وبالتدرج تحول الحج الرسمي إلى مسرحية سياسية، كانت الإدارة هي التي تنظمه وتشرف عليه وتختار عناصر الحجاج من الأعيان المعروفين لديها، وتصدرهم وتجعلهم يتفوهون بعبارات الشكر والحمد، والإخلاص والموالاة، وكانت تخلط بين رجال الدين والدنيا، بل وكانت تجمع بين أعيان الجزائر والمغرب وتونس، ومن ثمة أصبح الحجاج المختارون في الواقع سفراء لفرنسا، وليس غرض هذه الفقرة تتبع كل المراحل من الحج الرسمي المنظم فذلك يخرجنا عن موضوعنا، وإنما نذكر أن السلطات الفرنسية في الجزائر قد منعت الحج طيلة السنوات السابقة للحرب العالمية الأولى نظرا لأوضاع الجزائر نفسها بعد الهجرة الجماعية سنة ١٩١١ وبعد التصديق على مشروع فرض التجنيد الإجباري وتشوش الرأي العام الجزائري، كذلك كانت حرب طرابلس (١٩١١ - ١٩١٢). واحتلال المغرب الأقصى (١٩١٢) والانقلاب العثماني (١٩٠٨ - ١٩٠٩) من العوامل التي لم تساعد على حرية الحج، وعند اندلاع الحرب العالمية نفسها كانت فرنسا في معسكر والدولة العثمانية في معسكر اخر، فازداد المنع والتضييق على الحج.
وكان على فرنسا أن تجند الرأي العام الجزائري ضد الدولة العثمانية، فأوعزت إلى رجال الدين ورؤساء الطرق الصوفية أن يعلنوا عن انحراف تركيا عن خدمة الإسلام، ولم يجد النخبة حرجا في ذلك، واهتم الكتاب، مثل ديبارمي، بما أسموه برواسب التعاطف مع الدولة العثمانية في الجزائر، وقد تضرر الحجاج من كل ذلك فانقطعت السبل باتجاه الحجاز إلى سنة ١٩١٦، ففي هذه السنة قام الشريف حسين بالتعاون مع الحلفاء بالثورة على الدولة العثمانية وإعلان الحرب عليها، وأرسل ابنه فيصل مع لورنس الإنكليزي إلى الشام، وكان الشريف في ذلك كله مخدوعا لأن الحلفاء كانوا في نفس الوقت يضعون خريطة جديدة للعالم العربي بعد هزيمة الدولة العثمانية، وهي
стр. 1822
الخريطة المعروفة باتفاق سايكس - بيكو، وبالإضافة إلى ذلك كان الحلفاء يعدون اليهود بالوطن القومي في فلسطين، وهكذا فإن الفرنسيين بعد أن منعوا الحج على الجزائريين، كانوا متورطين في سلسلة من المؤامرات ضد الإسلام والمسلمين والعرب.
وكما انخدع الشريف حسين وغيره في المشرق انخدع زعماء الرأي العام أيضا في الجزائر، فبعد ثورة الشريف حسين في الحجاز رخصت فرنسا بالحج لعدد من الشخصيات الرسمية المختارة، بلغوا ٢٩٠، معظمهم من رجال) لدين، وكان على رأسهم قدور بن غبريط، ورافق الوفد الحاج بعثة دبلوماسية بقيادة الضابط محمد ولد قاضي، وكان ابن غبريط قد ولد في نواحي سيدي بلعباس وتعلم، ربما في مدرسة تلمسان الشرعية - الفرنسية، وأصبح مترجما في القنصلية الفرنسية في طنجة سنة ١٨٩٣، وقام بمهمات لدى الحكومة المغربية تحضيرا للاحتلال الفرنسي، وأرسله الفرنسيون في مهمات دبلوماسية أيضا إلى روسيا، وكان عضوأ في اللجنة التي خططت الحدود بين الجزائر والمغرب سنة ١٩٠٣، وها هو الآن (١٩١٦) على رأس وفد الحج الرسمي (١). ومع ذلك فإن الحج قد اعترضته عراقيل أخرى بعد ثورة الشريف حسين.
وفي سنة ١٩١٧ حدث تطوران هامان: الأول: هو إنشاء الفرنسيين لجمعية الأوقاف (الأحباس) والأماكن المقدسة الإسلامية، وكان الهدف منها جلب المسلمين وإرضاءهم خلال الحرب، وكان رئيسها هو قدوربن غبريط، وكانت الجمعية وسيلة فرنسية أيضا للتدخل في الحجاز وفلسطين بعد أن شعرت فرنسا أن الإنكليز قد خططوا لحصر الفرنسيين في لبنان وسورية فقط، فكانت الأوقاف والحج وسيلة سياسية لنشر التأثير الفرنسي في
стр. 1823
مناطق التأثير الإنكليزي، وكان ابن غبريط من رجال الإدارة الفرنسية المخلصين، وكان ينعت على أنه من أنصار التقدم والتدرج السياسي. وفي هذا النطاق رشح لعمادة وإمامة جامع باريس عند افتتاحه سنة ١٩٢٦، وكان هذا الجامع مؤسسة سياسية أيضا قبل أن يكون مؤسسة دينية (١).
أما الحدث الثاني فهو وعد الفرنسيين اليهود بالوطن القومي في فلسطين، وكان الشائع إلى هذه السنوات أن الذي وعد اليهود بذلك هم الإنكليز على لسان (بلفور Balfour). ولكن الوثائق برهنت على أن الفرنسيين كانوا أسبق من الإنكليز في ذلك، فعلى لسان وزير الخارجية، ستيفان بيشون Pichon، وأمين عام الخارجية جول كامبون، أعلن الفرنسيون، قبل الإنكليز بعدة شهور، أنهم في صالح إنشاء الوطن القومي للصهاينة في فلسطين، وقد أعطوا وعدهم المكتوب إلى سوكولوف Sokolov، ممثل الصهاينة، (٢). ويذهب علي مراد إلى أن صدور وعد بلفور (ولم يشر إلى وعد بيشون وكامبون) قد كشف للجزائريين عن التحالف المسيحي/ اليهودي ضد الإسلام، سيما وأن ذكرى قرار كريميو بتجنيس يهود الجزائر كانت ما تزال حية، وفي نظر مراد أن القضية الفلسطينية، قد أضيفت إلى القضية العثمانية وزادت من قلق المسلمين الجزائريين سياسيا ودينيا (٣).
كانت حرية الحج كما رأينا، تختلف من سنة إلى أخرى، حسب المزاج السياسي في الجزائر والمشرق، وها نحن نجد مجموعة من الحجاج العلماء والأعيان أدوا فريضتهم ورجعوا مسرورين، منهم بعض رجال الدين، ومعظمهم كانوا من شرق الجزائر، وقد وجدنا أحد المفتين يشكر الله على أن
стр. 1824
وفق (قبائل الشاوية) فحج منهم عدد لم يسبق له نظير، كما قال، وكذلك حج من بقية الوطن عدد كبير، وكان ذلك سنة ١٣٥٢ هـ (١٩٣٣). ومن أهل العلم الذين حجوا هذا العام نذكر: أحمد الحبيبي (الحبيباتني؟) المدرس بقسنطينة، وتلميذيه أحمد البوعري (الذي توفي في الحجاز ودفن في رابغ). والشيخ المحسن الصحراوي إبراهيم، ثم الشيخ بلقاسم بن منيع المدرس بزاوية سيدي الحسين القشي، ومفتي تلمسان الحبيب بن عبد المالك، والطاهر بن زقوطة الإمام بأحد مساجد قسنطينة، والشيخ محمد أبو الحبال، الإمام بجيجل، وهو من الماهرين في القرآن (١).
