فيها بمنح الإجازة. أما الوظائف الأخرى للزاوية فمعروفة إذ لا تكاد تختلف عن الزوايا الأخرى في ذلك، ومنها فض الخصومات، وإصدار الأحكام في النوازل والفتاوى، وتوضيح تعاليم الدين للعامة. ولا يعرف أن أهل هذه الزاوية قد تولوا الوظائف الرسمية للإدارة الفرنسية (١).
تبدأ الدراسة في الزاوية في فصل الخريف وتنتهي في آخر الربيع. وكان طلبتها ينقسمون إما إلى متخصصين في علوم القرآن وإما في العلوم الأخرى كالفقه بشرح الخرشي والعلوم العربية. وهم يهتمون بدراسة الفقه كثيرا لدرجة التعبد، إذ يحتفلون بيوم تدريسه ويجرى ذلك صباحا في الجامع العتيق، أما في المساء فيدرسون العلوم في جامع آخر. فالزاوية إذن مصنفة في زوايا الفقه، والدراسة فيها كانت بالطريقة القديمة فلا سبورة ولا دفاتر للحضور ولا محاورات. وإنما هي الحلقات والتدريس الشفوي، وربما كانت تسجل فيها إملاءات (٢).
من حيث الوظائف، لا يوجد في الزاوية منصب وكيل، ولكن لها مقدم يعينه رئيس الزاوية، وهو لا ينتخب كشأن بعض الزوايا الأخرى. وكل الطلبة كانوا يتحملون مسؤوليات في الزاوية. ولها نائب للرئيس متخصصا في شؤون الطلبة. والمسؤولية ليس لها مدة معينة. والدراسة فيها محروسة، وهناك طرق لإيقاظ التلاميذ، وللصلاة، والطعام، وقراءة الحزب وغيرها من السلوكات والطقوس. كما أن هناك اجتماعات دورية، وعند الضرورة ينادي المنادي (القداش) في ساحة الزاوية فيهب التلاميذ عن بكرة أبيهم.
وهناك أيضا اجتماعات سنوية للزاوية في مناسبات معينة. وتقام خلالها حفلات للثقافة والفروسية تتماشى مع الدين والتقاليد. وهي حفلات تدوم أسبوعا، وهدفها تنشيط الحياة لعامة الناس وكذلك الحياة الخاصة للتلاميذ.
стр. 1157
وأثناء ذلك كان يقع نوع من سوق عكاظ الأدبي، فيتناظر المدرسون، ويتبارى الشعراء، ويتناقش الأدباء والفقهاء في المسائل العلمية والنظرية، ويتبادلون المعلومات عن الكتب ونحوها. وهناك أيضا زيارات إلى شيخ الزاوية في الأعياد يقوم بها الطلبة والأتباع. وخلال الثلاثينات من هذا القرن ابتدأت زاوية ابن أبي داود تقليدا جديدا لتنشيط العلم، وهو إرسال بعثات طلابية إلى البلدان العربية لمتابعة دراستهم التي لا يجدونها في بلادهم. وهو تقليد مارسه الجزائريون قديما، ونشط فيه بنو ميزاب ثم حركة ابن باديس.
وتتغذى الزاوية من الأملاك التي لها (أوقاف) في كل من آقبو وتاسلنت، وبالإضافة إلى ذلك يخرج المسؤولون عنها كل سنة في مواسم معينة - أوآخر الصيف وأوائل الخريف - إلى المناطق المخصصة لهم ليجمعوا (العشر) من أتباعهم وأنصارهم، فيذهب أحد أبناء الزاوية (أولاد ابن أبي داود) إلى بعض طلابه في بلدة ما فينزل عنده، وهناك يأتيه ما جمع له من العشور عن طريق طلبة الزاوية القدماء والأنصار، وبذلك يجمعون الحبوب والقطاني والسمن وغيرها. ويعود بما جمع إلى زاوية تاسلنت، وهو نوع من الضرائب العرفية. وقد تدوم الجولة شهرا أو أكثر، وأثناء هذه الزيارة يجري الاتصال أيضا بالأعيان وعامة الناس (١). وكان الفرنسيون يتتبعون حركات الشيوخ أو المرابطين، كما يسمونهم، ويمنعون البعض من جمع هذه الضرائب ويرخصون إلى آخرين بها، كما عرفنا في فصل الطرق الصوفية.
الزاوية السحنونية:
وتعتبر زاوية حديثة نسبيا، إذ ظهرت في العهد الفرنسي فقط. وأصل الزاوية موجود في القرية السحنونية (ايسحنونن) بالقرب من أربعاء بني ايراثن، ولاية تيزي وزو. ومؤسسها هو الشيخ عمرو الشريف. أما الفرع فيوجد في
стр. 1158
تاغراست، ببني وغليس، دائرة سيدي عيش، ولاية بجاية حاليا. وقد أسس هذا الفرع الشيخ محمد السعيد السحنوني. وكانت - أصلا وفرعا - رحمانية الطريقة وعلى صلة بالشيخ محمد امزيان الحداد بصدوق والزوايا الرحمانية الأخرى.
من أبرز رجال هذه الزاوية الشيخ محمد السعيد السحنوني الذي ولد سنة ١٨٣٩. وكان والده السعيد امقران، قد التحق بجيش الأمير عبد القادر واستشهد في المقاومة، حسب مصادر الأسرة، وقد ترك ابنه محمد السعيد جنينا في بطن أمه. وأثناء طفولته وصباه تولى تربيته ابن عمه الشيخ محمد وعلي السحنوني الذي سنذكره. وقد علمه القراءات والبلاغة والنحو والفلك والفقه والحديث الخ. ودرس محمد السعيد كذلك على شيوخ آخرين في الناحية، مثل الشيخ الحداد والبوجليلي. وبعد أن شب في العلم انتصب هو للتدريس في زاوية الحاج احساين بسمعون، ثم بزاوية عمرو والحاج جهة عزازقة. كما درس بزاوية أحمد زروق في بني وغليس، وزاوية سيدي موسى قرب سيدي عيش. وبعد تجربة في التدريس أسس زاوية خاصة به في تاغراست، كما ذكرنا، أوآخر القرن الماضي، لتكون فرعا لزاوية سيدي عمرو الشريف بالأربعاء (بني ايراثن). وأبرز المواد التي كانت تدرس في الزاوية هي التفسير والحديث والقراءات ثم العلوم العربية كالنحو والصرف وكذلك الفلك.
ومن ثمة يظهر أن هذه الزاوية قد ظهرت أيام ضعف التعليم العربي الإسلامي في الجزائر وأيام توغل الإدارة الفرنسية في فواحي البلاد، سيما منذ ثورة ١٨٧١. فاهتمام الزاوية بالعلم والتعليم في وقت سيادة التصوف الغامض واللجوء إلى الروحانيات يعد بركة على البلاد. ويبدو أن جهودها قد تضافرت مع جهود زوايا أخرى في الجنوب ومع جهود بعض المدرسين الرسميين أمثال المجاوي والونيسي. وقد ضاعف الشيخ محمد السعيد جهوده في التعليم فكان يتردد أيضا على الزاوية الأصلية. واستعان ببعض طلابه في التدريس أيضا، شأن البوجليلي وغيره. وتوفي الشيخ محمد
стр. 1159
السعيد سنة ١٨١٤ تاركا أبناء غير راشدين فتولى شؤون الزاوية تلاميذه (في الأصل والفرع) ومن أبرزهم الشيخ أبو القاسم بن طعيوج (١).
وقبل أن نتحدث عن بعض شيوخ هذه الزاوية نذكر أنها تطورت في القرن العشرين حتى أصبحت تستقبل بعض التلاميذ من البلدان المجاورة. كما أنها وجهت بعثات إلى تونس للتعلم، وأسست لهم هناك دارا استقبال، وكان ذلك منذ أوآخر الثلاثينات من هذا القرن. وهذه الظاهرة - إرسال البعثات - سبقت بها مناطق ومنظمات أخرى كما أشرنا. كما أن بعض زوايا الطرق الصوفية كانت ترسل أبناءها أو أقاربها إلى معاهد العلم، ومنها الزاوية التجانية في قمار وتماسين، والزاوية القادرية في عميش (الوادي). وكذلك فعلت بعض الزوايا في الجهة الغربية بالنسبة للمغرب الأقصى. فإرسال البعثات على يد الزاوية السحنونية، وهي رحمانية، يدخل في هذا الإطار، وهو تشجيع الحصول على العلوم الإسلامية خاصة، باللغة العربية من البلدان المجاورة. ولم تكتف الزاوية بإرسال التلاميذ بل أنها جلبت إليها بعض الشيوخ من تونس للتدريس فيها مثل الشيخ إبراهيم صمادح.
ومن الذين سلكوا هذه السياسة في التعليم محمد الشريف السحنوني بن الشيخ محمد السعيد. فقد تركه والده ابن عشر سنوات (ولد سنة ١٩٠٥) ولذلك تولاه، كما تولى شؤون الزاوية، الشيخ طعيوج، كما ذكرنا. وبعد أن حفظ محمد الشريف القرآن وتتلمذ على ابن باديس، وحصل على نصيب في العلوم قصد تونس بنصيحة ابن باديس ونال من جامع الزيتونة شهادة التحصيل سنة ١٩٣١. وكان ذلك هو تاريخ تأسيس جمعية العلماء وصحوة التعليم العربي الحر في الجزائر. ولذلك كثر الطلبة بالزاوية حتى بلغ نحو ٣٠٠.
стр. 1160
وبالإضافة إلى نشر العلوم الإسلامية، كانت الزاوية لا تتوقف عن تحفيظ القرآن الكريم حتى في الصيف.
ويبدو أن الزاوية قد نشطت في عهد الشيخ محمد السعيد وعهد محمد الشريف الأول. فقد كان لها تأثير في نواحي سطيف والبرج وثنية بني عائشة وسكيكدة. وكان الشيخ محمد السعيد من التلاميذ الأوفياء للشيخ الحداد، وللشيخ المجاوي الذي كان يجالسه، وللشيخ حمدان الونيسي الذي ربما حضر بعض دروسه. وكان محمد السعيد يحذق النساخة. ومن الذين أثروا فيه ابن عمه محمد وعلي الذي رباه وعلمه إلى أن نفته (أي محمد وعلي) السلطات الفرنسية إلى (كايان) بعد ثورة ١٨٧١، فكان الشيخ محمد السعيد هو الوصي على عائلته بعد نفيه، وظل على صلة دائمة به حتى بعد أن لجأ (محمد وعلي) إلى المدينة المنورة. وكان لمحمد السعيد تلاميذ ذكرنا منهم ابن طعيوج، ونضيف إليهم محمد امزيان بودريوه الذي أسس زاوية بقرية الشرفة بأكفادو.
أما الشيخ محمد الشريف الذي يبدو أنه تأثر بحركة ابن باديس منذ البداية فمن تلاميذه الشيخان البارزان في جمعية العلماء أحمد حسين وعبد الرحمن شيبان. ولا ندري هل انضم الشيخ محمد الشريف إلى جمعية العلماء أو ظل مستقلا عنها، وإذا لم يفعل، فلماذا؟ أما بالنسبة لحركة التعليم فنعتقد أنها كانت تصب أيضا في اتجاه المحافظة على التراث الوطني. ولعل طابع الطرقية لم ينتزع تماما من نشاط الشيخ محمد الشريف، رغم أن العصر والعلم الذي أخذه لم يجعلاه يعتقد في الطريقة الرحمانية بنفس عقيدة مؤسسها الشيخ الأزهري مثلا.
