← Указатели

Указатели · id 14100

تاريخ الجزائر الثقافي

أبو القاسم سعد الله

Полный текст (5 019 стр.). Показаны 1856–1895 · переход к 1861.

стр. 1856

التأثير الفرنسي عليها أو لضعف معلميها، ومع ذلك فإن مشاركة رجال الزوايا لم تدم سوى حوالي عقد من الزمان ثم ألغيت عند إصلاح نظام المدارس الثلاث في آخر السبعينات من القرن الماضي، وقد يكون ذلك راجعا إلى الخوف من تأثير الزوايا والطرق الصوفية التي بدأ اتهامها على نطاق واسع بأنها متآمرة مع الخارج، كما أن الإصلاح المذكور يعني وضع المدارس الثلاث تحت إدارة المستشرقين الفرنسيين وإدخال الثقافة الفرنسية فيها بشكل مكثف. أول امتحان (مسابقة) جرى في نوفمبر سنة ١٨٦٩، ورغم صعوبة المواصلات فقد جاء المترشحون من كل صوب، وكانت التجربة جديدة على المتعلمين الجزائريين، وكان عليهم أن يعتمدوا على الجدارة فقط دون تدخل الأصدقاء الفرنسيين والأعيان الجزائريين، وأن يلتقوا في مراكز محددة، وأن يظهروا علمهم وأدبهم، وأن يخوضوا في حديث الدين والسياسة والأدب واللغة في فرصة لم تتح لهم من قبل، وكان المترشحون، كما قلنا من أبناء المدارس الثلاث ومن أبناء الزوايا، وكانت المراكز هي: وهران والعاصمة وقسنطينة، وكان عدد المترشحين قد بلغ ٢٥٢ لكل الوظائف، وهي القاضي، والباش عدل والعدل، وقد نجح منهم مائة، وكانت لجان الامتحان تتألف من مسلمين وفرنسيين، وكان التنافس على أشده، ولذلك كانت النتيجة ملفتة للنظر، فقد حصلت الزوايا على ثلاثة أرباع الوظائف، وعلى نصف وظائف الباش عدل والعدل، وكان الناجحون، حسب الجدول الذي نشرته جريدة المبشر، كمايلي: ١ - الناجحون في وظيف القاضي: ولاية الجزائر ... ٧ كلهم من الزوايا ولاية وهران ... ١٨ منهم ١٤ من الزوايا (٤ من المدرسة الشرعية - الفرنسية) ولاية قسنطينة ... ١٧ منهم ١١ من الزوايا (٦ من المدرسة الشرعية - الفرنسية) الجملة: ٤٢ قاضيا منهم ١٥ فقط من المدرسة. ٢ - الناجحون في وظيف الباش عدل والعدل: ولاية الجزائر ... ١١ منهم ٥ من الزوايا و ٦ من المدرسة

стр. 1857

ولاية وهران ... ١٦ منهم ٨ من الزوايا و ٨ من المدرسة ولاية قسنطينة ... ٣١ منهم ١٥ من الزوايا و ١٦ من المدرسة (١) الجملة: ٥٨ باش عدل وعدل. وكان الامتحان يجري سنويا في مكان ووقت تحددهما لجنة الامتحان التي هي لجنة ثمانية في كل ولاية من الولايات الثلاث، ورئيس كل لجنة يجب أن يكون فرنسيا وكذلك نائبه ثم المقرر للجنة، أما الأعضاء فهم كما يلي: مدرسون فرنسيون من مدرسة اللغة العربية (٢). ورؤساء المكاتب العربية، وترجمان، بالإضافة إلى ثلاثة فقهاء من المسلمين، أي أن الأعضاء المسلمين كانوا يمثلون ثلاثة من ثمانية في كل لجنة، وعلى مدراء المدارس الشرعية - الفرنسية الحضور عند اللجان ليشهدوا ما إذا كان المترشحون قد درسوا عندهم (٣). والامتحان كتابي وشفوي، وإذا رسب المترشح في الأول فلا يسمح له بدخول الثاني، وعلى كل لجنة أن تسأل المترشح إذا كان يعرف الفرنسية أو يكتب بها، والامتحان الكتابي يتمثل في كتابة إنشاء حول أصحاب الشريعة الإسلامية، والشفوي أسئلة في مسائل الفقه المالية والبدنية وترتيب المحاكم الشرعية، ثم القراءة من كتاب مطبوع أو مخطوط، وإعراب بعض الكلمات، وكذلك أسئلة في الحساب والجغرافية وغيرها من المعارف العامة، ومما يذكر أنه يحق للمترشح أن يكون من الدارسين في الزوايا أيضا، واشترط في المترشح لوظيف القضاء ألا يقل عمره عن ٢٧ سنة، ولوظيف باش عدل عن ٢٥ سنة، ولوظيف عدل عن ٢٢ سنة.

стр. 1858

وتقول (المبشر) وهي الجريدة الرسمية، ان مرسوم نابليون سنة ١٨٦٦ قد عدل من مواد مرسوم ١٨٥٩ أيضا وأبطل عددا منها وعوضها بمواد أخرى معدلة، من ذلك أن الشريعة الإسلامية تبقى معمولا بها في أنحاء القطر سواء بين المسلمين أو بينهم وبين الأجانب، في جميع المعاملات وغيرها، ولكن إذا أراد المتنازعان بالتراضي رفع القضية إلى المحاكم الفرنسية فإن الحكم سيصدر طبقا للشريعة الإسلامية، لأن المعاون المسلم هو الذي سينفذ الحكم الذي يصدره قاضي الصلح الفرنسي (جوج دي بي). أما إجراءات الاستئناف فتخضع للقوانين الفرنسية، وتكون محكمة الاستئناف أيضا مختلطة، تمشيأ مع سياسة الاندماج. ومن جهة أخرى، نص تنظيم ١٨٦٦ على اختلاط غرف الاستئناف أمام المحاكم الفرنسية، وكان الجزائريون في المناطق المدنية مخيرين بين الاستئناف وعد [...] ام المحاكم الفرنسية، ذلك أن القانون الجديد قد نص، كما ذكرنا، على إنشاء غرفة خاصة في كل محكمة استئناف، تضم قضاة فرنسيين ومعاونين مسلمين للنظر في القضايا المستأنفة، وهذه الطريقة جعلت من القضاة المسلمين تابعين لقضاة الصلح الفرنسيين ومنفذين لأحكامهم، كما ذكرنا، وأصبح الاستئناف ممكنا في الولايات الثلاث بعد إنشاء محكمة فرعية له في كل من وهران وقسنطينة، بالإضافة إلى المحكمة العليا بالعاصمة، وكانت المبشر تسمى هذه (بالمحكمة السلطانية). ترجمة لعبارة المحكمة الامبريالية. ولكي تتم الحلقة أنشأ المرسوم الجديد (١٨٦٦) مجلسا إسلاميا جديدا، يضم خمسة أشخاص، ولكن مهمتهم استشارية فقط، وقد سمي (بالمجلس الأعلى للفقه الإسلامي). وهو اسم ضخم ولكن بدون فعالية، ومكان هذا المجلس هو محكمة الاستئناف وليس الجامع الكبير، مما يدل على انتقال السيادة الدينية والقضائية إلى المحاكم الفرنسية، وكان المجلس الجديد ينظر في القضايا الشرعية المحولة عليه من القضاة الفرنسيين. وإذا

стр. 1859

أصدر رأيه فإنه يصبح نافذا، فهو مجلس، في الواقع، للفتوى الجماعية، وترى السيدة جاكلين بايلي أن هذا المجلس كان محكمة عليا حقيقية موازية للقضاء الفرنسي، ولكن الوضع في الحقيقة غير ذلك. وفي مرسوم ١٨٦٦ بنود تتعلق برواتب القضاة المسلمين سنويا، وهي على ثلاثة أصناف، كما نص على أن الحاكم العام هو الذي يعين القاضي ونائبه، وأن كل محكمة يكون فيها قاض ونائب أو نائب وعدل، وكان على القاضي المسلم أن يحلف اليمين التالية: (أقسم بالله أمام عباده، ووثوقا بأمانة نفسي وصدقها، أن أحفظ عهد سلطان فرنسا (نابليون). وأقوم بحقوق وظيفي قيام ذوي العدل والإنصاف) (١). وهي صيغة من الواضح أنها مترجمة عن الفرنسية. وبناء على المرسوم المذكور صدرت تسمية أعضاء المجلس الأعلى الفقهي الجديد الذي تسميه المبشر (المجمع الفقهي). ونظرأ لمكانة هذا المجلس، رغم أنه استشاري، فإن تسمية أعضائه قد صدرت بمرسوم أيضا، وكل أعضاء المجلس جدد إلا حسن بن بريهمات، وهذه هي القائمة: الاسم ... الوظيفة المشغولة ... ملاحظات ١ - حسن بن بريهمات ... مدير مدرسة الجزائر الشرعية - الفرنسية ... سبق أن كان كاتبا في المجلس الذي أنشئ سنة ١٨٥٤، وهومن العاصمة. ٢ - الشيخ ابن الدين ... رئيس مجلس الأغواط سابقا ... غير مشهور ٣ - الحاج محمد بن عبد الله الزقاي ... مدرس بمدرسة تلمسان الشرعية - الفرنسية ... من خريجي الأزهر ٤ - الصديق بن عربية ... رئيس مجلس مليانة ... من عائلة تولت القضاء ٥ - محمد الخبزاوي ... (دون ذكر وظيفة له) ... شغل وظيفة قاضي في سيدي بلعباس ٦ - يوسف بن عربية ... عدل بالمجلس (مليانة؟) ... من عائلة الصديق بن عربية

стр. 1860

ونلاحظ عدم وجود أي عضو في هذا المجلس من قسنطينة، وفيه عضوان من عائلة واحدة - ابن عربية - كما يدل اللقب، ولا نعرف الكثير عن مؤهلات ابن الدين (١). ومن جهة أخرى، صدرت في المبشر قائمة بأسماء القضاة المتبقين واخرين جدد، في مختلف نواحي الجزائر: العاصمة، وتلمسان، وقسنطينة، وعنابة، وسطيف، وسكيكدة، ووهران، وقالمة، ومستغانم، الخ. لقد كان الفرنسيون في حاجة إلى هذا الإطار الديني - القضائي لتمرير أحكامهم في الجزائر أكثر من حاجتهم إلى الأئمة والمدرسين، ومن هؤلاء القضاة من كان صاحب سمعة عائلية وماض شريف، ومنهم الموظفون الجدد خريجو المدرسة الشرعية - الفرنسية أو الذين يحاولون التسلق على أكتاف الفرنسيين، ومن الذين ذكرتهم (المبشر): ١ - الشيخ أحمد بو قندورة، الذي ثبت في منصبه كمساعد (أساسور Assesseur) بالمحكمة العليا الفرنسية بالعاصمة، وقد تولى بوقندورة وظائف عديدة ولعب أدوارا ملونة ووصل إلى الفتوى وطال عهده فيها، وهو الذي لقيه الشيخ محمد بيرم حوالي سنة ١٨٧٧ ودخل منزله (القصر) (٢). وقد تولى ابنه الفتوى من بعده، وهي وظيفة شرفية كما عرفنا، يمنحها الفرنسيون لمن يرضون عنه من القضاة والأئمة. ٢ - الحاج أحمد بن المبارك المعروف بالعطار، وقد كان عضوا في المجلس الفقهي لسنة ١٨٥٤، ومدرسا بمدرسة قسنطينة، وكان صديقا لشيربونو، ولعب أيضا أدوارا ملونة في الإدارة الفرنسية، وسماه المرسوم

