← Указатели

Указатели · id 14100

تاريخ الجزائر الثقافي

أبو القاسم سعد الله

Полный текст (5 019 стр.). Показаны 1366–1405 · переход к 1371.

стр. 1366

العسكرية التطوعية، وإما يتولون وظائف القياد أو الخوجات أو الترجمة، أو الطب، أو الفقه. ومنهم من يتوجه إلى مدرسة الفلاحة بفرنسا، ولكن عدد الخريجين ضئيل جدا، إذ لا يتعدى الخمسة أو الستة في العام. وقد لاحظت (المبشر) أن التلاميذ يتوقفون عادة في سن السادسة عشرة لحاجة ذويهم إليهم، وهم عادة من عائلات فقيرة، وادعت أيضا أن السكان لهم قابلية في تعلم الحرف والصنائع خلافا لما كان يشاع عنهم، بل ولهم قابلية في التعلم عموما. ولعل في ذلك تكذيبا للمقولة السائدة عندئذ، وهي رفض الجزائريين التعليم وعدم القابلية فيهم أصلا. ولكن صاحب هذا الرأي أبى إلا أن يطعن في اللغة العربية إذ قال عنها إنها لغة غير صالحة للتقدم، وهي لا تؤدي إلى التطور والإصلاح (١). برنامج المعهد محدود وموجه جدا. أما كونه محدودا فلأنه مقصور على مواد معينة في الحضارة الفرنسية، وهو كذلك غير مفتوح لكل الجزائريين. وأما كونه موجها جدا فلأن كل المواد تصب في هدف واحد وهو إبعاد المتعلم الجزائري عن أصله وتراثه ولغته ودينه وربطه بالحضارة الفرنسية. ولا يغرنك وجود القرآن في المعهد، فقد لاحظ الفرنسيون أن التلاميذ يحفظون آياته دون إدراك معناها، والمؤدب يقوم معهم في المعهد بما يقوم به زملاؤه في المكتب (الكتاب) وهو حفظ بعض السور والآيات. كما لا يغرنك وجود العربية لأنها هي الدارجة فقط وبحصة واحدة أسبوعيا وعلى يد معلم فرنسي، وتعليمها لا يكون إلا باللغة الفرنسية، فهو في الواقع تشويه لها في أذهان التلاميذ الذين هم أعرف بالدارجة ونطقها بالسجية من الفرنسي. أما اللغة الفصحى فكذلك لا تدرس إلا بالفرنسية. والمواد الفرنسية في البرنامج هي الأساسية، وهي اللغة بنحوها وصرفها وتمارين

стр. 1367

إنشائها وإملائها والقراءة في نصوصها، مع مادة الحساب والرسم والخط والموسيقى. وكذلك التاريخ الفرنسي والجغرافية، والمحفوظات (١). ومن المواد المدروسة أيضا العلوم الطبيعية والهندسة والرياضة البدنية. وبعد اجتياز الامتحان بنجاح في هذه المواد يمنح التلميذ شهادة تعتبر في مستوى البكالوريا، ولكنها (شهادة خاصة) ولا ترقى في الواقع إلا إلى مستوى الأهلية (٢). في سنة ١٨٦٩، أي بعد ١١ سنة من إنشاء المعهد العربي - الفرنسي تخرج من معهد الجزائر ١٦ تلميذا مسلما. وقد ذكرت المبشر أن ثلاثة منهم دخلوا مدرسة سان سير العسكرية، والتحق واحد منهم بمدرسة الخيالة بسومور، وتلميذ آخر بمدرسة الطب البيطري ببلفور، أما الباقون فقد قالت عنهم إن منهم من كان يرغب في الدخول إلى مدرسة الطب (الجزائر)، ومنهم من تطلع إلى وظائف أخرى (٣). ويظهر من أسماء الذين التحقوا بمدرسة سان سير أنهم من أصول عثمانية (٤). أما معهد قسنطينة فلم تطل مدته حتى تظهر نتائجه بوضوح. فقد افتتح

стр. 1368

فقط سنة ١٨٦٧ وبعد أربع سنوات صدر قرار إغلاقه من الحاكم العام المتعصب ضد العرب والمسلمين، والناقم على عهد نابليون الثالث، وهو الأميرال ديقيدون. وقد غشيها عند افتتاحها ١٥٦ تلميذا منهم ١١٢ تلميذا مستقرا أو داخليا، و ٤٠ نصف داخلي، و ١٢ خارجيين (أوروبيون؟)، مع تلميذين متخصصين في الفقه الإسلامي. بدأ المعهد في شهر يناير فقط. والإقبال الذي شهده هذا المعهد جعل السلطات تفكر في تعميم التجربة. واعتبر السيد بوليو التجربة ناجحة جدا، وقال إنه يمكن التفكير في إنشاء سبعة أو ثمانية معاهد أخرى مماثلة (١). أما جان ميرانت فقد اعتبر هذا النوع من التعليم دليلا على كرم فرنسا وليبراليتها وجميل صنيعها. وذكر أن معهد قسنطينة قد افتتح في بناية إسلامية جميلة تقع على منحدرات سيدي مسيد. وضم ١١٢ تلميذا، منهم ١٠٨ من الأهالي، وقد أصبح سنة ١٨٧٠ يضم ١٩٩ منهم ١١٧ من الأهالي. وقد خطط الفرنسيون لإنشاء معهد ثالث في وهران، ولكن ذلك لم يحصل لتغيير نظام الحكم. تبين بعد تجربة قصيرة أن فكرة إنشاء المعاهد لم تحقق كل الهدف الذي وضعه المنظرون الفرنسيون. فاللغة الفرنسية لم تكن إلى سنة ١٨٦٤ شرطا أساسيا لدخول المعهد. ووجدوا أن بعض التلاميذ دخلوه وهم لا يعرفون حتى القراءة والكتابة. ولعل ذلك راجع إلى قلة التلاميذ المتقدمين وحرص المسؤولين على فرنسة كل من جاءهم عندئذ، مهما كان مستواه. وأمام هذا الخلل كتب الحاكم العام مذكرة إلى والي الجزائر قائلا إنه لا يمكن التسامح بعد اليوم في ذلك، فقد حان الوقت الذي لا يدخل فيه المعهد إلا التلاميذ العارفون بالفرنسية. وتشجيعا لذلك رصد الحاكم العام منحتين لتلميذين يعرفان قراءة الفرنسية، وإذا أمكن يعرفان كتابتها أيضا، مع جودة الصحة البدنية. هذا بالنسبة للغة الفرنسية، أما المنح الخاصة بأبناء من خدموا القضية الفرنسية فقد رصدها الحاكم العام أيضا، وهي تدخل فيما فرضه الفرنسيون على العرب من غرائم والتي تسمى (الغرامة

стр. 1369

العربية) (١). وإذن فالفرنسيون لا يدفعون المنح ولا المرتبات من ميزانية الحكومة وإنما يدفعها الجزائريون، رغم أن أولادهم لا يدرسون، كما عرفنا، وهم في الواقع يدفعون مرتين مرة في شكل أموال الأوقاف المغتصبة ومرة في شكل الغرامة العربية، بالإضافة إلى الضرائب العادية. ومع ذلك فإنه يبدو أن تجربة إنشاء المعهدين قد جلبت الأنظار إليها حتى من غير الفرنسيين. ولعل هؤلاء قد أكثروا من الضجة حول نجاح التجربة. ففي ١٨٦٩ جاء أحد الخبراء الروس إلى الجزائر مبعوثا من وزيره للتعليم ليشهد التجربة الفرنسية في الجزائر بنفسه وليحاول الوزير الروسي تطبيقها على مسلمي بلاد القوقاز والجركس، إذا اقتنع بجدواها. فالتجربة الفرنسية قامت على فرض الفرنسية على الجزائريين مباشرة وإلغاء العربية، وكان الروس يريدون أن يفعلوا ذلك مع لغتهم ولغة مسلمي القوقاز. والغريب أن الجريدة الرسمية (المبشر) قد تبجحت (بالطريقة الجديدة) في ميدان التربية والتعليم، كما تقول، وهي تقوم على (تحريم) استعمال العربية في تدريس اللغتين الفرنسية والعربية للتلاميذ المسلمين، لإدراك معنى اللغة الفرنسية. وقالت إنه: (لا يخفى على أحد أن الصور والأشكال الحسية هي الكتاب الأنفع في تعليم الصبيان اللغة الأجنبية، مهما كانت اللغة) وأخبرت الجريدة أن المسؤول الروسي قد تأمل في الطريقة الجديدة وكيف كان الفرنسيون يعلمون لغتهم مباشرة (لأبناء العرب دون ارتكاب اللغة العربية للتوصل إلى المعنى) (٢). وعشية افتتاح معهد قسنطينة نشرت المبشر مقالة طويلة في عددين أو أكثر، لأحد المتأدبين من أهالي قسنطينة عنوانها (النصيحة الدرية في تأديب الذرية)، وصاحب المقالة هو مصطفى بن السادات. ويظهر أنه كتبها بإيعاز من سلطات المبشر والإدارة ترغيبا لأهل المنطقة في إرسال أولادهم إلى

стр. 1370

المعهد الجديد وعدم الخوف من التعليم الفرنسي الذي كانوا يحذرون منه. وقد أخبر ابن السادات أن الدولة تحث الناس على التعلم باللغة الفرنسية لأنها لغة العلم والسيادة، وأن من لم يحرز بها وظيفة تمتع بآدابها، وأنها في المستقبل هي وسيلة الوظيف والخبز. وقد كتب المقالة بأسلوب مسجع أحيانا، وأخبر أنه إلى ذلك الحين تخرج ٣١ تلميذا من معهد الجزائر، وظهر منهم الترجمان والمهندس والمعلم والحاكم بالأعراش والجندي. وقد سمي معهد قسنطينة الجديد (المدرسة السلطانية التي أعدت لبث العلوم الفرنسية بقصد صالحي الذرية الإسلامية في مدينة قسنطينة) (١). وقد تبعه زميله محمود بن الشيخ، المحرر بالمبشر أيضا، بمقالة على نفس الوتيرة، وعنوانها (نصيحة عمومية لأهل الحضر والبادية)، وظهرت هذه المقالة بعد الأولى بحوالي سبعة أشهر. وكلتاهما (تنصح) الجزائريين بإرسال أولادهم ليتعلموا الفرنسية التي هي خير وسيلة للعلم والتعلم ونبذ الجهل وإحراز المناصب، لأن (التعلم يؤلف بين العباد على اختلاف ألسنتها وطبائعها)، وضرب لهم مثلا بالنهضة في مصر، وحثهم على العلم طبقا للآيات والأحاديث، وبين خطأ الاعتقاد في أن علوم الدين وحدها كافية. وأشار إلى أهمية اللغة الفرنسية كلغة حديثة وما توصل إليه الفرنسيون من اختراعات ونهضة (٢). وهذا حق أريد به باطل. فالسلطة الفرنسية أهملت التعليم للجزائريين ثم خططت لنوع من التعليم يهمها هي تريد من ورائه إبعاد الجزائريين عن

стр. 1371

لغتهم وماضيهم وشخصيتهم. وأوعزت لبعض منهم ليخاطبوا مواطنيهم بما يرغب فيه الفرنسيون. فالجزائري لم يرفض التعليم بل كان يطالب به، ولم يرفض الفرنسية لو أنها كانت فقط لتدعيم ثقافته العربية الإسلامية. وقد جاء في العريضة الشهيرة المسماة (مقالة غريق) والتي حررها أهالي قسنطينة سنة ١٨٩١ قولهم للسلطات الفرنسية (إننا لا نستحي من القول بأن السبب المنافي للبعظ (كذا) منا من إرسال أولادهم إلى المدارس هو تحققهم بعدم تدريس لغتهم الأصلية العربية بتلك المكاتب (المدارس)، وخولهم من فساد عقولهم الضعيفة ونسيانهم لأصولهم ودينهم وملتهم) (١). ومع ذلك فإن الذي ألغى المعهدين المذكورين ليس هم الجزائريين. ويقول بوليو إن إلغاء المعهدين سنة ١٨٧١ عمل تعصبي أو (شوفينيستي). وقد هنئ ديقيدون (الحاكم العام) في تقريره سنة ١٨٧٣ على هذا العمل التخريبي. وقال بوليو إنه كان من المفروض أن تتوسع شبكة هذه المعاهد حتى تصل إلى عشرين أو ثلاثين مدينة في الجزائر، وبذلك تجلب إليها عشرة آلاف من الشبان الجزائريين الذين يمكن لفرنسا ممارسة نفوذها عليهم عقليا ومعنويا. وطالب بأن يكون للغة العربية مكانها في الجزائر حتى في الليسيات الفرنسية، وهي في نظره لغة واجبة على الفرنسيين أيضا لأنها وسيلتهم إلى السفر نحو السودان والصحراء والمغرب الأقصى. وندد بوليو بالشعور المعادي لتعليم الجزائريين وللردة التي ظهرت في الوثائق الرسمية، كما قال، منذ سنة ١٨٧٠، وهو الشعور الذي غذته النقمة من ثورتي ١٨٧١ و ١٨٨١ (٢). ورغم أن المعهدين لا يمكن اعتبارهما مدرستين ثانويتين للجزائريين، كما ذكرنا، فإنهما كانا نافذتين لمن يرغب في متابعة الدراسة المتوسطة وحتى الثانوية بعد اجتياز مرحلة المدرسة الابتدائية المسماة العربية - الفرنسية.