ورغم الحرب العالمية الثانية، فإن الفرنسيين وفروا باخرة لحمل الحجاج الرسميين إلى مكة وإعادتهم في ظرف شهر، ومن عجيب الصدف أن الباخرة التي حملتهم كانت تحمل اسم الأميرال (ديقيدون). ذلك الحاكم العام (١٨٧١ - ١٨٧٣) الذي اضطهد الجزائريين ومنعهم من الحج، فقد حملت هذه الب ا، م حجاجأ من الجزائر وتونس والمغرب الأقصى وغرب إفريقية، فكان مجموع الجزائريين ٢٧٣ فقط من بين ٦١٩ حاجا، وفي قائمة الجزائريين كل من رضيت عنه السلطات الفرنسية من أمثال شيخ العرب وزعيم (الميعاد الخيري) السيد بوعزيز بن قانة، وابن علي الشريف، وغلام الله محمد، وقاضي تلمسان، والباشاغا ابن شنوف، والباشاغا السماتي، وبعد أداء الحج جاء وفد منهم إلى الحاكم العام - لوبو Lebeau - لشكر فرنسا في شخصه، ووجدوا في استقبالهم قدور بن غبريط، ومدير الشؤون الأهلية، ميو، وقيل: إن الملك عبد العزيز بن سعود قد منع أية دعاية خلال الحج، مهما كان مصدرها (٢). ومهما كان الأمر فإن الحج الرسمي كان منظما، كما
стр. 1825
قلنا، وكان يرافق الحجاج وفد من الأطباء أيضا، ولا يخلو التنظيم من التجسس على الحجاج وأفكارهم من جهة والتجسس على حالة المسلمين في الحج من جهة أخرى، فقد كانت دائما وراء الحج الإسلامي حاجة فرنسية.
وخلال هذه التنظيمات المختلفة للحج السياسي، لا نعلم أن رجال (الهيئة الدينية) قاموا بأي دور أو دعوا إلى أن يلعبوا في ذلك دورا، فلم يتدخلوا في منع الحج أو الترخيص به، ولم يترأسوا بعثة دينية في الحجاز أو كان منهم (أمير للركب) كما كان الحال في الزمن القديم، نعم، لقد حج بعض المفتين والأئمة والقضاة منذ القرن الماضي، ولكنهم حجوا كأفراد عاديين، وكان عليهم في القرن الماضي أن يتخلوا عن وظائفهم قبل الحج، وقد بقي أحد الموظفين عدة سنوات في المشرق قبل رجوعه،) ذا رجعوا فإنهم لا يجدون مكانهم في السلك الديني تلقائيا، وكان بعضهم لا يرجع أصلا، كما عرفنا، وقد استمرت السياسة الفرنسية نحو الحجاج خاضعة للمصالح السياسية والاقتصادية ودون مراعاة لمصالح الجزائريين، إلى عشية الثورة، ففي ١٩٥١ كانت الإدارة ما تزال تهتم بحجيج الأعيان، رغم أن الإعلان الرسمي ذكر أن الحجاج بلغوا في تلك السنة ١، ٦٢٠ (١).
...
هذا عن الحج، أما عن الصوم، فإن شهر رمضان المعظم كان يتخذ
стр. 1826
طابعا شعبيا، ومنذ الاحتلال فقد الصوم طابعه الرسمي، فالسلطة الفرنسية لا تعترف بالأعياد الدينية الإسلامية، فعيد الفطر وعيد النحر والمولد النبوي وعاشوراء ونحوها كلها أصبحت مناسبات يتولاها المسلمون، ولا دخل فيها للسلك الديني الرسمي إلا باعتبارهم من المسلمين، فليس هناك عطلات رسمية ولا احتفالات، ولكن الفرنسيين لم يمنعوا الاحتفالات بذلك، سيما في رمضان والمولد، وفي رمضان بالذات يمكن أن نذكر مناسبتين قد تدخلان في الممارسات الرسمية، الأولى إطلاق المدفع عند الإفطار، سيما في مدينة الجزائر من بطارية في المرسي، وكان المسلمون هم الذين يدفعون ثمن الطلقات في شكل ضريبة خاصة، ويستمر ذلك خلال الشهر، والثانية هي إنشاء لجنة في الحقبة الأخيرة أطلق عليها (لجنة الهلال) وكانت تحت إدارة الشؤون الأهلية، والمقصود الظاهري منها توحيد الإعلان عن الصيام والإفطار بالرجوع إلى الجهات الرسمية وعدم اتباع الدول الإسلامية الأخرى في ذلك أو الاعتماد على رؤية الهلال جماعيا وفرديا، وكانت هذه اللجنة قد أثارت بلبلة في أوساط المسلمين، وكان بعضهم يخالفها، ولو كانت صادقة، لأنها كانت تحت إشراف السلطة المحتلة، ولأن الهيئة الدينية التي تشير بذلك كانت مغلوبة على أمرها.
وعلى المستوى الشعبي دائما كان عيد الفطر يستمر ثلاثة أيام، وكان إعلانه عن طريق المدفع أيضا، سواء اتبعه المسلمون أو اتبعوا غيره، وأثناء رمضان تضاء المآذن وتكثر الصلوات، وتنشط المقاهي، وتظل هذه مفتوحة إلى حوالي الثانية صباحا في المدن، وقد احتفظ الجزائريون بعادة المسحراتي، وهناك أعلام خاصة ترفع على الماذن، ويحيي الناس ليالي رمضان بطول السهر أكثر من الأوقات العادية، والتفنن في الألعاب والموسيقى والمأكولات، وفي يوم العيد يتفنن الناس في الملابس والحلويات، وتقام الصلوات الجماعية وتوزع الصدقات وتزار المقابر والأقارب، وقد استحدثت بدع كثيرة لابتعاد الناس عن تعاليم الدين، وكانت السلطة الفرنسية تشجع عليها لأنها تساعد على تغييب العقل والتعلق
стр. 1827
بالخرافات بدل السياسة، وقد ترك رجال الدين سنة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولا سيما في المولد النبوي وغيره إذ تدخلت بعض الطرق الصوفية وأصبحت تمارس فيه أفعالا بعيدة عن سيرة الأسلاف (١).
وقد سجل بعض الكتاب الجزائريين بالفرنسية وصف ممارسات مواطنيهم في رمضان للفرنسيين، ويبدو أنهم كانوا يعتقدون أنهم بذلك يخدمون الإسلام، وكانوا في الواقع إنما يخدمون الفرنسيين من جهة، ويسجلون واقعا اجتماعيا ودينيا من جهة أخرى، ولعلهم إنما كتبوا ما كتبوا للتدرب على الكتابة بالفرنسية ليكونوا مقبولين عند علماء الاجتماع والفولكلور الفرنسيين، أما أهل البلاد فلم يستفيدوا شيئا من كتاباتهم، ومن ذلك ما كتبه الشيخ محمد بن أبي شنب ومحمد صوالح عن عادات رمضان (٢).
إجحاف في حق الدين ورجاله
ورغم هذا الغياب الطويل لرجال الهيئة الدينية عن الشؤون الدينية المحضة، فإننا نجد بعضهم يقفز إلى السطح أحيانا، ويكون هو المحرك عادة لمسألة فقهية وقع فيها خلاف بين مفتي وآخر، ويكون خلافهما أحيانا حادا فيؤدي إلى تدخل آخرين لنصرة هذا أو ذاك، ويقع الهجاء أحيانا وتقوم زوبعة ولكن في فنجان، كما يقولون، لأن المسألة لا تستحق كل ذلك الهرج، وقد تتدخل السلطة إذا رأت أن الخلاف قد ينجر عنه عواقب وخيمة في الأمن وزعزعة الأوضاع، كما فعلت في حالة الشيخ عاشور الخنقي مع الشيخ محمد الصالح بن مهنة، حول مسألة عصاة الأشراف، ومن المسائل التي تحضرنا الآن الخلاف الذي وقع بين المفتيين حميدة العمالي وأحمد بوقندورة، والذي ألفت فيه بعض التقاييد وقيلت فيه بعض القصائد وانتصر فيه القاضي
стр. 1828
الطيب بن المختار للعمالي (١). وكذلك مهاترات أبي طالب الغريسي المعروف بأحمد المجاهد، انتصارا للمفتي علي بن الحفاف ضد محمد المصطفى المشرفي، وكل هذه الموضوعات سنعالجها في مكانها.
