← Указатели

Указатели · id 14100

تاريخ الجزائر الثقافي

أبو القاسم سعد الله

Полный текст (5 019 стр.). Показаны 1261–1300 · переход к 1266.

стр. 1261

يدفعه الفرنسيون. كما شك بوليو في أن عقول الجزائريين كانت لا تستسيغ التعليم الفرنسي في هذا المستوى (١). وهو تشكيك غريب منه. وربما كان متأثرا بمدرسة داروين ونيتشه وغوبينو وغيرهم من أصحاب نظرية النشوء والارتقاء والتفوق العنصري. وكانت عندئذ في أوجها. ولعل ملاحظات أصحاب (مجلة المغرب) سنة ١٩١٧ كانت أكثر موضوعية في هذا الصدد. فالتعليم الفرنسي من الأساس كان يهدف إلى خدمة الجالية الفرنسية وسعادتها. فإذا قدم منه شيء للجزائري فلا يخرج عن الطابع الاستغلالي كحذق بعض شؤون الزراعة لمساعدة المستوطنين، وحذق الطرز ونسج الزرابي لبيعها للسواح وتصديرها، أو تخريج بعض الجنود والقضاة والمترجمين. أما التعليم الذي يكون ويربى المواطن ويرفع المستوى العقلي ويضمن له الوظائف، فذلك كان حكرا على الفرنسيين. لاحظت (مجلة المغرب) أن الثانويات والكليات إنما أنشئت للأوروبيين فقط وقلما يدخلها غيرهم. وكان التعليم يعطي بالفرنسية ولا يعطي بالعربية في بلاد شعبها عربي، لأن هدف الإدارة الاستعمارية هو إحداث الذبذبة العقلية ومسخ الهوية (٢). حقيقة أن السلطة الفرنسية أنشأت للأروبيين المؤسسات التعليمية في جميع المستويات، من الابتدائي إلى العالي. وإذا سمح للجزائريين بدخول الثانويات ففي أقسام خاصة بهم تسمى الأقسام (الأهلية). ومن الملاحظ أنه بالإضافة إلى الثانويات في عواصم الأقاليم الثلاثة، هناك المعاهد (الكوليجات) في كل من البليدة ومستغانم وتلمسان والمدية وسكيكدة وعنابة وسطيف وبلعباس. وهذا بعد مرور قرن على الاحتلال (أي ١٩٣٠). وفي هذه المؤسسات كلها كان عدد التلاميذ الفرنسيين حوالي ١١، ٠٠٠ من سكان عددهم أقل من نصف مليون نسمة. بينما عدد التلاميذ

стр. 1262

الجزائريين ٧٧٦ فقط من سكان عددهم خمسة ملايين نسمة. وهناك تضارب أحيانا في الأرقام. ففي سنة ١٩٢٠ كتب ماسينيون يقول إن عدد طلبة الليسيات كلها في الجزائر قد بلغ ٦.٨٢٠ من بينهم ٣٦٣ فقط من الجزائريين. وقد وصل عدد التلاميذ سنة ٨٨١، ١٩٣٦ يضاف إليهم ٩٩ بنتا ليكون المجموع ٩٨٠. أما التلاميذ الفرنسيون فكان عددهم ١١، ٥٤٣ (١). وبالإضافة إلى التعليم الثانوي العام هناك التعليم الثانوي الخاص. ولهذا التعليم ست عشرة مؤسسة كانت تضم ١، ٩٤١ تلميذا سنة ١٩٣٦، منهم ١، ٦٨١ فرنسي، و ٢٣١ فقط من الجزائريين (٢). ورغم أن التعليم العام يستلزم عدم التفريق بين التلاميذ الجزائريين والفرنسيين في المؤسسة الواحدة وفي شروط القبول، إلا أن السلطات الإدارية ظلت تميز الأطفال الجزائريين عن سواهم بشتى الصور. فهي لا تقبلهم إلا بعد امتحان خاص، ثم صدر ما يفيد استثناء أبناء العائلات التي خدمت فرنسا من ذلك الامتحان. وعلى هذا فإن العدد القليل الذي دخل المدرسة الفرنسية الثانوية من الجزائريين إنما كان من فئة معينة لا تخرج عن أبناء (الخيام الكبيرة)، والعائلات التي تولى أربابها المناصب الفرنسية (القياد والآغوات الخ). وكذلك الموظفين كأبناء الخوجات والمترجمين والعائلات المتنفذة التي تبنت الأفكار الفرنسية. وهذه السياسة قد ظهرت بالخصوص في عهد الحاكم العام شارل لوتو Ch.Lutaud، الذي حكم من ١٩١٣ إلى ١٩١٨. ورغم ذلك فإن أعداد التلاميذ الجزائريين في الثانويات الفرنسية كان قليلا جدا.

стр. 1263

ومن الملفت للنظر أنه لم يكن بين ١٨٩٨ - ١٨٩٩ سوى ٨٦ تلميذا جزائريا في جميع الثانويات الفرنسية. وقد وصل العدد إلى ٣٨٦ سنة ١٩١٤ وإلى ٧٧٦ سنة ١٩٣٠. وفي سنة ١٩٥١ لا يوجد في الدراسة الثانوية من الجزائريين سوى ٣.٢١٤ (مقابل ٢٥.٥٠٠ أوروبيين) (١). التعليم العالي: فإذا انتقلنا إلى التعليم العالي نجده قد قطع أشواطا كبيرة بالنسبة للفرنسيين والأوروبيين، ولكن حظ الجزائريين فيه كاد يكون غائبا. والواقع أن الفرنسيين ظلوا يرسلون أبناءهم ليواصلوا تعليمهم الجامعي إلى فرنسا نفسها. ولم تشهد الجزائر ميلاد نواة الدراسات العليا إلا خلال السبعينات من القرن الماضي، حين نشأت مدارس عليا للآداب والحقوق والعلوم. أما مدرسة الطب فقد سبقت إلى الظهور، ثم تحولت هذه المدارس العليا جميعا إلى كليات سنة ١٩٠٩، وضمتها جميعا جامعة الجزائر المعروفة اليوم. وكانت في الحقيقة جامعة فرنسية روحا ومحتوى وأساتذة وهدفا. وليس لها من الجزائر إلا الاسم. ومع ذلك فنحن هنا نؤرخ لهذه المؤسسة ونريد أن نعرف من استقبلت من الطلاب وكيف تطورت (٢). ومما يذكر بهذا الصدد أن الجهات الفرنسية العليا كانت دائما مترددة في إنشاء جامعة في الجزائر خوفا من أن تشيع فكرة الانفصال عند الكولون - المستوطنين، وليس خوفا من انفصال الجزائريين، لأن التعليم غير موجه إليهم منذ البداية، وأن في بقاء الدراسات والشهادات العليا في فرنسا نفسها ضمانا لاستمرار الارتباط بين فرنسا وأبنائها في الجزائر. رغم أن مؤرخي التعليم يذهبون إلى أن إنشاء حلقات اللغة العربية

стр. 1264

خلال الثلاثينات يعد أول خطوة في التعليم العالي الفرنسي في الجزائر (١)، فإن المحاولة الأولى في هذا الميدان، في نظرنا، هي إنشاء مدرسة الطب بالجزائر سنة ١٨٥٧. وهناك من يعتبر هذه المدرسة هي النواة لجامعة الجزائر. وكان الدكتور بودان Baudens، الطبيب العسكري، قد أنشأ مع غيره من الأطباء العسكريين سنة ١٨٣٢ مدرسة طبية وصيدلية قرب حديقة الباي، وهي عبارة عن قاعات (براكات) خشبية احتوت على ألف سرير. وكان التعليم فيها عمليا في أغلبه نظرا للظروف العسكرية التي كانت تمر بها الجزائر. وبعد أربع سنوات وقع التخلي عن هذه المحاولة (٢). أما التأسيس الحقيقي لمدرسة الطب فقد نص عليه قرار ٤ غشت ١٨٥٧. وقد بدأت بداية متواضعة، فكان بها فقط ثمانية من الأساتذة المرسمين وأربعة احتياطيين. ولم يكن هدفها هو تدريس الطب وخدمته كما في فرنسا، لأنها كانت في بيئة أخرى، كما ذكر دوتيه، تختلف بالدين والعرق عن بيئة فرنسا. ولذلك قال الدكتور أميري فريسون في خطبة الافتتاح لسنة ١٨٦٢ أن رسالتها (مدرسة الطب) ليست تكوين أطباء أوروبيين أو أهالي، ولكن هدفها مساعدة الطب لمشكل الحضارة الأهلية. وكان الدكتور فريسون قد اختار عنوانا موضوعه هكذا (تأثير العلوم عامة والطب خاصة على حضارة العرب). وفي سنة ١٨٩٢ كرر الدكتور تيكسييه، مدير مدرسة الطب بالجزائر، مقولة الوزير دي سالفندي أمام مؤتمر طبي بباريس: (أن الجيش العربي لا يمكن التعامل معه إلا من خلال الدين والطب. فأما الدين فيفرقنا عنه، وأما الطب فيجمعنا به) (٣). ولكن مدرسة الطب قد تكونت وأدت خدمات هامة في ضوء الحضارة

стр. 1265

العربية الإسلامية في الجزائر وبالوسائل العلمية الفرنسية. وقد بقيت محتكرة من قبل الفرنسيين. فلم يدخلها من الجزائريين إلا النادر. كان إنشاؤها بمبادرة من المارشال راندون، الحاكم العام في وقته (١٨٥٢ - ١٨٥٧)، وكانت تستقبل الشباب الفرنسيين للشروع في الدراسات الطبية الميدانية الأولى في عين المكان. وكان قانونها يسمح للشبان الجزائريين أيضا بدخولها سواء في ميدان الاستعمالات الطبية أو الجراحة العامة، على أن يعمل هؤلاء الشبان فيما بعد في الأوساط الريفية التي يتحكم فيها الطب الشعبي والشعوذة والسحر (١). وفي سنة ١٨٦٧ كان بالمدرسة جزائريان فقط، وهما علي بن محمد بن بولكباشي وقدور بن محمد (٢). كما أن هدفها من قبول بعض الجزائريين هو مساعدة المتخرجين منها لذويهم وإخراجهم من ربقة التخلف وربطهم بركب الحضارة الحديثة، حسب تعبير جريدة (المبشر) الرسمية (٣). وهو بدون شك، تعبير جميل ولكنه غير واقعي. وقد اشترط لدخول الشباب الجزائريين إليها معرفة اللغة الفرنسية ومعرفة العلوم الطبيعية. ومن أين لهم بذلك؟ إن الوسيلة الوحيدة هي أن يكونوا قد درسوا في كوليج الجزائر سابق الذكر أو أن يكونوا من الرهائن الذين أخذوا إلى فرنسا قسرا خلال الأربعينات. ولذلك أخبرت جريدة المبشر أن الذين لبوا الشرط، بعد أكثر من عشر سنوات من إنشاء المدرسة، لم يتجاوزوا ثلاثة، وقد استطاعوا بذلك الحصول على المنح الدراسية في المدرسة وتخرجوا منها. وكان بها سنة ١٨٦٩ ثلاثة آخرون (٤). وليس بهذا العدد سينتشر الطب في الجزائر أو يتقدم المجتمع! ففي سنة ١٨٧٢ لم يكن بمدرسة الطب من الجزائريين سوى خمسة.

