← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 140

دليل الفالحين لطرق رياض الصالحين

ابن علان

Полный текст (2 250 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.

стр. 631

(رواه الترمذي) ابن ماجه والحاكم (وقال) أي الترمذي (حديث حسن) ثم مفهوم الحديث أن من ماتت وهو عنها غير راض لا تدخل الجنة: أي مع الفائزين كما تقدم أنه ظاهر المنطوق، ويحتمل أن يبقى على عمومه ويحمل على ما إذا استغلت ذلك، وكان مما أجمع على تحريمه وعلم من الدين بالضرورة وقد علمت ذلك. ٢٨٧٧ - (وعن معاذ بن جبل) الأنصاري تقدمت ترجمته ﵁ في باب المراقبة، وقوله: (عن النبي) متعلق بمحذوف دلّ عليه المقام حال من المجرور بعن: أي ناقلاً عن النبي (أنه قال: لا تؤذي امرأة زوجها في الدنيا) أي لا يقع منها معه ما من شأنه أن يتأذى به من غير مجوّز لذلك شرعاً، وإلا فطلب نحو النفقة ممن يتأذى بها لنحو بخله لا يدخل الزوجة في ذلك (إلا قالت زوجه) بالإضافة إلى الهاء (من الحور) بضم الحاء المهملة وهن نساء أهل الجنة، واحدتهن حوراء: وهي الشديدة بياض العين الشديدة سوادها (العين) بكسر العين المهملة: أي بخل العيون. وقال البيضاوي جمع عيناء (لا تؤذيه قاتلك ا) جملة دعائية والمراد من المفاعلة فيه أصل الفعل وعبر بها للمبالغة، وأنها لما فعلت ذلك وتعرضت لعقوبة الله صارت كالمقاتلة له تعالى فعبر بذلك (فإنما هو عندك) في الدنيا (دخيل) أي ضيف ونزيل، وعبرت بذلك لأن مدة المقام بالدنيا وإن طالت فهي يسيرة بالنظر إلى الآخرة التي لا أمد لها، فعبرت بما يعبر به عن قصير الإقامة وهو الضيف (يوشك) بضم أوله وكسر الشين المعجمة مضارع أوشك ومنه قوله الشاعر: يوشك من فر من منيته في بعض غراته يوافقها وفي «المصباح» أوشك من أفعال المقاربة والمعنى: الدنوّ من الشيء. وقال الفارابي: الإيشاك الإسراع، لكن قال النحاة: استعمال المضارع أكثر من الماضي، واستعمال اسم الفاعل منها أقل. قال بعضهم: وقد استعملوا ماضياً ثلاثياً فقالوا: وشك مثل قرب وشكا اهـ. وتقدم في باب التوبة بعضه (أن يفارقك) منتقلاً (إلينا) أي فأحسني إليه، وفي تعبيرها بالدخيل إيماء إلى ذلك، ففي الحديث الشريف: «من كان يؤمن با واليوم الآخر

стр. 632

فليكرم ضيفه» (رواه الترمذي) آخر كتاب النكاح (وقال: حديث حسن) غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه اهـ، ورواه ابن ماجه في النكاح أيضاً. ٢٨٨٨ - (وعن أسامة بن زيد) بن حارثة الحب ابن الحب ﵄ الصحابي ابن الصحابي تقدمت ترجمته في باب الصبر (عن النبي قال: ما تركت بعدي) أي بعد وفاتي (فتنة) هي كما في «المصباح» : المحنة والابتلاء، والجمع فتن، وأصلها من قولك فتنت الذهب والفضة إذا أدخلتهما النار لتمييز الجيد من الردىء (هي أضرّ على الرجال من النساء) أفاد الحديث أن الافتتان بهن أشد منه بغيرهن، ويشهد له قوله تعالى: ﴿زين الناس حب الشهوات من النساء﴾ (آل عمران: ١٤) فجعلهن من عين الشهوات وبدأ بهن قبل بقية الأنواع إشارة إلى أنهن الأصل في ذلك. ويقع في المشاهدة حبّ الرجل ولده الذي هو من امرأته التي هي عنده أشد من حبه لباقي ولده، ومن ذلك قصة النعمان بن بشير في الهبة. وقد قال بعض الحكماء: النساء شرّ كلهن وأشرّ ما فيهن عدم الاستغناء عنهن، ومع نقص عقلهن يحملن الرجل على تعاطي ما فيه ذلك، كشغله عن طلب أمور الدين وحمله على التهالك على طلب الدنيا، وذلك أشد الفساد. وقد أخرج مسلم من حديث أبي سعيدالخدري في أثناء حديث «واتقوا النساء فإن أول فتنة بني إسرائيل كانت في النساء» . اهـ. ملخصاً من «الفتح» للحافظ العسقلاني (متفق عليه) رواه البخاري في كتاب النكاح، ومسلم في آخر كتاب الدعاء، ورواه الترمذي في الاستئذان، والنسائي في عشرة النساء، وابن ماجه في الفتن.

стр. 633

٣٦ - باب النفقة المراد بها سائر المؤن من كسوة ونفقة وسكن (على العيال) بكسر العين المهملة: أي من يعولهم من زوجة وبعض وخادم. قال ابن النحوي في الإشارة إلى لغات «المنهاج» : النفقة من الإنفاق وهو الإخراج، والنفقة الدراهم ونحوها من الأموال تجمع على نفقات وعلى نفاق أيضاً، وسميت بذلك إما لذهابها بالموت وإما لرواجها من نفقت السوق أو من نفق البيع كثر طلابه وإما لنفادها من نفق الزاد إذا ذهب لأنها عرضة للنفاد اهـ. (قال الله تعالى: ﴿وعلى المولود له﴾ ) أي الذي يولد له، يعني الوالد فإن الوالد يولد له وينسب إليه في التعبير بما ذكر إشارة للمعنى المقتضى لوجوب النفقة عليه ( ﴿رزقهن وكسوتهن﴾ ) أجرة لهن. واختلف في استئجار الأم، فجوزه الشافعي، ومنعه أبو حنيفة ما دامت زوجة أو معتدة بنكاح ( ﴿بالمعروف﴾ ) حسبما يراه الحاكم ويفي به وسعه. (وقال تعالى: ﴿لينفق ذو﴾ ) أي صاحب (سعة) بفتح السين وبه قرأ السبعة، وكسرها لغة وقرأ به بعض التابعين ( ﴿من سعته ومن قدر﴾ ) أي ضيق ( ﴿عليه رزقه فلينفق مما آتاه ا﴾ ) فإنه تعالى لا يكلف نفساً إلا وسعها، وفيه تطييب لقلب المعسر، ولذا عقبه بوعده باليسر بقوله: ﴿سيجعل الله بعد عسر يسراً﴾ (الطلاق: ٧) . (وقال تعالى: ﴿وما﴾ ) شرط أو بمعنى الذي مبتدأ ( ﴿أنفقتم من شيء﴾ ) عمومه متناول لليسير والحقير ( ﴿فهو يخلفه﴾ ) عوضاً إما عاجلاً أو آجلاً، وقيل بخلفه في الدنيا بالقناعة التي هي كنز لا يفنى وبالثواب في الآخرة، وبالجملة جواب الشرط وهل هي الخبر أو الجملة الشرطية والجواب قيد له، أو الخبر مجموعهما أقوال أرجحها ثانيها، فإن كانت «ما» موصولة فالجملة خبر المبتدأ.

стр. 634

٢٨٩١ - (وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله: دينار) مبتدأ وسوغ الابتداء به مع كونه نكرة إرادة التنويع فهو كقوله: فيوم لنا ويوم علينا، أو إرادة الجنس به كقولهم: تمرة خير من جرادة (أنفقته في سبيل ا) أي في الجهاد بإعانة ذلك عليه، ويحتمل أن المراد به الأعم: أي في طاعة الله (ودينار أنفقته في رقبة) أي فعتقت به كأن بقي ذلك من النجم الذي على المكاتب وبه تحصل حريته، أو المراد به الجنس: أي وما أنفق في عتق الرقبة وتخليصها من الرق، أو تصدق به عليها فخلصت به من التلف الذي كان بها من الجوع والظمأ أو العري، وعلى الاحتمال الثالث فبينه وبين قوله: (ودينار تصدقت به على مسكين) أي محتاج فيشمل الفقير أيضاً عمومه (ودينار أنفقته على عيالك) أي من تعولهم، وفي نسخة على أهلك (أعظمها) أي أكثرها (أجراً الذي أنفقته على أهلك) لأن من تلزمه مؤنتهم يكون في الإنفاق عليهم صلة رحمهم، وثوابها أعظم مما ذكر بكثير (رواه مسلم) / ٢٩٠٢ - (وعن أبي عبد ا) ويقال أبو عبد الرحمن (ثوبان بن بجدد) بضم الموحدة والدال المهملة الأولى وسكون الجيم بينهما، والتصريح باسمه في نسخة (مولى رسول الله) قيل وجده مسبياً فأمر به فعتق، وقيل شراه وعتقه، تقدمت ترجمته ﵁ في باب المجاهدة (قال: قال رسول الله: أفضل دينار ينفقه الرجل) في سبيل الخير (دينار ينفقه على عياله) أي الذين يمونهم، وقدم هذا في الذكر اهتماها به لأنه أشرف الأنواع كما صرح به في الحديث قبله (ودينار ينفقه على دابته) التي يركبها أو يحمل عليها (في

стр. 635

سبيل الله، ودينار ينفقه على أصحابه) الذين يركبون معه (في سبيل ا) الظاهر أن المراد به في هذين الجهاد، ويصح أن يراد به الأعم هنا لأن ثواب الإنفاق على الدابة التي تركب أو يحمل عليها في الطاعة وعلى الأصحاب الذين يجتمعون على الطاعة عظيم، وعلى الثاني فقد يشكل التساوي بين الثلاثة، فإنه إذا أريد مطلق الطاعة يكون الأول أفضلها. ويجاب بأنه لا مانع أن الثلاثة وإن كانت أفضل من غيرها أن يكون أحدها أفضلها فهو أفضل الأفضل ثم أفضل مبتدأ خبره دينار وما عطف عليه بتقدير تقديم العطف على الربط (رواه مسلم) في الزكاة والترمذي في البرّ، وقال: حسن صحيح، والنسائي في عشرة النساء، وابن ماجه في الجهاد. ٢٩١٣ - (وعن) أم المؤمنين (أم سلمة ﵂ قالت: قلت: يا رسول الله هل) يكتب (لي أجر) أي ثواب أخروي (في بني أبي سلمة) تعني أولادها منه (أن أنفق عليهم) بدل من بني سلمة بدل اشتمال: أي هل يكتب لي أجر في الإنفاق عليهم (و) الحال أني (لست بتاركتهم هكذا وهكذا) أي يتفرقون لطلب القوت يميناً وشمالاً، بل أنا كافيتهم ذلك بحسب الطبع لأن شفقة الأمومة تحمل على تكلف القيام بما يحتاج إليه الأولاد، وقولها (إنما هم بنيّ؟) بفتح الموحدة وتشديد التحتية، هو تعليل لما أفاده الاستفهام التعجبي من ترتب الثواب على الإنفاق عليهم المنسوب لشفقة الأمومة وشأن أعمال البرّ أن شوب غيرها بها يسقطها وهذا حالها وحالهم (فقال: نعم) أي لك أجر وسكت عن جوابها عن سبب التعجب المذكور علماً منه أنها إذا أخبرت بترتب الثواب عليه إنما تأتي به لذلك لا غير، وحينئذٍ فلا شوب، ولما كان في قولها هل لي أجر؟ إبهام، وكان لو اقتصر على قوله: نعم لأوهم أن لها ثواباً زائداً على قدر ما تنفقه عليهم دفعه بقوله: (لك أجر ما) هو في الأصول المصححة من «الصحيحين» بالإضافة فما موصول أو موصوف صلة، أو صفته جملة قوله: (أنفقت عليهم) قليلاً كان أو كثيراً، قال السيوطي في «التوضيح» ، وجوّز بعضهم تنوينه