стр. 1861

الجديد عضوا في محكمة قسنطينية الفرنسية الاستئنافية الجديدة. ٣ - الشيخ الحبيب بن البخاري الذي سمي بمحكمة وهران الاستئنافية الجديدة، وقد ذكرت الجريدة أن الشيخ الحبيب هذا كان طالبا (مدرسا) في تلمسان، وطال عهده في القضاء إذ وجدناه سنة ١٨٩٤ ما يزال متوليا وظيفة معاون (أساسور) في نفس محكمة وهران، كما ذكره ألفريد بيل سنة ١٩٠٥ بأنه عين مدرسا في جامع وهران الكبير وعمره اذاك ٧٥ سنة، ثم ذكره في تقريره عن المدرسين سنة ١٩٠٨، واقترح عزله وتعويضه في التدريس والاكتفاء براتبه من وظيفة المعاون في المحكمة التي ظل يحتفظ بها (١). ٤ - مصطفى بن أحمد غياطو، قاضي المالكية في الوقت، وكذلك محمد بن مصطفى القاضي الحنفي، كلاهما سمي في محكمة الجزائر التي أصبحت كغيرها محكمة مختلطة. وكان أول اجتماع للمجلس الفقهي الجديد هو يوم الاثنين ١٤ أكتوبر، ١٨٦٧ وأثناءه قدم المترجم العسكري (بليستروس) صيغة حلف اليمين للأعضاء فأدوها كما هي، وهي نفس الصيغة التي ذكرناها من قبل (٢). وبعد سنتين وجدنا اسما جديدا أضيف إلى قائمة المجلس الفقهي، وهو الشيخ محمد الشريف الصفصافي (٣). وقد وقع التوسع في توظيف القضاة، بل ظهرت الحاجة إلى المزيد من التوظيف منهم رغم طمس دورهم في الواقع، وهكذا فإن جملة القضاة أصبحت ١٨٤، سنة ١٨٦٧، ولا يمكن ذكر أسمائهم جميعا هنا، فقد وزعوا على مختلف المحاكم في الولايات الثلاث (باستثناء الجنوب وزواوة

стр. 1862

ميزاب). وونلاحظ أن كل قاض كان معه باش عدل وعدل، وأحيانا أربعة عدول، ونحن هنا لا يعنينا إلا القضاة رغم أن القاعدة تقول إنه إذا غاب القاضي ناب عنه الباش عدل، أو النائب: الجزائر: مصطفى بن غياطو، ومحمد بن مصطفى، القاضي المالكي والحنفي على التوالي. متيجة (الفحص): الحاج محمد بن زغودة. سور الغزلان: محمد بن الحاج حسن. دلس: أحمد بن محمد بن جعدون، من عائلة القاضي أحمد بن جعدون الذي تولى ١٨٣٤ القضاء بالعاصمة، وكان الباش عدل في دلس هو علي بن عبد الرحمن (١). تنس: إبراهيم بن ملزي، من عائلة تولت القضاء للأمير عبد القادر في شرشال. مليانة: علي بن الحاج موسى، من عائلة علمية ودينية في العاصمة. وقد تخلى بعد ذلك عن القضاء واشتغل بوكالة ضريح الشيخ الثعالبي، وله مؤلفات سنعرض إليها. البليدة: محمد بن محمد الشريف، قد يكون من عائلة الشريف الزهار، صاحب زاوية الشرفة بالعاصمة. القليعة: عبد الرحمن بن شعوة. شرشال: محمد بن عاشور. المدية: محمد بن ميلود. وقد أضيف إلى مدينة الجزائر أيضا حمام ملوان، وبوزقزة، وأبو كرام. وبنو وطاس، ومجموع قضاة ولاية الجزائر (٦٦) ستة وستون قاضيا، بخلاف الباش عدول والعدول، بينما مجموع قضاة ولاية وهران (٤٧) قاضيا

стр. 1863

دون الباش عدول والعدول، ونذكر منهم في: وهران: محمد بن مصطفى باشا، ولا ندري ما علاقته بعائلة الداي مصطفى باشا، وفي أوائل هذا القرن كان أحد المدرسين بهذا الاسم في العاصمة (انظر فصل التعليم). مستغانم: ابن عودة بن عبد الحليم. معسكر: محمد بوراس، وهو حفيد الشيخ بوراس المؤرخ. تلمسان: أحمد بن العنتري (أضيف إليه أبي إزار الكبير؟). وعائلة ابن العنتري من مليانة. وهي غير عائلة العنتري القسنطينية. أما جملة قضاة ولاية قسنطينة فحوالي (٧١) واحد وسبعون، وهم موزعون على مختلف المدن والمراكز، ومنهم في: قسنطينة: محمد بن عزوز، وقد ذكر معه المكي بن باديس (الجد الأعلى للشيخ عبد الحميد) على أنه قاضي الفحص بوادي العثمانية. عنابة: قدور بن تركية. سكيكدة: محمد بن الحاج محمد. جيجل: عبد الله بوجمعة (١). وأعمال المجلس غير واضحة، ويمكن أن نقول إنها تافهة، فهو فقط يجيب على ما يطلب منه من قبل المحاكم، وقلما تطلب هي ذلك إذ أصبحت هي المتولية الفعلية لمحاكمة المسلمين في مختلف النوازل، مثلا في ١٨٦٩ وجدنا فتوى أصدرها المجلس بعدم شرعية حمل امرأة من زوجها الأول المتوفى، لأنها ادعت بعده أنها حامل، ثم بعد ستة أشهر ادعت أنها كاذبة، ثم وضعت حملا بعد تسعة أشهر، وقد اعتمدت المحكمة على رأي المجلس، مثل هذه القضايا كان يكفي فيها حكم القاضي المسلم دون الرجوع إلى تعاريج المحاكم الفرنسية وفتوى المجلمس الفقهي، ولكن الفرنسيين كانوا يريدون تاكيد سيادتهم على الشريعة الإسلامية، عن طريق دمج القوانين

стр. 1864

واختلاط القضاة، ونحو ذلك من الإجراءات التعسفية (١). وقد بدأ الحديث منذ الستينات عن توحيد المصطلحات القضائية أيضا. فقد ذكرنا أن لجنة من العلماء المسلمين قد ترجمت إلى العربية مرسوم ١٨٥٩، وانتهت منه سنة ١٨٦٠، وقد نشر في المبشر، وبعد أن أصبح القضاء مندمجا ومختلطا احتيج إلى توحيد المصطلحات، فظهرت وثيقة تسمى (تحرير الأصول، وتيسير الوصول، فيما على القضاة والعدول). ولا شك أن الترجمة هنا كانت من الفرنسية إلى العربية أيضا، فمهمة القضاة المسلمين هي تطبيق المصطلحات الفرنسية المعربة عند تنفيذ أحكامهم، ولم يكن العكس صحيحا إلا في بعض الحالات مثل ترجمة مختصر الشيخ خليل إلى الفرنسية في الخمسينات على يد الدكتور (بيرون). وقد احتاجه القضاة الفرنسيون بعد أن أصبحوا يحكمون في القضايا الإسلامية أيضا، ولكنهم اشتكوا من صعوبة عباراته. وكان قد شرع في محاولة توحيد المصطلحات القضائية منذ ١٨٦٥. فقد أنشأ الحاكم العام، ماكماهون، لجنة لدراسة توحيد مصطلحات التوثيق في المحاكم، وتولى لوتورنو (٢) رئاسة هذه الهيئة، وكان أيضا هو رئيس المحكمة العليا بالجزائر، وفي اللجنة فرنسيون مطلعون على الشريعة الإسلامية بالإضافة إلى أعضاء المجلس الفقهي المذكورين، وقد توصلت اللجنة إلى مجموعة من المصطلحات اتفق على بداية تنفيذها منذ يناير ١٨٧٠ بالنسبة لجميع القضاة، وهذه المصطلحات هي التي أطلق عليها عنوان (تحرير الأصول ...) كما ذكرنا، ومن أبواب هذا العمل: ١ - في المتداعين والوكلاء. ٢ - أسباب الحكم. ٣ - صيغة الحكم.

стр. 1865

٤ - في المقال والجواب. ٥ - في الرسوم المحتج بها. ٦ - في اليمين. ٧ - خروج القاضي والعدول للوقوف على المتنازع فيه. ٨ - البينات (وهو فصل طويل). ٩ - خاتمة. ومما ورد في الخاتمة (يتعين على القضاة والعدول العمل بمقتضى هذه الأصول (القواعد) مع صور الأحكام الموجهة إليهم التي هي في الحقيقة أمثلة لهذه الأصول، وكذا العمل بصور الرسوم التي اشتمل عليها كتاب - جامع الرسوم - المطبوع بتاريخ ١٥ يناير، ١٨٦٥، الواصل إليهم قبل هذا .. وحسب الواقف منهم عليها (أي الرسوم أو الأصول) أن يعمل بها ولا يتعداها، ومن خالف يوشك أن تحل به العقوبة الشديدة) (١). وكان يحلو للفرنسيين إيجاد الفوارق الاصطناعية بين السكان، وهم لا يستطيعون العيش بدون خلق الاختلافات بين الناس، وميدان القضاء، كميدان التعليم والإدارة والدين الخ، من الميادين التي برع فيها الفرنسيون في التفريق بين منطقة وأخرى في الجزائر رغم أن الإسلام واحد فيها جميعا، فقد قسموا البلاد أولا إلى مناطق مدنية وأخرى عسكرية، وهذا تقسيم إداري قسوه على حجمهم هم، أي حيث يكونون بكثرة أو قلة أو غير موجودين أصلا. ومع أن زواوة (القبائل) تقع ضمن ما سمي بالنظام المدني، فقد اعتبرت منطقة خاصة في إجراءات القضاء، فكان الحكم فيها للعرف لا لمحاكم الشريعة الإسلامية، وبقيت (الجماعة) فيها هي التي تسير شؤون كل قرية أو دشرة تحت نفوذ الإدارة الفرنسية، وقد دام ذلك من احتلال زواوة سنة ١٨٥٧ إلى ثورة ١٨٧١.