стр. 1266

وعند إنشاء المدارس العليا سنة ١٨٧٩ تطورت مدرسة الطب وأضيفت إليها الصيدلة وأعيد تنظيمها، فأصبح لها أربعة كراسي، هي: الفيزياء، والمواد الطبية، والأناتوميا الباتوليجيكية والهسيتولوجية، ثم أمراض البلاد الحارة. وفي سنة ١٩٠٩ أصبحت المدرسة المذكورة هي كلية الطب والصيدلة التابعة لجامعة الجزائر والتي سيرد ذكرها في الحديث عن الجامعة. أما بالنسبة للجزائريين فقد بقيت مدرسة الطب مغلقة تقريبا في وجوههم رغم الدعاية والإعلان عن كونها لخدمة الحضارة العربية في الجزائر. فقد أثبت إحصاء سنة ١٩٠٥ أنه منذ إنشائها لم يسجل بها سوى ٣٣ طالبا جزائريا، واثنين في الصيدلة. وقد حصل منهم ١٢ على دبلوم الصحة - وهو ذو مستوى بسيط، و ٦ على الدكتوراه. واستطاع طالبا الصيدلة الوصول إلى القسم الثاني، أما الباقون فلم يواصلوا التعليم. هذه هي حصيلة مدرسة الطب في الجزائر خلال الخمسين سنة (١). لقد تأسست ابتداء من سنة ١٨٧٩ أربع مدارس عليا في الجزائر، كما قلنا، وشملت، بالإضافة إلى الطب، الآداب والحقوق والعلوم. وقد ألحق بالمدرسة الأخيرة في تاريخ متأخر مرصد ومخبر للمحطة الزيولوجية البحرية. ثم أنشئ أيضا (معهد باستور). ولكنه كان بعيدا عن سلطة الجامعة، بل كان تابعا للحكومة مباشرة. ويلاحظ أنه رغم الدراسات في الجزائر فإن إجراء الامتحانات والحصول على شهادة الليسانس لا يكون إلا في فرنسا. وهذا يؤكد ما قلناه وهو الخوف من أن تكون الجامعة وسيلة مشجعة على الانفصال السياسي والإداري عن فرنسا، وانغلاق الجامعة على نفسها. ولعل وراء ذلك أيضا المحافظة على المستوى وتوحيد الشهادات الفرنسية (٢). وكانت المدارس العليا الجديدة مغلقة أيضا في وجه الجزائريين، شأن

стр. 1267

مدرسة الطب والصيدلة قبلها. فالتعليم العالي العمومي كان محتكرا من الفرنسيين رغم أن الجزائريين كانوا أكثر منهم عددا، وهم أهل البلاد، والدافعون للضرائب الثقيلة. وقد جاء في إحصاء سنة ١٨٨٢ أن عدد الطلبة الفرنسيين في المدارس العليا الأربع قد بلغ ٥٥٧، أما عدد الطلبة الجزائريين بها فلم يتجاوز ٣٥، أغلبهم في الحقوق (٢٨)، بينما أربعة في الآداب، وثلاثة في الطلب، وصفر في العلوم. ومهما كان الأمر فقد دعمت الدراسات العليا بمكتبة جامعية، أصبحت تضم سنة ١٩٠٥ (عشية إنشاء الجامعة) خمسين ألف مجلد، وحوالي مائة أطروحة، ونشرات جامعية. وسنتناول المكتبة الجامعية في فصل المؤسسات الثقافية. ومن الملاحظ أيضا أن بعض الكتاب قد دعوا منذ البداية إلى جعل التعليم مزدوج اللغة في الجزائر ولو كان موجها للفرنسيين، ذلك أن اللغة العربية في نظرهم (وسيلة ثمينة) في الجزائر، وعليه يجب أن تكون مستعملة في جميع معاهد التعليم حتى تلعب الجزائر (الفرنسية) دورا رئيسيا في إفريقية والعالم العربي (١). ولكن ذلك لم يحدث إلا في بعض التخصصات التي تهم المستشرقين. لقد طالت المناقشات حول إنشاء جامعة الجزائر. ويكفي الإشارة إلى أنه صدر قانون في فرنسا سنة ١٨٩٦ ينظم نشأة الجامعات الفرنسية بعد مراجعة المنظومة التعليمية. وأثناء ذلك جرت مناقشات حول التعليم العالي في الجزائر، لأننا لاحظنا أن الحصول على الليسانس كان يتم في فرنسا. وقد أنشئت عدة لجان سنة ١٩٠٣ لدراسة هذا الموضوع. وجاء صوت البرلمان المحلي (الوفود المالية) ليدعم فكرة الجامعة بالجزائر ورصد المالية لها (٢). وحلت بالجزائر عدة شخصيات لمعاينة الوضع عن كثب. وقد انتهت هذه الدراسات كلها إلى ضرورة إنشاء الجامعة بهدف توحيد نظام التعليم الجاري في المدارس العليا، وجعله تعليما عمليا، وإنشاء معاهد علمية متخصصة

стр. 1268

مطبوعة بطابع جزائري (فرنسي) لا يقود الطلبة إلى الحياة الإدارية والعامة فقط ولكن إلى كل جوانب المعرفة، من زراعة وتجارة وصناعة وجيولوجيا وجعرافية وتشريع واقتصاد سياسي وفيزياء، وكيمياء، وعلوم نباتية، وبالإضافة إلى ذلك ذكروا أن من مهمة هذه الجامعة هو الاهتمام بتاريخ شمال إفريقية والإسلام ولغات وآداب وحضارة المنطقة (١). وهذا بدون شك دور نظري عظيم للجامعة من حيث هي مؤسسة. ولكن السلطات الفرنسية حولتها إلى أداة احتكار للمعرفة واضطهاد لتاريخ الجزائر والمغرب العربي ووسيلة للسيطرة الاستعمارية، لقد عهد إلى الجامعة بالتحضير للاحتفال بمرور قرن على الاحتلال سنة ١٩٣٠، ومساعدة الخبراء العسكريين وغيرهم في حكم البلاد، والتوسع نحو إفريقية والعالم الإسلامي. إن هناك فرقا بين دور الجامعة النظري والعملي. لقد تأسست الجامعة لتخدم الإدارة الاستعمارية وتحكم السيطرة الفكرية على الجزائر. وهذا هو الدور الحقيقي الذي قامت به الجامعة على يد مجموعة من الأساتذة الذين اشتهروا في مجالات اختصاصهم. ومن حق الفرنسيين أن يسموا جامعة الجزائر (السوربون الإفريقية). فهي فعلا مؤسسة علمية فرنسية في قلب الجزائر وقلب المغرب العربي وإفريقية. وقد أسندت إليها مهمة مواصلة أشغال (لجنة الاكتشاف العلمي) (٢) التي لم تنجز، فأبدت الجامعة استعدادها لذلك في الخمسين مجلدا التي نشرتها بمناسبة الاحتفال المئوي المذكور. كما اهتمت بهذا الصدد بالمتاحف والنصب التذكارية والنشر الخ. ولكن أكبر عمل قامت به الجامعة، لخدمة أهداف فرنسا، هو إنشاء المعاهد المتخصصة والإشراف عليها ومدها بالدراسات والمعلومات: مثل معهد البحوث الصحراوية، الذي كانت له نشرة خاصة، وكان ينشر البحوث المعمقة التي ينجزها التابعون له. ومعهد الدراسات الشرقية، وكانت له حولية

стр. 1269

ومنشورات تهم الدراسات الإسلامية والعربية. إضافة إلى معهد الدراسات القانونية، والمعهد الحضري. كما أن هناك معاهد تابعة لكليات مثل معهد الجيولوجيا التطبيقية، وجمعيتي العلوم الفيزيائية والكيميائية التابعتين لكلية العلوم. وقد ظهرت أيضا إدارات وجمعيات لها طابع خاص مثل مكتب البحوث المنجمية وجمعية البحوث البترولية (١). فإذا عدنا إلى موضوع التعليم في الجامعة وجدناه محتكرا أيضا من الفرنسيين. فالجزائريون الذين سمح لهم بمواصلة التعلم على مستوى الجامعة عددهم قليل جدا لا يتناسب مع نسبة السكان على الاطلاق، وهو صفعة في وجه من يتشدق بالمهمة الحضارية الفرنسية في الجزائر وبالمساواة والحرية والإخاء، التي يحلو للجاهلين ترديدها. فعشية الاحتفال المئوي بالاحتلال (١٩٢٩ - ١٩٣٠)، كان عدد طلبة الجامعة بالجزائر ١، ٨١٣ من الفرنسيين والأوروبيين و ٧٧ فقط من الجزائريين. وإليك هذا الجدول الذي وضع سنة ١٩٢٩ - ١٩٣٠ (٢): الكلية ... الجزائريون ... الفرنسيون والأوروبيون الحقوق ... ١٧ ... ٨٣١ الطب ... ٧ ... ٣٢٤ الصيدلة ... ٦ ... ٢١١ العلوم ... ١٤ ... ١٩٨ الآداب ... ٣٣ ... ٢٤٩ الجملة: ... ٧٧ ... ١.٨١٣

стр. 1270

وبعد ست سنوات (١٩٣٦) وصل مجمل طلاب الجامعة إلى ٢.٢٥٠ طالبا في مختلف التخصصات. فكان عدد الجزائريين من ذلك هو ٩٤ طالبا فقط (١). وقد انخفض هذا العدد سنة ١٩٤٠ إلى ٨٩ طالبا فقط (٢). أما سنة ١٩٥١ فقد كانت الكليات تضم ٤.٤٠٤ طلبة ليس من بينهم سوى بضع عشرات من الجزائريين (٣). هذا هو التعليم العمومي الفرنسي في الجزائر. وهذا حظ الجزائريين منه، ابتداء من التعليم الابتدائي إلى الجامعي. فنحن هنا أمام فراغ مهول بالنسبة للشعب الجزائري. فأبناؤه لم يعرفوا طيلة قرن وربع معنى التعليم الحقيقي لا في لغتهم ولا في لغة المستعمر، بل كانوا محرومين من نور العلم، رغم كثرة الحديث عن الرسالة الحضارية ومهمة فرنسا الإنسانية. وقد انخدع الأغرار بهذا الكلام المعسول والدعاية المغلفة فاعتقدوا أن الجزائريين كانوا في بحبوحة من العيش وفي جنة من العلم والنور ما دامت الدولة التي تستعمرهم هي فرنسا - موطن حركة التنوين ووطن فولتير الخ -. حلقات اللغة العربية نود الآن أن نتحدث عن نوع آخر من التعليم الموجه للفرنسيين وهو تعلم اللغة العربية. ونحن وإن كنا سنعود إلى هذا الموضوع في حديثنا عن الاستشراق في فصل آخر، إلا أننا هنا نتحدث عن الجانب التعليمي منه. فقد اعتبر الفرنسيون في أوائل الاحتلال أن معرفة اللغة العربية أساسية لهم لكي يحكموا سيطرتهم على الجزائر. ورغم وقوع خلاف نظري حول ما إذا كان على الجزائريين أن يعرفوا الفرنسية أو على الفرنسيين أن يعرفوا العربية، فإن

стр. 1271

الأمر قد حسم في العقود الأولى لصالح الرأي الثاني. إن تعليم الجزائريين (الأهالي) لم يكن واردا البتة عندئذ، كما عرفنا. وكان الفرنسيون منشغلين بالقضاء على المقاومة الشديدة، ومن جملة أسلحتهم في ذلك تعلم اللغة العربية، الفصيحة والدارجة، عملا بالأثر: من تعلم لغة قوم أمن شرهم (١). ظهر هذا التعليم الموجه للفرنسيين في شكل حلقات أو (كراسي) اللغة العربية أولا في العاصمة منذ ١٨٣٢ ثم منذ ١٨٤٦ في قسنطينة ووهران أيضا. وكانت البداية على يد جوني فرون ثم تولاه برينييه، منذ ١٨٣٦، كما سبق. وقد ظل هذا يؤدي عمله في العاصمة، مدرسا ومؤلفا وموجها إلى وفاته سنة ١٨٦٩. وكثيرا ما كانت الدروس تكشف في أول الموسم الدراسي. ثم تتقلص تدريجيا، حسب الظروف وطريقة الأستاذ في التعليم والوظائف المتاحة والقوانين الملزمة. والمعروف أن معظم المستعربين من الجنود ومن الموظفين المدنيين ورؤساء المكاتب العربية والمترجمين الفرنسيين قد مروا بالحلقات. ومن هذه الحلقات أيضا انطلق الاستشراق الفرنسي قبل ميلاد مدرسة الآداب (كلية الآداب) في الجزائر. لقد كانت الإدارة تشجع على معرفة اللغة العربية للفرنسيين لا حبا فيها أو تقديرا لها، ولكن باعتبارها لغة وظيفية وأداة للحكم والسيطرة ومعرفة أفكار وتاريخ الجزائريين وما يدور بينهم في الأسواق والزوايا والبيوت، وما في كتب الفقه والأدب من نصوص وقوانين وقيم. وكانوا يقولون إن اللغة العربية صعبة، ومع ذلك لا بد منها، خصوصا عندما ارتبطت بها الترقيات الإدارية والوظائف الرسمية. فكانت العربية المكتوبة أو الشفوية شرطا لازما. كما أن معرفة الفرنسية للعاملين الجزائريين في المصالح الفرنسية لازمة (٢). وكانت في باريس مدرسة اللغات الشرقية التي يحضرها الفرنسيون المترشحون للعمل في الجزائر. ولكن المقارنين لاحظوا أن الحضور في حلقات الجزائر كان أكثر كثافة من حضور