أشرنا إلى اسم محمد وعلي السحنوني، ولا نعرف الآن تاريخ ميلاده ولا تاريخ وفاته، ولكن نعرف أن له دورا في ثورة ١٨٧١ وأنه قد توفي في المدينة المنورة بعد رحلة طويلة من النفي والمتابعة. درس في زاوية العائلة الأصلية، ثم في زاوية ابن اعراب بتيزي راشد، ثم درس على الشيخ محمد
стр. 1161
امزيان الحداد بصدوق وأعطاه أيضا ورد الرحمانية. وأصبح الشيخ محمد وعلي من مقدمي الطريقة في أربعاء بني ايراثن. وقد تولى أيضا التدريس في الزاوية السحنونية إلى ثورة ١٨٧١. فكان الشيخ من المحاربين الشجعان، وتولى قيادة سهل عمراوة (سباو) وشارك في معركة ايشريضن الشهيرة، وتزعم المسبلين. وكان محمد وعلي مع أحمد بومزراق المقراني حين قبضت عليهم السلطات الفرنسية في الرويسات، ناحية ورقلة في العشرين من يناير ١٨٧٢، حين كانوا في طريقهم إلى تونس عبر سوف، فأخطأوا الطريق. وبعد المحاكمة في قسنطينة نفي محمد وعلي إلى كايان، كما ذكرنا. ثم سمح له بالإقامة في غير الجزائر، فاختار المدينة المنورة. وقد دخل الحجاز عن طريق اليمن حيث ظل فترة مدرسا هناك، ومن اليمن دخل مكة عند موسم الحج. وفي المدينة أقام ودرس وتزوج امرأة من آل القاضي أرسلت إليه من الجزائر. وظل يراسل بني قومه، ومنهم الشيخ محمد السعيد السحنوني، إلى وفاته التي ربما تكون وقعت في نهاية القرن الماضي، ولكنه على كل حال كان حيا سنة ١٨٩١ حسب بعض رسائله (١).
أما الشيخ الآخر الذي جاء ذكره بصدد الحديث عن الزاوية السحنونية، فهو أبو القاسم بن طعيوج. قلنا أنه من تلاميذ محمد السعيد وأنه تولى بعده (١٩١٤) شؤون الزاوية وتربية وتعليم أبنائه الذين منهم محمد الشريف. وكان الشيخ طعيوج من نواحي جيجل، وسكن السيلات قرب وادي الزناتي وعين عبيد، وما يزال أحفاده هناك. وفي السيلات توفي سنة ١٩٣٢، ولكنهم نقلوه إلى زاوية تاغراست، حيث دفن في مسجده القديم. ومما قام به الشيخ طعيوج أيضا أنه تولى زاوية معطى الله الحركاتي بالعين البيضاء. وأثناء وجوده بها تعرف على الشيخين المكي بن عزوز وحمدان الونيسي وحصل منهما على الإجازة (٢).
стр. 1162
ولبعض شيوخ الزاوية السحنونية تآليف في التصوف وغيره، سنعرض إليها في الجزء المخصص لذلك. وتعتبر زاوية سيدي أحمد زروق من أقدم الزوايا في منطقة زواوة. وهي تقع في بني وغليس أيضا. وتنسب إلى الزاهد أحمد زروق البرنوسي دفين مسراته (ليبيا) (١). وكان الشيخ زروق قد أقام في بجاية وتزوج منها وأنجب ولدا اسمه محمد السعيد وهو الذي يقال إنه أسس هذه الزاوية، وقد ذكره أبو سالم العياشي والورتلاني. وكانت هذه الزاوية تنشر العلم أيضا. ولكنها تعرضت إلى ما تعرضت إليه مدينة بجاية بعد الاحتلال من التخريب والتعطيل. ويبدو أن الزاوية قد انتعشت في الفترة الحديثة. ومن أبناء العائلة الزروقية الشيخ الهادي الزروقي الذي استعاد شهرة الأسرة بعد أن درس في الأزهر الشريف، وتغرب طويلا ثم رجع وأسس المدرسة الخلدونية ببجاية، وكان من رجال الإصلاح وجمعية العلماء (٢). ولنتذكر أن الشيخ أحمد زروق نفسه كان غير متصوف بالمعنى الذي فهمه المتأخرون، وإنما كان زاهدا ورعا وعالما عاملا. ومن تلاميذه محمد بن علي الخروبي وعبد الرحمن الأخضري، وكلاهما سار على نهجه.
زوايا القرآن وزوايا الفقه في زواوة:
حين درس هانوتو ولوتورنو الزوايا (المعمرات) في منطقة القبائل وجدا على الأقل تسع عشرة زاوية متخصصة في الدراسات القرآنية. وهذه الدراسات تشمل تفسير القرآن، والقراءات السبع، والرسم، والتوحيد، وكذلك علوم اللغة العربية من نحو وصرف، وبالأخص الآجرومية لمحمد بن داود الصنهاجي، والألفية لابن مالك، والعروض. بالإضافة إلى علوم الآلة مثل الحساب والفلك، والفرائض (قسمة التركات). والكتب المستعملة في هذا المجال هي مؤلفات علي القلصادي ومحمد بن يوسف السنوسي. أما
стр. 1163
المدرسون فهم عادة أستاذ رئيسي ومعه مساعدوه من طلبته القدماء الذين تقدموا في دراستهم على يديه. وساعات التدريس والراحة الأسبوعية والعطلات السنوية هي نفسها المطبقة على تلاميذ التعليم الابتدائي في المدارس القرآنية. وخلال الشتاء تضاف حصة رابعة على الضوء يسمونها (النوضة) من النهوض، أو السهرة.
وظاهرة الحفظ هي التي كانت تميز التعليم في هذه الزوايا. فالمطلوب من التلاميذ حفظ النصوص والمتون التي يكلفون بها وحتى تلك التي لا يكلفون بها، لأن التلميذ الجيد هو الذي يحفظ أكثر من غيره ويتفوق على زملائه في ذلك. وليس مطلوبا من التلميذ أن يفهم أو يعلل المعلومات التي أخذها. وقد لاحظ النقاد لهذا النوع من التعليم أن دور المعلم كان يتمثل في الإشراف على حفظ التلاميذ حفظا دقيقا دون الغلط في حرف أو جزئية. ومن ثمة فإن حشو الأدمغة بالمعلومات غير المفهومة هو ما كان يتميز به هذا النوع من التعليم في نظر النقاد، كما أشرنا.
ويدخل الزوايا التلاميذ الذين انتهوا من مدارسهم القرآنية، مدارس القرية. وهذه الزوايا على نوعين في المنطقة: زوايا أو معمرات القرآن وزوايا أو معمرات الفقه. وإليك الآن أشهر زوايا القرآن في حدود سنة ١٨٦٨، أي بعد عشر سنوات من احتلال منطقة زواوة:
١ - زاوية أحمد بن إدريس - وقد ذكرناها. وهي في يلولا أو مالو.
٢ - زاوية عبد الرحمن اليلولي، وهي كالسابقة، وقد ذكرنا وجه الخلاف بينهما.
٣ - زاوية ابن علي الشريف بشلاطة، بيلولا أو سامر.
٤ - زاوية سيدي محمد بن مالك، تقع بتفريت (١).
стр. 1164
٥ - زاوية سيدي عمر بن الحاج، بآيت ايجر.
٦ - زاوية سيدي موسى تنبدار، ببني وغليس.
٧ - زاوية سيدي علي ترلات، بتيزي تفريس.
٨ - زاوية آيت منصور، بآيت اتسوراغ.
٩ - زاوية سيدي علي أوطالب، بكوكو - آيت يحيى.
١٠ - زاوية شرفة البهلولي، بآيت غوبري.
١١ - زاوية ايسلمونن، بجمعة الصهريج، في بني فراوسن.
١٢ - زاوية عروس، في بني ايراثن.
١٣ - زاوية عدني، في بني ايراثن أيضا.
١٤ - زاوية سيدي منصور، بتيميزار، وقد تعرضنا لها.
١٥ - زاوية ايعشوبة، في بني جناد.
١٦ - زاوية سيدي علي أو موسى، في بني بو خالفة.
١٧ - زاوية الشرفة، في بني بوخالفة أيضا.
١٨ - زاوية سيدي محمد أمزيان، أيضا في بني بوخالفة.
١٩ - زاوية الشرفة، في بني واقنون (١).
أما زوايا الفقه فكانت تدرس بالخصوص مختصر الشيخ خليل بن اسحاق وشروحه الرئيسية كالخرشي وسيدي عبد الباقي والشيخ سالم، والتتائي والشيخ بهرام الخ. كما كانت تدرس التوحيد، وغيره كما سبق في الزوايا المتخصصة في تعليم القرآن، مثل النحو والصرف على الآجرومية والألفية، والحساب على القلصادي، وكذلك الحساب والفلك على محمد السوسي، بالإضافة إلى الإنشاء والعروض والتوثيق. وقد ذكرنا من هذه الزوايا زاوية الشيخ الحسين بن أعراب (ثيزي راشد) الذي قيل إنه أول من أدخل شرح شيخه الخرشي إلى الجزائر. وكذلك الزوايا المتأثرة مثل زاوية
стр. 1165
ابن أبي داود وزاوية آل سحنون اللتين سبق الحديث عنهما. والمدرس الأساسي واحد هنا أيضا. وهو يلقي درسه صباحا ثم يتولى تلاميذه التدريس في نظام محكم موزع عليهم بدقة حسب المستويات، وهو نوع من التعليم المشترك أو المتشارك. وهذه هي طبقاتهم أو مستوياتهم:
١ - المبتدئون المحجر عليهم (ايحجارن).
٢ - المعيدون المسائيون (المعاودون).
٣ - المعيدون الصباحيون.
٤ - المحضرون أو المسبقون.
وفي صباح كل يوم يقوم الشيخ المدرس بتعيين درس الغد للمحضرين. ثم يقوم هؤلاء بتقسيم الطلبة ويدرسون لهم ذلك الدرس في حصة المساء. وفي الغد يقوم المعيدون الصباحيون بتدريس الدرس للمبتدئين وللمعيدين المسائيين، وذلك مباشرة بعد درس الشيخ الرئيسي. أما في المساء فيحل المعيدون المسائيون محل الآخرين بالنسبة للمبتدئين فقط. وهكذا يكون الدرس قد تكرر أربع مرات متوالية خلال ٢٤ ساعة.
وكان للمعلمين، وهو الشيخ والمعيدون الصباحيون والمسائيون وكذلك المحضرون أو المسبقون، مساعد يسمى العدوال، وهو المسمع الذي يرفع صوته بالجملة عندما ينطق بها الشيخ المعلم أو مساعدوه. فالعدوال يكرر الجملة من فقه الشيخ خليل بصوت واضح ليفهمها التلاميذ الجالسون بعيدا، ثم يشرح الشيخ تلك الجملة شرحا مناسبا لفهم التلاميذ مستعينا بمختلف الشروح، كما ذكرنا. والشيخ الرئيسي هو الذي يختار لوظيفة العدوال (المسمع) من يناسب في صوته وذكائه من بين التلاميذ النجباء. ويحصل العدوال على حوالي ٥٠ فرنك في السنة. أما الآخرون فيدفع لهم بين ٤ و ٥ فرنك فقط. وروى هانوتو ولوتورنو أن الأماكن تباع مرتين في السنة، والدراهم المحصلة من ذلك البيع تدخل في فائدة الطلبة الذين يشترون بها اللحم في العادة.
стр. 1166
وفي نهاية العام الدراسي تقام حفلة التخريج. والشيخ الرئيسي هو وحده الذي يختار من ينجح ومن يعيد السنة ومن ينتقل إلى مستوى آخر. وهو يأتي معه بقرطاس (ورقة) مستطيل طوله حوالي ٥٠ سنتم. ويضرب به رأس التلميذ الناجح. وتدوم الحفلة طول النهار وجزءا من الليل، وتقرأ الفاتحة قبل وبعد توزيع شهادات النجاح. وكل تلميذ يحتفظ بهذه الشهادة مدى الحياة. والشيخ الرئيسي أيضا هو الذي يعين المعيدين والمحضرين والمبتدئين للسنة الموالية. ويقضي التلاميذ مع أهاليهم شهرا أو شهرين، وهي العطلة السنوية. وعند افتتاح السنة الجديدة يعطى للتلاميذ الناجحين، سواء كانوا من زوايا القرآن أو من زوايا الفقه، نفقة أو كمية من الدراهم لشراء اللحم للطلبة الذين سيعلمونهم.
