← Указатели

Указатели · id 14100

تاريخ الجزائر الثقافي

أبو القاسم سعد الله

Полный текст (5 019 стр.). Показаны 1226–1265 · переход к 1231.

стр. 1226

الشيخ عبد العزيز الثميني. ثم تتواصل المراحل إلى عهدي النضج والتمام (١). وتهمنا هنا طبعا المرحلة الثالثة سواء اتفقنا مع الشيخ دبوز على هذا التقسيم أو لم نتفق معه. ولد محمد بن يوسف سنة ١٢٣٦ (١٨١٨). وهو ينتمي إلى أسرة شريفة ترجع بأصولها إلى بني عدي، القبيلة العمرية، ويقول هو عن نفسه في أرجوزة له: مع اجتماع في عدي بعمر ... وبالنبي في لؤي وزمر وبعضهم يقول أنه من الأسرة الحفصية التي حكمت بعد الموحدين وكان مقر حكمها تونس. ومؤسس هذه الأسرة الحفصية هو أبو حفص عمر الهنتاتي (٢)، وهو من قبيلة المصامدة المتوطنة جنوب المغرب الأقصى. وهاجر أحد أجداد اطفيش من الساقية الحمراء واستقر بورجلان (ورقلة). ومنها إلى ميزاب في القرن التاسع الهجري. وجده المعروف (بامحمد) هو الذي حل في بني يسقن وترك بها ذرية. واسم هذا الجد الحاج محمد بن عبد العزيز. أما والده فكان يتاجر بين غرداية ومدن الجزائر الشمالية على عادة أهل ميزاب. ولم تطب له الحياة في بني يسقن. وقد أدى فريضة الحج، ثم توفي في بني يسقن، وترك ابنه محمدا في الرابعة من عمره فتولته أمه وعهدت به إلى مؤدب فعلمه القرآن (٣). ظهرت عليه مخايل الذكاء وحب العلم منذ صغره. وقد درس على مشائخ منهم: محمد آزبار، وعمر بن سليمان والحاج سليمان بن يحيى، وأبو عيسى الداوي. ولكن مورد العلم كان لا يشفي غليله، مع ذلك.

стр. 1227

فصادف رجوع أخيه إبراهيم من رحلة علمية في مصر وعمان. فوجد محمد في أخيه المزيد من المعارف التي تطمح نفسه إليها فلازمه حتى حصل منه على ما يعادل الآن المرحلة الثانوية. ومن العلوم التي أخذها عن أخيه علوم الدين والعربية والمنطق والحساب، والفلك والتاريخ. وكانت لمحمد بن يوسف ذاكرة قوية وموهبة عظيمة. وقد استفاد عندئذ من مكتبة أخيه ومكتبة الشيخ الثميني. ورغم صغر سنه فقد اعترف له شيوخه بالقدرة على التدريس ولما يتجاوز العشرين. منذ حوالي ١٨٤٠ إذن أخذ محمد بن يوسف يدخل الحياة العامة عن طريق التدريس. وقد ظهر على علماء البلدة ثم على علماء ميزاب، ثم شاع أمره حتى بلغ أقصى الأقطار الإسلامية. وقال بعضهم أنه بلغ درجة الاجتهاد وصار مرجعا في الفتاوى. وبدأ يؤلف وهو في سن العشرين أيضا. واهتم بعلم النحو على الخصوص، وهو علم عقلي يحصن صاحبه من الوقوع في الخرافات. فدرس أعمال المؤلفين المعروفين في النحو. ونظم هو كتاب مغني اللبيب لابن هشام في ٥.٠٠٠ بيت، وهو ما يزال مراهقا. وكان كثير القراءة والمطالعة، وهي عادة لم تفارقه مدى الحياة، وكان يستفيد من ذلك ويؤلف أيضا حتى وهو في حالة سفر. أما حياة الشيخ محمد بن يوسف العامة فتميزت بإقامة أسرته، وتوليه شؤون العزابة والفتاوى، والتدخل لدى السلطات الفرنسية للمحافظة على تقاليد البلاد وحرمة الدين، والمراسلات مع الشخصيات العلمية والسياسية، كما سنعرف. تزوج الشيخ محمد بن يوسف ثلاث نساء، وقيل أن بعض زواجه منهن كان من أجل المكتبات التي كانت لأهلهن. وترأس العزابة في بني يسقن. وكان لا يتردد على الأسواق ولا يغشى الأفراح. وقد بدأ التدريس في المسجد. وكان له نظام حياة دقيق جدا: يدرس للعامة مع الفجر ويصلي الجماعة، ثم يذهب للتدريس لتلاميذه. وكان له أيضا درسان آخران: درس للعامة بين العصرين، ودرس لكبار التلاميذ المواظبين. وقد خصص وقتا من النهار للإجابة على الأسئلة الواردة إليه. وقال بعضهم أن هذه الأجوبة لو

стр. 1228

جمعت لكانت في مجلدات. يعتبر الشيخ محمد بن يوسف باني النهضة العلمية في المنطقة. وكل من يحاول ذلك تعترضه عراقيل ومثبطات. فقد ظهر أمره في الوقت الذي غشي الجزائر كلها ضباب الجهل والاحتلال. ولذلك كان الشيخ اطفيش ينكر على الناس البدع التي ليست من الدين في شيء. وقد شدد عليهم في ذلك فهددوه حتى بالقتل واتهموه بالزندقة. وانتقد الشيخ أساليب التربية القديمة للأولاد. واضطر إلى الخروج من بني يسقن، فأخذ يتنقل في مدن ميزاب الأخرى، واستقر في البداية في بونورة حيث رحب به عزابتها، كما خرج معه زميله محمد بن ادريسو الذي كان مثله في الرأي والاستقلال. وبعد غيبة عن بني يسقن دامت سنوات، رجع إليها وتولى بها العزابة كما قلنا. وقد زاده ذلك شهرة في المنطقة، وكان لا ينفك أثناء ذلك عن الكتابة والتدريس. ولكنه ليس ابن بني يسقن وحدها، ولذلك أحس أن عليه واجبا نحو المدن الأخرى في ميزاب فأخذ يزورها الواحدة تلو الأخرى: بريان، القرارة، الخ ... وكان في زياراته يتصل بالعزابة ويلقي الدروس العامة على الرجال والنساء في الوعظ والإرشاد، وكان له درس خاص بالنساء. كما زار غير مدن ميزاب في المناطق القريبة والبعيدة. زار ورقلة وجال خلال آثار سدراته. وكذلك زار بو سعادة وتوقف بزاوية الهامل وألقى بها بعض الدروس بطلب من شيخها محمد بن بلقاسم (أبي القاسم). وزار قسنطينة ولعله التقي فيها بالشيخ المجاوي وغيره من علمائها. وعرج على سطيف والبرج والجلفة، وعنابة، وقصر البخاري. وكان يلقي دروسا في هذه الأماكن. وقد أدى فريضة الحج مرتين. إحداهما سنة ١٨٨٦، أي بعد احتلال ميزاب (١٨٨٢). وقد ركب البحر من عنابة إلى تونس، وأقام في هذه المدينة أياما في ضيافة أهل ميزاب، ولعله لقى بها بعض علماء الزيتونة. وفي الحجاز التقى ببعض العلماء منهم الشيخ الزيني دحلان، وتعرف على أحوال العالم الإسلامي، وألقى دروسا في المسجد النبوي. ولا نعرف أنه زار مصر أو غيرها من عواصم المشرق غير الحجاز، وكان ذلك أيام ظهور الحركة

стр. 1229

الإسلامية الجامعة وتأثيرات جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده. كانت للشيخ محمد بن يوسف مراسلات واتصالات مع عدد من علماء الوقت ورجاله. ويذكر مترجموه أنه التقى بالشيخ محمد بن بلقاسم، كما سبق، وكانت له مراسلات مع الشيخ محمد عبده وعبد الله الباروني (والد تلميذه سليمان الباروني) وشيوخ الجزائر أمثال المجاوي وابن الموهوب. وكانت له أيضا مقابلات مع بعض علماء الفرنسيين أمثال ايميل ماسكري MASQUERY الذي طلب منه كتابة تأليف عن تاريخ ميزاب ففعل. وإن شيخا بلغ ما بلغه محمد بن يوسف لا يمكن إلا أن يكون له كثير من التلاميذ والأتباع. ولكنه لم يكن شيخ زاوية ولا من دعاة الولاية والتصوف حتى يكون له طريقة أو محفل أو قبة. إنه داعية سلفي يأمر بالمعروف وينهي عن المنكر في وقت ساد فيه الجهل بدعم رسمي من الاحتلال. ومن تلاميذه البارزين إبراهيم امتياز وإبراهيم بن الحاج عيسى (أبو اليقظان)، وصالح بن عمر الذي خلفه في إمامة جامع بني يسقن، ويحيى بن عمر قاضي مدينة مليكة، وغيرهم. أما من غير الجزائر فنذكر من تلاميذه سليمان الباروني الزعيم الليبي خلال الحرب ضد إيطاليا وأحد رجال العالم الإسلامي في النصف الأول من هذا القرن (١). قلنا أن ظهور الشيخ اطفيش صادف طغيان الاحتلال الفرنسي الذي امتد أيضا إلى منطقة ميزاب. فكان اتفاق الحماية معها سنة ١٨٥٣ ثم الاحتلال الكامل لها سنة ١٨٨٢. وقد استمر الشيخ محمد بن يوسف يحتج على انتهاك اتفاق الحماية ويطالب باحترامه أو بالحكم الذاتي. وفي ١٨٨٨ طالب الحاكم العام البغيض، لويس تيرمان، الذي امتد الاحتلال إلى ميزاب في عهده، طالبه بتخفيف الغرامة على أهل ميزاب، كما طالب بترك إيجارات أملاك الأوقاف في يد مساجد الإباضيين. ونحن نعرف أن السلطات الفرنسية قد صادرت أملاك الأوقاف في الجزائر كلها، وحولت مداخيلها إلى مالية

стр. 1230

الدولة. ولكن هذه السلطات صمت آذانها عن مطالب الجزائريين بمن فيهم أهل ميزاب. وفي نفس السنة أرسل الشيخ نسخة من كتابه (النيل) إلى القضاة الفرنسيين الذين أصبحوا يسيطرون على كل جوانب القضاء الإسلامي أيضا، ما عد الأحوال الشخصية التي تركوها للقضاة المسلمين. وكان هدف الشيخ أن يطبق أولئك القضاة الفرنسيون تعاليم الشريعة بالنسبة للإباضيين (١). وحين استجاب الشيخ لطلب ماسكري وألف رسالته (الشافية) عن تاريخ ميزاب قال إنها تخدم الإسلام ولا تضره. وفي سنة ١٨٨٦ كان الشيخ أطفيش في طريقه إلى الجزائر عن طريق قصر البخاري، فسبقته رسالة من أبي بكر بن الحاج قاسم، وربما هو أحد القضاة هناك، إلى ماسكري مدير مدرسة الآداب بالجزائر (نواة كلية الآداب) أخبره فيها بقدوم الشيخ أطفيش في آخر مايو، وأوصى ماسكري أن يحتفى بالشيخ بما يليق به وأن يكلم في ذلك الحاكم العام وقائد القطاع العسكري ورئيس المحكمة العليا (يسميه: الرئيس الشرعي) ليلتقوا بالشيخ بعد وصوله ويكلموه على شرح (النيل) بحضور ماسكري فقط دون ترجمان آخر (لتكون لك بذلك مزية لدى الدولة لأنك (أي ماسكري) رجل مليح، جيد ظريف أديب) (٢). والنهضة التي دعا إليها الشيخ أطفيش كانت تسير في اتجاه النهضة الإسلامية العامة. فقد عاصر حركة الجامعة الإسلامية، وكان يحس بها أكثر من علماء القطر الآخرين، ربما، لأنه اطلع بنفسه على نشاط الحركة في حجتيه، ومن جهة أخرى كانت منطقة ميزاب والجنوب عامة، مفتوحة على تيارات النشاط الإسلامي عن طريق تونس وليبيا وزنجبار وعمان. وهو لا