стр. 636

على أن ما وقتية. قلت: أو موصولة وثمة مضاف مقدر: أي قدر ما أنفقته (متفق عليه) أخرجاه في كتاب الزكاة. ٢٩٢٤ - (وعن سعد بن أبي وقاص) مالك بن وهيب أحد العشرة ﵁ في حديثه الطويل الذي قدمناه أول الكتاب في باب النية) الذي فيه أن النبي عاده عام حجة الوداع من وجع اشتد به (أن رسول الله ﷺ قال له: وإنك لن تنفق نفقة تبتغي بها وجه ا) أي ذات الله تعالى وطلب مرضاته، وفيه تعميم للنفقة باعتبار قلتها وكثرتها وجلالها وحقارتها وباعتبار مصرفها (إلا أجرت بها) أي أجرك الله بسببها السببية صورية وإلا فلا سبيل للوصول للفضل إلا بمحض الفضل (حتى) غاية للعموم المستفاد مما قبله باعتبار المصرف (ما) أي الذي أو شيئاً (تجعل) بحذف العائد المنصوب: أي تجعله (في في امرأتك) أي فمها، وإنما غيابه لأنه ربما يتوهم أنها لكونها محل قضاء الوطر أنه لا ثواب فيما يسدي إليها من الجميل، فأفاد أن كل شيء قصد به وجه الله تعالى أثيب عليه فاعله. وأخذ منه أن المباحات إذا اقترن بها النية تنتقل إلى درجة الطاعات ويثاب عليها، فللوسائل حكم المقاصد (متفق عليه) وتقدّم ثمة بيان من خرّجه. ٢٩٣٥ - (وعن أبي مسعود) عقبة بن عمرو (البدري) نسبة لبدر لكونه سكنها لا أنه شهد وقعتها على ما تقدم فيه، وتقدمت ترجمته ﵁ في باب المجاهدة (عن النبي

стр. 637

قال: إذا أنفق الرجل) المسلم كما في رواية المشكاة بدل قوله الرجل (على أهله) الذين تلزمه مؤنتهم وغيرهم (يحتسبها) عند الله: أي يقصد بها وجه الله والتقرب إليه، والجملة حالية (فهو) أي المنفق الدالّ عليه بقوله إذا أنفق (له صدقة) أي عظيمة الثواب لما فيها من أداء الواجب وصلة الرحم الوارد فيه من الثواب ما لا يحصيه إلا المتفضل به (متفق عليه) . ٢٩٤٦ - (وعن عبد الله بن عمرو بن العاص) كذا هو بحذف الياء وتقدم أن الأفصح بناء على كونه منقوصاً إثبات الياء ﵄ قال: قال رسول الله: كفى بالمرء إثماً) الباء زائدة في المفعول به، وإثماً تمييز محوّل عن الفاعل، والأصل كفى المرء في عظم الإثم إثم تضييع من يقوت. قال ابن رسلان: أي لو لم يكن له من الإثم إلا هذا لكفاه لعظمه عند الله تعالى، وفاعل كفى هو قوله: (أن يضيع من يقوت) يقال قاته يقوته إذا أعطاه قوته، ويقال فيه أقاته يقيته، وروي أن يضيع من يقيت على لغة أقات. والمراد أن يمنع من تلزمه نفقته من زوجة وولد ووالد ويعطي غيرهم ولو صدقة اهـ. ولم أرَ من تعرّض لضبط يضيع هل هو من الإفعال أو من التفعيل، والدائر على ألسنة المشايخ الثاني (حديث صحيح رواه أبو داود) في آخر كتاب الزكاة (وغيره) فرواه النسائي في عشرة النساء والبزار (ورواه مسلم في صحيحه بمعناه) وأوله عنده «أن ابن عمرو قال: لقهرمان: هل أعطيت الرقيق قوتهم؟ قال: لا، قال: قم فانطلق فأعطهم فإني سمعت رسول الله ﷺ (قال: كفى بالمرء إثماً أن يحبس من يملك قوته) حذف مفعول يملك أي يملك القيام بأمره وقوته

стр. 638

مفعول يحبس. وقال العلقمي: هو من باب التنازع وإعمال الأول وترك الإضمار في الثاني. وقال المظهري: «أن يحبس» مبتدأ وكفى خبره مقدماً عليه، مثل بئس رجلاً زيد أو خبر مبتدأ محذوف. ٢٩٥٧ - (وعن أبي هريرة ﵁ أن النبيّ قال: ما) نافية (من) مزيدة لتأكيد النفي (يوم) وهو شرعاً من طلوع الفجر إلى غروب الشمس، وقوله: (يصبح العباد فيه) وصف توضيحي (إلا ملكان) مبتدأ (ينزلان) خبر والجملة في محل الحال مما قبله، قال في «فتح الباري» : وفي حديث أبي الدرداء «ما من يوم طلعت فيه الشمس إلا وبجنبيها ملكان يناديان بصوت يسمعه خلق الله كلهم إلا الثقلين: يا أيها الناس هلموا إلى ربكم فإن ما قلّ وكفى خير مما كثر وألهى، ولا غريب شمسه إلا وبجنبيها ملكان يناديان» فذكر مثل حديث أبي هريرة (فيقول أحدهما: اللهم أعط منفقاً) كذا في نسخ الرياض وهو لفظ مسلم وعند البخاري «منفق مال» بالإضافة ولبعض رواته «منفقاً مالاً» (خلفاً) وأبهم الخلف ليتناول المال والثواب وغيرهما. قال الحافظ: وإبهامه أولى، فكم من منفق مات قبل وقوع الخلف المالي له، فيكون خلفه الثواب المعدّ له في الآخرة، أو يدفع عنه من السوء ما يقابل ذلك (ويقول) الملك (الآخر: اللهمّ أعط) عبر بالعطية مشاكلة لما قبلها وإلا فهي لا تكون في التلف (ممسكاً تلفاً) يحتمل تلف ذلك المال بعينه أو تلف نفس صاحب المال، والمراد به فوات أعمال البر بالتشاغل بغيرها. قال النووي: الإنفاق الممدوح ما كان في الطاعات وعلى العيال والضيفان والتطوعات. وقال القرطبي: هي تعم الواجبات والمندوبات/ لكن الممسك عن المندوبات لا يستحق هذا الدعاء إلا أن يغلب عليه البخل المذموم بحيث لا تطيب نفسه بإخراج الحق الذي عليه ولو أخرجه اهـ. (متفق عليه) . ٢٩٦٨ - (وعنه) أي عن أبي هريرة ﵁. (عن النبي قال: اليد العليا) قال أبو

стр. 639

داود: قال الأكثر عن حماد بن زيد: هي المنفقة، وقال غير واحد عنه: هي المتعففة، وكذا قال عبد الوارث عن أيوب اهـ. وعند أبي نعيم في «المستخرج» عن حماد «واليد العليا يد المعطي» . وعند النسائي عن طارف المحاربي قال: «قدمنا المدينة فإذا النبي قائم على المنبر يخطب الناس وهو يقول: يد المعطي العليا» قال الحافظ في «الفتح» بعد ذكر أحاديث: فهذه الأحاديث متظافرة على أن اليد العليا هي المنفقة المعطية وأن السفلى أي في قوله: (خير من اليد السفلى) هي السائلة، وهذا هو المعتمد. وهو قول الجمهور، وقيل السفلى الآخذة سواء كان بسؤال أو بغيره، وهذا أباه قوم واستندوا إلى أن الصدقة تقع أولاً في يد الله قبل يد المتصدق عليه. قال ابن العربي: التحقيق أن السفلى يد السائل أما يد الآخذ فلا، لأن يد اهي المعطية ويد اهي الآخذة وكلتاهما عليا وكلتاهما يمين اهـ. وفيه نظر لأن البحث إنما هو في أيدي الآدميين، أما يده تعالى فباعتبار كونه مالك كل شيء نسبت يده إلى الإعطاء، وباعتبار قبوله للصدقة ورضاه بها نسبت يده إلى الأخذ ويده العليا على كل حال. أما يد الأدمي فأربعة: يد المعطي وقد تظافرت الأخبار بأنها عليا ويد السائل وقد تظافرت بأنها سفلى سواء أخذت أم لا، وهذا موافق لكيفية الإعطاء والأخذ غالباً، وللمقابلة بين العلوّ والسفل المشتق منهما، ويد المتعفف عن الأخذ ولو بعد أن تمد إليه يد المعطي، وهذه وهذه توصف بالعلو المعنوي، ويد الآخذ بغير سؤال، وهذه قد اختلف فيها، فذهب جمع إلى أنها سفلى وهذا بالنظر إلى الأمر المحسوس، أما المعنوي فلا يطرد فقد تكون علياً في بعض الصور وعليه يحمل كلام من أطلق كونها عليا. وقال ابن حبان: اليد المتصدقة أفضل من السائلة لا الآخذة بغير سؤال وعن الحسن البصري: اليد العليا المعطية والسفلى المانعة ولم يوافق عليه. وأطلق آخرون من المتصوفة أن اليد الآخذة أفضل من المعطية مطلقاً. وقد حكى ابن قتيبة ذلك في «غريب الحديث» عن قوم، ثم قال: وما أرى هؤلاء إلا قوماً استطابوا السؤال فهم يجنحون للدناءة، ولو جاز هذا لكان المولى من فوق من كان رقيقاً فأعتق والمولى من أسفل من كان سيداً فأعتق اهـ. ثم قال الحافظ بعد نقل أقوال أخر: وكل هذه التأويلات تضمحل عند الأحاديث المتقدمة المصرحة بالمراد، فأولى ما فسر الحديث بالحديث. ومحصل ما في الأحاديث المتقدمة أن أعلا الأيدي المنفقة ثم المتعففة عن الأخذ ثم الآخذة بغير سؤال وأسفل ما في الأيدي السائلة والمانعة اهـ. (وابدأ) في العطاء (بمن تعول) لأنه إما واجب أو مندوب ففيه أداء حق أو صلة رحم (وخير الصدقة ما كان عن ظهر غنى) أي أفضلها ما وقع عن غنى وعدم احتياج إلى

стр. 640

المتصدق به لنفسه أو لممونه.. قال الخطابي: لفظ الظهر يزاد في مثل هذا إشباعاً للكلام، والمعنى: أفضلها ما أخرجه الإنسان من ماله بعد أن يستبقي منه قدر الكفاية لأهله وعياله ولذا قال أولاً: «وابدأ بمن تعول» . وقال البغوي: المراد غنى يستظهر به على النوائب التي تنوبه، والتنكير في غنى للتعظيم. قال الحافظ في «الفتح» : هذا هو المعتمد في معنى الحديث. وقيل المراد خير الصدقة ما أغنيت به من أعطيته عن السؤال، وقيل عن للسببية والظهر زائد: أي خير الصدقة ما كان سببها غنى المتصدق اهـ. وقال القرطبي: معنى الغنى حصول ما تدفع به الحاجة الضرورية كالأكل عند الجوع المشوش الذي لا صبر عليه وستر العورة ونحوه اهـ. وقال المصنف: مذهبنا أن التصدق بجميع المال مستحب لمن لا دين عليه لا عيال له لا يصبرون ويكون هو أيضاً ممن يصبر على الإضافة، فإن لم تجتمع هذه الشروط كره. وأما ما يحتاج إليه ويؤدي الإيثار به إلى هلاك النفس والإضرار بها أو كشف العورة فلا يجوز الإيثار به، فإذا سقطت هذه الحقوق الواجبة صحّ الإيثار وكان أفضل بشرطه وبهذا يندفع التعارض بين الأخبار (ومن يستعفف) بفك الإدغام: أي عن السؤال (يعفه ا) بضم التحتية والفاء اتباعاً لحركة الضمير أي يصيره عفيفاً: أي بمال يغنيه به عن الحاجة، أو بقناعة في نفسه، وقيل معناه ومن يطلب العفة وهي الكفّ عن الحرام يعفه الله: أي يصير عفيفاً (ومن يستغن) بما أعطيه ويقنع به (يغنه ا) عن الاحتياج لما فوقه فإن طعام الاثنين يكفي الثلاثة، والنفس معك إن أرسلتها استرسلت وإن فطمتها وقفت وانفطمت (رواه البخاري) أي بهذا اللفظ، ولفظ مسلم أخصر كما يأتي التنبيه عليه في باب القناعة من الأصل. وثمة زيادة في «شرح الحديث» في الشرح. ٣٧ - باب طلب الإنفاق مما يحب أي من محبوبه طبعاً فما مصدرية أو من الذي، أو من شيء يحبه، فما موصول اسمي أو نكرة موصوفة والعائد محذوف عليهما (ومن