وأبرز زوايا (معمرات) الفقه هي:
١ - زاوية آيت الحاج.
٢ - زاوية آيت سيدي محمد أو الحاج، في آيت محمود.
٣ - زاوية آيت عمر، في تمازيرت ببني ايراثن.
٤ - زاوية الشرفة.
٥ - زاوية القواضي.
٦ - زاوية جمعة الصهريج، في آيت فراوسن.
وسواء كانت زوايا القرآن أو زوايا الفقه، فليس هناك سن معينة لدخول الزوايا، وهي حوالي ١٤. أما مدة الدراسة فتتراوح بين ٥ و ١٠ سنوات. وتكون عادة أطول في زوايا القرآن منها في زوايا الفقه. وإذا لم يكن للتلميذ عائلة قريبة منه، فإنه يقضي بالزاوية شطرا طويلا من حياته. وهناك من تتقدم به السن حتى يصل إلى الهرم ثم يموت، ومع ذلك يظل اسم (الطالب) لاصقا به ما دام في الزاوية (١).
لم يسلم تعليم الزوايا كلها من النقد سواء من حيث سعة البرنامج
стр. 1167
وصعوبة المواد بالنسبة لسن التلاميذ أو من حيث المنهج المتبع في توصيل المعارف. وهذا النقد ليس خاصا بزوايا أو معمرات زواوة، بل هو شامل لكل الزوايا حيث يسود هذا النوع من التعليم المقاوم، كما قلنا، رغم كل المثبطات. ولكن ما دمنا في زواوة فلنستمر في ذكر بعض وجهات النظر حول نقد التعليم فيها. روى الشيخ أبو يعلي الزواوي أن شيخه محمد السعيد بن زكري قال أنه قضى عشر سنوات في زاوية اليلولي دون أن يستفيد شيئا، دخلها حافظا للقرآن وخرج منها حافظا للقرآن. وهذا بدون شك حكم صحيح وقاس في نفس الوقت. ولكن الشيخ يقصد أن معارفه لم تستثمر وأن مواهبه لم تكتشف كما كان يجب. أما إضافة المعارف الأخرى على حفظ القرآن فالزاوية كانت تقدمها لتلاميذها الذين بلغوا حوالي ٨٠ تلميذا في عقد الستينات من القرن الماضي حين كان الشيخ ابن زكري تلميذا فيها تقريبا. وقد درس الشيخ أبو يعلى بنفس الزاوية أيضا. والظاهر أنه يؤيد شيخه في حكمه على نوعية التدريس فيها. وقد انتقدنا نحن طريقة التعليم في جامع الزيتونة وفي دار العلوم بمصر، ولكن هذا لا يعني عدم الفائدة كما يوحي كلام الشيخين، إنما بالمقارنة إلى التعليم الحديث فقط الذي يفيد التلميذ كثيرا وفي مدة قصيرة إذا توفرت شروط أخرى كالحوافز والمنافسة والفوائد المادية. وكلا الشيخين كان يعلن للفرنسيين أن تعليمهم أكثر فائدة وتقدما من تعليم الزوايا، وكلاهما أيضا انتقد ابن الحداد وثورته سنة ١٨٧١. ولا ندري ما وراء هذا الموقف منهما.
وقد اعترف كل من ابن زكري وأبي يعلى أيضا بمكانة ودور الشيخ البوجليلي في وقته. وكان هذا الشيخ من شيوخ زاوية اليلولي، ثم أسس زاوية خاصة به في بني عباس. وقد درس عليه الشيخ ابن زكري ووالد أبي يعلى. فكيف يخرج ابن زكري من عنده كما دخل؟ ويقول أبو يعلى أن الشيخ ابن زكري كان كشيخه البوجليلي ذكاء وشهرة. وأنه أوعز إلى تلميذه هذا بأن يبطل الصلاة المبتدعة في آخر جمعة من رمضان (١). وهذا الرأي إنما يؤكد ما
стр. 1168
ذهبنا إليه من أن الشيخين - ابن زكري وأبي يعلى - إنما يبالغان عن قصد في نقد تعليم الزوايا، لأن الأول تولى الفتوى والتدريس للفرنسيين، والثاني توظف عندهم سنوات طويلة في الجزائر وخارجها قبل أن يلقي عصاه في جامع سيدي رمضان. هذا إلى أن الشيخ أبا يعلى كتب ما كتب زمن الحركة الاصلاحية التي جددت في الأساليب التعليمية وتخلصت من الطريقة السائدة في الزوايا.
أما نقد هانوتو ولوتورنو لتعليم الزوايا ففيه الحق والباطل. إنه حق ما دام يبين جمود الطريقة التي كان يقوم بها المعلم للتلاميذ والاستمرار في تكريس الحفظ دون الفهم والتوضيح، والاقتصار من التعليم على ما يفيد عند الله فقط، وعدم مراعاة قدرة التلميذ العقلية في إعطائه المعلومات. ولكنه نقد باطل لأن القوانين الفرنسية نفسها حاربت التعليم العربي الإسلامي. وجمدته وأبقته هي أيضا في حفظ القرآن دون الفهم. والسلطات الفرنسية نفسها كانت تراقب هذا التعليم بدقة، ولو وجدت شيوخه ينشرون أفكارا لا تريدها أو يفسرون القرآن كما يجب لاعتبرت ذلك سياسة وتعصبا وعودة إلى الماضي. وهو ما كان ممنوعا بتاتا، والأمثلة متوفرة على ذلك. ثم أنه نقد باطل لأن المؤلفين يريدان أن يصلا إلى أن التعليم الإسلامي كله هو أسوأ أنواع التعليم الموجود على الأرض. ومن خلال ذلك الوصول إلى الحكم على تخلف الجزائريين وضرورة استسلامهم لرسالة فرنسا الحضارية. ومع ذلك نذكر ما قدماه (نعني هانوتو ولوتورنو) ليستفيد منه الجيل الحاضر فيأخذ بالحق ويتجنب الباطل من هذا النقد.
إن البرنامج الدراسي في الزوايا محدود جدا، حسب رأيهما، إذا قارناه بمجموع المعارف عند الشعوب المتحضرة. فهو برنامج يفرض جهدا عظيما من أجل فائدة ضئيلة، إذ لا نتيجة تجنى من حشو رؤوس التلاميذ في المعمرات (الزوايا) القرآنية. خذ مثلا تلميذا قضى عشر سنوات في الزاوية، وحفظ القرآن وشروحه، ودقق معلوماته فلم يترك صوتا ولا حرفا إلا تعلمه، ثم اسأله عن أي معنى من المعاني فإنه سيعجز، لأنه لم يوجه إلى ذلك أبدا.
стр. 1169
ونفس الشيء يقال عن المواد الأخرى، كالنحو والصرف. فالتلميذ يقرأ النص جيدا وينطقه نطقا سليما، لكنه يقلب المعنى بطريقة تثير ابتسامة الغريب عن الموضوع ويجعله يفهم أنه لم يدرك العناصر الأولية للنحو (١). أما عن الحساب فإنه لا يوجد في المنطقة كلها من اشتهر بمعرفة العمليات الأربع، وكذلك معارف الطلبة في علم الفلك. وفي ميدان الفقه تلعب الذاكرة دورا كبيرا ولكن لا وجود للذكاء والتعليل. ذلك أن الشيخ يكتفي بترديد أقوال الشراح الذين ينقل عنهم ولا يضيف رأيه إلى ما يقول لتلاميذه. فهو لا يبين لهم لماذا شرع التشريع، أو لماذا توقف المشرع عند هذه النقطة أو تلك. ذلك أن معرفة النصوص وحفظها هي علم الفقه عنده وعند غيره. وفي هذا الرأي كثير من الصواب، فطريقة التعليم كانت على الجملة عقيمة. وذلك هو ما أدى بالمجتمع الإسلامي كله إلى التدهور الفكري طيلة قرون.
وقد عرف أحد الفقهاء أكثر شهرة في الجزائر ذات يوم فئات المتعلمين التعريف الآتي: العالم هو من إذا طرح عليه مشكل فقهي استحضر له على الفور نصوص المؤلفين السابقين. والطالب هو الذي لا يستطيع استحضار النصوص كالعالم، ولكنه يعرف أين توجد صفحاتها في الكتب بدون تردد. وبعد ذلك تأتي أصناف (الطلبة) حسب طبقاتهم العلمية، وكذلك حسب أهمية الموضوع، وقدرتهم على استحضار الصفحات في المؤلفات الخ.
ومن النقد أيضا أن الزوايا لا تدرس علوما أخرى مثل الأدب والتاريخ والجغرافية والرياضيات والعلوم الطبيعية. والقليل من الناس فقط هم الذين سمعوا بهذه العلوم في المنطقة (٢).
وإلى جانب هذا النقد الصارم للبرنامج يوجد أيضا إعجاب واهتمام
стр. 1170
بنظام الزوايا في تسييرها وتمويلها. فهي جميعا تقريبا تحت إدارة التلاميذ أنفسهم، مثل زاوية اليلولي. وقد تكون الإدارة تحت يد المالك للزاوية، وذلك بالتعاون والتفاهم مع الشيخ المدرس. ويكون ذلك بتنظيم التلاميذ في مجموعات مسؤولة. وهؤلاء هم الذين ينتخبون من بينهم (المقدم)، وهو بالطبع غير مقدم الطرق الصوفية، وإنما هو شخص كالمدير. وهو الذي يشرف على أموال الزاوية. وهم ينتخبون أيضا الوكيل الذي يقوم بدور المحاسب. والمقدم والوكيل يعملان تحت إشراف مالك الزاوية. وقد يكون المالك أحد الورثة. وفي هذه الحالة لا تدخل الزيارات (التبرعات) في حساب الزاوية لأن الزاوية (المعمرة) إنما هي ملك للقرية كلها. أما الزيارات فتأتي للورثة المالكين. ومن حقوق المالك الاستفادة من أعمال التلاميذ لشؤون الزاوية وخدمتها. والتلاميذ يتقاسمون العمل فيما بينهم كالتحطيب وتوفير الماء ونحو ذلك. ولهم الحق في جمع التبرعات من الأسواق. ويقدم السكان إلى الزاوية زكاتهم (العشر) من الحبوب، وكذلك الحيوانات والدراهم إذا احتاجت منهم المساعدة. وللزاوية أملاك هي أحباس لفائدتها. ويدفع التلاميذ عند الدخول بين ١٥ و ٥٠ فرنك إذا كان لهم مال. ومن شروط الدخول أن التلميذ يخضع لأسئلة كثيرة من المقدم والمالك. فيسألونه عن منبته وأهله ودراسته، ثم يؤجل النظر فيه، وبعد ذلك يصدر قرار بقبوله من المقدم والمالك والشيخ. ويخضع التلاميذ لنظام داخلي ولانضباط صارم. وهم يتعهدون بعدم كسر أو هدم أي شيء في الزاوية، واحترام المسؤولين، والزملاء. ومن تلاميذ الزاوية متزوجون تعيش نساؤهم في القرية. وفي هذه الحالة لا ينامون في الزاوية بل يذهبون إلى القرية، ويعطي لهم الوكيل حصتهم من مدخول الزاوية عينا (١).