стр. 1231

يخرج في دعوته عن الحركة السلفية التي تدعو لتنظيف الدين مما ينسب إليه وليس منه، والعودة إلى الاجتهاد إذا توفرت شروطه، وتنشيط العقل عن طريق التعليم والتربية واكتشاف الذكاء والمواهب. وكان الشيخ أطفيش من دعاة إحياء وتجديد اللغة العربية والثورة على الجمود، وكان يقف بصراحة ضد التأثير الأجنبي في الحياة الإسلامية. ومن ثمة يجد نفسه في تيار دعوة رشيد رضا وأمثالها (١). وكانت للشيخ أطفيش أيضا مواقف لدعم الحركات الإسلامية واتصالات مع زعمائها كما أشرنا. إنه كان يتابع باهتمام حروب الدولة العثمانية في البلقان، وكان يتتبع أحوال العالم الإسلامي وهو يسقط القطعة بعد القطعة في أيدي المستعمرين. وعندما هاجمت إيطاليا ليبيا سنة ١٩١١ دعا إلى التبرعات بالسلاح والمال لمساعدة المجاهدين. وفي ١٩٥٠ توقف في غرداية سليمان بن ناصر، حاكم دار السلام (عاصمة تنزانيا اليوم)، ونزل في دار أطفيش، وهذه الزيارة تدخل في تمتين العلاقات مع الإباضيين. وكان ابن ناصر في طريقه إلى معرض باريس الدولي. وأهدى بعض سلاطين وأمراء الوقت أوسمة إلى الشيخ أطفيش، مثل السلطان عبد الحميد الثاني الذي كتب إليه أيضا رسالة شكر على حله لغز الماء، وكذلك أوسمة من سلطان زنجبار، وإمام عمان. وكان الشيخ يعتز بهذه الأوسمة ويضعها على صدره في المناسبات. كما أهدت إليه فرنسا وساما (نيشأنا) بمناسبة حله اللغز المذكور. وفي تقديرنا أن هذه الأوسمة كانت محاولة لشراء السكوت والرضى وليست تقديرا للعلم والعلماء. وقد طبعت للشيخ عدة مؤلفات أثناء حياته فزادت من شهرته وعرفته للقريب والبعيد. وكشفت عن عقله النير وأفكاره البعيدة. وكانت بعض مؤلفاته قد طبعت في الجزائر وبعضها في تونس ومصر وعمان وزنجبار. أما بعد وفاته فقد تعاون الشيخان سليمان الباروني وإبراهيم أطفيش (الذي هاجر إلى مصر، وهو قريبه) على إصدار عدد منها أيضا. وهي مؤلفات كثيرة تبلغ

стр. 1232

الثلاثمائة بين الرسالة والمؤلف ذي الأجزاء. كان الشيخ أطفيش يعلم في منزله أيضا. فلم يبن معهدا خاصا ولا مدرسة على الطراز القديم (كما كان يعلم في الجامع ببني يسقن أو في بونورة أيام إقامته الطويلة بها)، وكان للشيخ في بني يسقن ثلاثة منازل، خصص كل واحد منها لمهمة، ومنها منزل حوله إلى معهد، وبه عرف. وقد ورد عليه التلاميذ من مختلف أنحاء ميزاب ومن غيرها خارج الجزائر حيث الإباضية، مثل جربة ونفوسة وعمان وزنجبار. ومن الطبيعي أن يراقب الفرنسيون هذا النشاط غير العادي في المنطقة وأن لا يرتاحوا إليه. وقد عرفنا أنهم طالما قبضوا على أناس في آخر القرن الماضي بدعوى أنهم جاؤوا لشراء الإبل أو السياحة وردوهم على أعقابهم. لقد اشتهر الشيخ أطفيش كمدرس ومصلح ومؤلف. فزاد ذلك من تلاميذه ومن خوف الفرنسيين من تأثيره. وقد لقبه تلاميذه وأنصاره بالقطب بل قطب الأيمة. ومن شروط قبول التلميذ في هذا المعهد حفظ القرآن الكريم، وقد جعله شرطا لا تحويل عنه. فالقرآن هو أساس كل العلوم الدينية واللغوية. يضاف إلى ذلك حفظ المتون الضرورية والاستقامة في السيرة والسلوك. وقسم التلاميذ إلى طبقات. وهو تقليد اتبعه القدماء وحتى بعض المعاصرين في الزوايا التعليمية، كما عرفنا، الأولى طبقة المبتدئين، والثانية طبقة المتوسطين. وكان يدرس لتلاميذ الطبقة الأولى المواد الآتية وهي متطابقة مع المواد المدروسة في الزوايا والمساجد الأخرى في القطر عدا كتب العقيدة والفقه. فالنحو على الأجرومية، والحديث والشعر والأدبيات والأخلاق والتربية. وفي العقائد عقيدة التوحيد للجيطالي أو عقيدة العزابة للشيخ عمر بن جميع. وفي الفقه رائية الشيخ ابن النظر، أما الطبقة الثانية فيدرسون القطر لابن هشام والحديث والأشعار والأدب ونحو ذلك، إضافة إلى نونية أبي النصر بن نوح في التوحيد. وأخيرا تأتي الطبقة الثالثة وهي كبار التلاميذ الذين كان عليهم أن يحفظوا ويتعلموا ألفية ابن مالك في النحو والصرف، والسمرقندية في البلاغة وأرجوزة في العروض، وكذلك الشعر والحديث

стр. 1233

والأخلاق. أما في أصول التشريع فيدرسون ألفية السالمي. وهكذا يتضح أن المواد الدراسة في معهد بني يسقن كانت ذات شقين أو ثلاثة: العلوم الدينية من تفسير وحديث وقراءات وتوحيد وفقه وأصول الفقه، والعلوم اللغوية والأدبية وتشمل النحو والصرف والبلاغة والعروض والأدب. وأما الشق الثالث فيشمل التربية والأخلاق من مبادئ الدين والقطع الأدبية التهذيبية ونماذج من المثل العليا. ويقول الشيخ دبوز، رواية عن تلاميذ الشيخ القطب، أنه كان يبدأ بالدرس الصعب في أول النهار، وكان لا يزيد عن الكتب المعروفة في غير العقائد والفقه سوى قناطر الخيرات للجيطالي وهو تأليف في الأدب والأخلاق. وكان الشيخ يعطي اهتماما خاصا لأدب الأندلس. وكان يؤلف لتلاميذه إذا لم يجد تأليفا في الموضوع. وكان لا يدرس لهم يومي الخميس والجمعة. ولا نعرف كم كان عدد تلاميذه في الوقت الواحد. ويبدو أن شيخا في مثل شهرته وعلمه يكون قد استقبل بضع عشرات منهم ة وقد نغامر فنقول إنهم بين الثلاثين والخمسين في الموسم الواحد. وما دام قد علم طول حياته تقريبا (حوالي سبعين سنة من التعليم) فلنا أن نتصور أن تلاميذه قد بلغوا المئات. فإذا أضيف إلى ذلك فتاويه ومؤلفاته وزياراته عرفنا كم كان إشعاع هذا الرجل في عهد كاد ظلام الجهل يطمس كل المعالم في الجزائر. ولا شك أن وجوده في ميزاب، ووجود محمد بن بلقاسم الهاملي في نواحي بوسعادة، وعبد القادر المجاوي في قسنطينة ثم العاصمة، وحمدان الونيسي ومحمد الصالح بن مهنة، وعبد الحليم بن سماية ومحمد مصطفى بن الخوجة (١)، قد خفف من كثافة ذلك الظلام. وكانت للشيخ أطفيش مكتبة غنية جمعها عبر السنين، وكان يستنسخ الكتب ويدفع المال عليها، وقد كان له أحد النساخ المعروفين في غرداية ينسخ له ما يشاء من الكتب. وتزوج بعض نسائه من أجل الكتب، كما قلنا.

стр. 1234

وكانت بعض الكتب ترد عليه أيضا من خارج الجزائر بالهدية ونحوها من تلاميذه وغيرهم. وسندرس مكتبته في الفصل الخاص بذلك. ولا شك أن مكتبته قد أفادت معهده وتلاميذه. وقد بقيت مكتبته ذخرا لبني ميزاب وللجزائر، وهي اليوم تحمل اسمه (١). وقد توفي الشيخ القطب في ٢٣ ربيع الثاني سنة ١٣٣٢ (مارس ١٩١٤) عن ٩٦ سنة (٢). وترك تراثا عظيما من الكتب والتآليف والتأثير في المنطقة وخارجها. ولا نعلم أن أحدا من عائلته قد واصل مهمة هذا الشيخ في التعليم بالمنزل - المعهد. فنحن نعلم فقط أن ابن أخيه قد هاجر إلى تونس ومنها إلى مصر، وأن أحد تلاميذه وهو أبو اليقظان قد رحل في سبيل العلم إلى تونس على رأس أول بعثة ميزابية فيها. ولكن النهضة التي أرسى قواعدها القطب لم تمت بموته، بل تبناها تلاميذه والمتأثرون بأفكاره وبروح العصر، فأسسوا سنة ١٩٢٥ أول معهد حقيقي في القرارة، وهو المعهد الذي أصبح منارة في الصحراء. وتجاوبت بذلك أصوات النهضة العلمية في قسنطينة وتلمسان والجزائر وميزاب. سافرت البعثة الميزابية الأولى إلى تونس في مايو ١٩١٤، وكانت تضم حوالي عشرة تلاميذ. وتولاها أبو اليقظان وعمر العنق. وكان ذلك بعد غلق مدرسة تبسة المعروفة بالصديقية. ومن أبرز تلاميذ البعثة حمو بن عيسى المرموري. وكان الحرص على أخلاق التلاميذ وتوجيههم هو الذي جعل الأولياء والشيوخ لا يرسلون التلاميذ أحرارا. ولذلك جعل المشرفون على البعثة بعد استقرارها في تونس نظاما داخليا دقيقيا، يشمل الانضباط في الأكل

стр. 1235

والطبخ والدراسة والحياة الاجتماعية. وكان إمام البعثة هو أبو اليقظان. ووجدت البعثة طريقها إلى مدرسة السلام القرآنية التي أسسها في تونس الشاذلي المورالي. ويقول دبوز إن هذه البعثة قد رجعت إلى الجزائر في ١٩١٥ (١) ولا ننسى أن هذه كانت فترة حرجة في التنقل والمعاش نظرا لاندلاع الحرب وتجنيد الشباب الجزائري فيها وإعلان حالة الطوارئ. فهل ان رجوع البعثة المبكر يرجع إلى هذه الظروف؟ ومهما كان الأمر فإن أبا اليقظان قد أسس في هذه السنة (١٩١٥) مدرسة قرآنية حديثة في القرارة وجعلها على غرار مدرسة السلام بتونس وأدخل فيها العلوم العصرية والرياضة البدنية، ولعل ذلك كان من آثار رحلته إلى تونس. وسافرت البعثة الثانية إلى تونس برئاسة أبي اليقظان أيضا. ومن ضمنها محمد علي دبوز وإبراهيم أطفيش ومفدي زكريا ورمضان حمود ومحمد الثميني. وكأنه كان مقدرا لها أن تكون بعثة مختارة لأن هؤلاء جميعا أصبحوا من زعماء الثقافة في الجزائر وتونس والمشرق. ثم سافرت بعثة أخرى إلى تونس برئاسة محمد الثميني (١٩١٩)، وأخرى برئاسة الحاج صالح بن باعلي، فأصبحت في تونس ثلاث بعثات ميزابية في وقت واحد. وفي سنة ١٩٢٥ رجع أبو اليقظان إلى الجزائر واستخلف على البعثة قاسم بن الحاج عيسى (٢). وفي الجزائر شرع أبو اليقظان في مشروعه التاريخي وهو إنشاء الصحافة العربية الحرة. وقد تحدثنا عن مشروعه هذا في فصل آخر. وتواصلت البعثات الميزابية إلى تونس بين الحربين. فكان الطلبة يخبرون بعضهم البعض، وكانت النتائج العلمية ومشاركة الميزابيين في الحياة السياسية بتونس (سيما في الحزب الدستوري برئاسة الثعالبي) والمساهمة في الحياة الأدبية، كل ذلك جعل سيل البعثات الدراسية يزداد تدفقا. ولم يقتصر الأمر على بني ميزاب بل شمل مختلف المناطق ولكن بدرجات متفاوتة.