стр. 1272

دروس مدرسة الاستشراق الفرنسية. والغريب أن التسمية لم تتغير، فقد بقيت تحت هذا العنوان (حلقات اللغة العربية) في الغالب أو الدروس العربية أحيانا. بينما كان بالإمكان إطلاق اسم مدرسة أو كوليج عليها. وبذلك تكون مثلا فرعا من مدرسة اللغات الشرقية في باريس. ولكن ذلك لم يحدث. ولم نعرف أن هناك من اقترح تغيير الاسم رغم وجود عناصر استشراقية بارزة على رأس كل حلقة، مثل شيربونو Cherbonneau وبرينييه، وهوداس O.Houdas وأضرابهم. ولم تكن مهمة هذه الحلقات هي تخريج المستشرقين بالمعنى الدقيق للكلمة، كما هو شأن مدرسة اللغات الشرقية، ولكن تخريج موظفين مدنيين وعسكريين يتولون شؤون (العرب) كما كان يقال، بالإضافة إلى الراغبين من المستوطنين الذين يريدون معرفة اللغة العربية كوسيلة للاتصال مع (الأهالي) في الحياة اليومية، للعمل والتجارة. وكذلك كان يحضرها المترشحون للمدرسة السلطانية (الكوليج الامبراطوري) وغيرهم من التلاميذ. أما الجزائريون فقد كانوا غير معنيين بهذه الحلقات. في ١٥ أبريل ١٨٤٥ صدر مرسوم ملكي يجعل معرفة اللغة العربية إجبارية على كل المترشحين للوظيف المدني في الجزائر ابتداء من سنة ١٨٤٧. وقد استبشر بهذا المرسوم أنصار حلقات اللغة العربية مثل شيربونو وبرينييه. وكان الحاكم العام المارشال بوجو، قد شجع على ذلك، وهو الذي كان يفرضه حتى قبل صدور المرسوم. وكان قد غير الإدارة وأنشأ إدارة الشؤون العربية ودعم المكاتب العربية. وكلها كانت تقوم على الترجمة ومعرفة لغة البلاد، فكانت حلقة الجزائر وحدها تضم ٢٠ متعلما سنة ١٨٤٥. وكان الدرس عادة يبدأ بحضور حوالي أربعين ثم ينخفض العدد تدريجيا، كما ذكرنا. ويعتبر التعليم في هذه الحلقات من التعليم العالي، رغم أن المصطلح (العالي) قد لا يصدق عليه. لأن برينييه مثلا كان يلقي درسا في اللغة

стр. 1273

الفصحى أو المكتوبة أو الأدبية، ودرسا آخر في الدارجة أو الشفوية. وهو يكرر ذلك في عدة مستويات. أما حلقتا العربية في قسنطينة ووهران فقد كانتا بالدارجة. وكان الفرنسيون يخططون لإنشاء حلقات للعربية في مدن أخرى حين يتوفر المال (١). ويبدو أن هذا النوع من التعليم كان سيتوطد ويستمر، ولكن حدثين أثرا عليه، الأول انتهاء مهمة بوجو من الحكومة العامة في الجزائر في صيف ١٨٤٧، وهي سنة تطبيق القرار بإلزامية معرفة العربية في التوظيف. والحدث الثاني هو سقوط الملك الذي أصدر المرسوم المذكور في فبراير، ١٨٤٨. ان قيام الجمهورية الثانية في فرنسا قد نتج عنه تغيير إداري في الجزائر، ومنه إنشاء الأكاديمية كما ذكرنا، وفصل التعليم الفرنسي عن التعليم الموجه للجزائريين. فأصبح الأول تابعا لوزارة المعارف في فرنسا، أما الثاني فقد بقي تابعا لوزارة الحربية الذي يخول صلاحياته للحاكم العام. هذا بالنسبة للتعليم عموما بعد قيام الجمهورية. أما حلقات اللغة العربية التي تعتبر من مشمولات التعليم الفرنسي فقد أغفلت تماما من القرارات الصادرة عن السلطة التنفيذية الجديدة في فرنسا، كما لاحظ ذلك أوغست كور A.Cour، وهو أحد المستشرقين. وقد تساءل ثم أجاب بأن السلطة المذكورة كانت تعتبر ذلك التعليم (الحلقات) من مشمولات التعليم الإسلامي. (ما دامت قد أهملته في القرارات المذكورة) غير أن كور لاحظ أنه من الناحية المالية كانت ميزانية دروس اللغة العربية تصدر عن وزارة المعارف في فرنسا وليس من الجزائر، ومن ثمة فهي دروس تهم الفرنسيين. وقد ختم كور ملاحظاته عن تذبذب الموقف الرسمي إزاء هذا النوع من التعليم، بقوله: إنه رغم إهمال حلقات العربية فإن الإدارة الفرنسية والسلطات المحلية ظلت تهتم بتدريس اللغة العربية للأوروبيين من جهة واللغة الفرنسية الأهالي من جهة أخرى (٢).

стр. 1274

وقد وجه نقد شديد بين ١٨٤٩، و ١٨٥١ لحلقات اللغة العربية للأوروبيين. فجاء في التقرير الرسمي لسنة ١٨٤٩ أنها الدروس الوحيدة في الجزائر التي تعتبر دروسا عالية، وأنه رغم الحماس لها في البداية فإنها لم تعط الثمرة المرجوة منها. ووجه النقد بالخصوص لدروس وهران لقلة حضورها، ومرد ذلك إلى صعوبة اللغة العربية (كذا) التي لا يواظب عليها إلا الأذكياء (١). ومن الملفت للنظر أن الناقد لم يقل شيئا عن الإخلال بتطبيق مرسوم ١٨٤٥، وركز نقده على صعوبة اللغة. وأين مثلا كفاءة المدرسين وقدرتهم على اجتذاب التلاميذ، وتوفير الشروط لإنجاح الحلقة؟ ان الأساتذة أنفسهم كانوا يشتكون من عدم الأماكن والوسائل. وبعد أن ركز ناقد آخر على أن التعليم في الحلقات الثلاث ظل في مستوى العالي ذكر أن الحكومة كانت تشجعه وأنها أعطت فرصا كثيرة للحاصلين عليه، لكن المواظبين عليه يجعلون منه، في نظره، تسلية فقط ولم يأخذوه مأخذ الجد. كما أنهم كانوا يغيرون إقاماتهم فلا يواظبون عليه. وقد لاحظ هذا الناقد أن دراسة اللغة العربية ذات أهمية كبيرة للفرنسيين، ومع ذلك لم يحصل التقدم المطلوب فيها إلا بدرجة ضعيفة (٢). كما وصف التعليم في الحلقات بأن القليل فقط من أساتذته يعلم أيضا العربية الفصحى التي يسمونها المكتوبة أو الأدبية. وفي سنة ١٨٤٨ قال بيليسييه دي رينو أن عدد الحضور في الحلقات الثلاث لا يتجاوز الستين، وأن حالها كحال دروس الكوليج دي فرانس. وفي تقرير آخر ذكر أن النتائج كانت غير مرضية رغم مؤهلات الأساتذة، ورغم الحماس الذي يبدونه. ومن النقد الموجه إلى هذه التجربة أنه رغم الاعتراف بأهمية اللغة العربية كوسيلة اندماج بين الجزائريين والفرنسيين وكوسيلة تجارية، فإن البرنامج المعد لذلك لا يحقق الهدف. لقد كان الواجب هو الشروع في تعليم

стр. 1275

العربية منذ الابتدائي حتى يحضر التلاميذ لتلقيها في الدروس العالية على يد الأساتذة في الكراسي أو الحلقات. ذلك أن أكبر مشكل كان يعانيه الأساتذة هو أن التلاميذ الذين يتقدمون إليهم لا يعرفون أوليات العربية. وهكذا اضطر الأساتذة إلى التعليم على مستويات ثلاثة: ابتدائي باللغة العامية، ومتوسط يعلمون فيه النحو وقراءة القرآن، وعالي يعلمون فيه تراجم المؤلفين ومختلف أنواع الكتابة. وكل مستوى انخفض إلى ساعتين في الأسبوع فقط. ولو كانت العربية تدرس في الابتدائي لاختلف الوضع. ولذلك طالب مفتش التعليم بالجزائر بتدريس العربية في الابتدائي والثانوي قائلا إنها بالنسبة للكولون أولى من الإيطالية والإسبانية لقلة استعمالهما، بينما العربية هم في حاجة إليها مع الأهالي. وإذا تخلص أساتذة الحلقات من مستوى الابتدائي في اللغة العربية فإنهم سيتفرغون حقا إلى المستوى العالي ويأتون بنتائج طيبة. وعلى المدارس الابتدائية والمتوسطات (الكوليجات) أو تنشر اللغة العربية العامية حتى تساعد على اختلاط الأطفال الفرنسيين والجزائريين ويتفرغ أساتذة الحلقات لتعليم الفصحى (١). ولم يهتم صاحب التقرير طبعا بما سيستفيده الطفل (الأهلي) من تعلم العامية التي يعرفها منذ الرضاعة. ويرى ناقد آخر أن تدريس اللغة العربية كان ينظر إليه، من جانب الإدارة، على أنه وسيلة للتوغل السياسي وليس لنشر الثقافة الفكرية، بالإضافة إلى أنها فقط وسيلة اتصال مع الأهالي والعلاقات التجارية. وقد ساعد على ذلك أيضا أن مؤلفي الكتب المدرسية كانوا يكرسون هذا المفهوم في عقول تلاميذهم وفي الجمهور. فهم يؤلفون كتبا في النحو وغيره للتطبيق العملي على اللهجة المحلية، دون الإحساس بضرورة الارتفاع إلى معالجة المنهج وتقديم النماذج المحللة على تجاربهم مع النصوص. ويقول هذا الناقد، إن الإدارة والمؤلفين معا قد نسوا أن ذكريات حضارة الشعب إنما

стр. 1276

ترقد في كتب التراث المؤلفة في اللغة العربية. وبالإضافة إلى ذلك فإن الوضع الإداري لحلقات اللغة العربية قد بقي غير واضح. فقد كانت الحلقات تتبع وزارة المعارف، كما ذكرنا. وفي ١٨٥٨ وقع إلغاء حكومة الجزائر وعوضت بوزارة مقرها في باريس. ولكن حلقات اللغة العربية ظلت تابعة لوزارة المعارف ولم تكن الوزارة الجديدة معنية بها أيضا. ورغم وصف تعليمها بالعالي، فإن التقارير بين ١٨٦٠ - ١٨٧٩ كانت لا تشير إلى الحلقات في ذلك، وتكتفي بوصف التعليم في مدرسة الطب والصيدلة فقط على أنه عال. وما دامت الحلقات كانت تابعة مباشرة لوزارة المعارف فإنها كانت لا تتلقى المساعدات من الميزانية المحلية - الجزائر، بينما كانت مدرسة الطب تنال مساعدات منها (١)، لأنها تتبع وزارة الحربية (أو الميزانية المحلية في عهد الجمهورية الثالثة). ومن جهة أخرى كان هناك أنصار وخصوم لحلقات العربية، سيما في عهد المكاتب العربية. وكان قصور الحلقات عن أداء مهمتها حجة في يد المطالبين بالإبقاء على المكاتب العربية (العسكرية) لأنها في حد ذاتها مدرسة للاتصال مع الأهالي عن طريق اللغة العامية، وهي (المكاتب) منظمة وسيطة بين الفرنسيين والأهالي، بينما يرى البعض (الأنصار) أن خريجي الحلقات قد أصبحوا بالآلاف، موظفين ومستوطنين، ولذلك فلا داعي لوجود المكاتب العربية أصلا، ولا حاجة إلى هذه الواسطة بين الفرنسيين والأهالي. ولذلك اعتبرت المكاتب العربية حجر عثرة في سبيل (الاندماج) المنتظر بين الطرفين، وهي تقف ضد كل تقارب بينهما. وكان الدكتور وارنييه Warnier وزميله دوفال Deval من أنصار الحلقات وضد المكاتب العربية، بينما كانت جريدة باريسية تسمى (الدستوري) تقف مع هذه المكاتب (٢).