ولكي نقدر دور الزوايا في منطقة زواوة علينا أن نعرف أن السلطات
стр. 1171
الفرنسية جعلت المنطقة هدفا منذ احتلالها، ١٨٥٧، وقد ازداد الاهتمام الخاص بها منذ ثورة ١٨٧١. ويخبرنا أحد الذين عملوا طويلا كإداري هناك، أن الحكومة الفرنسية قد تعاونت في ذلك مع الكنيسة منذ الستينات - عهد الجوائح الشهيرة وعهد الحاكم العام ماكماهون والكاردينال لا فيجري Lavigerie ويقول بوجيجا إن الكاردينال قد حاول أن يحتل أرواح وقلوب سكان المنطقة، بعد أن احتل الجيش الفرنسي أرضهم وديارهم، فأنشأ الكاردينال هناك إرساليات الآباء البيض قبل ١٨٧٠. وحاول الجزويت نشر التعليم الذي كانت الحكومة تمنعه في فرنسا. ثم قام لافيجري بعد ذلك بإرسال الآباء والأخوات البيض إلى هناك فرفضهم السكان وطردوهم خلال بضعة أشهر، فاستقروا في الجنوب. وبعد محاولة أخرى ابتداء من سنة ١٨٧٣، أي أثناء الاضطهاد الجماعي والمصادرة والنفي إثر ثورة ١٨٧١، مهدت مدارس الآباء البيض للحكومة الفرنسية لكي تنشئ بعض المدارس الخاصة بمنطقة زواوة (القبائل) سنة ١٨٨٢. ويقول بوجيجا أيضا أن تجربة الحكومة لم تستمر لأسباب محلية، بينما استمرت جهود الآباء البيض (١).
في هذا الإطار يجب النظر إلى التعليم الذي كانت تقوم به الزوايا في منطقة زواوة. إنه تعليم يدخل في نطاق المقاومة والمحافظة على الذات في وجه الغزو التنصيري الذي جاء في أعقاب الغزو العسكري للمنطقة. وبشهادة الدارسين الفرنسيين أنفسهم، فإن هناك تعاونا وثيقا بين مختلف الجهات الفرنسية: الجيش والكنيسة وإدارة التعليم بهدف التسرب إلى المنطقة والتحكم في أرواح أهلها وقلوبهم، حسب تعبير الكاردينال نفسه. وكان الفرنسيون يعيشون في خوف دائم من شبح ثورة أخرى شبيهة بثورة ١٨٧١ ومن تجذر الإسلام في المنطقة، ويقول ليونار بارليت L.Barlete سنة ١٩١٣، وهو يتحدث عن بلدة ذراع الميزان التي عمل فيها طويلا وكتب عنها: (إن الإسلام هنا منطبع ومنقوش العمق مما يجعل إزالته ليس بالأمر الهين في المدى القريب) (٢).
стр. 1172
ورغم النقد الذي قد يوجه إلى منهج التعليم في الزوايا المذكورة أو إلى استعمال الخرافات والبدع في بعض زوايا الطرق الصوفية، فإن المرء لا يملك إلا أن يزداد إكبارا وتقديرا لمقاومة رجال الزوايا التعليمية في منطقة زواوة التي جعلتها السلطات الفرنسية هدفا لمسخها ففشلت. فالزوايا التعليمية الباقية بعد الاحتلال والاضطهاد، والتي قدرت بين ١٧ و ١٩ زاوية يجب التنويه بها. وقد تعرض معظمها إلى الحرق والتلف أثناء ثورة التحرير مما يدل على الطغيان الاستعماري. وقد ذكرنا منها زاوية اليلولي، وابن أبي داود (تاسلنت)، وزاوية آل سحنون، وزاوية صدوق، وحتى زاوية شلاطة رغم مواقف بعض أصحابها الذين لم يقدروا حكم التاريخ.
وقد بقي علينا أن نقول كلمة في زاوية ظهرت أيضا زمن الطغيان الاستعماري في المنطقة، وهي زاوية بوجليل في بني عباس. وصاحبها يستحق الدراسة من عدة وجوه، فهو عالم ومقدم طريقة ومؤلف. ونحن هنا إنما نهتم به كعالم ومدرس في زاوية لعبت دورا في نشر التعليم العربي الإسلامي. أما دوره في التصوف (وقد كان رحمانيا) فمكانه فصل الطرق الصوفية، وأما مؤلفاته فسنعالجها في الجزء الخاص بذلك. ولد الشيخ محمد بن بلقاسم البوجليلي حوالي ١٨٣٦ في قرية بوجليل، إحدى قرى بني عباس حكم بجاية، وهي مقر آل المقراني قبل انتقالهم إلى مجانة. وأسرة البوجليلي معدودة في الأشراف حسب رواية الورتالاني. وظلوا يقومون على خدمة العلم. وقد اشتهر منهم محمد بن بلقاسم هذا في ميدان التعليم. وسمعت شخصيا تنويها كبيرا به من قبل المرحوم محمد البشير الإبراهيمي الذي حدثني عنه عندما كنت طالبا في مصر. ولم أكن إذاك أعرف شيئا عن الشيخ البوجليلي. والشيخ الإبراهيمي الذي قلنا إنه درس في زاوية شلاطة،
стр. 1173
من أعرف الناس بتقييم العلماء في هذا الميدان لحاسته النقدية والعلمية الدقيقة، وكان قد سمع عن الشيخ البوجليلي من تلاميذه.
التحق محمد بن بلقاسم بزاوية اليلولي سنة ١٢٦١ (١٨٤٥). وكان قد حفظ القرآن على والده. فيكون عمره إذاك حوالي ١٤ سنة كما جرت عادة صبيان المنطقة. ومن شيوخه في زاوية اليلولي، العربي الأخداشي ومحمد الطاهر الجنادي ومحمد بن علي بن مالك التقابي، وقد ذكرنا قبلا أن زاوية اليلولي من المتخصصات في الدراسات القرآنية، ولذلك كانت قراءة البوجليلي مركزة على القراءات برواية قالون، ثم قرأ العشر، وتعلم النحو. ودام ذلك حوالي أربع سنوات. وتعلم بالإضافة إلى القراءات علوما ذكرناها كالفقه والتوحيد والنحو والصرف والحساب والفلك. وسند البوجليلي في القراءات مذكور في المصادر التي بين أيدينا عن شيوخه المذكورين عن شيوخهم إلى الشيخ اليلولي المتوفى سنة ١١٠٥ (١٦٩١). وأما سنده في الفقه والطريقة الرحمانية فقد أخذه عن شيخه محمد امزيان الحداد بصدوق. وختم على يديه أيضا السلم المرونق في المنطق للأخضري وكذلك الجوهر المكنون له في المعاني والبيان، كما أخذ عنه الاستعارات للسمرقندي.
وبعد أربع سنوات في زاوية اليلولي انتصب للتدريس بها حوالي ثلاثين سنة. وقد درس علوما شتى هي التي تلقاها عن شيوخه، ولكنه عرف بالتمهر في علم النحو، وهو علم عقلي، كما نعرف. وعز عليه أن يرى بلاده وقد تنكر لها الزمان، وملكها الطغيان، وعاصر أحداث الثورتين في المنطقة - ١٨٥٧، و ١٨٧١ وما رافقهما وما لحق وراءهما، سيما الثانية، من انتقامات مريعة. وتأمل في سبب ما عليه الفرنسيون من قوة وجبروت وما عليه الجزائريون من ذل وهوان. فأراد أن يجاهد بطريقته وأن يحافظ على التراث، وأن يبث في تلاميذه روح المواصلة للمقاومة مع نور العقل وروح الإصلاح. ولذلك لم يفتح زاوية لإعطاء الأوراد والبركات الصوفية ولكن فتحها للتدريس ومنح الإجازات (الشهادات)، كما لاحظ الخبراء الفرنسيون المعاصرون له. ولعله اتخذ التصوف المسموح به غطاء للعلم غير المسموح
стр. 1174
به. ومن ذلك موقفه في إجازته لتلميذه محمد بن عمر السازيلجي سنة ١٨٧٦، وهو تاريخ مظلم في المنطقة، فقد رخص له بتعليم كل العلوم التي أخذها عنه، وهي النحو والفقه والحديث. وجعله في مكانه ومكانته في هذه العلوم (١). ومن تلاميذ البوجليلي أيضا محمد السعيد بن زكري وأبو يعلى الزواوي ومحمد الصالح القلي، الذي مدح شيخه بقصيدة (٢). وقد شهد بعض تلاميذه كابن زكري، أنه كان من المصلحين ودعاة القضاء على البدع التي كانت تساعد على نشر الشعوذة والخرافة، وكانت المدخل الذي يدخل منه المستغلون للشعب للسيطرة والتجهيل.
زوايا الجنوب
ليس هناك حد فاصل ومصطلح متعارف عليه لمفهوم الجنوب في الجزائر. فقد يعني تارة الخط الذي يلي الأطلس الصحراوي. وبذلك تكون بسكرة وبو سعادة والمسيلة والأغواط والبيض وعين ماضي كلها جنوبية. وقد يعني فقط أرض الرمال، كالعرق الشرقي والعرق الغربي، فتكون سوف وتقرت وورقلة وشبكة ميزاب ومتليلي وتوات هي الخط الجنوبي. وإلى آخر القرن الماضي كان المقصود بالجنوب هذه الحدود والبلدان والواحات حيث النخيل والرمال والشمس المحرقة صيفا والبرد اللافح شتاء. ولكن منذ آخر القرن الماضي امتدت الحدود إلى بشار وتندوف ورقان وعين صالح.
стр. 1175
والمنيعة وتمنراست وجانت. وأصبح الجنوب هو تلك المساحات الشاسعة من الصحراء التي تشمل الهقار وسكانه الملثمين. ونحن سنطلق كلمة الجنوب على كل المدن والقرى والواحات الواقعة وراء الأطلس الصحراوي والتي تمتد إلى حدود مالي والنيجر.
وهذه المنطقة من الوطن غنية بتراثها العلمي والديني، وغنية بعلمائها ومؤلفيها، وبزواياها ونظمها، وكذلك غنية بآثارها ومكتباتها، ولكن البحث في ذلك ما يزال ضعيفا، ولم يهتم بها إلا الأجانب، رحالة ومستكشفين، وحكاما ودارسين، ومبشرين وجواسيس وتجارا. وقد اشتهر بعضها بالدين والتصوف مثل عين ماضي وتماسين وقمار وعميش والقنادسة والهامل وطولقة والرويسات والبيض. واشتهر بعضها بالكتب والعلم مثل تمنطيط وتوات وميزاب. وعرف عن بعضها الاهتمام بالتجارة والمغامرات وخبرة الطرق مثل غرداية ومتليلي وسوف والمنيعة وعين صالح. كما اشتهرت تقرت بأنها عاصمة سلطنة بني جلاب التي انقرضت، والهقار بآثار الطاسيلي التي ترجع إلى مئات السنين وبأبجدية التماشق. ومن منا قد درس أو تخصص في هذه الظواهر الحضارية للجنوب الغني والمتسع عبر مئات الأميال؟.
إن اهتمامنا هنا سينصب فقط على ظاهرة الزوايا التعليمية وليس على الزوايا مطلقا. وقد تعرضنا في فصل الطرق الصوفية إلى دور الزاوية الديني والروحي والاجتماعي. وذكرنا هناك أن تعليم القرآن كان ظاهرة اشتركت فيها معظم الزوايا حتى تلك التي لا تتخذ من التعليم وسيلة للعيش أو التقرب إلى الله زلفى. أما الزاوية كمدرسة لنشر العلم بالمفهوم التقليدي فقد كان عددها قليلا نسبيا. ويمكن أن نقول أنها لا تتجاوز العشرة. وهناك مدرسون لم يؤسسوا زوايا وإنما اتخذوا التعليم وسيلة وقربة إلى الله، في منازلهم ومساجدهم، مثل ما فعل الشيخ محمد بن علي بن شبيرة وأخوه أحمد في بوسعادة (١). وما فعل الشيخ محمد بن عبد القادر من نفس
стр. 1176
المدينة (١)، وكذلك ما فعل الشيخ محمد بن يوسف اطفيش في ميزاب (٢)، والشريف بن الأحرش في الجلقة (٣)، وعشرات غيرهم في بسكرة والوادي وتقرت وا لأغواط.
