← Указатели

Указатели · id 14100

تاريخ الجزائر الثقافي

أبو القاسم سعد الله

Полный текст (5 019 стр.). Показаны 1121–1160 · переход к 1126.

стр. 1121

المدرسين الذين فتشهم كانوا يطالبون بزيادة المرتبات. وأبدى رأيه أن ٩٥٥ فرنك لا تكفي، وأن خريجي المدارس الشرعية - الفرنسية لا يرغبون في وظيفة مدرس لضالة دخلها. واقترح ألفريد بيل أن يدفع للمدرسين من ميزانية الجزائر المخصصة للتعليم الأهلي العام وليس من ميزانية الديانة الإسلامية كما هو الشأن عندئذ. وجاء في تقرير آخر أن المدرسين كانوا موضوعين تحت سلطة المفتي باعتبارهم موظفين دينيين (رجال الدين) وأن وضعهم بهذه الصفة سيزداد سؤا إذا طبق عليهم مبدأ فصل الدين عن الدولة (١). ولاحظ ألفريد بيل أيضا أن المدرسين في الحقيقة موظفون في التعليم العام وأن تعليمهم غير ديني (٢)، وهذا مهم لموضوعنا. وبناء على هذه التوصيات صدر قرار من الحاكم العام يخرج المدرسين من موظفين في التعليم الديني - الشريعة - إلى موظفين في (خدمة التعليم الإسلامي العالي)، وذلك في ١١ غشت ١٩١٠. واستجابة لتوصيات المفتشين أيضا أصدر الحاكم العام بتاريخ ١٨ فبراير ١٩١٤ قرارا بتصنيف المدرسين إلى ثلاث طبقات، وجعل مرتبات كل طبقة على النحو التالي: الأولى راتبها السنوي ١٨٠٠ فرنك، والثانية ١٥٠٠ ف، والثالثة ١٢٠٠ ف. ويبدو أن هذه الترقية جاءت بعد اقتراح ألفريد بيل الذي أوصى بفصل المدرسين عن موظفي الشريعة ثم ترقيتهم. وقد عرفنا أن مجموع هيئة تدريس المساجد على النحو المذكور لا تتجاوز الثلاثين منصبا: عشرة في أقليم الجزائر، وعشرة في أقليم قسنطينة، وثمانية في أقليم وهران. ولكن زيد عليها بالتدرج بعض المناصب التي لم تتجاوز العشرة في كل الأقاليم. منها مازونة وجيرفيل في الغرب، وبوسعادة والأغواط في الوسط، وقالمة وتبسة في الشرق.

стр. 1122

إن دور المدرسين لم يعد هو نشر الثقافة الإسلامية وإحياء التراث، كما فهمه المدرسون الأوائل، أمثال حمدان الونيسي في قسنطينة، ومحمد خمار في بسكرة.، والدايجي في معسكر، الخ. ولكن دورهم أصبح هو تعليم التلاميذ الأهالي النحو والأدب العربي والفقه الإسلامي وإعداد المترشحين لوظيفة مدرسين، حسب تعبير الكاتب العام للشؤون الأهلية في الحكومة العامة (١). والواقع أن هذا الدور قد تقلص أيضا. فقد رأينا أن المفتشين كانوا يوجهون المدرسين إلى إعداد التلاميذ لدخول المدارس الشرعية - الفرنسية وليس لتعليم الأهالي النحو والأدب العربي والدين الإسلامي. وقد انتزعت عن المدرسين الصفة الدينية لا من حيث القانون الوظيفي فقط، ولكن من حيث المواد والتوجيه. وقد صدق وصف ألفريد بيل لهم بأنهم وسطاء بين معلمي التعليم الفرنسي - العربي في المدارس الابتدائية والتعليم العالي الذي تمنحه المدارس الشرعية - الفرنسية الثلاث أيضا (٢). وقد دكرنا أن البرنامج أصبح موحدا. ولكن قبل ذلك شغل أمره الفرنسيين طويلا. فدروس المساجد قبل ١٨٩٨ كانت محصورة في الفقه والتوحيد وموجهة للعامة، وكانت تحت رقابة مشددة، وبعد إفساح المجال لدروس أخرى في الأدب والنحو والحساب، خرجت بعض الدروس من المساجد إلى المدارس أو الحجرات المجاورة. وبقيت أحيانا أخرى في المساجد نفسها. وكانت الكتب المختارة غير مقررة ولا موحدة، وكان هناك مجال للاجتهاد الشخصي الذي لا يرغب فيه الفرنسيون، واعتبروا ذلك فوضى. ومن ثمة وحدوا البرنامج وحددوا الكتب لكل مادة. وكذلك حددوا الساعات الأسبوعية، والدروس الاختيارية والإجبارية، وأنشأوا دورة تفتيش سنوية، وصدر بذلك قرار من الحاكم العام على الجميع تنفيذه. وكان الشبح الذي وراء كل ذلك هو دومينيك لوسياني مدير الشؤون الأهلية عندئذ. ومنذ

стр. 1123

١٩٠٧ اقترح بعص المفتشين أن لا يحتكر المسجد هذه الدروس، وقالوا أنه يمكن إخراجها إلى قسم (فصل) في إحدى المدارس الابتدائية الفرنسية. ومن هنا بدأ الخلط ثم استمر. وقد أنشئت مكتبة عربية للمدرسين يرجعون إليها لتحضير دروسهم في كل مركز، وهو شيء جيد، ولكن هذه الكتب كانت مراقبة، وكانت تأتي عن طريق الشراء أو التبرع أو الهدية من السلطات الفرنسية نفسها. وكان بعضها من تأليف أو ترجمة المستشرقين أنفسهم. ويمكن للتلاميذ أيضا الاستفادة من هذه المكتبات. وقد أخذ المفتشون يوجهون تعليم المساجد نحو العصرنة، مطبقين قواعد المدرسة الفرنسية، كاستعمال المدرس للسبورة، والاحتفاظ بدفتر الحضور، وتدوين المذكرات من قبل التلاميذ، ومراعاة هيئة المدرس، وتأثيره في التلاميذ والمحيط، ولغته وصوته الخ. وأبرز المقاييس التي كان المفتشون يطبقونها على المدرس هي نوعية التلاميذ: من أهل البلاد أو من خارجها، ويتكلمون الفرنسية أو لا يتكلمونها، ومن أطفال المدارس الابتدائية الفرنسية أو من عامة الناس، وكم يترشح منهم لدخول المدرسة الشرعية الفرنسية. وليس المهم النجاح في هذا الاختيار ولكن المهم هو المشاركة والاتجاه. ويضاف إلى هذه المقاييس كون المدرس متعاونا مع السلطات المحلية أو منعزلا عنها أو متجافيا. وبالنسبة لإحصاء التلاميذ، ذكرنا نمادج منهم فيما مضى عند كل مدرس حسب تقارير التفتيش. ونذكر الآن نموذجا خاصا بتلاميذ ولاية الشرق (قسنطينة). وبناء على تقرير ١٩٠٧ الذي كتبه شارل سان كالبر حول المراكز التسعة التي زارها (باستثناء العين البيضاء) كان مجموع التلاميذ ١٩٥ مسجلا، وهذا لا يعني استمرار حضورهم جميعا. وهم موزعون على قسنطينة (مسجدان)، وعنابة وسطيف وبجاية ووادي الزناتي، وميلة، وبسكرة والمسيلة: أعلاها ٢٧ مسجلا في ميلة وأدناها ١٧ في الجامع الكبير بقسنطينة. وقد لاحظ صاحب التقرير أن النسبة تبدو مرتفعة ولكنها غير كافية، خصوصا وأنه لا يوجد من بين المسجلين سوى ٢٥ مستمعا (من ١٩٠)

стр. 1124

يعرفون الفرنسية قليلا، وحوالي عشرة فقط كانوا يرغبون في الترشح للمدرسة الشرعية - الفرنسية. وهذا في الواقع يعطينا فكرة واضحة عن هدف الناس من التعليم وهدف الإدارة منه. وهما هدفان متباعدان كما يبدو. فهل الأهالي ما يزالون يقاطعون المدرسة الفرنسية كما كانوا سنة ١٨٣٠؟ وهل هم لا يقبلون إلا على تعليم عربي إسلامي على أيدي أبنائهم، كما حدث مع ظهور حركة التعليم على أيدي المصلحين؟ ومما جاء في تقرير المفتش سان كالبر أيضا أن بعض الدروس لا يحضرها تلاميذ المدارس الابتدائية على الإطلاق، كما لا يحضرها موظفو المساجد مما هو مخالف، حسب قوله، لقرار ١٤ نوفمبر ١٩٠٠ (١). أما إحصاءات السنوات التالية، فقد أظهرت زيادة المسجلين، ولكن نلاحظ أن ذلك لا يعني متابعة الدروس بصفة دائمة. وقد أضيف إلى المراكز المذكورة مركز الخنقة وطولقة وسيدي عقبة أيضا (٢). والإحصاء هو: ١٩٠٧ - ١٩٠٨= ٢٥٨ تلميذا مسجلا بين كبار وصغار. ١٩٠٨ - ١٩٠٩= ٢٦٦ تلميذا مسجلا بين كبار وصغار. ١٩٠٩ - ١٩١٠ = ٢٧٥ تلميذا مسجلا بين كبار وصغار. ١٩١٢ - ١٩١٣= ٣٠٢ تلميذا مسجلا بين كبار وصغار. ١٩١٧ - ١٩١٨ = ٢٢٢ تلميذا مسجلا بين كبار وصغار. ويرجع الانخفاض حسب المفتش خلال هذه السنة إلى ذهاب الشباب للحرب بمقتضى التجنيد الإجباري الصادر سنة ١٩١٢، وكذلك بعض الأساتذة المدرسين (٣). وأعلى نسبة حضور سنة ١٩١٠ كانت في الجامع

стр. 1125

الكبير بقسنطينة (٦٢ تلميذا)، وأدناها في بجاية ووادي الزناتي (١٦ تلميذا) في كل منهما. أما إقليم الجزائر فكان الإحصاء فيه مشابها في نفس الفترة وأكثر تفصيلا بالنسبة لدروس العامة ودروس الخاصة أو الكبار والصغار. في تقرير كتبه ديستان، مدير مدرسة الجزائر أن عدد التلاميذ في الدروس الخاصة (تلاميذ المدارس الابتدائية أو الراغبين في الترشح للمدرسة الشرعية - الفرنسية): ١٣٧، وعدد حضور الدروس العامة (في المساجد - مادة الفقه والتوحيد): ١٦٦، فالجملة ٣٠٣، وذلك سنة ٩١١١ - ١٩١٢. أما سنة ١٩١٠ - ١٩١١ فالعدد كان أقل من ذلك وهو ٢٩٨، وهو غير مفصل بين العام والخاص (١). والطبقات الثلاث التي كان عليها مدرسو أقليم الجزائر منذ فاتح سنة ١٩١٥ حين صدرت المرتبات الجديدة وفصل فيها المدرسون عن ميزانية الشريعة وألحقوا بميزانية التعليم الأهلي العام، هي: ١ - الطبقة الأولى: ومرتبها ١٨٠٠ ف سنويا: الاسم ... الجامع ... ملاحظات محمدمصطفى باشا ... جامع سيدي رمضان ... لايذكر كثيرا، وجاء في تقرير سنة ١٩٠٧ أن له ثلاثة تلاميذ فقط. اقتراح والي مدينة الجزائر استعماله في مهمة أخرى). محمد الكمال (خوجة) ... جامع صفر