стр. 1372

ولكن هذه على قلتها (حوالي ٣٤ مدرسة فقط سنة ١٨٧٠) كانت قد ألغيت أيضا من قبل ديقيدون. فماذا بقي أمام الجزائريين من مؤسسات تعليمية؟ الواقع أن كل التجربة الفرنسية في هذا الميدان قد ولدت مشوهة وانتهت مشوهة. فلا تعليم ابتدائي منتظم ولا تعليم متوسط يتلقف التلاميذ ويقودهم نحو الثانوي والعالي. وقد عرفنا مرحلة الفراغ الأخرى التي كانت بين ١٨٧٠ و ١٨٩٢ وكيف بقي الجزائريون على حالة دنيا من الإهمال والجهل بينما كان التعليم الفرنسي للفرنسيين يسير سيرا طبيعيا منذ البداية، رصدت له الميزانيات وبنيت له المدارس والليسيات والجامعة، في منظومة دقيقة يقود بعضها إلى بعض، وكان تعليما إجباريا كشأنه في فرنسا. فأين الجزائريون من كل ذلك؟ (١) وقبل أن نجيب على هذا التساؤل نذكر المدرسة الفرنسية الأخيرة في هذا الصدد، وهي مدرسة ترشيح المعلمين (النورمال) التي كان لها دور مهم في تأطير بعض الجزائريين في تجربة التعليم الفرنسي. مدرسة ترشيح المعلمين (النورمال) نشأت هذه المدرسة في الجزائر سنة ١٨٦٥. وكان إنشاؤها تلبية لحاجة المدرسة الابتدائية الفرنسية/ الفرنسية إلى المعلمين الأكفاء. فقد كثرت المدارس وازداد التلاميذ الفرنسيون تبعا لازدياد عدد المستوطنين. ومن دواعي ظهورها أيضا تثبيت المدرسة الابتدائية الموجهة للجزائريين والتي سميت بالمدرسة العربية/ الفرنسية. وهي التي ظهر منها سنة ١٨٥٠ ست مدارس، ثم ازدادت حتى وصلت إلى حوالي ٣٤ سنة ١٨٧٠. أول توصية بإنشاء مدرسة لترشيح المعلمين (النورمال) ظهرت في تقرير لجنة الجنرال بيدو سنة ١٨٤٩، وهي اللجنة التي درست موضوع التعليم بتوسع، سيما المتعلق منه بالتعليم الموجه إلى الجزائريين. فقد جاء في تقرير هذه اللجنة: نقترح إنشاء مدرسة لترشيح المعلمين (نورمالية) ابتدائية تكون فيها اللغة العربية (الدارجة) ذات مكانة بارزة وإجبارية. والمقصود أن يكون على المعلم المتخرج من هذه المدرسة، سواء كان

стр. 1373

أوروبيا أو جزائريا، عارفا باللغة العربية، لأنه سيدرس لأطفال يوجدون على أرض الجزائر، سواء كان آباؤهم جزائريين أو أوروبيين. ولذلك درست اللجنة المذكورة أيضا إمكانية توظيف المعلمين الجزائريين الذين يحسنون قدرا من الفرنسية في المدارس الفرنسية/ الفرنسية. وقد رأى بعض الأعضاء أن هذا الاحتياطي من المعلمين الجزائريين سيشكل خطرا إذا لم تستوعبه المنظومة التعليمية الفرنسية، لأن الفراغ يجعلهم يستعملونه ضد النفوذ الفرنسي، وليس من الحكمة ترك هؤلاء غير ملحقين بالفرنسيين. ولكن المسألة الملحة هي هل الأفضل تركهم يعلمون العربية على هواهم أو لا بد من وضعهم تحت وصاية معلم فرنسي (١). ولكن إنشاء مدرسة ترشيح المعلمين لم يأت إلا بعد ١٥ سنة من هذه المداولات ومن إنشاء المدارس الابتدائية العربية/ الفرنسية للجزائريين (٢). غير أنه استحدث في أكتوبر سنة ١٨٦٣ وظيف جديد سمي وظيف المفتش لمؤسسات التعليم العمومي المفتوحة للأهالي. وكان الهدف هو مراقبة التعليم الموجه للجزائريين سواء كان تحت الإدارة مباشرة كالمدارس الابتدائية المذكورة أو خارجا عنها مثل الزوايا والمكاتب القرآنية. لذلك أخذ المفتش الجديد يزور المدارس الشرعية - الفرنسية الثلاث والمدارس العربية - الفرنسية والزوايا والمكاتب القرآنية. وكان الفرنسيون يتوجسون خيفة من التعليم الذي لا يقع تحت نظرهم ويتهمون أصحابه بالتعصب وتغذية الثورات، لذلك عملوا منذ الخمسينات على جعله يخضع لشروطهم ونظرهم. وفي هذا النطاق كونوا أيضا لجنة مهمتها الإشراف على أيديولوجية التعليم الموجه للجزائريين ودراسة القضايا الخاصة به كالتكوين وإعداد المعلمين وتأليف الكتاب المدرسي ووضع البرنامج، الخ. وكان ذلك كله يجري على أيدي العسكريين وغير الاختصاصيين لأن التعليم الموجه للجزائريين كان خارجا عن وزارة التعليم منذ فصلت حكومة الجمهورية

стр. 1374

الثانية التعليم الفرنسي وألحقته بوزارة المعارف، بينما أبقت التعليم (الأهلي) تابعا لوزارة الحرب وممثليها العسكريين في الجزائر. كانت فلسفة المدرسة العربية/ الفرنسية (الابتدائية) في الجزائر تقوم على أن التعليم فيها هو نسخة من التعليم الفرنسي، والفارق الوحيد هو وجود اللغة العربية (الدارجة) في برنامجها. وقد كتب الحاكم العام المارشال ماكماهون في ٩ يناير ١٨٦٥ قائلا إن البرنامج كان موضوعا على أساس برنامج المدرسة الابتدائية الفرنسية، مع ترك مكان لتعليم اللغة العربية. وعبر مدير التعليم (الريكتور) أيضا على نفس الرأي مع الإلحاح على توحيد البرنامج وترويج اللغة الفرنسية، رغم أن التعليم موجه إلى الجزائريين (١). وتمشيا مع هذه الروح وضمانا لإيجاد الإطار المناسب من المعلمين في المدارس الابتدائية العربية - الفرنسية أنشئت مدارس ابتدائية لترشيح المعلمين في مدينة الجزائر بمرسوم امبراطوري، في مارس - أبريل ١٨٦٥. وجاء في تبرير إنشائها أن الجزائريين بدأوا يقبلون بإرسال أبنائهم إلى المدرسة الابتدائية - الفرنسية، وهذا يعني ضرورة إتقان التعليم فيها والبحث عن المعلمين أكفاء للتأثير على الجيل الناشيء من الأهالي، عن طريق مدرسة ترشيح المعلمين. إن الهدف من فتح المدارس العربية - الفرنسية هو نشر اللغة والأفكار الفرنسية بين الأطفال الجزائريين بسرعة، وهذا لن يتحقق إلا إذا وضعوا بين أيدي معلمين يعرفون اللغة العربية الدارجة والعادات والتقاليد والتأقلم مع التقاليد الثقافية للأهالي. وإذا لم يعد المعلمون إعدادا خاصا بذلك فإنهم سيبقون غرباء عن هذه البيئة، ولن يتحقق الهدف من المدارس العربية - الفرنسية. ولكن إعداد المعلمين ليس خاصا بمدارس أبناء الجزائريين بل هو شامل أيضا المدارس الفرنسية - الفرنسية. وصفة التمييز

стр. 1375

بين المتعلمين الفرنسيين والجزائريين ظهرت أيضا في مدرسة ترشيح المعلمين. ذلك أن عدد التلاميذ - المعلمين من الجزائريين المسموح لهم بالدخول يجب ألا يزيد عن الخمس فقط، أما الباقون فهم أوروبيون. وقد نص المرسوم على أن التلاميذ الأهالي سيحظون بعناية خاصة في المدرسة بحيث يمارسون شعائرهم ويأكلون ويشربون حسب طقوسهم الدينية (١). افتتحت المدرسة سنة ١٨٦٥/ ١٨٦٦ كما قلنا. وقد أعلنت شروط قبول التلاميذ الجزائريين والمشاركة في امتحان الدخول. كان عليهم أن يتقدموا بطلب إلى مدير التعليم، وأن تكون سنهم بين ١٦ و ٢٢ سنة، وأن يكون لهم شهادة تثبت تاريخ ميلادهم ومكان نشأتهم، ثم شهادة طبية. أما المستوى فتثبته شهادة من إحدى المدارس الشرعية - الفرنسية الثلاث، بالإضافة إلى كتابة التزام يتعهد المترشح بمقتضاه بممارسة مهنة التعليم عشر سنوات بعد التخرج، ثم يختم ملف الشروط بشهادة حسن السيرة والسلوك إما من مدير المدرسة التي درس بها المترشح وإما من قايد الناحية التي يسكنها. وقد حدد المرسوم عدد التلاميذ بثلاثين تلميذا، منهم عشرون أوروبيا وعشرة جزائريون (٢) (وهو غير الخمس المذكور). فإذا تذكرنا نسبة عدد السكان عرفنا إلى أين كانت تميل الكفة ومدى روح التمييز والمحاباة. ولكن مدرسة ترشيح المعلمين لم تنطلق انطلاقة جيدة. فقد كان المترشحون قليلين جدا. ووجد المسؤولون عنها صعوبة في جلب المعلمين إليها، وكان المستوى فيها منخفضا. وقد اضطروا إلى جلب التلاميذ إليها من فرنسا، ولم يكن من بين ٣٦ تلميذا مترشحا سنة ١٨٦٨ سوى عشرة من الجزائر، من بينهم ثلاثة فقط من العرب. وقد أحس الجزائريون منذ البداية بأن الهدف منها هو فرنسة الأطفال فلم يقبلوا عليها. فالتعليم فيها (انظر البرنامج) كان يهدف إلى التوغل الفرنسي في المجتمع الجزائري ونشر الأفكار الفرنسية على