стр. 641

الجيد) عادة، أو من الجيد بالنسبة للمدفوع إليه المحبوب عنده. (قال الله تعالى) : ( ﴿لن تنالوا البر﴾ ) أي لن تبلغوا حقيقة البر الذي هو كمال الخير، أو لن تنالوا بر الله الذي هو الرحمة والرضى والجنة ( ﴿حتى تنفقوا مما تحبون﴾ ) أي من المال أو مما يعمه وغيره كبذل الجاه في معاونة الإخوان والبدن في طاعة الله والمهجة في سبيله، ومن للتبعيض أو للابتداء، ويؤيد الأول أنه قرىء بعض في مكان من. (وقال تعالى) : ( ﴿يا أيها الذين آمنوا أنفقوا من طيبات ما كسبتم﴾ ) من حلاله أو من خياره ( ﴿ومما أخرجنا لكم من الأرض﴾ ) أي ومن طيبات ما أخرجنا لكم من الحبوب والتمر والمعادن فحذف المضاف لتقدم ذكره، وفي الإملاء الحسن: أظن والله أعلم أن أفضل ما يتصدق به الشخص ما كان من كسب يده، وقد كان يذهب الواحد من الصحابة ﵃ يكتسب بنحو عمل ثم يتصدق به أو منه (ولا تيمموا الخبيث) ولا تقصدوا الردىء (منه) أي من المذكور أو مما أخرجنا، وتخصيصه بذلك لأن التفاوت فيه أكثر (تنفقون) حال مقدرة من فاعل تيمموا، ويجوز أن يتعلق منه به ويكون الضمير للخبيث والجملة حالاً منه. قال بعضهم من تصدق بنفيس فاز بنفيس - ﴿وفي ذلك فليتنافس المتنافسون﴾ ــ. ٢٩٧١ - (وعن أنس) بن مالك ﵁: كان أبو طلحة) زيد بن سهل ﵁ أكثر الأنصار) هم أولاد الأوس والخزرج وهو اسم إسلامي، سموا به لنصرهم النبي بالمدينة (مالاً) تمييز عن نسبة الأكثرية إليه (من نخل) بيان لمال (وكان أحب أمواله إليه) يجوز أن يكون مرفوعاً اسم كان وخبرها (بيرحاء) ويجوز العكس، ويؤيد الأول قوله الآتي: «وإن أحبّ مالي إليّ بيرحاء» ففيه أن مراده بيان الأحب إليه، لا الحكم عليها بأنها

стр. 642

أحبّ إليه، وجاء في ضبط هذا اللفظ أوجه كثيرة ضبطها في «النهاية» فقال: يروى بفتح الباء وبكسرها وفتح الراء وضمها وبالمد والقصر فهذه ثمان لغات، كذا في باب الزكاة على الأقارب من الفتح للحافظ ونازعه تلميذه شيخ الإسلام زكريا بأن الذي في عبارة «النهاية» أنها بفتح الباء وكسرها وبفتح الراء وضمها والمد فيهما وفتحهما والقصر فجملتها خمسة لا ثمانية كما وقع لبعض الشراح، وكأنه تصرف في عبارة «النهاية» اهـ. قال الحافظ: وفي رواية حماد بن سلمة «بريحاء» بفتح أوله وكسر الراء وتقديمها على التحتية، وفي «سنن أبي داود» «بأريحا» مثله لكن بزيادة ألف، وقال الباجي: أفصحها بفتح الباء وسكون الياء وفتح الراء مقصوراً وكذا جزم به الصاغاني وقال: إنه فيعلا من البراح، قال: ومن ذكره بكسر الموحدة فظن أنها بئر من آبار المدينة فقد صحف. وقال القاضي عياض: رواية المغاربة إعراب الراء والقصر في حاء، وخطأ هذا الصوري، وقال الباجي: أدركت أهل العلم ومنهم أبو ذر يفتحون الراء في كل حال، زاد الصوري وكذا الباء: أي أوله فانتهى الخلاف في النطق بها إلى عشرة أوجه. واختلف في «حاء» هل هي اسم رجل أو امرأة أو مكان أضيفت إليه، أو هي كلمة للإبل، فكأن الإبل كانت ترعى هناك وتزجر بهذه اللفظة فأضيفت البير إلى اللفظ المذكور (وكانت مستقبلة) بكسر الموحدة (المسجد) النبوي (وكان رسول الله ﷺ يدخلها) أي الحديقة المذكورة (ويشرب من ماء فيها طيب) أي عذب. ففيه جواز دخول أهل الفضل للحوائط والبساتين والاستظلال بظلها والأكل من ثمرها والراحة والتنزّه، وقد يكون ذلك مستحسناً ليترتب عليه الأجر إذا قصد به إجمام النفس من تعب العبادة وتنشيطها في الطاعة (قال: أنس) أعاد الراوي ذكره لطول الكلام وهذه عادة العرب في محاوراتها (فلما نزلت هذه الآية) وبينها بقوله: (لن تنالوا البرّ حتى تنفقوا مما تحبون) قام أبو طلحة قاصداً إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله إن الله يقول: (لن تنالوا البرّ حتى تنفقوا مما تحبون) وهذا من أبي طلحة من باب لازم فائدة الخبر (وإن أحبّ مالي إليّ بيرحاء وإنها) لكونها أحبّ إليّ وقد وقف حصول البرّ على الإنفاق

стр. 643

من المحبوب (صدقة تعالى) أي وقفا على المتصدق بها عليه، ويحتمل صدقة التمليك وهو ظاهر سياق الماجشون عن إسحاق حيث قال: فجعلها أبو طلحة في ذوي رحمه، قاله الحافظ (أرجو برّها) أي خيرها (وذخرها) بضم الذال المعجمة وبالخاء الساكنة المعجمة هو ما يعد لوقت الحاجة إليه كما في «المصباح» : أي انتفاعي بها وقت حاجتي إليها وهو يوم القيامة وسائر أوقات الشدائد، وفسره الشيخ زكريا بقوله أي أجرها (عند الله تعالى) ظرف تنازعه ما قبله (فضعها يا رسول الله حيث أراك ا) تفويض منه إليه في تعيين مصرفها لا في وقفيتها (فقال رسول الله: بخ) بفتح الموحدة وسكون المعجمة وقد تنون مع التثقيل والتخفيف بالكسر والرفع: كلمة تقال لتفخيم الأمر والإعجاب به (ذلك) أي المتصدق به (مال رابح) بالمثناة التحتية بعد الألف أو بالموحدة بعدها كما سيأتي. قال الحافظ: في الحديث فضيلة لأبي طلحة لأن الآية تضمنت الحثّ على الإنفاق من المحبوب، فترقى هو إلى إنفاق أحبّ المحبوب، فصوب رأيه، وشكر عن ربه فعله، وكنى عن ذلك بقوله: بخ إلخ. قال البيضاوي في «التفسير» : وهذا يدل على أن إنفاق أحبّ الأموال على أقرب الأقارب أفضل وإن الآية تعم الإنفاق الواجب والمستحب اهـ. (وقد سمعت ما قلت) إن كانت ما مصدرية فلا خلاف، وإن كانت موصولة فالعائد محذوف: أي قلته، ثم أمره أن يخص بها أهله بقوله (وإني أرى) من الرأي في الأمر، والجملة معطوفة على قوله وقد سمعت (أن تجعلها) صدقة (في الأقربين) أي لك (فقال أبو طلحة أفعل) بضم اللام على أن الضمير المستتر فيه لأبي طلحة (يا رسول الله فقسمها أبو طلحة) فيه تعيين أحد الاحتمالين في رواية غيره حيث وقع فيها أفعل فقسمها فإنه احتمل الأول، واحتمل أن يكون أفعل صيغة أمر وفاعل قسمها النبي فانتفى الاحتمال الثاني بهذه الرواية، وذكر الحافظ ابن عبد البرّ أن إسماعيل القاضي رواه من القعنبي عن مالك فقال في روايته: فقسمها رسول الله ﷺ في أقاربه وبني عمه» قال وقوله أقاربه: أي أقارب أبي طلحة قال ابن عبد البرّ إضافة القسم إلى رسول الله ﷺ وإن كان شائعاً في «لسان العرب» على معنى أنه الآمر به لكن أكثر الرواة لم يقولوا ذلك، والصواب رواية من قال: فقسمها أبو طلحة (في

стр. 644

أقاربه وبني عمه) من عطف الخاص على العام، وجاء في أحاديث تبيين الأقارب وأوضحها ما في «مراسيل أبي بكر» بن حزم: فرده على أقاربه أُبي بن كعب وحسان بن ثابت وأخيه وابن أخيه شداد بن أوس ونبيط بن جابر فنقاوموه، فباع حسان حصته من معاوية بمائة ألف درهم، وهذا موافق للاحتمال السابق من كون ذلك تمليكاً للأقارب (متفق عليه) رواه البخاري في الزكاة وفي الوصايا وفي الوكالة وفي «التفسير» ، ورواه مسلم في الزكاة، ورواه النسائي في «التفسير» (قوله: رابح) مرويّ (في الصحيحين رابح ورائح بالباء الموحدة والياء المثناة) لفّ ونشر مرتب أو مشوش. قال المصنف: قال القاضي عياض: روايتنا فيه في كتاب مسلم بالموحدة اهـ. وأما البخاري فرواه بالوجهين ثم معناه بالموحدة واضح من الربح: أي ذو ربح. وقيل هو فاعل بمعنى مفعول: أي مربوح فيه، وأما بالتحتية فمعناه رايح عليك أجره وبمعناه قول المصنف (أي رائح عليه) وفي نسخة (عليك نفعه) ولا يخفى ما فيه من إبهام أنه معناه على الوجهين وليس كذلك، وقد عبر به في «شرح مسلم» على الصواب فقال: أما بالموحدة فمعناه ظاهر، وأما بالمثناة فمعناه رايح عليك أجره ونفعه في الآخر اهـ. قال ابن بطال: والمعنى أن مسافته قريبة وذلك أنفس الأموال وقيل معناه يروح بالأجر ويغدو به اهـ. واكتفى بالرواح عن الغدو، وادعى الإسماعيلي أن من رواه بالتحتية فقد صحف اهـ. ملخصاً من «الفتح» ، وقيل إنما عبر به، لأن المراد أنه مال من شأنه الرواح وهو الذهاب والفوات فإذا ذهب في الخير فهو أولى (وبيرحاء حديقة نخل) وليس اسم بئر (وروي بكسر الباء وفتحها) أي مع فتح الراء وضمها والمد والقصر كما تقدم عن الحافظ بما فيه، قال المصنف: في هذا الحديث من الفوائد: أن النفقة على الأقارب أفضل من الأجانب إذا كانوا محتاجين، وفيه أن القرابة يراعى حقها في الصلة وإن لم يجتمعوا إلا في أب بعيد، لأن النبي أمر أبا طلحة أن يجعل ذلك في الأقربين فجعلها في أُبيّ بن كعب وحسان بن ثابت، وإنما يجتمعان في الجد السابع اهـ.

стр. 645

٣٨ - باب وجوب أمره أهله أي زوجته ومستولدته (وأولاده المميزين) المراد منهم ما يشمل بناته المميزات والتذكير للتغليب وشرف الذكور (وسائر من في رعيته) من العبيد والإماء (بطاعة الله تعالى) أي امتثال أمره ونهيه وهي غير العبادة والقربة، والعبادة: ما تعبد به بشرط النية ومعرفة المعبود، والقربة: ما تقرّب به بشرط معرفة المتقرّب إليه، فالطاعة توجد بدونها في النظر المؤدي إلى معرفةالله، إذ معرفته إنما تحصل بتمام النظر، والقربة توجد بدون العبادة في القرب التي لا تحتاج إلى نية كالعتق والوقف، كذا في الأضواء البهجة (ونهيهم) هو وما بعده من المصادر مضاف لمفعوله: أي نهيه إياهم (عن المخالفة) لأوامر الله تعالى (وتأديبهم) عند فعل ما لا ينبغي فعله مما لا حد فيه ولا تعزير، أما هو فيأتي به ولا تأخذه رأفة في دين الله (ومنعهم من ارتكاب منهي عنه) بالحيلولة بينهم وبينه، وهذا واجب في المنهي عنه المحرم، مندوب في المنهي عنه المكروه، ومثله في ذلك التأديب فينبغي حمل الوجوب في الترجمة على ما يشمل الندب بأن يراد به الحق المتأكد. (قال الله تعالى) : ( ﴿وأمر أهلك بالصلاة﴾ ) قال السيوطي في «الإكليل» فيه: أنه يجب على الإنسان أمر أهله من زوجة وعبد وأمة وسائر عياله بالتقوى والطاعة خصوصاً الصلاة. أخرج ابن أبي حاتم عن عمر بن الخطاب أنه كان إذا استيقظ من الليل أقام أهله للصلاة وتلا هذه الآية اهـ. (وقال تعالى) : ( ﴿يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم﴾ ) بترك المعاصي وفعل الطاعات ( ﴿وأهليكم﴾ ) بالنصح والتأديب، وقرىء «وأهلكم» عطفاً على واو قوا، فتكون أنفسكم أنفس القبيلين على تغليب المخاطبين (ناراً) التنوين فيها للتعظيم، وبين عظمها بما وصفها به من قوله «وقودها الناس والحجارة» .

