← Указатели

Указатели · id 14100

تاريخ الجزائر الثقافي

أبو القاسم سعد الله

Полный текст (5 019 стр.). Показаны 1331–1370 · переход к 1336.

стр. 1331

ابتدائي، رغم قول الفرنسيين أنه ثانوي أو عالي. فكون المتلقي كبير السن لا يجعل مستوى التعليم عاليا سواء كان المتلقي يعرف القراءة والكتابة أو لا يعرفهما. لقد كان في إمكان التلاميذ أن يدخلوا المدارس المذكورة في أي وقت شاؤوا من السنة، فدروسها عبارة عن دروس حرة. وكان طلابها أو تلاميذها متقدمين في السن، ومنهم من وصل إلى سن الأربعين، وفي أغلب الأحيان قد وخطهم الشيب، كما يقول المستشرق بيل. وبناء على توصية من لجنة (قاستنبيد) جرى امتحان دخول للمدارس الثلاث وشارك فيه لأول مرة سنة ١٨٦٩ رجال الزوايا. وكان ذلك بإلحاح من المكي بن باديس الذي قيل عنه أنه كان ضد المدارس الثلاث وكان يقف مع استقلال المجالس القضائية ويدافع عن الدين الإسلامي. وقد فاز رجال الزوايا بوظائف القضاء، ولكن مشاركة رجال الزوايا ألغيت في عهد الحاكم العام شانزي (انظر لاحقا) سنة ١٨٧٧. ويبدو أن الإقبال على المدارس الرسمية في البداية كان مرتفعا إذ يذكرون أن عدد التلاميذ في المدرسة الواحدة كان بين ٥٠ و ٦٠ بسبب ما أشيع من أن التلميذ المنتظم يتحصل على حوالي ٨٠ سنتيم في اليوم. ولكن ذلك لم يستمر، لأن معدل الحضور، كما سنرى، كان بين ١٥ و ٢٠ فقط. وقد قدرت بعض التقارير أن المنحة السنوية للتلميذ المنتظم كانت حوالي مائة فرنك سنويا، إذا أثبت التلميذ أنه نجيب. وكان يمكن للتلاميذ السكنى في المدرسة إذا توفر لها ذلك. ولكن التقارير أثبتت أن الشروط الصحية كانت سيئة. كذلك لم يكن هناك شروط لاختيار المعلمين، ولا المدير، ولا توجيه التعليم. فقد ترك توجيه التعليم للمعلمين أنفسهم، على أن يخضع لزيارة المفتش الفرنسي، كما لاحظنا، ليطلع على سير التعليم. والغريب أن السلطات العسكرية قررت إلغاء مادة التوحيد من التدريس، وهو قرار خارج عن نص المرسوم بإنشاء المدارس. ويقول المستشرق بيل أن أحدا (من الأهالي) لم يتقدم بشكوى من ذلك. وسنرى أن باب الجهاد والضرائب قد ألغى أيضا من أبواب الفقه. وكانت مدة الدراسة ثلاث سنوات فقط. وقلما يواصل التلاميذ تعلمهم إلى نهاية الفترة، على قصرها، إذ أنهم يغادرون

стр. 1332

المدرسة كلما وجدوا وظيفة (صغيرة) في القضاء أو الديانة. هكذا يصف المستشرق بيل وظيفة الديانة والقضاء بالصغيرة، وأنها لكبيرة لو كان يدرك هو ومن تولاها مغزاها وأهميتها. ولكن هذه الوظيفة استهزئ بها زمن الاحتلال حتى تولاها الأميون وأشباههم، وكانت النتيجة هي ذلك الضحل من العلم والإساعة إلى الدين الإسلامي والقضاء والتعليم. وفي ١٨٦٣ عدل مرسوم إنشاء المدارس وأضيفت اللغة الفرنسية والحساب والهندسة والتاريخ الفرنسي والجغرافية إلى مواد الدراسة كما سبقت الإشارة. والمهم هو أن هذه المواد كان يغطيها معلمون فرنسيون، وكان المدير يغطي مادة واحدة. وبالإضافة إلى المعلمين كانت كل مدرسة تضم أيضا وقافا أو قيما (١). إن برنامج المدارس الشرعية - الفرنسية قد أصبح يساير المدرسة العربية - الفرنسية، بعد حوالي ثلاث عشرة سنة من إنشائها. وقد جاء في أحد التقارير أن للمدارس الشرعية - الفرنسية (صبغة سياسية). وأنها لكذلك. فقد ذكرنا أنها كانت تخضع لرقابة السلطات الحاكمة، والعسكرية بالخصوص. وأن مادة التوحيد والجهاد قد أزيلت من برنامجها. والذين عينهم الفرنسيون على رأسها هم من القضاة السابقين في المكاتب العربية مثل الشيخ محمد الشاذلي بقسنطينة. وأثبت التقرير أيضا أنه بعد حوالي خمس سنوات من إنشائها أصبح بالإمكان توظيف خريجيها وإدخال المواد الفرنسية على برنامجها وأن دروسها على ما يرام بعد أن أثبت التفتيش ذلك، كما أثبت تطوير المعلمين المسلمين فيها، وأنه لن يطول الزمن حتى ينفروا من الدراسات القرآنية والتقليدية ويستقبلوا الدراسات والأفكار الفرنسية بصدر رحب. وقد أثبت هذا التقرير أيضا أن عدد التلاميذ الإجمالي هو ٦٦ تلميذا كانوا موزعين هكذا: ٢٦ في مدرسة البليدة، و ٢٦ في مدرسة قسنطينة، و ١٤ في مدرسة تلمسان. أما الميزانية السنوية فتبلغ ٢٣.٠٠٠ فرنك. وهي تخرج من ميزانية الدولة (٢).

стр. 1333

أما المدراء والمدرسون فكان وزير الحرب هو الذي يعينهم باقتراح من الحاكم العام. وأما الحارس أو الوقاف فيعينه الوالي بناء على اقتراح من مدير المدرسة. وأجرة المدير كانت ٢.١٠٠ ف. سنويا. وأجرة المعلمين ١، ٥٠٠ ف. وليس هناك شروط لاختيار المعلمين. ومن أوائل مدراء هذه المدارس هم حسن بن بريهمات في البليدة - الجزائر، ومحمد بن عبد الله الزقاي في تلمسان، ومحمد الشاذلي في قسنطينة (١). واشتهر من بين شيوخها في قسنطينة الحاج أحمد المبارك المعروف بالعطار والمكي البوطالبي، وكلاهما من بقايا المدرسة القديمة ولهما إلمام واسع بالمعارف الإسلامية. وكان الطاهر بن غراس من أوائل شيوخ مدرسة تلمسان التي بدأت عملها في مدرسة سيدى بومدين بقرية أو ضاحية العباد ثم تحولت إلى تلمسان نفسها ابتداء من سنة ١٨٥٣ (٢). لقد كانت المدارس الشرعية - الفرنسية وسيلة أخرى لتجنيد الجزائريين إلى جانب الإدارة الفرنسية. فبعد الفراغ الذي خدفه (المتعصبون) المعاصرون للحملة، وهم الذين حملوا السلاح وقاوموا الاحتلال، أرادت السلطات الفرنسية أن تعلم جيلا من أبناء هؤلاء ليكونوا لها مطية في تولي الوظائف القضائية والدينية، كما تولى القسم الآخر من هذا الجيل الوظائف الإدارية - الباشغوات والأغوات والقياد الخ. - وقد أثمرت الجهود فأخذ الفرنسيون يعينون، منذ منتصف الخمسينات، من خريجي المدارس التي أنشأوها. وكما حل أغوات فرنسا محل خلفاء الأمير عبد القادر حل كذلك قضاة فرنسا محل قضاة الأمير، وكذلك محل القضاة الآخرين الذين لم يمروا بالمدرسة الفرنسية ولم يلامس أمخاخهم الفكر الفرنسي، قضاة وعلماء كانوا قد درسوا

стр. 1334

في المغرب أو المشرق. وقد وجدنا جريدة المبشر تنشر سنة ١٨٦٧ بمناسبة المجاعة المهولة التي حدثت بالجزائر كلها، الرسالة التي بعثت بها مجموعة من قدماء مدرسة الجزائر إلى مديرها الشيخ حسن بن بريهمات. وفي الرسالة بعض النقود التي تبرعوا بها لتلاميذ المدرسة المتضررين من المجاعة، وكتابين للمدير، واعتزاز بانتمائهم إلى المدرسة وبالوظائف التي أصبحوا يتولونها بعد تخرجهم منها. وكان عددهم، حسب الرسالة، ستة عشر قاضيا وعدلا وباش عدل، في دوائر المدية، والأصنام (الشلف)، ومليانة، وسور الغزلان. ومنهم محمد العنتري (بني مناصر)، ومحمد الحميسي (العطاف)، والحاج محمد طيفور (١). ولكن ليس كل خريجي المدارس الشرعية - الفرنسية كانوا يجدون الوظائف مفتوحة أمامهم. إنها وظائف قبل كل شيء محدودة بأعيانها. وهي القضاء والديانة، ولذلك كان العدد يتحدد مسبقا. وقلما يزيد عدد التلاميذ في المدرسة عن العشرين. وقد كثر (العاطلون) بين من تخرجوا منها منذ ألغيت الوظائف القضائية الإسلامية وإحلال القضاة الفرنسيين محل القضاة المسلمين، أي منذ الخمسينات ولكن بالتدرج. ويبدو أن المستوى في المدارس كان ضعيفا جدا في اللغة وفي الفقه والأدب، ولا ندري مدى تقدم الخريجين في المواد الفرنسية، وهي المواد التي لا تفيدهم كثيرا في أداء وظيفة القضاء والديانة. وهذه رسالة بعث بها أحد الخريجين إلى مدير التعليم الفرنسي (الريكتور) يخبره أنه قرأ في مدرسة تلمسان ثلاث سنوات ونال الشهادة منها سنة ١٨٨٨ (أي بعد إصلاحها) ومع ذلك لم يجد وظيفة (والطلبة الأجنبية (أي الذين لم يدرسوا في المدرسة) يضحكوا (كذا) علي ويقولوا (كذا) لي إجازة المدرسة ليس فيها فائدة). وهو يطلب من المدير أن يدله على وظيفة شاغرة لكتابة عقود الزواج والطلاق والميلاد والوفاة بين