كما أننا سنتحدث عن دور الكنيسة الفرنسية في مكان آخر من الكتاب. ونود الآن أن نقارن بين ما تخصصه السلطة الفرنسية للدين الإسلامي الذي هو دين الأغلبية الساحقة من السكان، وما تخصصه للديانة المسيحية والديانة اليهودية، ففي سنة ١٨٨٤ ذكر لويس رين توزيع الميزانية بين الأديان الثلاثة مقارنة بأعداد السكان لكل دين، مع نسبة المخصصات لكل رأس أو فرد (٢).
الديانة ... عدد السكان ... الميزانية (بالفرنك) ... للفرد أو الرأس
المسلمون ... ٢، ٨٤٢، ٤٩٧ ... ٢١٦، ٣٤٠ ... ٠، ٠٧٣
الكاثوليكيون ... ٣١٠، ٠٠٠ ... ٩٢٠، ١٠٠ ... ٢، ٩٣
البروتيستانتيون ... ٧، ٠٠٠ ... ٨٣، ١٠٠ ... ١١، ٠٨
الإسرائيليون ... ٣٥، ٦٦٥ ... ٢٦، ١٠٠ ... ٠، ٧٣١
وقد تواصلت هذه السياسة المجحفة في حق الديانة الإسلامية طيلة العهد الفرنسي، مثلا قبل قانون فصل الدين عن الدولة (١٩٠٧) كانت النفقات ما تزال غير عادلة، فقد كان المسيحيون جملة يتقاضون من إدارة الأديان مبالغ تعد ضعف ما للمسلمين رغم اختلاف عدد السكان الكبير.
стр. 1829
وإليك هذا الجدول:
الديانة ... السكان ... النفقات (بالفرنك)
المسلمون ... ٤، ٥٠٠، ٠٠٠ ... ٣٣٧، ٠٠٠
المسيحيون ... ٦٢٣، ٠٠٠ ... ٨٨٤، ٠٠٠
الإسرائيليون ... ٦٤، ٠٠٠ ... ٣١، ٠٠٠
ولم يغير قانون فصل الدين عن الدولة شيئا تقريبا بالنسبة للدين الإسلامي، إن فرنسا طبقت ذلك القانون على نفسها منذ ١٩٠٥، وفي ٢٧ سبتمبر ١٩٠٧ سرى مفعول ذلك القانون على الجزائر أيضا، ولكن بالنسبة للمسيحية واليهودية فقط، أما بالنسبة للإسلام فقد ظل وضعه كما كان تقريبا، تتولى الإدارة فيه كل شيء، فهي التي كانت تسمي الموظفين في الحقيقة، وهي التي تتصرف في الأوقاف، وهي التي تضع المساجد والمعابد الإسلامية الأخرى تحت نفوذها، أما الجديد فهو استحداث الجمعيات الخيرية للتغطية فقط.
ولو سارت الأمور بعد الفصل مع الإسلام كما سارت مع النصرانية واليهودية لكان على تلك الجمعيات أن تتولى هي الشؤون الدينية بالنسبة للمسلمين، كما هو الحال مع الأديان الأخرى، فإذا اعتمدت فرنسا الجمعية الدينية أصبحت هي المتصرفة في شؤون دينها، ولكن الأمر ليس كذلك بالنسبة للمسلمين، صحيح أن الجمعيات قد تكونت ولكنها لم تمارس حقوقها في هذا الجانب، ولا تهتم إلا بأمور الفقراء والمساكين، فهي لا تتدخل في الترشيح ولا التسمية ولا رواتب رجال الدين، وهكذا بقيت إدارة الشؤون الأهلية الرسمية هي التي تسمي رجال الدين وهي التي تنفق عليهم أو تعزلهم، وكان انتخاب أعضاء الجمعيات الخيرية نفسه مزيفا، وكانت الجمعيات عبارة عن ظل للإدارة، ويقول الشيخ أحمد توفيق المدني الذي عاش في الجزائر منذ ١٩٢٥ ودرس أحوالها، إن الأمير خالد قد طالب بتطبيق فصل الدين عن الدولة الفرنسية بالنسبة للإسلام أيضا، وأضاف أن الإدارة
стр. 1830
قسمت الجزائر خلال العشرينات، إلى ٩٥ منطقة دينية، كانت تضم ١٦٦ مسجدا رسميا وزاوية، وكان المفتي في الظاهر هو رئيس المنطقة الدينية (١). وكانت الدولة الفرنسية هي التي تسمى رجال الدين في المساجد على يد الجمعيات التي لا تمثل إلا نفسها.
هذه التبعية الدائمة لرجال الدين للإدارة هي التي أنزلتهم منازلهم الحقيقية في نظر الشعب، فقد فقدوا الثقة وأصبحوا لا يمثلون إلا أنفسهم والإدارة التي عينتهم، وكان ضعفهم العلمي والديني وبالا على السياسة الفرنسية نفسها، كما لاحظ أوغسطين بيرك وغيره، ويبدو أن رين كان راضيا بوضع رجال الدين الإسلامي عندما قال عن الأشخاص الذين توظفهم فرنسا بأنهم يخدمون قضيتها، فلم يكن يهم الإدارة الفرنسية مكانة المفتي أو الإمام أو المدرس بين قومه ولكن ما يمكن أن تجنيه منه هي، يقول رين: (لا نستغرب أن نجد أئمة يرضون بالأجر (الفرنسي) من أجل القيام بالشؤون الدينية، ونحن نجد منهم ما نريده. لكن جعل رجال الدين (موظفين) فذلك أمر كان يصدم المتعلمين المسلمين، لأن بعض المؤلفات الإسلامية أوصى أصحابها بعدم أخذ الأجر على الصلاة وتعليم القرآن والفقه، ذلك أن رجال الدين في العالم الإسلامي يتقاضون مداخيلهم من أوقاف الجامع الذي يخدمونه) (٢).
وفي آخر القرن الماضي عبر ديبون وكوبولاني عن رأي قريب من ذلك، مع الإلحاح على ضياع هيبة العلماء ورجال الدين بالنظر إلى هؤلاء الموظفين، إن قضاء السلطة الفرنسية مآرب أخرى من أموال الوقف جعل رجال الدين، في نظر هذين المؤلفين، لا يحصلون إلا على جزء ضئيل في شكل مرتبات من الدولة وليس من الجامع أو المؤسسة التي يخدمونها، ومن
стр. 1831
ثمة بقوا بدون اعتبار في نظر مواطنيهم وفقدوا سمعتهم بينهم. (إنهم تواروا شيئا فشيئا عن الأنظار إلى أن اختفوا، وقد غطت عليهم شخصيات الطرق الصوفية) (١). وبعد عدة عقود سيعبر أوغسطين بيرك عن نفس الرأي حول رجال الدين الرسميين ولكن بالنسبة لرجال الإصلاح هذه المرة، وهم الذين جعلوا رجال السلك الديني الرسمي يظهرون أقزاما، إن فرنسا قد أهانت في هؤلاء الدين الإسلامي فأهانوا هم شعبهم، وقد تحول أشخاص كانوا يبشرون بخير ولهم فكر نير، مثل محمد العاصمي، إلى عنصر مندمج في هذه الهيئة، وأصروا على العناد، وكونوا منهم كوكبة ضالة، كادوا يجرون إليهم حتى الشيخ الطيب العقبي، وقد أنشأ جماعة منهم، في عهد التكتلات والجمعيات، مجلة (صوت المسجد) التي كانت في الحقيقة صوت (المسجد الفرنسي). ومن الواضح أن الذين لا توظفهم فرنسا إلا بعد تحريات وفحوص دقيقة لا يمكن أن يكونوا في صالح الشعب الجزائري ولا الدين الإسلامي.