стр. 1236

ولعل ما يلفت النظر في البعثات الميزابية هو الإشراف والتوجيه والانضباط. أما التلاميذ الجزائريون الآخرون فقد كانوا عادة يذهبون أحرارا وفرادى. على أن بعضهم، مثل تلاميذ أهل سوف، كانت لهم تنظيماتهم في تونس في شكل روابط وكذلك وسائل استقبال وتسهيلات الإقامة والدراسة (١)، نظرا لوجود جالية سوفية معتبرة. وأنشئ في ميزاب معهد الحياة الذي أشرنا إليه. وبدأت ثماره تظهر عبر السنين إلى أن قرر مسؤولوه، وعلى رأسهم الشيخ إبراهيم بيوض إرسال بعثة منه إلى تونس لمواصلة الدراسة الثانوية. ويذكر دبوز أنه كان أول تلميذ من هذا المعهد (٢) وأنه رأس بعثته سنة ١٩٤٢، ثم أخذ الطلاب يتواردون على تونس، فوصل بعضهم سنة ١٩٤٣ وآخرون سنة ١٩٤٤، وهكذا. ونحن نعلم أن ظروف الحرب الثانية كانت استثنائية في تونس، لأن هذه البلاد كانت مسرحا لتصارع قوات الحلفاء مع قوات المحور. فالسفر عندئذ كان مغامرة كبيرة. ومن تلاميذ معهد الحياة محمد العساكر وصالح خرفي وكلاهما التحق بتونس، وكذلك العالم الليبي علي بن يحيى معمر، وأصله من جبل نفوسة. وهكذا فإن معهد الحياة قد واصل رسالة معهد بني يسقن وربط النشاط التعليمي الحديث في ميزاب بنظيره في الجزائر وتونس والمشرق. فكان بحق رمزا لنهضة علمية قوية.

стр. 1237

الفصل الثالث التعليم الفرنسي والمزدوج

стр. 1238

مدخل قبل الحديث عن تفاصيل التعليم في العهد الفرنسي رأينا أن نضع بين يدي القارئ جملة من الآراء حول تجربة التعليم في الجزائر عموما منذ الاحتلال. ذلك أن المؤلفين والمعلقين قد تضاربت أقوالهم في هذا الموضوع. فمنهم من ينسب الجهل الذي خيم على الجزائر خلال القرن الماضي إلى رفض الجزائريين إرسال أولادهم إلى المدارس تعصبا منهم ضد الفرنسيين وضد حضارتهم، ومنهم من ينسب التقصير إلى الحكومة الفرنسية وإدارتها في الجزائر لأنها قصدت إهمال تعليم الجزائريين وأرادت تجهيلهم وقطعهم عن ماضيهم وتعلم قرآنهم ولغتهم. ومن المؤلفين من ذهب إلى أن الجزائريين غير قابلين للتعلم أصلا رغم جهود الفرنسيين. وهناك من يرى أن الفرنسيين باستيلائهم على الأوقاف التي هي المصدر الأساسي للتعليم قضوا على التعليم من جهة وأفقروا من كانوا يعيشون به ومنه من جهة أخرى. وهكذا تتعدد الآراء حول هذا الموضوع الحساس. فمن يتحمل مسؤولية الجهل الذي خيم على الجزائر طيلة سبعين سنة (١٨٣٠ - ١٩٥٥) أي قبل الشروع الجدي في تأسيس بعض المدارس للجزائريين وتأطيرهم في النظام التربوي الفرنسي. ويفهم من الكتابات الفرنسية أن هذا التحول الذي بدأ في العشرية الأخيرة من القرن الماضي إنما جاء عن تفضل وتكرم من فرنسا. وإنه عمل إنساني تقوم به نحو (رعاياها) الجزائريين. والواقع أن هذا التحول إنما كان أيضا لمصلحة فرنسا من جهة وتمشيا مع سياسة الدول الاستعمارية من جهة

стр. 1239

أخرى. وهذا ما دعا ضابطا مشهورا في إدارة الشؤون الأهلية وفي شؤون النهضة الإسلامية، وهو لوشاتلييه Le Chatelier، إلى القول بصراحة: إن ما سمي بحملة نشر التعليم الابتدائي في الجزائر إنما جاء تحت ضغط (قوة الأشياء)، لأنه لا يمكننا ترك (ستعمرتنا (الجزائر) معزولة عن العالم) (١). وهو الصوت الذي ردده لوري بوليو، ولويس فينيون L.Vignon، كما سنرى. أن هولندا قد أخذت تغير من سياستها نحو أندونيسيا في نفس الوقت، وكذلك بريطانيا في الهند. وكانت حركة الجامعة الإسلامية الفكرية قد تدعمت سياسيا بتأييد السلطان عبد الحميد الثاني لمبدإ العثمنة وتجديد الخلافة. ثم كان الخوف من تلاقي أفكار الطرق الصوفية في الجزائر والعالم الإسلامي. فكان موقف فرنسا من تعليم الجزائريين إنما هو استجابة لهذا الضغط الدولي أو قوة الأشياء والظروف، كما سماها لوشاتلييه. لقد احتلت فرنسا الجزائر بقوة السلاح، وهيمنت على مقدراتها وفرضت سيادتها. وأعلنت أنها صاحبة رسالة حضارية وأنها بهذا العنوان تتحمل مسؤولية (التنوير) والتحرير والتقدم. وكان مدنيوها وعسكريوها ورجال دينها ومستوطنوها يرددون هذا الشعار آناء الليل وأطراف النهار، حتى أن الذي يقرأ كلامهم ولا يرى واقعهم يحكم أن الجزائر في العهد الفرنسي كانت جنة الدنيا وأن أهلها قد تحضروا وبلغوا القمة في التقدم والتحرر والتنور. فلنتذكر هذه الأقاويل والشنشنات عندما نصطدم بالأرقام المذهلة لعدد السكان وعدد المدارس وعدد الأطفال الذين يترددون عليها. ولنتذكرها عندما نعلم عدد الأميين في الجزائر في فاتح هذا القرن ثم عند استقلال الجزائر ١٩٦٢. إن بعض الكتاب الفرنسيين أمثال

стр. 1240

غوتييه E.F.Gautier وألفريد بيل (١)، يكادون يتميزون غيظا وهم يتحدثون عن نجاح العرب والمسلمين في تعريب وأسلمة المعرب العربي في ظرف قصير بينما فشل الفرنسيون في النفاذ إلى قلب (الأهالي) وإلى عقولهم رغم قوة الوسائل التي يملكونها وبراعة الدعاية التي ينشرونها، ورغم التبجح بالرسالة الحضارية. آراء حول تعليم الجزائريين جاء في التقرير الرسمي الذي نشر سنة ١٨٥١ بعد دراسة مستفيضة دامت حوالي خمس سنوات من متخصصين فرنسيين أن انشغال الحكومة الفرنسية بالحرب في الجزائر منعها من الاهتمام بقضية تعليم الجزائريين. وبناء على هذا الرأي الرسمي فإن المبرر واضح لإهمال التعليم وهو تكريس كل الاهتمام للاحتلال والاستعمار دون المبالاة بمصلحة (المغلوبين). والمعروف أن الحرب ضد المقاومة بقيادة الأمير دامت إلى نهاية ١٨٤٧ وأن الحاج أحمد باي قسنطينة قد استسلم في وسط ١٨٤٨، ولكن (الحرب) لم تنته سنة ١٨٥١، فما تزال منطقة زواوة غير محتلة وسيوجه إليها الفرنسيون حملات عسكرية رهيبة في عهد راندون. كما أن الجنوب (الأغواط، ميزاب، وادي ريغ وادي سوف، وكذلك الجنوب الغربي) كان ما يزال غير محتل. ثم إن الحرب التي يتحدث عنها التقرير الرسمي لم تمنع الفرنسيين من مصادرة أملاك الوقف كلها والتصرف في العقارات والمساجد والزوايا والمدارس وحتى الأضرحة والقباب والجبانات، بالهدم والإلغاء، أو إنشاء الساحات والطرقات مكانها، أو تحويلها إلى كنائس وثكنات ومخازن، وإدخال أموالها في ميزانية الدولة الفرنسية لإنفاقها على جهود الحرب ضد المقاومة أو إعطائها إلى المستوطنين الفرنسيين وحرمان الفقراء والوكلاء والمعلمين منها. ولقد كانت

стр. 1241

المدارس، كما سنرى، من ضحايا هذه السياسة. ومع ذلك يتهم التقرير الرسمي الجزائريين بأنهم كانوا متعصبين وخرافيين لأنهم رفضوا الترحيب بالفرنسيين. يقول التقرير إن التعليم الإسلامي (أي تعليم الجزائريين) من بين المسائل الملحة التي تنتظر إيجاد حل لأهمية مستقبلها على الاحتلال والاستعمار. لكن الحرب منعت الحكومة من إيجاد حل لقضايا المجتمع الإسلامي ومنها التعليم العمومي. ويرى أصحاب التقرير أنه بقدر ما يسرع الفرنسيون في إيجاد حل لهذا الموضوع بقدر ما يضمنون وضع جيل تحت طاعتهم، وهو جيل سيكون مغايرا للجيل السابق، خاليا من التعصب والخرافة. لقد كان على الحكومة انتظار اليوم الذي تهدأ فيه الأوضاع لكي تعالج مشروع التعليم، لأنه يحتاج إلى كثير من الصبر والمهارة، نظرا إلى الحكم المسبق لدى الأهالي وإلى التعصب الإسلامي (١). واضح إذن أنه بعد القضاء على المقاومة، أو بعبارة أخرى بعد عشرين سنة من الاحتلال ظن الفرنسيون أن الوقت كاف لهزيمة الجيل الذي عاصر الاحتلال وحان وقت كسب جيل جديد يخضع لهم عن طريق المدرسة والتأثير المعنوي، كما يقولون. فالهدف ليس خدمة المجتمع الإسلامي عن طريق ترك أهله يتعلمون من ميزانية الدولة المحتلة أو تركهم يعلمون أنفسهم من ميزانية أوقافهم، وإنما الهدف هو إنشاء جيل خاضع وتابع لفرنسا يحل محل الجيل الذي قاومها وانهزم. فهل كان ذلك صحيحا حقا؟ لو كان صحيحا لرأينا تقدما كبيرا في مجال التعليم الفرنسي بالجزائر، ولرأينا جيلا متعلما في إطار الرسالة الحضارية التي أعلنت عنها فرنسا. ولكن ذلك كان بعيدا جدا، فقد أطفئت الشموع من حول الجزائريين، كما قال الكسيس دي طوكفيل A.de Tocqueville سنة ١٨٤٨ (٢)، فلا هم بالتعليم العربي - الإسلامي الأصلي ولا هم بالتعليم الفرنسي، لماذا إذن؟