стр. 1335

العرب. وقد ألح عليه في الطلب (بجاه الأنبياء والمرسلين والأولياء والصالحين). ونحن لا نعرف من هو هذا المتوسل المسكين، ولكنه كان من نواحي وهران، وكان ضحية من ضحايا الإدارة الفرنسية، وتدل رسالته على مستوى تعليمي وعقلي بسيط (١). انتقد المستشرق بيل المتحمس جدا للفرنسية، النتائج التي تحصل عليها الفرنسيون من المدارس الشرعية - الفرنسية قبل الإصلاح سنة ص ١٨٧٦. ومن رأيه أنها أدت مهمتها في عدة نواحي ولكنها ظلت قاصرة عن إدراك الهدف الحقيقي وهو خدمة المصلحة الفرنسية قبل كل شيء. فقال إنه بعد ٢٥ سنة من إنشائها تكون قد أدت دورها بالنسبة للمسلمين، لأنها كانت تضم عددا كبيرا من المترشحين رغم حالتهم السيئة في السكنى والعناية. كما أن الإدارة الفرنسية قد وجدت فيها موظفين اعتمدت على مشاعرهم وولائهم بعد أن عركتهم في الميدان فوجدتهم أقل خطرا عليها من أولئك الذين وظفتهم من المدارس الحرة (الزوايا؟) أو من الجامعات الأجنبية (الإسلامية). ويرجع الفضل في ولاء الخريجين وكسب مشاعرهم إلى تعلمهم اللغة الفرنسية، رغم أنه كان تعلما بسيطا. فقد كان له الأثر الإيجابي الكبير على عقلية التلاميذ فقربهم قليلا من الفرنسيين. ولكن هذه النتائج في نظره لم تكن كافية، لأن هناك عدة أخطاء ارتكبت في الأثناء وأصبح لا بد من إعادة النظر ومراجعة البرنامج. من ذلك الخطأ في تنظيم المدارس نفسه وعدم وجود إدارة مناسبة لها. وانعدام المراقبة الفعالة للدروس والطريقة السيئة في اختيار التلاميذ، فهؤلاء كانوا لا يعرفون إلا القليل من العربية، والأقل من ذلك أو لا شيء على الإطلاق من العربية الفصيحة أو الأدبية عند دخولهم، مع تقدم السن بعدد كبير من التلاميذ، وكانوا يفتقرون إلى الذكاء والطموح. وبتعبير آخر فإن هذه النقائص

стр. 1336

كلها ترجع إلى أن المدرسة كانت تحت إدارة جزائرية وبرنامج عربي في مجمله وتلاميذ غير مختارين بدقة، إذ جاء أغلبهم من الزوايا حيث يحملون معهم مادة قوية من التعصب الديني ضد الفرنسيين، ويرفضون كل الأفكار الليبرالية الفرنسية التي يحاول الفرنسيون زرعها في التلاميذ. أما النقد الآخر فقد وجهه بيل إلى السلطات العسكرية التي كانت تتحكم في هذه المدارس في حين أنها غير مؤهلة لإدارة التعليم فيها (١). لقد رأى الفرنسيون إدخال إصلاحات على المدارس الشرعية - الفرنسية ابتداء من سنة ١٨٧٦. كان عقد السبعينات يمثل مرحلة خاصة في مختلف الميادين. وفي ميدان التعليم بالذات لاحظنا إلغاء المدارس العربية - الفرنسية بقرار من الحاكم العام ديقيدون، وإلغاء الكوليج الامبريالي في كل من الجزائر وقسنطينة. وجاء دور المدارس الشرعية - الفرنسية، فلم تلغ تماما لحاجة الإدارة إلى خريجيها في بعض التخصصات، ولكنها نظمت تنظيما خاصا بحيث تؤدي دورها المحدود، وهو تخريج بعض القضاة الخاصين بعقود الزواج والتركات، وتخريج بعض الأيمة في المساجد، مع التركيز على الفرنسية في اللسان وفي الأفكار. لقد جاءت الجمهورية الثالثة لمحو ما بقي يدل على وجود عربي - إسلامي في الجزائر. فجاء مرسوم ١٥ غشت ١٨٧٥ ليمنح الحكومة العامة في الجزائر حق إنشاء مدارس إسلامية، ذريعة لإحداث تغيير هام في بنية ووظيفة المدارس الشرعية الثلاث ابتداء من ١٦ فبراير ١٨٧٦. وبناء على القراء الأخير فإن الحاكم العام في الجزائر يحتفظ بحق المراقبة السياسية والإدارية للمدارس المذكورة. كما يتكفل مدير التعليم بإدارة الدراسات والانضباط الداخلي فيها. وقد اعتبر التعليم في المدارس الثلاث عبارة عن تعليم عال، على أنها مؤسسات للتعليم العالي الإسلامي. أما هدفها فقد ظل كما كان تقريبا، وهو تخريج المترشحين لوظيفة القضاء والديانة الإسلامية والتعليم العام الإسلامي، وكذلك كل الوظائف الأخرى المخصصة حسب مرسوم ٢١ إبريل ١٨٦٦، للأهالي المسلمين غير

стр. 1337

المتجنسين بالجنسية الفرنسية (١). وبناء على هذا الإصلاح تناقص عدد التلاميذ في المدارس الشرعية - الفرنسية خلال سنوات ١٨٧٧، ١٨٧٨ وإلى ١٨٩١. فقد كان مثلا عددهم أكثر من ٥٠ تلميذا في تلمسان خلال سنوات ١٨٦٠ - ١٨٨٢ فإذا به ينحدر إلى أقل من ٤٠ سنة ١٨٨٢ ثم إلى ٢١ فقط سنة ١٨٩٠، و ١٨٨١ (٢). ويذكر بوليو أن العدد في المدارس الثلاث قد انخفض إلى ٧٨ فقط سنة ١٨٧٨، أي بمعدل ٢٩ تلميذا لكل مدرسة (٣). وقد حدد الإصلاح الجديد عمر الدخول للتلاميذ بـ ١٨ إلى ٢٥ سنة. وقبل الدخول كان على المترشح أن يمثل أمام لجنة الاختبار، وبعد ذلك يظهر اسمه في قائمة المقبولين التي تقدم للحاكم العام نفسه ليختار منها من يرغب فيه. ويكون ذلك بعد دراسة دقيقة لملف المترشح ووضع أهله السياسي والاجتماعي وسيرتهم وعلاقتهم بالفرنسيين ماضيا وحاضرا. كما أن الحاكم العام هو الذي يسمى المدرسين والمفتشين. ويقدم المفتش تقاريره إلى مدير التعليم. وفي القرارات التنظيمية اللاحقة

стр. 1338

تفاصيل إضافية. فقد انتزع قرار ٢١ نوفمبر ١٨٨٢ حق المراقبة في المناطق العسكرية من يد الضباط وأعطاه إلى الولاة. ثم جاء قرار ٢٦ يوليو، ١٨٨٣ فوضع إدارة المدارس في يد مدير التعليم (ريكتور). أما الميزانية فقد بقيت تخرج من الدولة. كان امتحان الدخول إلى المدارس الثلاث يجري خلال جوان/ يونيو من كل عام، ولكن منذ سنة ١٨٨٦ استحدث امتحان دخول آخر في أكتوبر (دورة ثانية). ويتضمن الامتحان العناصر الآتية: ١ - إملاء بالعربية مع إعراب في النحو من الإملاء نفسه. ٢ - شرح نص بالعربية في الشريعة الإسلامية. ٣ - تدريب على التحرير بالعربية. ٤ - اختبار في اللغة الفرنسية يتضمن القراءة والكتابة بها، مع محادثة شفوية. ٥ - أسئلة عن الأعداد العشرية. وهي عناصر تدل على الفرق الذي كان بين مدرسة ١٨٥٠ ومدرسة ١٨٧٧. ومن الواضح أن الذي يمكنه اجتياز هذا الاختبار هو التلميذ الذي نجح بالمدرسة العربية - الفرنسية السابقة أو بالأقسام الأهلية الملحقة بالمدارس الفرنسية، أما في العربية فيبدو أن هناك ضعفا متواصلا للتلاميذ لطغيان المواد الفرنسية على مواد الاختبار ثم على مواد الدراسة. ولنذكر هنا أن معظم الداخلين إلى هذه المدارس هم الذين كان يدرس لهم عبد القادر المجاوي في هذه الأثناء سواء في قسنطينة أو الجزائر. ولا نعرف له نظيرا في مدرسة تلمسان. أما مدة الدراسة فقد بقيت ثلاث سنوات، كما كانت منذ ١٨٥٠. ثم صدر قرار سنة ١٨٨٤ يحدد المواد الدراسية في التالي: الشريعة الإسلامية، والنحو والأدب العربي، واللغة الفرنسية، ومبادئ القانون الفرنسي ثم الحساب والتاريخ الفرنسي والجغرافية. ومنذ ١٨٨٧ أضيفت مواد أخرى إلى البرنامج وهي مواد تدرس بالفرنسية، مما جعلنا نؤكد أن الاتجاه كان نحو

стр. 1339

الفرنسية حتى في هذه المدارس التي من المفروض فيها خدمة الدين الإسلامي والقضاء الإسلامي والتراث العربي. فقد أضيفت في السنة المذكورة مبادئ العلوم الطبيعية والفيزيائية وحفظ الصحة والتربية الأخلاقية والمدنية، وجميعها كانت تدرس باللغة الفرنسية. وبناء على إحصاء ذكره المستشرق بيل بالنسبة لمدرسة تلمسان (وهو الإحصاء نفسه في المدرستين الأخريين) فإن عدد الساعات المخصصة للسنة الأولى هي ٢٩ ونصف ساعة، منها عشرون فقط للغة العربية والشريعة. ومن بين الساعات المخصصة للسنتين الأولى والثانية ومجموعها ٣٢ وثلاثة أرباع، نجد عشرين ساعة فقط أيضا للمواد العربية والشرعية (١). أما المعلمون فقد مسهم أيضا قرار أو إصلاح سنة ١٨٧٦، ونص على تحسين أوضاعهم وطريقه توظيفهم ورواتبهم، الخ. والمديرون، الذين أصبحوا فرنسيين، قد صنفوا إلى ثلاث فئات حسب طبقاتهم: ٢٢٠٠، ٢٥٠٠، ٣٠٠٠ فرنك. وراتب المعلم يبدأ بـ ١، ٢٠٠ ف. وفي إمكانه أن يرتقي إلى ١.٥٠٠ ف و ١.٨٠٠ ف. وكان مدير مدرسة تلمسان ممن يعرفون العربية ويشغل وظيفة مدير في نفس الوقت لإحدى المدارس الابتدائية في المدينة. فهو يجمع بين إدارتين، ولذلك لا يكاد يجد الوقت لمراقبة شؤون المدرسة الشرعية - الفرنسية التي نحن بصددها. وكان عليه أن يقوم فيها بدروس معينة. كما كانت المدرسة تضم معلمين فرنسيين آخرين يشغلان أيضا وظيفة التعليم في الثانوية البلدية (الكوليج)، ويحصلان على تعويض مقابل تدريسهما في المدرسة الشرعية، وليس لهما معرفة في اللغة العربية. وفي المدرسة أيضا ثلاثة معلمين جزائريين لا ندري من أين وظفوا وبناء على أية مؤهلات، وهم لا يعرفون الفرنسية وليست لهم أية وظيفة أخرى غير التدريس في المدرسة (٢). والغالب أن وضع مدرسة الجزائر وقسنطينة كان هو