стр. 1376

حساب القيم الأخرى (١) وبالإضافة إلى مدرسة الجزائر أنشئ فرع لها في مدينة قسنطينة. لم يتحقق الغرض حينئذ من دمج المعلمين الجزائريين انطلاقا من مدرسة ترشيح المعلمين. فقد بقي العدد محدودا جدا بشكل ملفت للنظر. ثم جاءت قرارات ١٨٧١ التي ألغت المدارس العربية - الفرنسية عدا القليل الذي بقي في المناطق العسكرية، ولم يحدث تغيير في هذا النطاق إلا سنة ١٨٨٢ حين تأسست دروس (cours) خاصة بترشيح المعلمين الأهالي وألحقتا بمدرسة الجزائر وقسنطينة. ثم انتقلت مدرسة الجزائر بدورها سنة ١٨٨٦ إلى بوزريعة فانتقل الدرس الملحق معها أيضا (٢). أما القسم الفرنسي من المدرسة المذكورة فقد سار عاديا منذ نشأته، إذ استمر في تخريج المعلمين للمدارس الفرنسية/ الفرنسية دون الحاجة إلى المرور لا بالدروس ولا بالفرع الخاص الذي سنتحدث عنه. إن الخصوصيات لا تأتي إلا مع الجزائريين. وكانت مدة الدراسة للمعلمين الأهالي سنتين ولكنها منذ ١٨٩٢ أصبحت ثلاث سنوات، كما ألغيت دروس مدرسة قسنطينة سنة ١٨٨٧ وبقيت فقط دروس مدرسة الجزائر. وإذا لم يجد المعلم (التلميذ) المتخرج مكانا يعلم فيه فإنه يبقى سنة رابعة تحت التدريب. ولدخول الدروس الخاصة في مدرسة بوزريعة لا بد من المشاركة في مسابقة خاصة أيضا. وكانت المسابقة تجري في الولايات الثلاث. وكانت كل دفعة تضم حوالي عشرين مترشحا، لكن العدد كان يتناقص حتى أن بعض الدفعات لم تزد عن عشرة (سنة ١٨٩٧) وعن ثمانية فقط سنة ١٨٩٩). وكان على هؤلاء التلاميذ أن يحضروا شهادة الأهلية (البروفي) بحضورهم للدروس الخاصة في مدرسة ترشيح المعلمين. وهم يحصلون على هذه الشهادة عادة

стр. 1377

في نهاية السنة الثالثة. ثم يقضون السنة الرابعة في التدرب والتحضير التربوي في إحدى المدارس الابتدائية الخاصة بالأهالي، كما يتدربون على الأعمال اليدوية وعلى العربية الدارجة (رغم أنهم يتكلمونها في حياتهم اليومية). ونتيجة للتجربة التي ترجع إلى ١٨٦٥ كان الفرنسيون يعتبرون المعلمين الجزائريين مفيدين ومضرين معا. فمن جهة يريدونهم سفراء لهم حاملين لواء الحضارة الفرنسية للتأثير على أهلهم في القرى النائية. ومن جهة أخرى يريدونهم ألا يظهروا ظهورا يتناقض مع تقاليدهم ولغتهم. ولذلك قالوا إن الهدف من دخولهم مدرسة ترشيح المعلمين ليس هو نزع الإسلام من صدورهم، ومن رأيهم أن بقاء المعلمين بلباسهم التقليدي ومنع المشروبات الكحولية عنهم، وصيامهم رمضان - كلها تجعلهم مقبولين أكثر عند ذويهم مما لو قلدوا الفرنسيين في لباسهم وأكلهم وشربهم وسلوكهم. ومن جهة أخرى لاحظوا، وهم يعرفون ذلك، أن الأهالي كانوا يفضلون المعلم الفرنسي، لأنه لا يتكلم معهم إلا الفرنسية، أما المعلم الذي لا يتكلم العربية وهو عربي ولا يعرف الإسلام وهو مسلم فيسقط في أعين الأهالي، ومن ثمة يضر بالقضية الفرنسية. وقد لخص جورج مارسيه المشكل عندما قال إن المعلمين الأهالي قد يكونون نافعين لفرنسا جدا وقد يكونون مضرين لها كذلك (١). كانت المدرسة كما لاحظنا قد قامت على التمييز بين المعلمين الفرنسيين والمعلمين الجزائريين. فالمسابقة كانت خاصة، والدروس كانت خاصة، واللائحة الداخلية خاصة، ومدة الدراسة خاصة، والرتب خاصة. وهكذا. وقد استمر هذا الوضع إلى حوالي ١٩٢٤ حين توحدت المسابقة

стр. 1378

لدخول المدرسة. ولكن الدروس لم تندمج إلا حوالي ١٩٢٨، عشية الاحتفال بمائة سنة على الاحتلال (١). وفي سنة ١٩٣٧ كان بالمدرسة النورمالية ١٢٠ تلميذا/ معلما جزائريا من بين ٣٠٨، وكان معظم التلاميذ فيها من منطقة زواوة، ولذلك حكم لويس ماسينيون بأن التجربة الاندماجية كانت ناجحة (٢). ويجب التنبيه إلى أن الدروس الخاصة كانت من إبداعات مدير التعليم جان لومير J.Lemaire الذي ظل ربع قرن مسؤولا على التعليم في الجزائر من عهد الجمهورية الثالثة. ويعتبره المؤرخون الفرنسيون هو المنظم الحقيقي للتعليم الأهلي. وقد سبق أن عرفنا أنه تعاون في هذا المجال مع شخصيات فرنسية تتفق معه على نفس الأفكار. ومن إبداعاته أيضا في هذا المجال أنه أنشأ فرعا خاصا في مدرسة ترشيح المعلمين للفرنسيين المتوجهين للتعليم الأهلي. وجاء ذلك في القرار الصادر في ٢٠ أكتوبر ١٨٩١، وقد شاعت التسمية حتى أن الذين يدخلون هذا الفرع يسمون بين زملائهم بالفرعيين sectionnaires، فهم يضيفون سنة أخرى إلى حياة تدريبهم ويتلقون طرقا تربوية إضافية خاصة بالبيئة الجزائرية وما يجب على المعلم الفرنسي فعله مع الأطفال وذويهم لأداء (المهمة الفرنسية) بنجاح. أما المترشح العادي للمدارس الفرنسية فلا يبقى إلا سنة واحدة في المدرسة. وهؤلاء المعلمون كان يسميهم مدير التعليم، وكانوا يختارون من بين المعلمين المرسمين والمتربصين الذين سبق لهم ممارسة التعليم سواء في فرنسا أو في الجزائر. وإذا لم يتوفر هؤلاء تقوم إدارة التعليم بجلب المترشحين من حملة الشهادة الأهلية (البروفي) العالية أو الأهلية المتوسطة. وكل دفعة من الخريجين كانت تضم حوالي ٤٠ تلميذا، غير أن الأعداد كانت في تناقص حتى وصلت إلى ١٢ فقط في بعض الأحيان. وفي سنة ١٩٠٨ كان

стр. 1379

العدد ٢٠ تلميذا (معلما)، وجملة المعلمين سنة ١٩٠٧ كانت ٢٩٣ معلما فرنسيا (١). وقد لاحظ مارسيه أن هناك استثناء في المعلمين بالجزائر لا يوجد في المعلمين بفرنسا، وهو أن المعلمين في الجزائر ليسوا جميعا مواطنين فرنسيين إذ هناك إلى جانبهم معلمون رعايا (وهم الجزائريون). وهناك استثناء آخر، وهو أن شهادة الأهلية المتوسطة ليست دائما مطلوبة في المعلم، إذ وظفت الإدارة معلمين جزائريين بشهادة الدراسة الابتدائية فقط. وبناء على ذلك فالمعلمون الفرنسيون كانوا مقسمين هكذا: ١) معلمون مساعدون متربصون موزعون على أربع طبقات. ٢) معلمون مساعدون مرسمون موزعون على خمس طبقات. ٣) مديرون يجري اختيارهم من بين المعلمين المرسمين. أما المعلمون الجزائريون فأصنافهم: ١ - متدربون (متمرنون) لا يقلون عن ١٦ سنة ويكونون حاملين على الأقل لشهادة الدراسة الابتدائية.٢ - مساعدون موزعون في طبقات على نفس النمط الذي عليه المتربصون الفرنسيون. وهم يتقاضون نفس الراتب وعليهم أن يكونوا حاملين لنفس الشهادة (الأهلية العالية أو المتوسطة). ولكن هناك ميزة أساسية هنا أيضا، وهي أن المساعد الأهلي لن يكون معلما مرسما إلا إذا أحرز على حق المواطنة (الجنسية) الفرنسية عن طريق التجنس Naturalisation وما دام الجزائريون قد فضلوا البقاء على حالة الرعية (إلا القليل منهم) فقد اعتبر المعلم الأهلي موظفا خاصا ومكلفا بعمل خاص، وعليه أن يتكون تكوينا خاصا، كما يقول مارسيه. وهذه الخصوصيات جميعا هي من اختراعات السلطة الفرنسية، وهي لا تحتاج إلى كل هذه التبريرات لتحرم الجزائري من حقه في العمل والتعلم والترقي المنشود. إن كل هذا التعليم كان أيضا خاضعا لسلطة ورقابة الإدارة عن طريق المفتش ومدير التعليم والحاكم العام. والرقابة تشمل، كما ذكرنا، حتى

стр. 1380

المدارس القرآنية التي تدخل في مشمولات مفتش التعليم الابتدائي الأهلي (١). ومن الناحية الإحصائية ها هو توزيع المعلمين سنة ١٩٠٥: ١ - معلمون فرنسيون: ٣٦٩ (من بينهم ٨٣ معلمة). ٢ - معلمون جزائريون: ١٨٣ (من بينهم الممرنون) (٢). وبناء على إحصاء سنة ١٩٠٧ فإن عدد المعلمين هو: ١ - فرنسيون: ٣٩٣ (من بينهم ١٠٠ معلمة). ٢ - جزائريون: ١٩٨ (بين مساعد وممرن). وفي سنة ١٩٠٨ كان عدد التلاميذ - المعلمين الجزائريين في مدرسة ترشيح المعلمين ٦٥ تلميذا في السنوات الأربع (٣). وقد ارتفع العدد بشكل ملحوظ سنة ١٩٣٦، بعد دمج القسمين، فوصل عدد الجزائريين في المدرسة المذكورة إلى ٣٣٣ (٤) عند بوجيجا، وهو عدد مشكوك فيه. ذلك أن المستشرق ماسينيون لم يذكر سوى ١٢٠ من بين ٣٠٨، وهو رقم معقول. وقد اهتم الباحثون الفرنسيون بعملية الدمج كظاهرة حضارية، وتحدثوا بأن التجربة مع المدرسة النورمالية كانت ناجحة للغاية، حسب ماسينيون. وقد طبق الفرنسيون سياسة الدمج وسلخ الجزائري عن هويته في عدة أمثلة، ومنها حمل التلاميذ إلى فرنسا والتأثير عليهم ليرجعوا بأفكار جديدة إلى ذويهم وينقلبوا ناقمين على مجتمعهم. وهذه التجربة قديمة ترجع إلى عهد كلوزيل وبوجو، ولكننا وجدناها أيضا مطبقة في عهد كامبون ومع طلبة المدرسة النورمالية بالذات. ففي سنة ١٨٩٦ كتبت المبشر الرسمية أن تسعة عشر معلما (تلميذ) نبغوا في المدرسة ببوزريعة، فكوفنوا بالذهاب إلى

