنتها ويتغاضى عما يكره بما يحبّ. قال القرطبي: وأصل الفرك إنما يقال في النساء يقال فركت المرأة زوجها وأبغض الرجل امرأته، وقد استعمل الفرك في الرجل قليلاً وتجوّزاً، منه ما في هذا الحديث اهـ. (والله أعلم) . ٢٧٦٤ - (وعن عمرو بن الأحوص) بفتح الهمزة وسكون الحاء المهملة وبعد الواو مهملة ثانية ابن جعفر بن كلاب (الجشمي) الكلابي قاله أبو عمرو، وأما ابن منده وأبو نعيم فلم ينسباه إنما قالا: عمرو بن الأحوص الجشمي. قال ابن الأثير: قول أبي عمرو إنه جشمي كلابي لا أعرفه فإنه ليس في نسبته إلى كلاب جشم ولا فيما بعد كلاب وإنما الأحوص بن جعفر بن كلاب نسب معروف ولعله له حلف في جشم فنسب إليه اهـ. ﵁ . قال ابن حزم: روي له عن رسول الله ﷺ حديثان (أنه سمع النبي في حجة الوداع) بفتح الواو لأن النبي ودّع الناس ولم يحج بعدها، ويقال بكسرها وتقدم فيها مزيد في باب النية في حديث سعد بن أبي وقاص (يقول بعد أن حمد الله تعالى) بالأوصاف الجميلة (وأثنى عليه) بتنزيهه عما لا يليق به (وذكر) بتخفيف الكاف: أي أتى بذكر الله تعالى من التكبير والتهليل، أو بتشديدها من التذكير با والتخويف من عقابه، ويؤيد هذا قوله (ووعظ ثم) أي بعد أن أطال في ذلك لاستدعاء المقام له (قال) مستطرداً للوصية بالنساء (ألا) بتخفيف اللام: أداة استفتاح يؤتى بها أول الكلام إذا كان المقام يهتم به (واستوصوا بالنساء خيراً) المعطوف عليه محذوف اختصاراً مدلول عليه بما قبله (فإنما هن عوان) جمع واحدة عانية وإعرابه مقدر لثقل الضمة على الياء المحذوفة

стр. 619

لالتقاء الساكنين. قال في «النهاية» : أي أسراء أو كالأسراء، وأشار به إلى أنه محتمل لكونه من باب التشبيه البليغ أو أنه على ظاهره من غير تقدير لشيء (عندكم ليس تملكون منهن شيئاً غير ذلك) المشار إليه محذوف مدلول عليه بباقي الكلام وهو الاستمتاع وحفظ الزوج في نفسها وماله (إلا أن يأتين بفاحشة) كبيرة كنشوز وسوء عشرة (مبينة) بكسر الياء اسم فاعل، لأنها تبين عدم انقيادها المفروض عليها، أو بفتحها اسم مفعول: أي إن سوء حالها يدل على تلك الفاحشة ويبينها (فإن فعلن) ذلك أي النشوز بأن ظهرت مقدماته منها فعظوهن، فإن لم ينزجرن به (فاهجروهنّ في المضاجع) في المراقد فلا تدخلوهن تحت اللحف (واضربوهنّ ضرباً غير مبرح) بكسر الراء المشددة، ولا شائن بأن لا يجرحها ولا يكسر لها عظماً ويجتنب الوجه والمهالك فيضربن مع الهجران عند تحقق النشوز والعصيان وهو ضرب تأديب وتعزير. قال الروياني في «البحر» : ويضربها بمنديل ملفوف أو بيده لا بسوط ولا عصى، وإباحة الضرب في هذه الحالة ولاية من الشرع للزوج لأخذ حقه. قال العز بن عبد السلام: ليس لنا موضع يضرب المستحق من منع حقه غير هذا، والعبد إذا منع حق سيده، لأن الحاجة ماسة إلى ذلك فيهما لتعذر إثبات ذلك بسبب عدم الاطلاع وإنما يجوز ضربها إن علم أو ظن أنه يصلحها فإن علم عدم إفادته لم يجز (فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلاً) بالتوبيخ والإيذاء؛ فالمعنى: فأزيلوا عنهن التعرض واجعلوا ما كان فيهن كأن لم يكن، فإن التائب من الذنب كمن لا ذنب له. وهذه الجملة مقتبسة من معنى قوله تعالى: ﴿واللاتي تخافون نشوزهن﴾ (النساء: ٣٤) إلى قوله: ﴿سبيلاً﴾ (ألا) أداة استفتاح أتى بها للتنبيه على ما بعدها لأنه حكم آخر (إن لكم على نسائكم حقاً) أمراً واجباً (ولنسائكم عليكم حقاً) هذا من عطف معمولين على معمولي عامل واحد، وهو جائز اتفاقاً (فحقكم عليهن أن لا يوطئن فرشكم من تكرهون) قال المازري: قيل المراد بذلك أن لا يستخلين بالرجال. قال القاضي عياض: كانت عادة العرب حديث الرجال مع النساء، ولم يكن ذلك