مدخل إلى السلك القضائي
لا يختلف اثنان في أهمية القضاء في أي بلد، وإن بلدا كالجزائر خضع للاحتلال الأجنبي كان أول ما واجهه هو تطبيق الأحكام الشرعية. وكان اتفاق ١٨٣٠ بين الداي حسين وبورمون قد نص على احترام الدين الإسلامي، مما فهم منه احترام تطبيق الشريعة الإسلامية وجريان أحكامها على أيدي القضاة المسلمين، ولكن ذلك لم يحصل إلا جزئيا وعلى مراحل، ثم أخذ الفرنسيون يغيرون القوانين ويفرضون قوانينهم ويجردون القضاة المسلمين من صلاحياتهم إلى أن لم يبق لهم ما يحكمون فيه سوى الأحوال الشخصية، فكيف سارت الأمور؟.
شعر الفرنسيون أنهم ما لم يسيطروا على القضاء الإسلامي فإن شخصية
стр. 1832
الجزائر تظل قائمة والمقاومة بمختلف أشكالها تظل مستمرة، فالقاضي هو رمز السلطة الشرعية والساهر على تطبيق أحكام الدين، وبإمكانه، من هذا الموقع، أن يعارض السلطة الفرنسية مباشرة أو غير مباشرة باعتباره الوسيط بينها وبين الشعب، ومن ثمة يظهر أن دور القاضي كان أكثر خطورة من دور المدرس أو إمام المسجد، على الأقل بعد فصل الفرنسيين بين صلاحيات الثلاثة (القاضي والإمام والمدرس)، كما عرفنا.
كان القضاة في الماضي يتكونون في نفس المدرسة التي يتكون منها العلماء والفقهاء، فهم من رجال الدين بالمفهوم الواسع للكلمة، وهم أيضا من العلماء المفسرين للأحكام والفقهاء المصدرين لها، وكان كبار العلماء والنزهاء يفرون من منصب القضاء إذا عرض عليهم ويعتذرون عنه بأنواع الاعتذارات لخطورته في نظرهم عند الله وعند الناس، وقد استفاد الفرنسيون من بعض العلماء الذين وجدوهم ورضوا بالتعامل معهم في بداية الاحتلال، فعزلوا ونفوا بعض القضاة، وعينوا آخرين مكانهم، كما فعلوا مع رجال الدين الآخرين، ورغم أنهم أهملوا وظيفة التدريس ولم يعطوا أهمية للأئمة والسلك الديني الآخر، فإنهم أعطوا أهمية خاصة للقضاة لما لهم من علاقة بسير الحياة التجارية والمدنية والجنائية في البلاد، ذلك أن الإدارة الفرنسية الجديدة كانت في حاجة ماسة إلى مساعدة القضاة في استمرار الحياة على المستوى الإداري والديني والأمني، وكان الحاكم العام هو الذي يعين القضاة.
وقد استمر الاعتماد على بقايا العلماء في تعيين القضاة منهم وتجنيدهم إلى أن نضب المورد لعدم وجود مدرسة خاصة بتخريج الدفعات منهم، ولتوقف دروس المساجد، كما ذكرنا وإهمال التعليم العربي الإسلامي فترة طويلة، وقد استمر هذا الفرك حوالي عشرين سنة، ثم صدر كما عرفنا، مرسوم إنشاء المدارس الشرعية - الفرنسمة الثلاث، واحدة في كل إقليم، وكان الهدف من إنشائها هو تخريج القضاة بالدرجة الأولى، ولذلك كانت جريدة المبشر الرسمية تسميها أحيانا (المدارس الفقهية). وقد أسميناها نحن الشرعية، وهي المدارس التي تطورت عبر عدة مراحل، تعرضنا إليها في
стр. 1833
دراستنا عنها (١). ومن الملاحظ أن برنامج هذه المدارس قد خضع في عمومه بحسب حاجة السلطة الفرنسية إلى القضاة، فإلى ١٨٧٠ كان القضاة ما يزالون يتمتعون بأهمية في الإدارة الفرنسية، ولكن منذ الجمهورية الثالثة تقلص دورهم فتغير أيضا برنامج المدارس الشرعية، تبعا لذلك، ومهما كان الأمر فإن مصدر القضاة في الأحكام هو مختصر الشيخ خليل بن إسحاق في الفقه المالكي وشروحه، وقد قام علماء الاستشراق الفرنسيون بترجمته إلى الفرنسية، واعتمدت عليه أيضا المحاكم الفرنسية بشأن المسلمين بعد أن أخذت من المحاكم الإسلامية صلاحياتها، كما استعملت وترجمت رسالة ابن أبي زيد القيرواني وكانت أيضا متداولة، وكذلك تحفة الحكام لابن عاصم.
وكان القضاة المسلمون في نظر الشعب هم رموز السلطة الباقية - سلطة الدين التي تعني الهوية في كل أبعادها. فهم يمثلون التحدي السياسي، والمقاومة الثقافية، وجذور المجتمع المتميز عن المجتمع الفرنسي، وكل الخصوصيات الحضارية الأخرى، وقد تحدث عن هذا الموضوع عدد من الكتاب، وألفت فيه بعض الأطروحات، وسنتعرض إلى بعض الآراء حوله، وكان تحطيم جهاز القضاء الإسلامي في نظر الفرنسيين يدخل في مخطط تحطيم المجتمع الجزائري الشامل، مثله مثل القضاء على اللغة بجعلها أجنبية، والقضاء على ملكية الأرض بمصادرتها وإعطائها للمستوطنين، والقضاء على وحدة المجتمع بتفتيت الأعراش والقبائل وإنشاء الدواوير ثم البلديات الفرنسية مكانها، والقضاء على الأنساب والأصول بإنشاء الحالة المدنية على الطريقة الفرنسية، والقضاء على الدين الصحيح بتشجيع الذروشة والخرافات والتدجيل، إنه مخطط شامل، كما قلنا، ولكنه سار على مراحل، حسب الحاجة الفرنسية إلى ذلك، ولم يكن القضاة، في أغلب الأحيان، في وضع يحسدون عليه، ولم تكن مشكلتهم مشكلة خبز فقط، مثل بعض الموظفين الآخرين، ولكنها مشكلة مبدأ ورسالة أيضا.
стр. 1834
كانت سلطة القاضي غير محدودة فيما مضى، فهو مسؤول فقط أمام الله وأمام ضميره، وأحكامه غير قابلة للطعن إلا إذا رأى عرض الصعب منها على المجلس العلمي الذي كان يعقد دورة أسبوعية، وكانت أحكام القاضي نافذة وسريعة وبدون مقابل، وقلما يحكم بالسجن لأن السجن يعطل الحياة ويحرم العائلة من عضو تسترزق منه، كما أنه قلما يحكم بالغرامة لخزينة الدولة ولكنه يجكم بالتعويض للمتضرر، وقد يحكم بالتعزير والضرب، أما حكم الموت فهو نادر، ولكن تنفيذه أو العفو فيه من شان الحاكم نفسه، وكان القاضي محل تقدير وهيبة عند الجميع، فهو يمثل الدين كما يمثل السلطة الزمنية، وتفترض فيه شروط تحدثت عنها المؤلفات المختصة، أبرزها العلم بالأحكام والكفاءة والمروءة والنزاهة والخوف من الله.