стр. 1242

إن المدافعين عن موقف الحكومة الفرنسية يجدون لها مبررات. يقول جان ميرانت الذي تولى إدارة الشؤون الأهلية في الجزائر خلال العشرينات من هذا القرن والذي كان ضابطا متخصصا في شؤون الجزائر والعرب والمسلمين: إن الاحتلال نفسه قد مر بمراحل (وقد أشرنا إلى ذلك)، وأن هناك مرحلة الحرب العوان، ومرحلة التهدئة والمناوشات، ومرحلة التوسع والانتشار من الجزائر إلى الصحراء حتى أن ميزاب احتلت فقط سنة ١٨٨٢ وجنوب وهران ١٨٨٣، وتوات وعين صالح بين ١٨٩٩ - ١٩٠٤. ومن جهة أخرى فإن فرنسا لم تقرر إلحاق الجزائر إلا سنة ١٨٣٤، ولم ترم بكل ثقلها في الحرب ضد المقاومة إلا بعد تعيين بوجو سنة ١٨٤١، ولم تعتبر الجزائر جزءا لا يتجزأ منها إلا سنة ١٨٤٨. ثم إن التعليم في فرنسا نفسها قد خضع إلى مراحل. ولم يكن للحكومات الفرنسية المتعاقبة نفس الرؤية حول التعليم في الجزائر، لأن للتعليم دائما هدفا وبرامج مختلفة، فهو عند الملكيين ليس هو هو عند الجمهوريين، وهو عند هؤلاء ليس هو تماما عند أتباع الامبراطورية، وهكذا (١). وكل هذه الاعتبارات تبدو سليمة. ومن يقول بغير ذلك؟ ولكن هل بقي المستوطنون الفرنسيون في الجزائر بدون تعليم أثناء هذه المراحل والترددات التي يوحي كلام ميرانت أن الفرنسيين قد خضعوا لها؟ أبدا. لقد كان فرنسيو الجزائر يتلقون تعليمهم العادي، كما هو الحال في فرنسا. وقد بنيت لهم المدارس وجيء لهم بالمعلمين ورصدت لهم الميزانية، فلم يبق سوى الجزائريين بدون تعليم أصلا، لأن وسائلهم المادية المرصودة للتعليم قد استولى عليها الفرنسيون ولأن المعلمين المسلمين هاجروا أو افتقروا، ولأن المدارس والمساجد قد هدمت أو ألغيت. ومن جهتها لم تتحمل الحكومة الفرنسية مسؤوليتها كدولة محتلة إزاء شعب محتل، له حق العيش والتعلم والبقاء. وإن الملفت للنظر حقا هو الطابع التمييزي - العنصري في تشريعات

стр. 1243

التعليم الفرنسية. فبعد إهمال مطلق للتعليم بين ١٨٣٠ - ١٨٣٦ أنشئت في هذه السنة أول مدرسة موجهة للأهالي وسميت بالمدرسة الحضرية - الفرنسية في مدينة الجزائر. أنها (حضرية) لأنها موجهة إلى سكان المدينة فقط، بينما سكان الجزائر الآخرون مسكوت عنهم تماما. وهي (فرنسية) لأنها كانت تستهدف دمج المسلمين في الفرنسيين عن طريق اللغة الفرنسية التي كان يعلمها فرنسي. وهل تظن أن السلطات الفرنسية قد بنت فعلا هذه المدرسة من حر مالها للجزائريين؟ لا، أبدا، إنها فقط بناية صادرتها هذه السلطات من الأوقاف الإسلامية. فهي مدرسة أو زاوية إسلامية أصبحت موطنا لأقدام الفرنسيين يعلمون فيها أبناء المسلمين في دعواهم ويؤثرون فيهم. هذا جانب من التمييز العنصري. أما الجانب الآخر فهو أن الفرنسيين قد تركوا الخواص الأوروبيين يفتحون المدارس الابتدائية للنصارى واليهود بين ١٨٣٠ - ١٨٣٢. وفي السنة الموالية (١٨٣٣) تدخلت السلطة وأنشأت مدرسة سميت بمدرسة التعليم المشترك mutuel، وهي طبعا موجهة لأبناء النصارى واليهود ولمن أراد من المسلمين. وتذهب المصادر إلى أن بعض التلاميذ المسلمين قد دخلوها، ثم تناقص عددهم خوفا من التحول الديني. وقد رفص هؤلاء الأطفال أن يتوسموا بوسام المدرسة حتى لا يتهموا بأنهم نصارى (فرنسيون). ولكن ما هذا الوسام؟ لقد كان على أولياء التلاميذ في مدينة الجزائر أن يقبلوا بالدخول إلى هذه المدرسة (المشتركة) تحت الرعاية الفرنسية وبالبرنامج الفرنسي أو يبقى أبناؤهم في جهل تام (١). وفي سنة ١٨٤٨ حل النظام الجمهوري محل النظام الملكي في فرنسا، وكان لذلك أثره على التعليم في الجزائر. لقد جاءت الجمهورية الثانية الليبرالية جدا بشعار دمج الجزائر في فرنسا، والمقصود هنا دمج المصالح الإدارية والتشريعية والمالية في مثيلاتها في فرنسا. وهذه الفلسفة (الاندماج) جاءت نتيجة تغييرات دستورية وهي أن الجزائر قد أصبحت في نظر

стр. 1244

الجمهوريين ودستورهم، جزءا لا يتجزأ من فرنسا. ولذلك أعلنت حكومة الجمهورية أن التعليم الأوروبي في الجزائر قد أصبح تابعا لوزارة المعارف العمومية في فرنسا وليس من اختصاصات وزارة الحربية ولا الحاكم العام الفرنسي في الجزائر. وقد أنشأت الوزارة المذكورة في الجزائر (أكاديمية) تشرف على نظام التعليم الأوروبي، كما هو الحال في الولايات الفرنسية الأخرى. أما التعليم (الأهلي) أو الإسلامي فقد بقي كما كان، أي تحت إشراف وزارة الحربية والإدارة المباشرة للحاكم العام العسكري (١). وليس هناك أكاديمية له، كما لا تهتم به الأكاديمية المذكورة. هذا من الناحية الإدارية المحضة، أما عمليا فقد ظل تعليم المسلمين مهملا تماما، كما لاحظنا ذلك في التقرير الرسمي، لأن السلطات الفرنسية كانت منشغلة في دعواها بالحرب وردع المقاومة. وحين أنشئت مدارس ابتدائية فرنسية موجهة للجزائريين سميت باسم خاص، وهو المدارس العربية - الفرنسية، وكان عددها قليلا جدا، ومحتوى برامجها لا يتجاوز غسل المخ وتوجيه جيل من الجزائريين نحو الفرنسية وقطعه عن جذوره، وذبذبة الأسرة والمجتمع من ورائه. وسنرى أن عدد هذه المدارس سنة ١٨٧٠ لم يصل في يوم من الأيام إلى الأربعين في الجزائر كلها، وكان يشرف عليه ضباط المكاتب العربية بعنجهيتهم وتعاليهم. وإلى جانب هذا المظهر من مظاهر التمييز، فإن هذه المدارس قصد بها فئة واحدة من الجزائريين وهم أبناء الموظفين لدى الإدارة الفرنسية - من قياد وباشغوات وقضاة الخ. ولم تكن المدارس مفتوحة لكل الجزائريين. ويمكننا أن نستمر في إبراز هذا الطابع التمييزي للتعليم، على ضعفه وذبذبته، بذكر أمثلة أخرى. فمن ذلك أن التعليم قد جعل إجباريا في فرنسا سنة ١٨٧٢، وعلى أبناء الأوروبيين في الجزائر سنة ١٨٧٣. أما بالنسبة للجزائريين فالإلزام لم يكن واردا، رغم اعتبار الجزائر جزءا من فرنسا،

стр. 1245

ودخولها تحت مظلة السيادة الفرنسية. والغريب أن أحد الباحثين ذكر أن الفرنسيين كانوا يبررون ذلك التمييز بقولهم إن الجزائريين رعايا والفرنسيين مواطنون (١). والرعية ليس سواء مع المواطن. مع أن الفرنسيين يزعمون أنهم ألغوا الرق وحملوا شعار المساواة. وبهذا الصدد (التمييز) كتب البعض بأن يترك التعليم للفرنسيين والفأس والمحراث للجزائريين، لأن ذلك أجدى لهؤلاء وأنفع من تعلم التاريخ (٢). وسنرى أن عملية التمييز هذه ستكون أبرز بعد إنشاء فرعين (فرنسي وجزائري) في مدرسة ترشيح المعلمين (النورمال). وبالإمكان الاستمرار في سرد هذه الآراء حول إهمال تعليم الجزائريين لنصل إلى حكم موضوعي يجيب على السؤال: ما كان وراء هذا الإهمال بين ١٨٣٠ - ١٩٠٠؟ هل هو التعصب الديني والخوف من التنصر وعدم الرغبة في التعلم والمقاطعة الثقافية عموما أو هو حرمان التعليم الإسلامي من موارده وبعثرة رجاله والتدخل في شؤونه بفرض اللغة الفرنسية والمعلم الفرنسي وهدم مدارسه ومساجده؟ ومن يا ترى ظهر بلباس التعصب والعدوانية: هل ذلك الذي صب حقده على المساجد منذ ١٨٣٠ فهدمها وحول بعضها إلى كنائس وأنشأ أسقفية في أملاك الأوقاف وفرض اللغة الفرنسية والمعلم الفرنسي في المدارس القرآنية التابعة للجامع؟ أو هو الذي قاوم كل ذلك بما أمكنه، بينما ظل يطالب بحقه في التعلم وفي احترام اتفاقية ١٨٣٠؟. إن الجزائريين قد استمروا طيلة السبعين سنة ينادون بالتعلم، ولكن بلغتهم وفي مدارسهم. فالذي يتحدث عن (التعليم) مطلقا سيكون غير منصف. لأن التحفظ الذي أبداه الجزائريون إنما كان حسب المعطيات الاجتماعية والتاريخية، حول التعليم الذي ثبت أن أهله لم يحترموا العهود