стр. 1340

نفسه وضع مدرسة تلمسان. والنقد الذي وجه إلى هذه التجربة شديد أيضا رغم مدح الإصلاح الذي حقق الكثير من الأهداف الفرنسية. وهذا النقد موجه إلى وضع التلاميذ وليس إلى البرنامج أو المعلمين. فهم يدخلون المدرسة بمعرفة بسيطة باللغة الفرنسية لا تمكنهم من فهم المعلومات الملقاة عليهم بالفرنسية أيضا. واختيارهم كان شكليا لأن عدد المترشحين كان قليلا فلا يجري عليهم المختبرون عملية تصفية دقيقة بل يقبلونهم جميعا. وأما بخصوص العربية فهم فيها خليط وليس لهم فيها مستوى واحد. ومن عادة المدرس المسلم الارتفاع بالدرس إلى مستوى الأفضل من تلاميذه فلا يفهم عليه المتوسطون والضعفاء، ومن عادة المعلم الفرنسي النزول إلى مستوى الضعفاء في النحو الفرنسي والحساب. وبذلك يحس المعلم أنه يقدم معلومات أولية جدا، إضافة إلى كون المديرين لا وقت لهم لتوليهم إدارة ثنائية وقيامهم بالتدريس أيضا. وقد ظل الأمر كذلك إلى الإصلاح الثاني الذي عرفته المدارس الشرعية الفرنسية، وهو الصادر في ١٨٩٥ (١). وهذا الإصلاح الثاني جاء في الواقع ضمن التوجهات الجديدة الشاملة للحكومة الفرنسية في الجزائر وغيرها. فالأمر لا يتعلق بالمدارس الشرعية وحدها أو التعليم وحده، ولكن المسألة تهم جميع الميادين الإدارية والمالية وغيرها. وكان ذلك نتيجة التحقيق الذي أجرته لجنة مجلس الشيوخ بين ١٨٩١ - ١٨٩٢، وكان السيد كومبس من بين أعضائها، كما مر، ثم أصبح وزيرا للتعليم. وأثناء قيامه بهذه المسؤوليات قدم التقرير المعروف باسمه إلى البرلمان وتبناه عندما وافق عليه زملاؤه وأخذ يطبقه كوزير. وقد ساعده على ذلك آخرون كانوا يشاطرونه الرأي، ومنهم جول فيري، وجول كامبون، وشارل جونار، والبان روزي، ووا لدك روسو. وقد ظهر مقال بدون توقيع في (مجلة إفريقية الفرنسية) سنة ١٨٩٦

стр. 1341

لخص أفكار كومبس حول إصلاح المدارس الشرعية - الفرنسية (١). ولأهميته نذكر نقاطه البارزة فيما يلي: قال صاحب المقال: إنه كان للجزائر عند الاحتلال موظفون مؤهلون في ميدان القضاء والديانة. ولكن ذلك الجيل أخذ ينقرض، فتفطن العسكريون الفرنسيون لذلك الفراغ وأنشأوا المدارس الشرعية - الفرنسية سنة ١٨٥٠. وكانت مدة الدراسة في القانون الفرنسي هي ثلاث سنوات، والقانون الفرنسي في نظر العسكريين أصعب من الشريعة الإسلامية، ولذلك حددوا مدة الدراسة في هذه المدارس بثلاث سنوات أيضا. وعلى ذلك فقد كان بإمكان التلاميذ الجزائريين أن يكتسبوا معارف جيدة لو أن شروط الدخول هنا كشروط الدخول هناك، ولكن الأمر في الجزائر لم يكن كالأمر في فرنسا، لأن المتخرجين من المدارس الثلاث كانوا، عدا المتفوقين، أدنى من المستوى المطلوب، رغم ذكائهم وحماسهم. ومن الأخطاء في نظر صاحب المقال الذي بنى فكرته على تقرير كومبس والنقد الذي جاء فيه، قضاء التلاميذ وقتا طويلا في تعلم اللغة الفرنسية ظنا من الفرنسيين أن اللغة تجعلهم أكثر ولاء وإخلاصا لفرنسا مما لو أنهم قضوا وقتا أطول في تعلم العلوم العربية الفقهية واللغوية. وقد تبين أن اللغة الفرنسية وإن كانت تفيد التلميذ فإنها لا تمنحه أي تأثير على مواطنيه. ولكن هدف فرنسا هو تعيين رجال يكون لهم تأثير معنوي على مواطنيهم، ومن ثمة كان لابد من تعليمهم بعمق في العلوم الإسلامية والعربية، أما الفرنسية فلتكن فقط في الدرجة الثانية بالنسبة إليهم، أي عندما يعاد النظر في قانون التوظيف الذي سيبنى على مراعاة مصلحة فرنسا. ومن جهة أخرى فإن ثلاثة ملايين ونصفا من الجزائريين لهم وزن اقتصادي وسياسي عظيم. ومن الأخطاء التي بررت إصلاح سنة ١٨٩٥، نشأة الكوليجات

стр. 1342

(المعاهد) العربية - الفرنسية (١)، فقد كان الهدف منها تعويض الفراغ الذي أحدثه إلغاء المدارس والمعاهد العربية للتعليم الثانوي. وكان القصد من إنشاء الكوليجات هو إعطاء المكانة للغة الفرنسية حتى لا تتغلب عليها اللغة العربية. ولكن التجربة دلت على أن الأوروبيين والجزائريين قد نظروا بشزر إلى تلك الكوليجات، فالأوروبيون اعتبروها تدليلا للجزائريين وحسدوهم عليها ما دام أولاد الأوروبيين كانوا يتلقون التعليم الثانوي في إحدى الثكنات الانكشارية. أما الجزائريون فقد تخوفوا من وجود الكوليجات ولم يرتاحوا إليها (٢). وبعد ١٨٧٠ نظر الأوروبيون إلى الجزائريين على أنهم مرتبطون بالعهد العسكري (عهد الامبراطورية)، فقاموا بإضعاف اللغة العربية في المدارس الشرعية - الفرنسية وتقوية الفرنسية فيها (إصلاح ١٨٧٦). فإذا بهذه المدارس قد ابتعدت عن هدفها وأصبحت لا تخرج إلا الضعفاء غير المؤهلين لتولي المناصب الدينية والقضائية. وكان ذلك في الوقت الذي ظهر التنافس لها على أشده في الزوايا المحلية والجامعات الإسلامية والأجنبية. ولو ترك الفرنسيون الأمور تتطور على هذا النحو لألغيت المدارس الشرعية - الفرنسية تماما ولكان ذلك خطرا على المصالح الفرنسية وعلى الجزائريين معا. وقد امتدح صاحب المقال جهود الحاكم العام كامبون أيضا لأنه هو المسؤول على تطبيق المراسيم الحكومية الجديدة. فهو الذي أشرف على إعادة تنظيم المدارس الشرعية، وقد أصبحت الدراسة فيها ست سنوات لمن أراد التوظف في السلك الديني والقضائي، وأصبح على الجزائريين دراسة اللغة الفرنسية من البداية، ودراسة اللغة العربية والعلوم الإسلامية في هذه

стр. 1343

المدارس التي هي بمثابة الثانويات لهم. أما الذين لا يريدون منهم العمل في القضاء ولا في السلك الديني فعليهم أن يدخلوا الثانويات الفرنسية المحض. وكانت الميزانية من الدولة، ولكنها تقدم في شكل مساعدات فقط، بينما ميزانية التعليم الفرنسي أساسية. ولذلك لخص صاحب المقال المذكور هذا الموقف بقوله: إن ٤٠٠.٠٠٠ ساكن أوروبي في الجزائر يأخذؤن ٣.٠٠٠.٠٠٠ فرنك من الميزانية للتعليم، أما المسلمون (الجزائريون) البالغون ٣.٤٠٠.٠٠٠ فيأخذون ٧٠.٠٠٠ فرنك من الميزانية، ولكن في شكل مساعدات فقط. والإصلاحات التي اقترحها تقرير كومبس بالنسبة للمدارس الشرعية تتلخص في عشر نقاط أساسية. وهي: ١ - إعادة تنظيمها بناء على الاقتراحات التي يقدمها مدير التعليم (ريكتور) ويوافق عليها الحاكم العام. ٢ - الاستمرار في أداء وظيفتها باعتبارها مدارس (عليا) تحضر للوظائف الإسلامية العامة (١)، على أن تصبح مفتوحة أمام جميع الشبان المسلمين (الجزائريين) بناء على طلبهم ومؤهلاتهم (٢). ٣ - برنامجها الإسلامي يتضمن دروسا في التوحيد والفقه والأدب العربي والتاريخ الإسلامي. أما برنامجها الفرنسي فيتضمن دروسا في الأدب الفرنسي والتاريخ والجغرافية الفرنسية والحساب ومبادئ القانون الفرنسي والتشريعات الفرنسية في الجزائر ومبادئ العلوم الطبيعية والصحية والبدنية. ٤ - مدة الدراسة بها ست سنوات. وتكون على مرحلتين. المرحلة الأولى مدتها أربع سنوات يتخرج بعدها الطالب ليمارس الوظائف الدنيا. والمرحلة الثانية ومدتها سنتان، وهي تخرج للوظائف العليا. وجميع

стр. 1344

الوظائف لا تكون إلا بعد النجاح في الامتحان، وهو إلزامي. ٥ - لا يمكن توظيف أي كان في الوظائف القضائية إذا لم يكن الطالب متحصلا على شهادة التخرج الممنوحة من المدرسة. ٦ - بالنسبة للقضاء أيضا، فإن التعيين فيه لا يكون إلا من الحاكم العام، باقتراح من الوكيل العام لدى محكمة الاستئناف بالجزائر العاصمة. ٧ - مجموع المنح في المدارس واحد، وهو ٣٠٠ فرنك. ٨ - القبول في المدارس سواء للمنحة أو القراءة العادية، مشروط بالاستظهار بشهادة دراسات التعليم الابتدائي - العالي، أو بنتيجة امتحان معترف به إذا كان التلميذ المتقدم للدخول حرا ويريد إثبات قدرته على متابعة الدراسة. ٩ - تنشأ في ولاية الجزائر مدرسة ابتدائية عالية خاصة بالأهالي لكي تستجيب للشروط السابقة، والشبان المسلمون الأفضل من بين الحاصلين على شهادة الدراسات الابتدائية يتقاضون منحا. ١٠ - زيادة عدد الموظفين في القضاء والديانة الإسلامية ورفع مرتباتهم. وتكون تسمية القضاة على رأس المحاكم الملحقة، أما بالنسبة للديانة فستنشأ وظائف للفتوى والإمامة بعدد كاف وحسب الحاجة (١). نلاحظ مما سبق أن إصلاحات المدارس الشرعية كانت تخدم التوجه الجديد للسياسة الفرنسية في الجزائر وفي العالم الإسلامي. فقد وقف كومبس بين الذين يريدون إلغاء هذه المدارس تماما وبين الذين يرغبون في جعلها مدارس عليا للدراسات الإسلامية على غرار المدارس العليا الأخرى التي أصبحت كليات جامعية، فاقترح أن تظل مدارس خاصة تحضر لوظائف معينة تخدم المصالح الفرنسية، ولكنه في نفس الوقت اقترح دعم برنامجها

стр. 1345

بالمواد العربية والإسلامية والفرنسية معا. وقد زاد من مدة الدراسة فيها من ثلاث إلى ست سنوات للوظائف الإسلامية العليا. وأصبح دبلوم التخرج منها شرطا لتولي هذه الوظائف. وقد صدر المرسوم في ٢٣ يوليو ١٨٩٥، وحدد الدراسة في المرحلة الأولى بأربع سنوات. واشترط على المترشحين شهادة التعليم الابتدائي - الإعدادي. مع ضرورة المشاركة في امتحان دخول. ونص كذلك على إنشاء قسم عال في مدرسة الجزائر فقط، وهو يفتح للتلاميذ الحاصلين على شهادة النجاح والتخرج بعد الأربع سنوات في إحدى المدارس الثلاث. كما نص على تدريس اللغة والعرف الزواوي في مدرسة مدينة الجزائر فقط. وإليك برنامج السنوات الأربع في المدارس الشرعية الثلاث: فهو يشتمل على خمس مواد موزعة على السنوات الأربع بعدد مدروس من الساعات يجعل اللغة العربية تفوق قليلا ساعات الفرنسية. ولكنه تفوق نظري فقط. ذلك أن البيئة والمؤثرات الأخرى تجعل الفرنسية، مع ذلك، هي المتفوقة. والمواد العربية والإسلامية هي: اللغة العربية، الشريعة الإسلامية مع تطبيقاتها العملية (هكذا جاء في البرنامج)، التوحيد (١)، أما مواد اللغة الفرنسية والحضارة الفرنسية فهي: اللغة الفرنسية، وفكرة عن التاريخ والجغرافية، والقانون العام والنظام الإداري، ثم الحساب وفكرة عن الهندسة، والعلوم الفيزيائية والطبيعية. أما برنامج القسم العالي الخاص، فهو أيضا مؤلف من عنصرين رئيسيين، الأول مواد في الحضارة العربية - الإسلامية، والثاني مواد في الحضارة الفرنسية. ومن المفهوم أن المواد الأخيرة هي المتغلبة لا من حيث العدد، ولكن من حيث النفوذ والتأثير والروح العملية والارتباط بالحياة الاجتماعية والاقتصادية. وها هي مواد الحضارة العربية - الإسلامية:

стр. 1346

التوحيد، وأصول الشريعة الإسلامية، والأدب العربي ثم البلاغة والمنطق. وأما مواد الحضارة الفرنسية فهي تاريخ هذه الحضارة، وعناصر القانون الفرنسي والتشريعات الجزائرية. وإلى جانب ذلك هناك درس في علم الصحة يلقيه طبيب على التلاميذ (١). فأنت ترى أن الازدواجية اللغوية والثقافية كانت لطبع البرامج المدرسية مع تغلب الفرنسة لوجود السيادة وحضور الكولون والتأثيرات الاجتماعية. وإذا أكمل التلميذ الست سنوات يحصل على شهادة تسمى (دبلوم الدراسات العليا). وهي التي تؤهله للوظائف العليا المنصوص عليها. أما برنامج الامتحانات فيخضع لموافقة الحاكم العام بعد اقتراح من مدير التعليم (٢) .. وقد أصدر الحاكم العام جول كامبون في ٢٩ يوليو ١٨٩٥ قرارا يقضي بأنه ابتداء من أول يناير ١٨٩٨ لن توظف حكومته في مجالات القضاء (العدالة) والديانة الإسلامية إلا من كان متخرجا (من مدارسنا). والمقصود بها هذه المدارس الشرعية التي نحن بصددها. وقد ألح الحاكم العام على ذلك تفاديا، كما قال، لتوظيف أناس لم يتخرجوا من مدارس فرنسية بل جاؤوا من (زوايا سرية) أو تعلموا في الخارج تعليما بعيدا عن الروح الفرنسية (٣). وهو هنا يعني الجزائريين الذين تخرجوا من الزوايا أو ذهبوا للدراسة في المغرب أو تونس أو الأزهر بعد عجزهم عن إيجاد معهد يقبلهم في بلادهم.

стр. 1347

وفي ١٧ أبريل ١٨٩٦ زار كومبس نفسه مدرسة الجزائر بصفته وزيرا للتعليم هذه المرة. وكان مديرها عندئذ هو المستشرق ديلفان. وحضر مع الوزير المستشرق هوداس المدرس بمدرسة اللغات الشرقية بباريس والذي سبق له التدريس في الجزائر أيضا. كما حضر المدرسون الجزائريون بالمدرسة، ومنهم عمر بريهمات ومحمد السعيد بن أحمد بن زكري، وكذلك عدد من الأعيان، منهم المفتي والقاضي والإمام. وعلى رأس هؤلاء الأعيان الحكيم (طبيب) محمد بن العربي، عضو المجلس البلدي، ومحيي الدين الشريف الذي خاطب الوزير بالفرنسية باسم موظفي المساجد، وأمين قدور بن عبد الرحمن، وأحمد بن القبطان، وكلاهما من الأيمة، وعلي الشريف (الزهار)، الذي كان الفرنسيون قد خطفوه وهربوه إلى فرنسا أوائل الاحتلال (١٨٤٣). ويهمنا من هذا كله أن الوزير قد خصص ميزانية لبناء مدرسة جديدة، لضيق الأولى، ووعدهم بدعم إصلاحاته ورؤيته لجعل فرنسا لا تظهر في العالم الإسلامي في صورة الدولة المضطهدة للمسلمين، كما كان يشاع عنها (١). وفي سنة ١٨٩٦ نشرت جريدة المبشر أسماء المعلمين والمواد التي يعلمونها في كل مدرسة من المدارس الشرعية. وقد رأينا ذكر ذلك هنا ليطلع القارئ على أسماء المدرسين من عرب وفرنسيين من جهة وليعرف توزيع المواد بينهم في بداية عهد الإصلاح الجديد. ونلاحظ قبل ذلك أنهم كانوا يسمون طلبة كل سنة (طبقة)، وأن المدرسين كانوا يتبادلون أو يتقاسمون الطبقات (السنوات). مثلا مادة النحو يدرسها فلان للطبقة الأولى ويدرسها فلان للطبقة الثالثة، وهكذا. ونفس الشيء في المواد الفرنسية. ولعل هذه التسمية مستمدة من نظام جامع الزيتونة بتونس. ومعدل الساعات هي اثنا عشر للمواد العربية والإسلامية، وثمانية للمواد الفرنسية. مع التنبيه على أن

стр. 1348

مدرسة الجزائر تحتوي أيضا على القسم العالي، كما ذكرنا. ١ - مدرسة الجزائر: المواد ... المدرس ... تعليق وملاحظات الأدب والنحو ... عبد الرزاق الأشرف ... (تعين قاضيا في نقاوس ١٩٠٥) النحوا الفقه/ التوحيد ... الشيخ علي العمالي ... (وهو نجل حميدة العمالي المفتي المالكي). الفقه الفرسي/ الفقه الإسلامي/ عمر بريهمات ... (والده حسن بريهمات كان مديرا للمدرسة مدة طويلة). التوحيد. الأدب العربي ... عبد الحليم بن سماية ... (والده علي بن سماية كان أحد مدرسي المدرسة ومحررا في المبشر، واشتهر عبد الحليم أكثر من والده). الفقه/ التوحيد ... محمد السعيد بن زكري ... (أصبح مفتيا بعد ذلك، وله تأليف، وتولى ابنه أحمد التدريس بعده). التاريخ القديم (يوناني/روماني) ... غوتييه ... (الظاهر أنه هو إيميل غوتييه، صاحب كتاب القرون الغامضة وغيره، وهو من أعداء العرب والمسلمين وسخر موهبته لخدمة الاستعمار المتطرف). الجغرافية العامة والقديمة ... غوتييه تارخ إفريقية الشمالية/ العرب ... غوتييه جغرافية إفريقية ... غوتييه اللغة الفرسية ... غوتييه تاريخ فرنسا وجغرافيتها ... غوتييه الأدب الفرنسي ... غوتييه العلوم الطبيعية ... جولي ... (اشتهر بكتاباته عن الأدب الشعبي في البادية، والطرق الصوفية ...) الرياضيات ... جولي اللغة الفرنسية ... جولي هذا خلال القسم الأول من الدراسة، أي خلال الأربع سنوات أو الطبقات. أما بالنسبة للقسم العالي فهذه هي مواده ومدرسوه:

стр. 1349

الحضارة الفرنسية ... ديلفان ... (عمل في مدرسة تلمسان، أصبح مديرا لمدرسة الجزائر. معتدل في آرائه. اهتم بالتاريخ والأدب الشعبي). المحادثة في الأدب الفرنسي ... ديلفان فقه جزائري (تشريعات؟) ... عمر بريهمات ... (شاعر، ومؤلف، توفي مبكرا). الفقه التوحيد/ أصول الدين ... محمد السعيد بن زكري ... (إضافة إلى ما ذكرناه عنه فهو خريج الزوايا - زاوية اليلولي) المنطق/ البيان/ التفسير ... عبد الحليم بن سماية الإنشاء الأدبي (١) ... (دون أستاذ) ... (لعل أستاذ المادة هو عبد الحليم بن سماية) ٢ - مدرسة قسنطينة: المواد ... المدرس ... التعليق والملاحظات التوحيد ... الشيخ محمود بن الشاذلي ... (هو ابن محمد الشاذلي اول مدير لمدرسة قسنطينة - انظر كتابنا عنه). الفنون الأدبية (نثر ونظم) ... م. بن الموهوب ... (سيتولى الفتوى ١٩٠٨، ويكون من دعاة التعليم والإصلاح، وله تآليف ونشاط أدبي، لم ينسجم مع ابن باديس). الفقه الإسلامي (الشريعة) ... م. بن الموهوب إنشاء الوثائق الشرعية ... دون ذكر المدرس (لعله ابن الموهوب). النحو والصرف ... عبد القادر المجاوي ... (من أبرز الشخصيات العلمية. له درس آخر في الفنون الأدبية لطبقة أخرى، نقل في آخر القرن إلى مدرسة الجزائر. له تآليف) القوانين الشرعية الفرنسية ... موتيلانسكي ... (مترجم عسكري، مستشرق اهتم بتاريخ الإباضية، وقبائل الصحراء. تولى إدارة المدرسة) التاريخ والجغرافية ... موتيلانسكي لغة فرنسية ... بيريه

стр. 1350

الحساب والهندسة ... بيرييه العلوم الطبيعية ... بيرييه التاربخ والجغرافية ... سان كالبر ... (اهتم بتاريخ وشخصيات قسنطينة، تولى إدارة مدرسة الجزائر، ودرس اللغة الفرنسية أيضا) (١) ٣ - مدرسة تلمسان: التوحيد ... احمد بن البشير ... (تولى إدارة المدرسة قبل ١٨٧٦، درس الفقه أيضا لطبقة أخرى) الفقه ... البغدادي ... (كذا، بدون الاسم الأول، مادة الأدب العربي ترك مكانها فارغا، وكذلك مادة النحو في بعض السنوات رغم أنها مواد أساسية) الفرنسية ... جورج مارسيه ... (مدير المدرسة قبل ألفريد بيل. ألف كثيرا في الآثار العربية الإسلامية. معتدل الرأي. انتقل إلى مدرسة الجزائر، تولى تفتيش التعليم الأهلي) التاريخ والجغرافية ... جورج مارسيه الحساب ... جوح مارسيه القوانين الفرنسية ... جورج مارسيه العلوم الطبيعية ... رندرق ... (أحيانا يذكر على أنه مدرس للحساب والجغرافية لطبقة أخرى) (٢)