стр. 1866

ومن جهة أخركما، فإن الفرنسيين قد أطلقوا عبارة النظام العسكري على المناطق الجنوبية، وهي تسمية فضفاضة لأن ما كان عسكريا في الجنوب أصبح مدنيا بالتدرج وتابعا للشمال مع تقدم السنوات وتوسع الحكم المدني الخاضع لمنطق الفرنسيين الإداري، وهكذا فإن أجزاء كثيرة من التل والهضاب العليا كان يطلق عليها مناطق عسكرية ثم أدمجت في الإدارة المدنية، سيما بعد ١٨٧١، وكانت منطقة ميزاب ضمن الجنوب ومع ذلك اعتبرها الفرنسيون وحدة قضائية لأنها، تتبع المذهب الإباضي، كما أن بني ميزاب كانوا (محمية) فرنسية من ١٨٥٣ إلى ١٨٨٢. وكان اتفاق الحماية قد اعترف لهم بإجراء الشريعة الإسلامية على ما كانوا عليه وعلى اتباع تقاليدهم ومجالسهم المحلية، ولكن الأمر لم يبق كذلك بعد احتلال المنطقة سنة ١٨٨٢، ومع ذلك بقي القضاء هناك تبعا للمذهب الإباضي. وقد أصبح أنموذج (تحرير الأصول) الذي حررته لجنة لوتورنو المذكورة، هو المتبع في المدارس والامتحانات، إنه محاولة لتوحيد المصطلحات، كما قلنا، وقد أوصت تلك اللجنة بالابتعاد في الفقه عن كل ما يتعلق بالعبادات والرق، لأن ذلك غير موافق (لشرائعنا) أي القوانين الفرنسية، كما أوصت بالابتعاد عن الحدود التي حجرت على القضاة، وأنواع الغرامات، ومن ثمة فالذي سيكون محل اهتمام المدرسين والمترشحين في مسائل الفقه هو المسائل المالية والبدنية، وهي ميدان اشتغال القضاة في أحكامهم، وتذكر المبشر أن اللجنة التزمت، مع ذلك، بأبواب الفقه كما وردت في مختصر الشيخ خليل حتى لا يقع إشكال على المدرسين في التعليم لو تغيرت قواعده (١). ... ولكن كثيرا من التغير حدث في ميدان القضاء الإسلامي بعد سقوط نابليون الثالث وبداية عهد الجمهورية الثالثة، وحدوث ثورة ١٨٧١.

стр. 1867

فقد كان ذلك مرحلة أخرى من مراحل العلاقات الجزائرية - الفرنسية في القضاء وفي التعليم وفي الأرض وغيرها، وإذا كانت الأربعين سنة السابقة قد تميزت بالاحتلال العسكري والعنف المادي والمواجهات، فإن المرحلة الجديدة قد تميزت بالاحتلال المدني وفرض القوانين الفرنسية والدمج القسري لشؤون الجزائر في مختلف المرافق الفرنسية، ومن ذلك القضاء الإسلامي، وسنسوق هنا بعض ما حدث من تغيير في هذا المجال، رغم أن عهد الستينات كان أيضا عهد الاستحواذ الذكي على صلاحيات القضاة المسلمين، كما رأينا: ١ - افتتحت الجمهورية الثالثة، المدنية، بقيادة الحاكم العام ديقيدون، عهدها بمصادرة الأرض الواقعة في منطقة ثورة ١٨٧١ ونصب المحاكم العسكرية، وفتح السجون أمام الثوار، وكانت المحاكمات تجري في مدينة قسنطينة، ولكن المستوطنين قد نصبوا محاكمهم الخاصة، وقد صدرت أحكام الإعدام والنفي والمصادرة والتغريم والسجن بالآلاف (١). ٢ - منذ ٢٩ غشت ١٨٧٤ تغيرت السياسة القضائية في زواوة، فلم يعد القضاة هم الذين يصدرون الأحكام بين الأهالي هناك، ولا الجماعة ولا المرابطون (المصلحون)، بل أصبح قضاة الصلح (جوج دي بي) الفرنسيون هم الذين يقومون بذلك، وتماديأ في المس بالدين الإسلامي ترك الفرنسيون الحرية للمتقاضي، إما أن يختار الحكم حسب العرف القبلي أو حسب الشريعة الإسلامية، ولكن هذا الاختيار كان مؤقتا فقط، إذ أن قرار ١٧ ابريل سنة ١٨٨٩ قد أجبر أهل زواوة على التحاكم أمام المحاكم الفرنسية فقط ولو كانوا خارج منطقتهم، فأحوالهم المدنية من زواج وطلاق وتركات كلها يجب أن تجري أمام قاضي الصلح الفرنسي، وقد قاوم الأهالي ذلك وتمسكوا بالشريعة الإسلامية، رغم بقاء العرف سائدأ في عدم توريث المرأة.

стр. 1868

٣ - أدخلت الجمهورية الثالثة أيضا نظام المحلفين بمرسوم ٢٨ أكتوبر ١٨٧٠، وهو نظام غير مألوف في القضاء الإسلامي، وكان المحلفون في الجزائر يتألفون من المستوطنين الفرنسيين الحاقدين على الجزائريين لمقاومتهم العنيدة للاحتلال ومصادرة الأرض، فوجد المستوطنون الفرصة للانتقام عن طريق نظام المحدفين الجديد، ولا سيما فيما يتعلق بانتزاع ما بقي من الأراضي وقمع الثورات، وبعد تجنسهم بالجنسية الفرنسية أصبح اليهود أيضا من المحلفين، ولذلك نظر الجزائريون إلى نظام المحلفين على أنه يعني حكم المستوطنين فيهم وسيطرتهم على مقاليد البلاد بدل الحكومة الفرنسية، وقد أكثر المحلفون من إصدار الأحكام ضد الأهالي، ففي سنة ١٨٧٢ أصدروا الحكم ضد ٦٢٠ شخصا، والحكم بالإعدام على ٧١ نتيجة حرائق الغابات، ويقول آجرون: إن الكولون (وفيهم اليهود) أرادوا أن يكونوا هم القضاة، وكانوا يحكمون حتى على الرؤساء الأهالي، وكانت فظاعة هذه الأحكام هي التي أدت إلى عنف المقاومة (١). ٤ - وكان قانون الأرض لسنة ١٨٧٣ الذي سارع بإنجاز قانون ١٨٦٣ الخاص بإنشاء الملكية الفردية في الأرض، قد أدى إلى تقليص مسؤولية القاضي المسلم في الأحكام الخاصة بالأرض، فقد ألغى قانون ١٨٧٣ حق القضاة المسلمين في النظر في مسائل الملكية (٢). إضافة إلى قانون سنة ١٨٧٤ الخاص بزواوة والذي يكرس القضاء في يد القاضي الفرنسي فقط، وزاد الطين بلة صدور قانون ١٨٧٥ الذي ألغي مجالس القضاء التي أنشئت سنة ١٨٦٦، والتي اعتبرت من مخلفات عهد المملكة العربية (عهد نابليون الثالث) كما ألغي بنفس القانون (المجلس الفقهي). رغم أنه مجلس استشاري فقط، كما رأينا، وهكذا ظهرت الجمهورية الثالثة وهي تضرب بعنف كل رمز من رموز الهوية الجزائرية، ومنها القضاء الإسلامي (٣). ومن

стр. 1869

جهة أخرى نقص عدد القضاة نقصا كبيرا بعد أن أعطيت صلاحياتهم للقضاة الفرنسيين ولم تعد هناك حاجة لتوظيفهم. ٥ - أنشأ الفرنسيون قانون الأهالي الاستثنائي البغيض (كود دو لاندجينا) سنة ١٨٧١ وظلوا يدعمونه بقوانين إضافية إلى أن وصلت مواده إلى أكثر من ٢٥ مادة، ومن ذلك محاكم الردع والسجن بدون محاكمة، والاعتقال بالشبهة، وإخفاء مكان السجين أو المعتقل، وتشمل مواده أيضا الضرب والتغريم والنفي والسجن وغيرها دون اللجوء إلى المحاكم والقضاة، فهو قانون استثنائي ولا يخضع إلى القانون الفرنسي ولا للشريعة الإسلامية، وقد وجد القضاة المسلمون أنفسهم وسط مأزق، من جهة كانوا يمثلون السلطة المتعسفة، ومن جهة أخرى كانوا يمثلون في أعين المواطنين سلطة القانون والشريعة، وبهذا الصدد أصدر الحاكم العام سنة ١٨٧٩ قرارا بسجن (المشبوهين) الجزائريين في السجون العسكرية، وكانوا يعاملون فيها معاملة المجرمين، وعبارة (المشبوهين) مطاطة، فكل من لا ترضى عنه السلطات الفرنسية أو دارت حوله شبهة يمكن اعتقاله وسجنه، وقد صنف الأهالي إلى أصناف، حسب بطاقة معينة، فهم: ١ - العائلات السياسية الكبيرة. ٢ - والأعيان الدينيون، مرابطون وغيرهم. ٣ - أناس لهم أهمية محلية. ٤ - من صدرت أحكام سابقة ضدهم. ٥ - المشبوهون، وهم الذين لا يدخلون في أي صنف من الأصناف الأربعة الأخرى. لقد شهدت عشرية السبعينات والثمانينات قمعا وحشيا للحريات

стр. 1870

والآراء الشخصية والمدنية، وكانت الإدارة تدعم هجمة المستوطنين في إلغاء رغبات الجزائريين ودفعهم إلى الهجرة أو إلى الصحراء والكبت الرهيب، وكانت وسيلتهم في ذلك هي المحاكم التي تولاها القضاة الفرنسيون فقط، ولم يبق فيها صوت للقضاة المسلمين، وكان هدف القضاة الفرنسيين الذين كانوا من المستوطنين أنفسهم، هو نزع الأسلحة من الجزائريين وتجريدهم من الأرض وقمعهم وإرهابهم بدعوى أنهم لصوص ومجرمون لا يفكرون إلا في النهب والثورة، ولذلك سنت المحاكم أيضا المسؤولية الجماعية في الدواوير، فالفرد وحده لا يعنيهم إذا ارتكبت جريمة أو وقع حريق، بل كل سكان المكان كلهم مسؤولون، وقد تضاعفت وسائل الضغط باستعمال كلمات خاصة ضد الجزائريين في المحاكم والصحف، مثل اللصوص، والقتلة والفلاقة، ولذلك زيد في عدد الشرطة والدرك والأعوان من هذا النوع كالجواسيس (١). وأمام ذلك وجد القضاة المسلمون أنفسهم عاجزين، وقد اعتدى الفرنسيون على اختصاصاتهم، كما نقص عددهم وانحطت قيمتهم. ولذلك ظهرت حركة احتجاج واسعة سنذكرها. ٦ - من اختراعات هذه الفترة أيضا تغيير الحالة المدنية، كان الجزائريون قبل عقد الثمانينات يدعون بأسماء آبائهم وأجدادهم، وينسب الإنسان إلى قبيلته أو عائلته أو عرشه، فيقال فلان بن فلان من أولاد كذا أو من بني فلان، والمرأة هي فلانة بنت فلان، الخ .. وفي هذا النظام تحافظ العائلات على أنسابها وتواصل أعقابها، وتعرف كل قبيلة مكانها وأصلها، ولو تفرقت فروعها وتباعدت، وتعرف كل طبقة مكانتها في المجتمع، فهناك الحضر والبرانية وأهل البادية أو العرب، وهناك أهل الصنائع والحرف والعلم والتجارة، أما الريف ففيه الأجواد (أو الذواودة في بعض المناطق). والمرابطون، والفلاحون، والجبالة، والبدو، والرحالة، وداخل هذا النسيج الاجتماعي هناك الأغنياء والفقراء والمتوسطون، وبين الجميع علاقات محددة تحفظ للمجتمع قيمه وأصوله وخصائصه.