стр. 1126

بلقاسم الحفناوي ... الجامع الكبير عبد الحليم بن سماية ... الجامع الجديد محمد أرزقي بن ناصر ... الجامع الكبير أيضا ... (غير معروف كثيرا بين علماء الوقت). ٢ - الطبقة الثانية: ومرتبها ١٥٠٠ ف. سنويا: الاسم ... الجامع ... ملاحظات ابن عودة الشريف ... جامع مليانة محمد الحسيني ... جامع المدية ... (ظل ٢٧ سنة في الخدمة، سنة ١٩١٥). عبد القادر بن الحاج ... جامع بوسعادة بومزراق الونوغي ... جامع أم السنام/ الأصنام (في هذه السنة ١٩١٥، ذهب إلى باريس، انظر عنه سابقا). حمودحمدان ... جامع شرشال ٣ - الطبقة الثالثة: ومرتبها ١٢٠٠ ف. سنويا: الاسم ... الجامع ... ملاحظات قلال ... جامع البليدة مطاهري ... جامع تيزي وزو ... (كان مترجما في القبائلية بالمجلس الحربي بمدينة الجزائر، استدعي للخدمة العسكرية ١٩١٥) (١). ونعتقد أن هذا التصنيف للأساتذة المدرسين قد جرى أيضا بالنسبة لإقليمي وهران وقسنطينة، ولكننا لا نملك حاليا وثيقة كهذه حول الإقليمين. ... هذه هي دروس المساجد التي نملك عنها وثائق. ولا شك أن هناك مراكز أخرى للتدريس أنشئت بعد الفترة التي كنا نعالجها أو أنشئت ولم تغط بالتقارير والملاحظات، مثل جيريفيل، وطولقة وسيدي عقبة والأغواط. والمعلوم أن دروس المساجد غير الرسمية لم تنقطع أيضا. سيما في الفترة

стр. 1127

التي نتناولها. وقد ظهر المدرسون المتطوعون، وهم الذين كانوا يقومون بالتدريس للعامة بعد أخذ رخصة إدارية من السلطات المحلية، ولكنهم لا يأخذون أجرا على ذلك. ومنذ عهد الحاكم جونار تغاضت السلطات عن هذا النشاط. فاغتنمه بعض المدرسين أصحاب الضمائر الحية الذين وجدوا في ذلك فرصة لنشر العلم بالمفهوم التقليدي العام. وفي هؤلاء من كان عالما بفنون اللغة والفقه، وفيهم المتوسط. ولكن حماسهم وغيرتهم جعلتهم منافسين للمدرسين الرسميين أصحاب الأجور والتسميات. ولعل الناس كانوا يقبلون على المتطوعين أكثر مما يقبلون على الرسميين لارتباطات هؤلاء، في نظرهم، بالإدارة المستعمرة. وقبل أن نتحدث عن المدرسين المتطوعين أو الأحرار الذين ظهروا بالخصوص مع الحركة الإصلاحية، نذكر أن هناك مدرسين كانوا يجمعون بين التدريس ووظائف أخرى كالقضاء، ومنهم من عمر المسجد كموظف رسمي. ونعني بذلك المناطق الصحراوية بالخصوص. وكان الجنوب عامرا بالزوايا لم ينقطع منها العلم والعلماء، كما لاحظ ذلك بعض الرحالة مثل الشيخ محمد بيرم الخامس في القرن الماضي. وكانوا يقصدون الأماكن البعيدة لتحصيله، مثل تونس بالنسبة للجنوب الشرقي والمغرب الأقصى بالنسبة للجنوب الغربي. وكان بعضهم يصل حتى إلى مصر والحجاز. وفي الفترة التي نتحدث عنها كان الشيخ محمد بن يوسف أطفيش علما كبيرا في ناحية ميزاب (١). ومن جيله نجد الشيخ الحاج علي بن القيم المولود بقمار، سنة ١٨٤٠. فهو بعد أن درس فيها وفي الزاوية العزوزية/ الرحمانية بنفطة، أدى فريضة الحج وجاور فترة بمكة، ثم رجع إلى مسقط رأسه، وتطوع للتدريس هناك، وكان درسه للعامة ولبعض الطلبة الذين لهم إلمام بالمعارف ويريدون المزيد. وكان الشيخ علي بن القيم (٢) يتنقل بين جهات القطر الجزائري أيضا، وينسخ الكتب، ولعله كان يعيش من هذه الصنعة، فكان

стр. 1128

يقصد الزوايا الشهيرة وبعض أعيان البلاد، وهم يهدونه الكتب، وفيهم من كان يحبسها عليه. ولا بد من الإشارة إلى دور المولود الزريبي الذي انتصب للتدريس في مسقط رأسه (زريبة الوادي) بعد رجوعه من الأزهر (١). ويمكن ذكر العديد من المدرسين المتطوعين في الجنوب مثل توات وميزاب وتقرت والوادي. ومنهم الشيخ محمد بن الأزعر الذي تطوع للتدريس في قمار رغم العراقيل التي وضعت في طريقه، وقد صبر فترة ثم هاجر إلى الحجاز. وقد عرفت تقرت دروس الشيخ الطاهر العبيدي، كما عرفت الوادي دروس أخيه أحمد العبيدي (٢).

стр. 1129

الفصل الثاني التعليم في الزوايا والمدارس الحرة

стр. 1130

نتناول في هذا الفصل نقطتين هامتين هما التعليم في الزوايا والتعليم في المدارس الحرة. وبعد الحديث عن الزوايا التعليمية عموما ودورها خلال العهد الذي ندرسه نفصل الحديث عن الزوايا حسب الجهات، وقد ركزنا على جهتين: منطقة زواوة ومنطقة الجنوب. وهذا ليس حسب مخطط اتخذناه لأنفسنا ولكنه نتيجة البحث الذي قمنا به. فقد اختفت بالتدرج الزوايا التعليمية في المدن الرئيسية. وحلت محلها المدارس الفرنسية والمدارس الرسمية الثلاث، وكذلك حل فيها رجال الدين (الديانة) الرسميين كموظفين في المساجد التي تشرف عليها الإدارة، وكان بعضهم يلقي دروسا في الفقه والتوحيد للعامة، وهي دروس جامدة وفارغة من أي محتوى سياسي أو اجتماعي. ومن جهة أخرى عانت الزوايا في المدن من اغتصاب الأوقاف كما ستعرف في فصل المعالم الإسلامية، فاستولى الفرنسيون على بناياتها وحولوها عن أغراضها وهدموا أغلبها. وهكذا لم تبق إلا زوايا الريف، وبالخصوص في زواوة والجنوب، كما ذكرنا. والمعروف أن الاحتلال قد بدأ بالمدن وانتهى بهذه الأماكن النائية، فلم يقع احتلال زواوة والجنوب إلا في الخمسينات من القرن الماضي. صحيح أن الاستيلاء على الأوقاف قد وقع في هذه الأماكن أيضا، كما أن بعضها قد هدم نتيجة ثورات لاحقة (مثلا ١٨٧١). ولكن بعض الزوايا عرفت كيف تواصل مسيرتها رغم التضييق عليها ماليا وتربويا حتى أصبحت محاصرة. كما أن بعض الزوايا التعليمية قد ولدت في العهد الاستعماري نفسه مثل زاوية الهامل وزاوية عميش. أما النقطة الثانية فهي المدارس الحرة. ونعني بها الانطلاقة التي بدأت بمعهد بني يسقن في ميزاب على عهد الشيخ أطفيش والتي تقمصتها مدرسة

стр. 1131

تبسة على عهد عباس بن حمانة. ثم شقت طريقها منذ الحرب العالمية الأولى. والمدارس الحرة هي تلك التي حاول أصحابها أن يطوروا بها المدارس القرآنية (الكتاتيب) القديمة، فبدل المسيد أو الكتاب الملحق بالجامع والذي بقي مقتصرا على تحفيظ القرآن ومبادئ القراءة والكتابة، ولدت المدرسة العصرية ذات الأقسام والإدارة والبرنامج المدرسي المتكامل في مراحله والتي تخرج تلاميذ بشهادات تسمح لهم بممارسة بعض المهن أو متابعة الدراسة الثانوية والعالية. ورغم المحاولات الرائدة في هذا المجال على يد رواد مثل ابن حمانة ومصطفى حافظ ورجال مدرسة الشبيبة، فإن التجربة قد نجحت على يد ابن باديس وجمعية العلماء التي وسعت من دائرة هذا التعليم الحر أو الحديث وتبنته باسم الشعب الذي ساهم فيه بحماس كبير بعد أن رأى النتائج الإيجابية التي نافست نتائج المدرسة الفرنسية، بل فاقتها في التكوين الوطني والإسلامي. وبالإضافة إلى ذلك تحدثنا في هذا الفصل عن معاهد أخرى مثل معهد ابن باديس ومعهد ابن الحملاوي ومعهد الحياة. وكذلك عن نقد برامج تعليم الزوايا وتعاليق لبعض الفرنسيين عن برنامج المدارس الحرة. التعليم في الزوايا تناولنا تعريف الزاوية في فصل الطرق الصوفية. وقد عرفنا أنها أصلا كانت رباطا للجهاد، ثم تطورت إلى مركز للتعليم والعبادة، وأخيرا أصبحت مقاما ثم ضريحا ومزارا لأحد المرابطين (من الرباط للجهاد إلى الرباط للعلم والعبادة). ولكن هذا المفهوم تطور أيضا حتى أصبح يدل في الزمن القريب منا على مقر الشيخ حامل البركة والمتصوف الذي ليس له علاقة بالجهاد ولا بالتعليم والعبادة، وإنما له علاقة بإعطاء الأوراد والإجازات واستقبال المريدين والمقدمين والإخوان وحاملي (الزيارات) أو التبرعات. وقد لصق بهذا المفهوم للزاوية ممارسة الحضرة والدروشة واستغلال جهل العامة. ثم أصبحت الزاوية علما على الخرافة والتجهيل والظلامية والاستغلال. وقد