стр. 620

عيباً ولا ريبة عندهم، فلما نزلت آية الحجاب نهوا عن ذلك اهـ. قال المصنف: والمختار أن معناه لا يأذنّ لأحد تكرهونه في دخول بيوتكم والجلوس في منازلكم سواء كان المأذون له رجلاً أجنبياً أو امرأة أو أحد محارم الزوجة، فالنهي يتناول جميع ذلك. قلت: ولذا عقب بقوله: (ولا يأذنّ في بيوتكم لمن تكرهون) أي تكرهون دخوله لمنزلكم من أنثى وذكر وهذا حكم المسألة عند الفقهاء أنه لا يحلّ لها أن تأذن لرجل ولا امرأة لا محرم ولا غيره في دخول منزل الزوج إلا من علمت أو ظنت أن الزوج لا يكرهه، لأن الأصل تحريم دخول منزل الإنسان حتى يوجد الإذن منه في ذلك أو ممن أذن له في الإذن في ذلك أو عرف رضاه به باطراد العرف بذلك ونحوه، ومتى حصل الشك في الرضا ولم يترجح شيء ولا وجدت قرينة لا يحلّ الدخول ولا الإذن، والله أعلم اهـ. (ألا وحقهن عليكم أن تحسنوا إليهن في كسوتهن وطعامهن) بإعطائهن ذلك بحسب اللائق بأحوالكم يساراً وإعساراً. وفي الحديث وجوب نفقة الزوجة وكسوتها عند عدم نحو النشوز وهو واجب إجماعاً (رواه الترمذي) في النكاح من جامعه (وقال: حديث حسن صحيح) وتقدم أن الجمع بين الوصفين المذكورين إن كان في متعدد السند فهو على تقدير واو العطف والتقدير حسن وصحيح: أي حسن باعتبار أحد الإسنادين، وصحيح باعتبار الآخر، وإلا فهو عى تقدير أو التي للترديد: أي أنه حسن أو صحيح: أي إن المحدثين اختلفوا في رجال سنده هل بلغوا درجة الصحة أو هم قاصرون على درجة الحسن، ورواه النسائي وابن ماجه (قوله: عوان) التنوين فيه للعوض عن الياء إن اعتبر الإعلال سابقاً على منع الصرف، أو عن الحركة إن اعتبر منع الصرف قبل اعتبار الإعلال، وقيل: إنه للصرف وهذا ضعيف جداً (أي أسيرات جمع عانية. بالعين المهملة) إن قلت: هذا القسم من جمع التكسير هو الذي ادعى النحاة فقده خارجاً ووجوده عقلاً وهو التغيير بالزيادة والنقص من غير تغيير الشكل. قلنا: يمكن أن يقال: إنه ليس كذلك، فإن حركات الجمع غير حركات المفرد فضمة الفاء في فلك جمعاً كضمة همزة أسد وضمته مفرداً كضمة قاف قفل، وقد صرح بذلك شراح الكافية فكان ما ذكر كغلام وغلمان مما اجتع فيه التغيير بالنقص والزيادة

стр. 621

وتغيير الشكل (وهي الأسيرة والعاني: الأسير) ومنه حديث «أطعموا الجائع وفكوا العاني» قال في «النهاية» : العاني: الأسير وكل من ذلّ واستكان وخضع، يقال عنا يعنو فهو عان (شبه رسول الله ﷺ المرأة في دخولها تحت حكم الزوج) ووجوب طاعتها له (بالأسير) فيكون قوله: «فإنما هن عوان» من التشبيه البليغ على حد زيد أسد (والضرب المبرح) المنهيّ عنه (هو الشاق الشديد) قال في «المصباح» : برح به الضرب تبريحاً: اشتد وعظم (وقوله: فلا تبغوا عليهن سبيلاً: أي لا تطلبوا طريقاً تحتجون به عليهن) بعد توبتهن ورجوعهن إلى الطاعة (وتؤذوهن به) أي ولا تؤذوهن به، ويجوز أن تكون الواو للمعية والنصب بأن مضمرة لكونه في جواب النهي، لكن يوهم أن الممنوع منه إنما هو طلب الطريق المذكور مع الإيذاء، أما طلبها من غير إيذاء فلا نهي عنه وليس كذلك، بل منهي عن التعرض لها بعد التوبة مطلقاً (والله أعلم) . ٢٧٧٥ - (وعن معاوية) بالعين المهملة وبالتحتية بعد الواو المكسورة (ابن حيدة) بمهملة مفتوحة وسكون تحتية وفتح دال مهملة فهاء تأنيث كذا في «المغني» ، ابن معاوية بن قشير بن كعب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة القشيري من أهل البصرة، غزا ﵁ خراسان ومات بها، وهو جدّ بهز بن حكيم بن معاوية، وروى عنه ابنه حكيم بن معاوية، وسئل يحيى بن معين عن بهز بن حكيم عن أبيه عن جده فقال: إسناد صحيح إذا كان من دون بهز: ثقة (قال: قلت يا رسول الله) ورواه ابن الأثير في «أسد الغابة» عنه «أن رجلاً سأل رسول الله: ما حقّ المرأة على الزوج؟» إلى آخر الحديث، ولا تنافي لاحتمال التعدد أو أنه أبهم نفسه في تلك الرواية إما نسياناً لعين السائل أو لغرض آخر (ما حقّ زوجة أحدنا عليه) أي ما واجبها عليه (قال: أن تطعمها) بضم الفوقية (إذا طمعت) بكسر العين أي