стр. 1277

ومهما كان الأمر، فإن الجمهورية الثالثة قد ألغت المكاتب العربية من المناطق المدنية وعوضتها بالبلديات الشاملة والمختلطة. أما حلقات اللغة العربية الثلاث فقد أدمجتها في التعليم العالي الجديد الذي أنشئ في ٢٠ ديسمبر ١٨٧٩. وأصبحت مدرسة الآداب العليا هي التي تمنح شهادة تسمى (بروفي اللغة العربية) و (دبلوم اللغة العربية). وهما الشهادتان الوحيدتان اللتان تمنحان في الجزائر، أما شهادة الليسانس في الآداب فلا تمنح إلا في فرنسا، إلى أن تكونت كلية الآداب وجامعة الجزائر سنة ١٩٥٩. وفي سنة ١٨٤٩ أيضا وقعت دراسة شاملة لموضوع العربية والفرنسية في الجزائر على أثر الاهتمام الخاص الذي ظهر من تقرير (بارو F.Barot) الشهير. لقد عينت وزارة التعليم والأديان في الحكومة الفرنسية لجنة ذات مستوى عال برئاسة الجنرال Bedeau الذي سبق له العمل في وهران وقسنطينة. ومن أعضائها المستشرق بيرسونال من الكوليج دي فرانس، والدكتور بيرون Perron مدير مدرسة الطب بمصر (١) وفيرناندان بارو الذي اختير مقررا لهذه اللجنة. كان أمام اللجنة نقطتان: كيفية تدريس العربية للفرنسيين وكيفية تدريس الفرنسية للجزائريين. وإذا شئت مشكل التعليم الاندماجي في الجزائر. ولاحظت اللجنة أن الحلقات لم تؤد مهمتها المرجوة أيضا. وأنه لا بد من تطويرها، وكذلك رأت ضرورة العمل على نشر الفرنسية بين الجزائريين باعتبار ذلك عملا مستعجلا لمساعدة عمليات الاستعمار (أي الاستيطان ومصادرة الأراضي واستثمارها لصالح فرنسا)، وضرورة اتباع الوسائل الآتية وهي التهدئة أي القضاء على جيوب المقاومة، وجلب الجزائريين إلى الجانب الفرنسي وتحقيق الاندماج. ونظرت اللجنة إلى دراسة اللغتين على أنه وسيلة لتسهيل الاتصال بين الجنسين: العربي والفرنسي. أما بالنسبة لتعليم الفرنسية للأهالي فسيظهر أثره في المدارس الابتدائية المسماة بالعربية - الفرنسية. وأما بالنسبة لحلقات اللغة العربية الموجهة

стр. 1278

أساسا لتعليم الفرنسيين، فاللجنة لاحظت أن هناك أربعة دروس: اثنان بالعاصمة وواحد بقسنطينة والرابع في وهران، وأن درسي العاصمة أحدهما لتلاميذ الثانوية (كوليج الجزائر - الليسيه) وكان يحضره حوالي مائة تلميذ منقسمين على ثلاثة أقسام بمعدل حصتين في الأسبوع. أما الدرس الثاني فهو مفتوح للجميع ويتولاه برينييه. وعدد حضوره غير مضبوط. ففي بداية السنة يكون التلاميذ حوالي مائة ثم لا تأتي نهاية السنة حتى يكون العدد بين ١٥ و ٢٠ فقط. وكان برينييه يعقد حوالي ستة لقاءات أسبوعيا، ثلاثة منها للتدريب الشفوي والنطق والقراءة، والرابعة للنحو والإملاء والأسلوب، والخامسة للأدب وشرح النصوص الأدبية والعلمية، والأخيرة لترجمة الرسائل والعقود والكتابات العادية التي سيواجهها المتخرجون في الحياة اليومية وأيضا في كتب التراث العربي والإسلامي. وعندما كانت اللجنة (لجنة بيدو) مجتمعة لم يكن قد مر على فتح حلقات العربية في قسنطينة ووهران إلا حوالي سنتين، لذلك فمن الصعب تقييم التجربة هناك. وكان شيربونو هو المتولي لحلقة قسنطينة منذ ١٨٤٧ إذ افتتح درسه في فيفري من هذه السنة. وكان عدد تلاميذه حوالي خمسة عشر. وكان يعلم مبادئ الكتابة والقراءة العربية، أما شرحه للنصوص فيسير فيه على الطريقة الفرنسية الكلاسيكية، وكذلك كان يعلم قواعد النحو العربي، ويحلل أعمال المؤلفين، ولا يختار منهم إلا أصحاب الأسلوب المعتاد والقصص وغيرها مما هو قريب من لغة الحياة اليومية الوظيفية. إن هذا الدرس الموجه إلى عدد قليل من المتعلمين الفرنسيين، كان يأخذ طابع التعليم الفرنسي العالي. ومن أجل ذلك كانت دروس اللغة العربية في هذا المستوى مصنفة عندهم في التعليم العالي، كما لاحظنا في البداية. ومن جهة أخرى فإن شيربونو قد نجح، حسب كور، في جلب عدد من الأهالي إلى درسه باللغة الفرنسية، وذلك باستعمال جهوده الشخصية وطريقته، وحصل من ذلك على نتائج طيبة. ولا نجد هذه المحاولة قد وقعت على يد برينييه في الجزائر. فلا نعلم أنه عقد درسا بالفرنسية لأهل الجزائر، عامتهم أو

стр. 1279

خاصتهم. أما مسؤول حلقة اللغة العربية في وهران فقد كان هو السيد (هادمار)، وقد بدأها في شهر أبريل ١٨٤٧. ولكن لم يسجل فيها من التلاميذ سوى حوالي خمسين من أبناء الجنود المعسكرين في مدينة وهران. وكان يلتقي بهم ثلاث مرات في الأسبوع بمعدل ساعة في كل لقاء. هذا عن درس العربية للفرنسيين، أما عن درس الفرنسية للجزائريين فقد سجل فيه ستة، منهم المفتي والإمام وبعض أبناء الشيوخ أو خوجات المكاتب العربية. ويبدو أن بعض الموظفين المذكورين قد سجلوا أنفسهم خوفا أو طمعا فقط. هذا عن الواقع وسير الدروس. أما عن اقتراحات اللجنة، فقد رأت أن الدروس العربية في حاجة إلى إعادة تنظيم وتوسيع ودعم. واقترحت أيضا أن يكون درس العربية ساعة في كل مرة. وعبرت عن رغبتها في فتح حلقات أخرى في مدن مثل تلمسان وسكيكدة وعنابة والبليدة، لتكون العربية متوفرة على أوسع نطاق للراغبين فيها من الفرنسيين. وليس من الصعب في نظر اللجنة العثور على أربعة أساتذة أكفاء قادرين على تعليم العربية في الجزائر في هذه المراكز الجديدة. غير أن اللجنة لاحظت أن نتيجة الدروس كادت تكون صفرا، رغم حماس المدرسين ومؤهلاتهم. ولذلك اقترحت بعض التشجيعات للأساتذة وفتح المجال للتلاميذ مثل جعل التوظيف المدني مشروطا بإتقان اللغة العربية. أما عن تعليم الفرنسية للجزائريين، وهي النقطة الثانية في جدول أعمال اللجنة، فقد أوصت بعدم التنازل عن تعليمها واشتراطها لأنها (لغة سيادة)، فالتمسك بها ضروري لأن الجزائريين يستمعون من خلالها إلى أحكام القضاء المدني والجنائي، ثم إن كل الاتصالات الرسمية ستكون بها عاجلا أو آجلا، وسيتم بها تحرير كل الوثائق العامة. ومن جهة أخرى فإن الفرنسيين قادرون على جلب الجزائريين نحوهم وعلى دمجهم فيهم (وفرنستهم)، ولكن في حدود عاداتهم ودينهم (؟). ورغم هذا العرض والنقد لتجربة حلقات اللغة العربية من قبل لجنة

стр. 1280

١٨٤٩ فإن توصياتها لم تؤد إلى مس هذه الحلقات ولم يحدث جديد بشأنها. وكان برينييه قد توقف فترة سنة ١٨٥٠ عن الدروس لمرضه، وعندما رجع سنة ١٨٥١ جعل درسه الساعة ١١.٣٠ في كل مرة. لكن الجديد في الموضوع، ولعله من وحي دراسة اللجنة، هو إنشاء جوائز سنوية لمن يعرف اللغة العربية (جائزة أولى قيمتها ٤٠٠ فرنك، وجائزة ثانية قيمتها ٢٠٠ فرنك) بعد امتحان ومسابقة تقوم على الترجمة الشفوية بالفرنسية والعربية وكتابة رسالة باللغة العربية، والنقل من الفرنسية إلى العربية الخ. أما الجديد الثاني في هذا المجال فهو إعلان وزارة الحربية التي تقع الجزائر تحت طائلتها، عن تفضيلها في التوظيف المدني لمتقني اللغة العربية، وكان ذلك سنة ١٨٥٣ (١). هذا هو نمط التعليم الذي تسميه الوثائق الفرنسية عاليا، والمختص بتوصيل اللغة العربية إلى عدد كبير من الأوروبيين في الجزائر. وقد تواصل هذا النوع من التعليم إلى عقد السبعينات. وتطور عبر السنين على أيدي مستشرقين آخرين تولوا كلية الآداب والمدارس الرسمية الثلاث. وهؤلاء هم الذين كانوا قد أضافوا أيضا حلقة اللغة البربرية، وتبادلوا الأيدي بين الجزائر وفرنسا على حلقات العربية والبربرية. وستتكاتف جهود أصحاب حلقات اللغة العربية والمدارس الحكومية الثلاث ومدرسة الآداب العليا (ثم كلية الآداب) ثم المعاهد المتخصصة، على خدمة المصالح الفرنسية العليا، أي خدمة الاستشراق والاستعمار. وسنعالج هذه النقطة في فصل الاستشراق. مدخل إلى التعليم المزدوج نتناول الآن التعليم العربي - الفرنسي أو المزدوج، وهو بيت القصيد من هذا الفصل. والمقصود به ذلك النوع من التعليم الموجه إلى الجزائريين.