стр. 1871

ولكن هذا النسيج قد تغير بعدة عوامل، من بينها المساس بالحالة المدنية والألقاب، فقد فرض الفرنسيون على كل عائلة أن تختار لقبا خاصا بها يحمله الأبناء والأحفاد على الطريقة الأوربية، ولم يكن الجزائريون واعين بأهمية وخلفية هذا التغيير إلا القليل منهم، فاختاروا لأنفسبهم وأولادهم ألقابا تبعدهم عن أصولهم وتنسيهم ماضيهم وانتماءهم وتفصلهم عن أقاربهم في الدم والنسب، وكان هدف الفرنسيين البعيد هو اقتلاع جذور المجتمع وقطع العلاقات مع الماضي العربي الإسلامي، وتحضير المجتمع للدمج في الغير، وهم الفرنسيون، وقد ذكر شارل روبير آجرون نمموذجا للمسخ الذي حدث بفرنسة الأسماء والأعلام في الجزائر: فهذه مريم بنت علي بن محمد بن موسى قد أصبحت ماري موسات (١) Mari Moussat، وقد كان على القضاة أن يسجلوا ذلك في السجلات وأن ينادوا الناس بالألقاب الجديدة الممسوخة، ولا حول لهم ولا قوة في القول إن ذلك مخالف لأصول المجتمع وقواعد الدين، وقد قاوم الجزائريون ذلك وظلوا ينادون بعضهم بأسمائهم الإسلامية في أغلب الأحيان. ٧ - وقد دخلت بعد ذلك مصطلحات جديدة في القضاء والمحاكم، وكلها تقريبا مصطلحات مترجمة عن الفرنسية ولا عهد للشريعة الإسلامية بها، فأصبح هناك: محاكم الجنايات، ومحاكم العرف، والمحاكم الابتدائية، ومحكمة النقض والإبرام، ومحكمة الجرائم، ومحكمة (دائرة) الاستئناف، والمجالس التأديبية، وغرفة الاتهام، والتشريع الكمي، والأحكام المستعجلة، ثم المحلفون، وأعوان الشرع، والمحامون، والمختصون في تقديم القضايا، وشهود المعاملات، والمترجمون الشرعيون، والمترجمون المحلفون، ثم التغريم المشترك أو الجماعي، وحجر الأملاك، بالإضافة إلى المحاكم العسكرية أو المجالس الحربية. وبعد قرن (١٩٣٠) من الاستعمار، كان عدد المحاكم الجنائية ٤،

стр. 1872

والمحاكم الابتدائية ١٧، ومحاكم قضاء الصلح العادية ١٧، ومحاكم قضاء الصلح ذات السلطات الواسعة ٩٦، والمجالس العسكرية ١٤، ومحاكم تجارية ٤، أما محكمة الاستئناف فواحدة بالعاصمة فقط، بالإضافة إلى مجالس عرفية عددها ١٥، وهي خاصة بأهل الحرف والصنائع، والإجرام على نوعين عند الفرنسيين، إذا كان المجرم أوربيا فيحاكم أمام محكمة الجنايات، وإذا كان جزائريا فإنه يحاكم أمام محكمة الجرائم (كريمينال). والمحاكم التجارية خاصة بالأوربيين فقط، أما بقية المحاكم فللجميع، لكن نلاحظ أنها محاكم فرنسية يتولاها قضاة فرنسيون ولا دخل فيها للقضاة المسلمين (١). ٨ - إن الضغط والهجوم على القضاء الإسلامي من قبل الفرنسيين جعل القضاة الجزائريين يتحركون، وسنتحدث هنا عن تحرك بعض الأفراد، ثم التحرك الجماعي أي المطالبة بتغيير الأوضاع، فالفرنسيون كانوا ينظرون إلى القضاء الإسلامي على أنه استمرار للذاتية (الهوية) العربية - الإسلامية للجزائر، لذلك كانوا يطالبون بإلغاء دور القضاة المسلمين الذين يعتبرونهم يمثلون النخبة التقليدية المرتبطة بالدين واللغة والعادات، كما كانوا ينظرون إليهم على أنهم عقبة في وجه تطبيق القوانين الفرنسية ودمج الجزائر في البوتقة الفرنسية. قاوم الجزائريون ذلك بشتى الوسائل، وقد ظهر فيهم رجال من أمثال المكي بن باديس وابنه حميدة بن باديس، ومحمد بن رحال، ومحمد بن الحاج حمو، والسعيد بن شتاح، وأحمد بن الفاسي، وعلاوة بن ساسي، وصالح بن بوشناق. إن هؤلاء وأمثالهم قد لعبوا دورا بارزا في رفض الدور الثانوي للقضاة المسلمين وفي رفض مسخ المجتمع عن طريق التجنس وتطبيق الحالة المدنية، وقد تعرض بعضهم للاضطهاد الشديد.

стр. 1873

المكي بن باديس والعرائض ومن هؤلاء المكي بن باديس القسنطيني الذي عاصر الاحتلال في عنفوانه، ولد حوالي سنة ١٨٢٠ بقسنطينة، وكان في أول أمره مساعدا في المكتب العربي بقسنطينة لمحمد الشاذلي، القاضي عندئذ، وقد تخرج على بقايا علماء قسنطينة الذين ذكرهم أبو القاسم الزياني في رحلته والذين عاصروا حكم الحاج أحمد، فكانت فيه بقية علم ودراية بالإضافة إلى ماضيه العائلي في المدينة وفي التاريخ، وقد رأيناه قاضيا أيضا في وادي العثمانية في الستينات (١). وبحكم اختلاطه بالفرنسيين كان يتكلم الفرنسية، ويذهب السيد كريستلو الذي درس حياته، إلى أن المكي بن باديس كان عصامي الثقافة والتكوين، وقال عنه إنه بالمقارنة إلى حسن بن بريهمات لا يمكن تسميته بالمفكر أو المثقف الحر، ولا تسميته بالعصري، وهي الصفة التي تنطبق على بريهمات أكثر من ابن باديس، وكان ابن باديس مستعدا لتقبل التأثير الفرنسي في الميادين الزراعية والمادية، ولم يكن أيضا تقليديا بل كان يقبل بالتغيير في حدود، وكان المكي بن باديس غير مرتاح للمدارس الشرعية - الفرنسية الثلاث ويفضل عليها تعليم الزوايا وخريجيها. تولى ابن باديس القضاء فترة طويلة (١٨٥٦ - ١٨٧٦) معظمها في قسنطينة وضواحيها، وأصبح متكلما سياسيا وداعية صحفيا، وكان من القلائل الذين تفطنوا لأهمية الصحافة والإشهار في خدمة القضية التي ينافح عنها، وكان مستعدا للمساومة في الشؤون السياسية والاقتصادية ولكنه غير مستعد لذلك بالنسبة للشؤون الدينية، وقد كتب مرة أن هناك ثلاثة أمور تقرر مصير الإنسان، وهي الاعتداء على ثروته الدنيوية، والاعتداء على بدنه، والاعتداء على دينه، وأخف هذه الاعتداءات هو الأول وأوسطها الثاني، ولكن أخطرها هو الاعتداء الثالث لأنه اعتداء على ما هو مقدس عند الضمير الإنساني، وهكذا ظهر ابن باديس غير مساوم في الشؤون الدينية.

стр. 1874

خلال الخمسينات والستينات من القرن الماضي كان ابن باديس عضوا في مختلف اللجان الرسمية، وفي السبعينات أصبح مستشارا عاما في مجلس ولاية قسنطينة (١). وسلم في منصبه كقاض يمكن نقله إلى أي مكان، واستلم بدله وظيفة مساعد أو معاون (أساسور) في محكمة قسنطينة (تريبونال) بعد إنشائها طبقا للتغيير الجديد (١٨٦٦). أما دوره في الإشهار والدعاية الإعلامية لقضية الإسلام والجزائر، فقد دل على تقديره لأهمية الصحافة التي لم يبدأ الاهتمام بها عند الآخرين في ذلك الوقت، ويعتبر من أوائل السياسيين الجزائريين الذين استعملوا هذه، الوسيلة مستفيدا من تجربة الأوربيين فيها، وهذا دليل على تقديره للكلمة المكتوبة، والدارس لخطبه في المجلس العام بالولاية وما أصدره من كتيبات ونشرات تبرهن على أن الرجل كان مركزا على ثلاثة عناصر: الأول: توسيع التمثيل السياسي للمسلمين في مختلف المجالس النيابية، من البلدية إلى البرلمان، والثاني: معارضة القوانين الجزرية الصادرة ضد الأهالي، أي تلك المسماة (كود دو لاندجينا). أما الثالث: فهو مكافحة التجنيس الجماعي للمسلمين، وعلاقة النقطة الأخيرة بالقضاء الإسلامي واضحة، لأن التجنس يعني التخلي عن الأحوال الشخصية، ومن خطبه في المجلس العام تلك التي ألقاها حول التمثيل السياسي في ١٧ أكتوبر ١٨٨١ في الوقت الذي كان البير قريفي على رأس الحكومة العامة بالجزائر (٢). من الكتيبات التي نشرها المكي بن باديس سنة ١٨٧٥ ذلك العمل الذي سماه (بيان القوانين الردعية المطبقة على اللصوص في الأرياف الجزائرية). وكان يريد به الدفاع عن الشريعة الإسلامية والمطالبة بتطبيقها على الأهالي

стр. 1875

الذين يرتكبون المخالفات بدل تطبيق قانون الأهالي الاستثنائي الذي كان من وضع المستوطنين الفرنسيين، كما طالب ابن باديس بإحلال الشريعة محل قانون الأهالي بعد أن رأى فشل نابليون في تطبيق مرسوم ١٨٦٦ الخاص بالقضاء والذي نص على إعادة تنصيب المجالس القضائية (الفقهية) ذات السيادة، أو المحاكم الإسلامية التقليدية، ويتلخص سعي ابن باديس، حسب رأي بعض الباحثين، في المواءمة بين الشريعة الإسلامية والقانون الجنائي الفرنسي بالنسبة للأهالي، ولكنه فشل في ذلك لمعارضة المستوطنين الذين كانوا ينادون بتطبيق (كود دي لاندجينا) الذي لا يعطي للجزائر حماية القانون الفرنسي ولا فائدة الشريعة الإسلامية. ومنذ ١٨٨٢ تخلى المكي بن باديس لابنه حميدة عن منصب النائب في المجلس الولائي العام بقسنطينة، وقد اهتم حميدة بالمشاكل الفلاحية (١). وألف كتيبا في ذلك، ودافع عن قضايا الجزائر أمام لجنة مجلس الشيوخ سنة ١٨٩٢، وقد عاصر فترة كتابة العرائض في قسنطينة، فترة الثمانينات بالخصوص، وكانت ثقافة حميدة بن باديس كثقافة والده قوية وعصامية، وكان يكتب بعربية سليمة، ودافع عن قضايا المسلمين بشدة حتى اعتبره كريستلو من أوائل ممثلي حركة (الشباب الجزائري) التي أخذت في الظهور خلال الثمانينات، وحميدة هو والد مصطفى بن باديس والد الشيخ عبد الحميد بن باديس، وكان حميدة قد رئى ولده مصطفى على الابتعاد عن تعليم المدرسة الشرعية - الفرنسية والنظام القضائي كله، حسب بعض الباحثين (٢)، بل أبعده عن قبول الوظائف الفرنسية كلها. ومن المعاصرين للمكي بن باديس، نجد صالح بن بوشناق، وهو من الذين درسوا في المدرسة الشرعية - الفرنسية، وبدأ حياته في القضاء سنة ١٨٦٤، وهو أضلا من نواحي سطيف وتولى القضاء في ميلة، وكذلك تولى