стр. 1132

لخص بعضهم نسبة الزوايا فقال أنها قد تنسب إلى مكان معين أو إلى مرابط أو إلى طريقة صوفية (١). وفي الفترة التي ندرسها عرفت الجزائر المرحتلين الأخيرتين من تطور الزاوية: فهي إما مركز لأحد مشاهير المرابطين مثل الشيخ محمد بن أبي القاسم الهاملي والشيخ محمد الموسوم، وفي هذه الحالة كانت الزاوية مركزا للتعليم والعبادة، وإما مركز للحضرة والزردات وممارسات البدع، مثل زوايا بعض شيوخ العيساوية والحنصالية والعمارية. ويهمنا في هذه الفقرة النوع الذي اهتم بالتعليم والعبادة. وقد صدق من عرف الزاوية بأنها مؤسسة شاملة، فهي مسجد للعبادة ومدرسة للتعليم، وملجأ للهاربين، ومأوى للغرباء، ومركز للفقراء. ومن جهة أخرى قلنا أن هناك فرقا بين تطور الزاوية في المدن وتطورها في الأرياف أو البادية. ففي المدن فقدت الزوايا تأثيرها بعد الاحتلال لوضع المحتلين أيديهم على المصادر المالية كالأوقاف، وهدم العديد من الزوايا وتعطيل غيرها بالبيع والاستغلال كجعلها ثكنة أو مخزنا. وقد ذكرنا في فصل المعالم الإسلامية نماذج للزوايا التي آل أمرها إلى الهدم والتحويل عن المقصود. ومن ذلك زاوية القشاش، وزاوية الجامع الكبير، وزاوية الشرفة، وزاوية الأندلس، الخ. وهي زوايا كانت للتعليم وإقامة الطلبة الغرباء والعلماء، وكانت تضم الكتب لفائدة المتعلمين. أما زوايا الأرياف والبادية فقد عرفت عدة مراحل في العهد الذي ندرسه. كانت في المرحلة الأولى قد عادت إلى تاريخها القديم، رباطات للجهاد وتجنيد المجاهدين ضد العدو. وكان ذلك في عدة نواح من الوطن، سيما الناحية الغربية، إلى حوالي ١٨٥٠. ثم قامت زوايا أخرى بنفس الدور في الجنوب وفي زواوة خلال الخمسينات والسبعينات. وفي

стр. 1133

الستينات كانت منطقة الأوراس أيضا تشهد الانتفاضات المتواصلة. أما منذ ١٨٨٠ فقد عرفت الصحراء الجنوبية انتفاضات أخرى في الشعانبة. سيما حركة المدقانات، ثم الهقار. فالزوايا من هذه الناحية قامت بدور جعلها تسترد قيمتها التاريخية. وإلى جانب هذه الزوايا النافخة في روح الجهاد كانت أخرى تواصل رسالة التعليم بالوسائل التي عندها بعد أن أصبحت محاصرة. كما ظهرت زوايا جديدة للتعليم فقط في طولقة، وزواوة والهامل وقصر البخاري وأولاد جلال، وأولاد الأكراد والوادي. ونريد أن نذكر هنا أيضا أن الزوايا التعليمية القريبة من العاصمة وغيرها من المدن قد تأثرت بالاحتلال مبكرا. ومن ذلك زاوية قرومة بالأخضرية، وزاوية البراكنة في شرشال، وزاوية القيطنة في معسكر، وزاوية مجاجة في الشلف. هذا أثناء المرحلة الأولى، أما خلال المرحلة الثانية (منذ الخمسينات تقريبا) فقد تأثرت زوايا الأرياف أيضا عندما تدخلت السلطات الفرنسية لمحاولة فرض رقابتها على التعليم والنشاط السياسي والاجتماعي في الزوايا. ومن ذلك زاوية شلاطة (زواوة) وزاوية علي بن عمر (طولقة) الخ. وفي المرحلة الثالثة وقعت السيطرة التامة على الزوايا التقليدية، وكان ذلك منذ الثمانينات تقريبا. فدجن عدد من المرابطين بالزواج المختلط والتوظيف في القضاء والإدارة، وهوجمت بعض الطرق الصوفية كالرحمانية والسنوسية، وحدد لبعضها مجال نشاطها، وهو ممارسات البدع والخرافات فقط وترك التعليم كالعيساوية والعمارية، وأصبح من يرغب في إعطاء درس عليه أن يستأذن السلطة الفرنسية التي لا تسمح له، إذا سمحت، إلا بعد تحقيق وتدقيق مكثفين. كما أن تعليم الزوايا على العموم حورب وحوصر بالمدرسة الفرنسية. منذ الاحتلال حاول الفرنسيون جر الجزائريين إلى إدخال أبنائهم في مدارس فرنسية في المدن أولا. وفي المرحلة الثانية أنشاوا ثلاث مدارس إقليمية (هي

стр. 1134

التي أسميناها الشرعية - الفرنسية)، لتمتص التلاميذ الذين كانوا من قبل يتوجهون إلى الزوايا الريفية وإلى المرابطين للتعلم، أو يقصدون المعاهد الإسلامية خارج الجزائر. أما خلال المرحلة الثالثة فإن الفرنسيين، قد أنشأوا المدرسة الابتدائية الفرنسية بجوار الزوايا، وضيقوا - كما قلنا - على هذه الزوايا مجال النشاط، وفتحوا مع قادتها باب التدجين والتوظيف. وهكذا حوربت الزوايا على عدة جبهات: ١ - الأولى هدم بعضها ومصادرة أملاكها وأملاك الباقيات منها، وضم مداخيلها إلى أملاك الدولة الفرنسية، في المدن أولا ثم في الأرياف لاحقا. ٢ - الثانية إنشاء المدارس الفرنسية الابتدائية في المدن ثم الأرياف لسحب التلاميذ من الزوايا ونشر التأثير الفرنسي آزاءها. ٣ - الثالثة محاربة كبار المرابطين واستدراجهم بالوظائف والزواج المختلط، وتشجيع الدروشة والتدجيل بدل التعليم. ٤ - وأخيرا منع الزوايا من نشر التعليم العام وفرض برنامج ضيق عليها لا يتعدى تحفيظ القرآن الكريم دون تفسيره أو تعليم قواعد اللغة وأصول الدين دون فهم. وفي إحصاء يرجع إلى سنة ١٨٥١ جاء أن عدد تلاميذ الزوايا في الأرياف كان ٨.٣٤٧ متعلما، وعدد الزوايا ٥٩٣ زاوية (١). وكان برنامجها هو تعليم الفقه والنحو والتاريخ الإسلامي والأدب، الخ. ويدخلها التلاميذ الذين أنهوا المرحلة الأولى فحفظوا القرآن الكريم، وتعلموا القراءة والكتابة وبعض الحساب والمتون. ويتحدث تقرير آخر يرجع إلى سنة ١٨٤٠ عن الزوايا الريفية فيقول: في كل قبيلة أماكن مخصصة للتعليم وتكوين الطلبة، وهذه الأماكن مبنية دائما تقريبا قرب زاوية أحد المرابطين الذي اشتهر بورعه وتقاه، سواء كان

стр. 1135

حيا أو بإشراف أولاده وحفدته. ومدة الدراسة في الزاوية غير محددة، والدروس مجانية، ويعيش الطلبة والمدرسون من تبرعات القبائل المجاورة، وأحيانا يعيشون من مداخيل خاصة بالزاوية (أحباس) ترجع إلى عهود قديمة قدمها إليها أعيان الأهالي الأتقياء والمحسنون. ولا يحمل طلبة الزوايا ولا شيوخها السلاح أو يشاركوا في الحروب بين القبائل. إن دورهم هو التهدئة والإصلاح، والزاوية مكان مقدس للجميع (١). ويقوم بالتعليم عادة أحد ورثة المرابط من عائلته. وهو يقوم بوظيفة مدرس، دون أن يكون مسمى من الحكومة مثل مدرس المسجد في المدينة (٢). وكانت عائلات المرابطين حريصة على عدم ترك التعليم والتدريس يتدهور لأن ذلك يضر بسمعتها فتفقد المال الذي يتبرع به المحسنون إليها، كما تفقد تأثيرها. وكان حكام الأقاليم في الماضي يطلبون دعم المرابطين في مشاريعهم في مقابل الإعفاء من الضرائب، وقد لجأ الفرنسيون إلى هذه الوسيلة أيضا في عهود مختلفة. وقد شعر الفرنسيون بالخطر الذي أحدثه هدم زوايا المدن وتعطيلها، فقرروا تعويضها بإنشاء المدارس الإقليمية الثلاث. كما ذكرنا. يقول أحد التقارير: يجب العمل على ملء الفراغ الذي تركه (تهديم الزوايا تهديما يكاد يكون كاملا. لقد أدى ذلك إلى تعطيل كبير في الدراسات الفقهية) حتى أننا لم نجد من أين نوظف القضاة. وإذا لم نملأ نحن هذا الفراغ فسيأتي غيرنا ويقوم به كالدول المجاورة، فيأتي حينئذ من ينشر الفوضى والتعصب خارج رقابتنا،

стр. 1136

مستغلا جهل الناس). وقد رأى صاحب التقرير أنه من الأفضل إعادة تنظيم الزوايا بما يخدم المصلحة الفرنسية، وإعطاء التعليم العربي في المدن إلى معلمين مسلمين برهنوا على ولائهم. والمهم أن صاحب التقرير يعترف بأن الحكومة الفرنسية إنما أنشأت المدارس الشرعية الثلاث لملء ذلك الفراغ وتفادي الخطر الأجنبي ومحاصرة تعليم الزوايا. وبناء عليه فأنه يوجد بالبادية ٨.٠٩٢ متعلما في المرحلة المتوسطة والثانوية، و ٤٢٧ مركزا أو زاوية (١). وقد ذكرنا أن هدف مرسوم ٣٠ سبتمبر ١٨٥٠ كان جعل الزوايا الريفية التي كان يسيطر عليها في نظر الفرنسيين، (معلمون متطرفون ومتعصبون، تحت تصرفنا بالتدرج) (٢). وحين نتحدث عن الزوايا في منطقة زواوة سنعرف أن هناك نموذجا آخر للمؤسسة التعليمية، فقد كانت للزوايا هناك أراضي خاصة يحرثها الأهالي وتذهب محاصيلها إلى طلبة الزاوية، كما يدفع الأهالي عشر المحاصيل للزاوية. فالتعليم هناك مجاني، والطلبة كانوا يتناولون فيها طعامهم أيضا. وقد لاحظ البعض أن هذا النمط من الحياة هو الذي جعل العرب يهتمون بالحياة الفكرية أكثر من اهتمامهم بالأعمال اليدوية (٣). ويذهب لوروي بوليو أن الزوايا توازي المدارس الثانوية في فرنسا في وقته. وقال أنها تدرس القرآن والتفسير والفقه والحديث، وأن القضاة المسلمين كانوا يتخرجون منها، ولكن الآن (الثمانينات) أصبحوا يتخرجون من المدارس الشرعية - الفرنسية في العاصمة وتلمسان وقسنطينة، التي أصبحت مهمتها تحضير الشبان العرب لوظائف القضاء الإسلامي (٤).