وكان القضاة متوفرين في المدن وفي الأرياف، ففي المدن الرئيسية قاضيان مالكي وحنفي، إلى جانب القاضي بالمذهب الإباضي، ولا حدود في اختصاصهم، فهم يحكمون في الأحوال الشخصية وفي النوازل التجارية والمعاملات وفي مختلف المنازعات، وكذلك يحكمون في الجنايات، ويساعد القاضي نائب أو أكثر وعدد من الكتاب أو الخوجات، ومهمتهم هي تسجيل الأحكام، ويحضر المحكمة أيضا الشهود، كما تكون المحكمة مفتوحة والأحكام علنية، ولا يتقاضى القاضي أجرة من المتخاصمين وإنما يأخذ راتبه من بيت المال، وبالإضافة إلى ذلك كان هناك مجلس قضائي أو علمي، ينظر في الحالات المستعصية على القضاة، ويعقد دورة أسبوعية يوم الجمعة، بعد الصلاة، ويحضر الجلسة المفتيان والقاضيان والعدول والنظار، ويكون المجلس برئاسة الحاكم نفسه أو من ينوب عنه، وأعضاء هذا المجلس يشكلون (هيئة العلماء) في كل مدينة رئيسية، وقد أبقى الفرنسيون على هذا النموذج في المرحلة الأولى، وكانت قصيرة.
وهناك قضاة أيضا لسكان الريف، لهم نفس الصلاحيات، ولكن ليس لهم مجلس يرجعون إليه، فإذا عرض لهم ما يتوقفون فيه كاتبوا العلماء
стр. 1835
في ذلك، سواء من قرب منهم أو من بعد، وقد يشتكي المدعي إلى قاضي المدينة القريبة منه، ولكن أغلب أهل الريف كانوا يلجأون إلى المرابطين، أي رجال العلم والدين والصلاح المشتهرين بينهم، وهم ليسوا أصحاب الطرق الصوفية، بل فئة أخرى لها مكانتها الاجتماعية والدينية، ولها عادة زاوية ورثتها عن أحد الجدود، وقد تعرفنا إلى ذلك في غير هذا المكان (١). إن هؤلاء المرابطين هم الذين كانوا يحكمون بين الناس بالعدل ويصلحون ذات البين، ويجعلون المجتمع يعيش في أمن وانسجام، وفي العهد الفرنسي أعطيت الصلاحيات في القضاء في المناطق الريفية إلى القياد والباشغوات والمكاتب العربية، ثم تولتها المحاكم الفرنسية التي سنتحدث عنها (٢).
وقد تطور الموقف من القضاء الإسلامي بتطور الاحتلال نفسه، وخلافا للعاصمة، ووهران وعنابة وبجاية ومستغانم التي احتلت منذ البداية، فإن المدن والجهات الأخرى قد وضعت تحت سلطة عسكرية إدارية تسمى المكاتب العربية، وفي كل مكتب عربي عين أحد القضاة المسلمين وبعض المساعدين له، وهكذا تعين في هذه الوظيفة السامية والخطيرة من هب ودب، فيهم طبعا الصالحون، ولكن أغلبهم كانوا طالحين، ويتميزون بالمغامرة والانتهازية، وكانوا قليلي العلم لانعدام مصادره ومدرسيه، وسنتعرض إلى أمثلة منهم.
ومن الطبيعي أن تكون العاصمة هي التي شهدت مختلف التجارب في القضاء، وفي غيره، وقد سبق القول إن الفرنسيين نفوا القاضي الحنفي، كما نفوا المفتي سنة ١٨٣٠، وقد وجدوا من عينوه في مكانهما، وكان القاضي المالكي هو عبد العزيز والمفتي هو مصطفى الكبابطي، وحدث أن وقعت مشكلة تدخل في صميم القضاء الإسلامي سنة ١٨٣٤، وهي هروب امرأة
стр. 1836
معتدة من بيت الزوجية ومن أسرتها لتتزوج بأحد العسكريين الفرنحسيين، وقيل إنها اعتنقت المسيحية لتفر من حكم القضاة بإعادتها إلى أهلها حتى تقضي عدتها، وقد تولى العسكريون ورجال الدين الفرنسيون تعميدها وتهريبها إلى فرنسا، وبينما كانت المحكمة تنظر في أمرها دخل العسكريون الفرنسيون فاحتج القاضي والمفتي واستقالا، أما القاضي عبد العزيز فقد هاجر إلى المغرب، وأما المفتي الكبابطي فقد استرضاه الفرنسيون وتراجع عن استقالته، وقد عين الفرنسيون قاضيا جديدا وهو أحمد بن جعدون مكان القاضي الذي هاجر، إن الحادثة قد لا تكون مهمة في حد ذاتها ولكنها اكتسبت أهمية خاصة لعدة أسباب: تدخل الفرنسيين في استقلال القضاء، والعبث بالقيم والتعاليم الإسلامية التي لها ما تقول في حالة المرأة المعتدة، وتهريب الشخص موضوع النزل وتعميده حتى يخرج عن ربقة القضاء الإسلامي، وبالإضافة إلى ذلك فقد اكتسبت القضية بعدا سياسيا آخر وهو استقالة القاضي وهجرته، وتدخل الحاكم العام وحتى وزير الحرب في الموضوع، وظهور حركة احتجاج صاخبة في العاصمة في المحكمة وأمامها، وربما كانت هي الحركة الشعبية (١) الثانية من نوعها بعد الاحتجاج على هدم جامع السيدة سنة ١٨٣٢.
والقاضي الجديد وهو الشيخ أحمد بن جعدون، كان من عائلة دينية وعلمية محترمة خلال العهد العثماني، وقد تعرضنا لأسرته في غير هذا الجزء، ولدينا وصف لشخص أحمد بن جعدون ومحكمته في العهد الفرنسي قبل أن يفقد القضاة هيبتهم وصلاحياتهم، يقول بولسكي الذي وصف المحكمة الإسلامية قرب شارع باب الواد، إنها كانت مفتوحة للجمهور، ولها هيبتها، وكان القاضي المالكي (وهو أحمد بن جعدون) هو أكثر حرمة بين الجالسين، ومنهم المفتي الحنفي، وكان ابن جعدون كبير السن، هادئ الملامح، معتدلا، وقورا، عليه السمات الشرقية (الإسلامية) في مستواها الأعلى، وكان يبدو كأنه نبي، اكتملت رجولته ونبله، وكان يلبس الهندام
стр. 1837
المحلي الجذاب، ويتميز عن غيره من الحضر بالعمامة الكبيرة العالية، وكانت جلسة المحكمة معقودة في غرفة تزينها الزرابي فقط، والعمامة كانت أيضا هي لباس الخوجات (الكتاب)، وهي نفسها موجودة أيضا لدى الأئمة في المدن ولدى رجال الدين بصفة عامة، بمن فيهم المرابطون والطلبة داخل البلاد، وكان القاضي ابن جعدون يجلس على كرسي عال وسط طاولة بيضاوية الشكل، وأمامه نسخة مفتوحة من المصحف الشريف، وهي مجلدة ومذهبة، وعن يمينه وشماله في نفس الطاولة كان يجلس الخوجات الذين كانوا يحررون كل نازلة، ويكتبون بها الوثيقة التي تتعلق بالبيع أو غيره من أنواع المعاملات، ومن وقت لاخر كان الخوجات يهمسون بنصائحهم وآرائهم للقاضي في النوازل المهمة، ويقدم الشاوش كلا من المدعي والمدعي عليه إلى طاولة القاضي، أما إذا كانت صاحبة الدعوة امرأة، فإنها لا تدخل المحكمة وإنما تتكلم من خارجها في مكان مخصوص وتعرض قضيتها على القاضي من النافذة، وكان القاضي لا يتأثر بأية منازعات بل كان محافظا على هدوئه ووقاره التام، وكان عدد الخوجات حوالي ١٢، وهم ينوبون عن بعضهم البعض، وكان بعضهم رجالا كبار السن وخطهم الشيب، وهم بلحى كثيفة، وشعر أبيض وبشرة أصبحت مجعدة، بينما آخرون منهم ما يزالون في عنفوان الحياة (١).