стр. 1876

منذ ١٨٨٥ العضوية في المجلس الولائي العام بولاية قسنطينة كزميله حميدة بن باديس، وكان بوشناق قد زار فرنسا في أكتوبر سنة ١٨٨٠، وأثناء نيابته خطب وعارض التجنس بصراحة ومهما كان الأمر، وقد لفتت خطبته الأنظار إليه، وكان على خطى المكي بن باديس في ذلك، وكان بوشناق من أولئك الذين بدأوا حياتهم في القرى والمدن قبل أن يصلوا إلى عاصمة الإقليم، كما يقول كريستلو. وفي ١٠ سبتمبر، سنة ١٨٨٦ أصدر الفرنسيون مرسوما جديدا حول القضاء الإسلامي، أبطلوا فيه بالخصوص دور القضاة المسلمين في المسائل العقارية، وقد اتهم القضاة المسلمون بأنهم عطلوا قصدا تطبيق قانون الأرض سنة ١٨٧٣، وهو القانون الذي اعتبره القضاة المسلمون بالفعل معطلا لهم، فقالوا إنه قد صيرهم عاجزين عجزا كليا، وجعلهم موظفين بصفة كتاب رسميين فقط، ونتج عنه ضرر كبير لأبناء جنسهم، ونتيجة لذلك قدم أهل قسنطينة إلى السلطات الفرنسية عريضة في سنة ١٨٨٧ تطالب بإلغاء المرسوم المذكور والرجوع إلى مرسوم ديسمبر ١٨٦٦، وقد ذكرت العريضة أن (الناس في جميع المواطن الجزائرية) قد تضررت بمرسوم ١٨٨٦، وأنهم لم يرفضوه في بدايته حتى يظهر للحكام عدم جدواه وأنه لا يليق بالمسلمين للضرر الكبير منه، وذكرت العريضة أيضا أن النواب في مختلف المجالس المنتخبة وكذلك الأهالي على العموم في الولايات الثلاث، قد شكوا للوزراء الفرنسيين الذين زاروا الجزائر من الضرر الذي أصابهم من جراء ذلك المرسوم، وقد بنوا شكواهم على عدة أمور: ١ - التزام فرنسا سنة ١٨٣٠ باحترام الدين الإسلامي والعادات، الخ. وقد تغير الكثير من أمور الشريعة (القضاء) حتى ضاع منها شيء مهم. ٢ - صدور مراسيم من الدولة الفرنسية تنتزع في كل مرة صلاحيات من الشريعة الإسلامية وتعطيها إلى القضاة الفرنسيين، وتوسع في ذلك من تصرفات هؤلاء القضاة، وهكذا رأى القضاة المسلمون أن أمور الشريعة (تضيق بالتدرج حتى كادت تصل إلى نقطة النهاية ...) وقد لاحظوا ذلك

стр. 1877

وتعجبوا، ولكنهم واصلوا خدماتهم، وبينما كانوا ينتظرون استرجاع ما انتزع منهم فإذا بمرسوم ١٠ سبتمبر ١٨٨٦ يعطلهم تماما، (من بين ما جاء به هذا المرسوم هو إحلال قاضي الصلح الفرنسي محل القاضي المسلم في الحكم بالشريعة الإسلامية، إذا رضي الخصمان بذلك، أي عدم ضرورة المحاكم الإسلامية). ٣ - المطالبة بإعادة أمور القضاء في الخصومات المالية وغيرها إلى القضاة المسلمين لاعتبارات منها سرعة الحكم وانخفاض المصاريف، وبتعبير آخر المطالبة بالرجوع إلى العمل بمرسوم ديسمبر، ١٨٦٦. ونلاحظ أن العريضة خففت من حدتها وكأن المحررين لها خافوا على أنفسهم من مغبتها، فتراجعوا إلى حد ما بطريقة دبلوماسية، إذ قالوا إنه إذا كان الرجوع إلى مرسوم ١٨٦٦ غير ممكن بطريقة شاملة، فإنهم يطالبون بتغيير جزئيات المرسوم الجديد (١٨٨٦) وإبطال ضرره على القضاء الإسلامي في الناحيتين التاليتين: ١ - أن يكون للخصمين اختيار القاضي الذي يفصل بينهما، أي اختيار القاضي المسلم أو قاضي الصلح الفرنسي. ٢ - إذا كانت النازلة تكلف من خمسة إلى خمسمائة فرنك فالمطلوب الإبقاء على فصلها على يد القاضي المسلم تنقيصا للمصاريف على المتخاصمين، وقد ثبت أن المصاريف القضائية قد أضرت بالناس كثيرا في مسائل تافهة، والخصومات كثيرة، وكان القضاة المسلمون من قبل هم الذين يفصلون فيها (١).

стр. 1878

ولم يكن كل الأعيان والقضاة متفقين على هذه الصيغة في الطلب من التخلص من آثار مرسوم ١٨٨٦ على القضاء الإسلامي، فقد كان هناك المطالبون بإلغائه تماما وهناك المناورون، كما رأينا، ومن المطالبين بإلغائه تماما حميدة بن باديس الذي قدم عريضة وحده في ذلك، وقد أحس أن زملاءه المستشارين إنما يريدون المحافظة على الذاتية الإسلامية فقط، وكانوا في نظره يخادعون أنفسهم، لأن هذه الذاتية ستكون فارغة إذا لم تكن وراءها سلطة سياسية، كما أن حميدة بن باديس كان يعرف أنه كلما توافق رأي المستوطنين والمستشارين المسلمين، فإن الحصول على نتيجة مشرفة تكون عادة نادرة. وقد فشل الطرفان الجزائريان، أصحاب العريضة من المستشارين وابن باديس الذي انفرد عنهم، كان زملاؤه من خريجي المدرسة الشرعية - الفرنسية، وهو ليس منهم، وكان والده (المكي) يعتبرهم (متعاونين) مع السلطات الفرنسية، ورأى حميدة الآن أن على الجزائريين أن يقوموا بعمل أكبر من مجرد الوصول إلى مساومات مع شيوخ البلديات الفرنسيين، كما ظهر في العريضة السالفة، ورأى ابن باديس أيضا أن السلطة الفرنسية تعرف كيف تجر زعماء الدين وأنصار الذاتية إلى الوسط، وتضيع منهم الفرصة، كما حدث أثناء تقديم العريضة، وفي عدة مناسبات سابقة ولاحقة، ولذلك ترك ابن باديس سنة ١٨٨٧ الميدان لزميله بوشناق، وكان في قسنطينة وما حولها أيضا شخصيات أخرى ذات وزن، من أمثال عبد القادر المجاوي والسعيد بن شتاح، وابن الفاسي، وسيلعب هؤلاء دورا ضاغطا بالتدرج، سيما خلال التسعينات (١).

стр. 1879

(مؤامرة) القضاة ومسألة التجنس والزواج المختلط وقبل أن نصل إلى ذلك نذكر أن هناك حادثة وقعت، بقالمة سنة ١٨٨١، ويطلق عليها البعض (مؤامرة القضاة)، وهي حادثة كشفت عن عدة جوانب، منها ضعف القضاء الإسلامي، وبداية التحدي، وطريقة تجنيد القضاة، ونظرة صحف الوقت الاستعمارية للموضوع، كما أنها أعطت فكرة عن بروز بعض التيارات السياسية عندئذ، والقضاة الثلاثة المعنيون هم ابن الشتاح، وابن الفاسي، وعلاوة بن الساسي، وقد كانوا يحضرون لهجوم مضاد على هجوم السياسيين المستوطنين ضد القضاة المسلمين والمحاكم الإسلامية، وكان الثلاثة من العاملين خارج قسنطينة، ولكن حركتهم كانت موجهة من هذه المدينة، كما كانت منسقة على نطاق واسع، وتاريخ ١٨٨١ يذكرنا بغزو فرنسا لتونس، وكانت فرنسا حساسة لأي تحرك عندئذ، مفسرة إياه على أنه مؤامرة ضدها، وكان الفرنسيون تتملكهم فكرة منذ ١٨٧١، وهي إمكانية حدوث ثورة أخرى مشابهة في أي وقت، ولذلك كانوا يعيشون في خوف دائم، وهكذا كانت التهمة الموجهة للقضاة الثلاثة هي محاولة تنظيم قوة لتأييد المقاومة في تونس، وكانت التهمة تشمل غيرهم من أعيان الناحية أيضا، ويقول آجرون: إنه كانت للقضاة جمعية شرعية وليست سرية، لها لجنة تجتمع علنا ولها سجل للمداولات، وكانت الجمعية تضم ستين قاضيا وباش عدل، وتذهب تقارير الشرطة إلى أن هناك بيانات تدعو الجزائريين إلى النهوض (الثورة؟) فاعتقلت السلطات عددا من القضاة (١). وكان مصدر الاتهام هو الشاب مسعود الجياري، وكان من خريجي المدرسة الشرعية - الفرنسية أيضا، ولكنه لم يجد مجالا للعمل في القضاء إذ أدت المراسيم الجديدة إلى التقليص من الموظفين فيه على نطاق واسع، حتى

стр. 1880

ظهر التذمر وتسريح البعض وغلق باب التخرج إلا بعد وجود المنصب الشاغر (١). وكان الجباري من الجزائريين (المشبوهين) عند الفرنسيين، وقد وجد وظيفة في السكة الحديدية (٢). ذلك هو أصل التهمة التي وجهت إلى القضاة المذكورين، بالإضافة إلى بعض الأفكار السياسية الغامضة، وبعد أن مثل المتهمون أمام المحكمة بالعاصمة أطلق سراحهم لعدم ثبوت التهمة ضدهم، ومع ذلك صدر ضدهم إجراء انضباطي، ولم يرتح سعيد بن الشتاح لذلك فاستقال من القضاء غيظا بعد ذلك بقليل، ومن الواضح أن ذلك الموقف يجعله معارضا للفرنسيين ولو لم يعلن ذلك، وظلت الشبهات تدور حوله، إلى أن اتهم سنة ١٨٨٩ بأنه كان يحرض الناس على الهجرة إلى سورية (٣). إن الحادثة أو المؤامرة السابقة كشفت عن أمرين على الأقل الأول: هو وجود تنسيق وتواطؤ بين أعيان قسنطينة ودور القضاة في ذلك، والثاني: هو ضعف حركة الاحتجاج السياسي عندئذ إذ سرعان ما انتهى مفعولها بمجرد الضغط أو توجيه ما يسمى بالانضباط القضائي أو الإداري. شهد عقد الثمانينات إذن تحركا واسعا من جراء المساس بصلاحيات القضاء الإسلامي، من الناحية الأمنية قدرت الإحصاءات أن (محاولات إجرامية) وقعت في النصف الأول من سنة ١٨٨٢، بلغ عددها ١، ١٣٦ محاولة