стр. 1137

وفي المرحلة الثالثة حاول الفرنسيون أن يضعوا الزوايا تحت أنظارهم، كما أشرنا. فصدر مرسوم ١٨ أكتوبر ١٨٩٢ فأدمج تعليم الزوايا في المدارس الابتدائية الفرنسية. وأخضعها للمراقبة وتفتيش السلطات الأكاديمية المدنية أو المحلية (العسكرية) مثلها في ذلك مثل المدارس الإقليمية الثلاث (الشرعية). وقد اشترط المرسوم أن يكون لكل زاوية سجل تسجل فيه أسماء التلاميذ وعائلاتهم ومحل إقامتهم وتاريخ ميلادهم ألخ. بنفس ما تفعل المدارس الفرنسية. ويعترف الفرنسيون أن الزاوية عند المسلمين عندئذ تعني المكان الذي تدرس فيه اللغة العربية والقراءة والكتابة ويحفظ فيه القرآن، ويتعلم فيه التاريخ والجغرافية والفقه والفلسفة والتوحيد. وإلى جانب كونها مدرسة فهي مأوى وملجأ ومستوصف، وهي ضريح المرابط أو شيخ الطريقة ودار الضياف ومجمع الأخوان (١). ورغم ما قد يبدو من مرسوم ١٨ أكتوبر ١٨٩٢ من تسامح نحو الزوايا الباقية (وهو تسامح مقصود يدخل في سياسة كامبون نحن رجال الدين من جهة وسياسة فرنسا الإسلامية من جهة أخرى)، فإن كل الدلاثل تدل على أن الفرنسيين قد خططوا لعرقلة التعليم في الزوايا ومنافسته ووضع الشروط المضادة له وسحب التلاميذ منه وعدم التوظيف من خريجي الزوايا. وقد كانت النتيجة أن أعلن ألفريد بيل سنة ١٩٠٨ قوله (يجب ألا ننزعج من تناقص التعليم في الزوايا، ذلك أن المدرسين الرسميين بالمساجد (التنظيم الجديد) قد حلوا محل معلميها كما حلت المدارس الابتدائية والتحضيرية الفرنسية

стр. 1138

محل المكاتب (المدارس القرآنية). إن الزوايا مآلها أن تصبح للعبادة فقط ولزيارة الغرباء والإخوان، وستختفي منها المدرسة الملحقة بها بحكم انقطاع التلاميذ عنها (١). وقد انتقد بيل تعليم الزوايا نقدا مرا، وكان على حق في بعض ما جاء به، ولكنه قد بالغ في ذلك لدرجة أنه خلط بين ربطه هذا التعليم بفكر المسلمين عامة، ونظام المدرسة الفرنسية. وهو يعلم أن ذلك كان مقصودا من مقنني النظام التربوي في الجزائر منذ الأربعينات من القرن الماضي. لقد انتقد بيل تعليم الزوايا بكونه تعليما دينيا غامضا، وتعليما صوفيا يعمل على الدمج في الله كما تدعو كتب التصوف، وهو يعني الحلول، وليس كل كتب التصوف ولا كل الطرق الصوفية تدعو إلى ذلك. وانتقد طريقة تدريس مختصر الشيخ خليل القائمة على الحفظ دون الفهم، كما يحفظ القرآن، واعتبر مختصر خليل نصا غامضا، وان المعلم نفسه لا يفهمه حتى بعد الرجوع إلى شراحه، وهو يقرأه مكسورا وملحونا لأن تعليمه في النحو لم يؤهله إلى فهم النصوص وإنما حفظ القواعد فقط. وحكم بيل بأن الدراسات النحوية تسقط تدريجيا في الجزائر لأن معرفة النحو أصبحت معرفة ضحلة. فأنت يمكن أن تكون أستاذا كبيرا، ولا تعرف تطبيق النحو. وذكر أن هناك فقهاء مشاهير وهم يلحنون عندما يقرأون نصا فقهيا، والفقيه يحفظ عدة كتب في الفقه ويفهمها فهما غامضا، ويكفيه ذلك أن يكون أستاذا في الفقه بالطريقة التي أخذه هو بها. وبيل هنا يعرض بدون شك بطبقة المدرسين الذين كان يفتشهم وبطبقة المفتين الذين عينتهم فرنسا. وقال إن دراسة النحو لا تخرج عن شرح متون الآجرومية والألفية. وعلى التلميذ أن يحفظ هذه المتون عن ظهر قلب، واعتبر بيل الأستاذ مسؤولا عن ذلك لأنه لا يمرنه ولا يطبق له الدرس (٢).

стр. 1139

والواقع أن المسؤول على ذلك هو نظام التعليم نفسه، وكان نظاما مقصودا كما عرفنا، لكي تصل الدراسات العربية - الإسلامية عامة إلى هذا المستوى في فاتح هذا القرن. والغريب أنه رغم هذا النقد اللاذع، والموضوعي في بعض وجوهه، دعا بيل حكومته إلى عدم التخلص من هذا النوع من التعليم، لأن الوقت لم يحن بعد للتخلص منه في رأيه. فهو يقول أن الحكومة متسامحة مع هذا التعليم الذي تعرف أنه لا يؤدي إلى اليقظة العقلية للجزائريين. فهو تعليم ليس في صالح المجتمع المسلم. واعتبر التعليم الإسلامي كله في الجزائر (من المسيد، إلى الشريعة، إلى الزاوية، إلى المسجد) تعليما دينيا (طقوسيا Confessionnelle، وهو بهذه الصفة لا يمكن أن يطور الأفكار وحرية الرأي عند التلميذ. فالتعليم في الزوايا (والجوامع) لا يعدو، في نظر بيل، أن يكون حفظا واستظهارا، وأن الدين فيه ليس سوى طقوس وأشكال بدون قيم (١). ومع ذلك، فإن ألفريد بيل لم يكن يعرف أسرار كل هذا التعليم الذي بقي يشكل أسلوبا من أساليب المقاومة في نظرنا أمام المحاصرة التي ذكرناها. فلم يكن أمام المعلمين ولا التلاميذ من طرق أخرى سوى الاستسلام للجهل أو الفرنسة. وقد أفلت بعضهم فأكمل تعليمه في البلدان المجاورة أو في مصر. ولم يكن بعض خريجي المدارس الشرعية الفرنسية ومدرسي المساجد الرسمية بأحسن حظا في التفكير والذكاء من زملائهم في الزوايا رغم تلقيهم العلم على أمثال ألفريد بيل من المستشرقين المهرة في أسلوب التعليم الحديث! ولماذا يا ترى لم يدع بيل إلى تطوير التعليم الإسلامي بدل الدعوة للقضاء عليه وإحلال التعليم الفرنسي مكانه؟!. وفي بداية هذا القرن كثر الحديث عن (إصلاح الزوايا) وجعل تعليمها يتماشى مع التطور المنهجي والنفسي. وشارك في ذلك الحديث الجزائريون والفرنسيون. كان المطالبون بإصلاحها يريدون المحافظة على اللغة العربية والتراث الإسلامي، وأما الذين لا يطالبون بإصلاحها فهم يريدون أن تبقى

стр. 1140

كذلك إلى أن تموت تلقائيا أو يعرض الناس عن التوجه إليها استغناء عنها بالمدرسة الفرنسية. وأثناء انعقاد مؤتمر المستشرقين الرابع عشر بالجزائر سنة ١٩٠٥ رجع الحديث عن إصلاح الزوايا، فألقى المختار بن الحاج سعيد بحثا حول الموضوع وتمنى على الإدارة الفرنسية أن تنظمها تنظيما جديدا. وقد ساند الزعيم المصري محمد فريد الذي حضر المؤتمر دعوة زميله الجزائري للأصلاح وأخبر أن مصر قد أصلحت الكتاب (الزاوية) بعد تردد طويل، وأن التعليم فيه أصبح أوربيا تقريبا وأنه أعطى نتائج ممتازة. وتمنى أيضا على الإدارة الفرنسية في الجزائر أن تتبع طريقة مصر في هذا الإصلاح. ولكن الوفد الفرنسي في المؤتمر لم يرقه هذا الكلام. فتحدث السيد فوليه Vollers، وانتقد القرآن واللغة العربية بطريقة جرحت مشاعر المسلمين الحاضرين مما استوجب الرد عليه من طرف المختار بن الحاج سعيد ومن عبد العزيز جاويش عضو الوفد المصري. وقد تدخل السيد برودو Brudo من الوفد الفرنسي وانتقد رأي محمد فريد (في غيابه) وقال أن الأهالي (الجزائريين) لا يحتاجون اللغة العربية لأنهم يتكلمونها منذ طفولتهم، ولكنهم يحتاجون اللغة الفرنسية التي يجهلونها، وهي أكثر فائدة لهم (١). ومعنى ذلك هو الدعوة إلى إبقاء تعليم الزوايا على ما هو عليه وعدم إصلاحه لأن في إصلاحه تطويرا للغة العربية وبرنامجها. واستمرت الدعوة لإصلاح التعليم في الزوايا أو بالأحرى نقد تعليمها إلى أن ظهرت المدارس الحرة الحديثة على يد بعض الرواد الذين سنذكرهم. وهذا الشيخ أبو يعلي قد كتب في ذلك وهو في المشرق - خلال الحرب العالمية الأولى - وقارن بين المدة التي يقضيها الطفل في زاوية وفي مدرسة فرنسية فوجد أن التلميذ يخرج جاهلا من الأولى ومتعلما من الثانية، وأنه قد

стр. 1141

ضيع وقته في الأولى ولكنه استفاد من الثانية. واقترح مراحل للتعليم بين ٧ - ١٢ سنة وبين هذه و ١٨ سنة. كما اقترح مجموعة من الكتب والبرامج، ولكن معظم الكتب المقترحة كانت هي المعروفة في المدارس التقليدية. أما المواد فهي لا تخرج عن التقليدية أيضا (نحو وصرف وفقه وتوحيد وبلاغة) ولكنه أضاف إليها مادة السياسة والجغرافية والتاريخ والإنشاء، وكذلك طالب الشيخ أبو يعلى بحسن إدارة التعليم في الزاوية على غرار إدارة المدرسة الفرنسية، وإدخال التفتيش والمراقبة التربوية (١). وسنجد اقتراح أبي يعلى في مدارس جمعية العلماء بعد حوالي عقدين. ولنتتبع الآن الزوايا التي لم تهدم ومواد تعليمها وأسلوبها، وسنعالج ذلك منطقة منطقة، حسب توفر المادة، مع ملاحظة أن الباقي من زوايا المدن لم يعد يؤدي دوره، ولذلك فاهتمامنا سيكون بزوايا الريف أو البادية، وهي غالبا قد انحصرت في منطقة زواوة ومنطقة الجنوب وبعض المراكز في النواحي الغربية والشرقية. - زوايا زواوة: اشتهرت هذه المنطقة بكثرة الزوايا التعليمية حتى وصلت عند البعض إلى ٤٢ زاوية (٢). وانتشرت الزوايا بالخصوص في سهل وادي بو مسعود (الصومام) وفي النواحي المجاورة. ولم يقتصر إنشاء الزوايا التعليمية على أهل الطرق الصوفية أو على المرابطين، كما قد يتبادر إلى الذهن، بل أن بعض الأعيان من الفئات الاجتماعية الأخرى أنشأت الزوايا أيضا لنشر العلم والمحافظة على الدين والقرآن. وقد لاحظ البعض أن الطريقة الرحمانية قد