وقد ترك الفرنسيون في بادئ الأمر المحاكم الإسلامية تعمل ولكن تحت نفوذهم، فلها النظر في كل المنازعات والأحكام غير الجنائية بين المسلمين، وكذلك فعلوا مع المحكمة اليهودية التي كانت تنظر في القضايا الخاصة باليهود، وأنشأوا محاكم خاصة بهم: مدنية وعسكرية، ومن هذه المحاكم ما هو ابتدائي وما هو استئنافي وتسمى الأخيرة بالمحكمة العليا، وهكذا فقد كان لكل دين من الأديان الثلاثة محاكمه، وفي البداية أيضا كانت المحكمة العليا (الفرنسية) تتكون من رئيس وخمسة قضاة، من بينهم مسلم ويهودي، فهي إلى حد ما محكمة مشتركة، ذلك أن من بين ما يقدم إليها
стр. 1838
قضايا بين مسلمين ونصارى، ثم خفضت إلى ثلاثة أشخاص، فقط: هو رئيس وقاضيان، والمحكمة العليا هذه كانت تحكم في القضايا المدنية ما عدا التجارية التي نصب لها الفرنسيون محكمة خاصة، كما تحكم في القضايا التي تكون بين المسلم والمسيحي واليهودي، وقد نصبت المحكمة العليا في منزل حضري استولت عليه السلطات الفرنسية، وكان يحضرها الجمهور، وإلى جانب القصاة الخمسة (ثم الثلاثة) هناك التراجمة والموثقون والشهود وغيرهم.
وهناك أيضا المحاكم العسكرية، وكانت محكمة العاصمة العسكرية منعقدة باستمرار، وكان مقرها في أول العهد قرب باب عزون، ذلك أن الجرائم كثيرة من جراء هجرة الجماعات غير المنتظمة من أوربا إلى الجزائر، وكانت المحكمة العسكرية تتألف من سبعة ضباط ويرأسها عقيد، وأكثر الجرائم في الجيش هي تلك التي تتعلق بالهروب وببيع السلاح والذخيرة والأمتعة، فقد كان الجنود يبيعونها إلى يهود الجزائر، وكانت الأحكام عادة هي الأشغال الشاقة لمدد معينة، كما صدرت أحكام بالإعدام، ومن بين القضايا المثيرة التي نظرت فيها المحكمة العسكرية، قضية الجندي (مانصيل)، فقد هرب من الجيش لأخذ ثاره من غريمه الفرنسي، وانضم إلى الحجوط حلفاء الأمير عبد القادر، واعتنق الإسلام وتزوج امرأة مسلمة وحارب معهم، وأثناء ذلك تمكن من قتل غريمه الفرنسي، ثم وقع القبض عليه وحوكم وصدر الحكم ضده بالإعدام، سنة ١٨٣٦ (١).
بداية التدخل في القضاء الإسلامي
ولكن استمرار وضع المحاكم الإسلامية على النحو الذي ذكرناه لم يعد يرضي الفرنسيين بعد التوسع في الاحتلال والقرار بالبقاء في الجزائر، فأخذوا يغيرون منها ويتدخلون في شؤونها بالتدرج، فقد صدر في ١٥ غشت ١٨٣٤ مرسوم ملكي يثبت القضاة المسلمين على ما هم عليه ويمنحهم الحق في
стр. 1839
الحكم في الأمور الجنائية والتجارية والمدنية (الأحوال الشخصية). ولكن طلب منهم الاحتفاظ بسجلات ووثائق الأحكام، ومنذ ١٨٣٨ بدأ التذمر من أحكام المحاكم الإسلامية، وأخذ النقد يتوالى، ومن ذلك الصعوبة في فهم اللغة العربية، وتساهل القضاة المسلمين في أحكامهم مع المتنازعين، وكثرة الأحكام بالبراءة، وقد اتهموا القضاة بأنهم كانوا يتساهلون مع الذين يأتون إليهم مباشرة، ولكنهم يتصعبون مع الذين تحولهم عليهم السلطة الفرنسية، ومن أوجه النقد الهامة في نظر الفرنسيين أن القضاة المسلمين لا يستطيعون إصدار الأحكام في القضايا الجنائية إذا وقع التسامح بين الخصمين، وبالإضافة إلى ذلك فإن وجود المحاكم الفرنسية إلى جانب المحاكم الإسلامية جعل بعض الجزائريين يقارنون ويرون أن أحكام المحاكم الأولى أكثر دقة وجدية - هكذا يقول النقاد الفرنسيون عندئذ، وربما شكا بعض الغاضبين من حكم القاضي المسلم إلى السلطة الفرنسية فاغتنمت هذه الفرصة أيضا ضد القضاة المسلمين عموما، وهكذا، وقد أضيف إلى ذلك أن القضاة المسلمين لم يعملوا بمرسوم ١٠ غشت ١٨٣٤ في حفظ السجلات والوثائق (١).
وكان هذا النقد في جملته تحضيرا لبداية تجريد المحاكم الإسلامية من اختصاصاتها وتحويلها إلى المحاكم الفرنسية، فالفرنسيون يريدون لغتهم هي لغة القضاء كله، وهم يربطون بين اللغة وبين السيادة، وكذلك أحسوا أن أحكام القضاة المسلمين متهاونة أو متساهلة وهي تنتهي بحكم البراءة والصلح بين المتخاصمين، وهم (الفرنسيون) لا يريدون ذلك، بل يريدون التشدد وقبض المقابل من المتخاصمين، ولعلهم فسروا تساهل القضاة المسلمين بأنه موقف سياسي ضد الاحتلال هدفه التعاون بين الجزائريين، وكان إنشاء
стр. 1840
الازدواجية في القضاء - المحاكم الفرنسية إلى جانب المحاكم الإسلامية - يتماشى مع الازدواجية في التعليم حيث أنشأوا أيضا المدرسة الفرنسية إلى جانب المسجد والزاوية ليفرضوا على الناس المقارنة من جهة والرقابة من جهة أخرى، وما لم يستسغه الفرنسيون هو أن المسلمين لا يستأنفون الأحكام في المحكمة العليا الفرنسية، بل كانوا يقبلون راضين بما يصدره القاضي المسلم في قضيتهم، ولاحظوا أن استئنافين فقط حدثا سنة ١٨٤٠، وكان القضاة الفرنسيون لا يثقون في القضاة المسلمين، فكانوا يراقبون أحكامهم، كما لاحظوا أن السكان يفضلون أحكام القضاة المسلمين لأسباب دينية واجتماعية، وهذا لا يرضى طموحات الفرنسيين في السيطرة والتوغل إلى النفوس والألسنة والعقول، وكان السكان يفضلون قضاتهم لأن هناك حياة خاصة لا يطلع عليها غير المسلم، بالإضافة إلى العامل الديني، ولكن الفرنسيين يعترفون أن القضاء الإسلامي لا يكلف المتنازعين مالا كثيرا وأنه سريع، بخلاف القضاء الفرنسي الذي يتميز بالبطء وارتفاع التكاليف (١).
لقد رأت السلطة الفرنسية أن أحكام القضاة المسلمين لا تتماشى مع قوة دفع الاحتلال، سيما بعد تعيين المارشال بوجو سنة ١٨٤١ ومنحه سلطات واسعة لسحق المقاومة مهما كانت الوسائل، وقد اتهموا القضاة المسلمين بالتواطؤ السياسي مع المقاومة وعدم إدخال الفرنسيين في الموضوع، لذلك صدرت بين ١٨٤١ و ١٨٥٤ مجموعة من الإجراءات والمراسيم أدت في النهاية إلى انتزاع سلطة القاضي المسلم وجعله مجرد أداة منفذة وتحت رقابة القضاة الفرنسيين، فالمرسوم الملكي الصادر في ٢٨ فبراير ١٨٤١ انتزع من القضاة المسلمين حق الحكم في الجنايات والجنح، كما فرض استئناف الأحكام في المحاكم الفرنسية، وأضاف مرسوم ٢٦ سبتمبر ١٨٤٢ قيودا جديدة على القاضي المسلم، فقد أصبح في استطاعة المحاكم الفرنسية النظر في القضايا التي تخص المسلمين أيضا وأن تصدر هي الأحكام بشأنها، فكان ذلك بداية التعسف في تطبيق القانون غير الإسلامي على المسلمين، فإذا كانت المحاكم الفرنسية تطبق القانون الفرنسي على
стр. 1841
الأوربيين والفرنسيين فإنها كانت تطبق في الحقيقة القوانين الاستئنافية على المسلمين (١). وكان غرض المحاكم الفرنسية من ذلك هو قمع الثورات والقضاء على المقاومين والمشتبه في أمرهم والاستيلاء على الأراضي، فكانت السجون والإعدامات والمحتشدات وأحكام النفي الفردي والجماعي والتغريم ومصادرة الأملاك.