стр. 1881

ضد الأوربيين وأملاكهم، وبلغ ١، ٥٩٩ محاولة في النصف الأول من السنة الموالية (١٨٨٣). بينما وقعت حوالي ٣، ٠١٩ محاولة من صيف ١٨٨٨ إلى صيف ١٨٨٩، لقد وقع ذلك رغم قسوة الأحكام التي كان يصدرها القضاة الفرنسيون ورغم وجود (قانون الأها لي) والقمع الإداري (١). ومن الناحية القضائية أعطى الحاكم العام عندئذ (تيرمان) الصلاحيات للقضاة الفرنسيين بإصدار الأحكام كلما اقتضى الحال، وفي سنة ١٨٨٣ ألغيت وظيفة القاضي المسلم الموثق في الأماكن التي فيها قضاة فرنسيون، وبذلك أصبح القضاة الفرنسيون يطبقون على الجزائريين القانون الفرنسي ما عدا في الأحوال الشخصية والميراث. أما من الناحية السياسية فقد شهد عقد الثمانينات حركة احتجاج قوية رغم أنها قمعت، وتعتبر الحركة الأولى من نوعها بعد ستين سنة من الاحتلال، وكان الدافع لهذه الحركة هو الدفاع عن القضاء الإسلامي (الشريعة) الذي كان ينظر إليه على أنه رمز الذاتية (الهوية) الوطنية، ولكن السلطات الفرنسية سلطت على هذه الحركة عدة قوى، الأولى: استعمال المحاكم الفرنسية نفسها لقمع المتحركين مثل ما حدث في مؤامرة قالمة، والثانية: استعمال الجيل الجديد ضد الجيل القديم أو خريجي المدارس ضد خريجي الزوايا والمساجد القديمة، أو ضرب العناصر المتحركة بعضها ببعض، والثالثة: تجريد القضاة المسلمين من صلاحياتهم وجعلهم أعوانا فقط للقضاة الفرنسيين، وبذلك انخفض عددهم وسقطت همتهم في نظر المواطنين، ولكن الأعيان، والقضاة من بينهم، سيظهرون بقوة خلال التسعينات، سيما منذ زيارة لجنة مجلس الشيوخ وبدء الاهتمام بمنظومة التعليم الأهلي. وكانت قضية التجنس بالجنسية الفرنسية قد ارتبطت أيضا إلى حد ما بموضوع القضاء الإسلامي، كان باب التجنس قد فتحه مرسوم ١٨٦٥

стр. 1882

بشروط، من بينها التخلي عن الأحوال الشخصية الإسلامية، والدخول تحت طائلة القانون الفرنسي في قضايا الزواج والطلاق والإرث، وقد فسر المعاصرون ذلك بأنه تخل كامل عن العقيدة الإسلامية وأنه ارتداد عن الدين، وإذا كانت الجماهير لا تفهم ذلك على حقيقته فإن القضاة ورجال الدين عموما عارضوا التجنس إلا القليل منهم، ويدخل ذلك في المحافظة على الهوية الوطنية والعقيدة الإسلامية، فالتمسك بالتعاليم الإسلامية كان مظهرا من مظاهر المقاومة للاحتلال، وقد عرفنا أن المكي بن باديس وابنه حميدة قد عارضا التجنس بقوة واعتبر المكي أن الاعتداء على الدين أقوى أنواع الاعتداء على الإنسان، (وقد التزم حفيده عبد الحميد بهذا المبدأ فيما بعد) (١). وكان بوشناق والمجاوي من المعارضين أيضا، رغم أن الأخير لم يكن من رجال القضاء وإنما كان أستاذا لكثير منهم في مدرستي قسنطينة والعاصمة. غير أن السلطات الفرنسية كانت تجد من تتكئ عليه دائما لضرب وحدة المقاومة، ومن ذلك تأييد علي بن إسماعيل والهاشمي بن الونيس (بلونيس) للتجنس، وكلاهما كان في منصب قضائي بارز، والأول كان يشغل أيضا وظيفة مستشار بلدي في مدينة الجزائر سنة ١٨٨٧، وفي موقعه ذلك دافع عن التجنس، ولكنه هوجم من زملائه المنتجين برسالة نشرتها جريدة (الأخبار) الفرنسية، أما الهاشمي بن الونيس فقد كان يشغل وظيفة مدرس (أستاذ محاضر) في اللهجة البربرية بالمدرسة العليا للاداب منذ إنشائها سنة ١٨٧٩ - ١٨٨٠، كما كان يشغل وظيفة (مساعد) في محكمة الاستئناف بالعاصمة، وكان عندئذ مرشحا لوظيفة مستشار في المجلس

стр. 1883

البلدي أيضا سنة ١٨٨٢ (بالعاصمة) وكان مدعوما في ذلك من قبل بعض العمال الجزائريين، كما قيل، وكان الهاشمي، وكذلك علي بن إسماعيل، يمثلان اتجاها مرتبطا باليسار الفرنسي - الأوربي، وهو اتجاه مؤيد للتجنس بين الجزائريين، داعيا إلى ضرورة تدوين الفقه الإسلامي (الشريعة). لأنه إذا تحقق التدوين، فإن المتجنس قد لا يضطر إلى انتخلي عن أحواله الشخصية (١). إن عدد المتجنسين كان قليلا جدا، ففي سنة ١٨٨٥ كان عددهم ٥٥ فقط، وخلال عشرين سنة ١٨٦٥ - ١٨٨٥ كان العدد ٦٦٧ متجنسا، ولكن إذا عرفنا أن معظم المتجنسين كانوا من المتعلمين بالفرنسية (النخبة) عرفنا أن العدد، مع ذلك، كان عاليا، ولم يكن هدف الفرنسيين تجنيس الجزائريين جماعيا كما فعلوا مع اليهود سنة ١٨٧٠، ولكنهم كانوا يهدفون إلى امتصاص النخبة منهم تدريجيا، ولذلك كان موقف المعارضين للتجنس من القضاة يحمل ثقلا خاصا، ذلك أنهم كانوا من فئة المتعلمين من جهة ومن الذين يمثلون الثقافة العربية - الإسلامية من جهة أخرى، كذلك نلاحظ أن الكثيرين منهم كانت لهم ارتباطات عائلية ومصاهرات، وارتباطات أخرى مع المهاجرين في المشرق، مثل الشيخ المجاوي والطيب بن المختار وعائلة أبي طالب، الخ، كما كان معظم القضاة يتكلمون الفرنسية ومتجذرين في المجتمع، وليس من السهل تجاوزهم أو احتواؤهم مثل ما فعلت الإدارة مع بعض رجال الدين والمرابطين. ويرجع البعض قلة المتجنسين إلى عوامل أخرى أيضا، من ذلك رفض السلطات الفرنسية نفسها لطلبات التجنس، لأنها كانت تصر على تحقيق الشروط المنصوص عليها في المرسوم، ولا تتساهل في تكثير الجزائريين لمجرد التكثير، وهناك عامل آخر وهو أن في المرسومين: ١٤ يوليو، ١٨٦٥

стр. 1884

و ٢١ ابريل ١٨٦٦ شروطا تجعل من الصعب الحصول على التجنس بل إن التحقيقات المطلوبة في ذلك كان هدفها إبعاد الأهالي عن التجنس، في نظر بعض المؤرخين، ومن العوامل أيضا اشتراط التخلي عن التزامات الزواج والطلاق والإرث وغيرها في نطاق الشريعة الإسلامية، وهو أمر خطير في نظر المسلمين، ثم إن هؤلاء المسلمين لا يتكلمون الفرنسية، وهو أمر (خطير) أيضا في نظر الفرنسيين (١). إن عوامل الدمج كانت متوفرة ولكن لها عراقيل في نظر الفرنسيين والجزائريين المتحمسين للاندماج، ولعل من أبرزها أيضا قضية الزواج المختلط، فرغم توفر شروطه فإن عدد الحالات كان قليلا، فقد شهدت سنة ١٨٨٢ عشرين حالة، والسنة التي تليها ست عشرة حالة، والسنة التالية أربع عشرة حالة، والمقصود هنا الزواج بين المسلمين والفرنسيات (٢). وهذا يعني عند دعاة الاندماج أن السكان ظلوا يعيشون منفصلين وليس هناك اختلاط بينهم، فالعرب في دواويرهم والمستوطنون الجدد في قراهم، مع مراعاة جانب الكثافة السكانية: ثلاثة ملايين مسلم إلى جانب نصف مليون فرنسي - أوربي. الهجوم على القضاة وبعض خصائصهم والواقع أن الهجوم على القضاة كان متصلا منذ الأربعينات من القرن الماضي، وقد اشتد الهجوم عليهم خلال الخمسينات، عندما ثبت للكولون أن المجالس القضائية تحاول استعادة ما فقدته، وما إلغاء المجالس سنة ١٨٥٩ وتأكيد ذلك سنة ١٨٦٦ إلا مواصلة لتيار الهجوم على القضاة، وجاء قانون الأرض سنة ١٨٦٣ فأدى إلى سخط على القضاة من جانب المسلمين أيضا باعتبارهم يمثلون الإدارة، ولذلك حدثت بعض الاغتيالات والانتقامات في باتنة وسور الغزلان وشرشال والبويرة وقالمة. وأعلن بعض

стр. 1885

القضاة أن وضعهم جعلهم هدفا كأعداء، ونتيجة لثورة ١٨٦٤ في الظهرة والجنوب الغربي والبابور تزعم بعض القضاة تلك الثورات؟ ولكن بعضهم كانوا ضحية لها، والمعروف أن من أسباب ثورة ١٨٦٤ هو قانون ١٨٥٩ و ١٨٦٣، ومن نتائج هذه الثورة (١٨٦٤) عزل اثني عشر قاضيا وثمانية باش عدول، وتسعة عدول (١). ورغم أن بعض القضاة هوجموا لظلمهم أو لأمور تتعلق بالمرأة، فإن بعضهم قد تمرد على السلطة مثل الحاج البشير بن خليل، أحد قضاة معسكر، ويشك البعض أن سبب تمرده يرجع إلى كونه أراد خلع آغا فرندة ليصبح حرا في رئاسته للمجلس، وكذلك تمرد أخوه عمار بن خليل، ومن المتمردين بعد ثورة ١٨٦٤ عدد من القضاة في عمي موسى وغيليزان وأم السنام (الأصنام). وكان الحاج الطاهر بن البشير، قاضي جيجل أحد هؤلاء، فقد كان مرتبطا هو وأقاربه بثوار نواحي البابور سنة ١٨٦٤، ودعوا الناس إلى رفض دفع الضرائب للفرنسيين وقايدهم (محمد بوعرور). وقد اعتقلت السلطات الفرنسية الحاج الطاهر في جيجل عندما جاء لشراء البضائع للثوار، وزجوا به في السجن، ولكنه حفر حفرة وهرب منها واتصل بقايد فرجيوة، بوعكاز (٢). ومنذ الثمانينات شنت حملات مكثفة ضد القضاة مما جعل هؤلاء يتجهون إلى السياسة أو ما سماه مالك بن نبي بالإصلاح المحلي، وأسباب الحملات ضدهم ترجع إلى عدة اعتبارات، منها الرغبة في الاندماج بينما القضاة بحكم ارتباطهم بالشريعة كانوا حجر عثرة في طريق الاندماج، ومنها رغبة الكولون في الحصول على وظائف لقضاة الصلح الفرنسيين، وقد ادعى الكولون أن المحاكم كثيرة ويجب تقليصها، وإذا تم ذلك فإن وظائف جديدة ستفتح أمام قضاة الصلح، وكان هؤلاء القضاة