стр. 1381

باريس ومقابلة وزير التعليم، وكان يرافقهم مفتش المدارس العربية في الجزائر. ولاحظت الجريدة أن معظم المعلمين الشبان كانوا من منطقة زواوة، وكانوا يحملون الشهادة الابتدائية، ويتكلمون الفرنسية بطلاقة، وقد عبروا عن إعجابهم بما شاهدوه في فرنسا من مظاهر التمدن، وقالت: (ولا شك أنهم لما يعودون إلى مقرهم يبقى ما رأوه أثناء سفرهم في الوطن (فرنسا) الذي كأنه وطنهم، منقوشا في صفحات قلوبهم). وبذلك يكونون في رأيها قادرين على (بث تمدننا في وطنهم الأصلي). وأثناء هذا الحفل الاستقبالي وبعد خطاب الوزير، عبر أحد التلاميذ بكلمات مناسبة، وكان هذا التلميذ ممن سبق لهم العمل في الجيش الفرنسي بمدغشقر بصفته ترجمانا، كما عمل وشارك في المعارك (١). ومن الواضح أن المدرسة النورمالية كانت في ذهن الفرنسيين مشتلة للاندماج الحضاري والدعاية، رغم أنها كانت قائمة على التفريق العنصري في برنامجها واختيار تلاميذها، كما لاحظنا. البرنامج والميزانية تحدثنا حتى الآن عن برامج وتمويل المدارس الرسمية الثلاث، والمعاهد، ومدرسة ترشيح المعلمين، داخل كل وحدة. ونريد الآن أن نتحدث عن برنامج وتمويل التعليم العام (ابتدائي وغيره) الموجه للأطفال الجزائريين. بالإضافة إلى المواد المقررة في مدرسة ترشيح المعلمين. فمنذ البداية كان هدف البرامج التعليمية الفرنسية هو فرنسة الإنسان الجزائري وسلخه عن ماضيه وإدخاله، إذا أمكن، في الهوية الفرنسية أو يظل على جهله الكامل. وكان الفرنسيون لا يخفون ذلك لا في تصريحاتهم ولا في تقارير لجانهم ومسؤوليهم. ولذلك فإنه بعد الإهمال المقصود لتعليم

стр. 1382

الجزائريين مدة العشرين سنة الأولى من الاحتلال قرروا إنشاء بعض المدارس التي تهدف إلى ما ذكرنا دون مواربة. وهي المدارس الابتدائية الست الأولى سنة ١٨٥٠. ورغم التظاهر بوجود مادة حفظ القرآن فيها والعربية الدارجة فإن البرنامج الحقيقي كان فرنسيا، فالتلميذ عليه أن يدرس اللغة الفرنسية دراسة مباشرة بطريقة ذلك الوقت، أي بالعين والأذن، ثم يتعلم الحساب والتاريخ الفرنسي والجغرافية والتاريخ الطبيعي ومبادئ الزراعة، والأخلاق، والموازيين والمكاييل الفرنسية وطبقا للنظام الفرنسي. ويضاف للبنات أشغال الإبرة. فالمنهج كان فرنسيا وطبقا لما يجري في مدارس فرنسا نفسها، عدا مادة القرآن والعربية الدارجة الموكولتين إلى معاون مسلم. وللتمويه أنشئت لجنة لمراقبة المدرسة فيها المفتي أو القاضي (١). وقد استعمل الفرنسيون ما أسموه بالطريقة الجديدة في تعلم اللغة وهو تلقينها إلى الطفل دون واسطة لغة الأم. واستغلوا ذلك في تعليم الفرنسية لأبناء الجزائر بدون واسطة العربية، وقالوا إن تلك هي الطريقة الطبيعية، وهي الأسرع والأعدل، حسب تعبير دوقا (٢). وفي وقت لاحق نادي مارسيه بضرورة مراعاة بيئة الطفل وحضارته والجغرافية المحلية والحياة الاجتماعية والاقتصادية للسكان عند تعليم الأطفال الجزائريين. ولكن المناداة باستعمال الفرنسية المباشرة كانت هي الأقوى. وبين ١٨٨٧ - ١٨٩٢ جرى درس المناهج والبرامج مجددا في ضوء الحماس للفرنسة الذي جاءت به الجمهورية الثالثة. وقد عالج نص سنة ١٨٨٧ هذه النقطة. وهو النص الصادر عن لجنة تعرف بلجنة قسنطينة، لأن مقرها كان في هذه المدينة، وكان هدفها هو (وضع خطة الدراسات والبرامج للتعليم الابتدائي الأهلي في الجزائر) كما جاء في عنوان عملها. ويعتبرها الفرنسيون لجنة ذات قيمة كبيرة. وكانت مهتمة بدراسة أوضاع جميع

стр. 1383

المدارس العمومية الأهلية دون التمييز بينها، بلدية أو غير بلدية، تابعة لبلدية أهلية أو غيرها حسب مصطلحات ذلك الوقت في المدارس الأهلية. وقد أقرت اللجنة ضرورة الإبقاء على المواد المبرمجة في المدرسة الابتدائية الفرنسية في فرنسا، ولكنها اقترحت إدخال مادة تاريخ وجغرافية الجزائر. واهتمت بتجديد المناهج وإعطائها طابعا نفعيا وتطبيقيا مع اعترافها أنها كانت مناهج حية وفعالة ونشيطة! وأوصت بالابتعاد عن كل تعليم تجريدي. فالزراعة مثلا يجب أن تصبح تطبيقية من البداية. وبينما يتعلم الطفل الفرنسي الإملاء في اللغة الفرنسية يتعلم الطفل الجزائري هذه اللغة لذاتها، والمفردات التي تتألف منها، وتشكيل الكلمات في جمل وحروف وروابط، لأن المقصود ليس فهم الفرنسية فقط ولكن كيفية استعمالها الجاري. ومن ثمة فإن اللجنة أبقت على هذا المبدأ غير الجديد في الواقع، وهو أن (المكانة الرئيسية في تعليم الأهالي بقيت للغة الفرنسية)، ويجب أن توظف جميع الدروس الأخرى لتعليم الفرنسية ونشرها، فهي في الجغرافية وفي الحساب وفي الرسم والأشغال اليدوية، فكل درس في أية مادة يجب أن يعلم المفردات ويعلم التعبير أيضا. من هذا المنطلق انطلق التعليم الأهلي في تصور خبراء الفرنسية الجدد. وكان على اللغة العربية (الدارجة) أن تترك الطريق لهذه الموجة العاتية من العلم اللغوي والتسلط الاستعماري. وما زادت اللجنة المعتبرة، في الواقع على أن بلورت ما كان مضببا ولخصت ما كان مشتتا. وعلى عقول الأطفال الجزائريين أن تتكيف حسب الرغبة الفرنسية في إنشاء جيل ممسوخ. وقد بقيت توصيات هذه اللجنة محترمة حتى بعد صدور مراسيم جديدة تخص التعليم خلال ١٨٩٢ - ١٨٩٨. ويعتبر جان ميرانت خطة هذه اللجنة مرحلة هامة من تاريخ توجيه التعليم الأهلي، وهو يقول عنها إنها: (خطة تمثل التقدم الأكثر حسما وهو الذي بدأ وتحقق منذ ١٨٣٠) (١).

стр. 1384

إن هذه الفترة (١٨٨٢ - ١٨٩٢) كانت فترة صدور القرارات والمراسيم والتصورات التي لم تأخذ مجراها الحقيقي وتبدأ نتائجها في الظهور إلا حوالي مدار القرن. وقد سبق لنا ذكر مراسيم وإجراءات وزارة جول فيري وزيارة اللجنة التي أرسلتها وتوصياتها خلال الثمانينات (١). ويهمنا هنا ونحن بصدد الحديث عن المناهج أن مرسوم ١٣ فبراير ١٨٨٣ قد أشار إلى عدة ركائز في المدرسة الفرنسية بالجزائر، كأفكار وتصورات. أما إنجازها فذلك مسألة أخرى. من تلك الأفكار والتصورات: إلزامية البلديات بفتح مدرسة واحدة فيها على الأقل، ولكن البلديات لم تمتثل كلها لذلك. والمفروض أن المدرسة البلدية تستقبل التلاميذ الأوروبيين في أقسام عادية، والتلاميذ (الأهالي) في ملحقات خاصة بهم. كما اعترف المرسوم بمجانية التعليم وإلزاميته عمليا للأوروبيين ونظريا فقط للجزائريين. وتسمت البلديات بالنسبة للتعليم بلديات كاملة أو مختلطة أو أهلية. وفي النوعين الأولين يذهب التلاميذ الأهالي إلى المدرسة الأوروبية نفسها إذا لم تكن لهم مدرسة خاصة بهم، والدراسة هنا طبعا بالفرنسية، أما في البلديات الأهلية، وهي الغالبة، فالتعليم بالعربية الدارجة والفرنسية في مدارس تسمى (خاصة) speciales بالأهالي. ونص المرسوم أيضا على ضمان حرية الضمير في المدرسة، وقد فسر بعضهم ذلك بأنه يعني اللائكية أو عدم إخضاع التعليم للدين. أما بالنسبة للكتب الخاصة بالتعليم الأهلي فستفتح بشأنها مسابقة ويقرر منها الأفضل الذي يتماشى مع الفرنسة ونظرية الجمهورية الثالثة في المستعمرات. أما شهادة التخرج فقد نص على أنها ستسمى بالدبلوم الخاص أو (شهادة الدراسات الأهلية). وقد شمل المرسوم أيضا إحداث وظائف مؤقتة للمفتشين الابتدائيين المكلفين بالمدارس الأهلية على أن يكونوا تحت إشراف مدير التعليم، الذي له صلاحية تسمية المعلمين الابتدائيين وكذلك مدراء المدارس الأهلية المسماة بالرئيسية (٢) (principales).

стр. 1385

وإذا كان مرسوم ١٨٨٣ قد جاء مقيدا، فإن مرسوم ١٨٨٧ قد أطلق هذه القيود في عدة مظاهر. من ذلك عدم تحديد نوعية البلدية (كاملة أو مختلطة أو أهلية) فالمرسوم الجديد تحدث عن التعليم العمومي للأهالي في الجزائر كلها دون تحديد المكان، كما أن مرسوم ١٨٨٧ جعل وظائف المفتشين المذكورين وظائف دائمة وليست مؤقتة. ومن جهة أخرى تدخل المرسوم الجديد حتى في تعليم القرآن وتعليم الزوايا. ولم يهمل موضوع التعليم المهني. ومع ذلك فإنه ظل مرسوما نظريا أيضا لأن البلديات لم تلتزم بتخصيص المال لبناء المدارس للأهالي، ولذلك حدث ما يسمونه (بالنكسة) في التعليم. وقد ظل الأمر كذلك إلى مجيء لجنة مجلس الشيوخ ١٨٩٢. ودون إلغاء مرسوم ١٨٨٧ جاء مرسوم ١٨٩٢ لتنظيم عدة مسائل تتعلق بالمدرسة الأهلية ذات التصور الفرنسي الجديد، مثل شروط إنشاء المدارس والتسيير واللجان التعليمية والرواتب وترقية المعلمين والتصنيف، وبرامج تعليم البنين والبنات، والتفتيش وما إلى ذلك. وقد لاحظ ميرانت أن لجنة قسنطينة (١٨٨٧) قد ركزت على المنهج التعليمي، أما مرسوم ١٨٩٢ فقد ركز على التنظيم. ومعنى ذلك أن المرسوم جاء مكملا ومنظما لتصورات لجنة قسنطينة (١). والتعليم بناء على مرسوم ١٨٩٢ ينقسم إلى أطوار: تحضيري وابتدائي ومتوسط، وينتهي (بشهادة الدراسات الخاصة بالأهالي). وأعمار التلاميذ تتراوح بين السادسة والثالثة عشر في العادة. ومواد الدراسة هي اللغة الفرنسية التي تأخذ المكانة الأولى - كما أوصت لجنة قسنطينة وكما كانت دائما منذ الاحتلال. فهي تستأثر بثلاثة أرباع الوقت، أو ١٥ ساعة أسبوعيا. وللتلاميذ الأهالي كتاب خاص بالقراءة ليس هو بالطبع كتاب الطفل الفرنسي. ثم يدرس التلاميذ الحساب والرسم والأشكال الهندسية. وللعربية الدارجة ساعتان ونصف فقط أسبوعيا في كل طور من الأطوار الثلاثة المذكورة. وبالأضافة إلى ذلك هناك الأعمال اليدوية والزراعية التطبيقية، ثم