стр. 1281

وهو على أنواع، منه المدرسة الحضرية - الفرنسية، فالمدرسة العربية - الفرنسية، ثم المدرسة الخاصة بالأهالي. وكلها كانت مدارس في مستوى التعليم الابتدائي. ثم هناك المدارس الرسمية الثلاث التي ابتدأت عربية محض ثم أصبحت مزدوجة. وهي مدارس كانت تخرج القضاة والمترجمين والمدرسين. وكان مستواها هو التعليم المتوسط والثانوي، رغم أن بعض الاستعمالات الفرنسية تعطيها صفة التعليم العالي أيضا، وسنتناولها على حدة. وأخيرا هناك المدرسة السلطانية، كما تسميها (المبشر) أو الكوليج الامبريالي (الامبراطوري) كما هو أصل التسمية الفرنسية، وهو معهد (كوليج) أسس للدراسة المزدوجة والعالية في الجزائر بإدارة فرنسية. وسنتناوله على حدة أيضا. إن هناك قدرا مشتركا بين هذه الأصناف الثلاثة من مؤسسات التعليم، وهو تنفيذ مخططات الحكومة الفرنسية في السيطرة على الجزائر ودمج شعبها إذا أمكن، في الحضارة الفرنسية. ومهما اختلفت التسمية ومهما تدخلت اللجان والقرارات فإن الهدف من التعليم في هذه المؤسسات هو خدمة المدرسة الاستعمارية وإبعاد الجزائريين عن أصولهم وتراثهم وسلخهم عن ماضيهم وإدخالهم في بوتقة الفرنسة بالذبذبة في البداية والجاذبية في النهاية. إن ما قيل وكتب عن مقاطعة الجزائريين في البداية للمدرسة الفرنسية، ومقاومتها بكل الوسائل هو حقيقة لا يتنازع فيها الباحثون اليوم. ولكن المقاطعة والمقاومة لم تكونا للمدرسة والتعليم بل للفرنسة وفرض برامج لا يرضون عنها لأبنائهم، لأنهم تأكدوا من التصريحات والتصرفات الفرنسية منذ اللحظة الأولى، إن الهدف من الاحتلال هو مسخ الجزائريين وسلخهم عن دينهم وعن تراثهم. إن السلطة التي استطاعت أن تنصر المسجد بجعله كنيسة لا يعجزها أن تنصر الأطفال الذين يأتون إلى مدرستها. ثم إن السلطة التي

стр. 1282

هدمت المدارس القرآنية والزوايا كزاوية الجامع الكبير وزاوية القشاش، لا تتوانى في هدم آثار الدين واللغة في قلوب وألسنة الأطفال. ولذلك كان موقف الجزائريين الأولين بطوليا وداخلا في برنامج المقاومة. وهم لم يبقوا مكتوفي الأيدي إزاء تعليم أبنائهم، الذي هو واجب مقدس، بل تصرفوا بما في طاقتهم، فعلموهم في بيوتهم وفي المكاتب (الكتاتيب) الباقية، وأرسلوا بهم إلى زوايا المرابطين في رؤوس الجبال والمناطق النائية، وهاجروا بهم إلى المغرب وتونس وغيرهما، وطالبوا السلطات الفرنسية أن تعلمهم بلغتهم تعاليم دينهم، ثم أصبحوا يطلبون الرخص بفتح المدارس الابتدائية لأبنائهم وتحت إدارتهم، فكانت مدرسة الشيخ محمد أطفيش في ميزاب ومدرسة عباس بن حمانة في تبسة، ثم مدرسة السلام والشبيبة بالعاصمة، وأخيرا جاءت مدرسة التربية والتعليم في قسنطينة، ومدارس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين في مختلف أنحاء القطر. وكانت هذه المدارس تنافس المدرسة الفرنسية والمزدوجة، فكان الطفل يجمع بين التعليم الوطني والتعليم الفرنسي بطريقة تثير الدهشة والإعجاب إذ كان يختلس له معلمو المدارس العربية الأوقات التي لا يكون فيها في المدرسة الفرنسية، فيعلمونه فيها. بالإضافة إلى أن هناك من تفرغ منهم للتعليم العربي فقط، كما أن الزوايا من جهتها كانت تقوم بمهمة كبيرة في مسيرة المقاومة. وهناك من رحل للتعلم خارج الجزائر. لقد مرت المدارس المزدوجة بعدة مراحل يمكننا تلخيصها فيما يلي: المرحلة الأولى من ١٨٣٠ إلى ١٨٥٠ والمرحلة الثانية من هذا التاريخ إلى ١٨٧٠، والمرحلة الثالثة من هذا التاريخ إلى إصلاحات ١٨٩٢، والمرحلة الرابعة منذ هذا التاريخ. في المرحلة الأولى كان الإهمال المطلق لتعليم الجزائريين هو الظاهرة العامة رغم التظاهر بالقول إن الجزائريين هم الذين لم يهتموا بالمدرسة الفرنسية ولم يأتوا إليها. والرأي الصحيح هو أن هناك مقاومة من جانب

стр. 1283

الجزائريين وحربا عوانا من جانب الفرنسيين (وقد تقدم ذلك في تقريرهم الرسمي). والحرب ليست في الميدان العسكري والاقتصادي فقط، بل كانت في الميدان الحضاري (الديني واللغوي) كما عرفنا في فصل المعالم الإسلامية. فقد صودرت البنايات الدينية التي كانت للعبادة والتعليم، وضمت أوقافها، واستخدمت أموالها في الحرب بدل التعليم، بل في فرض الجهل بالقوة. وبينما أسس الفرنسيون مدارس خاصة ثم عمومية لأبنائهم، كما عرفنا، لم يفتحوا مدرسة للجزائريين إلا سنة ١٨٣٦. وهي مدرسة لم يبذلوا فيها أي جهد لأن المبنى كان قائما من قبل، وقد أطلقوا عليها اسم المدرسة الحضرية - الفرنسية، ولهذا الاسم ينسبونها إلى الحضر، سكان المدينة أو أهل المدر، كما يقول ابن خلدون، لأنها موجهة في نظرهم إلى أبناء فئة التجار الباقين والموظفين وأهل الحرف والصنائع والمتعلمين. والمعروف أن مدينة الجزائر عندئذ (١٨٣٦) قد جلا عنها أهلها من علماء وأغنياء وسياسيين بالنفي والتهجير أو بالخوف من البقاء تحت حكم الأجنبي وانضموا للمقاومة تحت لواء الأمير عبد القادر، ففي هذه الفترة وقع نفي ابن العنابي وحمدان خوجة، ووقع التحاق علماء أمثال قدور بن رويلة وعلي بن الحفاف بالأمير عبد القادر، وسجن إبراهيم بن مصطفى باشا وغيره. فمن هم الحضر الذين أسس الفرنسيون المدرسة لأبنائهم؟ وقبل أن ندخل في تفاصيل هذه المرحلة، نقول إنه ابتداء من حوالي ١٨٤٦ أنشأ الفرنسيون لجنة من خبرائهم لدراسة الوضع الديني واللغوي في الجزائر، ومصير التعليم الذي تشرف عليه نظريا وزارة الحربية ويطبق الحاكم العام تعليماتها فيه. وتقول التقارير إن الفرنسيين استمروا أربع سنوات في دراسة الوضع التعليمي في الجزائر، وكتبوا عن الزوايا وعن الكتاتيب القرآنية وعن دروس المساجد وعلاقة ذلك بالأوقاف، ومعاناة هذا التعليم نتيجة الاستيلاء على الأوقاف وأموالها. وكيف كان التعليم في كل مدينة وفي كل منطقة ريفية سواء احتلت أو ما زالت، وكذلك دراسة وضع حلقات اللغة العربية التي مر ذكرها، وحال كوليج الجزائر الذي تحول إلى ثانوية (وهو غير

стр. 1284

الكوليج الإمبريالي). وبعد أن انتهت هذه اللجنة من أعمالها وقدمت توصياتها، ظلت الحكومة الفرنسية سنة أخرى يقال إنها كانت فترة تأمل، وهي في الحقيقة فترة إهمال للتعليم في الجزائر وانشغال بغيره. إذ في هذه الفترة (١٨٤٨ - ١٨٥٠) كانت الجمهورية الثانية قد وضعت بندا في دستورها يعتبر الجزائر جزءا من فرنسا. وكانت الجمهورية تعيش صراعها مع الملكيين والرجعيين وأنصار نابليون الأول. فقد هجرت عددا كبيرا من هؤلاء السياسيين والمغامرين إلى الجزائر أو بالأحرى نفتهم إليها وفرضت عليهم الإقامة بها. وفي هذه الأثناء زار الجزائر الكسيس دي طوكفيل عدة مرات، وقدم أيضا تقاريره وآراءه، وكان نائبا في برلمان الجمهورية، وسنعرض إلى آرائه فيما يتعلق بالتعليم الفرنسي والتعليم الإسلامي. فالحكومة الفرنسية لم تكن في لحظة تأمل عندئذ وإنما في لحظة انشغال تام عن مصلحة الجزائريين، فإذا احتج واحد من هؤلاء على وضع البلاد حكم عليه بأنه متعصب ومتوحش وضد الحضارة والتقدم. ولنذكر أيضا أن سنة ١٨٤٩ - ١٨٥٠، هي سنة ثورة الزعاطشة وظهور الشريف بوبغلة في زواوة والشريف محمد في ورقلة والأغواط والصحراء الشرقية. وابتداء من ١٨٥١ صدرت بعض القرارات حول تعليم الجزائريين. ولكن كيف؟ أولا، هناك قرار بإنشاء عدة مدارس تحت عنوان جديد، وهو (المدرسة العربية - الفرنسية). وقد استحدثت فعلا بعض هذه المدارس في عدة مدن، سنذكرها، كما بدأت المدارس الشرعية الرسمية الثلاث، تؤدي مهمتها، وهي مدرسة المدية (ثم العاصمة)، ومدرسة قسنطينة، ومدرسة تلمسان. وكانت في أول أمرها تحت إدارة جزائرية وتلاميذها جزائريون وبرنامجها عربي - إسلامي، هدفه سد الفراغ الذي حدث بغلق المساجد والزوايا أو هدمها، وكان هدف المدارس الثلاث أيضا هو توفير موظفي القضاء والديانة للسلطات الفرنسية. وبعد حوالي سبع سنوات (١٨٥٧) أنشأت هذه السلطات مدرسة في العاصمة ثم أخرى في قسنطينة (١٨٦٧) أطلق عليها اسم الكوليج الإمبريالي ولنسمها المدرسة السلطانية - كما سمتها

стр. 1285

المبشر. وهذه المدرسة بفرعيها قد استمرت إلى ١٨٧٠. ولما كان اسمها مرتبطا (بفكرة المملكة العربية) وباسم نابليون الثالث، فإن الجمهورية الثالثة التي قامت بعد حرب ١٨٧٠ سارعت إلى إلغاء المدرسة السلطانية بفرعيها. كما سارعت إلى إلغاء المدارس العربية - الفرنسية الابتدائية التي نحن بصددها، ولم تبق إلا على المدارس الشرعية الثلاث المذكورة، على أنها ستتدخل أيضا في (تنظيمها) ابتداء من سنة ١٨٧٥ - ١٨٧٦، كما سنرى. وبذلك دخلنا في الحقيقة في المرحلة الثالثة التي شهدت عدة تغييرات في مجرى التعليم. فهي مرحلة ألغت بعض مؤسسات التعليم تماما، وأعادت تنظيم بعضه لصالح المؤسسة الاستعمارية التي جاءت الجمهورية الثالثة متحمسة لها إلى أقصى الحدود، ومن جهة أخرى فهي مرحلة جاءت بتغييرات هامة لصالح التعليم، بين ١٨٨٣ و ١٨٩٢، فهناك عدة إجراءات اتخذت على يد جول فيري J.Ferry الذي كان وزيرا للتعليم عندئذ، وزملائه مثل لوبورجوا. وهذه التغييرات كانت في الحقيقة نتيجة لتغييرات مماثلة حدثت في فرنسا نفسها، حين أعيد النظر في المنظومة التعليمية التي اتهمت بأنها كانت وراء هزيمة فرنسا سنة ١٨٧٠. وهكذا تأثر الفرنسيون بالمنظومة الألمانية. وقد قرروا إجبارية التعليم في فرنسا ١٨٧٣ وكذلك في الجزائر بالنسبة للأوروبيين (١). كما قرروا إعادة تنظيم مدرسة ترشيح المعلمين، وغير ذلك من الإجراءات. ولكن أكبر خطوة اتخذت في هذه المرحلة هي زيارة لجنة مجلس الشيوخ للجزائر برئاسة جول فيري نفسه. وكان من أعضائها كومبس الذي تولى فيها قضية التعليم. ونتيجة للتحقيق الطويل الذي جرى على يد اللجنة المذكورة والاستماع إلى شكاوى الجزائريين ومطالبتهم الملحة بتعليم أبنائهم بلغتهم العربية ودينهم، صدرت التوصيات بوضع برنامج واسع للتعليم والرؤية جديدة للعلاقات الجزائرية - الفرنسية.