стр. 1886

يأتون من فرنسا، في مرحلة الشباب، متخذين الجزائر مطية فقط للصعود إلى درجات عليا في فرنسا، وكأنهم في الجزائر إنما كانوا يقضون فترة عقوبة، وكان بعضهم ينتحرون، ولا يقضون أكثر من سنة في المركز الواحد تفاديا لاغتيالهم. وكان البرلمان الفرنسي قد ساعد أيضا على ذلك الهجوم، فقد خفض ميرانية الشريعة الإسلامية بين ١٨٧٥ - ١٨٨٥ من ٢٠٥، ٧٠٠ إلى ٩٥، ٠٠٠ فرنك، وكان الهدف من ذلك هو توفير المال لتوظيف قضاة الصلح على حساب قضاة الشريعة، وقد كتب أحدهم باسم مستعار (عبد الله) متهما القضاة بالرشوة وابتزاز المال من المتخاصمين، وكون دور العدول أصبح شكليا فقط، كما اتهمهم بالتلاعب في الأحكام وارتكاب المظالم، وكان (سوتيرا) وهو من القضاة البارزين ومن المستعربين أيضا، قد طالب إلغاء وظيفة القضاء الإسلامي بصفة كاملة (١). ولم تخف الحملة ضد القضاة إلا خلال التسعينات، ففي هذه الفترة برزت من جديد مسألة التجنس بالجنسية الفرنسية التي طالب بها بعض النخبة، وكان الكولون يرون هذا التجنس خطرا عليهم فعارضوه، ورأوا أن القضاة في النهاية لا يشكلون خطرا، لأنهم يؤمنون ببقاء الفصل بين المسلمين والأوربيين، ويعارضون التجنس مثلهم. ولذلك كان القضاة يعيشون وضعا غير مريح، إن قانون ٧ ابريل ١٨٨٩ قد زاد من التضييق عليهم في ممارسة صلاحياتهم الشرعية، وقد اعتبره البعض هو (الضربة القاضية) للقضاء الإسلامي، ذلك أن هذا القانون لم يترك للقضاة المسلمين سوى الحضانة والزواج والطلاق والرجعة والمواريث، على أن القضاء الفرنسي يتدخل حتى في هذه الأمور أيضا، فهو قد ترك الحرية للمتخاصمين أن يحولوا نوازلهم من القضاة المسلمين إلى قضاة الصلح

стр. 1887

الفرنسيين حتى في المواريث والأحوال الشخصية، وفي المواريث لا يحكم القضاة المسلمون في نوازل العقارات أو العروض مع العقارات لأنه أصبح يدخل في اختصاص قضاة التوثيق الفرنسيين، وانتزعت نوازل الجنح والجنايات وكل أنواع التأديب وأنواع المعاملات الأخرى من أيدي القضاة المسلمين، وقد جاء في إحدى مواد هذا القانون المتعلقة بشؤون الميراث، إن حكم القاضي المسلم ماض إذا كان رأس مال النازلة أقل من ٥٠٠ فرنك، فإذا تجاوز ذلك المبلغ فإن حكم القاضي المسلم يعاد إلى المحكمة الابتدائية الفرنسية وجوبا. وكانت نظرة الفرنسيين إلى موضوع القضاة نظرة ممزوجة بالسياسة والدين، فهم يعتبرون أنفسهم أصحاب السيادة حتى في الشريعة الإسلامية باعتبارهم ورثة الحكام المسلمين، ثم إن وزير العدل الفرنسي هو نفسه وزير الديانات (الأديان) أيضا، وكان الفرنسيون يدعون أنهم يأتون بالفائدة العامة للجزائر كلما وسعوا من أحكامهم فيها، ولو على حساب الشريعة الإسلامية (١). ومهما كان الأمر فإن التضييق من صلاحيات القضاة المسلمين الرسميين قد أدى إل التوسع لدى قضاة الريف الأحرار (المرابطين) الذين يصلحون بين الناس، دون الرجوع إلى المحاكم الفرنسية. ولقد افتتح عقد التسعينات بالاهتمام بشؤون الجزائر من قبل الحكومة الفرنسية، بما فيها شؤون القضاء الإسلامي، ونشطت الجهات الجزائرية في رفع صوتها واحتجاجها على التعدي على ما رأته من اختصاصات الشريعة، ولا سيما من قسنطينة، وكانت الفرصة قد سنحت عندما زارت الجزائر لجنة مجلس الشيوخ (لجنة ١٨) سنة ١٨٩٢، فقد قدمت إليها عرائض ورسائل الشكوى واستمعت اللجنة إلى زعماء الرأي العام الجزائري في مختلف المدن، وكان من أبرز المتكلمين أمامها محمد بن رحال (ندرومة) الذي تولى

стр. 1888

وظائف إدارية، وقد نافح على الخصوص في موضوعين هامين، وهما: القضاء الإسلامي، والتعليم باللغة العربية، وقد عضده في ذلك زميله الطبيب محمد بن العربي، وكان من أعيان العاصمة (١). كما قدم حميدة بن باديس عريضة هامة حول القضاء، وكتب محمد بن الحاج حمو مشروعا لإصلاح القضاء الإسلامي، وقدمه إلى اللجنة المذكورة سنة ١٨٩٣، وكان الحاكم العام جول كامبون، أكثر تفهمأ من سلفه، لشكوى الجزائريين عموما، وكانت السياسة الفرنسية نفسها تمر بمرحلة مراجعة سواء في الجزائر والصحراء أو في المشرق العربي والإسلامي، ولذلك شهدنا نوعا من الترضيات خلال هذا العقد، ولكن لم تبلغ حد الاستجابة لمطالب الجزائريين (٢). وفي فاتح هذا القرن وجدنا شكوى جماعية ضد قانون ١٧ ابريل ١٨٨٩ من القضاة المسلمين الذين قدموا عريضة إلى الحاكم العام شارل جونار حوالي سنة ١٩٠٥ يطالبون فيها بضرورة رفع رواتبهم، والغريب أن هؤلاء القضاة لم يقدموا مشروعأ للإصلاح واستعادة نفوذهم في القضاء الإسلامي، ولكنهم طالبوا بزيادة الراتب فقط، ومع ذلك فقد كاكا نقدهم مرا لقانون ١٨٨٩ الذي يبدو أنه ظل هو الأساس في العلاقات بين القضاة المسلمين والفرنسيين وفي موقف الحكومة الفرنسية من تطبيق الشريعة الإسلامية حتى بعد قرار فصل الأديان عن الدولة (باستثناء الإسلام). قال القضاة في شكواهم المذكورة: إن القاضي قد انحطت قيمته وهيبته بين الناس، وتضررت مروءته وعرضه، فهو في حاجة إلى اللباس والسكن والطعام والمركوب، لنفسه ولعياله، ثم قالوا مخاطبين الحاكم العام: نطلب منك (أن ترفع جاميكتنا) إلى ثلاثة الاف فرنك لكي يرتفع عنا بذلك بعض الأضرار، وليكون رزق من دعته الحال إلى التقاعد في الحرمة شبيها بأرزاق

стр. 1889

المتقاعدين عنها من غير القضات (كذا). وليحصل أيضا التنافس للقضات (كذا) في تحسين السيرة كي يرتقوا إلى (مستوى) قضاء المدن) (١). واضح أن اهتمام هؤلاء القضاة كان منصبا على الجانب المادي والمعنوي لأشخاصهم، فهم لم يطالبوا باستعادة اختصاصات القاضي المسلم حتى ترجع إليهم الهيبة والحرمة، كما ترجع إلى الدين والمواطنين أيضا، وإنما رأوا أن المسألة تتعلق بأرزاقهم وعيالهم وسمعتهم ومصيرهم عند التقاعد، ولعلهم رأوا أن مسألة الشريعة في حد ذاتها مسألة سياسية، وقد مضى على قانون ١٨٨٩ وغيره من القوانين المنتقصة من صلاحيات القضاة، سنوات طويلة وأصبحت الممارسات بذلك مقبولة وواقع حال، فما الفائدة من إثارة موضوع شائك كهذا؟ إن السلطات الفرنسية في نطاق استغنائها عن القضاة أو التخلص منهم قد وظفت بعضهم أيضا في التدريس بالمساجد، ذلك المشروع الجديد الذي بدئ فيه حوالي سنة ١٩٠٠، وأصبحت السلطات تشترط للتوظيف التخرج من القسم العالي بمدرسة، الجزائر، وفي ١٩١٢، عند فرض التجنيد الإجباري على الشباب الجزائري، أصدرت الحكومة العامة قانونا ينص على محاكمة (رجال الشريعة الإسلامية) أمام المجالس التأديبية، إذا ارتبكوا ما يخل بحرمة وظائفهم (٢). وكان ذلك أحسن رد في نظر السلطة الفرنسية، على طلبات القضاة بزيادة الراتب وضمان العيش واسترجاع الهيبة. إن كل الدلائل قد توفرت على أن الفرنسيين قد ساروا مع القضاة المسلمين كما ساروا مع قادة الأهالي في الأرياف (القياد الخ ..) ومع رجال

стр. 1890

الدين والزوايا، فقد رمى بهم الفرنسيون بعيدا على إثر الانتهاء من مهمتهم بالتدرج، لقد قضوا حاجاتهم منهم وحكموا بهم ساعة العسر واستفادوا من خدماتهم، ثم أخذوا يقلمون أظافرهم شيئا فشيئا ويأخذون صلاحياتهم حتى لم يبق لهم إلا الاسم، وبالنسبة للقضاء كانت المسألة أكثر حساسية لأنها متصلة بالدين من جهة والدنيا من جهة أخرى، فرغم أن القضاة كإطار اجتماعي وإداري قد تخرجوا من المدرسة الشرعية - الفرنسية، فإن وظيفتهم ذات طابع ديني - سياسي، وقبل أن يتجهوا إلى المعارضة السياسية، باسم الدين، جردهم الفرنسيون من نفوذهم الشرعي، وتخلصوا من المشبوهين منهم بعدة طرق انضباطية إلى أن رجع الجميع إلى الخط، ورضوا بالمأ لة في الدين والدنيا، وأصبحوا لا يطالبون إلا بالترقية وزيادة الراتب. ... لم يكن القضاة على درجة واحدة من المروءة والأخلاق، ويشهد المعاصرون أنهم عرفوا منهم نماذج جيدة ونماذج سيئة، شأن كل الفئات الاجتماعية، وقد أتينا على ذكر بعض القضاة في قسنطينة ومعسكر، وسنذكر اخرين بعد حين، وقد زار محمد بيرم الخامس الجزائر في عهد الجمهورية الثالثة (١٨٧٨) وترك لنا وصفا للمحكمة الجزائرية وتصرفات بعض القضاة والمترجمين، سواء بالنسبة للمحكمة الإسلامية أو المختلطة (المجلس): ١ - بالنسبة للمحكمة الإسلامية، كان القاضي المسلم يتولى الحكم في الأحوال الشخصية (الزواج والطلاق والمواريث) لدى المسلمين، ومرجعهم في ذلك هو مختصر الشيخ خليل، وكان القاضي يجلس وإلى جانبه عدلان كشاهدين على المتخاصمين، وإذا غاب القاضي ينوب عنه أكبر العدلين، وليس هناك حاجة إلى الترجمة، والأحكام تسجل، وهي سريعة وغير مكلفة. ٢ - المحكمة المختلطة أو المجلس، وفيها ثلاثة قضاة فرنسيين