стр. 1386

المعارف العامة كالصحة والاقتصاد المنزلي ومبادئ العلوم، وكذلك التربية الأخلاقية، والتاريخ والجغرافية، والإدارة (١). وهناك نقاط في برنامج سنة ١٨٩٨ جديرة بالتوقف قليلا لأنها داخلة فيما سمي بالتوجيه والأيديولوجية الفرنسية عندئذ. إن الهدف كما ذكرنا هو نشر اللغة الفرنسية وسط الأهالي وإخضاع كل أنواع التعليم الأخرى إلى هذه اللغة باعتبارها وسيلة اتصال للجزائريين مع الفرنسيين بعد خروجهم من المدرسة. وقد جاء في البرنامج أنه من السطحية القول بأنه ليس من مهمة التعليم الابتدائي الأهلي جعل الأهالي يتذوقون الأدب الفرنسي والثراء العلمي للغة الفرنسية، أو الخصوصيات الصناعية والتجارية لها، أو حتى المعارف النحوية. إننا نكرر أن الهدف من تعليمها لهم هو جعلهم قادرين على التعبير بها فقط عن بعض المعارف العامة وبعض الأفكار ذات المعنى العملي أو التربوي، وتكوين الطفل الجزائري بهذه الطريقة ليس للوظيف العام ولكن للعمل في الحقول أو الورشات، وهذا التعلم يجب أن يعطى له بالفرنسية ليحس بالتقدم وما قامت به فرنسا من أجل الجزائر ومن ثمة يقترب من الفرنسيين. أما بالنسبة لمادة التربية الأخلاقية فقد جاء في البرنامج أن المقصود منها ليس تعليم الأطفال تعليما مجردا ولكن تعليم الأخلاق أيضا. وانطلاقا من أن المعلمين الفرنسيين قد تعلموا احترام القناعات الدينية للجزائريين، وأن هؤلاء المعلمين قد تعلموا أنه يمكن للجزائريين أن يكونوا أحسن المتعاونين مع الفرنسيين مع بقائهم على إسلامهم، فإنه لا يسمح للمعلم الفرنسي أبدا أن ينتقد تعاليم القرآن. وعليه أن يعامل الدين كشيء خاص ومقدس كالضمير. والمعلمون الفرنسيون لا يجهلون أن فكرة الإله موجودة في الأديان وفي معظم الفلسفات. وفي هذا الموضوع يمكن للمعلم أن يتحدث

стр. 1387

مع التلاميذ. إن فكرة الأخلاق في نظر البرنامج الفرنسي مبنية على فكرة الإله. وعليه يمكن للمعلمين أن يبينوا للتلاميذ أن الحقائق الأخلاقية موجودة في القرآن والإنجيل، وكذلك لدى الأخلاقيين القدماء والمحدثين. وهم جميعا يوصون بنفس الشيء في أغلب الأحيان ويدعون إلى تجنب نفس الأخطاء أيضا. وهذا التحليل يتماشى في الواقع مع الأفكار الماسونية التي كانت وراء الثورة الفرنسية. وكان الحكام العامون في الجزائر وعدد من المسؤولين أعضاء في المحافل الماسونية. والغريب أن البرنامج يخلط بين التربية الأخلاقية والتربية السياسية. وهو يدخل الولاء لفرنسا ضمن هذه التربية. فإذا كانت حقائق الأخلاق موجودة في كتب الأديان وفي الفلسفات فأين حقائق الولاء لفرنسا في هذه؟ فقد جاء في البرنامج التنصيص على توجيه التلاميذ نحو طاعة الوالدين واحترام المعلم. وهذا واضح ومعقول. ولكن تعليمهم وتعليم ذويهم الواجبات نحو فرنسا مقابل حمايتهم وتوفير العدل لهم وحفظ السلام والمصالح العامة، وكون فرنسا فعلت الخير نحوهم لأنها علمتهم ومدنتهم. كما نص البرنامج على تعليم الطفل طاعة واحترام من يحكم ويسير البلاد باسم فرنسا، بل واحترام العلم المثلث والجيش الفرنسي، وكذلك احترام القانون والسلطات على أنه شعار كل أمة متحضرة، (ويجب الإلحاح على هذه الحقيقة الأساسية بالخصوص)، وكذلك (الإلحاح على ضرورة دفع الضريبة، وعدم ارتكاب الغش) (١). ولا تخلو المواد الأخرى أيضا من فلسفة عند البعض. بالنسبة للعربية يرى بول بيرنار، مدير مدرسة ترشيح المعلمين، أن تعليمها جاء استجابة للمطالب المتجددة من الجزائريين، ثم أن العربية هي لغة التجارة في نظره. ولكنه أكد على أنه يعني اللهجة الدارجة فقط. فهل طالب الجزائريون بالعربية

стр. 1388

الدارجة أو بالمكتوبة؟ إن العرائض كانت تطالب باللغة العربية المكتوبة، لغة التعليم والقراءة والكتابة والعلم والبحث. أما الدارجة فلا تفيد إلا المستشرقين والتجار الفرنسيين، وقد انتقد بعض علماء الفرنسيين أنفسهم تعليم الدارجة إذ لا طائل من ورائها، ذلك أن اللغة المكتوبة هي لغة التراث والقرآن والتجارة أيضا - وهم يقصدون بالتجارة الاتصال بالبلاد العربية والإسلامية عن طريقها. ولكن أيديولوجية القضاء على اللغة العربية لتعيش الفرنسية هي التي كانت تملي اختيار اللغة الدارجة التي رفضها الجزائريون من التعليم على كل حال. أما في الحساب فقد ظهرت مقدرة الطفل الجزائري على الحساب العقلي والكتابي، وكان الأطفال يتعلمون النظام الفرنسي في المقاييس والمكاييل. والمادة التي تعالج المعارف العامة عن فرنسا والجزائر لا يأخذها إلا التلاميذ الاكثر تقدما في السن، إنها مبادئ عامة بالصور والحكايات، وليس تاريخا بمعنى الكلمة. فتاريخ فرنسا كان يقدم للتلاميذ ممزوجا بالإنتاج الحضاري وبفكرة التقدم والحرية والعدالة (؟) وما فعلته فرنسا من خير للجزائر، (هذا بالطبع إذا كان المعلم فرنسيا في بداية القرن العشرين)، أما بالنسبة لمادة الفلاحة فيمكن للجزائريين تحسين فلاحتهم وتعلم طرق المحاسبة والحالة المدنية ووظيفة البريد وغيرها مما سمي بالمعارف العامة. وأما بالنسبة لتعليم البنات فيقع التركيز على صناعة الزرابي والطرز العربي (١)، فالبرنامج الفرنسي للجزائريين كان يتلخص في فرنسة اللسان والعقل واستغلال الأيدي والأبدان لصالح السلطة الفرنسية، وليس في البرنامج ما يدل على تكوين الإنسان والمواطن الصالح في ثقافته من أجل قومه وبلاده. أما المواد المقررة في مدرسة ترشيح المعلمين (النورمال) فهي: بيدا غوجية (منهجية) المدرسة الأهلية، والزراعة، والأعمال اليدوية، واللغة العربية والبربرية، والطب الشائع. والهدف هو تخريج معلم فرنسي للمدارس الأهلية

стр. 1389

قادر على التعليم وعلى المداواة، لأن عمله الطبي يقربه من الأهالي، ويساعده على إزالة الشك والعداء المتأصل فيهم نحو الفرنسية (كذا). وتوجد مدرسة للتدريب قريبة من مدرسة النورمال وحقول شاسعة للتطبيق الفلاحي وعدة ورشات. ويعمل البرنامج على إعطاء المعلمين الفرنسيين مدخلا ضروريا لحياة الجزائريين ولغتهم ولهجاتهم وعاداتهم وتقاليدهم، فالتغيير الاجتماعي المنتظر على أيديهم يتطلب أولا معرفة المجتمع نفسه، كما يقول بول بيرنار. وقد عمل الحاكم العام شارل جونار على فتح دروس في التمريض أيضا وكذلك في الطب العام في مستشفى مصطفى باشا وفي غيره ليتدرب المعلم الفرنسي على مختلف الأمراض المنتشرة في الريف وطرق علاجها (١). ومن رأى مارسيه أن البرنامج الفرنسي للمدارس الأهلية لا يلبي حاجة الطفل ولا يسير مع روح التربية. وقد ذكر من ذلك النقاط التي علقنا عليها، وهي تعليم العربية الدارجة على يد معلم فرنسي، وقضية الأخلاق والدين، ومسألة التاريخ والسلام (Pax) الفرنسي والروماني. ومن الملاحظات التي أبداها مارسيه لتوجيه التعليم نذكر ضرورة الأخذ في الاعتبار حضارة الطفل والبيئة الجغرافية والاجتماعية والحياة الاقتصادية للسكان والجو الفرنسي العام في الجزائر. وضرب لذلك مثلا بحياة المدن والإعلانات واللغة الفرنسية. ونادى بأن يحاول التعليم القضاء على الأحكام المسبقة وأن يقرب الأهالي من الفرنسيين وأن يعرفهم بالأفكار الفرنسية. وبالإضافة إلى ذلك ربط مارسيه بين التعليم والمعيشة، فقال بضرورة تحسين الوضع الاقتصادي للجزائري لأنه لا يمكن القضاء على الجهل مع بقاء الفقر، لذلك نادى بأن يكون إلى جانب التعليم العام تعليم آخر مهني وفلاحي مختلف (٢).

стр. 1390

إن الثغرة الكبيرة في ميدان التعليم المسمى بالأهلي هي تخلي الحكومة الفرنسية عن تمويله ومنح تلك المسؤولية إلى سلطة البلديات. والمعروف أن الكولون والعناصر المعادية لتعليم الجزائريين هم الذين سيطروا على البلديات. ورغم أن ميزانية الدولة الفرنسية هي التي استوعبت أموال الأوقاف المخصصة في جزء كبير منها إلى التعليم، فإنها لم ترصد ميزانية قارة وهامة منها لهذا التعليم وإنما استوعبت أموال الأوقاف الإسلامية في أغراض أخرى غير إسلامية، ومنها تعليم الفرنسيين أنفسهم، والاكتفاء بتخصيص (معونة) سنوية تقدمها لميزانية الجزائر لتصرف في شكل مساعدات خيرية وليس بالضرورة عن التعليم. وبناء على القوانين الفرنسية فإن التعليم الفرنسي كان منذ ١٨٤٨ يتبع وزارة المعارف (التربية والتعليم) أما التعليم الجزائري فظل يتبع وزارة الحرب التي يمثلها الحاكم العام. وبقي الصراع على أشده بين العسكريين والمدنيين الفرنسيين إلى ١٨٧٠ حين تغلب المدنيون واستولوا على مقاليد الإدارة، وأبعدوا العسكريين إلى الأماكن النائية فقط والتي سميت بالمناطق العسكرية. وسيطر الكولون وممثلوهم على ميزانية الجزائر فوجهوها لصالح أبنائهم وأنشأوا لهم المدارس المخصصة لكل مرحلة تعليمية، من الابتدائي إلى الجامعي، وازدهر التعليم الفرنسي في الجزائر كما عرفنا، بينما ظل التعليم على اضطرابه وتدهوره بالنسبة للجزائريين لعدم وجود ميزانية. لقد كان الجزائريون هم الذين يدفعون الكثير لميزانية فرنسا ولا يجنون إلا القليل. وفي سنة ١٨٨٦ قدرت الضرائب التي يدفعونهاب ٦.٣٠٠.٠٠٠