стр. 1246

ولا الدين الإسلامي ولا الأوقاف ولا رجال العلم ولا اللغة العربية. أما التعليم الذي طالب به الجزائريون فهو الذي يتماشى مع تقاليدهم ويحفظ لهم تراثهم ومعالمهم. لندرس بهذا الصدد العرائض الجماعية التي تقدم بها أهل المدن منذ السبعينات، فإننا سنلاحظ أنها تطالب بالتعليم العربي واحترام الإسلام والشريعة. وقد ظهر ذلك على لسان الأفراد أيضا ابتداء من رسالة المجاوي (إرشاد المتعلمين) سنة ١٨٧٧. وكان تمسك المرابطين في زواياهم الريفية بالتعليم العربي خير دليل على ما يرغب به الجزائريون من أنواع التعليم رغم تخلفه قياسا على المناهج الحديثة. ولكن الفرنسيين سخروا بعض الجزائريين ليحثوا أخوانهم على التعلم بالفرنسية وتلقي الحضارة الفرنسية، وذلك في المقالات التي نشرها مصطفى بن السادات، ومحمود بن الشيخ علي وغيرهما في جريدة (المبشر) الرسمية خلال الستينات. ثم إن الجزائريين لم يروا خلال الفترة المشار إليها (١٨٣٠ - ١٩٠٠) فائدة حقيقية مباشرة للتعلم بالفرنسية. ولو رأوها لتغيرت نظرتهم إليه. والدليل على ذلك هو ما حدث بعد ذلك من الإقبال على هذا التعليم والتنافس من أجله، لأن الفائدة المباشرة منه أصبحت جلية. لقد كان هدف التعليم الفرنسي الموجه للجزائريين من البداية متصفا بطابع التحدي الديني واللغوي والحضاري. كان الفرنسيون يشعرون ويعملون على أنهم ما داموا قد نجحوا في احتلال مدينة الجزائر وفرض سيطرتهم المادية على الحصون والقلاع ورفع العلم، فإن ذلك يبيح لهم انتهاك كل الحرمات والدوس على جميع المقدسات والتدخل في كل الشؤون حتى العائلية والمدرسية والدينية. ولكنهم كانوا واهمين، فالمقاومة لم تتوقف وكان الناس مؤمنين بأن النصر سيتحقق لا محالة ضد العدو، غير أن هذا النصر قد طال انتظاره، فتمسكوا بالجانب الآخر من المقاومة وهو الجانب الحضاري فلم يتنازلوا للفرنسيين عن مقاليدهم الحضارية بالسهولة التي توقعها هؤلاء. وهنا تظهر في الواقع عبقرية الشعب الجزائري وعبقرية الإسلام في المقاومة. وقد تفطن لذلك بعض المفكرين الفرنسيين أنفسهم، وهم أولئك الذين ظلوا ينبهون قومهم بأنه

стр. 1247

من الغلط الاعتقاد بأن الجزائريين قد انهزموا، فأسلوب المقاومة قد اختلف والأشخاص قد تغيروا ولكن روح المقاومة ظلت هي هي (١): كان التعليم في الجزائر واجبا دينيا واجتماعيا. والآيات والأحاديث التي تأمر بالتعلم وتحث عليه من أجل إثبات الإيمان والعقيدة كثيرة حتى أن المرء يخرج منها بينما إيمانه وإسلامه غير كاملين إذا لم يتعلم الحد الأدنى مما يعرفه بالله وبمخلوقاته والتزاماته الشرعية. ولسنا بصدد إثبات الأدلة على ذلك لأن مجاله في غير هذا الكتاب. غير إننا نقول إن التعليم السائد سنة ١٨٣٠ كان قائما على الدين ولخدمة الدين في المجال الواسع، باعتبار الإسلام دينا ودولة. وما دام مفهوم التعلم قد اتبع مفهوم السيادة ومفهوم الجهاد ومفهوم التقدم، فإن النتيجة كانت تخالف هذه المفاهيم جميعا، بما في ذلك المقصود الشرعي من التعلم. وإذا كان هذا المفهوم في القديم منطلقا من إدراك حقيقة الله وكنه الأشياء فقد ضعف هذا المفهوم سنة ١٨٣٠ حتى أصبح التعليم كأنه تعبد وممارسات طقوسية فقط. فحفظ القرآن كان للبركة ونيل الوظيفة أكثر منه لفهم الدين والعمل به في مجال السياسة والمجتمع والاقتصاد. وقس على ذلك العلوم المتصلة بالقرآن. هذا عن الجانب الديني من التعليم، أما الجانب الاجتماعي منه والسائد سنة ١٨٣٠، فإن الجزائريين كغيرهم من المسلمين كانوا يعتقدون أن المتعلم خير من الجاهل، وأن الله يرفع الذين أوتوا العلم درجات على غيرهم، وأن وظيفة العالم مضمونة، وأن احترامه واجب، وأن حب العلم من الإيمان. وقد كانت بعض العائلات تورث العلم والوظائف لأبنائها. والذي يدرس الحياة الاجتماعية، حتى الجانب الفولكلوري منها، سيجد أن الجزائريين كانوا يحتفلون بالعلم منذ دخول الطفل المدرسة الابتدائية إلى تخرجه من الثانوية والدراسات العالية. لأن العلم والدين مترابطان. وصاحب العلم

стр. 1248

محترم عند الله والناس وعند الحكام. فهناك الإعفاء من الضرائب، وهناك الخدمات الاجتماعية التي لا حصر لها، وتحبيس الكتب وغيرها على الطلبة والمتعلمين. بالإضافة إلى أن هناك جانبا عمليا من التعليم وهو الوظائف القضائية والتوثيقية والإدارية والتعليمية، وحتى الترجمة. أما قرض الشعر وكتابة الرسائل، وحل مشاكل التركات، والاطلاع على ما عند الآخرين وعلى التراث العلمي، فذلك موضوع آخر له أهميته في هذا المجال. ولكن روح التخلف والجمود قد سرت هنا أيضا. فالتعلم رغم الأبهة والسمعة الطيبة لصاحبه، لم يكن هو الوسيلة المثلى للرزق والسلطة، فالحكام كانوا جهالا إلا من رزقهم الله حظا من الذكاء الفطري أحيانا. والمناصب الأخرى غير مقصورة على ذوي العلم. والتجارة غير قائمة على دراسة قوانينها وإنما هي الظروف و (الشطارة) وبعض الأعراف. والمبادلات مع أوروبا كان يحتكرها التجار اليهود بترخيص وتواطؤ من الحكام، أما البنوك فقد كانت منعدمة. ورغم وفرة المال في الخزينة فإن مجال تصريفه وإنعاشه كان محدودا. من هنا بقي للتعلم فضيلتان: فضيلة الدين وفضيلة الرزق والمباهاة لفئة معينة في المجتمع. ويهمنا هنا الجانب الأول لأن الجانب الثاني (فضيلة الرزق) في الواقع هو نتيجة للأول. إذ أن من تفقه في الدين بوسائل الكتابة والقراءة وحفظ القرآن وإدراك بعض العلوم، حصل على المنصب والرزق ونال الحظوة بين الناس. ومن هنا نأتي إلى نقطة أخرى حول هذا التعلم الذي ساد سنة ١٨٣٠ وهو أنه كان تعلما خاصا لا ترعاه وزارة ولا حكومة. ولكن ترعاه مؤسسات وقفية وجهود فردية، ويساهم فيها المجتمع بكل فئاته ومواقعه، من المدينة إلى الريف. وهذه ظاهرة ما تزال في حاجة إلى بيان وتعمق حين يتحدث الناس عن (الخوصصة) في التعليم والاقتصاد وغيرهما. إن مجتمعنا القديم كان يقوم بنفسه وتلقائيا في هذا المجال. فالتعليم، كما قلنا واجب ديني واجتماعي، وليس واجبا سياسيا. ليس هناك تشريعات حكومية ولا برامج واجبة التطبيق للوصول إلى هدف معين بعد المدرسة. وإنما هناك العرف وهناك شروط الأوقاف، وهناك أيضا أوامر ونواهي الدين.

стр. 1249

وعلى هذا الأساس كثرت المدارس وانتشر التعليم في الجزائر حتى أثار ذلك استغراب ودهشة المحتلين الفرنسيين الأوائل والسواح الذين جاؤوا على أثرهم، كما شهدت عليه التقارير الرسمية التي سنعرض إليها. إننا سندرس في هذا الفصل التعليم الفرنسي ، والتعليم المزذوج (الفرنكو - ميزولمان). كل عنوان له تفريعات ومحاور سنوردها في مكانها. وللتعليم الفرنسي في الجزائر مراحل سنعرفها، كما أن للتعليم المزدوج مراحله. ولا بد أن نذكر هنا أن التعليمين نشطا منذ العشرينات من هذا القرن، وتنافسا، رغم عدم التكافؤ في المنافسة. التعليم الفرنسي نعني بالتعليم الفرنسي التعليم الذي تشرف عليه الإدارة الفرنسية مهما كانت لغته. ومعنى ذلك أننا سندرس تحت هذا العنوان التعليم الموجه للجزائريين وأحيانا التعليم الموجه للفرنسيين أيضا. وأثناء ذلك سيكون التعليم وحيدها أو مزدوجها، وقد يكون تعليما منفصلا (عنصريا) أو مندمجا. كما أن التعليم الفرنسي بأنواعه قد عرف مراحل عديدة في كل نوع. فكيف جرى ذلك؟ ولنتحدث الآن عن التعليم الفرنسي الموجه للفرنسيين والأوروبيين الذين حلوا بالجزائر منذ ١٨٣٠. نشأة المدرسة الابتدائية الفرنسية: لم يعرف هذا التعليم أية صعوبات لا مادية ولا إدارية ولا مالية. فالميزانية متوفرة دائما سواء من الدولة أو من الحكومة العامة أو من البلديات. وقد وصف دائما بأنه تعليم مزدهر، وأنه يتماشى مع روح الاستعمار التي يغذيها المستوطنون (الكولون) ومن المعروف أن هذا النوع من التعليم موجه إلى خدمة الجالية الفرنسية وإسعادها وتلبية مطالبها. وكانت هذه الجالية تزداد مع السنين بدرجات متفاوتة. فبين سنوات ١٨٣٠ و ١٨٥٠ استوطن الجزائر ٦٣.٤٩٧ بين فرنسيين وأوروبيين. وبين ١٨٥١ و ١٨٦٠

стр. 1250

وصل الرقم إلى ١٠٣.٣٢٣ مستوطنا. وبنهاية عهد الامبراطورية (١٨٧٠) وصل الرقم إلى ١٢٩.٨٩٨. وقد ازداد هذا الرقم بهجرة الإلزاسيين سنة ١٨٧١ فوصل في سنة ١٨٨٠ إلى ١٩٥.٤١٨ مستوطنا. وعشية الاحتفال المئوي للاحتلال (سنة ١٩٢٩) وصل عدد الجالية الفرنسية في الجزائر إلى ٦٧٥، ٦٤١. وإذا أخذنا بالإحصاءات الفرنسية وحدها فإن عدد السكان الجزائريين تراوح من حوالي مليون ونصف سنة ١٨٣٠ إلى ٢، ١٨٣، ٧٩٣ سنة ١٨٥٦. وهو التاريخ الذي يقول الفرنسيون إنهم بدأوا يحصون فيه سكان الجزائر (١). وقد ظل عدد السكان متقاربا إلى سنة ١٨٨٦ حين شهد ارتفاعا ملحوظا وهو ٣، ٢٦٤، ٨٧٩. ثم وصل عدد السكان إلى ٤.٠٧٢.٠٨٩ سنة ١٩٥١، بينما وصل سنة ١٩٢٦ إلى ٥.٦٤٨.٠٥٨. فإذا أخذنا في الاعتبار هذه الأرقام حول السكان الجزائريين والفرنسيين نكون قد أخذنا صورة صادقة عن أرقام التعليم لدى المتعلمين من الجزائريين والفرنسيين. فليس من المهم ذكر الأرقام في حد ذاتها ولكن المهم هو مقارنتها دائما بعدد السكان من هذا الجانب أو ذاك، لأن إغفال هذا العامل يترتب عليه حكم غير صحيح على تقدم أو فشل التعليم هنا أو هناك. ذكرنا أن بداية التعليم الفرنسي في الجزائر قد تركت في أيدي الخواص خلال السنتين الأوليين. فأنشأوا بعض المدارس الابتدائية لتعليم الأطفال الأروبيين واليهود بين ١٨٣٠ - ١٨٣٢ كما سبق. وخلال هذه الفترة التي كان الفرنسيون المدنيون فيها محصورين في مدينة الجزائر فتحت مدرسة لليهود أيضا ضمت أربعين طفلا، وكذلك عدة مدارس لأبناء الفرنسيين الذين أخذوا يستقرون