стр. 1891

ويساعدهم قاض مسلم، وذلك في النوازل الجنائية والمعاملات، وهذه المحكمة ترجع إلى القانون الفرنسي وإلى النص المترجم من مختصر الشيخ خليل، فإذا كانت الدعوى بين خصمين مسلمين من أنواع المعاملات الاختيارية فلهما الحق في عرضها أمام المحكمة الإسلامية أو المحكمة المختلطة، أما إذا كانت الدعوى من نوع الجنايات أو كانت بين مسلم وغير مسلم فإنها تعرض وجوبا أمام المحكمة الفرنسية - المختلطة، وإذا عرضت دعوى المعاملات الاختيارية على المحكمة الإسلامية فإن للمحكمة المختلطة حق التحقق على القضاة المسلمين في أحكامهم، فليس هناك ثقة مطلقة في القاضي المسلم وأحكامه، سيما في المعاملات. ٣ - محاكم الأرياف (الإسلامية) ليست محاكم بالمعنى الحقيقي، ولكن من حق القياد والأغوات والقضاة أن يحكموا بين أهل الريف في النوازل التي تعرض عليهم، وفي ذلك تعاون بين هذا الجهاز الرسمي وبين المكتب العربي الذي يسيره الفرنسيون وهو المسؤول على الجميع، فالذي يحكم في الحقيقة هو المكتب العربي بواسطة المذكورين. ٤ - كان تعيين المترجمين ضروريا لعدم معرفة القضاة الفرنسيين في المحاكم المختلطة للغة العربية (١). وكانت هناك فرقة كاملة من المترجمين القضائيين - الشرعيين وأخرى من المترجمين المحلفين، والمفروض أن العضو المسلم في المحكمة يساعد على عدم الوقوع في الظلم، ومع ذلك فلا يحصل العدل، كما يقول الشيخ بيرم، ويكون ذلك راجعا لسوء الترجمة جهلا أو عمدا، وعدم كفاءة العضو المسلم في المحكمة، وجهل المتخاصمين بتعيين المحامي العارف بالفرنسية والمطلع على الأحكام، وكان المترجمون يهودا ونصارى.

стр. 1892

حضر بيرم محكمة عنابة متفرجا، وكانت تحاكم شخصا في دعوى جنائية، وبينما هذا الشخص يتكلم إذ تحدث المترجم مع القاضي فصدر الحكم بسجنه فورا، والمتهم ما يزال يعرض دعواه، وقد أخرج الشخص المتهم من المحكمة (باللكم واللطم والسب من أعوان المجلس) وهؤلاء الأعوان كانوا من الأهالي المكلفين بالتجسس والتدخل، ولا يتمتعون بالثقة، وقد انتقد بيرم تصرف القضاة المسلمين أيضا لعدم جدارتهم بالمنصب وسوء اختيارهم، فهم (لا يتقون الارتشاء ولا يحسنون ناموس المنصب) وقد شاهد في عنابة قاضيا يتضارب، مع الخصوم، ويجلس في الحانات مع الأراذل، وبرر لجوء العامة إلى المحاكم الفرنسية وتفضيلها على المحاكم الإسلامية لشيوع مثل هذه التصرفات عند القضاة المسلمين، وقد خشي الشيخ بيرم أن يشيع في العامة الاعتقاد بأن فساد القضاة المسلمين واستقامة القضاة الفرنسيين راجع إلى اختلاف الشعائر الدينية (١). من حوالي مائتي قاض في الجزائر كان هناك الغث والسمين (٢). هناك من بدأ حياته مجاهدا وانتهى متعاونا مع الفرنسيين لأسباب اجتماعية واقتصادية، وهناك من بدأ حياته متعاونا معهم ثم ظهر معارضا لسياستهم في بعض التفاصيل وظل شوكة في حلقهم، كما نجد الصنف الخامل الذي رضي بالوظيف وعاش به إلى أن أدركته الموت، ومن القضاة من ألف بعض الكتب وترك الرسائل والشعر، وجلس في اللجان وقدم رأيه في الفقه وغيره، وبعضهم قد تولى وظائف أخرى كالإمامة والتدريس والفتوى، ووجدنا من القضاة من أرسله الفرنسيون في مهمات، ومن قدموه في المناسبات، لمكانته من جهة وخدماته من جهة أخرى، فمن الصعب أن نحكم على فئة القضاة بمسطرة واحدة، وفي تعرضنا لحياة بعضهم صورة لما نقول.

стр. 1893

وقد ترجمنا نحن لمحمد الشاذلي القسنطيني فوجدناه شخصية مهزوزة إلى أبعد الحدود، وقد مثل دور القاضي الانتهازي بمعنى الكلمة، فثقافته بسيطة ومع ذلك ولاه الفرنسيون أخطر منصب عند احتلال قسنطينة وهو القضاء، وكان مقر عمله هو المكتب العربي الذي أنشأوه في المدينة تحت قيادة الضابط بواسونيه، وكان مع الشاذلي عدد من نواب القضاة، منهم المكي بن باديس ومحمد بن عزوز، كان الشاذلي مضطربا في تصرفاته، فقد مدح الأمير حتى دعاه لإنقاذ قسنطينة من الاحتلال، ثم شكر الفرنسيين على اعتقاله، وعينه الفرنسيون لمرافقة ومؤانسة الأمير بسجنه في امبواز (وربما التجسس عليه) فشغل نفسه بالزيارات والتردد على المسرح والتفكير في الزواج من فرنسية مجهولة الأصل، وكان يمدح الفرنسيين تملقا لا حبا، ويمدح قادتهم وبلادهم ومآثرهم ليجعلوه نصب أعينهم، وكان له طموح أبعد من إمكاناته، وفي ١٨٥١ أعفاه الفرنسيون من منصب القضاء وعينوه مديرا لمدرسة قسنطينة الشرعية - الفرنسية (الكتانية) حيث ظل مديرا ومدرسا بها إلى وفاته سنة ١٨٧٧ (١). وقلما كان الفرنسيون يعينون القاضي في بلده أو جهته، سيما إذا كان معروفا والبلدة صغيرة، وهو تقليد جيد، لعله كان لحماية القاضي نفسه من جهة، وإبعاد خطره من جهة أخرى، ذلك أن كثيرا من القضاة كانت لهم مصاهرات وعلاقات اجتماعية يخشى منها الفرنسيون أن تؤدي إلى التجمع والغضب السياسي، وكان هدفهم أيضا منع نفوذ أهل المدينة الكبيرة بواسطة قضاتهم، ونحن نجد أمثلة على ذلك في توظيف الشاذلي في القضاء على قسنطينة، رغم أنه دخيل عليها، وكانت عائلة العباسي وعائلة ابن باديس وعائلة ابن جلول وغيرها من العائلات الحضرية المتجذرة أولى من عائلة الشاذلي في ذلك المنصب لو بقي الحكم في يد إلبايات مثلا، ويدخل في

стр. 1894

ذلك أيضا نقل قضاة الجهة الغربية، سيما معسكر وغريس وما جاورهما إلى الجهة الشرقية - قسنطينة، سطيف، تبسة، الخ .. ويحضرنا في ذلك الآن عائلة أبي طالب أبناء عم الأمير عبد القادر، وقد أصبح بعض هؤلاء أيضا من نوع محمد الشاذلي في تملق الفرنسيين، خصوصا القاضي أبا بكر بن أبي طالب، صاحب كتاب (نزهة الأفكار). ومن القضايا العامة حول القضاة أيضا صلتهم بالطرق الصوفية المعاصرة، إن الانتماء للطرق الصوفية من قبل العلماء والقضاة لم يكن دائما من أجل حب الشيخ وخضوعا لبركته، ولكنه كان حماية للنفس عند الحاجة ودفعا للعزلة عند الخطر، وقد وجدنا ذلك شائعا لدى رجال السلك الديني والتعليمي من أئمة ومفتين ومدرسين، وحتى بين رجال القضاء والسلطة الإدارية، كالقياد والأغوات، وكانت الطرق الصوفية عندئذ كالأحزاب السياسية اليوم، لها وسائل إعلامها ودعايتها، ولها محاموها، ولكن ليس بنفس الحداثة الموجودة اليوم، ومعظم الطرق كانت لها خيوط مع السلطة الفرنسية أيضا، وسنذكر أن بعض القضاة كانوا موالين للحنصالية أو التجانية أو لغيرها تمشيا مع الفكرة المذكورة، كما نلاحظ أن عددا من القضاة جعلوا مهنتم وراثية في أولادهم وأحفادهم، كما كان الحال في عهد العثمانيين. نماذج من القضاة ولنتحدث عن نماذج من هؤلاء القضاة باختصار، مكتفين في الترجمة الطويلة لاثنين منهم (١): ١ - أحمد المجاهد بن محمد عبد القادر بو طالب: كان من القضاة الذين عاشوا في الجزائر والمغرب الأقصى وتونس والمشرق، ولهم صلات قربى بعائلة الأمير عبد القادر، ونشأوا في نواحي معسكر، ولكنهم عملوا في شرق الجزائر، وتركوا أولادا تولوا أيضا القضاء، كما كانوا على صلة بالطرق

стр. 1895

الصوفية، فقد ولد أحمد بوادي الحمام قرب معسكر، سنة ١٢٥٢ (١٨٣٦). وأدت المقاومة الوطنية إلى بعثرة الأسرة، إذ كان أبناء بو طالب مختلفين مع ابن عمهم، الأمير عبد القادر، فهاجر محمد بو طالب والد أحمد المجاهد، إلى طنجة التي أصبحت مأوى لعدد من المهاجرين الجزائريين، ثم انتقل والده إلى فاس، مدينة العلم، وقد تثقف أحمد على يد شيوخ ذكرهم الحفناوي في ترجمته له (١). كما توجه مع أبيه إلى تونس وأخذ بها عدة علوم على شيوخ الزيتونة، وكانت المصاهرة بين عائلتي الأمير وعائلة أبي طالب، فقد تزوج والد أحمد المجاهد من ابنة أخ الأمير، وهو محمد السعيد، ولذلك وجدنا أحمد المجاهد مع جده في الشام. تولت أسرة أبي طالب وظيفة القضاء للفرنسيين مبكرا، بدأ ذلك أحمد بن علي بن أبي طالب، عم أحمد المجاهد، الذي تولى القضاء في سطيف، وبعد استتباب الأمور في الجزائر رجع إليها عدد من الذين هاجروا منها أمثال أحمد المجاهد ووالده، وتولوا بها الوظائف للفرنسيين، ولعل ذلك كان بتحريض وتدخل من الأمير نفسه، بعد فشل المقاومة، تولى أبوه محمد بوطالب القضاء في سطيف ثم قسنطينة، وعندما خلا منصبه في سطيف تولاه ابنه الذي كان قبل ذلك في مستغانم، ثم انتقل من سطيف إلى الأربعاء، قرب العاصمة، وكان وجود والده في قسنطينة ووجوده هو بسطيف قد جعله قريبا أيضا من عبد القادر المجاوي الذي جاء من الغرب (تلمسان). وهو صهرهم، وكانوا جميعا في طنجة وفاس قبل ذلك، ثم حلوا جميعا بولاية قسنطينة. كانت صلة أحمد المجاهد بالتصوف قوية أيضا، فقد كان جده عبد القادر بو طالب درقاويا، وعارض الأمير عبد القادر لأسباب تبدو صوفية، وقد عاش عبد القادر بو طالب خلال الثلاثينات والأربعينات من القرن الماضي، وأثناء وجود أحمد المجاهد في الشام تعمق في التصوف أيضا، فقد
следующие страницы →