стр. 646

٢٩٨١ - (وعن أبي هريرة ﵁ قال: أخذ الحسن بن علي) بن أبي طالب ﵄ تمرة من تمر الصدقة) وفي رواية معمر عن محمد بن زياد عن أبي هريرة قال: «كنا عند رسول الله ﷺ وهو يقسم تمراً من تمر الصدقة والحسن في حجره» أخرجه أحمد (فجعلها في فيه) زاد أبو مسلم الكجي عن محمد بن زياد فلم يفطن له النبي حتى قام ولعابه يسيل، فضرب النبي شدقه، وفي رواية معمر «فلما فرغ حمله على عاتقه فسال لعابه، فرفع رأسه فإذا تمرة في فيه» (فقال رسول الله) زجراً له ليطرحها (كخ كخ) سيأتي ضبطها ومعناه (ارم بها) هذه من زيادة مسلم على البخاري، وفي رواية حماد بن سلمة عن محمد بن زياد عن أحمد «فنظر إليه فإذا هو يلوك تمرة، فحرك خده وقال: ألقها يا بنيّ ألقها يا بنيّ» ويجمع بين هذين وبين قوله كخ كخ بأنه كلمه أولاً بهما، فلما تمادى قال: له كخ كخ إشارة إلى استقذاره ذلك، ويحتمل العكس بأن يكون أعلمه بذلك فلما تمادى نزعها من فيه (أما علمت) هذا لفظ مسلم، وفي رواية للبخاري «أما شعرت» وفي أخرى له في الجهاد «أما تعرف» (أنا لا نأكل الصدقة) قال المصنف: هذه اللفظة تقال في الشيء الواضح التحريم وإن لم يكن المخاطب عالماً بذلك، وتقديره، عجب كيف خفي عليك هذا مع ظهور تحريمه، وهذا أبلغ في الزجر من قوله لا تفعل (متفق عليه) أخرجه البخاري في الزكاة وفي الجهاد، ومسلم في الزكاة والنسائي في السير. (وفي رواية) هي لمسلم كما في «الفتح» (إنا لا تحلّ لنا الصدقة) قال في رواية معمر «إن الصدقة لا تحلّ لآل محمد» وكذا عند أحمد والطحاوي من حديث الحسن بن علي نفسه قال «كنت مع النبي، فمرّ على جرين من تمر الصدقة» وإسناده قوي. وللطبراني والطحاوي من حديث ابن أبي ليلى نحوه (وقوله) في الحديث (كخ كخ يقال بإسكان الخاء) المعجمة مثقلة ومخففة (ويقال بكسرها) منونة وغير منونة وهي بفتح الكاف في الجميع وكسرها قال الحافظ: فيخرج من ذلك ستّ لغات، قلت بل ثمان (وهي كلمة زجر للصبيّ عن المستقذرات) قيل هي من أسماء الأصوات، وقيل من أسماء الأفعال، وأشار البخاري في

стр. 647

باب من تكلم بالفارسية إلى أنها عجمية معربة، والثانية تأكيد للأولى (وكان الحسن ﵁ صبياً) لأنه ولد بعد الهجرة بسنة. ٢٩٩٢ - (وعن أبي حفص) بفتح الحاء المهملة وسكون الفاء هو الأسد وهي كنية (عمر بن أبي سلمة) واسم أبي سلمة عبد الله بن عبد الأسد بن هلال بن عبد الله بن عمر بن مخزوم القرشي المخزومي الصحابي بن الصحابيين (ربيب رسول الله) أي ولد زوجته أم سلمة، ولدته بالحبشة وأبواه مهاجران إليها في آخر السنة الثانية من هجرة رسول الله، روي له عن رسول الله ﷺ اثنا عشر حديثاً، روى البخاري ومسلم منها حديثين، روى عنه ابن المسيب وعروة ووهب بن كيسان وغيرهم، توفي سنة ثلاث وثمانين، وقد ذكرت زيادة في ترجمته في كتاب «إتحاف السائل بمعرفة رجال الشمال» (قال: كنت غلاماً في حجر رسول الله) بفتح المهملة: أي كنفه وحمايته، أو المراد به الحضن: وهو ما بين الإبط إلى الكشح فيكون كقوله تعالى: ﴿وربائبكم اللاتي في حجوركم﴾ (النساء: ٢٣) (وكانت يدي تطيش في) نواحي (الصحة) قال في «المصباح» هي إناء كالقصعة والجمع صحاف مثل كلبة وكلاب، قال الزمخشري: الصحفة قصعة مستطيلة (فقال لي رسول الله) معلماً ومؤدباً (يا غلام) بضم الميم (سم ا) أمر ندب اتفاقاً (وكل بيمينك) ذهب الجمهور إلى أنه للندب أيضاً، وذهب بعضهم إلى وجوبه ويؤيده ما تقدم في باب الأمر بالمحافظة على السنة «من أن رجلاف أكل عند رسول الله ﷺ بشماله فقال: كُل بيمينك، قال: لا أستطيع، فقال: لا استطعت فما رفعها إلى فيه بعد» وفي الطبراني «أنه رأى سبيعة الأسلمية تأكل بشمالها، فدعا عليها فأصابها طاعون فماتت» فحمله الجمهور على الزجر والسياسة (وكل مما يليك)

стр. 648

أي ندباً على الأصح وقيل وجوباً لما فيه من إلحاق الضرر بالغير ومزيد الشره، قال ابن حجر الهيثمي: وانتصر له السبكي ونص عليه الشافعي في «الرسالة «ومواضع من» الأم» ، وفي «مختصر البويطي» يحرم الأكل من رأس الثريد والأصح الكراهة، ومحل ذلك ما إذا لم يعلم رضا من يأكل معه وإلا فلا حرمة ولا كراهة، لما ورد عن أنس من تتبعه للدباء من حوالي القصعة وقول البعض إنه أكل وحده مردود بأن أنساً أكل معه (فـ) ـتسبب عن ذلك أنها (ما زالت تلك طعمتي) بكسر الطعاء المهملة لبيان الهيئة أي صفة أكلي (بعد) بضم الدال أي بعد ذلك الأمر (متفق عليه) رواه البخاري ومسلم في الأطعمة، والنسائي في المحاربة واليوم والليلة، وابن ماجه في الأطعمة وقوله: «سمّ الله وكل مما يليك» رواه أبو داود في الوليمة (وتطيش تدور في نواحي الصحفة) .c ٣٣٠٠ - (وعن ابن عمر ﵄ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته، الإمام راع ومسؤول عن رعيته، والرجل راع في أهله ومسؤول عن رعيته، والمرأة راعية في بيت زوجها ومسؤولة عن رعيتها) ذكراً كان أو أنثى، رقيقاً أو حراً، متبرعاً أو مستأجراً (والخادم راع في مال سيده) فيحفظه عن أسباب التلف ولا يخون فيه (ومسؤول عن رعيته، كلكم راع ومسؤول عن رعيته. متفق عليه) وتقدم الكلام عليه في باب حق الزوج على امرأته. وفي «المغني» لابن هشام: إذا أضيفت كل إلى المعرفة قالوا: يجوز مراعاة لفظها ومراعاة معناها نحو: كلهم قائم أو قائمون، وقد اجتمعا في قوله تعالى: ﴿إن كل من في السموات والأرض إلا آتي الرحمن عبداً لقد أحصاهم وعدهم عداً وكلهم آتيه

стр. 649

يوم القيامة فرداً﴾ (مريم: ٩٣ - ٩٥) والصواب أن الضمير لا يعود إليها من خبرها إلا مفرداً مذكراً على لفظها نحو: «وكلهم آتيه» وقوله: «كلكم راع» اهـ. ٤٣٠١ - (وعن عمرو بن شعيب) بن محمد بن عبد الله بن عمرو بن العاص. صدوق من صغار التابعين، مات سنة ثماني عشرة ومائة. خرّج عنه البخاري في القدر وأصحاب السنن الأربعة (عن أبيه) شعيب، وهو صدوق ثبت سماعه من جده من كبار التابعين. خرّج عنه من ذكر (عن جده) أي جد الأب وهو عبد الله بن عمرو ﵁ قال السيوطي: في حواشي سنن أبي داود: قال الدارقطني: سمعت أبا بكر النقاش يقول: عمرو بن شعيب ليس من التابعين، وقد روى عنه عشرون من التابعين، قال الدارقطني: فتبعتهم فوجدتهم أكثر من عشرين. قال ابن الصلاح: قرأت بخط الحافظ أبي موسى الطيبي في تخريج له قال: عمرو بن شعيب ليس بتابعي، وقد روى عنه نيف وسبعون رجلاً من التابعين، وهذا وهم فإنه روى عن صحابيتين هما الربيَّع بنت معوّذ بن عفراء، وزينب بنت أبي سلمة ربيبة النبي فهو تابعي. وقد اختلف الحفاظ في الاحتجاج بنسخة عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، والراجح الاحتجاج بها مطلقاً، والضمير في جده لشعيب لا لعمرو، ومحمد المذكور في النسب لا مدخل له في هذا الإسناد إلا في حديث واحد لا ثاني له هو ما أخرجه ابن حبان في «صحيحه» من حديث ابن الهاد عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن محمد بن عبد الله عن عبد الله بن عمرو مرفوعاً: «ألا أحدثكم بأحبكم إليّ وأقربكم مني مجلساً يوم القيامة» الحديث اهـ. (قال: قال رسول الله: مروا أولادكم) وجوباً وسواء في ذلك الذكر والأنثى، وكذا يجب عليه أمر زوجته وخادمه (بالصلاة) أي وبما تتوقف عليه لأن الأمر بالشيء أمر بما لا يتم بدونه (وهم أبناء سبع) أي تمامها: أي وقد ميزوا، كما والغالب بحيث صار الصبيّ يأكل وحده ويشرب وحده ويستنجي وحده (واضربوهم عليها) أي على أدائها إن امتنعوا منه ضرباً غير مبرّح ويتقّي الوجه (وهم أبناء عشر) وقد اختلف هل ذلك بعد تمامها أو بالدخول فيها، وإنما أمر بالضرب فيها لأنه حدّ يحتمل فيه الضرب غالباً (وفرقوا بينهم في المضاجع) فلا يباشر المميز غيره في المضاجع، قال ابن

стр. 650

عبد السلام: الصبيّ ليس مخباطاً، وأما هذا الخبر فهو أمر للأولياء، لأن الأمر بالأمر بالشيء ليس أمراً بذلك الشيء قال: وقد وجد أمر الله للصبيان مباشرة على وجه لا يمكن الطعن فيه وهو قوله تعالى: ﴿ليستأذنكم الذين ملكت أيمانكم والذين لم يبلغوا الحلم منكم﴾ (النور: ٥٨) اهـ. وآخر الحديث «وإذا زوّج أحدكم خادمه، عبده أو أجيره فلا ينظر إلى ما دون السرّة وفوق الركبة» (حديث حسن رواه أبو داود بإسناد حسن) ورواه الإمام أحمد والحاكم في «المستدرك» . ٥٣٠٢ - (وعن أبي ثرية) بضم المثلثة وفتح الراء وبتشديد التحتية ويقال بفتح المثلثة وكسر الراء والأول أكثر. وقال في «أُسد الغابة» : والأول أصح. وقال المصنف في «التهذيب» ، حكى ابن الأثير فتح الثاء وهو غريب، كنية (سبرة) بفتح المهملة الأولى وسكون الموحدة (ابن معبد) بفتح الميم الموحدة وسكون المهملة بينهما. قال في «أسد الغابة» : يقال سبرة بن معبد ويقال سبرة بن عوسجة بن سبرة بن خديج بن مالك بن عمرو بن ذهل بن ثعلبة بن نضر بن سعد بن دينار بن رشدان بن قيس بن جهينة (الجهني ﵁ ويكنى بأبي الربيع أيضاً روى عنه الربيع في المتعة. قال المصنف في «التهذيب» : يكنى بأبي ثرية على المشهور، وقيل كنيته أبو الربيع حكاه الحافظ أبو القاسم ابن عساكر في «الأطراف» ، كان له دار بالمدينة، روي له عن رسول الله ﷺ تسعة عشر حديثاً، روى مسلم منها حديثاً واحداً، توفي في خلافة معاوية ﵄ . (قال: قال رسول الله: علموا الصبي) المراد به ما يشمل الصبية لأنه فعيل بمعنى فاعل، وفعيل إذا كان كذلك يستوي فيها المذكر والمؤنث (الصلاة لسبع سنين، واضربوه عليها) حال كونه (ابن عشر سنين) فهو حال من ضمير المفعول، ويجب على الوليّ إذا ميز الصبيّ أن يعلمه ما يجب اعتقاده مما يجب ويجوز ويستحيل في حق الله تعالى وحق رسوله وحق سائر الرسل عليهم الصلاة والسلام، وأن شرائعهم نسخت كلها بشريعة نبينا التي لا تنسخ أبداً، وأنه محمد بن عبد الله النبي