стр. 1251

ويتاجرون. وأثناء النقاش الذي كان يدور حول الجلاء عن الجزائر أو البقاء فيها، سارعت السلطات الفرنسية في الجزائر بتنظيم المدرسة في إطار التعليم العام، على أن يتعلم الأطفال المواد الابتدائية كما في فرنسا، يضاف إليها اللغة العربية. وقد ظهر ذلك في أول مدرسة رسمية فرنسية في الجزائر وهي التي سميت بمدرسة التعليم المشترك لتعليم القراءة. والكتابة والحساب (افتتحت في إبريل ١٨٣٣). وكانت تضم حوالي ٢٠٠ تلميذ. وقيل إن بعض الأطفال الجزائريين قد دخلوها أيضا، ولكنهم عادوا وقاطعوها، وبعد احتلال عنابة فتحت بها مدرسة أيضا (١٨٣٣) على نفس النمط (مدرسة مشتركة) موجهة بالدرجة الأولى للأطفال الفرنسيين. وبعد سنة واحدة فتحوا مدرسة أخرى في عنابة أيضا. وقد دخل الأخيرة بعض الجزائريين (١٢ طفلا، حسب التقرير) ولكن لم يمكثوا بها طويلا. إن القرار الفرنسي بالبقاء في الجزائر قد صدر في صيف ١٨٣٤، وهذا يعني كثرة الهجرة الفرنسية والأوروبية إليها، ومن ثمة الحاجة إلى تأسيس المدارس. وهكذا ظهرت مدارس مشتركة أخرى في دالي إبراهيم سنة ١٨٣٤، وفي القبة ١٨٣٥، وقيل إن حوالي ثلث أطفال مدرسة دالي إبراهيم كانوا من أبناء جنود الفرقة العسكرية الجزائرية التي كونها الفرنسيون والمسماة (بالزواف)، وكان عدد الجميع في مدرسة دالي إبراهيم حوالي ٥٠ تلميذا في سنة الافتتاح. وهناك نوعان آخران من التعليم الموجه للفرنسيين والأوروبيين خلال هذه الفترة. الأول هو أن بعض الأطفال كانوا في حاجة إلى مدرسة تعلم مستوى الثانوي (المتوسط؟) أيضا بمفهوم ذلك الوقت، لأن بعض العائلات اضطرت إلى إرسال أولادها إلى فرنسا لمواصلة التعليم. وسدا لذلك أسست السلطات مؤسسة سمتها (كوليج الجزائر) في يناير ١٨٣٥. ولا نعرف كم عدد التلاميذ الذين دخلوا هذا (الكوليج) ويبدو أنهم كانوا في عدد قليل. أما النوع الثاني من التعليم الذي أسسه الفرنسيون لأنفسهم فهو حلقه (كرسي) اللغة العربية. وكان ذلك سنة ١٨٣٢، وهو درس أسس في مدينة الجزائر على نفقه الحكومة الفرنسية. وكان الهدف منه هو تعليم

стр. 1252

اللغة العربية للفرنسيين الكبار والراغبين في الوظيفة من جهة أو العمل في الجيش والحياة المدنية والاستيطان من جهة أخرى، لأن معرفة اللغة العربية ستعتبر أساسية، بل إجبارية كما سنرى، للاتصال بالسكان، ودراسة تاريخهم وأوضاعهم. وقد تولى هذه الحلقة أو الدرس في أول مرة رجل سوري - مصري الأصل يسمى جوني فرعون، ثم تولاه مستشرق فرنسي يسمى لويس برينييه L.Bresnier. كما أن هذه الحلقة ستدوم طويلا وسوف لن تظل يتيمة بل سترفدها واحدة في قسنطينة وثالثة في وهران (١). وقد تواصل إنشاء المدارس الابتدائية الموجهة للفرنسيين في عدة مدن كلما وقع احتلالها واستيطانها من الجاليات الفرنسية والأوروبية التي تعتبر هي المدعمة للاحتلال. فقد تأسس في وهران أربع مدارس ابتدائية سنة ١٨٣٨، وفي عنابة خمس مدارس من هذا المستوى. لكن من الواضح أن البعض منها فقط كان موجها إلى الأوروبيين ويحضره أبناء الجزائريين إذا شاء ذلك أولياؤهم، ومن ذلك مدرسة من النوع الذي أطلق عليه اسم المدرسة العربية - الفرنسية. وأحيانا كانت تسمى المدرسة الحضرية. والمعروف أن وهران قد أخذ أهلها يعودون إليها، خصوصا بعد معاهدة التافنة (١٨٣٧)، كما أن مدينة عنابة قد عاد إليها السكان بعد احتلال قسنطينة سنة ١٨٣٧. وأخذت الجالية الفرنسية تتضخم في كلتا المدينتين. ومن جهة أخرى نشير إلى أن السيدة فيالار Vialar قد أسست سنة ١٨٣٦ مدرسة خاصة للبنات الأوروبيات الفقيرات، ويبدو أنها قد وجدت إقبالا حتى أنها افتتحت في ديسمبر من تلك السنة بـ ٨٤ طفلة (٢). ولنلاحظ أيضا أن بعض التعليم الابتدائي قد أصبح في أيدي الأسقفية الكاثوليكية التي تأسست سنة ١٨٣٨، وهو ما نسميه بالمدارس الدينية أو الكنسية.

стр. 1253

وقد توسع التعليم الابتدائي للفرنسيين حيثما نجح الاحتلال واستقرت الجاليات الأروبية. فانتشرت المدارس الابتدائية في المدن الأخرى، مثل قسنطينة وبجاية والبليدة وتلمسان ومستغانم. ثم نشأت مدارس مماثلة في ضواحي هذه المدن وفي المستوطنات التي أنشئت بغرض الاستعمار. ولذلك فإننا سنكتفي فقط بذكر الإحصاءات الإجمالية لهذه المدارس وعدد التلاميذ. وقد جاء في الإحصاء الرسمي لسنة ١٨٤٤ أن عدد التلاميذ بلغ في تلك السنة ٢.٤٤٨ من الأوروبيين. وهو رقم يأتي في أتون الحرب مع الأمير عبد القادر. لكن بعد هزيمته سنة ١٨٤٧ فإن الأرقام ستختلف كثيرا، وستدل على كثرة أبناء الأوروبيين في المدارس (١). بينما ارتفع الرقم إلى ٤.٥٦٢ سنة ١٨٤٥، وهو موزع بين الذكور والإناث في درجة متساوية تقريبا: ٢.٢٣١ ذكور، ٢.٣٣١ إناث (٢). وإليك هذا الجدول الذي يشهد على الزيادة المطردة في عدد التلاميذ الفرنسيين والأوروبيين في الفترة ما بين ١٨٤٧ و ١٨٥٠ (٣): السنة ... عدد التلاميذ (الأوروبيين) ١٨٤٧ ... ٧.٣٤٧ ١٨٤٨ ... ٨.٣٣٤ ١٨٤٩ ... ٨.٨٢٨ ١٨٥٠ ... ٩.٦٧٩

стр. 1254

ونلاحظ أن هناك مؤسسات تعليمية أخرى أنشئت لأطفال الأوروبيين سنة ١٨٤٨ وتسمى المخيمات الزراعية، وكانت تضم في تلك الفتوة بين ٢٠٠٠ و ٣٠٠٠ تلميذ. ويثبت إحصاء سنة ١٨٥٢ أن عدد التلاميذ قد وصل سنة ١٨٥١ إلى ١٢.٧٦٦، وأن حوالي نصفهم من البنات (٦.٥٠٤). كما أثبت هذا الإحصاء أن عدد المدارس الابتدائية قد وصل سنة ١٥٥١ إلى ٢٢٣ مدرسة. بينما كان العدد ٥٢ فقط سنة ١٨٤٥. بالإضافة إلى ٣٠ ملجأ جمع فيه ٢.٠٧٣ تلميذ من الجنسين وذلك سنة ١٨٥١. وهناك أيضا مدارس الكنائس الكاثوليكية والبروتيستانتية، والمدارس المسماة الفرنسية - الإسرائيلية (١). ومعنى هذا أن التعليم الابتدائي الفرنسي كان في نهضة وازدهار، وفي تقدم مستمر. وكان يجد الدعم من السلطات العسكرية والمدنية على السواء. كما يجد المال لبناء المدارس وتجهيزها، وتحضر له البرامج وتشرف عليه المصالح المعنية بعناية فائقة. يقول السيد لوروى بوليو سنة ١٨٨٦ إن كل واحد يعرف أن التعليم مزدهر في أوساط المستوطنين. فالجزائر الأوروبية تقع في الصف الأول من كل البلدان بالنسبة للحضور في المدرسة الابتدائية. وقد لاحظ نفس الكاتب، وهو بصدد المقارنة، أن فرنسا لم تقم بأي شيء جدي لتعليم الجزائريين رغم أنها قد تسلطت عليهم منذ خمسين سنة (٢). إن التعليم الابتدائي الفرنسي قد ازداد انتشارا بعد انتشار الاستعمار في البلاد وحصول الآلاف من الأروبيين على الأرض الخصبة التي أقاموا عليها القرى وأقاموا بها واستثمروها لصالحهم. وكان ذلك بعد احتلال زواوة سنة ١٨٥٧ وأثناء العهد المسمى بعهد التهدئة. وزاد ضغط المدنيين على العسكريين في الجزائر فحصلوا من الحكومة على القوانين الاندماجية التي تجعلهم يعيشون وهم في الجزائر

стр. 1255

بالقوانين الفرنسية والأحكام الفرنسية الجارية على مواطنيهم في بلادهم، ومن ذلك كل ما يتصل بالتعليم. وكان سقوط الامبراطورية وتولى الجمهورية الثالثة سنة ١٨٧٠ فاتحة العهد الذي حل فيه الحكم المدني محل العسكري، وسيطر فيه الكولون (المستوطنون) على مقاليد الجزائر، إدارة واقتصادا. وبالقدر الذي أهملوا فيه التعليم الجزائري - كما سنرى - بالقدر الذي كرسوا فيه الجهود لتعليم إبنائهم وتوفير جميع المستويات لهم، من الابتدائي إلى العالي. وكانت البلديات (المدنية) تتنافس على بناء المدارس لأبناء الجالية الفرنسية (الكولون) وتوفر لهم المنح والقروض، بينما تعليم الأهالي ظل محل احتقار وتهاون. وذلك هو العهد الذي يشير إليه لوروى بوليو. ففي هذا العهد (سنة ١٨٨٢) لاحظ بوليو أن عدد المدارس الابتدائية للفرنسيين بلغت ٦٩٧ مدرسة. بينما لا توجد سوى ٢١ (واحد وعشرين) مدرسة للجزائريين. أما عدد التلاميذ في الابتدائي فهو ٥٣.٦٦٦ بالنسبة للفرنسيين (والأوروبيين عموما). ولكنه لا يتجاوز ٣.١٧٢ تلميذ من الجزائريين. فإذا تذكرنا أن عدد السكان كان بنسبة واحد إلى عشرة تقريبا، عرفنا الطابع الحقيقي لموقف الإدارة الفرنسية من التعليم في الجزائر، وهو ما وصفناه بالطابع التمييزي والعنصري والذي اتخذ أسلوب الإهمال المتعمد. ويجب أن نعرف أيضا أن التعليم الابتدائي كان إجباريا لأبناء الفرنسيين ولكنه غير إجباري لأبناء الجزائريين (١). وقد وجد يوجين إيتيان E.Etienne، زعيم الكولون في البرلمان الفرنسي، تلك الفوارق ذريعة لتدخله سنة ١٨٨٤، ضد سياسة الاندماج مع الجزائريين لأن فوارق التعليم تؤدي بالضرورة إلى فوارق حضارية واجتماعية لا يقرها السيد إيتيان. فكيف يندمج سكان يتجاوز عددهم المليونين (الجزائريون) مع سكان عددهم أربعمائة ألف نسمة فقط (الفرنسيون) في الوقت الذي يقدم هؤلاء خمسين ألف تلميذ في الابتدائي