стр. 1351

وفعلا رصدت أموال لبناء المدارس الشرعية الثلاث على الطراز العربي - الإسلامي الأثري (الأندلسي). فقد تحولت مدرسة الجزائر من المدية والبليدة، ثم كانت في ضيق بالعاصمة منذ ١٨٥٩ رغم وجود القصور التي منحت لمصالح فرنسية دينية وإدارية. أما المدرسة الشرعية فقد ظلت في مكان ضيق اشتكى منه المستشرق ديلفان مديرها إلى الوزير كومبس. وقد افتتحت المدرسة الجديدة باسم (الثعالبية) أوائل القرن (١٩٠٤). كما كانت مدرسة تلمسان تعاني من الضيق والإهمال إذ كانت عبارة عن منزل خاص قيل إن الحكومة أجرته من صاحبه لهذا الغرض. وقد بنيت أيضا واحتفل بافتتاحها في سنة ١٩٠٥. وهي المدرسة التي بنيت قرب مدرسة أولاد الإمام الشهيرة في تلمسان القديمة (١). وكانت مدرسة قسنطينة أفضل حالا إذ استعمل الفرنسيون المدرسة الكتانية التي كان قد بناها صالح باي، ثم بنوا هم أخرى على الطراز الجديد، ولم تفتح إلا سنة ١٩٠٨، وهي الواقعة اليوم في شارع العربي بن المهيدي. والمدارس الثلاث من الناحية العمرانية تمثل تحفا فنية. وكان الفرنسيون يريدون بها منافسة مباني القيروان والقرويين ومدارس تلمسان وفاس القديمة دفعا للحملات التي كانت تقول إن فرنسا قضت على المعالم الإسلامية. ولو حافظت فرنسا على الآثار والمعالم الإسلامية في الجزائر وقسنطينة وبجاية وعنابة ووهران ومعسكر لكان خيرا لها وللمسلمين. يتكون معلمو المدارس من جزائريين وفرنسيين، وهم عادة ثلاثة من كل جنس، وجميعهم يعينهم الحاكم العام باقتراح من مدير التعليم. ويتولى أحد المدرسين الفرنسيين إدارة المدرسة أيضا بتعيين من الحاكم العام. ويشترط في المدرسين الفرنسيين معرفة اللغة العربية والبرهنة على الإخلاص لمهمتهم ومهنتهم ولهم شهاداتهم العلمية من الأهلية أو دبلوم اللغة العربية الذي تعطيه مدرسة (كلية) الآداب بالجزائر، أو مدرسة اللغات الشرقية

стр. 1352

بباريس. أما المعلمون المسلمون فبالإضافة إلى تعيينهم من الحاكم العام واشتراط الكفاءة، كان يفضل تعيينهم من بين حملة شهادة دبلوم الدراسات العليا من نفس المدارس. ورواتب المدرسين مرتفعة نسبيا وهم على ست درجات. أعلاها راتب ٣٠٠٠ ف. وأدناها راتب ١٥٠٠ فرنك. وقد نصت قرارات لاحقة على زيادة الرواتب (قرار ١٩٠٧) حتى وصلت الطبقة العليا إلى ٥٠٠٠ فرنك، والدنيا إلى ٢٠٠٠ ف. وكل ثلاث سنوات يترقى المدرس بطلب منه. وبعد خمس سنوات يترقى بالأقدمية. كما أن للمدير حق الإدارة وهو ألف فرنك إضافية. ويتقاضى مدير مدرسة الجزائر بالذات ألفي (٢٠٠٠ ف.). وواضح أن مسؤولية المدرسة تقع على عاتق الحاكم العام نفسه وعاتق مدير التعليم أيضا. وهناك موظفون آخرون في كل مدرسة. أولا هناك مفتش عام يقوم بتفتيش المدارس سنويا، وهو معين من قبل الحاكم العام أيضا. وهذا المفتش يحضر الدروس ويعطي رأيه في المعلمين وطرق التدريس والنتائج من التعليم كله. وفي ١٩ أكتوبر ١٩٠٤ صدر قرار بإلحاق طبيب بكل مدرسة ليعطي دروسا في الصحة لتلاميذ السنتين الثالثة والرابعة، كما ذكرنا. وبالإضافة إلى ذلك فقد كان في كل مدرسة وقاف أو حارس (مراقب؟) وكذلك منظف يعتني بالمدرسة (١). ومن رأى المستشرق بيل مراعاة ظروف خاصة عند اختيار المعلمين في هذه المدارس. فالأبواب يجب أن لا تفتح لهم بدون حدود وشروط. إن مراعاة (الجانب السياسي) أمر مهم هنا في نظره، وهو يعني بذلك إثبات الولاء لفرنسا منهم ومن ذويهم. كما دعا إلى عدم تعيين معلمين لم يثبت إخلاصهم لفرنسا. ويجب عليهم أن يثبتوا ذلك بالعمل والسلوك معا، سواء مع تلاميذهم أو مع إخوانهم في الدين أو داخل المؤسسة (٢)، ومن ثمة نفهم

стр. 1353

حساسية العلاقة بين الجزائريين والفرنسيين. وكان على الذين يطمحون إلى وظيفة في هذه المدارس أن يدجنوا أنفسهم قبل أن يغربلهم الفرنسيون. أما التلاميذ فقد ذكرنا الشروط التي كانوا يقبلون بها في المدارس الشرعية الثلاث، الشهادة وامتحان الدخول في إحدى الدورتين (يونيو أو أكتوبر). وقد نشرت جريدة (المبشر) (١) الرسمية شروط المسابقة للدخول في ١٥ أكتوبر ١٨٩٦ فكانت كما يلي: طلب بخط اليد من المترشح على ورق رسمي (٦٠ سنتيم) إلى مدير المدرسة مصحوبا بشهادة ميلاد تثبت أن عمره لا يقل عن ١٦ ولا يزيد عن ٢٠ سنة، وشهادة حسن السيرة والسلوك من الحاكم الفرنسي في دائرة سكنى التلميذ، والشهادة الابتدائية أو نظيرها. وجاء في المبشر أيضا أن اختبار الدخول يتألف من: تحرير رسالة أو حكاية باللغة الفرنسية من نوع الإنشاء البسيط، ثم تحرير رسالة أو حكاية باللغة العربية المعربة (الدارجة؟)، مع أسئلة شفوية في اللغتين العربية والفرنسية. وكذلك علم الحساب. ومن هذا النموذج نرى الازدواجية من البداية. فالقول بالتعمق في الدراسات العربية والإسلامية هو محض نظريات. وإذا قبل التلميذ فإنه يحصل على منحة من ٣٥٠ ف. سنويا. ويمكن للتلاميذ الآخرين أن يحضروا كمستمعين إلى دروس المدرسة إذا شاؤوا، ولكن لا حق لهم في الامتحان ولا في المنحة، ومع ذلك يجري عليهم الانضباط الذي تطبقه المدرسة. وقد لاحظ بيل أن العائلات قد اقتنعت بجدوى الدراسة بعد أن أصبحت بعض الوظائف مفتوحة لأبنائها بعد التخرج. وفي هذا رد على من يقول إن الجزائريين قاطعوا التعليم لذاته. كما أن اختبار الدخول لم يعد شكليا كما كان بعد إصلاح ١٨٧٦ حين كانت اللجنة تقبل كل المترشحين لقلة عددهم. ولذلك ظهرت عناصر جدية بين التلاميذ. ومن رأي بيل أن يكون اختيار التلاميذ على أساس الروح الليبرالية (التسامح؟) والقدرة على أن يكونوا من النخبة elite المثقفة بعد التخرج

стр. 1354

وليكونوا من الطبقة القائدة والخالية من كل روح ارستقراطية وكل تعصب ديني، كما اشترط في التلاميذ أن يكونوا من ذوي المشاعر الحسنة نحو الفرنسيين. ومن الأفضل أن يكون التلاميذ يحسنون بعض العربية الأدبية بحضورهم للدروس الجديدة التي افتتحت في المساجد، لأن هذه الدروس قد فتحت في الواقع لحملة الشهادة الابتدائية الذين يرغبون في الدخول إلى المدرسة الشرعية. وعليه يحسن أن يأتي التلميذ المترشح بشهادة مواظبة من أحد مدرسي المساجد. وقد لاحظ كذلك أن حجم الساعات الأسبوعي في مدرسة تلمسان يدل على قوة اللغة الفرنسية على حساب اللغة العربية. وهذا بالطبع ليس نقدا أو رفضا لهذا الواقع. فإن بيل رآه شيئا جديدا، رغم أنه مخالف لروح الإصلاح المعلنة سنة ١٨٩٥. فقد قال بيل إن معرفة الخريج المسلم للغة الفرنسية ستجعله قادرا على التعبير الجيد بها وعلى فهم (الإنتاج العلمي والأدبي للعبقرية الفرنسية) لأن التلاميذ بدون اللغة الفرنسية لا يستطيعون فهم (أفكارنا ولا متابعة تقدمنا ولا الهدف الإنساني من سياستنا وإدارتنا). وهذا الكلام هو نفسه تقريبا ما قاله جنتي دي بوسيه أوائل الاحتلال، وقال به أيضا الدوق دوروفيقو ١٨٣٢. وإذا حصل الطلبة على ذلك المستوى أمكنهم بث الأفكار بين إخوانهم في الدين بحكم الدالة التي لهم عليهم نظرا للسمعة التي يتمتعون بها (١). وهذا كلام مقبول إذا كان المقصود من إنشاء المدارس الشرعية هو الدعاية الفرنسية، ولكنه غير مقبول إذا كان الهدف منها هو تخريج قضاة ومعلمين وأيمة أكفاء في اللغة العربية والعلوم الإسلامية يستطيعون أن يردوا بالحجة والبرهان على خريجي الزوايا في الجزائر والأزهر بمصر، كما صرح بذلك كامبون وأكده جان ميرانت وأوغسطين بيرك (٢). وقد علق بيل أيضا على البرنامج الذي وضعه مصلحو ١٨٩٥ للمدارس

стр. 1355

الشرعية الثلاث. فقال بخصوص مادة القانون الفرنسي إن على الموظف المسلم المقبل أن يعرف القوانين الفرنسية والنظام السياسي والإداري والقضائي الفرنسي. أما النحو العربي فقد قال عنه إنه صعب، وكذلك حكم على مختصر الشيخ خليل، وأوصى أن يضع المدرس أمام التلاميذ الترجمة الفرنسية لهذا المختصر لإدراك المصطلح الشرعي العربي. ومعنى هذا أن التلاميذ سيقرأون المختصر الذي هو في الفقه المالكي، بالفرنسية وليس بالعربية. أما علم التوحيد فقال عنه إن مكانته غير كبيرة في البرنامج، ولكن يكفي أنه يعطي للتلاميذ فكرة وجيزة عن العقائد الإسلامية، لأن معرفتهم به تجعلهم في نظر إخوانهم الجاهلين الذين ما يزالون يمارسون السحر والمتعلقين بدين مليء بالخرافات ... يسمى المرابطية، تجعلهم يظهرون بمظهر التفوق عليهم. وهناك ملاحظة أبداها جان ميرانت أيضا (وهو معاصر لبيل) حول مادة التوحيد، فقال إننا لسنا في زمن الأشعري والغزالي، فهو علم لم يعد يهم المعاصرين في نظره. وليس تدريسه سوى سلاح يتسلح به الخريجون ليناقشوا خريجي الأزهر إذا واجهوهم في ذلك. فعلى القاضي والإمام في الغد أن يجمع، في نظر ميرانت، بين الثقافة الإسلامية وبين المعارف العميقة عن (تاريخنا ولغتنا وحضارتنا) (١). وإذا نظرنا إلى عدد الساعات الأسبوعية الموزعة على المواد وجدناها في الجملة ٢٣ ساعة في السنتين الأوليين و ٢٤ ساعة في السنتين الأخيرتين. ومن ٢٣ ساعة توجد ١٢ للمواد العربية و ١١ للمواد الفرنسية. أما في السنة الثالثة والرابعة فالساعات فيهما مقسمة بالنصف ١٢ ساعة لكل مجموعة. ولكن يلاحظ أن المواد العملية (رياضيات، صحة، جغرافية، الخ). كلها بالفرنسية (٢).