стр. 1391

فرنك. وهي تزداد كل سنة، وكانت بالطبع توضع في خزينة الدولة الفرنسية التي كانت ممثلة في خزينتي الولاية والبلدية. فماذا خصصت هاتان الخزينتان لميزانية التعليم؟ لقد قدره السيد لويس فينيون بـ ٧٩.٠٠٠ فرنك فقط، وقد لاحظ في نفس الوقت مدى الفرق بين المدفوع والمصروف، وأظهر أن هناك تضحية كبيرة من جانب الأهالي، ولكن بدون تعويض. وطالب بما أسماه بعمل عادل في الموضوع رغم أنه كان ضدهم سياسيا وحتى عنصريا. كما حذر من أن الجزائريين يرسلون أولادهم إلى الزوايا التي كانت تعلم في نظره القرآن والكراهية للاحتلال الفرنسي، ومن رأيه أن المتخرجين سيصبحون عندئذ أنصارا للطرق الصوفية. وطالب بضرورة تعليمهم الفرنسية وتخصيص ميزانية للتعليم تقدرب ٢١٩.٠٠٠ فرنك لسنة ١٨٨٧. ومن رأيه أنه كان على الجزائريين جميعا أن يتكلموا الفرنسية كما يتكلمها الفلاحون الفرنسيون (١). لقد نصت ميزانية وزارة التعليم سنة ١٨٨٦ على تخصيص مبلغ ٤٥.٠٠٠ ف لتقديمه (معونة) لبلديات الجزائر لتشجيع التعليم الابتدائي عند الأهالي. ووافقت (بعض) البلديات في نفس الوقت على تغطية مصاريف التعليم مؤقتا. ومن نتيجة ذلك بناء ١٩ مدرسة أهلية (قسما؟) وقد بلغ الصرف عليها ٣٤.٠٠٠ ف. وبذلك يصبح مجموع الصرف هو ٧٢، ٠٠ ٧٢ ف. ومن جهة أخرى طلبت الحكومة من البرلمان رفع المعونة (وهي ٤٥.٠٠٠ ف) إلى ٢١٩.٠٠٠ ف. لتوجيهها إلى التعليم الأهلي، وقد تحصلت فعلا على المبلغ (٢). ولكن البلديات الأخرى رفضت تخصيص المبلغ المالي السنوي للمدارس الأهلية تحت عدة دعاوى، منها أن لدى الأهالي عددا كبيرا من المدارس القرآنية (الكتاتيب) وهذا يكفيهم، ومنها أن

стр. 1392

الأهالي غير قابلين للتعلم وأن المدارس تظل فارغة، وكان أعداء تعليم الأهالي يسمونها (بالقصور الخاوية). وفي أحسن الأحوال تقول تلك البلديات أنها لا تملك المال. والواقع أن هناك نوعين من الميزانية في ميدان التعليم عندئذ: ميزانية الموظفين وهذه كانت تتولاها الدولة، ولا نزاع بشأنها عادة، ثم أصبحت تتولاها ميزانية الجزائر منذ ١٩٥٥. ثم ميزانية بناء المدارس أو تجديدها وصيانتها، وهذه هي محل النزاع الكبير. فالميزانية الأخيرة كانت تأتي من البلديات كما ذكرنا. ثم تأتي الدولة لمساعدتها بالمعونة المشار إليها أو القرض الذي قيل إنه يتراوح بين ٤٠% و ٨٠% من المصاريف الكاملة. ورغم أن القرض وصل أحيانا إلى ٩٠% فإن البلديات كانت تغض النظر عن كل مطالبة ببناء المدارس أو توفيرها للأهالي رغم أن بعض البلديات كانت تملك بالإضافة إلى الضرائب الأهلية، أملاكا وقفية إسلامية تسلمتها من الدولة الفرنسية نفسها، وكان لهذه الأملاك الوقفية مداخيلها المالية للبلدية. وكانت المطالبة بإنشاء المدارس، كما يقول مارسيه، تأتي من الإدارة العليا (الحكومة العامة) في الجزائر (١)، ومن الجزائريين أنفسهم. ولكن من المسؤول على تعليم الأهالي: الدولة أو ممثلها أو البلدية؟ إن الأصابع تشير دائما إلى الدولة صاحبة السيادة على الجزائر والغائبة عن واجبها في هذا المجال. لقد بح صوت الجزائريين من المطالبة بإسماع أصواتهم إلى (الجهات العليا) الفرنسية بالنسبة للتعليم وغيره. وقدموا العرائض فظلت في الأدراج، ورفعوا الشكاوى والاحتجاجات فبقيت في سلال المكاتب العربية والبلدية. وجاءت لجنة فيرى وحققت في عدة قضايا وأصدرت توصياتها. وظهر (الفاهمون) للموضوع أمثال جونار وكامبون، ولكنهم غرقوا في (اللوبي) الكولوني، بينما أصوات النواب الاستعماريين كانت تجلجل من على منصة البرلمان الفرنسي. وطالب بعض الجزائريين

стр. 1393

بالتمثيل السياسي لإسماع صوتهم فلم يستمع أحد إلى مطالبهم. وظلت قضية ميزانية التعليم جزئية من بين القضايا الكبرى التي كان يعاني منها الجزائريون لتتخلى الدولة الفرنسية عنها، تاركة الحبل على الغارب. ولم يتغير هذا الوضع إلا بعد الحرب العالمية الأولى. وقد صدق جورج مارسيه عندما قال سنة ١٩٠٨ إن ترك البلديات تقرر مصير التعليم للأهالي منتقذ بأن الحكومة العامة، وهي التي تمثل الدولة الفرنسية، قد ظلت غريبة عن تعليم الأهالي وتكوينهم المعنوي والعقلي. ولهذا كاد تعليمهم أن يكون مستقلا عن الحكومة العامة (١). إن الميزانية التى أعدها جونار سنة ١٨٩٣ قد تضمنت مخصصات التعليم الأهلي وهي: ٦٢٢.٨٥٠ فرنك، موزعة على المنح الدراسية في الثانويات: ٥٠.٠٠٠ ف والصرف على أوجه التعليم الابتدائي الأهلي: ٦٢١.٠٠٠ ف، وللمدارس الشرعية - الثلاث، والمنح التابعة لها: ٥١، ٨٥٠ ف. وكان مقررا حسب برنامج ١٨٩٢ بناء من ٦٠ إلى ٨٠ قسما (فصلا) دراسيا كل سنة، ويعني ذلك زيادة ميزانية التعليم الابتدائي سنويا إلى حوالي ١٥٠.٠٠٠ ف. للموظفين، وحوالي ٤٠٠.٠٠٠ ف. لبناء المدارس. لكن لأسباب مختلفة، كما قال مارسيه، لم تتواصل هذه الخطوة، بحيث كانت ميزانية بناء المدارس ٢٦٥.٠٠٠ ف. فقط بين سنوات ١٨٩٥ و ١٨٩٩، ثم انخفضت إلى ٢١٥.٠٠٠ فقط سنة ١٩٥٥. وأثناء منح القروض (١٨٩٢ - ١٨٩٤) بنيت مدارس ابتدائية في مدن وهران والجزائر وقسنطينة وعنابة وفي البلديات المختلطة بمنطقة زواوة، وهي المنطقة التي اقترح لوبورجوا التركيز عليها خلال الثمانينات (٢). لكن القرض انخفض كما لاحظنا من ٤٠٠.٠٠٠ ف إلى ٢١٥.٠٠٠ ف. ويمثل تاريخ ١٩٥٥ نشأة

стр. 1394

مجلس النيابة المالية (الوفود المالية). وهذا المجلس، الذي كان يسيطر عليه الكولون، هو الذي تردد في رصد ميزانية للتعليم الأهلي، بل عارضه بعض أعضائه بصراحة. ولذلك أصيب التعليم بنكسة قوية. وظل الأمر كذلك إلى ١٩٠٨ حين اقترح جونار بناء ٦٠ فصلا سنويا للتعليم الأهلي، وهي المدارس (الأقسام) التي سميت مدارس بورخيص أو (القوربي) كما سبق. وقد ارتفع القرض إلى ٣٤٠.٠٠٠ ولكنه لم يصل إلى المبلغ الذي حدد منذ ١٨٩٢. وفي ١٩٠٩ بلغ القرض ٥٤٠.٠٠٠ ف. لكن برنامج جونار لم ينجز كما خطط له. وقد انتكس التعليم من جديد طيلة الحرب العالمية. ولكنه انتعش منذ العشرينات، ورصدت له ميزانية بلغت ١٣.٤٥٨، ٥٥ ف. لسنة ١٩٢٤. وأضيف إليها حوالي خمسة ملايين فرنك لبناءات مدرسية جديدة أو إصلاح المتداعي منها. وقد ذكرنا أنه في سنة ١٩٣٧ بلغت ميزانية التعليم الأهلي حوالي ٣٥.٠٠٠.٠٠٠ ف. وكانت تقدم في شكل معونة (١). وذلك في فترة حكومة الجبهة الشعبية ومطالب الجزائريين الملحة بالتعليم من خلال الصحف والنيابات وكذلك من خلال المؤتمر الإسلامي الجزائري، الذي انعقد سنة ١٩٣٦. وكان للحركة الإصلاحية منافسة شديدة في ميدان التعليم مع المدارس الرسمية. التعليم المهني ليس من غرض هذا الفصل الخاص بالتعليم أن ندرس فيه التعليم المهني لأن هذا التعليم أو التكوين المهني، خارج عن نطاق اهتمامنا، سواء تعلق الأمر فيه بالفرنسيين أو الجزائريين. وإنما نريد أن نبدي بعض الملاحظات المتعلقة بتوجيه التعليم المهني الخاص بالأهالي. والملاحظة الأولى هي أن

стр. 1395

التعليم عموما كان موجها لتخريج جزائريين (عاملين) في المصالح الفرنسية كالجندية والزراعة والمصانع. وقد أشرنا إلى ذلك من قبل. فقد كرر المسؤولون الفرنسيون أن غرضهم ليس تثقيف الجزائري وجعله مكتسبا للمعارف النظرية والعملية، وإنما غرضهم إذا فتحوا له قسما خاصا في مدرسة فرنسية أو أنشأوا له ورشة هو أن يجعلوا منه خادما صالحا أو فلاحا متعلما قليلا أو معلما في مدرسة ابتدائية يظل طول حياته (معاونا) أو ممرنا لأنه ليس مواطنا وإنما هو رعية. أما الملاحظة الثانية فهي نشر ذلك النصيب القليل من التعليم باللغة الفرنسية البسيطة. ونقول (البسيطة) لأن المسؤولين الفرنسيين طالما كرروا أن غرضهم ليس جعل الجزائري يتذوق جمال اللغة أو يتمتع بأدبها ومعارفها وإنما غرضهم هو أن يجبروه على النطق بها والتعبير عن شؤون حياته والاتصال عن طريقها بالمستعمرين والإدارة الفرنسية. وبتعبير صريح فالغرض من تعليمها له هو أن تحل هي على لسانه وذهنه محل اللغة العربية فيتشوش ذهنه ويضطرب لسانه، ويبتعد عن تراثه، سيما وأن العربية التي تعطى له في المدرسة مع الفرنسية هي الدارجة، ومن ثمة لا يكون له اتصال كتابي مع لغة القرآن وفهم تراكيبها ومعانيها. والملاحظة الثالثة هي التمييز بين الجزائريين والفرنسيين تمييزا عنصريا واضحا. فالتلاميذ الجزائريون لا يجلسون إلى جانب التلاميذ الفرنسيين ولا يتلقون نفس التعليم ولا يخضعون لنفس شروط الدخول والمسابقات ولا يحصلون على نفس الشهادات. وبالطبع لا يتولون نفس الوظائف. إن الجزائري في نظر الفرنسيين من سلالة منحطة، من مظاهرها التخلف العقلي والكسل والقذارة. ولا يليق بالفرنسي (الممتاز) والمتمدن وصاحب المواهب أن يجلس أو يخالط أو يتعلم مع إنسان أدنى منه. وقد شاعت هذه الفكرة خلال القرن الماضي وأوائل هذا القرن، ولم تأخذ في الاختفاء إلا بين الحربين، وهي في الواقع لم تختف. ومن أسباب التخفيف منها ظهور النظرية العرقية النازية فهي التي جعلت الفرنسيين يتظاهرون بأنهم