стр. 1256

وأولئك ثلاثة آلاف تلميذ فقط (١)؟ إن الاندماج في نظر السيد إيتيان يجب أن يكون في انسجام بين عدد السكان وعدد المتعلمين. إن سياسة التعليم الفرنسية إزاء أبناء الجالية الفرنسية وأبناء الجزائريين تظهر في القروض المخصصة للطرفين. ولنلاحظ ذلك مع فارق عدد السكان دائما في العهد الذي قيل فيه إن هذه الإدارة قد غيرت موقفها من التعليم للجزائريين (عهد ١٩٠٢ - ١٩٠٨) وأصبحت تسند له جزءا من الميزانية بعد أن كان مهملا (٢): قروض التعليم (بالفرنك) السنة ... للتعليم الفرنسي ... للتعليم الجزائري ١٩٠٢ ... ٥، ٠٨١، ٨٢٣ ... ١، ٣٨٩.٢٧٤ ١٩٠٣ ... ٥.٥٥٨.٩٧٨ ... ١.١٧٩.١٦٥ ١٩٠٤ ... ٥.٧٣٢.٠٠٣ ... ١، ٢٩٩.٤٢٤ ١٩٠٥ ... ٧.٨٤٧.٣٦٨ ... ١.٣١٤.٢٣٤ ١٩٠٦ ... ٨، ١٨٩، ٦٤٩ ... ١، ٣٨٥.٠٦٤ ١٩٠٧ ... ٨.٩٥٥.٣٩٠ ... ١، ٥٩٤.٤٦٤ ١٩٠٨ ... ٩.٩٢٣.٣٦٨ ... ١، ٦١٧.٦٣٩ ومع ذلك شهد التعليم الابتدائي الفرنسي للجزائريين انطلاقة كبيرة بين الحربين، ثم بعد الحرب العالمية الثانية. ففي سنة ١٩٢٠ كان عدد التلاميذ الأهالي المسجلين: ٣٦.٧٩٧، بينهم ٢.٠٣٤ تلميذة. وكان ذلك في بداية الانطلاقة. وخلال ١٩٤٤ طلع الجنرال كاترو (الحاكم العام مدة قصيرة)

стр. 1257

بفكرة مفادها أن المدرسة باللغة الفرنسية هي السبيل الوحيد للتفاهم بين المسلمين (الجزائريين) والفرنسيين، واقترح لذلك خطة عشرية تضمن تعميم التعليم الفرنسي إلى أن يشمل المرأة أيضا. وعندما صدر قانون ١٩٤٧ المعروف (بدستور الجزائر) نص على ضرورة توسيع التعليم بالعربية أيضا، كما نص على جعل اللغة العربية لغة رسمية. ولكن تطبيق ذلك لم يقع (١). وقد تدافع التلاميذ على المدارس الفرنسية والعربية (المدارس الحرة لجمعية العلماء) تدافعا غريبا، حتى أن ماسينيون L.Massignon - وبعض المربين - استغربوا كيف يستطيع التلميذ الجزائري أن يدرس أربع عشرة ساعة من الأربع والعشرين ساعة اليومية. وكان ذلك مثلا في ميزاب (كان أيضا شائعا في غيرها). فهم يترددون على المدرسة الفرنسية في النهار والمدرسة العربية عند الفجر وفي المساء (٢). التعليم الثانوي: ذكرنا الكوليج العربي وقلنا إنه مدرسة ابتدائية في أول أمرها. أن هذا الكوليج الذي بدأ سنة ١٨٣٦ بـ ٣٢ تلميذا، قد تحول منذ ١٨٤٨ إلى ثانوية (متوسطة) فرنسية، وهي الأولى من نوعها في الجزائر. ولكن خلال العشر سنوات أو نحوها التي عاشها الكوليج، كان تلاميذه فرنسيين وأوروبيين. والملاحظ أن المسلمين لم يدخلوه. وكان عدد تلاميذه قليلا، إذ لم يتجاوزوا سنة ١٨٣٧ ثمانين تلميذا. وكانت مواده هي اللغة العربية الفصحى، واللاتينية والفرنسية، والإغريقية، والجغرافية، والتاريخ، والعلوم الطبيعية، والرياضيات. وسرعان ما انخفض العدد إلى ١٩ تلميذا فقط لصعوبة اللاتينية حسبما أشيع. وكانت أعمار التلاميذ بين السابعة

стр. 1258

والتاسعة عشر .. فهو ليس بثانوية كما نفهمها اليوم، ولكنه معهد فيه مختلف المستويات، وتنتهي بمستوى الثانوي أو المتوسط (١). وأثناء عهد الجمهورية الثانية فصل التعليم الفرنسي عن سلطة وزير الحربية والحاكم العام وضم إلى اختصاص وزير المعارف وممثله في الجزائر وهو مدير إدارة التربية (الريكتور). وقد شمل ذلك المدارس الإسرائيلية أيضا، رغم أن اليهود في ذلك الوقت (١٨٤٨) لم يكونوا قد تجنسوا بالجنسية الفرنسية ولذلك فإنهم كانوا يعتبرون أهالي ورعايا. ونص القرار الجديد على أن مسؤول التعليم في الجزائر يتراسل مباشرة مع الوزير بشأن المدارس الأوروبية. أما بشأن المدارس الإسلامية فيتراسل نفس المسؤول مع الحاكم العام فقط، لأن المدارس الجزائرية ما تزال خاضعة لسلطة وزير الحربية، كما ذكرنا. وهذا من تفننات نظام الاحتلال في التمييز بين الجزائريين والفرنسيين. وكان (دولاكروا) Delacroix هو أول مدير للتربية (ريكتور) في الجزائر، وكانت مؤسسته تسمى الأكاديمية. وقد أعطى مدير التربية مكانا رئيسيا في الإدارة الجزائرية إذ هو عضو رسمي في مجلمس الحكومة العامة التي تدير شؤون البلاد. والتجديد الآخر الذي حدث سنة ١٨٤٨ هو إلغاء اسم (الكوليج) وإحلال اسم الثانوية محله، فأصبح يطلق عليه (ليسيه الجزائر)، وهو إطلاق غير دقيق، كما لاحظنا، لأن مستوى التعليم فيه كان متوسطا، وسنعرف أن أول ثانوية فرنسية حقيقية قد تأسست خلال الستينات. وكانت قد وقعت محاولة لإنشاء مركزين ثانويين في عنابة وسكيكدة سنة ١٨٤٦ لكنهما توقفا سنة ١٨٤٨، ١٨٤٩ على التوالي. وقد ألحقت بالليسيه مدرسة باسم جديد تكمله، وهي مدرسة ابتدائية/ عليا، وهي في الواقع، رغم التسمية، مدرسة دون المتوسط. وأصبحت اللغة العربية التي تدرس في هذه (الثانوية) هي العربية

стр. 1259

الدارجة. ولكن عدد التلاميذ كان متواضعا إذا قيس بأعدادهم في الابتدائي، مما يدل على أن بعض الفرنسيين كانوا يرسلون أولادهم إلى فرنسا للدراسة الثانوية الحقيقية. وإليك هذا النموذج لاعداد تلاميذ الثانوية سنة ١٨٤٩ (١): السنة ... عدد التلاميذ ١٨٤٧ ... ١٦٥ ١٨٤٨ ... ١٦٧ ١٨٤٩ ... ٢٠٤ ١٨٥٠ ... ٢٢٦ وكانت الدراسة في ثانوية الجزائر هي نفسها في ثانويات فرنسا حتى قيل أنه لا يجند إليها من المعلمين إلا حملة التبريز، كما أن المستوى والبرنامج وطريقة الانتقال كانت واحدة أيضا هنا وهناك، حسب الملاحظين. لكن الثانوية الحقيقية (الليسيه) التي أسسها الفرنسيون في الجزائر هي الثانوية التي سميت في وقت لاحق باسم المارشال بوجو. وقد افتتحت في الستينات من القرن الماضي. وقد ذكرنا في فصل المعالم الإسلامية والأوقاف أن هذه الثانوية قد أكلت معها جبانة المسلمين في باب الواد وعددا من المساجد والمدارس التي كانت في المكان الذي أقيمت فيه، وهي الثانوية التي تدعى الآن (ثانوية الأمير عبد القادر). هذه الثانوية قد بنيت على أنقاض

стр. 1260

معالم إسلامية كانت لها أوقافها ووكلاؤها وفقراؤها، قلما وجد فيها الجزائريون مكانا لأبنائهم، بل ظلت تقريبا ثانوية خاصة بأبناء الفرنسيين. وسنرى أن هناك عددا ضئيلا يقولون عنه أنه من الأهالي، ولكن أي أهالي؟ ونحن نتحدث الآن عن أوليات هذه المؤسسة أي إلى بداية القرن الحالي. أما بعد ذلك فقد دخلها بعض الجزائريين، ولكن عددهم ظل محدودا جدا بالنسبة لعدد السكان. ومع ذلك نلاحظ أن عدد التلاميذ عموما في المستوى الثانوي كان قليلا لأن بعض الفرنسيين كانوا يوجهون أبناءهم لاستكمال الدراسة في فرنسا نفسها. ففي سنة ١٨٨٦، أي في عهد الجمهورية الثالثة، كان بالجزائر ثماني عشرة مدرسة ثانوية ومعهدا، أبرزها ثانوية الجزائر المذكورة وثانوية قسنطينة وثانوية وهران. وكانت المؤسسات التعليمية الأخرى التي تقدم تعليما ثانويا تسمى بالكوليجات أو المعاهد البلدية. وعددها عندئذ تسعة. يضاف إليها مدرستان حرتان وأربع حلقات (سيمنارات) ذات طابع ديني - مسيحي. وكان يتردد على هذه المؤسسات الثانوية سنة ١٨٨٥ - ١٨٨٦، من الأوروبيين ٣.٣٥٢، أي بمعدل ٢٠٠ تلميذ لكل مؤسسة. ومن بين هؤلاء يوجد ٢٢٨ تلميذا من الأجانب الأوروبيين (غير المتجنسين)، أما عدد التلاميذ الجزائريين فلا يتجاوز ١١٥ من مجموع السكان الذي يقارب ثلاثة ملايين ونصفا. ولعل هذا يفسر دور المدرسة الابتدائية الفرنسية الموجهة للجزائريين. فقد كان الغرض منها ليس الثقافة والترقي إلى سلم التعليم الثانوي، ولكن مسخ الهوية وغسل المخ ثم ترك التلاميذ نهب الأقدار مذبذبين، لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء. وقد تساءل الكاتب بوليو عن ذلك وشك أن يكون راجعا إلى ارتفاع الثمن في هذا التعليم، وهو شك في غير محله، لأن بعض العائلات الجزائرية على الأقل كانت قادرة على رصد منح لأبنائها لو وجدت إلى ذلك سبيلا، كما حدث بعد ذلك، ثم إن الدولة الفرنسية المحتلة كانت ترصد المنح للدراسة في الثانويات لأبناء الأوروبيين. فأين هي المنح بالنسبة للجزائريين الذين يدفعون ضرائب أعلى عدة مرات مما