стр. 622

أكلت (وتكسوها) بفتح التاء الفوقية والواو (إذا اكتسيت) ومعنى كونه فرضاً عليه إذا كان لا يأكل زائداً على فرض القوت، أما لو كان مترفها في المطعم والملبس فما زاد على الواجب لها فنفل منه وإحسان عليها (ولا تضرب الوجه) لأنه عضو لطيف والشين فيه شنيع (ولا تقبح) بتشديد الباء الموحدة المكسورة: أي لا تقل قبح الله وجهك أو لا تقل ما أقبح هذا الخلق، فإن ذمّ الصنعة ذم لصانعها (ولا تهجر) عند النشوز (إلا في البيت) فاترك مضاجعتها ولا تترك كلامها عند حاجتها (حديث حسن رواه أبو داود) في كتاب النكاح من سننه والنسائي وابن ماجه (وقال) أي أبو داود (معنى لا تقبح أي) تفسير لمعنى الجملة (لا تقل قبحك ا) وهذا أحد احتمالين فيه. ٢٧٨٦ - (وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله: أكمل المؤمنين) أي من أكملهم (إيماناً) منصوب على التمييز عن أفعل التفضيل وهو فاعله من حديث المعنى (أحسنهم خلقاً) بضم الخاء المعجمة واللام وسكونها، وتقدم أنه ملكة تبعث النفس على أفعال حميدة واكتساب شيم شريفة. وقال الحسن البصري: حقيقة حسن الخلق بذل المعروف وكفّ الأذى وطلاقة الوجه. قال الباجي: وتحسين الخلق أن يظهر منه لمن يجالسه أو يردّ عليه البشر والحلم والإشفاق والصبر على التعليم والتودد إلى الصغير والكبير. وقد اختلف فيه هل هو مكتسب أو غريزي، وجمع بين القولين بأنه غريزي باعتبار أصله ويقوى وينمو بالكسب. قال الحافظ في «الفتح» : ومحصل ما أجاب العلماء عن الأحاديث المختلف فيها الأجوبة بأن أفضل الأعمال كذا أن اختلاف الجواب لاختلاف حال السائلين بأن أعلم كلا بما يحتاج إليه أو بما لهم فيه رغبة أو بما هو اللائق، أو أن اختلافه باختلاف الأوقات بأن يكون العمل في ذلك الوقت أفضل منه في غيره - فقد كان الجهاد في ابتداء الإسلام أفضل الأعمال لأنه الوسيلة إلى القيام بها والتمكن منها، وقد

стр. 623

تظافرت الأدلة على أن الصلاة أفضل من الصدقة، ومع ذلك ففي وقت مواساة المضطر تكون الصدقة أفضل، أو أن أفضل ليس على بابه بل المراد الفضل المطلق، أو أن المراد من أفضل فحذفت من وهي مرادة كما ورد «خيركم خيركم لأهله» ومعلوم أنه لا يصير بذلك خير الناس مطلقاً، فعلى هذا فأفضل الأعمال على الإطلاق الإيمان والباقيات متساوية في كونها من أفضلها وإن تفاوتت درجاتها بما ورد فيها اهـ. ملخصاً (وخياركم خياركم لنسائهم) . وفي رواية «خيركم خيركم لأهله» قال في «النهاية» : هو إشارة إلى صلة الرحم والحثّ عليها. قيل: ولعل المراد من حديث الباب أن يعامل زوجته بطلاقة الوجه وكفّ الأذى والإحسان إليها والصبر على أذاها. قلت: ويحتمل أن الإضافة فيه للعهد والمعهود هو النبيّ، والمراد أنا خيركم لأهلي، وقد كان أحسن الناس لأهله وأصبرهم على اختلاف أحوالهم (رواه الترمذي وقال: حسن صحيح) وكذا رواه ابن حبان. ٢٧٩٧ - (وعن إياس) بكسر الهمزة وتخفيف التحتية وبعد الألف سين مهملة (ابن عبد الله بن أبي ذباب) بضم المعجمة وخفة الموحدة الأولى كما في «المغني» . الدوسي وقيل المزني والأوّل أكثر ﵁ سكن مكة، قال أبو عمرو: له صحبة، وقال ابن منده وأبو نعيم: اختلف في صحبته، كذا في «أسد الغابة» ، روي له عن رسول الله ﷺ هذا الحديث. (قال: قال رسول الله: لا تضربوا إماء ا) الإماء بكسر الهمزة وبالمد بوزن كتاب جمع أمة وهي محذوفة اللام والهاء عوض عنها والأصل أموة بفتحات، ولذا يرد في التصغير فيقال أمية والأصل أميوة، ويجمع أيضاً على آإم بوزن قاض وعلى إموان بوزن إسلام، وقد يجمع على أموات بوزن سنوات، والمراد بإماء الله النساء: أي لا تضربوهن ظاهره على كل حال (فـ) ـلذا (جاء عمر ﵁ إلى رسول الله ﷺ فقال: ذئرن النساء) سيأتي ضبطه ومعناه وهو على لغة أكلوني البراغيث، والفصيح تجريد الفعل من علامة الجمع بأن يقال ذئر أو ذئرت بالتاء، والثاني أفصح لأن المسند لجمع التكسير الأفصح إلحاق التاء آخره، ورأيته في أصل آخر من «سنن أبي داود» ذئر النساء بحذف

стр. 624

النون (على أزواجهن) لما سمعن المنع عن ضربهن مطلقاً (فرخص في ضربهن) من الرخصة، وهي تغيير الحكم من صعوبة إلى سهولة لعذر مع قيام سبب حكم الأصل، وسبب المنع الرفق بهن وهو قائم حال إباحته للعذر وهو دوام الزوجية والقيام بحقوقها عند حقوقهن من ترك ذلك (فأطاف بآل رسول الله) أي بأزواجه وسراريه، وليس المراد بالآل من تحرم عليهم الزكاة (نساء كثير) من صيغ جمع الكثرة (يشكون أزواجهن) أي ضربهم. (فقال رسول الله: لقد أطاف بآل محمد نساء كثير يشكون أزواجهن، ليس أولئك) أي الضاربون لأزواجهم (بخياركم) وذلك لأنه يؤذن بحرج الصدر وضيق النفس، ذلك خلاف حسن الخلق الذي هو من أوصاف الخيار. (رواه أبو داود) في كتاب النكاح (بإسناد صحيح) ورواه النسائي وابن ماجه. (قوله) في الحديث (ذئرن هو بذال معجمة مفتوحة ثم همزة مكسورة ثم راء ساكنة ثم نون: أي اجترأن) عليهم ونشزن (قوله أطاف: أي أحاط) وهو متعد بالباء أيضاً، يقال أطاف بالشيء: أي أحاط به. ٢٨٠٨ - (وعن عبد الله بن عمرو بن العاص) بإثبات الياء كما هو الفصيح، وتقدم تحقيق ذلك في باب الاقتصاد وتقدمت ترجمته في باب بيان كثرة طرق الخير ﵄ إن رسول الله ﷺ قال: الدنيا متاع) أي شيء يتمتع به حيناً كما قال تعالى: ﴿قل متاع الدنيا قليل﴾ (النساء: ٣٣) (وخير متاع الدنيا) أتى بالاسم الظاهر موضع الضمير لزيادة الإيضاح (المرأة الصالحة) قال القرطبي: فسرت في الحديث بقوله: «التي إذا نظر إليها سرّته، وإذا أمرها أطاعته، وإذا غاب عنها حفظته في نفسها وماله» (رواه مسلم) في كتاب النكاح وأحمد والنسائي.