стр. 1356

وبناء على إحصاءات ١٩١١ - ١٩١٢ فإن مجموع من كانوا بالمدارس الشرعية الثلاث هو ١٧٦ تلميذ. وهم موزعون كالتالي: مدرسة الجزائر ٨٣ تلميذا، بما في ذلك تلاميذ القسم العالي. مدرسة تلمسان ٣٩ تلميذا. مدرسة قسنطينة ٥٤ تلميذا (١). وفي سنة ١٩٠٨ نشر الفريد بيل إحصاء لتلاميذ مدرسة تلمسان بين ١٩٠١ - ١٩٠٨ فكانوا دائما في ازدياد، وإليك هذا الجدول (٢): ١٩٠١ ... ٣٢ تلميذا ١٩٠٢ ... ٣٤ تلميذا ١٩٠٣ ... ٣٨ تلميذا ١٩٠٤ ... ٤٦ تلميذا ١٩٠٥ ... ٤٩ تلميذا ١٩٠٧ ... ٥٩ تلميذا ١٩٠٨ ... ٦٦ تلميذا وفي سنة ١٩٢٠ بقي عدد التلاميذ في المدارس الشرعية - الفرنسية هو نفسه (١٧٦)، لكن يلاحظ أن من بين هذا العدد هناك ٢٤ تخصصوا في اللغة البربرية (الزواوية)، وهذا من توجيهات الفرنسيين للفكر الجزائري ولعزل سكان المنطقة عن إخوانهم، كما أن اتجاه الدراسة العلمي في المدارس الثلاث، كما يقول ماسينيون، كان اتجاها فرنسيا. فبعد أن كانت الدراسة في المدارس الشرعية عربية - إسلامية، أضيفت إليها الفرنسية وأخيرا أضيفت الزواوية. وقد نصت (إصلاحات) ١٨٩٥ على تدريس العرف الزواوي أيضا.

стр. 1357

أما توزيع التلاميذ فكان كالتالي: مدرسة الجزائر: ٥٥ + ١٤، مدرسة قسنطينة ٤٨ + ١٠، مدرسة تلمسان ٤٩ (١). وقد نقص مجموع عدد التلاميذ سنة ١٩٣١ فأصبح ١٤٣ فقط. منهم ٢٣ في البربرية (عشرون في مدرسة الجزائر وثلاثة فقط في مدرسة قسنطينة). وهكذا يكون تلاميذ مدرسة الجزائر ٦٤ (القسم الأول والعالي)، ومدرسة قسنطينة ٤٣، ومدرسة تلمسان ٣٦ (٢). ثم ارتفع العدد فوصل سنة ١٩٣٦ إلى ١٧١ (دون تفصيل) مع أنه لم يبلغ الرقم ١٧٦ الذي وصله سنة ١٩١١ - ١٩١٢. كما أن الزيادة لم تكن بحجم الحاجة في الوظائف التي كان من المفروض أنها تزيد كل سنة. وإليك توزيع التلاميذ لسنة ١٩٣٦: مدرسة الجزائر ٦٩ (بقسميها)، ومدرسة قسنطينة ٦١، ومدرسة تلمسان ٤١ (٣). إن الشهادة التي تمنحها المدارس الشرعية تؤهل إلى الوظائف الدنيا المخصصة (للأهالي) في الإدارة الفرنسية. وهذه الوظائف هي: (أ) العون، والحزاب، والمؤذن، والطالب (المعلم) في المدارس الابتدائية، والوكيل، والخوجة، والعدل، والدلال عند القاضي. (ب) الباش عدل، والأمام، والقاضي، والمفتي. أما وظائف الصنف الأول فهي مخصصة لحملة شهادة الدراسة التي يحصل عليها التلميذ عند الانتهاء من السنة الرابعة واجتيازه الامتحان بنجاح. وأما وظائف الصنف الثاني فمخصصة لحاملي دبلوم الدراسات العليا، أولئك الذين أكملوا الست سنوات واجتازوا الامتحان بنجاح أيضا. وهذه الوظائف

стр. 1358

كلها مصنفة عند الفرنسيين إلى وظائف المناطق المدنية ووظائف المناطق العسكرية (١). ومن الخريجين من كان يستنكف عن بعض الوظائف لعدم جدواها المادي. فقد لاحظ الفريد بيل سنة ١٩٠٨ أن الخريجين عادة يرغبون في الوظائف الآتية: إمام في بعض المساجد الهامة، أو عدل في محكمة، أو مدرس، أو خوجة. وهي الوظائف التي تجلب إليهم حوالي ٥٠ فرنكا شهريا. ولكنه لاحظ أن هذه الوظائف محدودة جدا. والشغور فيها قليل في السنة الواحدة. وقد ذكر أنه في ولاية وهران كلها عندئذ لا يمكن أن تفرغ أكثر من عشرة مناصب في العام. ولنقس عليها الولايتين الأخريين (الجزائر وقسنطينة) وكذلك المناطق الصحراوية - العسكرية. والخريجون عادة لا يريدون وظائف دنيا مثل الحزاب والمؤذن ووكيل المحكمة وعون المحكمة. فهي وظالف لا تجلب أكثر من ١٠ فرنكات إلى ٣٠ ف في الشهر، وهو مبلغ لا يمكنهم من تنشئة عائلة، ولذلك أوصى بيل بأن لا تقبل المدارس الثلاث أكثر من ٦٠ تلميذا، أي بمعدل تخريج عشرة أفراد لكل منها في السنة تبعا للوظائف المفتوحة. وقد حذر من أن الذين يتخرجون ثم لا يجدون عملا سيصبحون خطرا على الفرنسيين لأنهم سينشرون السخط والتذمر. ومن جهة أخرى لا يمكن توظيف الجميع (٢). ويبدو أن هناك مجالا آخر يمكن لخريجي المدارس الشرعية طرقه، وهو مواصلة الدراسة العالية في كلية الآداب مثلا. ونحن لا ندري كيف كان يقع ذلك ما دام دبلوم الدراسات العليا قد لا يؤهل لدخول الجامعة، وهو ليس معادلا للبكالوريا. فهل يشارك حاملوه في امتحان خاص أو في البكالوريا الحرة؟ إن السيد جان ميرانت يقول إن مستوى الدراسة في المدارس الشرعية قد تحسن وأصبح في استطاعة تلاميذها متابعة الدراسة في

стр. 1359

الكليات، وأن بعضهم قد نجح في امتحان الليسانس (١). وقد جاء في أحد التقارير لسنة ١٩٣١ أن الفرنسيين يعتبرون المدارس الثلاث كليات فرنسية - إسلامية بالنظر إلى برنامجها، وهي كليات للتعليم الأهلي بالنظر إلى تلاميذها، وأن إطارها هو تعليم (عالي) إسلامي وتعليم (ثانوي) فرنسي (٢). وهذا كله يدل على الذبذبة التي عليها الذهن الفرنسي إزاء الجزائريين، وهي ذبذبة تقوم على عدم الإقرار بالمساواة البشرية والحضارية. وحتى بالنسبة للشهادة التي تمنحها المدارس الشرعية كانت تضاف إليها دائما عبارة خاصة، وهي (بالمدرسة) أي شهادة الدراسات (بالمدرسة) ودبلوم الدراسات العليا (بالمدرسة)، خوفا من أن تختلط بالشهادات الفرنسية العادية (٣). وقد استمرت الدراسة على هذا النحو في المدارس الشرعية - الفرنسية إلى ١٩٤٤. حين تحولت إلى ثانويات ذات مستويين (متوسط وثانوي)، بينما تحول القسم العالي التابع لمدرسة الجزائر سنة ١٩٤٦، إلى معهد للدراسات الإسلامية العليا لإعداد المدرسين ورجال الديانة. وقد بلغ عدد طلبة التلاميذ في المدارس الثلاث سنة ١٩٥٠، ٢٨٩. أما في سنة ١٩٥١ فقد أصبحت المدارس الثلاث ثانويات (ليسيات) فرنكو - ميزولمان/ فرنسي - إسلامي: اثنتان في العاصمة، وواحدة في قسنطينة والرابعة في تلمسان، وأصبحت مهمة المدارس هي التحضير للباكلوريا، وبلغ عدد تلاميذها سنة ١٩٥٣، ٤٣٠ تلميذا (٤). وقبل أن نختم الحديث عن المدارس الشرعية نشير إلى أنه قد أنشئ بمدرسة الجزائر قسم تجاري سنة ١٩٠٨. وكان ذلك باقتراح من المفتش

стр. 1360

هوداس. وصدر القرار بإنشاء القسم المذكور عن الحاكم العام شارل جونار، وبدأ العمل به في أكتوبر من السنة المذكورة. وكان القسم يقبل التلاميذ الذين قبلوا في امتحان الدخول إلى السنة الرابعة بالمدرسة، أي بعد أن يكونوا قد قطعوا ثلاث سنوات فيها. كان الهدف من إنشائه فيما يبدو هو توظيف الجزائريين في مجالات التجارة في إفريقية والمشرق العربي واستفادة فرنسا من خبراتهم وعلاقاتهم في هذا المجال (١). وقد قال ألفريد بيل إن في إمكان القسم التجاري أن يخرج أفضل العملاء والزبائن للشركات الفرنسية التجارية (الجزائر وتونس ومراكش ومصر وطرابلس، وسورية). واستشهد بالفوائد التي جناها الفرنسيون في المغرب الأقصى من حرفائهم الجزائريين خريجي مدرسة تلمسان، لأن الثقافة العربية هي وحدها التي تجعل، كما قال، من تلاميذنا (عملاء جيدين للتوغل في البلاد الإسلامية لمصلحة فرنسا) (٢). وهكذا تكون المدارس الشرعية - الفرنسية الثلاث قد أدت خدمات كبيرة لفرنسا وليس للثقافة العربية ولا الثقافة الإسلامية. فلم تخرج علماء في الفقه الإسلامي ولا في اللغة العربية قادرين على ملء الفراغ الذي تركه الجيل القديم بالانقراض والهجرة، ولم يبرز منها منافسون لعلماء الزوايا أو الأحرار العصاميين في الثقافة الإسلامية الذين كان الفرنسيون يخشون من توظيفهم لأنهم خطرون وغير موثوق في نواياهم، كما أن تلامذ المدارس الشرعية، وقد بلغ عمرها قرنا كاملا، لم يستطيعوا منافسة علماء الزيتونة أو القرويين أو الأزهر في الأدب واللغة والتوحيد والفقه وحركة التأليف، رغم أن تصريحات بعض الفرنسيين الأولى يفهم منها أن الهدف من إنشائها وإصلاحاتها هو الوصول إلى هذه النتيجة. وسنجد أوغسطين بيرك في الأربعينات يوجه نقدا