стр. 1142

نشرت بدورها هناك هذه الظاهرة، بعد الاحتلال الفرنسي، وكلما تقدم العدو نحو زواوة كلما كثر الأخوان وأقيمت الزوايا كحصون للعلم والجهاد. وهذا يذكرنا بدور الزوايا في الزمن القديم، والرباط هو أصلها، كما عرفنا. إن بعض الجاهلين قد اعتقدوا أن الزوايا في زواوة قد أنشأها المرابطون وهم من العرب. وأخذوا يوسعون في هذا القول ويبنون عليه استنتاجات باطلة، منها التبعيد بين المواطنين والمرابطين من جهة، وبين تعليم الزوايا وتعليم المدارس الفرنسية من جهة أخرى، ولو كان النقد بريئا لقبلناه لأن كل المجتمعات فيها ظاهرة الطبقية وتحديد العلاقات على أسس اقتصادية واجتماعية، وقد عرفت فرنسا نفسها هذه الطبقية حتى غصت بها، وعرفتها الشعوب المتحضرة كالإغريق والمصريين والرومان والهنود والصينيين. والجزائريون (ومنهم أهل زواوة) ليسوا بدعا في ذلك. وعلاقات المرابطين مع المواطنين كانت نمطا من العيش تقبله الجميع وعاش في ظله الجميع يكملون بعضهم البعض ولم يفرض بحروب ولا بطغيان واستبداد. وعندما أذن داعي التغيير استجاب له الجميع أيضا دون مقاومات ولا ثورات كالتي عرفتها الشعوب (المتحضرة). ومع ذلك فقد أثبت الباحثون الفرنسيون أنفسهم أن المرابطين لم يكونوا كلهم من (العرب)، بل كان أغلبهم من المستعربين البربر الذين أخذتهم الغيرة على الدين الإسلامي ولغة القرآن فانشأوا لذلك الزوايا ونظاما تعليميا دقيقا تعجز عنه في وقته بعض الوزارات في البلدان الأخرى. وهو نظام لم يكن فوق النقد طبعا في عصرنا الحاضر، كما سنرى. فهذا هانوتو ولوترنو توصلا إلى أن المرابطين كانوا من كل (الأعراق)، وتوصلا كذلك إلى أن منهم من كان تركي الأصل ومن كان زنجيا، ومن كان غير ذلك. وقد نفيا ما ادعاه الجنرال دوماس E.Dumas من أن أصل المرابطين في زواوة أندلسي، وكذلك ما ادعاه بعضهم من أن أصلهم من الأشراف، ونحن لا يهمنا الآن هذا كثيرا، لأن المواطنين الصالحين يعرفون الحقيقة دون الرجوع إلى الباحثين الفرنسيين ليدلوهم عن المرابطين ودورهم الإيجابي أو السلبي في

стр. 1143

المنطقة. وسواء قلنا أنهم أصلا من الجزائر أو من الأندلس (وضمن الأندلسيين جزائريون كثيرون أيضا) أو من افريقية أو من الساقية الحمراء، فإن ذلك لا يجعلهم أجانب حلوا بين قوم آخرين في عصر الوحدة الإسلامية والاندماج الحضاري والعرقي. فالزوايا التعليمية حينئذ يجب النظر إليها على أنها مشروع اجتماعي جماعي اشترك فيه كل السكان وافتخروا به وساهموا في تمويله والسهر عليه، ثم وزعوا بينهم الأدوار، فكان هناك دور للجماعة (بالمعنى الإداري القديم) ودور لأهل القرية، ودور للمرابط وآخر للمعلم، ودور للأسرة، وهكذا. إنه مشروع حضاري بمعنى الكلمة. وقد شهد الباحثون الأجانب على أن سكان كل قرية كانوا يتنافسون على أن تكون زاويتهم أجمل الزوايا وأنظفها وأكثرها بياضا واتساعا، وكانوا يكرمون الضيوف ويطعمون الطلبة الغرباء بدون من ولا أذى، ويتبرعون للزوايا بسخاء دون جبر أو سلطة أو وعيد (١). تسمى الزاوية (معمرة) في منطقة زواوة. وهناك معمرات القرآن ومعمرات الفقه، كما سنذكر. ويرجع بعضها إلى تواريخ قديمة مثل زاوية اليلولي وزاوية ابن إدريس، وزاوية شلاطة وزاوية تيزي راشد. ويرجع بعضها إلى العهد الفرنسي فقط. ونحن هنا إنما نتكلم على الزوايا (المعمرات) التي اهتمت بالتعليم وليس بالتصوف وحده. زاوية شلاطة (آقبو): زاوية (معمرة) شلاطة اشتهرت أيضا باسم زاوية ابن علي الشريف، وزاوية آقبو. وهي من أقدم وأشهر الزوايا العلمية في المنطقة. وقد تحدثنا عنها في جزء سابق. ونشير فقط إلى أنها فقدت بالتدرج مكانتها العلمية في العهد الفرنسي، نظرا لقبول رئيسها عندئذ، محمد السعيد بن علي الشريف، الوظيف الرسمي من الفرنسيين، فقد قلده بوجو منصب باشاغا، وكان ما يزال شابا فوقع في غرام فرنسا، إذا صح التعبير. ونسي حقوق الزاوية وتاريخ أبيه

стр. 1144

وجده، وكان وبالا على سمعة الزاوية والعلم، مهما قيل بأنه قد خدمها بقبوله الوظيف. وقد لعب أثناء عهده الطويل أدوارا مزدوجة، سيما أثناء ثورة ١٨٧١. وكان يمكنه أن يظل بعيدا عن السياسة، كما فعل بعض المرابطين المعاصرين له. كان ابن علي الشريف من رجال الزوايا الأوائل الذين تقلدوا الوظائف الرسمية مضحين بالدين والعلم. وقد أصبح مثلا لمن جاء بعده. ومع ذلك بقيت الزاوية تؤدي مهمة التعليم في العهد الفرنسي، وقد يقال أن وظيفة صاحبها قد حمت معلميها وطلابها من شر الإدارة الفرنسية، أحيانا. وقد درس فيها عدد من العلماء وعلى رأسهم الشيخ محمد البشير الإبراهيمي قبل هجرته إلى المشرق. وهناك مصادر عديدة تتحدث عن هذه الزاوية ومؤسسيها، من ذلك كتاب (طراز الخياطة) لمحمد العربي بن مصباح (١)، ودائرة معارف البستاني وتقويم الشيخ كحول، وتعريف الخلف لأبي القاسم الحفناوي، وفهرس الفهارس للكتاني، ومرابطون وإخوان للويس رين، وهانوتو ولوتورنو، وغير هؤلاء. وكان لها تأثير كبير في كل وادي الساحل (٢)، ولا سيما أعراش ايلولا أوسامر، وشلاطة، وايغرام، وازلاقن، ثم عرش بني عيدل، وصدوق وعمالو، وبو حمزة وتموقرة، الخ. لم يستطع صاحب تعريف الخلف أن يكتب ترجمة وافية لابن علي الشريف رغم طلبه معلومات عنه من الزاوية نفسها، فاكتفى بما يعلم عنها من الناس ومن مراسلات والده مع الباشاغا محمد السعيد بن علي الشريف. فقال أن هذا من مواليد ١٨٢٠ (١٢٣٨) فيكون عمره عندما ولاه بوجو هذا المنصب (١٨٤٤) حوالي ٢٤ سنة. وقد استغل هذا الداهية الفرنسي سمعة الزاوية رغم أن الشاب في حد ذاته لم يقنعه منظره، على ما يبدو، وينسب الحفناوي هذه العائلة إلى الشرف، ومع ذلك يذكر الفرنسيون أن ابن علي

стр. 1145

الشريف لم يستطع أن يثبت ذلك أثناء عملية تتعلق بالميراث (١)، ونحن لا يهمنا ذلك هنا، ولكنه يدل أيضا على أن المرابطين ليسوا كلهم دائما من الأشراف الذين يمكنهم إثبات النسب الحقيقي. استطونت عائلة ابن علي الشريف يلولة، وكان جده الأعلى هو الشريف سيدي موسى، ويقول الحفناوي أنه ينتهي إلى الشيخ عبد السلام بن مشيش الحسني، شيخ أبي الحسن الشاذلي مؤسس الطريقة الشاذلية. وبعد أن تزوج الشيخ الشريف سيدي موسى أسس زاوية بشلاطة وهي التي نتحدث عنها. وإذا كان لكل زاوية مادة علمية أو تخصص تشتهر به بين الناس، فإن زاوية شلاطة قد عرفت بالقرآن حفظا وقراءة وتفسيرا. توفي الشيخ (الباشاغا) ابن علي الشريف، سنة ١٣١٤ (١٨٩٦) وخلفه في الوظيف الرسمي وفي الزاوية ابنه الشريف بن علي الشريف، ويستعمل الحفناوي عبارة الظاهر والباطن في ميراث ابن علي الشريف. وهو يعني بذلك الوظيفة الرسمية والبركة الصوفية. ولكننا لا نعتقد أن هناك (بركة) فيمن تولى للفرنسيين حركة، إنما هي الدنيا وما فيها والطموح وما يؤدي إليه، والجهل أنواع وطبقات. ويخبرنا الحفناوي أن الوريث (ابن علي الشريف) كان محترما عند الدولة الفرنسية وأنه كانت له محبة في العلماء والطلبة، وكان مهتما بعمارة زاوية آبائه، وهذا هو الذي يعنينا هنا، لأن الحفناوي كان يكتب أوائل هذا القرن (٢). أما عبد الحي الكتاني فيقول عن زاوية شلاطة أنها كانت (أم الزوايا العلمية) وكانت مدرسة لعلوم الدين والفلك والحساب والنحو في زواوة

стр. 1146

وغيرها. وعن مشائخ هذه الزاوية أخذ الكتاني بعض الأسانيد في الحديث وغيره، ومنهم محمد السعيد الزواوي المتوفى سنة ٢٤٦ ١ (١٨٣٠) الذي يروى الكتاني عنه غالبا، بواسطة المكي بن عزوز ومحمد بن عبد الرحمن الديسي اللذين يرويان عن محمد بن بلقاسم الهاملي (زاوية الهامل). ومن شيوخ الديسي دحمان بن السنوسي بن الفضيل الديسي، الذي أخذ عن محمد بن السعيد الزواوي السند الفقهي، وكان الشيخ دحمان رجلا معمرا وكان مدرس زاوية الديس وعالمها، وعنه أخذ الشيخ محمد بن عبد الرحمن. وهكذا يتصل الشيخ الكتاني بعلماء زاوية شلاطة بطرق مختلفة (١). زوايا ثيزي راشد وابن إدريس واليلولي: ومن الزوايا القديمة التي كان لها دور رئيسي ثم انتهى بفعل التسلط الأجنبي، زاوية ثيزي راشد، وتسمى أيضا زاوية الشيخ الحسين بن أعراب. ولكن هذه الزاوية الهامة هدمت أثناء ثورة ١٨٧١، وبذلك فقدت أهميتها. وكانت من الزوايا التعليمية الشهيرة خلال العهد العئماني والعهد الفرنسي الأول. وقد تعرضنا إليها في غير هذا الجزء. وكان الشيخ ابن أعراب قد أسسها في قرية ايشرعيون (مكان الأربعاء بني راثن الحالي) من قبل، وهي من الزوايا التي ذكرها الشيخ الحسين الورتلاني في رحلته. والشيخ الحسين بن اعراب من أهل القرن الثاني عشر الهجري (١٨). وكان قد أخذ العلم في مسقط رأسه ثم رحل من أجله إلى مصر، فدرس على مشائخ منهم الخرشي شارح مختصر الشيخ خليل. ولذلك قيل أن الشيخ اعراب هو أول من أدخل شرح الخرشي إلى الجزائر واهتم بالدراسة الفقهية. وكان التلاميذ هناك يقرأون ويحفظون متن الشيخ خليل في السنة الأولى ثم المتن والشرح في السنة الثانية، ثم إعادة المتن والشرح في السنة الثالثة، ويسمى التلميذ في هذه السنة (معاود). وفي السنة الرابعة (مسبق) لأنه أصبح يدرس بدوره للطلبة. وهناك طقوس وممارسات خاصة بالزاوية لكي يتخرج