стр. 625

٣٥ - باب حق أي واجب الزواج على المرأة أي ما يجب له عليها ويستحقه منها (قال الله تعالى) : ( ﴿الرجال قوّامون على النساء﴾ ) يقومون عليهن قيام الولاة على الرعية، وعلل ذلك بأمرين: وهما قوله: ( ﴿بما فضل الله بعضهم على بعض﴾ ) أي بسبب تفضيله بالرجال على النساء بكمال العقل وحسن التدبير ومزيد القوّة في الأعمال والطاعات، ولذلك خصوا بالفتوّة والإمامة والولاية وإقامة الشعائر والشهادة في مجامع القضايا ووجوب الجهاد والجمعة ونحوها والتعصيب وزيادة السهم في الميراث والاستبداد بالفراق. وبأمر كسبي هو قوله: ( ﴿وبما أنفقوا من أموالهم﴾ ) في نكاحهن كالمهر والنفقة. ثم قسم الله النساء قسمين فقال: ( ﴿فالصالحات قانتات﴾ ) مطيعات قائمات بحقوق الأزواج ( ﴿حافظات للغيب﴾ ) لمواجب الغيب: أي يحفظن في غيبة الأزواج ما يجب حفظه في النفس والمال، وقيل للأسرار ( ﴿بما حفظ ا﴾ ) أي بحفظ الله إياهن بالأمر على حفظ الغيب والحثّ عليه بالوعد والوعيد والتوفيق له، أوبالذي حفظه الله لهنّ عليهم من المهر والنفقة والقيام بحفظهن والذب عنهن. قال السفاقسي: قراءة الجمهور برفع الجلالة وما مصدرية: أي يحفظ الله إياهن وجوز كون ما موصولاً اسمياً محذوف العائد: أي بما حفظهالله، وأجاز أبو البقاء أن تكون نكرة موصوفة والعائد محذوف، وقرأ أبو جعفر بنصب الجلالة فما بمعنى الذي، وفي حفظ ضمير يعود عليها: أي بالبرّ الذي حفظ حق الله من التعفف وغيره، وقدره ابن جني بما حفظ حدود الله والمضاف متعين لأن الذات المقدسة لا ينسب حفظها إلى أحد وفيه حذف الضمير من حفظ: أي بحفظهن وهو قبيح لا يجوز إلا في الشعر، والأحسن أن لا يقال حذف الضمير بل عاد عليهن مفرداً ملاحظة للجنس، فكأن الصالحات في معنى من صلح، وإنما أدى إلى هذه الشذوذ في هذه القراءة توجيهها على أن ما موصولة، أما إذا جعلناها مصدرية كما تقدم فلا اهـ. (وأما الأحاديث) النبوية (فمنها حديث عمرو بن الأحوص السابق) بالرفع (في الباب قبله) .

стр. 626

٢٨٠١ - (وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله: إذا دعا الرجل امرأته إلى فراشه) قيل هو كناية عن الجماع ويقويه قوله: «الولد للفراش» والكناية عما يستحي من التصريح به فاشية في الكتاب والسنة (فلم تأته) ن غير عذر بها (فبات غضبان) غير مصروف بناء على أن الشرط في منع صرف الوصف ذي الزيادة وجود فعلي (عليها لعنتها الملائكة) ويستمرّ ذلك منهم إن استمرت على الامتناع (حتى تصبح) ويؤيد ما تقرّر أنه جاء في رواية «حتى ترجع» قال بعضهم: ورواية الأصل محمولة على الغالب، وظاهر عموم الحديث حرمة امتناعها من فراشها ولو حائضاً وهو كذلك لإمكان الاستمتاع بها بغير الجماع. وظاهر الخبر اختصاص اللعن بما إذا وقع منها ذلك ليلاً، لقوله: حتى تصبح وكأن السرّ فيه تأكيد ذلك الشأن في الليل وقوّة الباعث عليه، ولا يلزم منه جواز امتناعها منه نهاراً، لأن تخصيص الليل بالذكر لأنه مظنة ذلك، ويؤخذ من قوله: فبات غضبان، أن اللعن عليها إنما يكون حينئذٍ لتحقق ثبوت معصيتها، بخلاف ما إذا لم يغضب من ذلك إما لعذرها، وإما لأنه ترك حقه من ذلك. قال القرطبي: أما لو دعت المرأة زوجها فأبى فلا إثم عليه ما لم يقصد بالامتناع المضارة لها فيحرم حينئذٍ/ والفرق بينهما أن الرجل لبذله لماله هو المالك للبضع، والدرجة التي له بسبب سلطته عليها بسبب ملكه أيضاً فقد لا ينشط في وقت دعائها له فلا ينتشر ولا يتهيأ له ذلك بخلافها. قال المهلب: هذا الحديث يوجب أن منع الحق في البدن كان أو في المال مما يوجب سخط الله إلا أن يتغمد الله بالعفو، وفيه جواز لعن العاصي المسلم إذا كان على وجه الإرهاب عليه لئلا يواقع الفعل إذا واقعه فإنما يدعي له بالتوبة والهداية قال الحافظ ابن حجر: والحق أن من منع أراد باللعنة المعنى الغوي وهو الإبعاد من الرحمة ومن أجاز أراد بها المعنى العرفي وهو مطلق السبب، وحديث الباب ليس فيه إلا أن الملائكة يدعون على أهل المعصية ما داموا فيها وهل هم الحفظة أو غيرهم، كل محتمل. ويحتمل أن يكون بعض الملائكة موكلاً بذلك. قلت: وظاهر الحديث التعميم لأن الجمع المحلى بأل من صيغه، وفيه دليل على قبول دعاء الملائكة لكونه خوف به، وفيه الإرشاد إلى مساعدة الزوج ومرضاته، وفيه أن صبر الرجل على ترك الجماع أضعف من صبر المرأة، وفيه أن امتناعها من ذلك كبيرة (متفق عليه) ورواه أحمد وأبو داود والنسائي. (وفي رواية لهما) أي للشيخين وهي عند أحمد