زاوية طولقة
ومن أقدم الزوايا التعليمية زاوية طولقة التي أسسها الشيخ علي بن عمر. وقد تعرضنا لحياته في الطرق الصوفية، وقلنا أنه توفي قتيلا سنة ١٨٤٢. وقد عاشت الزاوية ظروفا صعبة صادفت تأسيسها، ونعني بذلك الاحتلال الفرنسي من جهة، وحركة الجهاد من جهة أخرى. وقد تنازع أهل المنطقة الولاء بين الأمير عبد القادر وأحمد باي وعائلة بو عكاز وعائلة ابن قانة. وكان على الزاوية أن تتخذ موقفا حذرا ومحايدا. كما واجهت الزاوية امتحانا آخر صعبا عند ثورة ١٨٧١، وكانت عندئذ بزعامة الشيخ علي بن عثمان. فلم تتبع الشيخ الحداد في دعوته للجهاد، وظلت الزاوية في ظاهر الأمر محايدة. ونحن نعرف أن فروع الرحمانية عندئذ قد استقلت وليس لها (شيخ) ترجع إليه. هذا عن الجانب السياسي.
أما عن الجانب التعليمي فقد تطورت الزاوية مع الحياة تحت الاحتلال، وبذلت جهدا كبيرا في نشر التعليم العربي والعلوم الإسلامية، وقد اشتهرت بالخصوص في عهد علي بن عثمان الذي طال عهده (١٨٤٢ - ١٨٩٦). فقد كان محبا للعلم وللكتب فأسس مكتبة متنوعة. وفتح أبواب الزاوية للتلاميذ من مختلف النواحي، وكان تعليمها قويا. وكان والد الشيخ
стр. 1177
الحفناوي مؤلف (تعريف الخلف) قد تولى التدريس بزاوية طولقة خلال الستينات من القرن الماضي. فكانت تضم بين ٤٠ و ٥٠ تلميذا، بالإضافة إلى جمع غفير من العامة يضيق بهم جامع الزاوية. وفي القرن العشرين استقبلت عددا من التلاميذ الذين برزوا في ميادين أخرى، منهم بعض أعضاء جمعية العلماء المسلمين فيما بعد. وهم مدينون لها بالولاء ولشيوخها بالاحترام. ويبدو أن الزاوية لم تكن معارضة للحركة الإصلاحية إذ بطبيعة المنطقة حب العلم واللغة العربية والتدين.
ومن المعاصرين للشيخ علي بن عمر مقدما الرحمانية في خنقة سيدي ناجي وأولاد جلال، وهما عبد الحفيظ الخنقي والمختار بن خليفة. وكان الثلاثة من تلاميذ الشيخ محمد بن عزوز، في التصوف وفي العلم، وقد حجوا معه وتأثروا به. وأسس هو (ابن عزوز) زاوية البرج (برج طولقة) الشهيرة أوائل القرن ١٩. وأصبح له تلاميذ ومقدمون. وقد اتبع في ذلك شيخه عبد الرحمن باش تارزي وتعاليم الطريقة الرحمانية التي كانت تدعو إلى العلم والتصوف. وتوفي محمد بن عزوز سنة ١٢٣٣ هـ، وخلفه أبناؤه في البرج وفي نفطة (تونس)، ومنهم مصطفى بن عزوز، الذي كان يدير زاوية نفطة الشهيرة بالعلم، والحسن بن عزوز الذي كان خليفة للأمير في الزيبان. وهكذا تكون المنطقة - الزيبان - كلها غنية بالتعليم على يد هؤلاء الشيوخ. ذلك أن حركة التعليم لم تكن مقتصرة على شيوخ الزوايا، كما عرفنا، إذ هناك المدرسون المتطوعون في مختلف المساجد، وهناك من كان يدرس في داره أو في غير ذلك من الأماكن. ولكن عندما قضى الاحتلال على ظاهرة التعليم الحر والمدعوم بالأوقاف، انحصر هذا النوع من التعليم أو كاد في الزوايا الصوفية أو زوايا المرابطين الذين انتزعوا الاعتراف لهم بذلك من السلطات الفرنسية لأسباب سياسية واجتماعية.
وكانت زاوية طولقة هي وريثة زاوية البرج في الناحية. ونحن نعلم أن البعض من عائلة ابن عزوز قد لجأ إلى نفطة (تونس) بعد احتلال بسكرة
стр. 1178
ونواحيها. وفي نفطة تأسست زاوية أصبحت من الشهرة بحيث طغت على زوايا بسكرة ونواحيها سيما في عهد الشيخ مصطفى بن عزوز. ونحن هنا نتكلم عن سمعتها في التعليم وليس في التصوف. وقد اقتدت بها الزوايا الأخرى في الزيبان وسوف فتنافست وتبادلت المدرسين والتلاميذ. ومن أبرز الذين درسوا في نفطة عندئذ الشاعر المعروف في وقته، وهو عاشور الخنقي. ويمكن القول أن اشتغال زاوية طولقة وزاوية الهامل (بو سعادة) بالتعليم خلال النصف الثاني من القرن الماضي كان بدافع التنافس من جهة وبتغاضي الفرنسيين من جهة أخرى، فقد كان هؤلاء يريدون انتزاع الفتيل أو الشعلة من يد زاوية نفطة التي كانت ملجأ للعلم وللسياسة أيضا. ولذلك خبا إشعاعها كثيرا بعد احتلال فرنسا لتونس سنة ١٨٨١.
وكان شيوخ زاوية نفطة يأتون إلى الجزائر بحكم الأصل من جهة، وبحكم الروابط الروحية (الرحمانية) والتعليمية من جهة أخرى. ولذلك وجدنا عددا من شيوخ العائلة العزوزية قد استقروا في الجزائر أو درسوا فيها أو عبروها أو تجوزوا منها في عدة مناسبات. ومن أبرزهم الشيخ المكي بن عزوز الذي درس في زاوية الهامل وتنقل بين طولقة وغيرها من المدن والقرى. وكذلك فعل ابنه محمد الكامل. وقد قام الشيخ محمد الخضر حسين، وهو منهم، بجولات في الجزائر أوائل القرن فنزل عنابة وباتنة والعاصمة. ونجد ذلك في رحلته. ثم أسسوا زوايا تعليمية في العين البيضاء وخنشلة وخيران وسوق اهراس. وكانت سوف أقرب نقاط الحدود إلى نفطة، فاستفادت من الاتصال العلمي بزاويتها. وكانت زاوية سيدي سالم في الوادي تتبع زاوية نفطة في التعليم واقتناء الكتب واستقبال التلاميذ من الأوراس وغيره، ولكنها كانت تتبع زاوية طولقة من حيث الطريقة، لأن شيخها (سيدي سالم) قد أخذ الإجازة عن علي بن عثمان. ومن علماء سوف الذين درسوا في نفطة قبل الزيتونة، الشيخ عبد القادر الياجوري (١). وكان الشيخ العربي التبسي من تلاميذها أيضا.
стр. 1179
زاوية الخنقة
وفي خنقة سيدي ناجي كانت زاويتان: الناصرية التابعة لعائلة ابن حسين والرحمانية التي أنشأها الشيخ عبد الحفيظ. وكلتاهما نشرت التعليم في البلدة وفي الناحية. وكانت السياسة الفرنسية تقضي بالتعامل على أساس (الصفوف) أو العداوات بين الساكنين. ولما كانت زاوية عبد الحفيظ قد مالت إلى السياسة المعادية لفرنسا بدعمها للثورات، كثورة الزعاطشة وثورة الصادق بن الحاج بالأوراس، فإن الفرنسيين اتكأوا على الزاوية الناصرية ووظفوا منها بعض الرجال وظائف قيادية. وفعلوا معها مثلما فعلوا تقريبا مع زاوية شلاطة في منطقة زواوة. ولكن نشر التعليم كان مبدأ محترما من الزاويتين. ومن تلاميذ زاوية خنقة سيدي ناجي الشيخ العربي التبسي الذي بقي فيها ثلاث سنوات حفظ خلالها القرآن ومبادئ الدين والعربية.
وكانت زاوية أولاد جلال قد سارت في نفس الاتجاه أيضا على يد الشيخ المختار بن خليفة. وكانت قد خدمت أهل الناحية سيما أولاد نائل والسحاري بنشر التعليم والمحافظة على مبادئ الدين أثناء سيطرة الاحتلال على الجنوب.
زاوية الهامل
قرأ الشيخ محمد بن بلقاسم في زاوية ابن أبي داود بمنطقة زواوة. وكانت هذه الزاوية تهتم بدراسة الفقه، كما سبق. وكان معاصرا لشيوخ الرحمانية البارزين أمثال الحاج عمر والحداد والبوجليلي. كما عاصر مقاومة الأمير عبد القادر وثورات الشريف بو بغلة في زواوة والشريف محمد بن عبد الله في الجنوب، وثورة الصادق بن الحاج في الأوراس. إنه عصر الانتفاضات الشعبية ضد الاحتلال. وكانت هذه الحركات قد أدت إلى توقف العديد من الزوايا عن مهمة التعليم وتخريب بعضها وحمل الطلبة السلاح. وفي سنة ١٨٤٩ أنشأ محمد بن بلقاسم زاوية أولى بالهامل على مسافة عشرة كلم عن بو سعادة. وهذا التاريخ مهم لأنه تاريخ ثورة الزعاطشة التي اهتزت لها بو سعادة أيضا وشارك فيها أهلها وعلماؤها أمثال ابن شبيرة الذي سبق ذكره. إن إنشاء أول زاوية في الهامل قد تصادف مع هذه الثورة وما تلاها من
стр. 1180
خراب ومطاردات. وكانت أولاد جلال وزاوية الشيخ المختار من المجندين في هذه الثورة أيضا. إن العلم والتصوف والجهاد هنا لا ينفصل أحدهما عن الآخر. وقد حدث نفس الشيء أيضا في زوايا زواوة.
وبعد أن رتب الشيخ محمد بن بلقاسم زاوية أولاد جلال رجع إلى الهامل وأسس الزاوية الحالية من تبرعات الأهالي السخية، وهو المشاع. ثم انتصب للتدريس في العلوم التي حذقها. وكان فصيح اللسان، ومطلعا ذكيا، وعالما واسع المعرفة، ولم يكن ليكتفي بما لقنه شيوخه بالطريقة التي انتقدها هانوتو ولوتورنو بشدة، بل قرأ كتبا غيرها، ولاحظ الآراء التي تقال هنا وهناك، وعلم أن العلم ليس في الحفظ وحده ولكنه في إدراك الحقائق عن طريق التأمل والمساءلة والمحاورة والشك. وكانت الناحية متعطشة للتعليم فأقبل عليه التلاميذ من كل فج، وانتشرت سمعته كعالم قبل كل شيء. ولكن منطق العصر رأى أن هذا العالم قادر أيضا على الإتيان بالكرامات، فاعتقد الناس في الشيخ محمد البركة والكرامة إلى جانب العلم والفصاحة. ولم يكن ليرفض ذلك للسبب الذي ذكرناه، ولأن السلطات الفرنسية لا تسمح بالتعليم على هذا النطاق إلا في حدود التصوف الذي يخدم مصالحها. ثم أن الشيخ، رغم مصاهرته آل المقراني، لم يشايعهم في ثورتهم، ورغم أنه رحماني فإنه لم يشايع الشيخ الحداد أيضا. وهكذا أظهر استقلاله التام وحياده إزاء ثورة ١٨٧١، ولكن ذلك لم يمنعه من استقبال اللاجئين إلى الزاوية من الفريقين (آل المقراني وآل الحداد)، ولنا أن نفهم أن الشيخ محمد بن بلقاسم قد استعمل العلم غطاء للتصوف واستعمل التصوف غطاء للعلم. كما استعملهما معا غطاء للسياسة. ولو تأملنا في سيرته وسيرة البوجليلي وسيرة الموسوم وعلي بن عثمان لوجدناهم من طينة واحدة في الذكاء والعلم والمناورة ليعيشوا مع العصر الذي وجدوا أنفسهم فيه. وقد قدموا جميعا خدمة كبيرة للتعليم العربي ولكنهم لم يستطيعوا أن يخترقوا حدود الواقع ولا أن يتقمصوا هوية الشعب، رغم أن بعض الباحثين
стр. 1181
رأى أن موقفهم كان يمثل صمود ومقاومة الثقافة الوطنية (١)، وكلهم عرفوا الفرنسيين عن كثب وخالطوهم.