стр. 651

الرسول العربي، ولد بمكة ومات بالمدينة، ويعلمه أحكام الشرائع ليرسخ ذلك عنده، فالعلم في الصغر كالنقش في الحجر (رواه) أي هذا الخبر لا بخصوص هذا اللفظ لما يأتي من قوله: ولفظ أبي داود إلخ (أبو داود والترمذي وقال: حديث حسن) كان الأولى تقديم ذكر الترمذي لأنه راوي اللفظ، وكأنه قدم أبا داود لعلوّ رتبة مرويه على مروي من بعده، ويعود الضمير من قوله: «وقال» إلى أقرب مذكور (ولفظ أبي داود: مروا الصبيّ بالصلاة إذا بلغ سبع سنين) ليتمرّن عليها ويعتادها فلا يتركها إذا بلغ إن شاء الله تعالى. ٣٩ - باب حق الجار أي ما يستحقه (والوصية) من الشارع (به) وفي ذلك حصول الألف والتوادّ الذي به نظام المعاش والمعاد. وفي «المصباح» : الجار: المجاور في السكن والجمع جيران، وجاوره مجاورة وجواراً من باب قاتل والاسم الجوار بالضم: إذا لاصقه في السكن، وحكى ثعلب عن ابن الأعرابي الجار هو الذي يجاورك ببيت اهـ. وأما الجار شرعاً ففي الوصايا: لو أوصى لجيرانه دفع لأربعين داراً من كل جانب من الجوانب الأربعة. (قال الله تعالى) : ( ﴿واعبدوا ا﴾ ) أي وحدوه ( ﴿ولا تشركوا بي شيئاً﴾ ) صنماً أو غيره أو شيئاً من الشرك جلياً أو خفياً ( ﴿وبالوالدين إحساناً﴾ ) أي وأحسنوا بهما إحساناً ( ﴿وبذي القربى﴾ ) أي وبصاحب القرابة ( ﴿واليتامى والمساكين﴾ ) تقدم تعريفهما في باب ملاطفة اليتيم والمساكين ( ﴿والجار ذي القربى﴾ ) الذي قرب جواره، وقيل الذي له مع الجوار قرب واتصال بنسب أو

стр. 652

دين، وقرىء بالنصب على الاختصاص تعظيماً لحفظه ( ﴿والجار الجنب﴾ ) البعيد أو الذي لا قرابة له. وعنه ﵊: «الجيران ثلاثة، فجار له ثلاث حقوق: حق الجوار وحق القرابة، وحتى الإسلام. وجار له حقان: حق الجوار وحق الإسلام، وجار له حق الجوار وهو المشرك من أهل الكتاب» ( ﴿والصاحب بالجنب﴾ ) الرفيق في أمر حسن كتعلم وتصرف وصناعة وسفر فإنه صحبك وحصل بجنبك، وقيل المرأة ( ﴿وابن السبيل﴾ ) المسافر والضيف ( ﴿وما ملكت أيمانكم﴾ ) من العبيد والإماء. ١٣٠٣ - (وعن ابن عمر وعائشة ﵄ قالا: قال رسول الله ﷺ ما زال جبريل) ﵇ تقدم في باب المراقبة أنه اسم سرياني. قيل: معناه عبد الرحمن، وقيل: معناه عبد الله (يوصيني بالجار) أي بالاعتناء به والاحتفال بشأنه (حتى) من شدة ذلك (ظننت أنه سيورثه) فيكون سبب الإرث الجوار، كما كان سببه أول الإسلام التحالف والتعاهد حتى نسخ بآية المواريث (متفق عليه) واللفظ للبخاري ولفظ مسلم «ليورثنه» بالمضارع المؤكد بالنون. ٢٣٠٤ - (وعن أبي ذرّ) جندب بن جنادة وتقدمت ترجمته ﵁ في باب المراقبة (قال: قال رسول الله: يا أبا ذرّ) يكتب بحذف ألف أبا الأولى تخفيفاً وينطق بها، كذا قيل، والظاهر بحذف ألف حرف النداء لأن ألفه تحذف في رسم الإمام وكذا هنا إلحاقاً به (إذا

стр. 653

طبخت مرقة) هو الماء الذي طبخ فيه اللحم ونحوه، وتوضحها رواية ابن أبي شيبة الآتية، ولفظ المرقة هنا مجاز مرسل علاقته الأول فهو نظير قوله تعالى: ﴿إني أراني أعصر خمراً﴾ (يوسف: ٣٦) (فأكثر ماءها) ليكثر الائتدام بها، فإن المراد بها إساغة الخبز وتليينه، وذلك يستوي فيه ضيق المرقة وواسعها (وتعاهد) ندباً (جيرانك) أي بالإحسان إليهم وفعل البرّ معهم، وفي التعبير بالتعاهد الموضوع للمشاركة في الفعل: أي: إلى طلب ذلك من كل الجيران مع الباقين (رواه مسلم) وعند ابن أبي شيبة من حديث جابر مرفوعاً «إذا طبختم اللحم فأكثروا المرق/ فإنه أوسع وأبلغ بالجيران» . ففي الحديث الحض على مكارم الأخلاق والإرشاد لمحاسنها لما يترتب عليه من المحبة والألفة ولما يحصل به من المنفعة ودفع الحاجة والمفسدة فقد يتأذى الجار بقتار قدر جاره وعياله وصغار ولده ولا يقدر على التوصل لذلك، فتهيج من صغارهم الشهوة ويقوم على القائم بهم الألم والكلفة، وربما كان يتيماً أو أرملة فتكون المشقة أعظم وتشتد منهم الحسرة والألم، وكل ذلك ليندفع بتشريكهم في شيء من الطبخ فلا أقبح من منع هذا اليسير المترتب عليه هذا الضرر الكبير. (وفي رواية له) أي لمسلم (عن أبي ذر قال: إن خليلي) لا ينافيه حديث: «لو كنت متخذاً خليلاً غير ربي لاتخذت أبا بكر» لأن الذي لم يكن اتخاذ النبي غير ربه خليلاً، أما اتخاذ غيره إياه خليلاً فلا، ومثله حديث أبي هريرة «أوصاني خليلي بثلاث: أن لا أنام قبل أن أوتر» الحديث (أوصاني إذا طبخت مرقاً) أي ذا مرق من لحم وغيره (فأكثر ماءه ثم انظر أهل بيت من جيرانك فأصبهم منها) أي المرقة المدول عليها بالمرق (بمعروف) الباء صلة الفعل قبله، وجملة إذا طبخت تحتمل أن تكون مفسرة لقوله أوصاني خليلي، وأن تكون مستأنفة استئنافاً بيانياً، كأنه قيل: ما قال لك إذا أوصاك، فقال: قال إذا طبخت إلخ. وفي قوله بمعروف إيماء إلى أنه ينبغي أن يكون المرسل به إلى الجيران شيئاً به نفع في الائتدام، فإن لم يتيسر إلا القليل فليهده ولا يحتقره ففي الحديث «لا تحقرن من

стр. 654

المعروف شيئاً» ويكون المهدى إليه مأموراً بقبوله ذلك والمكافأة عليه ولو بالشكر، فإنه وإن كان قليلاً دليل على تعلق قلب المهدي بجاره. ٣٣٠٥ - (وعن أبي هريرة ﵁ كذا في نسختين من الرياض، والذي في باب «إثم من لاتأمن جيرانه بوائقه» من «صحيح البخاري» أن الحديث عن أبي شريح (أن النبي قال: وا لا يؤمن، وا لا يؤمن، وا لا يؤمن) فيه الحلف من غير استحلاف وتكراره لتأكيد الأمر وهو لذلك مستحبّ والمراد من الإيمان المنفي الإيمان الكامل لا أصله المخرج من النار المدخل في الجنة فذلك لا يزول بهذا (قيل: من يا رسول الله؟) هذا الذي نفى عنه الإيمان مراراً (قال) هو (الذي لا يأمن جاره بوائقه) فالموصول خبر لمبتدأ محذوف (متفق عليه) الخبر أخرجه البخاري، في الأدب واللفظ له لكن من حديث أبي سريج كما تقدم. (وفي رواية لمسلم) من حديث أبي هريرة رواها عنه في كتاب الإيمان قال: إن رسول الله ﷺ قال: (لا يدخل الجنة) أي مع الناجين، قال المصنف: ومعناه: هذا جزاؤه ثم قد يجازى بذلك وقد يعفو عنه فيدخلها ابتداء، أو مطلقاً إن استحل أذاه بما علم تحريمه بالضرورة (من لا يأمن جاره) وفي نسخة «ولا يؤمن جاره» (بوائقه. البوائق: الغوائل) بالغين المعجمة (والشرور) واحدها بائقة قال في «شرح مسلم» وهو الغائلة والداهية. ٤٣٠٦ - (وعنه) أي عن أبي هريرة ﵁: (قال: قال رسول الله: يا نساء المسلمات) من إضافة الموصوف إلى صفته وهو مؤول عند البصريين: أي يا نساء الجماعة المسلمات (لا تحقرنّ جارة) معروفاً (لجارتها ولو فرسن شاة. متفق عليه) وتقدم الكلام عليه في

стр. 655

باب بيان كثرة طرق الخير. ٥٣٠٧ - (وعنه أن رسول الله ﷺ قال: لا يمنع) بالجزم على أنها ناهية، ولبعض رواة البخاري بالرفع: نفي بمعنى النهي (جار جاره) من (أن يغرز خشبة في جداره) أي لا يمنعه من ذلك في ملكه وإن تضررّ هو بذلك كأن يحدث له بها ظلام في محله ونحو ذلك، فإن المالك له أن يفعل في ملكه ما يشاء وإن آذى الجار والمار، والأكثر على أن الضمير في جداره يرجع إلى المانع: أي لا يمنعه من غرزه في جدار نفسه، لأن ذلك مما يتسامح به ويتساهل فيه، هو القول القديم للشافعي في جمع من الأئمة (ثم يقول أبو هريرة) بعد روايته الحديث (مالي) مبتدأ والظرف خبر (أراكم) جملة حالية من الضمير (عنها) أي عن السنة، أو الخصلة أو المقالة (معرضين) إن كانت أرى علمية فهو مفعول ثان وإن كانت بصرية فحال، والظرف متعلق به قدم عليه اهتماماً به واختصاصاً (وا لأرمين بها) أي بهذه السنة (بين أكتافكم) بالفوقية جمع كتف: أي بينكم، قال القاضي عياض وقد رواه بعض رواة الموطأ أكنافكم بالنون، ومعناه أيضاً بينكم، والكنف: الجانب، ومعنى الأول، أني أصرح بها بينكم وأوجعكم بالتقريع بها كما يضرب الإنسان بالشيء بين كتفيه (متفق عليه) . (روى خشبه بالإضافة) إلى هاء الضمير (والجمع) لخشبه بحذف هاء الوحدة (وروي خشبة بالتنوين) مع هاء الواحدة (على الإفراد) قال الحافظ في «الفتح» : قال ابن عبد البرّ: روي اللفظان في الموطأ والمعنى واحدة، لأن المراد الجنس وهذا متعين للجمع، وإلا فالمعنى قد يختلف باعتبار أن أمر الخشبة الواحدة أخفّ في مسامحة الجار بخلاف الخشب الكثير اهـ. قال القاضي: روينا قوله خشبة في «صحيح مسلم» وغير من الأصول بالإفراد والجمع، قال: وقال الطحاوي عن روح بن الفرج: سألت أبا زيد والحارث بن مسكين ويونس بن عبد الأعلى عنه فقالوا كلهم خشبة بالتنوين على الإفراد. وقال عبد الغني بن سعيد: كل يقوله بالجمع إلا الطحاوي. وفي «فتح الباري» وما ذكرته من اختلاف رواة الصحيح يردّ على عبد الغني، إلا أن المراد خاصاً من الناس كالذين روى عنه الطحاوي اهـ. (وقوله ما لي أراكم عنها معرضين: يعني عن هذه السنة) قال المصنف في شرح مسلم: جاء