стр. 1147

منها التلميذ في هذا التخصص (١). وقد أخذ بطريقة الشيخ أعراب في تدريس الفقه محمد بن بلقاسم البوجليلي الذي سيرد الحديث عنه، ولكنه خالفها بعد ذلك اجتهادا منه. وممن أخذ عن ابن اعراب، محمد بن عبد الرحمن الأزهري، مؤسس الطريقة الرحمانية. وقيل أنه هو الذي وجهه للدراسة بمصر حيث أخذ (الأزهري) الطريقة الخلوتية. ومن تلاميذ الشيخ اعراب أيضا السيعد بن أبي داود مؤسس الزاوية المعروفة باسمه في تاسلنت (آقبو)، وقد بقيت زاوية ابن أبي داود هذه محافظة على طريقة ابن اعراب. ومن تلاميذه أيضا عمر السحنوني الذي نال منه إجازة في التوحيد، وقيل أن عمر السحنوني قد استشهد في ثورة ١٨٧١. ولا شك أن لابن اعراب تلاميذ آخرين. وكانت له شهرة واسعة في عهده، سيما في منطقة زواوة. ومن حسن الحظ أن زاويته ومقامه قد أعيد بناؤهما بثيزي راشد في عهد الاستقلال. وقد زرت هذا المكان لسنوات خلت. وكذلك عانت زاوية الشيخ محمد (امحند) الحاج التي كانت تقع في قرية (باجو) ببني وغليس، وكانت من أولى الزوايا التي تعرضت للضرر البالغ. وزاوية سيدي الحاج احساين (حسين) بسمعون بني وغليس قد تعرضت أيضا للأذى. ويرجع الشيخ صالح السمعوني إلى هذه العائلة. وهو الذي هاجر إلى المشرق هروبا من الاحتلال الفرنسي قبل منتصف القرن الماضي. وفي دمشق ولد له ولده الشيخ طاهر السمعوني المعروف بالجزائري. وقيل أن الفرنسيين سألوا عن عائلة الشيخ طاهر بعد انتشار شهرته في المشرق فوجدوا أنه من فرع (آل الشيخ) الذي انقرض الآن من الجزائر حسب بعض المصادر (٢). ونحن الآن لا ندرس الزوايا التعليمية حسب الترتيب الزمني. ولو كان

стр. 1148

الأمر كذلك لكان من أوائلها ربما زاوية أحمد بن إدريس. وزاوية عبد الرحمن اليلولي. فقد كانت شهرتهما واسعة في المنطقة ولكن لكل منهما دوره الخاص. ولنتحدث عن الأولى منهما بعض الحديث. يصف أهل زواوة طلبة زاوية ابن ادريس (١) بالصعاليك أو الأعراب لخشونتهم وخوف الناس منهم. ويعتبرهم البعض من الأشقياء والظلمة الذين تجاوزوا الحدود الشرعية في التعدي والمصادمات. ويبدو أن هناك بعض المبالغات التي تولدت عن عهد الاحتلال. وزاوية أحمد بن إدريس اليوم تقع في دائرة عزازقة ولاية تيزي وزو. وقد ذكرها الرحالة، ووصفوا طبيعتها وطبيعة تلاميذها. ومن الذين فصلوا القول في ذلك هانوتو ولوتورنو اللذان رويا عن أهل المنطقة وشيوخها. ومما جاء عنهما في ذلك أن هذه الزاوية اشتهرت في كل الجزائر بعادات تلاميذها الغريبة. وهي من الزوايا المستقلة تماما عن كل الزوايا الأخرى. والعادة المشار إليها قديمة قدم مؤسسها الشيخ أحمد بن إدريس الذي كان من العلماء، وهي جعل التلاميذ فرقا من الصعاليك يجلبون المال وغيره من السكان لفائدة الزاوية ولو باستعمال العنف. وكان الشيخ بالطبع يستفيد هو شخصيا من ذلك. وهي تقع في يلولة، قرب قرية آيت علي أو محمد. وتنتسب إلى عائلة زواوية (قبائلية) هي عائلة آل أواقوان، وهي العائلة التي أورثها الشيخ أحمد بن إدريس نفسه اعترافا بخدماتها له. ويتساءل هانوتو ولوتورنو ما إذا كان للأصل غير الديني لهذه الوراثة أثر على ظهور المستغلين، في دعواهما. رغم أن هؤلاء هم أيضا من المرابطين، إذ لا يقبل أي تلميذ في زاوية ابن ادريس ما لم يكن ينتمي إلى أهل الدين. وتلاميذ زاوية ابن ادريس صنفان: طلبة اللوحة وطلبة الدبوز. أما طلبة اللوحة فهم كغيرهم من تلاميذ الزوايا أو المعمرات في المنطقة، وأما غيرهم فيسمون طلبه الدبوز أو الهراوة، وهؤلاء لا يهتمون بالكتب والدراسة، وإنما

стр. 1149

هم فرق من المشاغبين والصعاليك الذين يعملون على جلب الموارد للزاوية. وإاذا وقع سوء تفاهم بينهم تتدخل عائلة أواقوان للإصلاح. أما تسيير شؤون الزاوية - زاوية ابن إدريس - فكان كغيره من الزوايا. فهناك المقدم، والوكيل، والشيخ، وكان لفرقة الصعاليك مقدمهم ووكيلهم الخاص أيضا. وهم لا يمارسون هذه الإدارة والانضباط إلا خارج الزاوية. والمطبخ في الزاوية واحد للجميع. وكل التلاميذ كانوا يتناولون الطعام في الزاوية، غير أن المتزوجين منهم لا يبيتون فيها. كما أن فرقة الصعاليك لا تنام أيضا في الزاوية إلا نادرا، بل كان لها مكانها الخاص في المبيت. وكان رسم الدخول للزاوية واحدا للجميع أيضا، وهو ما يعادل ٢٥ فرنك، في الستينات من القرن الماضي. ويقول هانوتو ولوتورنو أنه منذ الاحتلال سنة ١٨٥٧ اختفى الصعاليك من زاوية أحمد بن إدريس وبقي فقط الطلبة العاديون، مثل كل الزوايا الأخرى (١). ونحن نعلم من جهة أخرى أن فرقة الصعاليك المذكورة لعبت دورا رئيسيا في مقاومة الغزو الفرنسي للمنطقة باعتبارها من الفرق المسلحة المتدربة على القتال ولها خبرة في الميدان. وقد ألحق المؤلفان المذكوران زواية الأحد (ثيزي طلبة الأحد) بزاوية أحمد بن إدريس في الممارسات غير المعروفة للزوايا الأخرى، وهي الصعلكة. وكانت تقع في بني راثن، ولها فرقة من طلبة الدبوز، حسب التعبير المحلي، بالإضافة إلى طلبة اللوح. ويزعم المؤلفان الفرنسيان أن هذا النشاط غير العادي قد توقف بعد هدم الزاوية ومطاردة الصعاليك من آل ايراثن وحلفائهم آل أومالو لتعرض الصعاليك لعناية قبيلة آل فراوسن (٢). وكانت زاوية ابن إدريس متخصصة في القرآن الكريم، كما كانت زاوية عبد الرحمن اليلولي القريبة منها. وسنذكر نوعية الدراسة في هذه الزوايا القرآنية. واليلولي هو عبد الرحمن بن يسعد المصباحي. روى عن شيخه

стр. 1150

محمد السعدي البهلولي المدفون بزاويته خارج مدينة دلس. ولم تكن للشيخ اليلولي ذرية. وتوفي سنة ١١٠٥ (١٦٩١). وكان مشهورا في وقته بالقراءات السبع والعشر. وقد رسخ هذا النوع من الدراسات حتى كان من لم يقرأ القرآن في زاويته وبطريقته لا يعد عالما بالقراءات والرسم القرآني. وبناء عليه بعض الباحثين والعارفين أمثال محمد السعيد بن زكري الذي درس في زاوية طيلولي، أن هذه الزاوية قد بقيت إلى ١٢٦٣ (١٨٤٧) متخصصة في علم القراءات، ثم أدخل المسؤولون عنها علوما أخرى. أما الفقه الذي تخصصت فيه بعض الزوايا الأخرى، فكان على الطالب أن يحصل عليه بإجازة أو نحوها قبل دخول زاوية اليلولي (١). وما دام الشيخ اليلولي قد توفي بدون عقب ولا وارث فإن زاويته قد بقيت ملكا للتلاميذ يسيرونها جيلا بعد جيل في نظام إداري اجتماعي دقيق، فهي حسب تعبير البعض (جمهورية الطلبة)، فهم الذين يختارون رؤساء الزاوية وأساتذتها، وهم الذين يديرون أملاكها، ويحكمونها بدون رقابة ولا وصاية عليهم من أحد. وكان هذا النوع من التسيير قد ساهم في ازدهار الزاوية وجعل الناس يرغبون في التبرع لها ودعمها، فقد كانت مثلا أعلى في الإدارة والانضباط والغيرة على أداء الواجب. وقد أثارت إعجاب من لم يتعودوا على هذه الظاهرة. وحين زارها هانوتو ولوتورنو سنة ١٨٦٢، أي بعد احتلال الناحية بخمس سنوات، وجدا فيها بين ٧٠ و ٨٠ تلميذا يتلقون العلم. وكان يسودها النظام التام، حسب تعبيرهما. ولم يكن من السهل على التلاميذ الدخول إليها إذ كانت (الجماعة) المسؤولة عنها تتصعب في قبول التلاميذ وتضع شروطا صارمة (٢). وباعتبارها معمرة (زاوية) قرآن، فإن

стр. 1151

برنامجها هو برنامج كل الزوايا المتخصصة في ذلك. ولعلها كانت هي النموذج المحتذى، وقد كسفت زاوية اليلولي بعد ثورة ١٨٧١ وعطلت كما عطلت زوايا أخرى عديدة. ثم عادت إليها الحياة بعد الاستقلال فأصبحت معهدا دينيا معتبرا، وقد زرتها كما زرت زاوية أحمد بن إدريس. وبقرية إيمولا، بلدية صدوق، كانت زاوية سيدي الشيخ الموهوب المسماة زاوية شريف ايمولا، وهي أيضا من الزوايا التعليمية في المنطقة. وكان الشيخ المولود بن الموهوب متخرجا من هذه الزاوية، ولكنه من الفرع الذي سكن جبال البابور، ثم انتقل إلى قسنطينة. وكانت زاوية سيدي الموهوب هذه قد عارضت كما قيل، دعوة الجهاد التي دعا بها الشيخ محمد امزيان الحداد سنة ١٨٧١ (١). ومن الزوايا الشهيرة في المنطقة، زاوية (معمرة) سيدي منصور. وهي تقع في بلدية بني منصور عندئذ، دائرة عزازقة. ويشرف على الزاوية بنو جناد. وسيدي منصور هذا رجل يظن أنه من المرابطين جاء إلى زواوة ونزل قرية (آيت حيالي) الواقعة قرب شلاطة، ثم انتقل إلى ايعكورن. وهناك بنوا له مقاما ما يزال موجودا. ولم يستقر به الحال هناك أيضا فانتقل لأسباب مجهولة إلى بني جناد ونزل عند آل الهامل، وهم قبيلة كبيرة. فاشتهر أمره وبنى زاوية تيميزار، وتوفي فيها دون عقب. ويقوم بنو منيع القاطنون في وطن حمزة (البويرة) بشؤون هذه الزاوية، وبنو جناد، ومنهم آل الهامل الذين ساندوا سيدي منصور هم الذين ظلوا يشرفون على زاويته. وقد وقع الخلاف حول من يقوم بأمر الزاوية، فتدخل الشيخ محمد وعلي السحنوني فعين تلميذه محمد السعيد آيت يوسف الجنادي لهذه المهقة ودعمه بتزويجه من أسرة (أوقاسي) أمراء عمراوة، وهم من بني حماد. ولا ندري ما كان موقف بني منيع من ذلك. وقد ترك الجنادي المذكور ولدا اسمه أحمد، درس في