استعان الشيخ محمد بن بلقاسم في التدريس بعدد من الشيوخ، خلافا للزوايا الأخرى. كان الشيخ يستعين فقط بتلاميذه القدماء ويجعل منهم طبقات تعلم إحداها الأخرى. ومن أشهر من استعان بهم ابن أخيه محمد بن الحاج ومحمد بن عبد الرحمن الديسي، وعاشور الخنقي. وكان الثلاثة، ولا سيما الثاني، قد كرسوا أنفسهم لخدمة العلم تدريسا وتأليفا. ففي ظلام حكم شأنزي ولويس تيرمان ومن جاء بعدهما كانت زاوية الهامل تبعث نورا عاليا في الخافقين. وقد يكون ذلك هو الكرامة الحقيقية للشيخ، لأن العلم هو أكبر كرامة للإنسان. كانت سمعة الشيخ محمد بن بلقاسم العلمية والروحية تملأ الأفق، ويسير بها الركبان، وكانت سمعة الشيخ الديسي في الفقه واللغة والعقائد قد وصلت إلى المغرب وتونس. أما سمعة الشاعر عاشور فقد لفتت الأنظار إلى ما في زاوية الهامل من رصيد أدبي قوي، سيما عندما نظم أشعاره في الدفاع عن الأشراف، وشارك علماء المغرب والمشرق في النزاع الذي نشأ حول هذه المسألة. وكان الشيخ عاشور يوقع أشعاره ورسائله بـ (كليب الهامل) أو حارس زاوية الهامل والأشراف (٢).
وبرنامج التعليم الذي راج في زاوية الهامل هو نفسه البرنامج القديم للدراسات العربية والإسلامية، فالشيخ محمد كان يدرس التفسير والفقه والحديث والتوحيد. ولكنه كان لا يهمل الأدب والتاريخ والسيرة النبوية. وتدعمت الدراسات الأدبية بانضمام الشيخ عاشور، كما تدعمت دراسة العقائد والمنطق بانضمام الديسي. وكانت الكتب المخطوطة والمطبوعة ترد على
стр. 1182
الزاوية بالهدايا ونحوها. حتى تكونت مكتبة مرجعية هامة. وأدت شهرة الشيخ إلى كثرة الزوار والعلماء للزاوية وإلى طلب الإجازات العلمية والصوفية. فنحن نعلم أن طلب الإجازة جاء من طلبة تونس والمغرب والجزائر وتلمسان وقسنطينة. واشتهرت مؤلفات الديسي وعرف برزانته واتساع علمه، رغم عاهة فقد البصر، فوردت على الزاوية الرسائل والمساءلات. ونحن نملك طلبات ونسخ الإجازات الصادرة عن الديسي والشيخ محمد الهاملي إلى العديد من علماء الوقت. ومنهم ابن سماية وعبد الحي الكتاني والقاضي شعيب بن علي والمكي بن عزوز. أما الزوار فبالإضافة إلى هؤلاء هناك الشيخ محمد بن يوسف أطفيش وسليمان الباروني.
يقول البعض أن تلاميذ الزاوية بلغوا نحو الألف. وربما كان هذا رقما مبالغا فيه، وقد يكون الرقم نصف ذلك. إذ لا يمكن لزاوية في حجم زاوية الهامل أن تأوي هذا العدد في وقت واحد، اللهم إلا إذا كان المقصود عدد المتخرجين منها مجتمعين. كما أن الناحية لا يمكنها أن توفر كل هؤلاء التلاميذ. وقد يكون من بينهم عدد من الغرباء، وهو تقليد كان معروفا في الزوايا. والذي لا شك فيه هو أن الزاوية أصبحت مدرسة ثانوية فيها خلية كبيرة من المعلمين والتلاميذ. كانت تتبع برنامجا محكما للتكوين، ولها جهاز قوي للتموين والنظافة والنظام. ولعل الشيخ محمد، وقد أقام ثماني سنوات في منطقة زواوة، قد تأثر بنظام الزوايا هناك من حيث الإدارة والتنظيم والانضباط، فاتبع نفس الشروط في القبول والإدارة. ولكننا لا نعرف ما إذا كان الشيخ هو كل شيء في الزاوية أو كان له وكيل ومقدم يساعدانه على إدارتها. وهل كان التلاميذ هم الذين يسيرون الزاوية، كما كان تلاميذ زاوية اليلولي؟ وقد قيل أن ابنة الشيخ، وهي السيدة زينب، كانت تشرف على مداخيل الزاوية وسجلاتها. ولا بد لدخول التلميذ من حفظ القرآن، وإذا لم يكن التلميذ يحفظ كل القرآن فإنه يدخل في مرحلة إعدادية تؤهله لذلك. وكان التدريس القرآني بالمسجد التابع للزاوية. ولا يدفع التلاميذ رسوما للدخول ولا للدراسة. ومؤونة وتمويل الزاوية إنما هما من الزيارات
стр. 1183
والتبرعات وإحسان المحسنين. وكان للزاوية أملاك وأوقاف كبيرة نمت بالتدرج (١).
ويمكن القول أن برنامج التعليم في الزاوية كان يقلد برنامج جامع الزيتونة وأمثاله. فهناك مراحل ومستويات من الابتدائي إلى الدروس العالية. وهناك دورات انتقالية. وتكاد الكتب المقررة تكون واحدة. والعلوم المتداولة هي العلوم الدينية والعربية طبعا (٢). وبالإضافة إلى ذلك فإن الفلك والحساب والمنطق والعروض كانت تدرس أيضا في الزاوية. وتعتبر دروس الشيخ محمد القاسمي (الهاملي) والديسي من الدروس العالية.
توفي الشيخ الهاملي وهو في أوج سمعته الروحية والعلمية، سنة ١٣١٥ (١٨٩٧). وكان قد عجز في آخر عمره حتى أنه لم يستطع حضور تأبين الشيخ أحمد التجاني في الجامع الجديد بالعاصمة، فأرسل ابن أخيه محمد بن الحاج نيابة عنه. وقد جرى حفل التأبين قبل وفاته بعدة أسابيع فقط. ثم أقيم له هو أيضا تأبين رسمي في بو سعادة. وقد اهتزت الزاوية بعده قليلا حول الخلافة الروحية، أما الخلافة العلمية فقد استمرت على حالها طالما ظل الشيخ الديسي هناك. كما أن الشيخ عاشور قد تضررت سمعته من السجن الذي تعرض له والهجمة التي قامت ضده من بعض الجهات إثر صدور كتابه (منار الإشراف). وهكذا تأثر التعليم بالزاوية وبقي أمره كذلك إلى ما بعد الحرب العالمية الأولى.
وبعد هذه الحرب برزت شخصيات وأفكار جديدة. وكان على الرؤساء الجدد للزاوية أن يختاروا بين الخط الطرقي العتيق، أو الخط الإسلامي الحديث، ولم يعد الأمر كما كان زمن الشيخ محمد بن بلقاسم (الهاملي). وأمام ظهور الأحزاب السياسية والبحث عن الأنصار هنا وهناك،
стр. 1184
كان من الصعب على رؤساء الزاوية أن يناوروا وأن يحافظوا على مكانتها القديمة. وقد كان في إمكانهم أن يعيشوا على تقاليد شيخهم في العلم والتصوف السني. ولكنهم أعلنوا صراحة أنهم مع المعسكر الآخر. معسكر الإدارة الفرنسية. فتولى بعضهم الوظائف الرسمية، وهذا مخالف لسيرة شيخهم وتقاليد الزاوية العلمية.
وأصبح الشيخ مصطفى القاسمي الهاملي هو المتكلم الرسمي في التجمعات الطرقية التي كانت تعد لها وتشرف عليها الإدارة الفرنسية. ورغم أن التعليم قد بقي حيا في الزاوية فإنه لم يبق من أجل الهدف الذي كان يعمل له الشيخ الهاملي والديسي، كما أن موقف رؤساء الزاوية لم يكن محايدا في الأمور السياسية والدينية التي كانت تتفاعل في الجزائر (١)، وقد عارض الشيخ مصطفى القاسمي الاتجاه الوطني الذي مثلته جمعية العلماء وحزب الشعب وساند، بل ترأس مؤتمر الزوايا الذي كان يسير في التيار المعاكس (٢). ويصف ابن بكار، أحد أنصار هذا التيار، الشيخ مصطفى القاسمي بقوله (وهو يعتقد أنه يمدحه): (وهو الذي أسس جامعة الزوايا والمعاهد العلمية الدينية الصوفية في الجزائر للذود عن حرمة الدين وصيانة عقائد المسلمين السنيين، وحمل رايتها عند ظهور المتطرفين) (٣). وهو يعني (بالمتطرفين) أعضاء جمعية العلماء التي شارك الشيخ مصطفى القاسمي في تأسيسها ثم انفصل عنها. ولعله كان الأفضل للشيخ مصطفى وللجزائر أن يواصل رسالة الزاوية الأولى في التعليم بعيدا عن هذه اللجان الرسمية وجامعة الزوايا والمعاهد العلمية الدينية الصوفية التي كانت تأتمر بأمر الإدارة الفرنسية.
الزاوية التجانية
رغم أن الزاوية التجانية قامت على تراث أحمد التجاني، وهو متصوف
стр. 1185
ومتعلم، قرأ العلم وأقرأه في عدة أماكن وبلدان. وهاجر من أجله ومن أجل السلوك الروحي، وترك إملاءات وآثارا تدل على قدرة عقلية كبيرة، فإن خلفاءه في الجزائر لم يتبنوا التعليم كأساس لنشر سمعتهم الصوفية وبركاتهم، بل اكتفوا في أغلب الأحيان بالأوراد والأذكار وممارسات طقوسية تكاد تنافي العلم. وولدا الشيخ أحمد التجاني، وهما محمد الكبير وأخوه محمد الصغير لم يتمكنا من بعض التعليم في المغرب إذ توفي والدهما وتركهما يتيمين في حالة قصور. وقد مات الأول في محاربة باي وهران بناحية معسكر، وعاش الثاني إلى سنة ١٨٥٣. وكان رجلا مجربا وداهية أكثر منه عالما. ذلك أنه لم يتول أمر الزاوية إلا بعد وفاة شيخ تماسين (سنة ١٨٤٤)، ولذلك لم تستقطب زاوية عين ماضي في عهده التلاميذ ولا كبار العلماء، وإنما كانت تقرئ القرآن فقط لأبناء البلدة شأن أي مسجد في أية قرية.
ثم فقدت الزاوية مكانتها بعد وفاته أيضا، إذ تحول مركز الثقل إلى تماسين من جديد. وزاد الطين بلة فراغ زاوية عين ماضي بعده من أي مدرس أو مكتبة أو حتى وريث شرعي، حسب بعض الروايات الفرنسية. وكان المشرى الريان، هو الوصي على الزاوية وقايد البلدة للفرنسيين، هو رجل لا يهمه العلم ولكن تهمه السمعة والمال. ولذلك أهمل حتى تعليم الطفلين المشتبه في أمرهما وهما أحمد والبشير (١). وقد ظل أمر زاوية عين ماضي على تلك الحال حتى في العهود اللاحقة عندما انتقلت إقامة الشيخ أحمد إلى قصر كردان حيث أقام مع زوجته الفرنسية أوريلي بيكار. وكان الشيوخ عادة هم الذين يعطون المثل في التعليم والاهتمام بالتلاميذ وجمع الكتب ومراسلة العلماء وتبادل الزيارات معهم، ولكن هذه السيرة لم تعرفها عين ماضي مع الشيوخ الذين تولوا أمر زاويتها بعد الشيخ محمد الصغير.