стр. 627

أيضاً (إذا باتت المرأة هاجرة) أي تاركة (فراش زوجها) بغير مانع من مرض أو امتناع لتسلم صداق حال عقدت عليه (لعنتها الملائكة حتى تصبح) ما دامت كذلك، فإذا تابت من الذنب وأقلعت وعادت إلى الطاعة وأجابت إلى الفراش أو كانت معذورة فلا. (وفي رواية) لمسلم من حديث أبي هريرة أيضاً (قال: قال رسول الله: والذي نفسي بيده) أي بقدرته وفي تصرفه، وفيه القسم على الشيء لتأكيده وتقويته عند السامع، وهو كذلك مستحب وواقع في الأخبار كثيراً (ما) نافية (من) مزيدة لتأكيد استغراق النفي (رجل) يحتمل أن يراد به ما يقابل المرأة فيشمل الصبيّ فتكون إجابته واجبة على زوجته المكلفة، وعلى وليّ غير المكلفة أمرها بذلك وهو أقرب، ويحتمل أن يراد به ما يقابل الصبيّ فيخص البالغ (يدعو امرأته إلى فراشه) أضيف الفراش إليها هنا وإليه أوّلاً لملابسة كل منها له (فتأبى) أي تمتنع (عليه) في «المصباح» : أبى الرجل يأبى إباء بالكسر والمد وإباية: امتنع (إلا كان الذي في السماء) إن كان المراد منه ساكنها فهو الملائكة، وإن أريد به حضرة الحق سبحانه فيؤول بأن المراد الذي سلطانه أو ملكوته أو أمره في السماء، لاستحالة المكان والجهة عليه علوّاً كبيراً، والوجه الأخير أقرب إلى قوله (ساخطاً عليها) وإن صح على الأول إفراده باعتبار لفظ الذي المراد منه النوع الذي هو الملائكة، والسخط المراد منه بالنسبة إليه تعالى غايته مجازاً مرسلاً من إطلاق اللازم وإرادة الملزوم إما الانتقام فيكون صفة فعل، أو إرادته فيكون صفة ذات كما تقدم أوّل الكتاب، وظاهر أن ذلك إذا غضب منه الزوج كما يدل عليه قوله في الحديث قبله «فبات غضبان عليها» وقوله هنا: (حتى يرضى عنها) . ٢٨٢٢ - (وعن أبي هريرة ﵁ أيضاً أن رسول الله ﷺ قال: لا يحلّ) أي لا يجوز

стр. 628

(لامرأة أن تصوم) ولو فرضاً موسعاً لأن حق الزوج ناجز ووقت الفرض متسع، ومن ثم لو ضاق بأن نذرت صوم وقت معين قبل التزوج به أو بعده بإذن أو ضاق الوقت بأن لم يبق من شعبان إلا قدر ما عليها من قضاء رمضان حل لها الصوم بغير إذنه (وزوجها شاهد) أي حاضر، وظاهر عمومه أنه لا فرق في ذلك بين حريتهما ورقهما وتخالفهما في ذلك (إلا بإذنه) وذلك لأنه قد يكون له إليها حاجة فيمنعه عن ذلك الصوم. فإن قيل يجوز له أن يفطرها والحالة هذه فلا يكون صومها مانعاً له. أجيب بأنه قد يهاب ذلك فأدى إلى تركه لحقه فحرم إلا بإذنه (ولا تأذن في بيته) لرجل محرم أو غيره ولالامرأة كذلك (إلا بإذنه) صريحاً أو ما في معناه مما تقدم في الباب قبله (متفق عليه. وهذا لفظ البخاري) من جملة حديث أورده في كتاب النكاح، وآخره «وما أنفقت من نفقة عن غير أمره فإنه يؤدي إليه شطره» وأخرجه النسائي في الصوم ولفظ مسلم في كتاب الزكاة «لا تصم المرأة وبعلها شاهد إلا بإذنه، ولا تأذن في بيته وهو شاهد إلا بإذنه» . ٢٨٣٣ - (وعن ابن عمر ﵄ عن النبي قال: كلكم راع) أي حافظ مؤتمن ملتزم صلاح ما اؤتمن على حفظه فهو مطلوب بالعدل فيه والقيام بمصالحه (كلكم مسؤول عن رعيته) أي هل قام بما عليه من صلاحها وحفظها والقيام بمصلحتها أولاً (والأمير) أي ذو الأمر فيشمل سائر الحكام، وفي رواية الإمام، وعليها فخص بالذكر لأنه الأشرف الأكمل وباقي الولاة مثله كما أفادته رواية الباب، والأمير (راع) على من تحت ولايته فعليه النظر في شأنهم وتسديد أمرهم ودفع المضرات عنهم (والرجل راع على أهل بيته) فيقوم بكفايتهم من سائر المؤن بحسب حاله يساراً وإعساراً، ويأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويبين لهم ما يحتاجون إليه من أمر الشرائع (والمرأة راعية على بيت زوجها) فتقوم بحفظه عن السارق والهرة وسائر المتلفات، ولا تخزن فيه ولا تتصدق بما