стр. 1396

إنسانيون وديموقراطيون من دعاة المساواة بين الشعوب. والمثل يقول: رب ضارة نافعة. حين أسس الفرنسيون مدرسة الطب سنة ١٨٥٧ كان من أهدافها تخريج بعض الجزائريين في التمريض والتطبيب المحلي والمعالجة حسب الأمراض المنتشرة في الجزائر. وسموا هؤلاء احتياطيين يدفعون بهم إلى الأرياف بدل الفرنسيين، للاتصال بالأهالي والتغلب على بعض الأمراض واتباع أساليب الصحة هناك. ولكن ندرة المتخرجين من هذه المدرسة جعلت الفكرة في حد ذاتها مجرد خيال. فبعد أكثر من عشر سنوات على إنشائها لم يتخرج منها سوى ثلاثة من الجزائريين نال أحدهم شهادة طبيب ضابط في الصحة، ونال زميله شهادة صيدلي أو مركب أدوية من الدرجة الثانية. ولا نعرف شيئا عن اختصاص الثالث. وقد أخبرت جريدة المبشر أنه ليس في المدرسة الطبية سنة ١٨٦٩ سوى ثلاثة من المسلمين .. وذكرنا أن المعهد (الكوليج) العربي - الفرنسي لم يخرج سنة ١٨٦٩ (تأسس سنة ١٨٥٧ أيضا) سوى ١٦ تلميذا تفرقوا على المدارس العسكرية والبيطرة، أما مدرسة ترشيح المعلمين التي تأسست سنة ١٨٦٥ فلم يتخرج منها سنة ١٨٦٩ سوى جزائريين اثنين (١). وفي نفس الفترة تأسست مدرسة البحرية وأعلن أنها ستقبل بعض الجزائريين أيضا لأن هؤلاء أثبتوا في (عهد القرصنة) قدرتهم على ركوب البحر. وكان هدف الفرنسيين من السماح لهم بدخولها هو الاستفادة منهم في ميدان التجارة البحرية، كما يستفيدون منهم في الميادين العسكرية. ومن جهة أخرى الاستفادة منهم في عمليات النشاط البحري في المدن الجزائرية. وحين أنشئت المدرسة كانت عبارة عن بارجة راسية في ميناء الجزائر، وكان بها حوالي ستين تلميذا بين ١٢ - ١٥ سنة، وقد جيء بهم من الولايات الثلاث عندئذ. وبعد قضاء سنتين بالمدرسة يأخذون في التدريب على العمل بالسفن، وأثناء ذلك كانوا يوقعون عقدا للعمل ثلاث سنوات، على أن تتطور

стр. 1397

علاقتهم بعد ذك بالملاحة البحرية (١). هذا هو المشروع الذي كان المارشال راندون، الحاكم العام، قد تبناه. لقد أنشئت فعلا عدة مدارس وورشات للتأهيل، بعضها كان خاصا بالجزائريين ويجري في أقسام خاصة أيضا. ومن ذلك المدرسة المهنية في عين الحمام بزواوة، حوالي ١٨٨١، وعدة منشآت أخرى للمساعدات الاجتماعية كانت تصب في نفس الفكرة، ومعظمها كانت تحت إشراف جمعية الآباء والأخوات البيض في مناطق محددة مثل ميزاب وزواوة. وافتتحت ورشات عديدة في المدن الرئيسية لتعليم البنات المسلمات أشغال الإبرة والنسيج والطرز وغير ذلك مما كان الأوروبيون في حاجة إليه، تحت شعار تجديد الفن الأهلي وإحياء بعض الفولكلور كالزرابي وصناعة الفخار وضرب الفضة وغيرها. وفي ١٨٩٦ تأسست بوهران مدرسة ضخمة للتكوين المهني. وكانت تجمع الفرنسيين والجزائريين تحت سقف واحد، ولكن برنامج كل فريق كان مختلفا عن الآخر. وكانت هذه المدرسة تعلم مختلف المهن كالحدادة والنجارة والطرز والنحت والنسيج، وقد توفرت على آلات دقيقة وحديثة. وكانت تجمع البنين والبنات (٢). وفي نفس الفترة كتب ريكار P.Ricard بحثا عن برامج مدارس التكوين المهني في الجزائر. وكان ذلك في زمن الحاكم العام شارل جونار الذي اجتهد في إحياء التراث الشعبي واهتم بالتعليم عموما. وبناء على مقالة ريكار فإن التعليم المهني كان يتكون من ثلاث نقاط وهي: دروس موجهة للعمل العادي، كصناعة الخشب والحديد ودبغ الجلود وصناعة الفخار، وأعمال البناء، والبناء بالحجر، ثم دروس موجهة لخدمة وبعث الصناعات الشعبية، كالرسم على الخشب والطرز والخزف، وألوان النجارة، أما الدروس الثالثة فكانت موجهة للفنون النسائية مثل التعليم المنزلي (الغسيل، والكي،

стр. 1398

والخياطة، والطباخة) ثم أعمال التريكو والطرز ونسج الزرابي. وهناك مدارس كانوا يسمونها أساسية لهذه الدروس، وهي موزعة على وهران ومستغانم وتلمسان وقسنطينة. وبناء على دراسة السيد ريكار فإن التلاميذ الجزائريين في مدارس التكوين المهني قد بلغوا أكثر من ثلاثين ألفا (٢٩.٠٠٠ بنين و ٢، ٠٠٠ بنات). وهناك ملاحظة أبداها ريكار وهي أن البنات هن اللائي يتوجهن غالبا إلى التعليم المهني بعد التخرج. ولذلك خصص لهن البرنامج من ١٠ إلى ١٥ ساعة أسبوعيا. أما البنون فلهم معدل ساعة واحدة أسبوعيا. ويجب التذكير بأن هذا التكوين كان يتلقاه التلاميذ العاديون في التعليم العام. أما التعليم المهني فلا يناله سنة ١٩٠٧ سوى حوالي ٣٠٠ من البنين و ٤٠٠ من البنات (١). وقد عرفنا أن التعليم بمدرسة ترشيح المعلمين كان قائما أيضا على تعلم جميع المهن الشائعة. يقول جان ميرانت الخبير في الشؤون الأهلية، لقد نظمت مديرية التعليم بالجزائر سنة ١٩١٠ نماذج للمدرسة/ المزرعة في عدة مناطق، ذكر منها مازونة، وعمي موسى، وتاوريرت وابن شيكاو. وحيث يكون للمدرسة أرض يذهب التلاميذ لممارسة الأعمال الزراعية، فإذا تخرجوا منها يصبحون مهتمين بالأشجار المثمرة وبالعمل عموما، وبذلك يصبحون عمالا زراعيين ناجحين. إن الحديقة النموذجية في المدرسة لا يراها التلاميذ فقط بل أولياؤهم أيضا، كما يأتيها الفلاحون لمشاهدة أشجارها وتقليدها. وقد أشرنا أيضا إلى أن القسم الخاص في مدرسة ترشيح المعلمين كان يتضمن دراسة الطب العادي والأمراض الشائعة وحفظ الصحة وممارسة الأعمال الزراعية والأشغال اليدوية والفنون التقليدية.

стр. 1399

وقد نص مرسوم ١٨ أكتوبر ١٨٩٢ على إنشاء مناصب مفتشين خاصين بغرض تفتيش مختلف المهن كالفلاحة والتكوين الفني والصناعي. ومن الملاحظ توجيه تعلم الطرز ونسج الزرابي إلى المعلمات المسلمات اللائي كان عليهن أن يتربصن تربصا خاصا بذلك منذ ١٩١٠. ولكن عددهن كان ضئيلا جدا: المتربصان ٣ سنة ١٩٠٥، و ٦ سنة ١٩١٠، و ١٥ سنة ١٩٢٩ (١). ولذلك كان عدم الاهتمام بهذا التعليم عموما محل نقد شديد من الحركة الوطنية (٢)، كما طالبت بتنشيطه وتوسيعه. حول تعليم المرأة والفنون التقليدية لم نفرق فيما مضى بين تعليم الطفل والطفلة، لأن الإهمال شملهما معا. وكان تعليم البنات أقل انتشارا أيضا في العهد العثماني، كما لاحظنا في جزء آخر من هذا الكتاب. وما دام المحتلون الفرنسيون قد اتبعوا سياسة التجهيل نحو الجزائريين فلا ننتظر منهم أن يخصوا البنات بالتعليم دون البنين أو أن يسووا بينهم. ومع ذلك نلاحظ أنه عند البدء في نشر التعليم الفرنسي كان التركيز على البنين دون البنات. وسنذكر الإحصائيات التي تدعم ذلك. وجدير بالذكر أن تحفظ الجزائريين من التعليم الفرنسي في البداية كان خوفا على مصير أبنائهم جميعا، ولا سيما البنات. ولعل هذا الموقف كان من بين الأسباب في تأخير دخول البنت إلى المدرسة. ومن جهة أخرى فإن المجتمع الفرنسي نفسه كانت له تحفظاته على تعليم المرأة عموما، سيما قبل عهد الجمهورية الثالثة. أما بعد ذلك فقد لاحظنا أن أعداد البنات الفرنسيات في المدارس كانت تفوق عدد البنين أحيانا. وكان الفرنسيون قد أسسوا مبدأ التعليم الإجباري للجنسين من قومهم منذ بداية الثمانينات.

стр. 1400

اهتم الفرنسيون بالبنت المسلمة من وجهين. الأول كونها المدخل الأساسي للأسرة الجزائرية ونشر التأثير الفرنسي عن طريقها، بعد أن ظل الرجال (ومن ورائهم النساء) حاملين علم الثورة والمقاومة. والمقصود بالرجال هنا كل البالغين أو الذين وصلوا سن السادسة عشر. وكان أهل المدن أكثر هدوءا بعد الاحتلال من أهل الأرياف والقرى. وقد سيطر الفرنسيون على الإدارة والأسواق والتجارة والسفر. وانحصر المواطنون الذين لم يهاجروا في المدن التي تفرنست في مظاهرها بالتدرج، سيما الجزائر ووهران وعنابة وبجاية. فقد أصبح الجزائريون أقلية وسط أغلبية فرنسية أو متفرنسة جاءت من مختلف أنحاء أوروبا. وبذلك أصبح الطريق للتوغل الحضاري الفرنسي ممهدا في المدن المذكورة منذ الأربعينات. والوجه الثاني هو أن المرأة عامل اقتصادي هام. وكان الفرنسيون قد هدموا الأسواق التقليدية (البازرات) حيث الكتب والملابس والحلي والعطور والمصنوعات الجلدية والحريرية، الخ. وهي المنتوجات التي كانت تمثل الصناعات التقليدية وتنشط الاقتصاد المحلي. وقد تعود الأوروبيون على شراء هذه المصنوعات على أثر الاحتلال وقبل الهدم. ولذلك فكر بعض الفرنسيين في إحياء هذه الصناعة عن طريق المرأة، وبواسطتها يتحقق الهدف الآخر أيضا وهو نشر التأثير الفرنسي في الأسرة وترويج اللغة الفرنسية. ولم يفتح الفرنسيون مدرسة رسمية لتنشيط الصناعات التقليدية في البداية، وإنما تركوا بعض المغامرات الفرنسيات يقمن بذلك ثم اعترفوا بجهودهن وقدموا لهن التسهيلات. كان النساء الفرنسيات والزائرات الأخريات يبكين حالة المرأة المسلمة في الجزائر. فهي في نظرهن مسكينة وجاهلة ومحرومة من متع الحياة. وهي ضحية الرجل الذي كان يشتريها بدراهمه (هكذا يسمون المهر)، وهي راضية بالطلاق وبالعمل الشاق والزواج عليها بضرة، وهي مستسلمة للقدر والمكتوب والتقاليد. ويعرف تاريخ المرأة في الجزائر أسماء العديدة من النسوة اللائي نصبن أنفسهن للدفاع عن حقوقها المدنية والاجتماعية دون السياسية طبعا. ومن هؤلاء أليكس في أول