كما أن تماسين لم تعرف عن شيوخ زاويتها حب العلم والدعوة إليه وممارسته إلا قليلا. فمؤسس زاوية تماسين منذ ١٢١٤ (١٧٩٩)، وهو
стр. 1186
الحاج علي الينبوعي، كان بسيط المعرفة حسب المترجمين له. فلا نعرف له معلما ولا إجازة سوى الإجازة الصوفية التي أخذها عن شيخه أحمد التجاني عندما زاره في المغرب الأقصى. وكان الحاج علي فلاحا معتزا بالفلاحة أكثر منه عالما متعلقا بالعلم والتآليف. ولا شك أنه اهتم بتحفيظ القرآن لأبنائه وأبناء البلدة أيضا. ولكن ذلك ما هو إلا الخطوة الأولى في طريق التعلم. وقد عاش الشيخ طويلا (ثمانين سنة) وتولى المشيخة (البركة) منذ حوالي ١٢٠٤. وكان هو الحامل لهذه البركة قبل الاحتلال الفرنسي وإلى وفاته سنة ١٢٦٠ (١٨٤٤). ومع ذلك لا نعرف له تأليفا أو وثيقة مكتوبة صادرة عنه تدل على علمه، ولم يجلس للدرس في أي فن من الفنون، حسب علمنا. والناس على دين شيوخهم.
وقد ترك الحاج علي التماسيني مجموعة من الأولاد (٢٢ ولدا) والأحفاد ندر من ظهر منهم في ميدان العلم، وإن كانوا قد برزوا في مجال التصوف والجاه، ومنهم ابنه محمد العيد الذي تولى بعده شؤون الزاوية، ثم أضاف إليها البركة بعد وفاة الشيخ محمد الصغير التجاني، كما أشرنا. وكان محمد العيد عارفا بأمور الدنيا والتصوف، وقد حج بيت الله، وزار تونس واطلع على بعض أحوال العالم، ومع ذلك لا نجده قد أسس كرسيا للتعليم في زاويته أو انتصب هو لذلك أو شجع عليه. وكان الشيخ محمد العيد معاصرا للشيخ محمد بن أبي القاسم في الهامل وغيره من أصحاب الزوايا التعليمية. ولو أراد محمد العيد ذلك لما أعجزه لتوفر المال من جهة وللعلاقة الخاصة مع الفرنسيين من جهة أخرى. وقد كان في إمكان الشيخ محمد العيد جلب المدرسين من تونس وغيرها للزاوية. وبعد وفاته سنة ١٢٩٢ خلفه أخواه على التوالي محمد الصغير ومعمر، ثم ابنه هو (ابن محمد العيد) الذي دام في المشيخة إلى ١٣٣١ (١٩١٢).
ولكن الزاوية التجانية بتماسين غيرت بعض الشيء من اتجاهها دون الإعلان الرسمي عن تبنيها للتعليم بالطريقة التي سارت عليها الزوايا الأخرى. فهي زاوية لا تعيش من التعليم، كالأخريات، ولكن من التصوف
стр. 1187
والبركة. ويبدو أن ذلك التغيير حدث منذ أول هذا القرن. ولا ندري ما الدوافع التي كانت وراء ذلك. والمهم أن التعليم المقصود هنا ليس هو التعليم الشعبي المفتوح ولكن الخاص، الخاص بأبناء الزاوية أنفسهم، بل بأبناء الأسرة الينبوعية. فنحن نعلم أن الشيخ محمد العروسي كان من المتعلمين والأدباء في آخر القرن الماضي وأوائل هذا القرن (توفي حوالي ١٩٢٥). ولعله درس في الزيتونة، أو جاء له والده بمن علمه الأدب والفقه والتوحيد، على عادة الأسر الكبيرة التي لا ترغب في الاختلاط بأبناء العامة (١). ومع انتشار حركة التعلم في الجزائر أوائل هذا القرن أصبح شيوخ زاوية قمار وتماسين يرسلون أبناءهم للتعلم أيضا في تونس على الخصوص.
وفي عائلة محمد العيد الأولى نبتت فكرة اليقظة نحو التعلم. فبعد وفاة ابنه محمد (بن محمد العيد) سنة ١٩١٢ تولى البشير بن محمد، ولكن مدته لم تطل، فتولى بعده محمد العيد بن البشير (سنة ١٣٣٦)، وقد عرف عهده بالتوجه نحو اكتساب العلم. وروى بعضهم (الشيخ بيوض) أن محمد العيد هذا كان أديبا وذكيا، وكان يكره البدع ويغار على الإسلام، ويدعو إلى النهوض والتقدم. وهو من تلاميذ الشيخ محمد الطاهر عمارة أحد علماء تقرت المؤمنين بالإصلاح والتغيير. وقال الشيخ بيوض أن الشيخ محمد العيد بن البشير قد أرسل أبناءه إلى تونس للتعلم. وكان ينصح ويوصي أبناء الزاوية بالاعتماد على النفس. وقد توفي وعمره حوالي أربعين سنة (سنة ١٣٤٠/ ١٩٢٧)، ثم خلفه عمه، أحمد بن محمد بن محمد العيد الأول، وطال عهد مشيخته حوالي ٥٣ سنة (٢).
ونعرف من مصادر أخرى أن زاوية تماسين وزاوية قمار قد استجلبت بعض العلماء من تونس للتدريس لأبناء الزاوية، مثل الشيخ محمد اللقاني
стр. 1188
السائحي. وقد كان شاعرا وعالما متمكنا. وكان متنور العقل متأثرا بحركة النهضة والإصلاح. ولعله هو الذي نفخ روح الهجرة في سبيل العلم لأبناء الزاوية. وكان الشيخ اللقاني من علماء الزيتونة ومن مواليد نفطة، وله قصائد سياسية في الحث على النهضة الوطنية (١).
ولكن ما قلناه عن الزاوية التجانية بفرعيها - عين ماضي وتماسين - وكذلك فرع قمار وفرع تاغزوت، لا ينفي عدم اهتمامها كمؤسسة بشؤون التعليم للجزائريين. إن الاهتمام الذي ذكرناه إنما هو فردي أو عائلي أو خاص بأبناء الزاوية. ولم يشترك فيه مشائخ الزاوية أنفسهم ليعطوا المثل لأبنائهم وخلفائهم ولعامة الناس، كما فعل بعض شيوخ الزوايا الأخرى. إن حديثنا يجب أن يكون عن مساهمة هذه الزاوية العتيدة في إنهاض الجزائريين والمحافظة على اللغة العربية والدين الإسلامي ومقاومة تيار الفرنسة الذي غزا البلاد وطغى على عقول الناس، وكاد يمسخ حتى المعالم والملامح ويمحو الهوية الوطنية للبلاد. هذه المساهمة غير متوفرة، عند الزاوية التجانية أو هي غير معلومة للباحثين حتى الآن (٢).
زاوية قصر البخاري
لم تبلغ زاوية قصر البخاري أو زاوية الشيخ الموسوم ما بلغته زاوية الهامل من الشهرة العلمية. أما الشهرة الدينية فقد نافستها فيها وربما فاقتها في عهد الشيخين. وقد تحدثنا عن الشيخ الموسوم متصوفأ (٣)، فلنتحدث عنه متعلما ومعلما.
стр. 1189
فهو محمد بن محمد بن أحمد بن رقية المعروف بالموسوم (أو الميسوم حسب النطق الشعبي). ولد حوالي ١٨٢٠ في غريب بين قصر البخاري ومليانة. وأمه هي فاطمة بنت العربي، من أعيان العائلات بالشلف الشرقي، ومنها عائلات سيدي العريبي، وسيدي الحاج محمد الأحمر، ومولاي العربي بن عطية، وكل هذه العائلات اشتهرت في عهد الأمير عبد القادر. وكان أبوه منحدرا من نسل الشيخ عبد العزيز الذي أسس قصر الشرف (أو الشارف) في جبال أولاد نائل حوالي القرن ١٦.
درس محمد الموسوم على الحاج الشافية بن سي العربي بن سي الطيب الهادفي، ثم درس على الحاج يعقوب. كلاهما علمه القرآن ومبادئ الفقه. وأظهر منذ طفولته ميلا للدراسة، وهذا ما وضع ثقة شيوخه فيه. ثم درس سيدي خليل على الشيخ ابن علي البريشي، الذي قد يكون من المغرب الأقصى، ولكنه استقر في غريب لتحفيظ القرآن لأبناء الناحية. ومن غريب توجه محمد الموسوم إلى مازونة التي كانت لها سمعة كمركز علمي وما تزال فيها آثار أبي راس وأحفاده. فتابع الدراسة بها على الشيخ أحمد بن هني وعلى غيره. ثم رجع إلى غريب دون أن نعرف كم بقي في مازونة ولا المستوى الذي وصل إليه، ولكنه رجع بزاد علمي وبشهرة شأن العائدين من رحلة طلب العلم. لقد أصبح عارفا بالعلوم العربية كالنحو والصرف وكذلك المنطق والعروض، بالإضافة إلى العلوم الدينية.
وتمشيا مع هوايته، افتتح الشيخ الموسوم عهد التعليم - ربما في نهاية الأربعينات - وهو عهد أخذت فيه ينابيع المعرفة تجف من البلاد بعد حروب المقاومة الطويلة وسياسة التجهيل المقصودة، كما ذكرنا. قبل الشيخ التلاميذ من كل الأعمار، وقسم دروسه إلى طبقتين أو مستويين، مبتدئين ومتوسطين. وبنى مسجدين صغيرين للتعليم، كان يعلم في أحدهما علوم الدين كالفقه والقرآن والتوحيد، وفي الآخر يعلم علوم اللغة والأدب كالمنطق والنحو والعروض. ويبدو أنه كان يحلم بمشروع كبير لو وجد الظروف والمناخ المناسب.
стр. 1190
عاش على تلك الحال - أكثر من عشر سنوات في ظننا - إلى سنة ١٢٦٩ (١٨٦٠). فكر في الطرق الصوفية شأن متعلمي الوقت. فهي الغطاء السياسي وهي المأوى الروحي. كانت الرحمانية والشاذلية والمدنية والتجانية والوزانية (الطيبية) هي الطرق النشطة. فخطرت كلها على خاطره. فكر في الذهاب إلى وزان، ولكنه اكتفى بزيارة ضريح الشيخ الثعالبي بالجزائر والتجول في هذه المدينة (الأوربية) التي كان فيها (غريب الوجه واليد واللسان). وقد نصحه بعضهم بالذهاب إلى الشيخ عدة بن غلام الله بجبل اللوح بأولاد الأكراد، ولعل هذا الناصح كان من إخوان الدرقاوة الذين يمثلهم الشيخ عدة. وقد ترافق مع الشيخ عبد الرحمن العصنوني إلى زاوية الشيخ عدة. وبعد مدة نال منه الإجازة الصوفية والعلمية، لأن الشيخ عدة كان أيضا من علماء الظاهر والباطن. ثم رجع الشيخ الموسوم إلى غريب.