стр. 629

تعلم أنه لا يرضى به (وولده) فتقوم بحضانته وخدمته. قال الخطابي: اشتركوا يعني الأمير ومن بعده في الوصف بالراعي، ومعناه مختلف، فرعاية الإمام الأعظم رعاية الشريعة بإقامة حدودها والعدل في الحكم، ورعاية الرجل أهله سياسته لأمرهم وإيصال حقوقهم، ورعاية المرأة تدبيرها لأمر البيت والأولاد والخدم والنصيحة للزوج (فكلكم) حتى من لا أمر له ولا زوجة وهو الإنسان في نفسه فإنه (راع) على جوارحه فيعمل المأمورات ويجتنب المنهيات فعلاً ونطقاً واعتقاداً، فجوارحه وقواه وحواسه رعاياه، ثم لا يلزم من كونه راعياً أن لا يكون مرعياً باعتبار آخر (وكلكم مسؤول عن رعيته) هل قام بما يجب لها عليه أولا؟ وجاء في حديث أنس مثل حديث ابن عمر، وفي آخره «فاعدد للمسألة جواباً، قال: وما جوابها؟ قال: أعمال البرّ» أخرجه ابن عديّ والطبراني في «الأوسط» وسنده حسن (متفق عليه) ورواه أحمد وأبو داود والترمذي. ٥ ٢٨٤٤ - (وعن أبي علي) بفتح المهملة وكسر اللام (طلق) بفتح المهملة وسكون اللام (ابن علي) بفتح فكسر كذلك، ابن طلق بن عمرو، وقيل طلق بن قيس بن عمرو بن عبد الله بن عمر بن عبد العزى بن سحيم بن مرة بن الدؤل بن حنيفة الربعي الحنفي السحيمي ﵁ كان من الوفد الذين قدموا على رسول الله ﷺ من اليمامة فأسلموا، روي له عن رسول الله ﷺ أربعة عشر حديثاً كما ذكره ابن حزم في أواخر سيرته، وليس له في «الصحيحين» شيء (أن رسول الله ﷺ قال: إذا دعا الرجل زوجته) كذا في النسخ بإثبات التاء وهي لغة واللغة الفصيحة المشهورة التي جاء بها القرآن حذف التاء وهي لغة أهل الحجاز، قال المصنف: وثبت إلحاق التاء في أحاديث في الصحيح (لحاجته) التي يستحقها عليها (فلتأته) فوراً (وإن كانت على التنور) الجملة الشرطية وصلية وهي في محل الحال كما تقدم عن المطول. والتنور بفتح الفوقية وتشديد النون: الذي يخبز فيه. قال في «المصباح» : وافقت فيه لغة العرب لغة العجم. وقال أبو حاتم: ليس بعربي صحيح، والجمع

стр. 630

تنانير (رواه الترمذي) في النكاح (و) رواه (النسائي) في باب عشرة النساء (وقال الترمذي: حديث حسن) زاد فيما حكى المزي عنه في «الأطراف» بعد قوله حسن: غريب. ٢٨٥٥ - (وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي: قال: لو) حرف يقتضي امتناع ما يليه واستلزامه لتاليه (كنت آمراً) بمد الهمزة مضارع من الأمر، والجملة خبر كان، ورأيته في نسخة من «الجامع الصغير» منوناً على أنه وصف خبر مفرد (أحداً) أي من بني آدم (أن يسجد لأحد) تعظيماً له وأداء لحقه (لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها) لما له عليها من عظيم الحق الواجب القيام به. وسبب هذا الحديث ما في أبي داود عن قيس بن سعد قال: «أتيت الحيرة فرأيتهم يسجدون لمرزبان لهم. فقلت: رسول الله أحق أن يسجد له، قال: فأتيت النبي فقلت: إني أتيت الحيرة فرأيتهم يسجدون لمرزبان لهم، فأنت يا رسول الله أحق أن يُسجد لك، قال: أرأيت لو مررت بقبري أكنت تسجد لي؟ فقال: لا، قال: فلا تفعلوا لو كنت» فذكره (رواه الترمذي) أي من حديث أبي هريرة (وقال: حديث حسن صحيح) ورواه أحمد من حديث معاذ والحاكم في «المستدرك» من حديث بريدة. ٢٨٦٦ - (وعن أم) المؤمنين أم (سلمة) هند بنت أبي أمية سبقت ترجمتها ﵂ في باب التوكل (قالت: قال رسول الله: أيما) بتشديد التحتية وهي الشرطية وحاصلة للتأكيد، وأي مضافاً إلى (امرأة ماتت) أي فارقت الحياة مؤمنة (وزوجها عنها راض) جملة حالية من الضمير المستكن في ماتت والظرف متعلق براض قدم اهتماماً بشأنه (دخلت الجنة) ظاهره ابتداء مع الفائزين، وهو محتمل بأن يغفر الله سيئاتها ويرضى عنها الخصماء