стр. 1261

يدفعه الفرنسيون. كما شك بوليو في أن عقول الجزائريين كانت لا تستسيغ التعليم الفرنسي في هذا المستوى (١). وهو تشكيك غريب منه. وربما كان متأثرا بمدرسة داروين ونيتشه وغوبينو وغيرهم من أصحاب نظرية النشوء والارتقاء والتفوق العنصري. وكانت عندئذ في أوجها. ولعل ملاحظات أصحاب (مجلة المغرب) سنة ١٩١٧ كانت أكثر موضوعية في هذا الصدد. فالتعليم الفرنسي من الأساس كان يهدف إلى خدمة الجالية الفرنسية وسعادتها. فإذا قدم منه شيء للجزائري فلا يخرج عن الطابع الاستغلالي كحذق بعض شؤون الزراعة لمساعدة المستوطنين، وحذق الطرز ونسج الزرابي لبيعها للسواح وتصديرها، أو تخريج بعض الجنود والقضاة والمترجمين. أما التعليم الذي يكون ويربى المواطن ويرفع المستوى العقلي ويضمن له الوظائف، فذلك كان حكرا على الفرنسيين. لاحظت (مجلة المغرب) أن الثانويات والكليات إنما أنشئت للأوروبيين فقط وقلما يدخلها غيرهم. وكان التعليم يعطي بالفرنسية ولا يعطي بالعربية في بلاد شعبها عربي، لأن هدف الإدارة الاستعمارية هو إحداث الذبذبة العقلية ومسخ الهوية (٢). حقيقة أن السلطة الفرنسية أنشأت للأروبيين المؤسسات التعليمية في جميع المستويات، من الابتدائي إلى العالي. وإذا سمح للجزائريين بدخول الثانويات ففي أقسام خاصة بهم تسمى الأقسام (الأهلية). ومن الملاحظ أنه بالإضافة إلى الثانويات في عواصم الأقاليم الثلاثة، هناك المعاهد (الكوليجات) في كل من البليدة ومستغانم وتلمسان والمدية وسكيكدة وعنابة وسطيف وبلعباس. وهذا بعد مرور قرن على الاحتلال (أي ١٩٣٠). وفي هذه المؤسسات كلها كان عدد التلاميذ الفرنسيين حوالي ١١، ٠٠٠ من سكان عددهم أقل من نصف مليون نسمة. بينما عدد التلاميذ

стр. 1262

الجزائريين ٧٧٦ فقط من سكان عددهم خمسة ملايين نسمة. وهناك تضارب أحيانا في الأرقام. ففي سنة ١٩٢٠ كتب ماسينيون يقول إن عدد طلبة الليسيات كلها في الجزائر قد بلغ ٦.٨٢٠ من بينهم ٣٦٣ فقط من الجزائريين. وقد وصل عدد التلاميذ سنة ٨٨١، ١٩٣٦ يضاف إليهم ٩٩ بنتا ليكون المجموع ٩٨٠. أما التلاميذ الفرنسيون فكان عددهم ١١، ٥٤٣ (١). وبالإضافة إلى التعليم الثانوي العام هناك التعليم الثانوي الخاص. ولهذا التعليم ست عشرة مؤسسة كانت تضم ١، ٩٤١ تلميذا سنة ١٩٣٦، منهم ١، ٦٨١ فرنسي، و ٢٣١ فقط من الجزائريين (٢). ورغم أن التعليم العام يستلزم عدم التفريق بين التلاميذ الجزائريين والفرنسيين في المؤسسة الواحدة وفي شروط القبول، إلا أن السلطات الإدارية ظلت تميز الأطفال الجزائريين عن سواهم بشتى الصور. فهي لا تقبلهم إلا بعد امتحان خاص، ثم صدر ما يفيد استثناء أبناء العائلات التي خدمت فرنسا من ذلك الامتحان. وعلى هذا فإن العدد القليل الذي دخل المدرسة الفرنسية الثانوية من الجزائريين إنما كان من فئة معينة لا تخرج عن أبناء (الخيام الكبيرة)، والعائلات التي تولى أربابها المناصب الفرنسية (القياد والآغوات الخ). وكذلك الموظفين كأبناء الخوجات والمترجمين والعائلات المتنفذة التي تبنت الأفكار الفرنسية. وهذه السياسة قد ظهرت بالخصوص في عهد الحاكم العام شارل لوتو Ch.Lutaud، الذي حكم من ١٩١٣ إلى ١٩١٨. ورغم ذلك فإن أعداد التلاميذ الجزائريين في الثانويات الفرنسية كان قليلا جدا.

стр. 1263

ومن الملفت للنظر أنه لم يكن بين ١٨٩٨ - ١٨٩٩ سوى ٨٦ تلميذا جزائريا في جميع الثانويات الفرنسية. وقد وصل العدد إلى ٣٨٦ سنة ١٩١٤ وإلى ٧٧٦ سنة ١٩٣٠. وفي سنة ١٩٥١ لا يوجد في الدراسة الثانوية من الجزائريين سوى ٣.٢١٤ (مقابل ٢٥.٥٠٠ أوروبيين) (١). التعليم العالي: فإذا انتقلنا إلى التعليم العالي نجده قد قطع أشواطا كبيرة بالنسبة للفرنسيين والأوروبيين، ولكن حظ الجزائريين فيه كاد يكون غائبا. والواقع أن الفرنسيين ظلوا يرسلون أبناءهم ليواصلوا تعليمهم الجامعي إلى فرنسا نفسها. ولم تشهد الجزائر ميلاد نواة الدراسات العليا إلا خلال السبعينات من القرن الماضي، حين نشأت مدارس عليا للآداب والحقوق والعلوم. أما مدرسة الطب فقد سبقت إلى الظهور، ثم تحولت هذه المدارس العليا جميعا إلى كليات سنة ١٩٠٩، وضمتها جميعا جامعة الجزائر المعروفة اليوم. وكانت في الحقيقة جامعة فرنسية روحا ومحتوى وأساتذة وهدفا. وليس لها من الجزائر إلا الاسم. ومع ذلك فنحن هنا نؤرخ لهذه المؤسسة ونريد أن نعرف من استقبلت من الطلاب وكيف تطورت (٢). ومما يذكر بهذا الصدد أن الجهات الفرنسية العليا كانت دائما مترددة في إنشاء جامعة في الجزائر خوفا من أن تشيع فكرة الانفصال عند الكولون - المستوطنين، وليس خوفا من انفصال الجزائريين، لأن التعليم غير موجه إليهم منذ البداية، وأن في بقاء الدراسات والشهادات العليا في فرنسا نفسها ضمانا لاستمرار الارتباط بين فرنسا وأبنائها في الجزائر. رغم أن مؤرخي التعليم يذهبون إلى أن إنشاء حلقات اللغة العربية

стр. 1264

خلال الثلاثينات يعد أول خطوة في التعليم العالي الفرنسي في الجزائر (١)، فإن المحاولة الأولى في هذا الميدان، في نظرنا، هي إنشاء مدرسة الطب بالجزائر سنة ١٨٥٧. وهناك من يعتبر هذه المدرسة هي النواة لجامعة الجزائر. وكان الدكتور بودان Baudens، الطبيب العسكري، قد أنشأ مع غيره من الأطباء العسكريين سنة ١٨٣٢ مدرسة طبية وصيدلية قرب حديقة الباي، وهي عبارة عن قاعات (براكات) خشبية احتوت على ألف سرير. وكان التعليم فيها عمليا في أغلبه نظرا للظروف العسكرية التي كانت تمر بها الجزائر. وبعد أربع سنوات وقع التخلي عن هذه المحاولة (٢). أما التأسيس الحقيقي لمدرسة الطب فقد نص عليه قرار ٤ غشت ١٨٥٧. وقد بدأت بداية متواضعة، فكان بها فقط ثمانية من الأساتذة المرسمين وأربعة احتياطيين. ولم يكن هدفها هو تدريس الطب وخدمته كما في فرنسا، لأنها كانت في بيئة أخرى، كما ذكر دوتيه، تختلف بالدين والعرق عن بيئة فرنسا. ولذلك قال الدكتور أميري فريسون في خطبة الافتتاح لسنة ١٨٦٢ أن رسالتها (مدرسة الطب) ليست تكوين أطباء أوروبيين أو أهالي، ولكن هدفها مساعدة الطب لمشكل الحضارة الأهلية. وكان الدكتور فريسون قد اختار عنوانا موضوعه هكذا (تأثير العلوم عامة والطب خاصة على حضارة العرب). وفي سنة ١٨٩٢ كرر الدكتور تيكسييه، مدير مدرسة الطب بالجزائر، مقولة الوزير دي سالفندي أمام مؤتمر طبي بباريس: (أن الجيش العربي لا يمكن التعامل معه إلا من خلال الدين والطب. فأما الدين فيفرقنا عنه، وأما الطب فيجمعنا به) (٣). ولكن مدرسة الطب قد تكونت وأدت خدمات هامة في ضوء الحضارة

стр. 1265

العربية الإسلامية في الجزائر وبالوسائل العلمية الفرنسية. وقد بقيت محتكرة من قبل الفرنسيين. فلم يدخلها من الجزائريين إلا النادر. كان إنشاؤها بمبادرة من المارشال راندون، الحاكم العام في وقته (١٨٥٢ - ١٨٥٧)، وكانت تستقبل الشباب الفرنسيين للشروع في الدراسات الطبية الميدانية الأولى في عين المكان. وكان قانونها يسمح للشبان الجزائريين أيضا بدخولها سواء في ميدان الاستعمالات الطبية أو الجراحة العامة، على أن يعمل هؤلاء الشبان فيما بعد في الأوساط الريفية التي يتحكم فيها الطب الشعبي والشعوذة والسحر (١). وفي سنة ١٨٦٧ كان بالمدرسة جزائريان فقط، وهما علي بن محمد بن بولكباشي وقدور بن محمد (٢). كما أن هدفها من قبول بعض الجزائريين هو مساعدة المتخرجين منها لذويهم وإخراجهم من ربقة التخلف وربطهم بركب الحضارة الحديثة، حسب تعبير جريدة (المبشر) الرسمية (٣). وهو بدون شك، تعبير جميل ولكنه غير واقعي. وقد اشترط لدخول الشباب الجزائريين إليها معرفة اللغة الفرنسية ومعرفة العلوم الطبيعية. ومن أين لهم بذلك؟ إن الوسيلة الوحيدة هي أن يكونوا قد درسوا في كوليج الجزائر سابق الذكر أو أن يكونوا من الرهائن الذين أخذوا إلى فرنسا قسرا خلال الأربعينات. ولذلك أخبرت جريدة المبشر أن الذين لبوا الشرط، بعد أكثر من عشر سنوات من إنشاء المدرسة، لم يتجاوزوا ثلاثة، وقد استطاعوا بذلك الحصول على المنح الدراسية في المدرسة وتخرجوا منها. وكان بها سنة ١٨٦٩ ثلاثة آخرون (٤). وليس بهذا العدد سينتشر الطب في الجزائر أو يتقدم المجتمع! ففي سنة ١٨٧٢ لم يكن بمدرسة الطب من الجزائريين سوى خمسة.
следующие страницы →