стр. 1361

حادا لسياسة بلاده في تكوين رجال الدين والقضاء واللغة العربية. وكثير من المشاهير الذين مارسوا التدريس فيها لم يتخرجوا في الواقع منها بل تكونوا في غيرها أو ساهمت عوامل أخرى في تكوينهم، مثل عبد القادر المجاوي وحسن بن بريهمات وعبد الحليم بن سماية والمولود بن الموهوب ومحمد السعيد بن زكري. صحيح أن لغة تلاميذها كانت مزدوجة وأن ثقافتهم كانت متنوعة وعقليتهم كانت علمية أكثر من زملائهم خريجي الزوايا ومعاهد الشرق وتونس والمغرب، ولكننا نتحدث هنا عن الدور المنتظر منهم في تخصصهم، وهو القضاء الإسلامي واللغة العربية والأدب العربي والترجمة وما إلى ذلك. ومن أبرز المتخرجين من المدارس الشرعية مالك بن نبي، ولكنه لم يبرز إلا بعد أن ذهب إلى فرنسا نفسها واكتشف عبقريته هناك (١). المعاهد (الكوليجات) العربية - الفرنسية هذا نمط آخر من المدارس أنشأه الفرنسيون في القرن الماضي لفترة محددة ثم ألغوه بعد حوالي اثني عشر سنة من إنشائه. وقد أطلقوا على مؤسسته اسم الكوليج الإمبريالي، أو الامبراطوري نسبة إلى الامبراطور نابليون الثالث الذي تأسس الكوليج في عهده. وكانت جريدة المبشر الرسمية تسميه (المدرسة السلطانية) لأنها تترجم الامبراطورية بالسلطنة. وقد فضلنا أن نطلق عليه اسم المعهد العربي - الفرنسي تمييزا للمدارس العربية - الفرنسية، وكثر استعمال لفظ (الكوليج) خلال القرن الماضي، ولذلك يجب عدم الخلط في الأسماء، فقد سبقت الإشارة إلى إنشاء كوليج الجزائر سنة ١٨٣٧، وهو في مستوى متوسطة، وكان خاصا بالفرنسيين والأوروبيين الذين أنهوا دراستهم الابتدائية. ثم أنشأوا الكوليج العربي في باريس سنة ١٨٣٩، وكان موجها للجزائريين أعيانا وشبانا، ولكن التجربة فشلت فألغي بعد قليل. ثم ظهر الكوليج العربي/ الإمبريالي (السلطاني) الذي نحن بصدده، وكان تاريخ إنشائه هو ١٤ مارس ١٨٥٧. لقد ظل الجزائريون بدون مدرسة متوسطة تشرف عليها الدولة الفرنسية

стр. 1362

إلى سنة ١٨٥٠ حين تأسست المدارس الشرعية - الفرنسية، كما أشرنا، فكانوا لا يجدون أين يواصلون تعليمهم بعد أن يكون الأطفال قد انتهوا من المرحلة الابتدائية في المكاتب (الكتاتيب) ونحوها. وإذا كانت الزوايا متوفرة عندئذ في الأرياف، فإنها في المدن قد وقع الاستيلاء عليها وتحويلها إلى أعراض أخرى ذكرناها في فصل المعالم الإسلامية. وتدهورت حالة التعليم عموما بكل مستوياته. وفي سنة ١٨٤٤ اقترح ليون روش على بوجو إنشاء (كوليج) في مستوى التعليم المتوسط، ولكن التنفيذ لم يتم. ثم تألفت لجنة الجنرال بيدو وخرجت سنة ١٨٤٩ بتوصيات حول التعليم الموجه للمسلمين منها إنشاء ست مدارس عربية - فرنسية ابتدائية وإنشاء ثلاث مدارس شرعية - فرنسية. وقد فهم من ذلك أن الأخيرة هي التي تستقبل تلاميذ المدارس الابتدائية، رغم أن المدارس الشرعية بدأت بكبار السن وبمن لا يعرفون حتى القراءة والكتابة. وكانت الدراسة فيها بالعربية والفرنسية (١). كان الهدف الأساسي عند الفرنسيين، بعد فترة الإهمال المتعمد لتعليم الجزائريين، هو فرنسة تعليمهم من حيث اللغة ومن حيث المحتوى الفكري وتوجيه الخريجين وجهة تخدم المصالح الفرنسية. فأنشأوا بعد انقراض الجيل القديم عدة مدارس ابتدائية بالفرنسية أيضا، رغم ذكر عبارة (عربية) معها. ثم أنشأوا بعد ٢٧ سنة من الاحتلال مؤسسة تعليمية للجزائريين لا تدرس إلا بالفرنسية. ونعني بذلك المعهد (الكوليج) العربي - الفرنسي. والواقع أنهما اثنان في الجزائر كلها، الأول بدأ يعمل في العاصمة سنة ١٨٥٧ - ١٨٥٨، والثاني بدأ يعمل في قسنطينة سنة ١٨٦٧. وكان من المخطط توسيع التجربة وإنشاء معاهد أخرى في وهران وغيرها، ولكن سقوط الامبراطورية وظهور الجمهورية الثالثة الساخطة على سياسة نابليون (العربية) في الجزائر أديا إلى إغلاق حتى المعهدين المذكورين. ظهر المعهد في عهد الحاكم العام المارشال راندون الذي واصل سياسة بوجو في القضاء على الثورات والاستيلاء على المناطق الباقية من الجزائر

стр. 1363

مثل منطقة جرجرة والواحات. وصدر مرسوم إنشاء المعهد في ١٤ مارس ١٨٥٧ كما ذكرنا، ونشرته جريدة المبشر في ١٥ أبريل. وهو ينص على أن التعليم فيه شبه مجاني، وعلى إعطاء المنح لعدد من تلاميذ، وكونه مفتوحا للجزائريين والأوروبيين أيضا، إذا كانت أعمارهم بين التاسعة والاثني عشر. والتلاميذ فيه على ثلاث مجموعات: مجموعة من ٤٥ تلميذا يدرسون على حساب الدولة، ومجموعة أخرى من ٤٥ تلميذا تدفع عنهم الدولة حوالي ثلاثة أرباع المصاريف. ومجموعة من ٦٠ تلميذا لا تدفع عنهم الدولة سوى نصف المصاريف، وكان الفرنسيون يريدون مكافأة العملاء الجزائريين على خدماتهم لهم، ولذلك خصصوا الدخول إلى المعهد لأبناء الذين قاتلوا إلى جانب الفرنسيين أو خدموا القضية الفرنسية بإخلاص. والدراسة في المعهد ابتدائية ومتوسطة. والتلميذ يظل في المرحلة الابتدائية ثلاث سنوات، يتدرب فيها على اللغة الفرنسية. ولا ينتقل إلى المرحلة التحضيرية (المتوسطة) إلا بعد اجتياز امتحان صعب في اللغة الفرنسية. وكان التلميذ الجزائري يعتبر ساذجا وبسيطا وصغير المخ ما دام من بيئة عربية يتحكم فيها القرآن والتقاليد الإسلامية. ومعظم التلاميذ لهم مبادئ بالفرنسية عند الدخول، كلاما وكتابة وقراءة. لذلك يعين لهم معلمون يدخلونهم بالتدرج في الحياة الفرنسية وينقلونهم، كما يقول غوستاف دوقا Dugat، من الحياة الإسلامية إلى الحياة الفرنسية. ولما كان التلاميذ متأثرين باللغة العربية التي لا تتسع، في نظره، إلى جميع الأفكار العصرية، فإن الوصول إلى الهدف المنشود، وهو دمجهم في الحياة الفرنسية، سيكون بطيئا. ويسمى دوقا هذه المرحلة مرحلة (فصل التلميذ عن القرآن)، وهي ما قبل سنة التخصص. وقد ألبس الفرنسيون الدراسة في هذا المعهد بلباس إسلامي أيضا تمويها على الأهالي. فجاؤوا بمؤدب يقرئ القرآن للتلاميذ، وهو أيضا إمام يؤمهم في الصلوات الخمس. أما اللغة العربية التي تدرس في المعهد فهي العربية الدارجة، ولا تدرس إلا بمعدل ساعة في الأسبوع على يد أحد الفرنسيين. وقد اعتبرت لغة (أجنبية)، مع ذلك. أما اللغة العربية الفصحى

стр. 1364

الكلاسيكية، كما يسمونها، فتدرس مرة في الأسبوع في السنة الثانية وفي الأقسام النهائية مرتين في الأسبوع، ولا يشرحها أو يتحدث عنها المعلم الفرنسي إلا باللغة الفرنسية. وفي المرحلة التحضيرية يتلقى التلميذ دروسه في التاريخ الفرنسي والجغرافية الفرنسية، والحساب، والتحليل العميق للنصوص بالفرنسية. فإذا اجتاز التلميذ هذه المرحلة التي سماها دوقا (فصل التلميذ عن القرآن)، يأخذ في تلقي دروس الأدب الفرنسي ويتمرن على طريقة التراجم الفرنسية وتحليل أعمال الكتاب الفرنسيين، كما يدرس تاريخ فرنسا منذ ١٧٨٩. أما في السنة الثالثة فيأخذ دروسا في تاريخ إفريقية (١)، أي أنه يدرس كل شيء تقريبا إلا تاريخ الجزائر وتاريخ العرب والمسلمين وحضارتهم. بدأ معهد الجزائر بـ ١٠٥ من التلاميذ الداخليين و ٦٨ خارجيين، يضاف إليهم تلميذان في الطب. والداخليون هم أولاد العرب، كما يقول الفرنسيون، وكان عددهم يتزايد سنة بعد أخرى (٢). وكان التلاميذ الذين تتحمل الدولة الفرنسية نفقتهم هم أبناء القيادات الأهلية التي خدمت فرنسا كما ذكرنا. ويتضح ذلك من قائمة التلاميذ عند النجاح ونيل الجوائز فهم عادة أبناء كبار الموظفين عند فرنسا أو ممن قتل آباؤهم أو جرحوا أثناء أداء الخدمة لفرنسا أيضا. وكانت الميزانية المحلية والبلدية تساهم أيضا في النفقة والجوائز. وللتلاميذ المسلمين نظام داخلي خاص بهم. أما التلاميذ الأوروبيون فهم خارجيون (٣). أول مدير للمعهد العربي - الفرنسي (الكوليج) منذ إنشائه هو الدكتور

стр. 1365

نقولا بيرون Perron. وهو كمدير كان يعين من قبل وزير الحربية. وبيرون مستشرق له حياة متنوعة، درس العربية والطب وحياة الشرق، وترجم عدة مصادر إسلامية من بينها مختصر الشيخ خليل في الفقه، وبعض التجارب الطبية العربية، وحياة المرأة العربية قبل الإسلام. وعاش في القاهرة، وتولى بها مدرسة الطب، وكانت الثقافة الفرنسية في مصر قوية منذ عهد محمد علي باشا. ولذلك فإن عددا من الذين سبقت لهم التجربة في مصر جيء بهم إلى الجزائر لتشابه الحياة والظروف في البلدين. وقد تناولنا سيرة الدكتور بيرون في فصل الاستشراق. وفي سنة ١٨٦٤ خلفه في إدارة المعهد المستشرق شيربونو الذي كان على رأس حلقة اللغة العربية في قسنطينة، كما كان شيربونو يلقي دروسا في الفرنسية للراغبين فيها من الجزائريين الموظفين. أما معهد قسنطينة فتولاه السيد (أوبن) سنة ١٨٦٩. ويشترط في المعلمين الجنسية الفرنسية سواء كانوا فرنسيين بالأصالة أو متجنسين، ولا يقبل في المعهد غير هؤلاء بمن فيهم الجزائريون. وكلهم كانوا تحت رقابة الحاكم العام. ويشترط فيهم أيضا معرفة اللغة العربية الدارجة وعادات أهلها. والحاكم العام هو الذي كان يرشح للوزير أسماء المعلمين ليقوم بتعيينهم. وكان المؤدب أو المعلم للقرآن في المعهد عندئذ هو الشيخ (أحمد؟) بوقندورة، وهو اسم ظل يتردد إلى فاتح هذا القرن، لأن عائلة بوقندورة قد تولت وظائف عالية أيضا كالإفتاء. ولاحظ أحد التقارير أن هذا المؤدب (سنة ١٨٦٥) كان لا يعرف الفرنسية ولا الحساب، وطالب بأن يعين شاب فرنسي إلى جواره (١). وبعد التخرج يحصل التلاميذ على شهادة تؤهلهم لبعض الوظائف الدنيا. وهي وظائف مدنية وعسكرية. فهم إما يتجهون لأداء الخدمة