стр. 656

في رواية أبي داود: «فنكسوا رؤوسهم، فقال ما لي أراكم أعرضتم» واختلف العلماء في معنى هذا الحديث، هل هو على الندب إلى تمكين الجار من وضع الخشب على جدار جاره أم على الإيجاب؟ وفيه قولان للشافعي ولأصحاب مالك، أصحهما في المذهبين الندب، وبه قال أبو حنيفة والكوفيون، والثاني الإيجاب وبه قال أحمد وأبو ثور وأصحاب الحديث وهو ظاهر الحديث، ومن قال بالندب قال، ظاهر الحديث أنهم توقفوا عن العمل فقال: ما لي أراكم عنها معرضين، وهذا يدل على أنهم فهموا منه الندب لا الإيجاب، وإلا لما أطبقوا على الإعراض عنه اهـ. ٦٣٠٨ - (وعنه أن رسول الله ﷺ قال: من كان يؤمن) إيماناً كاملاً (با واليوم الآخر) هو يوم القيامة الذي هو محل الجزاء على الأعمال حسنها وقبيحها، وسمي باليوم الآخر لأنه لا يوم بعده، وذكره هنا دون نحو الملائكة مما ذكر معه في حديث جبريل تنبيه وإرشاد لما أشرنا إليه مما يوقظ النفس ويحركها في الهمة للمبادرة إلى امتثال جزاء هذا الشرط وما هو مثله (فلا يؤذي جاره) كذا هو بإثبات الباء وهو محمول على أن لا نافية والمبتدأ مقدر قبله، والأصل فهو لا يؤذي جاره: أي هذا شأنه، ويجوز أن تكون ناهية وتكون الياء فيه للإشباع، وإيذاء الجار حرام (ومن كان يؤمن با واليوم الآخر) إيماناً كاملاً (فليكرم ضيفه) الغني والفقير بحسن البشر والمبادرة بما تيسر عنده من الطعام من غير كلفة ولا إضرار بأهله إلا أن يرضوا وهم بالغون عاقلون، وعليه يحمل ما ورد من الثناء على الأنصاري وامرأته في إيثارهما الضيف على أنفسهما. والضيف لغة يشمل الواحد والجمع من أضفته وضيفته: إذا أنزلته بك ضيفاً، وضفته وتضيفته: إذا نزلت عليه ضيفاً (ومن كان يؤمن با واليوم الآخر فليقل) اللام فيه وفي فليكرم للأمر ويجوز سكونها وكسرها حيث دخلت عليها الفاء والواو وثم بخلافها في ليسكت فإنها مسكورة لا غير (خيراً) قال الشافعي:

стр. 657

لكن بعد أن يتفكر فيما يريد أن يتكلم به، فإذا ظهر له أنه خيرمحقق لا يترتب عليه مفسدة ولا يجرّ إلى كلام محرم أو مكروه أتى به (أو ليسكت) فليطلب الصمت حتى عن المباح لأنه ربما أدى إلى محرم أو مكروه، وبفرض أنه لا يؤدي إليهما ففيه ضياع الوقت فيما لا يعني، وقد ورد «من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه» (متفق عليه) أخرجه البخاري في كتاب الإيمان، وهو من القواعد العظيمة لأنه بين فيه جميع أحكام اللسان الذي هو أكثر الجوارح فعلاً، وبهذا الاعتبار يصح أن يقال فيه إنه ثلث الإسلام. وقال بعضهم: جميع آداب الخير تتفرّع منه، ويشار فيه إلى سائر خصال البرّ والصلة والإحسان لأن آكدها رعاية حق الجوار، وبهذا الاعتبار يصح أن يقال فيه إنه نصف الإسلام، لأن الأحكام إما أن تتعلق بالحق أو بالخلق، وهذا أفاده الثاني لأن وصلة الخلق تستلزم رعاية جميع حقوقهم. ٧٣٠٩ - (وعن أبي شريح) بضم الشين المعجمة وفتح الراء آخره مهملة قبلها تحتية ساكنة (الخزاعي) تقدمت ترجمته ﵁ في باب ملاطفة اليتيم (أن النبي قال: من كان يؤمن با واليوم الآخر فليحسن إلى جاره) ذكر حديث أبي هريرة قبل هذا، لأن ما في ذلك من باب الدرء والتخلية، وما في هذا من باب جلب النفع والتحلية، ودرء المفاسد مقدم على جلب المصالح، وأشار المصنف بالجمع بينهما إلى أن كمال الإيمان لا يحصل إلا بالجمع بين الأمرين، فيكفّ عنه أذاه ويحسن إليه بما تصل إليه قدرته (من كان يؤمن با واليوم الآخر فليكرم ضيفه، ومن كان يؤمن با واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليسكت) ولعل حكمة الفصل بين الجمل في هذه الرواية الإيماء إلى أن مضمون كل منها مطلوب لذاته من غير اعتبار انضمام غيره إليه وإن كان أفضل، ولذلك وصل بينهما في الروايات الأخر (رواه مسلم) في كتاب الإيمان من «صحيحه» (بهذا اللفظ) ورواه أحمد والترمذي. (وروى

стр. 658

البخاري بعضه) قلت: بل جميعه إلا أن في اللفظ اختلافاً يسيراً فقال في كتاب الأدب من الصحيح في باب «من كان يؤمن با واليوم الآخر فلا يؤذ جاره» عن أبي شريح العدوي قال: سمعت أذناي وأبصرت عيناي حين تكلم النبي «من كان يؤمن با واليوم الآخر فليكرم جاره، ومن كان يؤمن با واليوم الآخر فليكرم ضيفه جائزته، ثم فسر الجائزة ومن كان يؤمن با واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت» . ٨٣١٠ - (وعن عائشة ﵂ قالت: قلت يا رسول الله إن لي جارين) أي وقد أمرت بإكرام الجار مطلقاً ولا أقدر على الإهداء إليهما معاً (فإلى أيهما أهدي) ليحصل لي بالدخول في جملة القائمين بإكرام الجار (قال: إلى أقربهما منك باباً) لأنه المراد بالجار ذي القربى على أحد الأقوال، وقد قدم في الذكر على الجار الجنب اهتماماً به واعتناء بشأنه، ففيه إيماء إلى تقديمه عند المضايقة وباباً منصوب على التمييز (رواه البخاري) . ٩٣١١ - (وعن عبد الله بن عمرو ﵄ قال: قال رسول الله: خير الأصحاب عند ا) أي أكثرهم عنده ثواباً أو أكرمهم عنده منزلة قال تعالى: ﴿إن أكرمكم عند الله أتقاكم﴾ (الحجرات: ١٣) (خيرهم لصاحبه) في القيام بما ينفعه والدفع لما يؤذيه (وخير الجيران) ثواب أو منزلة (عند الله خيرهم لجاره، رواه الترمذي وقال حديث حسن) ورواه أحمد والحاكم

стр. 659

وورد ما يعم ذلك في حديث: «الخلق عيال الله وأحبهم إليه أنفعهم لعباده» . ٤٠ - باب بر الوالدين وصلة الأرحام أي بيان ما ورد فيهما ويحصل به ذلك. (قال الله تعالى) : ( ﴿واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئاً﴾ ) لا صنماً ولا غيره أو شيئاً من الشرك جلياً كان أو خفياً، فهو على الأول مفعول به، وعلى الثاني مفعول مطلق ( ﴿وبالوالدين إحساناً وبذي القربى واليتامى والمساكين والجار ذي القربى والجار الجنب والصاحب بالجنب وابن السبيل وما ملكت أيمانكم﴾ ) تقدم الكلام على الآية في الباب قبله. (وقال تعالى) : ( ﴿واتقوا ا﴾ ) بامتثال أوامره واجتناب منهياته: أي اجعلوا ذلك وقاية لكم من عذابه ( ﴿الذي تساءلون به﴾ ) بإدغام إحدى التاءين في السين وقرىء بالتخفيف على حذف إحداهما أي الذي يسأل بعضكم به بعضا فيقول أحدكم أسألك با ( ﴿والأرحام﴾ ) أي واتقوا الأرحام، وقرأ حمزة ﴿والأرحام﴾ بالخفض عطفا على الضمير لقولهم أسألك با وبالرحم، قاله مجاهد، قال ابن عطية: وهذه القراءة عند نحاة البصرة لا تجوز، لأنه لا يجوز عندهم العطف على الضمير المخفوض من غير إعادة الخافض إلا في ضرورة كقوله: فاذهب فما بك والأيام من عجب لأن الضمير المخفوض لا ينفصل، فهو كحرف من الكلمة، ولا يعطف على حرف، واستشكل بعض النحاة هذه القراءة اهـ. قال السفاقسي: الصحيح جواز العطف على الضمير من غير إعادة الجار كمذهب الكوفيين، ولا ترد القراءة متواترة لمذهب البصريين، قال الثعالبي: وهو حسن، والرازي نحوه. قلت: القراءة ثابتة ومقبولة على المذهبين، لكنها على قول البصريين محمولة على أن الواو للقسم والأرحام مقسم به، وتعالى أن

стр. 660

يقسم بما شاء، والله أعلم. (وقال تعالى) : ( ﴿والذين يصلون ما أمر الله به أن يوصل﴾ ) قال ابن عباس: يريد الإيمان بجميع الكتب والرسل يعني يصلون بينهم بالإيمان بهم ولا يفرّقون بين أحد منهم، والأكثرون على أن المراد به صلة الرحم (الآية) بالنصب على تقدير أتم الآية، أو بالرفع على تقدير الآية معلومة، وتمامها ﴿ويخشون ربهم﴾ (الرعد: ٢١) أي إنهم مع وفائهم بعهد الله وميثاقه والقيام بما أمر الله به من صلة الرحم يخشون ربهم، والخشية خوف يشوبه تعظيم، وإنما يكون ذلك على علم ما يخشى به منه: ﴿ويخافون سوء الحساب﴾ (الرعد: ٢١) قال إبراهيم النخعي: هو أن يحاسب الرجل بذنبه كله لا يغفر له منه شيء. (وقال تعالى) : ( ﴿ووصينا الإنسان بوالديه حسناً﴾ ) أي براً وعطفاً، والمعنى: ووصينا الإنسان أن يحسن بوالديه إحساناً، وهذه الآية هي التي في العنكبوت ونزلت في سعد بن أبي وقاص وأمه حمنة بنت أبي سفيان لما أسلم وكان بارّاً بأمه، فقالت أمه: ما هذا الدين وا لا آكل ولا أشرب حتى ترجع إلى ما كنت عليه أو أموت، فمكثت كذلك أياماً فجاءها سعد فقال: يا أماه لو كانت لك مائة نفس فخرجت نفساً نفساً ما تركت ديني، فكلي إن شئت أو اتركي فلما أيست منه أكلت وشربت، فأنزل اهذه الآية، وأمر بالبرّ بوالديه والإحسان إليهما وأن لا يطيعهما في الشرك. (وقال تعالى) : ( ﴿وقضى ربك﴾ ) أي أمر قاله ابن عباس. وقيل: معناه أوجب. وحكى عن الضحاك: أنه قرأ ووصى ربك وقال: إنهم ألصقوا الواو بالصاد فصارت قافاً، وهي قراءة علي وابن مسعود. قال الإمام فخر الدين الرازي: هذا القول بعيد جداً، لأنه يفتح بابي التغيير والتحريف في القرآن، ولو جوّزنا ذلك لارتفع الأمان عن القرآن، وذلك يخرجه عن كونه حجة، ولا شك أنه طعن عظيم في الدين ( ﴿ألا تعبدوا إلا إياه﴾ ) فيه وجوب عبادته والمنع من عبادة غيره، إذ هي نهاية التعظيم، ولا تليق إلا بالمنعم المتفضل، وليس ذلك لسواه (و) أن تحسنوا أو تفعلوا ( ﴿بالوالدين إحساناً﴾ ) أي برّا