стр. 631

(رواه الترمذي) ابن ماجه والحاكم (وقال) أي الترمذي (حديث حسن) ثم مفهوم الحديث أن من ماتت وهو عنها غير راض لا تدخل الجنة: أي مع الفائزين كما تقدم أنه ظاهر المنطوق، ويحتمل أن يبقى على عمومه ويحمل على ما إذا استغلت ذلك، وكان مما أجمع على تحريمه وعلم من الدين بالضرورة وقد علمت ذلك. ٢٨٧٧ - (وعن معاذ بن جبل) الأنصاري تقدمت ترجمته ﵁ في باب المراقبة، وقوله: (عن النبي) متعلق بمحذوف دلّ عليه المقام حال من المجرور بعن: أي ناقلاً عن النبي (أنه قال: لا تؤذي امرأة زوجها في الدنيا) أي لا يقع منها معه ما من شأنه أن يتأذى به من غير مجوّز لذلك شرعاً، وإلا فطلب نحو النفقة ممن يتأذى بها لنحو بخله لا يدخل الزوجة في ذلك (إلا قالت زوجه) بالإضافة إلى الهاء (من الحور) بضم الحاء المهملة وهن نساء أهل الجنة، واحدتهن حوراء: وهي الشديدة بياض العين الشديدة سوادها (العين) بكسر العين المهملة: أي بخل العيون. وقال البيضاوي جمع عيناء (لا تؤذيه قاتلك ا) جملة دعائية والمراد من المفاعلة فيه أصل الفعل وعبر بها للمبالغة، وأنها لما فعلت ذلك وتعرضت لعقوبة الله صارت كالمقاتلة له تعالى فعبر بذلك (فإنما هو عندك) في الدنيا (دخيل) أي ضيف ونزيل، وعبرت بذلك لأن مدة المقام بالدنيا وإن طالت فهي يسيرة بالنظر إلى الآخرة التي لا أمد لها، فعبرت بما يعبر به عن قصير الإقامة وهو الضيف (يوشك) بضم أوله وكسر الشين المعجمة مضارع أوشك ومنه قوله الشاعر: يوشك من فر من منيته في بعض غراته يوافقها وفي «المصباح» أوشك من أفعال المقاربة والمعنى: الدنوّ من الشيء. وقال الفارابي: الإيشاك الإسراع، لكن قال النحاة: استعمال المضارع أكثر من الماضي، واستعمال اسم الفاعل منها أقل. قال بعضهم: وقد استعملوا ماضياً ثلاثياً فقالوا: وشك مثل قرب وشكا اهـ. وتقدم في باب التوبة بعضه (أن يفارقك) منتقلاً (إلينا) أي فأحسني إليه، وفي تعبيرها بالدخيل إيماء إلى ذلك، ففي الحديث الشريف: «من كان يؤمن با واليوم الآخر

стр. 632

فليكرم ضيفه» (رواه الترمذي) آخر كتاب النكاح (وقال: حديث حسن) غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه اهـ، ورواه ابن ماجه في النكاح أيضاً. ٢٨٨٨ - (وعن أسامة بن زيد) بن حارثة الحب ابن الحب ﵄ الصحابي ابن الصحابي تقدمت ترجمته في باب الصبر (عن النبي قال: ما تركت بعدي) أي بعد وفاتي (فتنة) هي كما في «المصباح» : المحنة والابتلاء، والجمع فتن، وأصلها من قولك فتنت الذهب والفضة إذا أدخلتهما النار لتمييز الجيد من الردىء (هي أضرّ على الرجال من النساء) أفاد الحديث أن الافتتان بهن أشد منه بغيرهن، ويشهد له قوله تعالى: ﴿زين الناس حب الشهوات من النساء﴾ (آل عمران: ١٤) فجعلهن من عين الشهوات وبدأ بهن قبل بقية الأنواع إشارة إلى أنهن الأصل في ذلك. ويقع في المشاهدة حبّ الرجل ولده الذي هو من امرأته التي هي عنده أشد من حبه لباقي ولده، ومن ذلك قصة النعمان بن بشير في الهبة. وقد قال بعض الحكماء: النساء شرّ كلهن وأشرّ ما فيهن عدم الاستغناء عنهن، ومع نقص عقلهن يحملن الرجل على تعاطي ما فيه ذلك، كشغله عن طلب أمور الدين وحمله على التهالك على طلب الدنيا، وذلك أشد الفساد. وقد أخرج مسلم من حديث أبي سعيدالخدري في أثناء حديث «واتقوا النساء فإن أول فتنة بني إسرائيل كانت في النساء» . اهـ. ملخصاً من «الفتح» للحافظ العسقلاني (متفق عليه) رواه البخاري في كتاب النكاح، ومسلم في آخر كتاب الدعاء، ورواه الترمذي في الاستئذان، والنسائي في عشرة النساء، وابن ماجه في الفتن.

стр. 633

٣٦ - باب النفقة المراد بها سائر المؤن من كسوة ونفقة وسكن (على العيال) بكسر العين المهملة: أي من يعولهم من زوجة وبعض وخادم. قال ابن النحوي في الإشارة إلى لغات «المنهاج» : النفقة من الإنفاق وهو الإخراج، والنفقة الدراهم ونحوها من الأموال تجمع على نفقات وعلى نفاق أيضاً، وسميت بذلك إما لذهابها بالموت وإما لرواجها من نفقت السوق أو من نفق البيع كثر طلابه وإما لنفادها من نفق الزاد إذا ذهب لأنها عرضة للنفاد اهـ. (قال الله تعالى: ﴿وعلى المولود له﴾ ) أي الذي يولد له، يعني الوالد فإن الوالد يولد له وينسب إليه في التعبير بما ذكر إشارة للمعنى المقتضى لوجوب النفقة عليه ( ﴿رزقهن وكسوتهن﴾ ) أجرة لهن. واختلف في استئجار الأم، فجوزه الشافعي، ومنعه أبو حنيفة ما دامت زوجة أو معتدة بنكاح ( ﴿بالمعروف﴾ ) حسبما يراه الحاكم ويفي به وسعه. (وقال تعالى: ﴿لينفق ذو﴾ ) أي صاحب (سعة) بفتح السين وبه قرأ السبعة، وكسرها لغة وقرأ به بعض التابعين ( ﴿من سعته ومن قدر﴾ ) أي ضيق ( ﴿عليه رزقه فلينفق مما آتاه ا﴾ ) فإنه تعالى لا يكلف نفساً إلا وسعها، وفيه تطييب لقلب المعسر، ولذا عقبه بوعده باليسر بقوله: ﴿سيجعل الله بعد عسر يسراً﴾ (الطلاق: ٧) . (وقال تعالى: ﴿وما﴾ ) شرط أو بمعنى الذي مبتدأ ( ﴿أنفقتم من شيء﴾ ) عمومه متناول لليسير والحقير ( ﴿فهو يخلفه﴾ ) عوضاً إما عاجلاً أو آجلاً، وقيل بخلفه في الدنيا بالقناعة التي هي كنز لا يفنى وبالثواب في الآخرة، وبالجملة جواب الشرط وهل هي الخبر أو الجملة الشرطية والجواب قيد له، أو الخبر مجموعهما أقوال أرجحها ثانيها، فإن كانت «ما» موصولة فالجملة خبر المبتدأ.