стр. 1366

العسكرية التطوعية، وإما يتولون وظائف القياد أو الخوجات أو الترجمة، أو الطب، أو الفقه. ومنهم من يتوجه إلى مدرسة الفلاحة بفرنسا، ولكن عدد الخريجين ضئيل جدا، إذ لا يتعدى الخمسة أو الستة في العام. وقد لاحظت (المبشر) أن التلاميذ يتوقفون عادة في سن السادسة عشرة لحاجة ذويهم إليهم، وهم عادة من عائلات فقيرة، وادعت أيضا أن السكان لهم قابلية في تعلم الحرف والصنائع خلافا لما كان يشاع عنهم، بل ولهم قابلية في التعلم عموما. ولعل في ذلك تكذيبا للمقولة السائدة عندئذ، وهي رفض الجزائريين التعليم وعدم القابلية فيهم أصلا. ولكن صاحب هذا الرأي أبى إلا أن يطعن في اللغة العربية إذ قال عنها إنها لغة غير صالحة للتقدم، وهي لا تؤدي إلى التطور والإصلاح (١). برنامج المعهد محدود وموجه جدا. أما كونه محدودا فلأنه مقصور على مواد معينة في الحضارة الفرنسية، وهو كذلك غير مفتوح لكل الجزائريين. وأما كونه موجها جدا فلأن كل المواد تصب في هدف واحد وهو إبعاد المتعلم الجزائري عن أصله وتراثه ولغته ودينه وربطه بالحضارة الفرنسية. ولا يغرنك وجود القرآن في المعهد، فقد لاحظ الفرنسيون أن التلاميذ يحفظون آياته دون إدراك معناها، والمؤدب يقوم معهم في المعهد بما يقوم به زملاؤه في المكتب (الكتاب) وهو حفظ بعض السور والآيات. كما لا يغرنك وجود العربية لأنها هي الدارجة فقط وبحصة واحدة أسبوعيا وعلى يد معلم فرنسي، وتعليمها لا يكون إلا باللغة الفرنسية، فهو في الواقع تشويه لها في أذهان التلاميذ الذين هم أعرف بالدارجة ونطقها بالسجية من الفرنسي. أما اللغة الفصحى فكذلك لا تدرس إلا بالفرنسية. والمواد الفرنسية في البرنامج هي الأساسية، وهي اللغة بنحوها وصرفها وتمارين

стр. 1367

إنشائها وإملائها والقراءة في نصوصها، مع مادة الحساب والرسم والخط والموسيقى. وكذلك التاريخ الفرنسي والجغرافية، والمحفوظات (١). ومن المواد المدروسة أيضا العلوم الطبيعية والهندسة والرياضة البدنية. وبعد اجتياز الامتحان بنجاح في هذه المواد يمنح التلميذ شهادة تعتبر في مستوى البكالوريا، ولكنها (شهادة خاصة) ولا ترقى في الواقع إلا إلى مستوى الأهلية (٢). في سنة ١٨٦٩، أي بعد ١١ سنة من إنشاء المعهد العربي - الفرنسي تخرج من معهد الجزائر ١٦ تلميذا مسلما. وقد ذكرت المبشر أن ثلاثة منهم دخلوا مدرسة سان سير العسكرية، والتحق واحد منهم بمدرسة الخيالة بسومور، وتلميذ آخر بمدرسة الطب البيطري ببلفور، أما الباقون فقد قالت عنهم إن منهم من كان يرغب في الدخول إلى مدرسة الطب (الجزائر)، ومنهم من تطلع إلى وظائف أخرى (٣). ويظهر من أسماء الذين التحقوا بمدرسة سان سير أنهم من أصول عثمانية (٤). أما معهد قسنطينة فلم تطل مدته حتى تظهر نتائجه بوضوح. فقد افتتح

стр. 1368

فقط سنة ١٨٦٧ وبعد أربع سنوات صدر قرار إغلاقه من الحاكم العام المتعصب ضد العرب والمسلمين، والناقم على عهد نابليون الثالث، وهو الأميرال ديقيدون. وقد غشيها عند افتتاحها ١٥٦ تلميذا منهم ١١٢ تلميذا مستقرا أو داخليا، و ٤٠ نصف داخلي، و ١٢ خارجيين (أوروبيون؟)، مع تلميذين متخصصين في الفقه الإسلامي. بدأ المعهد في شهر يناير فقط. والإقبال الذي شهده هذا المعهد جعل السلطات تفكر في تعميم التجربة. واعتبر السيد بوليو التجربة ناجحة جدا، وقال إنه يمكن التفكير في إنشاء سبعة أو ثمانية معاهد أخرى مماثلة (١). أما جان ميرانت فقد اعتبر هذا النوع من التعليم دليلا على كرم فرنسا وليبراليتها وجميل صنيعها. وذكر أن معهد قسنطينة قد افتتح في بناية إسلامية جميلة تقع على منحدرات سيدي مسيد. وضم ١١٢ تلميذا، منهم ١٠٨ من الأهالي، وقد أصبح سنة ١٨٧٠ يضم ١٩٩ منهم ١١٧ من الأهالي. وقد خطط الفرنسيون لإنشاء معهد ثالث في وهران، ولكن ذلك لم يحصل لتغيير نظام الحكم. تبين بعد تجربة قصيرة أن فكرة إنشاء المعاهد لم تحقق كل الهدف الذي وضعه المنظرون الفرنسيون. فاللغة الفرنسية لم تكن إلى سنة ١٨٦٤ شرطا أساسيا لدخول المعهد. ووجدوا أن بعض التلاميذ دخلوه وهم لا يعرفون حتى القراءة والكتابة. ولعل ذلك راجع إلى قلة التلاميذ المتقدمين وحرص المسؤولين على فرنسة كل من جاءهم عندئذ، مهما كان مستواه. وأمام هذا الخلل كتب الحاكم العام مذكرة إلى والي الجزائر قائلا إنه لا يمكن التسامح بعد اليوم في ذلك، فقد حان الوقت الذي لا يدخل فيه المعهد إلا التلاميذ العارفون بالفرنسية. وتشجيعا لذلك رصد الحاكم العام منحتين لتلميذين يعرفان قراءة الفرنسية، وإذا أمكن يعرفان كتابتها أيضا، مع جودة الصحة البدنية. هذا بالنسبة للغة الفرنسية، أما المنح الخاصة بأبناء من خدموا القضية الفرنسية فقد رصدها الحاكم العام أيضا، وهي تدخل فيما فرضه الفرنسيون على العرب من غرائم والتي تسمى (الغرامة

стр. 1369

العربية) (١). وإذن فالفرنسيون لا يدفعون المنح ولا المرتبات من ميزانية الحكومة وإنما يدفعها الجزائريون، رغم أن أولادهم لا يدرسون، كما عرفنا، وهم في الواقع يدفعون مرتين مرة في شكل أموال الأوقاف المغتصبة ومرة في شكل الغرامة العربية، بالإضافة إلى الضرائب العادية. ومع ذلك فإنه يبدو أن تجربة إنشاء المعهدين قد جلبت الأنظار إليها حتى من غير الفرنسيين. ولعل هؤلاء قد أكثروا من الضجة حول نجاح التجربة. ففي ١٨٦٩ جاء أحد الخبراء الروس إلى الجزائر مبعوثا من وزيره للتعليم ليشهد التجربة الفرنسية في الجزائر بنفسه وليحاول الوزير الروسي تطبيقها على مسلمي بلاد القوقاز والجركس، إذا اقتنع بجدواها. فالتجربة الفرنسية قامت على فرض الفرنسية على الجزائريين مباشرة وإلغاء العربية، وكان الروس يريدون أن يفعلوا ذلك مع لغتهم ولغة مسلمي القوقاز. والغريب أن الجريدة الرسمية (المبشر) قد تبجحت (بالطريقة الجديدة) في ميدان التربية والتعليم، كما تقول، وهي تقوم على (تحريم) استعمال العربية في تدريس اللغتين الفرنسية والعربية للتلاميذ المسلمين، لإدراك معنى اللغة الفرنسية. وقالت إنه: (لا يخفى على أحد أن الصور والأشكال الحسية هي الكتاب الأنفع في تعليم الصبيان اللغة الأجنبية، مهما كانت اللغة) وأخبرت الجريدة أن المسؤول الروسي قد تأمل في الطريقة الجديدة وكيف كان الفرنسيون يعلمون لغتهم مباشرة (لأبناء العرب دون ارتكاب اللغة العربية للتوصل إلى المعنى) (٢). وعشية افتتاح معهد قسنطينة نشرت المبشر مقالة طويلة في عددين أو أكثر، لأحد المتأدبين من أهالي قسنطينة عنوانها (النصيحة الدرية في تأديب الذرية)، وصاحب المقالة هو مصطفى بن السادات. ويظهر أنه كتبها بإيعاز من سلطات المبشر والإدارة ترغيبا لأهل المنطقة في إرسال أولادهم إلى

стр. 1370

المعهد الجديد وعدم الخوف من التعليم الفرنسي الذي كانوا يحذرون منه. وقد أخبر ابن السادات أن الدولة تحث الناس على التعلم باللغة الفرنسية لأنها لغة العلم والسيادة، وأن من لم يحرز بها وظيفة تمتع بآدابها، وأنها في المستقبل هي وسيلة الوظيف والخبز. وقد كتب المقالة بأسلوب مسجع أحيانا، وأخبر أنه إلى ذلك الحين تخرج ٣١ تلميذا من معهد الجزائر، وظهر منهم الترجمان والمهندس والمعلم والحاكم بالأعراش والجندي. وقد سمي معهد قسنطينة الجديد (المدرسة السلطانية التي أعدت لبث العلوم الفرنسية بقصد صالحي الذرية الإسلامية في مدينة قسنطينة) (١). وقد تبعه زميله محمود بن الشيخ، المحرر بالمبشر أيضا، بمقالة على نفس الوتيرة، وعنوانها (نصيحة عمومية لأهل الحضر والبادية)، وظهرت هذه المقالة بعد الأولى بحوالي سبعة أشهر. وكلتاهما (تنصح) الجزائريين بإرسال أولادهم ليتعلموا الفرنسية التي هي خير وسيلة للعلم والتعلم ونبذ الجهل وإحراز المناصب، لأن (التعلم يؤلف بين العباد على اختلاف ألسنتها وطبائعها)، وضرب لهم مثلا بالنهضة في مصر، وحثهم على العلم طبقا للآيات والأحاديث، وبين خطأ الاعتقاد في أن علوم الدين وحدها كافية. وأشار إلى أهمية اللغة الفرنسية كلغة حديثة وما توصل إليه الفرنسيون من اختراعات ونهضة (٢). وهذا حق أريد به باطل. فالسلطة الفرنسية أهملت التعليم للجزائريين ثم خططت لنوع من التعليم يهمها هي تريد من ورائه إبعاد الجزائريين عن
следующие страницы →