стр. 1286

وبذلك نصل إلى المرحلة الرابعة التي استمرت منذ ١٨٩٢، مرورا بعهد شارل جونار (سيما فترته الثانية ١٩٠٣ - ١٩١٣) وبفترة الحرب العالمية الأولى التي كاد يتوقف فيها التعليم تماما. ثم الانطلاقة الكبيرة للتعليم العربي الإسلامي (الأصلي) من العشرينات حين لم يعد للإدارة أي مجال سوى أن تلاحق هذا التعليم وتنافسه. وهو تعليم قام على تبرعات الشعب وليس من ميزانية الدولة الفرنسية. أما التعليم الفرنسي خلال هذه المرحلة التي سميناها الرابعة فقد أصبح من ميزانية الدولة التي طالما تغيبت في الماضي عن أداء واجبها. ولا تتصور أن إحداث برنامج لتعليم الجزائريين منذ ١٨٩٢ معناه رصد الأموال الكافية وبناء المدارس اللازمة واستيعاب كل التلاميذ في سن التمدرس، وقطع التلاميذ لكل المراحل التعليمية. لقد عرفنا أنه في سنة ١٩٤٠ لم يكن في جامعة الجزائر سوى ٨٩ طالبا. وكان عدد التلاميذ الجزائريين في الثانويات الفرنسية لا يتجاوز بضع مئات. إننا هنا نشير فقط إلى أن التعليم في الجزائر قد دخل مرحلة لا عهد له بها، وهي تتمثل في احتضان الدولة له، تحت ضغط (قوة الأشياء)، كما قال لوشاتلييه، لأن العالم الإسلامي كله كان يتحرك تحت أقدام المستعمرين الهولدنيين والبريطانيين والفرنسيين، الخ. ولأن هذه القوى الاستعمارية قد أخذت تغير من سياستها وفلسفتها إزاء مستعمراتها كما قال مارسيه (١). المدرسة الابتدائية المزدوجة ١ - ولنبدأ الآن بالمرحلة الأولى، مرحلة الإهمال واللامبالاة الفرنسية من تعليم الجزائريين، وهي ما بين ١٨٣٠ إلى ١٨٥٠. لقد قضى الفرنسيون على عشرات المدارس الابتدائية التي كانت بمدينة الجزائر وغيرها غداة

стр. 1287

الاحتلال (١)، عندما صادروا أملاك الأوقاف، ثم أرادوا حمل الجزائريين على إرسال أولادهم إلى المدرسة الفرنسية المحض ليخلقوا جيلا جديدا يبدأ في التفاهم معهم باللغة الفرنسية. ومع ذلك قالوا عن الجزائريين الذين قاطعوا هذه المدرسة انهم متعصبون. ولنستمع إلى المتصرف المدني الفرنسي سنة ١٨٣٢، وهو جنتي دي بوسيه الذي كان مسؤولا عن التعليم في الجزائر والمخطط للسياسة الفرنسية في هذا الميدان: (من المستعجل جدا أن نمكن الأهالي من لغتنا أكثر مما هو مستعجل أن نمكن أنفسنا من لغتهم. فالعربية لن تكون مفيدة لنا إلا من جهة علاقتنا مع الإفريقيين (يقصد الجزائريين)، أما اللغة الفرنسية فهي لا تبدأ علاقتهم معنا فقط، ولكنها بالنسبة إليهم هي المفتاح الذي به يدخلون بر الأمان، فهي التي تجعلهم يعرفون كتبنا، ويتعرفون على أساتذتنا، أي يكونون على اتصال بالعلم الفرنسي. ان تعلم العربية ليس وراءه سوى اللغة لذاتها، أما تعلم الفرنسية فوراءه كل المعارف الإنسانية وكل ما أنتجه التقدم العقلي عبر السنين) (٢). وإذا كان في هذا الكلام بعض الحق بالنسبة لمدى التقدم الذي عليه الفرنسيون والتخلف الذي عليه الجزائريون في مستوى الحضارة المادية، فإنه كلام يحمل في نفس الوقت روح التعالي والتغطرس. ولو ترك الفرنسيون للجزائريين مدارسهم ثم أنشأوا هم المدارس الفرنسية إلى جانبها وأغروا الجزائريين بإظهار الفرق بين نوعين من التعليم لكانوا في الطريق الصحيح، ولكنهم جاؤوا بروح العداء لكل ما هو عربي وما هو إسلامي، وأرادوا القضاء على حضارة كاملة وإحلال حضارة أخرى غريبة محلها بروح

стр. 1288

التعصب والعداء. فما كان من الجزائريين إلا الرفض والمقاومة والتمسك بحضارتهم، أي أنهم قابلوا التعصب بتعصب مثله وقوة التحدي بقوة مضادة لها. عندما بدأ الفرنسيون في إنشاء المدارس الابتدائية لأبنائهم في الجزائر لاحظوا أن اليهود قد أرسلوا أولادهم إليها بينما قاطعها المسلمون. وكان الارتباط بين الفرنسيين واليهود قد بدأ في عدة مجالات منذ لحظات الاحتلال الأولى. إذ قدم اليهود أنفسهم للفرنسيين على أنهم (الوسطاء) بينهم وبين المسلمين. فقد كانوا على علاقة قديمة مع الفرنسيين في مجال التجارة والترجمة والبنوك وغيرها. وبعد الاحتلال كان اليهود أكثر انفتاحا على العالم الأوروبي من المسلمين، فحاولوا أن يستفيدوا من الفراغ الذي حدث بعد هزيمة المسلمين عسكريا وسياسيا واقتصاديا. فلا غرابة عندئذ أن يتحالف الفرنسيون مع اليهود ضد المسلمين منذ البداية. وقد ظهر هذا التحالف بالخصوص في النواحي الروحية والتعليمية ثم تطور إلى أن تقرر التجنيس الجماعي لليهود في عهد كريميو والجمهورية الثالثة سنة ١٨٧٠. أما المسلمون فلم يكن يعنيهم عندئذ التجنس ولا انتهاز الفرص ولا التحالف مع طرف ثالث من أوروبا، كما فعل اليهود. إن ما كان يهم المسلمين هو قضية وجودهم الحضاري وحفظ تراثهم واستقلال بلادهم، وهزيمة عدوهم الذي جاء لإخراجهم من أرضهم وديارهم ودينهم ولغتهم. لجأ الفرنسيون إلى إنشاء ما أسموه بالمدارس الخاصة، وأعطوها اسم (المدرسة الحضرية - الفرنسية) بالنسبة للمسلمين، والمدرسة الإسرائيلية - الفرنسية بالنسبة لليهود. وبينما أقبل أبناء اليهود على هذه المدارس لم يستجب لها المسلمون لأنهم رأوا فيها فخا منصوبا لأطفالهم، كما وقعوا هم في فخ اتفاق ١٨٣٠ الذي يعدهم بحرمة المساجد والأملاك والنساء فإذا كل ذلك الوعد أصبح في مهب الريح. شرع الفرنسيون ذلك لليهود سنة ١٨٣٢ وللمسلمين سنة ١٨٣٦. وكانت البداية في مدينة الجزائر. ويجب ألا يفهم من هذا أن الفرنسيين قد أنشأوا سلسلة من المدارس على هذا النحو أو أنهم

стр. 1289

خططوا خطة تعليمية لرفع مستوى الجزائريين. إن التجربة كانت محدودة في المكان والزمان. وكان هدفها، كما صرحوا هم بذلك، هو نشر الفرنسية والفرنسة. يقول ميرانت نقلا عن دي بوسيه: (إن الهدف كان محو التعصب الديني والكراهية عن طريق التعليم بالفرنسية والحضارة والتقدم، وذلك لا يكون إلا بإحداث لغة مشتركة في الجيل الصاعد وتقريبه من الفرنسيين بتبنيه نفس الأفكار ونفس المصالح) (١). ترى، من المتعصب إذن؟ وكما قاطع المسلمون المدارس التي سميت خاصة، قاطعوا أيضا المدارس التي سميت بالودادية أو المشتركة mutuel) التي كانت موجهة لأبناء الفرنسيين في الأساس. وقد مر بنا أن بعض الجزائريين قد أرسلوا أولادهم إليها ثم سحبوهم، ربما تحت تأثير الرأي العام المسلم أو بعد أن تأكدوا من الخطر على أولادهم من التعليم في هذه المدارس سيما بعد أن وصف بأنه تعليم لائكي (٢). وكان موقف الجزائريين واحدا بهذا الصدد سواء في الجزائر أو عنابة أو وهران، وهي المدن التي احتلت عندئذ (أي إلى ١٨٣٦)، وأنشئت فيها المدارس المشتركة الفرنسية. وإذا كان برنامج المدارس المشتركة فرنسيا، فإن ما سمي بالمدارس الخاصة كان عربيا عدا اللغة الفرنسية وما يتصل بها من تأثيرات حضارية. فالتلاميذ في هذه المدارس الخاصة يتلقون دروسا في مبادئ القراءة والكتابة بالعربية على يد معلم (أهلي)، ولكنهم كانوا يتلقون أربع ساعات في اليوم لغة فرنسية على يد معلم فرنسي. وقد اشتكى الأولياء من أن المعلم (الأهلي) الذي تعاون مع الفرنسيين في هذا المجال، لم يكن يتوفر على شروط المعلم والمؤدب، بل كان عربيدا وغير متخلق، مما زادهم نفورا من هذه المدرسة الفرنسية الخاصة. إن هذه التجربة لم تكن ناجحة إذن، وهي الخطوة الأولى فيما سيصبح

стр. 1290

التعليم الإسلامي - الفرنسي والذي استمر إلى عهد الاستقلال. وفي مصادر سنة ١٨٣٧ أن عدد الأطفال المترددين على هذا النوع من المدارس كان لا يتجاوز التسعين تلميذا، وكانوا غير مواظبين على الحضور. فقد كانوا يحضرون أو يتغيبون على هواهم. ولكن المصدر يقول إن المعارضة آخذة في البرود وأن روح (التسامح) آخذة في الظهور، وأن الأطفال المسلمين أصبحوا يقلدون الأطفال الفرنسيين في الألعاب ونحو ذلك. إنها (العدوى) كما يقول هذا المصدر (١). وبعد عشر سنوات من هذه التجربة كانت النتيجة متوقعة. فهي غير مبنية على رغبة الجزائريين وإنما فرضتها روح الغطرسة والتعالي إن لم نقل التعصب والكراهية من جانب الطرف الفرنسي. فإحصاء سنة ١٨٤١ أثبت وجود ٢٦٠ تلميذا فقط في مدرسة الجزائر (الحضرية - الفرنسية)، وهي المدرسة الوحيدة، وقد بقيت مدة طويلة على ذلك. أما التلاميذ الأوروبيون والإسرائيليون الذين كانوا يدرسون في المدارس المشتركة فقد وصل عددهم إلى ١، ٩٤٥ من بينهم ٧٩ تلميذا جزائريا. فجملة المتعلمين الجزائريين في المدارس الابتدائية الفرنسية هو ٣٣٩ تلميذا وذلك بعد أكثر من عشر سنوات من الاحتلال (٢). فأين هي نتائج الرسالة الحضارية الفرنسية؟ ويقول السيد إيمانويل بوجيجا وهو يصف هذه المرحلة من التعليم: إن فرنسا لاحظت أن المسلمين جاهلون، وكانت هي منشغلة بالحرب والاحتلال، وإن المسلمين في المدن لم يلبوا نداء المدرسة الفرنسية (٣). ولكن لماذا حرمت فرنسا الجزائريين من مدارسهم بهدمها ومصادرة