стр. 634

٢٨٩١ - (وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله: دينار) مبتدأ وسوغ الابتداء به مع كونه نكرة إرادة التنويع فهو كقوله: فيوم لنا ويوم علينا، أو إرادة الجنس به كقولهم: تمرة خير من جرادة (أنفقته في سبيل ا) أي في الجهاد بإعانة ذلك عليه، ويحتمل أن المراد به الأعم: أي في طاعة الله (ودينار أنفقته في رقبة) أي فعتقت به كأن بقي ذلك من النجم الذي على المكاتب وبه تحصل حريته، أو المراد به الجنس: أي وما أنفق في عتق الرقبة وتخليصها من الرق، أو تصدق به عليها فخلصت به من التلف الذي كان بها من الجوع والظمأ أو العري، وعلى الاحتمال الثالث فبينه وبين قوله: (ودينار تصدقت به على مسكين) أي محتاج فيشمل الفقير أيضاً عمومه (ودينار أنفقته على عيالك) أي من تعولهم، وفي نسخة على أهلك (أعظمها) أي أكثرها (أجراً الذي أنفقته على أهلك) لأن من تلزمه مؤنتهم يكون في الإنفاق عليهم صلة رحمهم، وثوابها أعظم مما ذكر بكثير (رواه مسلم) / ٢٩٠٢ - (وعن أبي عبد ا) ويقال أبو عبد الرحمن (ثوبان بن بجدد) بضم الموحدة والدال المهملة الأولى وسكون الجيم بينهما، والتصريح باسمه في نسخة (مولى رسول الله) قيل وجده مسبياً فأمر به فعتق، وقيل شراه وعتقه، تقدمت ترجمته ﵁ في باب المجاهدة (قال: قال رسول الله: أفضل دينار ينفقه الرجل) في سبيل الخير (دينار ينفقه على عياله) أي الذين يمونهم، وقدم هذا في الذكر اهتماها به لأنه أشرف الأنواع كما صرح به في الحديث قبله (ودينار ينفقه على دابته) التي يركبها أو يحمل عليها (في

стр. 635

سبيل الله، ودينار ينفقه على أصحابه) الذين يركبون معه (في سبيل ا) الظاهر أن المراد به في هذين الجهاد، ويصح أن يراد به الأعم هنا لأن ثواب الإنفاق على الدابة التي تركب أو يحمل عليها في الطاعة وعلى الأصحاب الذين يجتمعون على الطاعة عظيم، وعلى الثاني فقد يشكل التساوي بين الثلاثة، فإنه إذا أريد مطلق الطاعة يكون الأول أفضلها. ويجاب بأنه لا مانع أن الثلاثة وإن كانت أفضل من غيرها أن يكون أحدها أفضلها فهو أفضل الأفضل ثم أفضل مبتدأ خبره دينار وما عطف عليه بتقدير تقديم العطف على الربط (رواه مسلم) في الزكاة والترمذي في البرّ، وقال: حسن صحيح، والنسائي في عشرة النساء، وابن ماجه في الجهاد. ٢٩١٣ - (وعن) أم المؤمنين (أم سلمة ﵂ قالت: قلت: يا رسول الله هل) يكتب (لي أجر) أي ثواب أخروي (في بني أبي سلمة) تعني أولادها منه (أن أنفق عليهم) بدل من بني سلمة بدل اشتمال: أي هل يكتب لي أجر في الإنفاق عليهم (و) الحال أني (لست بتاركتهم هكذا وهكذا) أي يتفرقون لطلب القوت يميناً وشمالاً، بل أنا كافيتهم ذلك بحسب الطبع لأن شفقة الأمومة تحمل على تكلف القيام بما يحتاج إليه الأولاد، وقولها (إنما هم بنيّ؟) بفتح الموحدة وتشديد التحتية، هو تعليل لما أفاده الاستفهام التعجبي من ترتب الثواب على الإنفاق عليهم المنسوب لشفقة الأمومة وشأن أعمال البرّ أن شوب غيرها بها يسقطها وهذا حالها وحالهم (فقال: نعم) أي لك أجر وسكت عن جوابها عن سبب التعجب المذكور علماً منه أنها إذا أخبرت بترتب الثواب عليه إنما تأتي به لذلك لا غير، وحينئذٍ فلا شوب، ولما كان في قولها هل لي أجر؟ إبهام، وكان لو اقتصر على قوله: نعم لأوهم أن لها ثواباً زائداً على قدر ما تنفقه عليهم دفعه بقوله: (لك أجر ما) هو في الأصول المصححة من «الصحيحين» بالإضافة فما موصول أو موصوف صلة، أو صفته جملة قوله: (أنفقت عليهم) قليلاً كان أو كثيراً، قال السيوطي في «التوضيح» ، وجوّز بعضهم تنوينه
следующие страницы →