وكأنه عز على الفرنسيين أن يسير الجزائريون شؤونهم دون الرجوع إليهم، فقد كانت دولة الأمير عبد القادر قد اهتمت بسير القضاء اهتماما خاصا، وكان الأمير قد اجتهد في تعيين أفضل العناصر في القضاء سواء لدى الجيش أو لدى الشعب في المناطق التي عليها خلفاؤه، وقد جلس هو شخصيا للقضاء يوميا، وإليك ما تحدث به أحد الفرنسيين عن عناية الأمير بالقضاء، فقد جعل لكل قبيلة قاضيها الخاص، ومهمة هذا القاضي الفصل فيما ينشأ بين الأهالي من منازعات إذا لم تكن قد حلت عن طريق القائد أو الآغا أو الخوجة أو الخليفة أو حتى الأمير نفسه، وألحق الأمير بكل خوجة قاضيا، يساعده أربعة عدول، ويحكم القاضي ضد الأشخاص الذين اتهموا بالجرائم وغيرها من المخالفات، لكنه لا يستطيع إصدار حكم الإعدام على أحد إلا بحضور الخليفة نفسه، وبعد الاستماع إلى الشهود ومعرفة القرائن، وللقضاة شواش يسهرون على تنفيذ الأحكام الصادرة عنهم وهي تتراوح بين الإعدام وقطع اليد اليمنى والجلد والغرامة والسجن أحيانا، والأمير هو وحده الذي يعلن عن حكم السجن (وهو حكم غير معمول به في العادة). أما في القضايا الخلافية بين عدة أطراف فإن الذي يحكم فيها هو المجلس - وهناك مجلس في كل إقليم - الذي يراجع أحكام القضاة (٢).
стр. 1842
ومن قضاة الأمير عبد القادر المعروفين الشيخ عدة بن غلام الله، وقد أشرنا إليه في فصل الطرق الصوفية، صاذا رجعنا إلى نماذج من قضاة الأمير وجدناهم في أغلبهم من أعيان العلماء والفقهاء، ولم يتسامح الأمير مع القضاة المنحرفين عن الخط الذي حدده لأن وظيفتهم سياسية وشرعية في آن واحد، ومن القضاة الذين عوقبوا في عهد الأمير سيدي أحمد بن الطاهر البطيوي، فقد ثبت للأمير أنه كان يتعامل مع العدو، فاقترب من بطيوة واستدعاه، وقيل إنه أمنه، ثم حمله معه إلى معسكر حيث حاكمه مجلس، وفي غياب الأمير نفذ فيه حكم القتل، ولعل الأمير كان يظن أن الحكم ضد القاضي سيكون السجن فقط.
بينما كان القضاة في العاصمة وغيرها يجرون القضاء في بادئ الأمر طبقا لأحكام الشريعة، فيحرمون الفرنسيين من المال ومن الاطلاع على نوعية المشاكل، ومن ثمة يبعدونهم عن أمور المسلمين الخاصة، وقد استغرب أحد التقارير المكتوب في حدود سنة ١٨٤٣ كيف صدرت أحكام البراعة بالجملة من القضاة المسلمين، كما أن المجلس القضائي لم تسجل فيه أية قضية (كان للمجلس دور الاستئناف تقريبا). فمن بين ١، ٢٠٩ من القضايا المدنية حل القاضي المالكي في مدينة الجزائر منها ٩٩١ قضية عن طريق التراضي، ومن بين ١، ٨٦٥ قضية مدنية عرضت على القاضي الحنفي: حكم في ٨ منها فقط بالتراضي، أما في وهران فالقاضي حكم في ٥٢ قضية جنائية، ومن بين ١٠٧ قضايا مدنية حكم في ٣٢ منها بالتراضي، وفي عنابة أصدر القاضي ٢٦ حكما جنائيا، و ١٦٩ حكما مدنيا منه ١٦٨ بالتراضي (كلها تقريبا). وفي سكيكدة أصدر القاضي ٥ أحكام جنائية و ٩٣ حكما مدنيا و ٧٤٤ حكما بالتراضي (١). يقول لويس رين بهذا الصدد: إن فرنسا قد أحلت منذ ١٨٤٢، قانونها
стр. 1843
الجنائي محل القصاص وغيره في القرآن دون أن تحدث أية معارضة من الأهالي، أما الحدود المدنية فقد بقيت بأيدي القضاة والمسلمين يطبقون عليها مبادئ الشريعة الإسلامية، مع بعض التحفظ، لأن هؤلاء القضاة كانوا يطبقون الشريعة دون المساس بشعور أحد، ولكن أحكامهم كانت مستغلة من الشخصيات الدينية ضد فرنسا (بصفة صماء) (١). إن الجزائريين في الواقع قد عارضوا تجاوز الأحكام القرآنية ولكن بطريقتهم، ففي عهد بوجو الظلوم كانت المقاومة على أشدها في سيف الأمير عبد القادر وغيره، وكان ذلك أبلغ معارضة لفرض القوانين الفرنسية وكل مظاهر الاحتلال الغاشم.
حقيقة أن مرسوم ٢٦ سبتمبر ١٨٤٢ قد أبقى على المحاكم الإسلامية وكلف الحاكم العام بتسمية القضاة والمفتين، وخصص لهؤلاء وأولئك رواتب من الحكومة الفرنسية، وبناء عليه أيضا فإن القضاة المسلمين لم يعد لهم صلاحية النظر في المسائل الجنائية، ولم يبق لهم إلا المسائل المدنية والتجارية الخاصة بالمسلمين، ولكن أحكامهم غير مطلقة وغير نهائية إذ يمكن للمتنازعين استئنافها لدى المحاكم الفرنسية، وأصبح القاضي المسلم يجمع بين صفة القاضي وصفة الموثق، وبإمكانه تحرير العقود والاتفاقات الخاصة بالمسلمين، وفي حالة عدم وجود موثق فرنسي على مسافة ٢٠ كلم، يمكن للقاضي أن يحرر قضيته وحكمه في الأمور التي يكون فيها المسلم طرفا، وتنص المادة ٤٦ من المرسوم المذكور على أن القاضي يسجل أحكامه في جميع القضايا التي حكم فيها في سجل خاص ثم يسلمه كل شهر للتأشيرة عليه من قبل الوكيل العام الفرنسي.
ويبدو أن المعارضة كانت قوية لهذا المرسوم على خلاف ما يزعم رين، حتى لدى القضاة أنفسهم، فالمصادر الفرنسية تذكر أن القضاة تماطلوا في تطبيق المرسوم، إذ ظل إلى سنة ١٨٤٦ دون تطبيق إلا في حدود ضيقة
стр. 1844
وغير كاملة نتيجة الإهمال، حسب تعبير المصدر (١). ومنذئذ كان تطبيق المرسوم يسير ببطء، وقد حاولت الجمهورية الثانية (١٨٤٨) أن تنشط إدماج الجزائر في فرنسا فمست مختلف الميادين بما فيها القضاء، فصدر عنها في هذه السنة تنظيم القضاء فيما يسمى بالمقاطعات المدنية، ثم صدر عن الحاكم العام قرار في ٢٩ يوليو، ١٨٤٨ أيضا أعاد تشكيل المجلس العلمي (هيئة العلماء) الذي يعتبره الفرنسيون نوعا من المحكمة العليا الإسلامية، كما مس القرار إعادة ترتيب محاكم القضاة على المذهبين المالكي والحنفي.