أثناء فترة قلق، كان الشيخ الموسوم يطبق التعاليم الصوفية على نفسه بقسوة. كان يصوم ويتعبد، ويتهجد. وعرف بين الناس بذلك، فكثر المعتقدون فيه البركة والعلم معا. وكان يميل إلى الزهد والتقشف (وذلك شعار الدرقاوة). وفكر في الدخول في الطريقة الخلوتية (الرحمانية)، واستمر قلقه فترة أخرى. ثم قرر أن يكتب إلى الشيخ عدة طالبا منه إجازة مقدم. ودام انتظاره بعض الوقت. ثم وصله التقديم في الدرقاوية - المدنية، وهي فرع للشاذلية. وهكذا بدأ نشاطه الصوفي والتعليمي واستقراره الروحي أيضا. وكان قد أسس في بادئ الأمر زاوية في غريب. ولكنه بعد ١٨٦٥ أسس زاوية أخرى في قصر البخاري. وكانت هذه في البداية فرعا للأولى، ثم أصبحت هي الأصل. وقد بنيت زاوية قصر البخاري على أنقاض زاوية قديمة أو قصر قديم ينسب إلى سيدي البخاري. وهكذا أصبح الشيخ يقضي الصيف في غريب والشتاء في قصر البخاري.
فعل الشيخ الموسوم في زاويته ما فعله أيضا شيوخ التعليم الآخرون.
فكان يدرس ويعطي الورد والإجازات. ولكنه اختلف عن زميله محمد بن
стр. 1191
بلقاسم في كونه غير مستقل في إعطاء البركة، إذ نازعه فيها أحمد بن الشيخ عدة، بينما الشيخ محمد بن بلقاسم لم ينازعه أحد في منح البركة بعد وفاة شيخه المختار بن خليفة. وتوفي الشيخ عدة في ٢٤ جمادي الثاني ١٢٨٣ (١٨٦٦). فأصبح الشيخ الموسوم هو الوريث (الشرعي) لبركة شيخه وبوصية منه. وكان مجاله واسعا يمتد عبر مناطق الجزائر والشلف والونشريس. لكن منازعة الشيخ أحمد بن عدة له جعلت سكان الونشريس تابعين لزاوية أولاد الأكراد، أما السكان القريبون من قصر البخاري، مثل أولاد عنتر وأولاد هلال، فقد اتبعوا الشيخ الموسوم. وقد شهدت عدة طرق هذا النوع من التنازع فكان الفرنسيون يوسعون من شقته إذا أرادوا أو يضيقون منه إذا كان ذلك يخدم مصلحتهم.
وكان للشيخ الموسوم مقدمون متعلمون، منهم محمد بن عبد الله في معسكر وقدور بن سليمان في مستغانم. وكلاهما اشتهر أمره واستقل عن شيخه أثناء حياته (١). وهذه الشهرة للشيخ الموسوم وكثرة الأتباع والزوار للزاوية لفتت إليه أنظار السلطة أيضا. و (يا ويح من أشارت له الأصابع، ولو بالخير). فقد ورد اسمه مرشحا لإدارة مدرسة الجزائر الشرعية الرسمية. وكان الفرنسيون يرغبون في احتواء نفوذ الشيخ ويخشون من تأثيره الديني والتعليمي الذي قد يمهد لانتفاضة كما فعل الشيخ الحداد. ولذلك استدعاه الحاكم العام وعرض عليه المنصب المذكور فاعتذر (٢) بالبقاء في خدمة الدين والعلم. وقد ازدادت شكوك الفرنسيين من حوله، خصوصا وإن أحد الجواسيس جاءهم بخبر كاذب وهو أن الشيخ يعد العدة لثورة وإن بزاوية غريب أسلحة. فداهمت القوات الفرنسية الزاوية أثناء غياب الشيخ فلم تجد
стр. 1192
أسلحة وإنما وجدت أوراق الشيخ فحملتها. وبعد ١٨٧٠ اتهمه الفرنسيون بمعارضة الحكم المدني، فهاجموا الزاوية أيضا وفتشوا أوراقه فوجدوا أن جنرالا فرنسيا كتب إليه رسالة، ربما لتوريطه، يطلب منه معارضة التغيير (من الحكم العسكري إلى المدني) الذي حدث في الجزائر، ولكن الشيخ كتب على هامش الرسالة بالرصاص أنه لا يتدخل في مثل هذه الأمور. كما خشيت منه السلطات الفرنسية يوم زار (سيرقين) أو الحمام الساخن جهة قصر الشلالة، فتجمع حوله الناس وأقاموا له حفلا كبيرا وصاخبا. ولكن الحفل مر بدون عواقب سياسية، كما يقولون (١).
رأينا أن الشيخ الموسوم كرس حياته للتعليم والدين والتصوف والتربية الروحية. وأنه كان مثالا للرجل المتفرغ لهذه الأمور فلم تغره المناصب الدنيوية التي عرضها الفرنسيون عليه، وكان في إمكانه أن يجعل علمه ودينه وشهرته مطية للدنيا، كما فعل بعض المعاصرين له. ورغم تشكك الفرنسيين فيه وشهادتهم بأنه كان يحاول الإبقاء معهم على الحد الأدنى من العلاقات وتهدئة الأوضاع زمن الثورات، فإنه تعرض إلى الإهانة واغتصاب أوراقه والاتهام بإخفاء السلاح. فما أصعب الحياة الكريمة في تلك السنوات البائسة من الحكم الاستعماري!.
توفي الشيخ الموسوم في ٣ فبراير ١٨٨٣ في قصر البخاري. وترك تأثيرا كبيرا في المناطق القريبة والبعيدة. ويذكر الدارسون أن نفوذه الروحي قد وصل إلى معسكر وندرومة وتلمسان ومستغانم ومليانة والمدية والقلعة وغيلزان والجزائر وما بين ذلك. ثم إلى الجلفة وأولاد إبراهيم، والبليدة وشرشال. ومن العائلات والأعيان الذين تأثروا به دون الدخول في طريقته:
١ - عائلة سيدي علي بن مبارك، وهم مرابطو القليعة، ولهم فيه محبة خاصة.
стр. 1193
٢ - عائلة أولاد حمو، بمليانة، وهم خدم زاوية أحمد بن يوسف الملياني، وفيهم المدرسون.
٣ - أهل ميزاب، وهم ليسوا على طريقته، ولكنهم يكنون له احتراما خاصا، وكانوا يقدمون إليه الهدايا (التبرعات).
٤ - محمود بن مصطفى الذي كان يعلم القرآن في الزاوية بقصر البخاري. وهو أخ زوجة الشيخ.
٥ - الأخضر بن مبارك، وهو إمام الزاوية. وكان هذا والذي قبله من أتباع الشيخ.
٦ - سيدي علي بو حقة، قاضي المدية على المذهب المالكي.
٧ - الشيخ المراشلي، قاضي المذهب الحنفي بالمدية أيضا.
٨ - الشيخ محمد بن الطيب الذي تولى القضاء في المكتب العربي بالمدية أيضا. وهو من المؤلفين.
٩ - الشيخ علي بن الحفاف، مفتي المذهب المالكي بمدينة الجزائر، وله مكانة علمية خاصة في وقته، وله تأليف هام في القراءات.
١٠ - الشيخ محمود الحرار، من علماء وأعيان مدينة الجزائر. من عائلة مصطفى الحرار (من صنعة الحرير) المتصاهرة مع عائلة ابن بريهمات.
١١ - الشيخ الحرشاوي، قاضي تلمسان عندئذ.
١٢ - عائلة ابن رحال بندرومة، وهي عائلة علم وتصوف ووظائف رسمية، ومنهم محمد بن رحال الذي برز في أوآخر القرن الماضي كرجل سياسي (١).
стр. 1194
ولم يكن الشيخ أحمد بن محمد الموسوم، الذي خلف أباه على رأس الزاوية في المستوى الذي تتطلبه المرحلة، مرحلة الثمانينات من القرن الماضي وعهد الظلام الدامس الذي أشرنا إليه. فتوارى تأثير الوالد والولد، وخبا نور الزاوية العلمي، وصفق الفرنسيون على أشلائها قائلين مع الاسكندر جولي: لا تخافوا منها ومن الطرق الصوفية عموما والزوايا، لأن مصيرها جميعا إلى التحلل والاندثار، شأن كل كائن حي في هذا الوجود.
ومن زوايا التعليم بالمسيلة الزاوية التي أنشاها محمد بن عبد الله الديلمي، وهي رحمانية. وصاحبها هو الحاج محمد بن عبد الله بن عبد القادر بن أبي زيان بن مبارك بن الموهوب. وقد يكون نسبه متصلا بالشيخ محمد بن عزوز الديلمي المسيلي الذي ذكره صاحب (البستان). وهم يقولون أنهم من الأشراف. ولد محمد بن عبد الله في المسيلة، سنة ١٢٦٤ ونشأ بها ودرس على والده، ثم رحل إلى بجاية لطلب العلم فأخذ بها عن الشيخ السعيد الحريزي. ولكن بجاية كانت عندئذ قليلة العلماء فليست هي بجاية الحماديين وإنما هي بجاية الفرنسيين، وكان العلم ما يزال خاما في منطقة زواوة فتوجه محمد بن عبد الله إلى زاوية الشيخ اليلولي ثم إلى زاوية أحمد بن يحيى. ومن زواوة (القبائل) قصد قسنطينة حيث كانت شهرة الشيخ المجاوي فجلس إليه أيضا. كما نال إجازة من الشيخ الحداد في الطريقة الرحمانية وأخذ التصوف على الشيخ عمارة بن أبي الديار، متصوف جبل الناظور.
وسيرا على نفس التقليد، أحس الشيخ محمد بن عبد الله أنه الآن قادر على فتح زاوية ونشر العلم فيها. فذلك غاية ما توصل إليه علمه واجتهاده، وغاية ما تسمح به ظروف الحياة والسلطات الفرنسية. فهو لا يرغب في خدمة الفرنسيين، وكانت الأبواب الأخرى كلها مغلقة في وجهه. وبعد سنوات من التعليم، أدى فريضة الحج مرتين. وجاور بالحرمين، وأخذ عن بعض العلماء هناك، وطالع كتب التصوف، ولا سيما إحياء علوم الدين والمنقذ من الضلال
стр. 1195
للغزالي، والفصوص لابن عربي، والرسالة القشيرية.
كان الشيخ محمد بن عبد الله يدرس كل السنة. ويفتتح الدرس بتفسير آيات من القرآن الكريم. وكان يدرس لتلاميذه النحو والفقه والتوحيد، وهي المواد المسموح بها من قبل السلطات الفرنسية، وأحيانا كانت لا تسمح حتى بتدريس التوحيد ولا بالتفسير الموجه ولا بأبواب معينة من الفقه. وكان محمد الديلمي، مثل شيوخ الزوايا الآخرين عندما يتكاثر عليهم التلاميذ، يستعين بقدماء التلاميذ. ودام على ذلك حوالي أربعين سنة. وكان أيضا يجمع التصوف إلى العلم، فكان يلقن الإخوان أوراد الرحمانية وأسماء الله الحسنى. وبعد حياة يبدو أنها متقشفة تقشف العصر الذي ظهر فيه، توفي الشيخ سنة ١٣٦١ (١٩٤٢) ودفن بجوار جده في المسيلة (١).
زوايا أخرى
بعض فروع القادرية أيضا اهتمت بالتعليم إلى جانب تحفيظ القرآن للأطفال. وهناك تقليد لها في ذلك. فالقادرية في الأساس كانت تقوم على العلم والتعليم والتصوف، وما شيخها عبد القادر الجيلاني، إلا مثال على ما نقول، فهو عالم ومتصوف. وفي الجزائر كانت زوايا القادرية للتعليم أيضا، ومنها زاوية القيطنة بنواحي معسكر. وأثناء حرب المقاومة كان محمد السعيد بن محيي الدين (أخ الأمير) يقوم بشؤون الزاوية والتعليم فيها. وهناك زوايا أخرى للقادرية اهتمت بالتعليم قبل أن يعتريها ما اعترى مختلف الزوايا والطرق من كسوف وانحراف.
ومنذ أواخر القرن الماضي كانت الزاوية القادرية في توزر (تونس)