стр. 1401

الاحتلال وماري بوجيجا في أوآخره. منذ الأربعينات (حوالي ١٨٤٦) أنشأت أليكس Allix معهدا أو مدرسة صغيرة لتعليم البنات المسلمات الفرنسية والعربية، بعد أن ذهبت لزيارة البيوت والاتصال بالأمهات. كان ذلك في عهد المارشال بوجو وهو العهد الذي بدأت تشيع فيه فكرة التوغل السلمي داخل المجتمع الإسلامي، وهو ما يسميه البعض أيضا بالاحتلال المعنوي، وقد اعتبرت السيدة أليكس مشروعها ثورة في حد ذاته، ذلك أن البنات هن أمهات المستقبل وأن الحضارة الفرنسية أكثر عملية من الحضارة الإسلامية، وأن تعليم البنات المسلمات على جانب خطير من الأهمية في نظرها. وفي تقرير كتبته إلى الإدارة بالجزائر (إدارة بوجو) طلبت منها المساعدة والتأييد، ولم يذكر التقرير (١٨٤٦) متى فتحت المدرسة ولا عدد التلاميذ غير أنه أشار إلى أن النجاح كان إلى ذلك الوقت غير كامل (١). وهذا النوع من المدارس يسميه الفرنسيون مدارس خاصة. ولا شك أن السيدة أليكس (وهو اسم زوجها) كانت تعلم البنات اللائي التحقن بورشتها اللغة الفرنسية بالدرجة الأولى وكذلك الطرز وأشغال الإبرة. وحوالي نفس الفترة (يناير ١٨٤٧) وجدنا الحاكم العام (بوجو) قد رخص بإنشاء مدرسة (ورشة) للبنات المسلمات في مدينة الجزائر. وكانت تضم ستين تلميذة فقط. وكانت بدون شك هي مؤسسة أليكس نفسها، فقد أعطيت الضوء الأخضر للاحتلال (المعنوي). وأعطيت أيضا المساعدة اللازمة لذلك، ولكننا لا ندري درجة النجاح بعد ذلك (٢). وكانت هذه السيدة المولودة سنة ١٨٠٤ قد جاءت إلى الجزائر هاربة بالروح، كما يقولون، بعد زواج فاشل. وعاشت فيها باحثة عن لقمة الخبز في أي مكان تجده، إلى أن

стр. 1402

وجدته في مشروع الورشة الذي يخدم بلادها وحضارتها عن طريق البنات المسلمات والتسرب عن طريقهن إلى المجتمع الجزائري. وقد دام مشروعها مدة طويلة وكان نموذجا احتذاه غيرها أيضا. كانت تسمى (مدام لوس Luce) أو الآنسة يوجين بيرلو BERLEAU. وكان أبوها كاتبا في بلدية تورين (فرنسا) فاستفادت من مكتبته، وكان تعليمها غير منتظم، وقد عاشت في الحقبة الرومانتيكية التي اشتهر المنضوون إليها بحب الطبيعة والحقول، والمغامرة في المجهول. ومن بين ما اشتهر به الرومانتيكيون أيضا الرغبة في معرفة الشعوب الأخرى (البدائية) وأنماط عيشها. جاءت أليكس إلى الجزائر أول الاحتلال تاركة ابنتها عند والدتها في فرنسا. وفي الجزائر تعلمت الخياطة، واشتغلت غسالة في المستشفى العسكري، وتوفي والدها سنة ١٨٣٧ وهي في الجزائر. ثم بدأت تخطط لإنشاء مدرسة (ورشة) للبنات المسلمات يتعلمن فيها الحضارة واللغة الفرنسية. وفي سنة ١٨٤٣ عارض المفتي مصطفى الكبابطي إدخال الفرنسية في المدارس القرآنية فنفته السلطات الفرنسية. وبدأت فكرة التسرب إلى الأسرة. ولكن حالة المرأة المسلمة مضنية، كما يقولون، فهي لا تخرج ولا تتعلم ولا تختار الزوج، وهي لا تنضج قبل الزواج. إنها إنسانة محقورة. هكذا تصورت السيدة أليكس (لوس) حالة المرأة فعزمت على إنقاذها. بدأت بتعلم اللغة العربية باعتبارها الوسيلة الضرورية للدخول إلى قلب المرأة. ومنذ ١٨٤٥ بدأت في جمع التبرعات لمشروعها. ثم بذلت المساعي لإقناع الأمهات اللائي أغرتهن بالسماح لبناتهن بالحضور إلى مدرستها، بضع ساعات في اليوم ليتعلمن اللغة الفرنسية والحساب والخياطة. فلم يأت إليها سنة ١٨٤٦ إلا أربع بنات. ولكنها لم تفشل. لقد اختارت منزلا تعلم فيه، ثم وصل العدد إلى ٣٠ ثم ٤٠. فسألت الحكومة المساعدة. وقد عرفنا أن إدارة بوجو أقرت المدرسة وساعدتها. وكانت المدرسة تقع في شارع طولون. وأهم ما كانت تعلم، بعد اللغة الفرنسية، هو الطرز، لأن الأوروبيين كانوا يقبلون على المطروزات، ولا سيما السواح الإنكليز. ويشمل الطرز على المناديل

стр. 1403

والستائر، بالذهب والحرير، وبمختلف الألوان والأشكال كالملابس والصدريات. وقد اتسعت المدرسة - الورشة بمعروضاتها حتى خارج الجزائر، إذ شاركت السيدة أليكس في المعرض الكبير ببريطانيا سنة ١٨٦٢ (١). من الواضح أن ما قامت به السيدة أليكس ليس تعليما بالمعنى المتعارف عليه، ولكنه نوع من التكوين المهني عن طريق اللغة الفرنسية، وهو استغلال لطاقة البنات المسلمات لفائدة الحياة الاقتصادية الفرنسية والتسرب إلى داخل المجتمع الذي بقي مغلقا في وجه الغزو الفرنسي. وفي سنة ١٨٥٠ صدرت مراسيم إنشاء بعض المدارس العربية - الفرنسية، كما ذكرنا، ومنها الست مدارس في أغلب المدن التي احتلت إلى ذلك الحين. وفي هذا النطاق نص المرسوم أيضا على إنشاء مدارس في الجزائر وقسنطينة والبليدة ووهران وعنابة ومستغانم للفتيات المسلمات يأخذن فيها تعليما ابتدائيا وأشغال الإبرة. وقد قيل عندئذ أن لجنة من النساء يعينها الوالي (البريفي) ستشرف على هذه المدارس (٢). ولكن التجربة كانت فاشلة فيما يبدو، لأننا وجدنا الفرنسيين يشكون من تحكم العادات في المجتمع. وفي تقرير لسنة ١٨٥٢ لا نجد سوى ١٥٠ (وهو رقم ملفت للنظر) تلميذة يذهبن إلى مدرسة فرنسية تديرها امرأة فرنسية. وقد كن يتعلمن فيها بالإضافة إلى مواد التعليم المعروفة في المدرسة العربية - الفرنسية، عمل الإبرة والنشاط المنزلي. وفي ورشة ملحقة بالمدرسة يتعلم كبار النسوة الخياطة (٣).

стр. 1404

وفي مدرسة الجزائر العربية - الفرنسية وقع توزيع الجوائز سنة ١٨٥٤ بحضور السيدة أليكس، ويقول الفرنسيون إن الفتيات ظهرن غير متحجبات خلال الحفل، وأدارت اثنتان منهن حوارا معناه أن فرنسا هي الدولة الحامية للجزائر. وهذا بالطبع ما كانت تريد السيدة المذكورة والإدارة الفرنسية والكنيسة، من تعليم المرأة المسلمة لإخراجها من حرمانها وغبنها في نظرها. ومهما كان الأمر فقد فتحت ورشة لتعليم النسيج والأشغال اليدوية أولا في مدرسة الجزائر سنة ١٨٦١ ثم في مدرسة قسنطينة بعد ذلك. أما المدارس التي نص عليها مرسوم ١٨٥٠ وهي ست، فلم ينجز منها إلا البعض. وشيئا فشيئا بدأ يظهر اسم الجزائريات، فكان اسم السيدة ماحي MAHE سنة ١٨٥٣، وهي سيدة كانت تعطي دروسا في التوليد، وقد نجح ثمانية من أحد عشر وظفن لهذا الغرض، وفي سنة ١٨٥٦ حصلت الفتاة نفيسة بنت علي، وكانت تلميذة في مدرسة السيدة أليكس، على (بروفي) التعليم. وكانت هي الأولى في هذا الميدان (اللغة الفرنسية والطرز) لكنها سرعان ما توفيت - ٢٨ فبراير ١٨٦١. وفي سنة ١٨٥٠ أيضا أنشات السيدة ابن عابن ABEN مدرسة في الجزائر للبنات شبيهة بمدرسة السيدة أليكس، فهي أيضا كانت تعلم اللغة الفرنسية والقراءة والكتابة والحساب والرسم (وهو برنامج المدرسة العربية - الفرنسية) إلى جانب أشغال الإبرة وإدارة المنزل. وقد بقيت هذه المدرسة إلى سنة ١٨٧٠ ثم حولتها الإدارة إلى مدرسة ابتدائية فرنسية محض. ثم ظهرت مدارس أخرى، وهي في الحقيقة ورشات، بإشراف الأخوات البيض (الكنيسة) وسيدات أخريات تابعات لمذاهب دينية غير كاثوليكية، ولكنها كانت تتنافس على إخراج البنت الجزائرية من بيتها وتقاليدها وربطها بالثقافة الفرنسية، بأية وسيلة. وكل ذلك كان في غياب الحكومة الفرنسية التي يفترض فيها السهر على حرمة العائلة الجزائرية وتوفير التعليم المفيد للبنت وللمجتمع (١). وفي

стр. 1405

هذا الصدد أنشئ قسم خاص بالبنات المسلمات في المدرسة الفرنسية ببجاية، ثم تلاه إنشاء مدرسة من ثلاثة أقسام. بالإضافة إلى ورشات الآباء البيض في زواوة وميزاب وورقلة وبسكرة. ونفس المحاولات وقعت على أيدي نساء أخريات، منهن السيدة سوسروت، مديرة مدرسة البنات بقسنطينة، فقد أنشأت أيضا مدرسة خاصة للطرز ونسج الزرابي. واستعملت طرق الصباغة التقليدية الشائعة عند الأعراش وفي البوادي. ثم أنشأت السيدات: ديلنو، وأتانو، وباري، مدارسهن. وتضافرت جهود هؤلاء النسوة مع جهود الأخوات البيض، وكثرت الورشات من الشمال إلى أقصى الجنوب، وهي ورشات لا تدخل أبدا في نطاق التعليم الابتدائي، لأنها كانت ورشات خاصة تستعمل، بالإضافة إلى اللغة الفرنسية والتأثير الفرنسي، مختلف أنواع الطرز ونسج الزرابي والأغطية، والمضفورات، والرسومات الشعبية والألوان حسب المناطق، مثل الطابع الونشريسي والميزابي والزواوي (القبائلي)، والأوراسي والعربي والبربري. وقد ظهرت ورشات جديدة في تبسة وشرشال والقليعة وتلمسان والأغواط وغرداية، معظمها كانت بإشراف الأخوات البيض. ثم سمح لسيدات انكليزيات (بروتيستانت) بإنشاء ورشات مماثلة أيضا في شرشال وفي ضاحية مصطفى باشا بالعاصمة (١). ومن جهتها أسست السيدة قيتفيل (التي سبق لها أن أسست مدرسة البنات في وهران وعملت في القيروان) مدرسة في الجزائر أيضا سنة ١٩٠٩، وتوسعت هذه المدرسة حتى كانت تضم ١٧٠ تلميذة، ولها ورشة بـ ١٦ تلميذة تتراوح أعمارهن بين ١٠ - ١٣ سنة. وقد ذاع اسم هذه المدرسة لأنها تخصصت في صنع الزرابي القديمة من النوع الفارسي والقبطي، كما قيل، وكذلك صنع الوسائد والمطروزات التركية والجزائرية والمراكشية. ثم مدرسة آيت هشام في ميشلي التي تأسست سنة ١٨٩٠ ونالت جائزة سنة ١٩٥٥ وتولتها سنة ١٩١٣ السيدة بيران Perrin
следующие страницы →