стр. 1152

زاوية اليلولي ثم بزاوية البوجليلي. ومن بني جناد ظهر الشيخ الشريف محمد الطاهر الجنادي، الذي انتقل من بني منصور إلى زاوية اليلولي لدراسة القرآن والقراءات. وقد اعتبرت زاوية سيدي منصور من صنف زاوية اليلولي في الاهتمام بالقرآن الكريم. ومن زاوية سيدي اليلولي انتقل الجنادي إلى تونس حيث أصبح من المعلمين الخاصين لأحد أولاد الأمراء، ثم توظف في الحكومة التونسية. وقال عنه الشيخ محمد السعيد بن زكري أنه بذل جهذه في اتقان العلوم العربية والرواية وصناعة التدريس بأساليب جيدة وحديثة. وقد أثر في تلاميذه بزاوية اليلولي أيضا حتى كان منهم من يرث طريقته جيلا بعد جيل. وكانت هجرة الجنادي إلى تونس حوالي ١٢٨٢ (١٨٦٦) ولا ندري متى توفي بها (١). وقد لعبت الزاوية والقائمون عليها وأصهارهم آل أوقاسي، دورا هاما في ثورة ١٨٧١. وقد أصبحت بلدية بني منصور نفسها عبارة عن خلية من الزوايا والقباب إلى بداية هذا القرن. ويذهب أحد الفرنسيين الذين عملوا طويلا في هذه البلدية إلى أن المرابطين والمرابطات لهم قداسة خاصة في الناحية، تبنى لهم زوايا وقباب أثناء حياتهم أو بعيد وفاتهم، وتصبح مزارات ومدارس مخصصة للدين والتعليم. وذكر من النسوة الشهيرات لاله خديجة التي يحترمها النساء والرجال على السواء. وفي كل قرية من قرى بني منصور دار للجماعة، يشترك فيها الجميع وتستعمل مركزا للدين ومدرسة للتعليم. ويقوم (الطلبة) والأيمة بتعليم القرآن وأداء الصلوات مقابل أجور متواضعة من السكان. وفي كل دوار زاوية للطلبة وتعليم للأطفال. وفي بني حمدان (بنو ماني) يتعلم التلاميذ القرآن والفقه والتوحيد. وفي بوايلفان زاوية يتردد عليها التلاميذ. وفي قرية الشرفة (من نسل سيدي عمر الشريف من نواحي يسر) حوالي ٥٠ طالبا يتعلمون القرآن. وزاوية أولاد سيدي الهادي التي كان بها حوالي ١٥ تلميذا. ولكن الكثير من التلاميذ أخذوا يختفون، وتحولت الدراسات في

стр. 1153

الزوايا إلى حفظ القرآن فقط. كما تحولت القباب إلى مزارات للزردات والاحتقال. ففي هذه الناحية (بنو منصور) قبة سيدي حمو عبد الرحمن، وهو من أولاد سيدي إبراهيم بو بكر. وقبة سيدي عمر الشريف بالشرفة، وكان يعلم القرآن في سلولا - أومالو، وله تأثير على أهل بجاية. ولمشاركة الشرفة في ثورة بو بغلة ١٨٥١ وثورة المقراني ١٨٧١ أصبحت الزاوية مهملة ولم يبق النشاط إلا للقبة. ثم قبة سيدي علي بن التومي بقرية أولاد إبراهيم في مشدالة. وقبة أخرى للاله خديجة، وهي واقعة في تراب بلبازة، وقيل بأنها كانت تذهب شتاء للتعبد في قمة جرجرة، ثم تأتي إلى مشدالة لتعيش اجتماعيا. وهناك أساطير كثيرة عن هذه السيدة. وإضافة إلى ذلك هناك قبة سيدي عيسى بن رحمون التي يشرف عليها أهل السبخة الرحمانيون. وهي قبة قديمة يأتيها الزوار من البرج وسطيف والسور، الخ. وكان زوارها يقدرون بالآلاف. ولا يعني هذا العناية بالتعليم والقرآن ولكن بالولاية والدروشة. وقد قدر الفرنسيون أن عدد زوارها سنة ١٨٩٢ قد بلغ ٤.٩٥٠، ومصاريفهم ٥٠ ك! أفرنك. وفي سنة ١٨٩٣ بلغ الزوار ٤.٨٠٠ والمصروف ٨٠٠ ف. وفي أهل القصر قبة سيدي أحمد بن سليمان بو خروبة. وكان أهل القصر قد حاربوا مع الأمير عبد القادر. وعاش سيدي علي بوناب في ذراع الميزان وأسس زاوية في بني كوفي. وقد بنى أهل اقوني قبة لسيدي محمد بن الحاج وهم يذهبون إلى أنهم من نسل هذا المرابط. ومعظم أهل بني منصور من أتباع الطريقة الرحمانية. وقد حاول الفرنسيون القضاء على نفوذ هذه الطريقة، كما عرفنا. وهم بالطبع لا يعترفون إلا بمن ربط مصيره بمصيرهم، ولم يعد له نفوذ في المنطقة، حتى أن المؤلف الذي أخذنا منه هذه الأفكار يذهب إلى أنه لم يعد هناك شخصية دينية أو سياسية ملحوظة في بني منصور. وذكر لنا اثنين قال أنهما من

стр. 1154

الأشراف، أحدهما سي محمد صالح بن شيبان الذي قال إنه حارب مع قومه في صفوف الفرنسيين سنة ١٨٧١، والثاني سي علي بن الهادي حفيد مؤسس زاوية بني كاني KANI. وكان سي علي هذا قد عمل في فرقة الفرسان تحت الضابط بوبريطر من ١٨٤٩ - ١٨٦٠، ثم عمل شاوشا في المكتب العربي ببني منصور، وحارب في صفوف الفرنسيين سنوات ١٨٥٠ - ١٨٥٢، ثم ١٨٥٧، ضد بو بغلة وفاطمة نسومر. وعانى سي علي بن الهادي سنة ١٨٧١ من حصار الرحمانيين لبني منصور، ولهذه الخدمات حصل على ميدالية ذهبية سنة ١٨٨٦، ثم سمى (عونا أهليا) في البلدية، ونال على هذه الوظيفة صليب الفروسية. ولعل موقف هذا المرابط المتعاون يكذب المقولة التي تقول أن كل المرابطين أعداء لفرنسا (١). زاوية ابن أبي داود: مؤسسها الأول هو سليمان بن داود بن موسى بن عبد الله. أسس سليمان الزاوية في جبل بني سلام (آقبو) وظل هناك إلى أن توفي. ويبدو أن ذلك كان في نهاية القرن الثامن الهجري. ونزح بعض أولاده الذين عرفوا باسم أولاد أبي داود، إلى عوينة الشيخ حيث أسسوا أيضا زاوية، وبنوا قربها قرية باسمها (أولاد أبي داود)، ثم نقلوا الزاوية إلى (أقلميم). وسلسلة نسبهم الشريف محفوظة عندهم (٢). واشتهرت هذه الزاوية في عهد الشيخ السعيد بن عبد الرحمن بن أبي داود في القرن ١٢ هـ. وهو الذي أخذ الفقه عن الشيخ الحسين بن أعراب المتقدم. وقد عاش السعيد يتيما، فتولاه تلامذة والده، كما تولاه محمد بن عبد الرحمن الأزهري فعلمه الطريقة الرحمانية. وقد تمهر الشيخ السعيد بالإضافة إلى الفقه، في علم النحو حتى ألف فيه، ربما لتلاميذه، وكان يقرض الشعر، وله مدائح نبوية باللغة البربرية

стр. 1155

أيضا. ولا يذكر المترجمون تاريخ ميلاده، ولذلك يمكن القول أنه كان ما يزال حيا عند الاحتلال. ويذهب صاحب (تعريف الخلف) إلى أن الشيخ السعيد قد توفي سنة ١٢٥٦ (١٨٤٠). وأنه بقي نحو ٥٠ سنة في التدريس، كما تخرج على يديه طلبة كثيرون (حوالي ٦٠٠). وكان حفيده محمد الطيب (المولود سنة ١٢٤٨/ ١٨٣٢) من الذين ازدهرت في عهدهم الزاوية رغم ما عرفته المنطقة من تطورات أثناء الغزو الفرنسي. وقيل أن عمه أحمد بن أبي داود بدأ التدريس وعمره عشرون سنة، وظل فيه ٢٥ سنة، وتخرج عليه حوالي ٣٥٣ طالبا. ومن تلاميذ هذه الزاوية، الشيخ محمد بن بلقاسم الهاملي، وأبو القاسم الحفناوي، صاحب (تعريف الخلف). وقد نوه الحفناوي بزاوية ابن أبي داود واعتبرها (أم الزوايا العلمية) مدى ثلاثة قرون. منها انتشر الفقه والنحو والفلك والحساب في بلاد زواوة - إلى قسنطينة شرقا والأغواط جنوبا والمدية غربا (١). كان للزاوية فرعان: فرع سيدي أبي التقى ببرج بوعريريج. وهو الذي درس فيه الشيخ محمد بن بلقاسم الهاملي. والفرع الثاني في الدريعات بالمسيلة. أما الزاوية الأصلية فكانت في تاسلنت (آقبو). وكانت قد اشتهرت في دراسة الفقه، كما اشتهرت زاوية شلاطة بالقرآن. وقد أصبح شائعا بين طلبة العلم في القرن الماضي أن من لم يدرس القرآن في زاوية شلاطة والفقه في زاوية تاسلنت فليس بعالم. وقيل إن زواية ابن أبي داود ظلت محافظة على طريقة ابن اعراب في تدريس الفقه، سيما مختصر الشيخ خليل بشرح الخرشي، إلى ١٩٥٧ حين خرب الفرنسيون هذه الزاوية (٢). ولكن الزاوية وفرعيها كانت تدرس أيضا فنونا أخرى بالإضافة إلى الفقه. فهي تدرس أصول الدين والتفسير والحديث والتوحيد والمنطق، والنحو والبيان، والفلك والحساب، وتجويد القرآن ورسمه. وتنتهي الدراسة

стр. 1156

فيها بمنح الإجازة. أما الوظائف الأخرى للزاوية فمعروفة إذ لا تكاد تختلف عن الزوايا الأخرى في ذلك، ومنها فض الخصومات، وإصدار الأحكام في النوازل والفتاوى، وتوضيح تعاليم الدين للعامة. ولا يعرف أن أهل هذه الزاوية قد تولوا الوظائف الرسمية للإدارة الفرنسية (١). تبدأ الدراسة في الزاوية في فصل الخريف وتنتهي في آخر الربيع. وكان طلبتها ينقسمون إما إلى متخصصين في علوم القرآن وإما في العلوم الأخرى كالفقه بشرح الخرشي والعلوم العربية. وهم يهتمون بدراسة الفقه كثيرا لدرجة التعبد، إذ يحتفلون بيوم تدريسه ويجرى ذلك صباحا في الجامع العتيق، أما في المساء فيدرسون العلوم في جامع آخر. فالزاوية إذن مصنفة في زوايا الفقه، والدراسة فيها كانت بالطريقة القديمة فلا سبورة ولا دفاتر للحضور ولا محاورات. وإنما هي الحلقات والتدريس الشفوي، وربما كانت تسجل فيها إملاءات (٢). من حيث الوظائف، لا يوجد في الزاوية منصب وكيل، ولكن لها مقدم يعينه رئيس الزاوية، وهو لا ينتخب كشأن بعض الزوايا الأخرى. وكل الطلبة كانوا يتحملون مسؤوليات في الزاوية. ولها نائب للرئيس متخصصا في شؤون الطلبة. والمسؤولية ليس لها مدة معينة. والدراسة فيها محروسة، وهناك طرق لإيقاظ التلاميذ، وللصلاة، والطعام، وقراءة الحزب وغيرها من السلوكات والطقوس. كما أن هناك اجتماعات دورية، وعند الضرورة ينادي المنادي (القداش) في ساحة الزاوية فيهب التلاميذ عن بكرة أبيهم. وهناك أيضا اجتماعات سنوية للزاوية في مناسبات معينة. وتقام خلالها حفلات للثقافة والفروسية تتماشى مع الدين والتقاليد. وهي حفلات تدوم أسبوعا، وهدفها تنشيط الحياة لعامة الناس وكذلك الحياة الخاصة للتلاميذ.