стр. 661

بهما وعطفاً عليهما وإحساناً إليهما ( ﴿إما﴾ ) هما إن الشرطية وما الزائدة للتأكيد، ولذا أكد الفعل في قوله: ( ﴿يبلغن عندك الكبر﴾ ) مفعول مقدم ( ﴿أحدهما﴾ ) فاعل ( ﴿أو كلاهما﴾ ) معناه أن يبلغ الكبر أحدهما أو كلاهما عندك فيصير في الضعف والعجز كما كنت أنت عندهما كذلك أولاً ( ﴿فلا تقل لهما أفّ﴾ ) وهي كلمة تضجر وكراهة، وقيل أصل هذه الكلمة أنه إذا سقط عليك شيء من تراب أو رماد نفخته لتنزيله بقول أفّ، ثم توسعوا بذكر هذه الكلمة عند كل مكروه يصل الإنسان. وفي الآية تحريم إيذائهما بالقياس الأولوي، وفي أفّ أربعون لغة ذكرها في الارتشاف، وحاصلها أن الهمزة إما أن تكون مضمومة أو مكسورة أو مفتوحة، فإن كانت مضمومة فاثنتان وعشرون لغة، وحاصل ضبطها أنها إما مجردة عن اللواحق أو ملحقة بزوائد، والمجردة إما أن يكون آخرها ساكناً أو متحركاً والمتحرك الآخر إما مشددة أو مخففة وكل منهما مثلث الآخر مع التنوين، وعدمه فهذه اثنا عشرة لغة في المتحركة والساكنة إما مشددة أو مخففة فهذه أربع عشرة واللاحق لها من الزوائد إما هاء السكت أو حرف المد، فإن كان هاء السكت فالفاء مثلثة مشددة فهذه سبع عشرة لغة، وإن كان حرف مد فهو إما واو أو ألف أو ياء والفاء فيهن مشددة، والألف إما مفخمة أو بالإمالة المحضة أو بين بين، فهذه خمس أخرى مع السبع عشرة، وإن كانت مكسورة فإحدى عشرة مثلثة الفاء مخففة مع التنوين وعدمه، فهذه ست، وفتح الفاء وكسرها بالتشديد فيهما مع التنوين وعدمه فهذه أربع لغات، والحادية عشرة، أوفي بالإمالة، وإن كانت مفتوحة فالفاء مشددة مع الفتح والكسر والتنوين وعدمه، والخامسة أفّ بالسكون، والسادسة أفي بالإمالة، والسابعة أفاه بهاء السكت، فهذه السبعة مكملة للأربعين. نقله الأزهري في «شرح التوضيح» ، قال الحافظ في «فتح الباري» : وإن استعمل القياس فيها بلغت السبعين لغة ( ﴿ولا تنهرهما﴾ ) أي تزجرهما عما يتعاطيانه مما لا يعجبك، يقال: نهره وانتهره بمعنى، ووجه الجمع بينه وبين ما قبله مع أنه يدل على هذا أن ذاك للمنع من إظهار الضجر القليل والكثير، وهذا للمنع من إظهار المخالفة في القول على سبيل الرد ( ﴿وقل لهما قولاً كريماً﴾ ) أي حسناً جميلاً ليناً كما يقتضيه حسن الأدب معهما، وقيل هو قول يا أباه، يا أماه ولا يسميهما باسمهما ولا بكناهما، وقيل هو أن يقول لهما كقول العبد الذليل للسيد الفظ الغليظ ( ﴿واخفض لهما جناج الذلّ﴾ ) أي ألن لهما جناحك واخفضه لهما حتى لا تمتنع من شيء أحباه ( ﴿من الرحمة﴾ ) أي

стр. 662

الشفقة عليهما لكبرهما وافتقارهما إليك الآن كما كنت مفتقراً إليهما قبل (وقل ربّ ارحمهما كما ربياني صغيراً) أي وادع الله أن يرحمهما رحمته الباقية، وأراد إذا كانا مسلمين أما الكافران فالدعاء منسوخ في حقهما، قال تعالى: ﴿ما كان للنبيّ والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين﴾ (التوبة: ١١٣) الآية. وقيل يدعو لهما بالهداية للإسلام فإذا هديا إليه رحما. (وقال تعالى) : ( ﴿ووصينا الإنسان بوالديه حملته أمه وهنا على وهن﴾ ) أي شدة على شدة، وقيل إن المرأة إذا حملت توالى عليها الضعف والمشقة، وذلك أن الحمل ضعف والطلق ضعف والوضع ضعف ( ﴿وفصاله﴾ ) أي فطامه ( ﴿في عامين﴾ ) أي سنتين ( ﴿أن اشكر لي ولوالديك﴾ ) قال ابن عيينة في هذه الآية: من صلى الصوات الخمس فقد شكرالله، ومن دعا للوالدين في أدبار الصلوات فقد شكر لهما. ١٣١٢ - (وعن أبي عبد الرحمن عبد الله بن مسعود) بن غافل الهذلي ﵁ قال: سألت النبي أي العمل أحب إلى ا) أي أكثر تقرّباً إليه لكونه أفضل، وفي رواية مالك بن مغول «أيّ العمل أفضل» وكذا لأكثر الرواة، فإن كان هذا اللفظ هو المسؤول به فلفظ حديث الباب ملزوم عنه، وتقدم الجواب عن نحو هذا الحديث مما اختلفت فيه الأجوبة بأنه أفضل الأعمال بأنه ذلك باختلاف أحوال السائلين، بأن أعلم كلاماً هو إليه أحوج أو هو به أليق أو باختلاف الأوقات أو أنه على تقدير من التبعيضية (قال: الصلاة على وقتها) وفي رواية لهما «لوقتها» قال القرطبي وغيره قوله لوقتها اللام للاستقبال مثل: ﴿فطلقوهن لعدتهن﴾ (الطلاق: ١) أي مستقبلات عدتهن وقيل للابتداء كقوله: ﴿أقم الصلاة لدلوك الشمس﴾ (الإسراء: ٧٨) وقيل بمعنى في: أي في وقتها، وقوله على وقتها قيل على بمعنى

стр. 663

اللام ففيه ما تقدم، وقيل لإرادة الاستعلاء على الوقت، وفائدته تحقق دخول الوقت ليقع الأداء فيه اهـ. وفي الحديث دليل على أن الصلاة أفضل عبادات البدن بعد الشهادتين، ويشهد له الخبر الصحيح «الصلاة خير موضوع» أي خير عمل وضعه الله لعباده ليتقرّبوا به إليه (قلت: ثم) هي لتراخي الرتبة: أي ثم بعد الصلاة (أي) قال الحافظ: قيل الصواب أنه غير منون لأنه موقوف عليه في الكلام، والسائل منتظر الجواب، والتنوين لا يوقف عليه فتنوينه ووصله بما بعده خطأ، فيوقف عليه وقفه لطيفة ثم يؤتى بما بعده. قال الفاكهاني: وحكى ابن الجوزي وابن الخشاب الجزم بتنوينه لأنه معرف غير مضاف، وتعقب بأنه مضاف تقديراً والمضاف إليه محذوف لفظاً، والتقدير: ثم أيّ العمل أحبّ، فيوقف عليه بلا تنوين اهـ. (قال برّ الوالدين) قال ابن حجر: والظاهر أن المراد به إسداء الخير إليهما مما يلزمه، ويندب له مع إرضائهما بفعل ما يريدانه ما لم يكن إثماً، وليس ضده العقوق بل قد يكون بينهما واسطة كما يفيده حدّ العقول بأن يفعل بهما ما يؤذيهما به إيذاء لبس بالهين (قلت: ثم أيّ؟ قال الجهاد في سبيل ا) لإعلاء كلمة الله (متفق عليه) . ٢٣١٣ - (وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله: لا يجزي) قال المصنف، بفتح أوله ولا همز في آخره: أي لا يكافىء (ولد والداً) وإن علا ذكراً كان أو أنثى: أي لا يقوم بمكافأته فيما له عليه بالإحسان وقضاء الحاجات (إلا أن يجده مملوكاً فيشتريه فيعتقه) وأخذ أهل الظاهر من مفهوم هذا الخبر توقف عتق القريب إذا ملك على إنشاء المالك للعتق ولو أصلاً أو فرعاً. وقال جماهير العلماء: يحصل العتق في الأصل والفرع مطلقاً بمجرد الملك سواء المسلم والكافر والقريب والبعيد والوارث وغيره. واختلف فيما وراء عمود النسب. فقال الشافعي وأصحابه: لا يعتق غيرهما بالملك. وقال مالك: تعتق الإخوة. وقال أبو حنيفة: يعتق ذوو الأرحام المحرّمة، وتأول الجمهور الحديث المذكور

стр. 664

على أنه لما تسبب في شرائه المتسبب عليه بالعتق أسند إليه (رواه مسلم) والبخاري في الأدب المفرد، وأبو داود والترمذي وقال صحيح وابن ماجه. ٣٣١٤ - (وعنه أيضاً ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: من كان يؤمن با واليوم الآخر) أي إيماناً كاملاً (فليكرم ضيفه) وتقدم ما في الحديث في الباب قبله (ومن كان يؤمن با واليوم الآخر فليصل رحمه) وتقدم الحديث في الباب قبله. قال القاضي عياض: لا خلاف أن صلة الرحم واجبة في الجملة وقطيعتها معصية كبيرة. قال: والأحاديث في الباب تشهد بهذا، ولكن الصلة درجات بعضها أرفع من بعض، وأدناها ترك المهاجرة وصلتها بالكلام وبالسلام. ويختلف ذلك باختلاف القدرة والحاجة: فمنها واجب ومنها مستحب، ولو وصل بعض الصلة ولم يصل غايتها لا يسمى قاطعاً، ولو قصر عما يقدر عليه وينبغي له لم يسم واصلاً، وسيأتي بيان الكلام في حد الحرم المأمور بصلتها (ومن كان يؤمن با واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت) بضم الميم، وأصمت بمعناه مضارعه يصمت بضم الميم، قاله المصنف. واعترض بأن المسموع والقياس كسرها إذ قياس فعل مفتوح العين يفعل بكسرها ويفعل بضمها دخيل فيه كما نص عليه ابن جني، وإنما يتجه ذلك إن سبرت كتب اللغة فلم تر ما قاله وإلا فهو حجة في النقل، وهو لم يقل هذا قياساً حتى يعترض بما ذكر وإنما قاله نقلاً كما هو الظاهر من كلامه فوجب قبوله: أي ليسكت عما لم يظهر له فيه الخير كما تقدم بسطه في الباب قبله (متفق عليه) . ٤٣١٥ - (وعنه قال: قال رسول الله: إن الله تعالى خلق الخلق) أي أوجدهم

стр. 665

واخترعهم من كتم العدل بباهر قدرته (حتى إذا فرغ منهم) أي كمل خلقهم لا أنه تعالى كان مشتغلاً بهم ثم فرغ من شغلهم، تعالى عن ذلك علوّاً كبيراً، فليست أفعاله تعالى بمباشرة ولا مناولة ولا بآلة ولا محاولة، تعالى عما يتوهمه المتوهمون: ﴿إنما أمره إذا أراد شيئاً أن يقول له كن فيكون﴾ (يس: ٨٢) (قامت الرحم فقالت: هذا مقام العائذ بك من القطيعة) قال القاضي عياض: الرحم التي توصل وتقطع وتبرّ إنما هي معنى من المعاني ليست بجسم إنما هي قرابة ونسب يجمعه رحم والدة ويتصل بعضه ببعض وسمي بذلك الاتصال رحماً، والمعاني لا يتأتى منها القيام ولا الكلام، فيكون ذكر قيامها هنا وتعلقها ضرب مثل وحسن استعارة على عادة العرب استعمال ذلك، والمراد تعظيم شأنها وفضيلة واصلها وعظيم اسم قاطعها بعقوقهم، ولذا سمي العقوق قطعاً، والعق الشق كأنه قطع ذلك السبب المتصل. قال: ويجوز أن يكون المراد قيام ملك من الملائكة تعلق بالعرش وتكلم على لسانها بذلك بأمر الله تعالى اهـ. قال القرطبي: فالحديث محمول إما على أن ملكاً تكلم بذلك، أو على أنه لو كانت الرحم ممن يعقل ويتكلم لقالت هذا الكلام، فيكون على وجه الفرض والتقدير. قال المصنف: والعائذ المستعيذ، وهو المعتصم بالشيء الملتجىء إليه المستجير به (قال: نعم، أما ترضين أن أصل من وصلك وأقطع من قطعك) قال العلماء: حقيقة الصلة العطف والرحمة، وصلة الله سبحانه عباده لطفه بهم ورحمته إياهم وعطفه بإحسانه ونعمه، أو صلتهم بأهل ملكوته الأعلى وشرح صدورهم لمعرفته وطاعته أو إرادته ذلك (قالت) أي الرحم لو كانت متكلمة أو الملائكة المتكلمة بذلك (بلى) أي رضيت به (قال فذلك) بكسر الكاف فيه وفي (لك) لأن المخاطب مؤنث (ثم قال رسول الله: اقرءوا إن شئتم)