стр. 1291

أموالها ثم تخيرهم بين الدخول إلى مدرستها أو الجهل المطبق؟ وقد علق جان ميرانت عن تجربة التعليم المشترك فقال إن فرنسا أرادت به الجزائريين قبل كل شيء لأنه (الوسيلة أكثر تأكدا في الانتصار عليهم لمصلحة فرنسا والحضارة). وقال ميرانت أيضا إن لعب الأطفال العرب والفرنسيين معا منذ السن المبكرة وممارسة الدراسة معهم سيجعل روح التعصب والكراهية والأحكام المسبقة الدينية تختفي عند الأطفال الحضر. لقد كانت الحكومة الفرنسية تعمل على ربط الجيل الصاعد (الجزائري والفرنسي) بلغة واحدة مشتركة، وتقريب هذا الجيل إلى الفرنسيين بالاتفاق على نفس الأفكار ونفس المصالح. ولكن الحضر غادروا المقاعد الدراسية) (١). وما دام الهدف هكذا واضحا فلماذا يلام الجزائريون على ترك هذه المقاعد التي خطط لها أن تكون وسيلة لقطع الصلة بين الأطفال المسلمين ودينهم وماضيهم ولغتهم وربطهم بالأفكار والمصالح الفرنسية؟ فإذا كان الفرنسيون أذكياء وقوميين جدا فقد ظهر لهم أن الجزائريين كانوا لا يقلون ذكاء وقومية واعتزازا بوطنهم وهويتهم. بقيت مدرسة الجزائر الحضرية - الفرنسية (الخاصة) إذن هي الوحيدة مدة طويلة. وحين طلب مفتش التعليم سنة ١٨٣٩ فتح مدرسة حضرية مشابهة في عنابة ووهران لوجود أطفال في سن المدرسة ضائعين، كان الجواب هو أن المحلات غير متوفرة. وهو ادعاء باطل إذ استولى الفرنسيون في عنابة ووهران على أملاك المسلمين ومساجدهم ومدارسهم، وكان من الممكن فتح مدرسة في أحد هذه الأماكن، لكن الحقيقة كشف عنها وزير

стр. 1292

الحربية الفرنسي حين كتب إلى الحاكم العام المارشال فاليه Vallé يخبره بأن الهدف ليس ترك الأطفال الجزائريين يتعلمون على طريقتهم وفي مدارسهم، ولكن تحويلهم إلى دعاة للحضارة الفرنسية عن طريق آبائهم. وكان في ذهن الوزير مشروع إنشاء مدرسة في فرنسا تستقبل أبناء الأعيان الجزائريين، وبعد غسل مخهم هناك واتصالهم بالأطفال الفرنسيين والحياة الفرنسية يرجعون إلى ذويهم ليؤثروا فيهم. يقول الوزير في مراسلته بتاريخ ٢٠ ديسمبر ١٨٣٧ (على أثر احتلال قسنطينة): إن هدف الحكومة هو جعل العرب يقدرون الفوائد التي تنجر إليهم من تعلم حضارتنا، وذلك بجمع عدد من الفتيان العرب وإرسالهم إما إلى الجزائر العاصمة وإما إلى باريس نفسها. إن هؤلاء سيرجعون بعد الحصول على المعارف من مدارسنا، إلى صفوف أهاليهم وإلى السكان عموما، ويقصون عليهم بحضورهم الشخصي، ما عرفوه من الأنوار العلمية والعجائب، مما سيكون له مفعول كبير لصالح قضيتنا. وتذكر المصادر الفرنسية أيضا أن الوزير الفرنسي كتب كذلك إلى الأمير عبد القادر بهذه الفكرة أثناء صلح التافنة، وهي إرسال الفتيان العرب إلى فرنسا أو إلى عاصمة الجزائر. وكانت المناطق الغربية والوسطى من البلاد تحت حكم الأمير. ولكن الأمير، كما قالوا، لم يرد على هذا العرض لأنه كان متخوفا من عواقبه (١). وكان الفرنسيون قد أحدثوا في باريس معهدا خصا سموه (الكوليج العربي) سنة ١٨٣٩، الهدف منه استقبال الفتيان العرب وصهرهم في البوتقة الفرنسية، ثم إرجاعهم إلى الجزائر ليقوموا بدور المبشرين بالحضارة الفرنسية تمهيدا للسيطرة والاستعمار، حسب مخطط الوزير المذكور. ولهذا المعهد وظيفتان الأولى إكرام الأعيان العرب (الجزائريين) الذين يزورون فرنسا زيارات منظمة، وحسن استقبالهم، وتطريتهم. والثانية تعليم مجموعة من الفتيان الجزائريين الذين يوضعون تحت إشراف ورقابة (رجال ثقاة وتقاة منهم) على أن يتلقوا تعليما على أيدي معلمين فرنسيين. كما ألحقت بهذا

стр. 1293

المعهد مدرسة للترجمة من العربية الدارجة (الجزائرية)، ويدخلها أيضا شبان فرنسيون، وبذلك يصبح المعهد، كما قيل، مشتلة للمترجمين المقدر لهم العمل بالجزائر. ويبدو أن هذا المشروع طموح، وكان يهدف إلى التعليم والدعاية معا، وبدل إنشاء المدارس للجزائريين في بلادهم أراد الفرنسيون نقل بعض الأطفال إلى باريس ليتعلموا فيها ويتأثروا بها، ثم يرجعون إلى الجزائر كدعاة وأبواق تسبح بحمد فرنسا وشكرها. ولكن الأعيان الجزائريين رفضوا هذا العرض السخي الذي قيل إنه يتماشى تماما مع الكرم العربي المعهود، وربما كان الرفض راجعا إلى الخوف على الأطفال. ولذلك فشل المشروع في مهده. وقد فكر الفرنسيون في إنشاء قسم خاص ملحق (بكوليج الجزائر) يدخله الأطفال الجزائريون ويتلقون فيه تعليما متميزا عن الأطفال الفرنسيين، ولكنه تعليم يضمن الاتصال واللعب بين الأطفال وبث روح (العدوى) بينهم (١). وظل إهمال تعليم الجزائريين هو طابع السياسة الفرنسية في انتظار انقراض الجيل المعاند أو المحافظ وظهور جيل آخر على رماد الحروب. وفي منتصف الأربعينات تكونت اللجنة التي سبقت الإشارة إليها والتي كانت برئاسة الجنرال بيدو، ودام عمل اللجنة خمس سنوات، كما عرفنا. وفي ١٤ يوليو سنة ١٨٥٠ صدر مرسوم بإنشاء ست مدارس في الجزائر، تسمى المدارس العربية - الفرنسية. وبالإضافة إلى مدرسة الجزائر السابقة (الحضرية) أنشئت أخريات في وهران وقسنطينة وعنابة والبليدة ومستغانم، برنامجها هو تعليم الفرنسية والعربية للأطفال الجزائريين. وتلك هي بداية المرحلة الثانية من مسيرة التعليم العربي - الفرنسي.

стр. 1294

٢ - لقد ترك المجال مفتوحا أمام الحاكم العام لينشئ مدارس مماثلة في مدن أخرى إذا رأى ذلك. وبين ١٨٥٠ - ١٨٧٠ لم تنشئ فرنسا سوى ٣٤ مدرسة عربية - فرنسية (البعض يقول ٣٦) فإذا كانت فرنسا تتعلل في المرحلة الأولى بمقاومة الجزائريين وبالحروب، فإنها في المرحلة الثانية لا تجد ما تتعلل به، سيما وأن عهد الحروب قد خف ودخل عهد التهدئة، كما يسمونه. وإن مقاومة الجزائريين أخذت تضعف بعد تشريدهم وشعورهم بالحاجة إلى التعلم على أثر القضاء على معالمهم الدينية والتعليمية القديمة. وقد وصل عدد هذه المدارس سنة ١٨٦٤ إلى ثماني عشرة مدرسة فقط يتردد عليها حوالي ٧٠٠ تلميذ (١). وقد قلنا إن عدد المدارس قد وصل سنة ١٨٧٠ إلى ٣٤ مدرسة، تلاميذها حوالي ١، ١٥٥ هذا في المناطق المدنية، أما في المناطق العسكرية فقد أنشأ الفرنسيون خمس مدارس فقط (٢). ولنتذكر أن معظم البلاد كانت ما تزال تتبع النظام العسكري. لكن يجب أن نعرف أن ما يتلقاه التلميذ الجزائري في هذه المدارس لا يعدو أن يكون من نوع غسيل المخ أيضا. فالتلميذ لا يتلقى حصيلة معرفية تؤهله لأي وظيفة في الحياة. فبعد أن يقضي عدة سنوات في هذه المدارس يخرج منها ويرجع إلى داره وإلى الشارع وقد نسي ما قرأه اللهم إلا بعض المقارنات بين العربية والفرنسية، وبين حياة الفرنسيين وأفكارهم (المتقدمة) وحياة الجزائريين وأفكارهم (المتخلفة)، وذلك هو بالضبط ما كان يريده مشرعو المدرسة العربية - الفرنسية. كان المعلمون غير متوفرين باللغتين، ولذلك كانوا يأتون بهم ممن هب ودب، من الجنود ومن لا حرفة لهم. وليس هناك مستوى مطلوب في المعلم أخلاقيا ولا علميا. وقد ظل الحال

стр. 1295

كذلك إلى إنشاء المدرسة النورمالية أو ترشيح المعلمين. وكانت هذه المدارس مفتوحة للذكور والإناث ليتعلموا فيها مبادئ القراءة والكتابة في اللغتين. ولكن ما دامت الفرنسية هي لغة المستعمر ويسيطر على جو المدرسة الطابع الفرنسي، فإن التلاميذ كانوا يأخذون في الانسلاخ شيئا فشيئا عن مجتمعهم وماضيهم. وبالإضافة إلى ذلك فإن بقية المواد كان يتغلب عليها أيضا الطابع الفرنسي فتصبح العربية مجرد لغة. أما المعارف العملية فهي بالفرنسية، مثلا يتعلم التلاميذ الحساب بالفرنسية وكذلك التاريخ والجغرافية والموازين والمكاييل للذكور، والخياطة للإناث. كان لكل مدرسة معلمان. أحدهما فرنسي، وهو المدير، والآخر مسلم مساعد له. يعين الحاكم العام كليهما بقرار، بناء على اقتراح من حاكم الناحية التي بها المدرسة. ويشترط في المعلم الفرنسي (المدير) أن تكون له شهادة النجاح في الترجمة كدليل على معرفته للعربية (الدارجة). أما المعلم المسلم فيستظهر فقط بشهادة من المفتي أو القاضي تشهد على تمكنه من العربية والدين، وهي الإجازة التي كان يعمل بها في السابق. وكانت أجرة المدير ١٢٠٠ فرنك سنويا. وأجرة المعلم المسلم ٢٠٠ فرنك فقط سنويا. ويمكن للحاكم العام أن يضيف إليهما علاوات سنوية في شكل مكافآت، بشرط ألا تتجاوز نصف الراتب. والملاحظ أن ميزانية هذه المدارس كانت من الجزائريين أنفسهم، فالرواتب للمعلمين كانت من الغرامة المضافة على العرب، كما تقول (المبشر) (٣/ ١٨٦٧/١). وحين تترك الميزانية للبلديات ترفض أو تتلكأ في إعطاء ميزانية للتعليم الموجه للأهالي، كما سنرى. والتعليم في هذه المدارس كان مجانيا واختياريا. وكانت المدارس تحت إشراف الحاكم العسكري للمنطقة (كان النظام كله عسكريا خلال المرحلة - سوى سنتين ١٨٥٨ - ١٨٦٠)، وهو الذي يقدم عنها تقريرا فصليا إلى الحاكم العام، ويتصل الوزير بتقرير عنها أيضا عن طريق الحاكم العام. لاحظنا أن هذا التعليم كان موجها للبنين والبنات. وقد أنشئت ثلاث مدارس للبنات في كل من الجزائر ووهران وقسنطينة. ولم تكن في الواقع