стр. 1157

وأثناء ذلك كان يقع نوع من سوق عكاظ الأدبي، فيتناظر المدرسون، ويتبارى الشعراء، ويتناقش الأدباء والفقهاء في المسائل العلمية والنظرية، ويتبادلون المعلومات عن الكتب ونحوها. وهناك أيضا زيارات إلى شيخ الزاوية في الأعياد يقوم بها الطلبة والأتباع. وخلال الثلاثينات من هذا القرن ابتدأت زاوية ابن أبي داود تقليدا جديدا لتنشيط العلم، وهو إرسال بعثات طلابية إلى البلدان العربية لمتابعة دراستهم التي لا يجدونها في بلادهم. وهو تقليد مارسه الجزائريون قديما، ونشط فيه بنو ميزاب ثم حركة ابن باديس. وتتغذى الزاوية من الأملاك التي لها (أوقاف) في كل من آقبو وتاسلنت، وبالإضافة إلى ذلك يخرج المسؤولون عنها كل سنة في مواسم معينة - أوآخر الصيف وأوائل الخريف - إلى المناطق المخصصة لهم ليجمعوا (العشر) من أتباعهم وأنصارهم، فيذهب أحد أبناء الزاوية (أولاد ابن أبي داود) إلى بعض طلابه في بلدة ما فينزل عنده، وهناك يأتيه ما جمع له من العشور عن طريق طلبة الزاوية القدماء والأنصار، وبذلك يجمعون الحبوب والقطاني والسمن وغيرها. ويعود بما جمع إلى زاوية تاسلنت، وهو نوع من الضرائب العرفية. وقد تدوم الجولة شهرا أو أكثر، وأثناء هذه الزيارة يجري الاتصال أيضا بالأعيان وعامة الناس (١). وكان الفرنسيون يتتبعون حركات الشيوخ أو المرابطين، كما يسمونهم، ويمنعون البعض من جمع هذه الضرائب ويرخصون إلى آخرين بها، كما عرفنا في فصل الطرق الصوفية. الزاوية السحنونية: وتعتبر زاوية حديثة نسبيا، إذ ظهرت في العهد الفرنسي فقط. وأصل الزاوية موجود في القرية السحنونية (ايسحنونن) بالقرب من أربعاء بني ايراثن، ولاية تيزي وزو. ومؤسسها هو الشيخ عمرو الشريف. أما الفرع فيوجد في

стр. 1158

تاغراست، ببني وغليس، دائرة سيدي عيش، ولاية بجاية حاليا. وقد أسس هذا الفرع الشيخ محمد السعيد السحنوني. وكانت - أصلا وفرعا - رحمانية الطريقة وعلى صلة بالشيخ محمد امزيان الحداد بصدوق والزوايا الرحمانية الأخرى. من أبرز رجال هذه الزاوية الشيخ محمد السعيد السحنوني الذي ولد سنة ١٨٣٩. وكان والده السعيد امقران، قد التحق بجيش الأمير عبد القادر واستشهد في المقاومة، حسب مصادر الأسرة، وقد ترك ابنه محمد السعيد جنينا في بطن أمه. وأثناء طفولته وصباه تولى تربيته ابن عمه الشيخ محمد وعلي السحنوني الذي سنذكره. وقد علمه القراءات والبلاغة والنحو والفلك والفقه والحديث الخ. ودرس محمد السعيد كذلك على شيوخ آخرين في الناحية، مثل الشيخ الحداد والبوجليلي. وبعد أن شب في العلم انتصب هو للتدريس في زاوية الحاج احساين بسمعون، ثم بزاوية عمرو والحاج جهة عزازقة. كما درس بزاوية أحمد زروق في بني وغليس، وزاوية سيدي موسى قرب سيدي عيش. وبعد تجربة في التدريس أسس زاوية خاصة به في تاغراست، كما ذكرنا، أوآخر القرن الماضي، لتكون فرعا لزاوية سيدي عمرو الشريف بالأربعاء (بني ايراثن). وأبرز المواد التي كانت تدرس في الزاوية هي التفسير والحديث والقراءات ثم العلوم العربية كالنحو والصرف وكذلك الفلك. ومن ثمة يظهر أن هذه الزاوية قد ظهرت أيام ضعف التعليم العربي الإسلامي في الجزائر وأيام توغل الإدارة الفرنسية في فواحي البلاد، سيما منذ ثورة ١٨٧١. فاهتمام الزاوية بالعلم والتعليم في وقت سيادة التصوف الغامض واللجوء إلى الروحانيات يعد بركة على البلاد. ويبدو أن جهودها قد تضافرت مع جهود زوايا أخرى في الجنوب ومع جهود بعض المدرسين الرسميين أمثال المجاوي والونيسي. وقد ضاعف الشيخ محمد السعيد جهوده في التعليم فكان يتردد أيضا على الزاوية الأصلية. واستعان ببعض طلابه في التدريس أيضا، شأن البوجليلي وغيره. وتوفي الشيخ محمد

стр. 1159

السعيد سنة ١٨١٤ تاركا أبناء غير راشدين فتولى شؤون الزاوية تلاميذه (في الأصل والفرع) ومن أبرزهم الشيخ أبو القاسم بن طعيوج (١). وقبل أن نتحدث عن بعض شيوخ هذه الزاوية نذكر أنها تطورت في القرن العشرين حتى أصبحت تستقبل بعض التلاميذ من البلدان المجاورة. كما أنها وجهت بعثات إلى تونس للتعلم، وأسست لهم هناك دارا استقبال، وكان ذلك منذ أوآخر الثلاثينات من هذا القرن. وهذه الظاهرة - إرسال البعثات - سبقت بها مناطق ومنظمات أخرى كما أشرنا. كما أن بعض زوايا الطرق الصوفية كانت ترسل أبناءها أو أقاربها إلى معاهد العلم، ومنها الزاوية التجانية في قمار وتماسين، والزاوية القادرية في عميش (الوادي). وكذلك فعلت بعض الزوايا في الجهة الغربية بالنسبة للمغرب الأقصى. فإرسال البعثات على يد الزاوية السحنونية، وهي رحمانية، يدخل في هذا الإطار، وهو تشجيع الحصول على العلوم الإسلامية خاصة، باللغة العربية من البلدان المجاورة. ولم تكتف الزاوية بإرسال التلاميذ بل أنها جلبت إليها بعض الشيوخ من تونس للتدريس فيها مثل الشيخ إبراهيم صمادح. ومن الذين سلكوا هذه السياسة في التعليم محمد الشريف السحنوني بن الشيخ محمد السعيد. فقد تركه والده ابن عشر سنوات (ولد سنة ١٩٠٥) ولذلك تولاه، كما تولى شؤون الزاوية، الشيخ طعيوج، كما ذكرنا. وبعد أن حفظ محمد الشريف القرآن وتتلمذ على ابن باديس، وحصل على نصيب في العلوم قصد تونس بنصيحة ابن باديس ونال من جامع الزيتونة شهادة التحصيل سنة ١٩٣١. وكان ذلك هو تاريخ تأسيس جمعية العلماء وصحوة التعليم العربي الحر في الجزائر. ولذلك كثر الطلبة بالزاوية حتى بلغ نحو ٣٠٠.

стр. 1160

وبالإضافة إلى نشر العلوم الإسلامية، كانت الزاوية لا تتوقف عن تحفيظ القرآن الكريم حتى في الصيف. ويبدو أن الزاوية قد نشطت في عهد الشيخ محمد السعيد وعهد محمد الشريف الأول. فقد كان لها تأثير في نواحي سطيف والبرج وثنية بني عائشة وسكيكدة. وكان الشيخ محمد السعيد من التلاميذ الأوفياء للشيخ الحداد، وللشيخ المجاوي الذي كان يجالسه، وللشيخ حمدان الونيسي الذي ربما حضر بعض دروسه. وكان محمد السعيد يحذق النساخة. ومن الذين أثروا فيه ابن عمه محمد وعلي الذي رباه وعلمه إلى أن نفته (أي محمد وعلي) السلطات الفرنسية إلى (كايان) بعد ثورة ١٨٧١، فكان الشيخ محمد السعيد هو الوصي على عائلته بعد نفيه، وظل على صلة دائمة به حتى بعد أن لجأ (محمد وعلي) إلى المدينة المنورة. وكان لمحمد السعيد تلاميذ ذكرنا منهم ابن طعيوج، ونضيف إليهم محمد امزيان بودريوه الذي أسس زاوية بقرية الشرفة بأكفادو. أما الشيخ محمد الشريف الذي يبدو أنه تأثر بحركة ابن باديس منذ البداية فمن تلاميذه الشيخان البارزان في جمعية العلماء أحمد حسين وعبد الرحمن شيبان. ولا ندري هل انضم الشيخ محمد الشريف إلى جمعية العلماء أو ظل مستقلا عنها، وإذا لم يفعل، فلماذا؟ أما بالنسبة لحركة التعليم فنعتقد أنها كانت تصب أيضا في اتجاه المحافظة على التراث الوطني. ولعل طابع الطرقية لم ينتزع تماما من نشاط الشيخ محمد الشريف، رغم أن العصر والعلم الذي أخذه لم يجعلاه يعتقد في الطريقة الرحمانية بنفس عقيدة مؤسسها الشيخ الأزهري مثلا. أشرنا إلى اسم محمد وعلي السحنوني، ولا نعرف الآن تاريخ ميلاده ولا تاريخ وفاته، ولكن نعرف أن له دورا في ثورة ١٨٧١ وأنه قد توفي في المدينة المنورة بعد رحلة طويلة من النفي والمتابعة. درس في زاوية العائلة الأصلية، ثم في زاوية ابن اعراب بتيزي راشد، ثم درس على الشيخ محمد
следующие страницы →