стр. 666

أي ما يدل لذلك وجملة الشرط معترضة وجوابها محذوف لدلالة ما قبلها عليه ومفعول اقرؤوا قوله: ( ﴿فهل عسيتم﴾ ) أي فهل يتوقع منكم، ويجوز فتح السين وكسرها وبهما قرىء: ( ﴿إن توليتم﴾ ) أمور الناس وتأمرتم عليهم أو أعرضتم وتوليتم عن الإسلام ( ﴿أن تفسدوا في الأرض﴾ ) بأنواع العتو ( ﴿وتقطعوا أرحامكم﴾ ) تشاجراً على الولاية وتجاذباً لها، أو رجوعاً إلى ما كنتم عليه في الجاهلية من التغادر والماقتلة مع الأقارب. والمعنى: أنهم لضعفهم في الدين وحرصهم على الدنيا أحق بأن يتوقع ذلك منهم من عرف حالهم ويقول لهم: هل عسيتم، وهذا على لغة الحجاز فإن بني تميم لا يحلقون الضمير به، وخبره أن تفسدوا، وإن توليتم اعتراض ( ﴿أولئك﴾ ) إشارة إلى المذكورين ( ﴿الذي لعنهم ا﴾ ) لإفسادهم وقطعهم أرحامهم ( ﴿فأصمهم﴾ ) عن سماع الحق ( ﴿وأعمى أبصارهم﴾ ) فلا يهتدون إلى سبيله. وعلى القول الثاني: أي قوله أعرضتم وتوليتم عن الإسلام تكون الرحم المذكورة دين الإسلام والإيمان التي قد سماها الله تعالى إخوة بقوله: ﴿إنما المؤمنون إخوة﴾ (الحجرات: ١٠) وقال الفراء: نزلت هذه الآية في بني هاشم وبني أمية. قال القرطبي: وعليه فالرحم بمعنى القرابة قال المصنف: قال القاضي عياض: وقد اختلف في حدّ الرحم التي تجب صلتها ويحرم قطعها، فقيل هو كل رحم محرم بحيث لو كان أحدهما ذكراً والآخر أنثى حرمت مناكحتهما فعليه لا تدخل أولاد العم والخال. واحتج هذا القائل بتحريم الجمع بين المرأة وعمتها أو خالتها في النكاح ونحوه وجواز ذلك في بنات الأعمام والأخوال، وقيل هو عام في كل ذي رحم من ذوي الأرحام في الميراث يستوي فيه المحرم وغيره، ويدل عليه قوله ﵊: «ثم أدناك أدناك» اهـ. قال المصنف والقول الثاني هو الصواب، ومما يدل عليه قوله في الحديث في أهل مصر «فإن لهم ذمة ورحما» وحديث «إن أبرّ البر أن يصل الرجل أهل ودّ أبيه» مع أنه لا محرمية والله أعلم. قال القرطبي: ويخرج من هذا القول أن رحم الأم التي لا يتوارث بها لا تجب صلتهم ولا يحرم قطعهم. والصواب ما ذكرناه من أنها قرابات الرجل من جهة طرفي أبائه وإن علوا وأبنائه وإن نزلوا، وما يتصل بالطرفين من الإخوة والأخوات والأعمام والعمات والأخوال والخالات، وما يتصل بهم من أولادهم برحم جامعة اهـ. (متفق عليه) رواه البخاري في كتاب الأدب ومسلم في كتاب البرّ والصلة. (وفي رواية للبخاري) هي في كتاب الأدب أيضاً عن أبي هريرة (فقال الله تعالى: من

стр. 667

وصلك وصلته ومن قطعك قطعته) فالفرق بين اللفظين أن الأوّل إخبار عما يبدو في عالم الشهادة للواصل والقاطع، والثاني إخبار عما في الأزل: أي قضيت أزلاً بوصل الواصل وقطع القاطع. ٥٣١٦ - (وعنه: جاء رجل) قيل: هو معاوية بن حيدة، وقد جاء في «سنن أبي داود» والترمذي عنه أنه قال: «يا رسول الله من أبرّ؟ قال: أمك» الحديث وفي آخره «ثم الأقرب فالأقرب» (إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله من أحقّ الناس بحسن صحابتي) بفتح الصاد المهملة مصدر صحب (قال أمك) وذلك لضعفها وحاجتها (قال: ثم من؟) أي الأحق بعدها (قال) تأكيداً للقيام بحق الأم (أمك، قال: ثم من؟) الأحق بعدها (قال) مبالغاً في تأكيد حق الأم (أمك، قال: ثم من؟) الأحق بعدها (قال أبوك. متفق عليه) . (وفي رواية) لمسلم (يا رسول الله: من أحقّ بحسن الصحبة؟ قال: أمك، ثم أمك، ثم أباك، ثم أدناك) ثم (أدناك والصحابة) المذكورة في الرواية أولاً (بمعنى الصحبة) المذكور في الرواية الثانية هي بضم الصاد (وقوله ثم أباك هكذا هو) في الرواية الثانية (منصوب بفعل محذوف) جوازاً (أي ثم برّ أباك) وفيه عطف الجملة الطلبية على الجملة الخبرية، ويجوز تخريجه على أنه مرفوع بضمة على الألف على لغة القصر (وفي رواية ثم أبوك وهو واضح) أي إنه معطوف على الخبر للمبتدأ المحذوف.

стр. 668

٦٣١٧ - (وعنه: عن النبي قال: رغم أنف) قال في «المصباح» : من باب قتل ومن باب تعب لغة، وهو كناية عن الذلّ كأنه لصق بالرغام وهو التراب هواناً اهـ. وفي ذيل مثلث ابن مالك لتلميذه أبي الفتح اليعلي من المثلث الرغم مصدر رغم أنف فلان (ثم) للتراخي في الدعاء (رغم أنف ثم رغم أنف من) أي شخص مكلف (أدرك أبويه) أي حياتهما (عند الكبر) بكسر ففتح، قال في «المصباح» : كبر الصغير وغيره يكبر من باب علم كبراً بوزن عنب اهـ. قال العاقولي: وفي رواية عنده الكبر بزيادة هاء، قال: ومعناه على حذفها أن يدرك هو والديه عند كبرهما وإن كانا غنيين عنه بمالهما وعن خدمته لهما بمالهما من خادم ومعناه على تلك الرواية: أن يدركهما الكبر وهما عنده وفي مؤنثه محتاجين إليه اهـ. والتقييد به لأن الابتلاء بهما حينئذٍ أتمّ لمزيد حاجتهما لضعفهما، فكان القيام بحقهما حينئذٍ آكد كما قاما بحق الابن حين زيد حاجته وافتقاره، وإلا فوجدانهما ولو حال الشباب لهما مطلوب من الابن العناية بهما ومزيد برّهما، لكن التقييد بالكبر لمزيد التأكيد لكمال الحاجة، وقوله (أحدهما أو كلاهما) بالرفع فيما وقفت عليه من النسخ وهو محتمل لكونه مبتدأ محذوف الخبر: أي أحدهما أو كلاهما سواء فيما ذكر أو فاعلاً لمحذوف: أي ليستوي أحدهما أو كلاهما في ذلك، وأعربه العاقولي فاعلاً للظرف لكونه حالاً ثم حبذا كونه خبر مبتدأ محذوف، و «كلاهما» معطوف عليه عليهما، قال: وهذه الجملة بيان لقوله: «من أدرك والديه» وقال القرطبي: الرواية الصحيحة بالنصب فيهما بدل من والديه منصوب بأدرك، قال: وقد وقع في بعض النسخ رفعهما وهو على الابتداء ويتكلف بإضمار خبر، والأوّل أولى، وفيه التعقيب به دفع لتوهم قصر المذمة على من قصّر في البر عند اجتماعهما دونه مع أحدها (فلم يدخل الجنة) عطف على أدرك، والعطف بالفاء فيه إشعار بحصول الجنة بالفضل الإلهي للبارّ بأبويه أو أحدهما عقب مفارقة الحياة، وذلك بعرض مقامه عليه وتبشيره بما يؤول إليه (رواه مسلم) في أواخر الكتاب والحديث عند أحمد أيضاً، ففي «الجامع الصغير» للسيوطي عزوه إليهما ولفظه «رغم أنفه ثم رغم أنفه ثم رغم أنفه: من أدرك أبويه عند الكبر أحدهما أو كلاهما ثم لم يدخل الجنة» وعزوه اللفظ المذكور فيه لمسلم

стр. 669

مراده باعتبار المعنى لا بخصوص المبنى، لأن الضمائر محذوفة من رواية مسلم، وعلى تلك الرواية فمن فاعل لفعل محذوف أو خبر مبتدأ محذوف، والجملة استئناف بيان لسؤال تقديره من هو، والإتيان بثم فيها إيماء إلى صعوبة المقام وإبطائه، فكأنه لذلك كالبعيد الحصول فعبر فيه بذلك. قال العاقولي: معنى ثم فيه استبعاد لغفلته عن نيل مثل هذه السعادة العظيمة. ٧٣١٨ - (وعنه أن رجلاً) لم أقف على من سماه (قال: يا رسول الله إن لي قرابة) أي ذوي قرابة أي رحم ونسب، ويقال فيها قربي كما في «المصباح» (أصلهم ويقطعوني وأحسن إليهم) أي أسدي إليهم الإحسان (ويسيئون إلي وأحلم) بضم اللام (عنهم ويجهلون عليّ) ويجوز أن تكون الجمل المضارعية معطوفة على أقرانها وهو الأقرب، ويحتمل أن تكون في محل الحال على تقدير مبتدأ محذوف: أي وهم يقطعوني لأن الواو الحالية لا يجوز دخولها على الجملة المضارعة المثبتة الخالية من قد إلا ضرورة نحو قوله: علقتها عرضاً وأقتل قومها وبإضمار المبتدأ تخرج عن ذلك، وقد جعل منه صاحب التسهيل قوله تعالى: ﴿الذين كفروا ويصدون عن سبيل ا﴾ (الحج: ٢٥) أي وهم يصدون، وحكى الأصمعي: قمت وأصك عينه، أي وأنا أصكها (فقال) يعني النبي (لئن كنت كما قلت) من إسداء الجميل: أي وهم على ما ذكرت من مقابلته بضده (فكأنما تسفهم الملل ولا يزال معك) متعلق بظهير وكذا قوله: (من ا) ويصح كونه في محل الحال لكونه في الأصل وصفاً لظهير قدّم عليه، وقوله: (ظهير) أي معين، وهو كما في «المصباح» يطلق على الواحد والجمع، وفي التنزيل: ﴿والملائكة بعد ذلك ظهير﴾ (التحريم: ٤) والمظاهرة المعاونة اهـ. اسم يزال، وقوله: (عليهم) خبر ويجوز أن يكون صفة، وقوله: معك أو من الله الخبر، وقوله: (ما دمت على

стр. 670

ذلك) أي مدة دوامك على ما ذكر، أو أنه لما كان الإحسان والحلم معطوفين على الصلة الشاملة لهما من عطف الخاص على العام أفرد اسم الإشارة. وفي الحديث أن ما ذكر من الخصال سبب لإعانة صاحبها وتأييده وتوفيقه وتسديده، فإن المعنى فيه هو التأييد الإلهي واللطف الرباني (رواه مسلم. وتفسهم بضم التاء الفوقية وكسر السين المهملة وتشديد الفاء) وفي «المصباح» : سف الدواء أكله غير ملتوت فأشار إلى أنه تناول الجامدات غير ملتوتات (والملح بفتح الميم وتشديد اللام: وهو الرماد الحار) أي باعتبار المراد في الحديث وهذا معناه مطلقاً في أحد الأقوال؛ ففي «المصباح» : الملة، قيل الحفرة التي تحفر للخبز، وقيل: التراب الحار والرماد: أي الحار كما يؤذن به كلام المصنف هنا، ويحتمل إبقاؤه على إطلاقه ويجوز إرادة ذلك فإن تناول الرماد من المضرّ وإن لم يكن حاراً (وهو تشبيه لما يلحقهم من الإثم) أي الذنب نفسه أو من جزئه، والثاني: أنسب بقوله: (وهو العذاب بما يلحق آكل الرماد الحار من الألم) بجامع التألم والتوجع، وهو على الأّل من تشبيه معقول بمحسوس، وعلى الثاني من تشبيه محسوس بمحسوس (ولا شيء) بالفتح أي من التبعات (على هذا المحسن إليهم) في مقابلته لسيء أعمالهم بإحسانه وذكره من المصنف إطناب إذ لم يقع منه بذلك ما يقتضي اللوم بل زاد في الإحسان والاستدراك في قوله: (ولكن ينالهم إثم عظيم) دلّ على عظم تمثيله بما ذكر (وبتقصيرهم في حقه وإدخالهم الأذى) بالقصر: أي المكروه (عليه) لدفع ما قد يتوهم من نفي الملامة عنهم بقرينة نفيها عنه وإن كان الفرق كفلق الصبح (والله أعلم) وقال المصنف في «شرح مسلم» : وقيل معناه إنك بالإحسان إليهم تحزنهم وتحقرهم في أنفسهم لكثرة إحسانك وقبيح فعلهم، فهم من الخزي والحقارة عند أنفسهم كمن يسفّ المل، وقيل ذلك الذي يأكلونه من إحسانك كالمل يحرق أحشاءهم اهـ. وقال العاقولي: أراد كأنما يجعل الرماد لهم في سفوف يسفونه، يعني إذا لم يشكروا فإن عطاءك إياهم حرام عليهم ونار في بطونهم اهـ.
следующие страницы →