стр. 1296

مدارس جديدة وإنما وظفت بعض الزوايا والمدارس وحتى المساجد القديمة لذلك، مثلا مدرسة البنات في قسنطينة كانت في جامع سيدي الرماح. ومن حيث المبدأ فإن كل مدرسة للبنات كانت تخضع لنفس الشروط في مدرسة البنين. فلكل مدرسة معلمتان، إحداهما فرنسية، وهي المديرة، والأخرى مسلمة (١)، وتخضعان لنفس شروط التعيين. ولكن أجرة المديرة الفرنسية ١٠٠٠ فرنك سنويا، وأجرة المعلمة المسلمة ٥٠٠ ف فقط. ولا تحسبن أن هذا التعليم كان مفتوحا للجميع، فالديموقراطية لم تكن معروفة. والتعليم إنما أنشئ لخدمة اللغة الفرنسية وحضارتها وتمكين السلطة الفرنسية في البلاد. ولم يكن من مصلحة الفرنسيين أن يفتحوا المدرسة الابتدائية المحدودة لكل الأطفال الأبرياء. إن العبرة هنا بالآباء والمستقبل. ولذلك فإن هذا التعليم كان مفتوحا فقط لأبناء الأعيان والعائلات التي خدمت فرنسا أو التي تتعامل معها. أما العائلات التي حاربتها أو تلك المجهولة فلا مكان لأطفالها في المدارس العربية - الفرنسية. وفي ١٨٦٦ أعلنت جريدة (المبشر) (٢) الرسمية بصوت تسوده الغبطة والسرور أن الحاكم العام قد (أنعم على ٧٦ تلميذا من أولاد العرب بقبولهم في المدارس العربية - الفرنسية ابتداء من يناير ١٨٦٧. ثم أوضحت الجريدة نماذج من العائلات العربية التي اختيرت لهذا الإنعام السامي في إقليم قسنطينة، وهي عائلة أولاد مقران (مجانة)، وعائلة أولاد بلقاضي (باتنة)، وعائلة ابن مراد (قالمة)، وعائلة ابن عاشور (فرجيوة)، وعائلة ابن باديس (قسنطينة)، إما لوظيف تقلده أعيانها وإما (سجية) بانت منه للدولة إلى الآن). وهذا تعبير غامض لا تفهمه إلا جريدة (المبشر) والسلطة التي تصدرها. والمهم هو أن العائلات التي اختيرت كانت مفيدة لمصالح فرنسا عاجلا أو آجلا وأن أبناء هذه

стр. 1297

العائلات ستحصل لهم (المناصب في الحكم العمومي أو الحكم الخصوصي). وهناك ميزات أخرى تميز هذا الصنف من التعليم، وهو جعله تحت رقابة لجنة حسب الفرنسيون أنهم ضمنوا بها رضى المسلمين. فقد جندوا أناسا ممن كانوا طوع بنانهم من الجزائريين، وسموهم مفتين وقضاة، ثم جعلوا هذه المدارس تحت أنظارهم لكي ينزعوا عن الأولياء الشك في أهداف المدرسة. ولكن الفرنسيين كانوا لا يخفون نواياهم أبدا، وكانوا يقولون بصراحة: إننا نريد تعليما يخدم أهداف فرنسا لا أهداف الجزائريين. وهذه اللجنة الصورية كانت في الظاهر برئاسة المفتي أو القاضي. ولكن من هو هذا أو ذاك؟ فعندما عصي المفتي الكبابطي أمر بوجو عزله ونفاه سنة ١٨٤٣ وجيء بمفت صوري مكانه. والمفروض في هذه اللجنة أن تراقب الدروس وتفتش المعلمين. وكان التلميذ يخضع لمراقبة صحية من قبل طبيب يزور المدرسة دوريا. وهناك امتحان في آخر المرحلة الدراسية عن طريق لجنة، وإذا نجح التلميذ يحصل على دبلوم (بروفي)، وهذا الدبلوم يؤهل للوظائف الدنيا المخصصة للأهالي في الإدارة الفرنسية وهي محجوزة لخريجي المدارس الفرنسية من الجزائريين، أما غير المتخرج منها فلا يطمع غالبا في الوظائف الدنيا ولا العليا. وأخبرت المصادر الرسمية أن التجربة سارت بنجاح وأن بعض الأولياء اقتنعوا بأهمية التعليم الجديد سيما وهم يرون المفتي في لجنة الإشراف والمعلم المسلم في حجرة المدرسة، ولذلك هنأ الفرنسيون أنفسهم عندما رأوا أن بعض المفتين قد أرسلوا أبناءهم أيضا إلى هذه المدرسة التي يشرف عليها معلمون مسيحيون مما يبرهن في نظرهم (الفرنسيين) على التغلب على روح التعصب (١). ولكن هذا التفاؤل ستظهر الأيام أنه كان في غير محله.

стр. 1298

وإليك نموذجا لمدرسة عربية - فرنسية في مدينة الجزائر سنة ١٨٦٧. فعدد التلاميذ المسجلين فيها ٢١٣، منهم ١٧٣ مسلما و ٤٠ أوروبيا. وفي آخر السنة كان عدد الحضور منهم: ١٥٩ فقط، منهم ٨١ من المسلمين و ٢٨ من الأوروبيين. أما المعلمون، فالمدير/ المعلم هو أوغست ديباي A.Depeile والمعلم الفرنسي المساعد هو إيميل مانتي E.Mantis، ومعلم الرسم والموسيقى فرنسي ثالث يسمى ليليستان ليوجي L.Liogier، والمعلم المساعد الوحيد المسلم هو أحمد بن محمد القبطان، وهو معلم سيرد ذكره بعد ويكون من أصحاب النياشين بعد تقدم السن به. ومواد الدراسة (البرنامج) هو: اللغة الفرنسية نحوا وصرفا، والعمليات الأربع في الحساب، وتاريخ فرنسا وجغرافية أوروبا، والرسم والموسيقى (١). ثم اللغة العربية. ولا ندري لماذا تحتاج المدرسة إلى إشراف القاضي أو المفتي ما دام كل شيء يتم فيها لا دخل فيه. فالتلميذ لا يتعلم مبادئ الدين ولا تاريخ بلاده ولا جغرافيتها. وحتى الحساب قيل عنه إنه كان حساب النظام الميتري الفرنسي. وإلى جانب هذا النوع من التعليم الموجه للأطفال، هناك تعليم آخر (مزدوج) موجه لبعض الكبار - من فاتهم سن التعلم، ومن تخرج من المدرسة أو أخرجته وأراد المتابعة. هذا الصنف من الجزائريين وجدت لهم السلطات الفرنسية طريقة للإبقاء على صلتهم بالفرنسيين ومحاولة دمجهم في الفكر الفرنسي. وقد كلفت بذلك أساتذة حلقات اللغة العربية في وهران وقسنطينة والجزائر بفتح لقاءات ودروس لهؤلاء باللغة الفرنسية، وهم بالطبع يعرفون العربية (الدارجة)، وهم يقدمون دروسهم أو لقاءاتهم ثلاثة أيام في الأسبوع. والموضوعات المقررة هي الحساب وتاريخ فرنسا والجغرافية أيضا إلى جانب اللغة الفرنسية. ومن أبرز المدرسين خلال هذه الفترة،

стр. 1299

برينييه في الجزائر وشيربونو في قسنطينة. ولكن هذا كله لا يفيد شيئا تقريبا، لأن ميزانية المدارس قد أصبحت في يد البلديات منذ ١٨٦١. والبلديات كان يسيطر عليها الكولون والعناصر التي لا تهتم بالمدارس العربية - الفرنسية ولا بتعليم الجزائريين مطلقا. ولذلك توقفت البلديات عن تخصيص ميزانية للصيانة والرعاية المالية والبناء والرواتب. والمعروف أن بلدية وادي العلايق مثلا رفضت إنشاء مدرسة عربية - فرنسية، وكانت البلديات تقول إن للعرب أكثر من ٢٠٠٠ مدرسة قرآنية وهذا يكفيهم (١). وبدأت البلديات بقطع الميزانية المتعلقة باللغة العربية. فاعترى المدارس الإهمال والهرم، كما أن المدارس الجديدة لم تر النور، بل إن الموجود منها اختفى خلال المرحلة الثالثة (٢). ٣ - أما المرحلة الثالثة فقد عرفت تغييرات في هذه المدرسة العربية - الفرنسية القائمة على الازدواجية اللغوية والفكرية. لقد أدى ذكاء الفرنسيين سنة ١٨٥٠ إلى محاولة الدخول في شخصية الجزائري وشطرها عن طريق هذا النوع من التعليم. فحين وجدوه رافضا لتعليمهم الخاص وتعليمهم العام، لجأوا إلى هذه الحيلة، وهي وضع العربية إلى جانب الفرنسية والمعلم الفرنسي إلى جانب المعلم المسلم، والحروف العربية إلى جانب الحروف اللاتينية والمعارف الدينية الإسلامية إلى جانب المعارف الفرنسية المسيحية. وكل ذلك كان تحت إشراف مفت أو قاض نظريا. ولكن هذه المرحلة (الثانية) كانت جسرا فقط، وكانت مؤقتة، ولم تكن شاملة ولا ديموقراطية، ولم تحصل منها نتيجة مفيدة للشعب الذي بقي على حبه للتعليم وتمسكه بتراثه وظل يقاوم ما وسعته المقاومة، وهذا لا ينفي وجود بعض المستفيدين من التجربة الفرنسية المذكورة. وحين أحس الفرنسيون بأنهم لم يعودوا في حاجة إلى مراعاة شعور

стр. 1300

الجزائريين، أغلقوا حتى هذه المدارس. فقد اغتنموا فرصة ثورة ١٨٧١ في الجزائر، وفرصة تغيير نظام الحكم والحماس للنظام الجمهوري والاستعمار والامبريالية في فرنسا، فقضى الحاكم العام الجديد، الأميرال ديقيدون، لإغلاق المدارس العربية - الفرنسية، وقطع ميزانيتها، عقابا، في نظره، لأبناء العائلات التي ثارت رغم إنعام فرنسا عليها. ثم إن الجمهورية الجديدة كانت متحمسة جدا للفرنسة والاندماج (١)، وكل مؤسسة فيها اسم العربية أو الإسلام تعتبر في نظرها مؤسسة عدوة. ولذلك صدر الحكم بإعدامها. والواقع أن فترة ١٨٧٠ - ١٨٩٢ تعتبر فترة ظلام أخرى في ميدان التعليم. ولا نعني أن ما سبقها كان فترة تنوير، ولكن على الأقل كانت فيها محاولات محدودة باستخدام وسائل معينة لدمج الأهالي في المنظومة الفرنسية التربوية تحت مظلة المملكة العربية التي تبناها نابليون الثالث. أما مسؤولو الفترة الثالثة فهم في الوقت الذي قضوا فيه على تجربة المدارس العربية - الفرنسية لم ينشئوا البديل لها، بل ازدادوا عتوا وطغيانا، فقطعوا المدد عن المدرسة الموجهة للأهالي مهما كانت، وفرضوا الضرائب الإضافية على السكان وغرائم الحرب الباهظة، وصادروا الأراضي من جديد وأعطوها لمهاجري الألزاس واللورين، وسنوا قانون الأهالي (الأندجينا)، وضربوا عرض الحائط بكل شكاوى الجزائريين من الظلم الذي أصابهم في كل الميادين، ولا سيما ميدان القضاء الإسلامي والتعليم العربي. وهكذا فمن بين ثلاثة ملايين جزائري سنة ١٨٨٠ لا يتردد على المدارس الابتدائية التي يديرها الفرنسيون سوى ٢.٨١٤ تلميذ من البنين و ٣٥٨ من البنات. وبدل أن تزيد المدارس نقصت، فلم يكن منها سنة ١٨٨٢ سوى ست عشرة (البعض يقول ١٣ فقط) مدرسة في القطر كله، ولولا اعتماد الجزائريين على أنفسهم وانطلاق التعليم في الزوايا ونحوها لدخلت الجزائر عصر الكهوف.
следующие страницы →