وفي قرار آخر بنفس التاريخ أنشأ الحاكم العام منصبا جديدا في المحاكم الإسلامية، وهو منصب الوكيل الذي كلف بمهمة خاصة، وهي مساعدة المتنازعين والدفاع عنهم مجانا، وهو نوع من التدخل الفرنسي المباشر في تسيير شؤون المحاكم الإسلامية والتعرف على ما يجري فيها والتعجيل بالاندماج في الإجراءات القانونية، وهو الاندماج الذي كان سائرا في مجالات أخرى موازية، وفي قرار آخر بنفس التاريخ فرضت على المحاكم الإسلامية أيضا أجرة وحقوق الكتابة، وهو ما لم تعرفه المحاكم من قبل، وكان على القضاة أن يحضروا سجلات فيها النصوص المعتمدة والأحكام الصادرة عن كل محكمة، وكان على هذه السجلات أن تقدم مرة كل شهر إلى الوكيل العام في الجزائر لإجازتها، وفي غير الجزائر كانت تقدم إلى وكيل الجمهورية أو إلى قاضي الصلح لإجازتها واعتمادها، وفي ذلك إخضاع تام لأحكام القضاة المسلمين للرقابة الفرنسية وسيادة القانون الفرنسي على الشريعة الإسلامية.
أما من جهة المسائل المعروضة وأنواع الحكم الصادر فيها، فإن الإحصاءات الفرنسية الصادرة في الأربعينات من القرن الماضي تذكر أن النوازل التجارية والمدنية بصفة عامة، وحسب الأهمية، هي ما يلي: طلبات دفع الأجور، وطلبات دفع أثمان البضائع، وطلبات الطلاق. ويقول
стр. 1845
الإحصاء: إن المنازعات بشأن العقارات لا تأتي إلا في الدرجة الثانية، أما المسائل الجنائية فهي لا تخرج عن الخمر التي تحتل نوازلها حيزا كبيرا (١)، والإفطار في رمضان، والكفر أو لعن الدين، وسوء السلوك في الأماكن الدينية، ومن التطورات التي حدثت في هذا المجال منذ الاحتلال، أن القضاة بدأوا يصدرون أحكامهم بالسجن بدل الضرب، رغم أن الضرب كان ما يزال مستعملا لأن أعراف البلاد تبيحه، ويقول المعلق على الإحصاء: إن استعمال السجن بدل الضرب يدل على التأثير الفرنسي في الجزائر (٢).
يجب أن نربط هنا بين التطور السياسي والإداري للجزائر وصدور المراسيم والإجراءات المتعلقة بالقضاء الإسلامي، ففي العشر سنوات الأولى من الاحتلال نستطيع القول إن دور المحاكم الإسلامية بقي على حاله في الجملة، رغم مرسوم ١٨٣٤ الذي كان يهدف إلى الاندماج القضائي ورغم تأثر القضاء، كغيره، بمصادرة الأوقاف وإهمال التعليم والتدخل في شأن الدين (الديانة). وابتداء من العشرية الثانية للاحتلال وأمام اشتداد المقاومة الوطنية، واتهام القضاة بالتساهل مع المواطنين، لجأت سلطة الاحتلال إلى تقليص صلاحية القضاة المسلمين بعدة مراسيم وقرارات أشرنا إليهاة وقد صدرت كلها بين ١٨٤٤ و ١٨٤٨، وتمثل السنة الأخيرة هزيمة الأمير عبد القادر واستسلام الحاج أحمد، باي قسنطينة، وقيام الجمهورية الثانية في فرنسا، وهي الجمهورية التي تراجعت عن كلمة فرنسا بالنسبة للأمير وسجنته بدل تركه يذهب إلى المشرق، وهي التي أمطرت الجزائر بقوانين وقرارات تجعلها (جزءا لا يتجزأ) من فرنسا، كما جاء في دستور هذه الجمهورية، وكان القضاء من أبرز العناصر المتأثرة بهذه التغييرات، لأهميته السياسية والدينية والأمنية، وكانت قوانين الجمهورية الثانية كلها تهدف إلى دمج الجزائر في فرنسا، بما في ذلك القضاء الإسلامي، مع ملاحظة أن هذا القضاء
стр. 1846
كان يتبع وزارة الحرب، أما القضاء الفرنسي فكان يتبع وزارة العدل.
منذ ١٨٥١ كانت وزارة الحرب التي تتبعها الجزائر إداريا، تحضر لتغيير آخر يخص القضاء الإسلامي، لقد أطلقوا عليه مشروع ضبط الكفاءات والاختصاصات والاستئناف والرقابة وإدارة المحاكم الإسلامية، وكانت هناك لجنة استشارية تتولى دراسة هذا الموضوع (١). فالقضاء الإسلامي ما يزال مزغجا للسلطات الفرنسية وهو وسيلة غير آمنة إذا ما تركت في أيدي غير فرنسية، وتصادفت دراسة مشروع إعادة النظر في القضاء الإسلامي مع إنشاء المدارس الشرعية - الفرنسية الثلاث، وكذلك مع إنشاء بعض المدارس الابتدائية التي سميت بالعربية - الفرنسية، وكانت الجمهورية الثانية برئاسة لويس نابليون الذي سيقوم بالانقلاب في ديسمبر ١٨٥٢، ويحول النظام من جمهوري إلى اجمبراطوري، ويصبح هو نابليون الثالث، فنحن إذن سندخل فترة الخمسينات مع مرحلة جديدة في دور القضاء الإسلامي (٢).
تجربة المجالس القضائية ومراسيمها
ولا ندري إن كان تغيير النظام السياسي في فرنسا قد أدى إلى تأخير المشروع المشار إليه حول القضاء، ذلك أن المرسوم الخاص بذلك التغيير لم يصدر إلا سنة ١٨٥٤، وفي هذه الأثناء كان الحاكم العام في الجزائر هو المارشال راندون الذي عهد إليه باستكمال (رسالة) بوجو في (التهدئة)، ففي أكتوبر من السنة المذكورة (١٨٥٤). صدر مرسوم تنظيم القضاء الإسلامي، وقد نص على ما يلي: إنشاء مجلس فقهي - وقد كان موجودأمن قبل، ولكن أعيد إليه الاعتبار، ومنحه صلاحية محكمة الاستئناف، وقد كان ذلك معمولا به أيضا قبل ذلك، دون أن يحمل نفس التسمية، ولعل الجديد في الموضوع هو (استقلالية) القضاء الإسلامي بعد أن كان القضاة ملزمن بتقديم سجلاتهم
стр. 1847
إلى الوكيل العام أو وكيل الجمهورية أو قاضي الصلح للتأشيرة عليها، والجديد أيضا هو إلغاء الاستئناف إلى المحكمة الفرنسية العليا، وبمقتضى ذلك المرسوم أيضا أصبحت الجزائر مقسمة إلى مناطق قضائية في كل منطقة محكمة، لها قاض ومساعدان، أما المنطقة التي ينشأ فيها (مجلس). فإن المجلس يتألف من رجال الدين والقضاء (هيئة العلماء قديما) وهم المفتيان والقاضيان (المالكي والحنفي) والمساعدان، وتنظر المحاكم الإسلامية الجديدة - وكذلك المجالس - في الشؤون المدنية والتجارية (المعاملات) وغيرها مما هو ليس خطيرا كالجنايات أو ما يدخل في مسؤوليات القضاء الفرنسي، وكان تعيين القضاة من صلاحيات الحاكم العام، وكانوا جميعا يخضعون لرقابة إدارية مشددة (١). ويرى بعض الكتاب أن هذه (الإصلاحات) سارت في طريق السرعة والمجانية، ولكنه يعترف بأنها فصلت بين النوعين من القضاء: الإسلامي والفرنسي إذ أنشأت دائرة الاستئناف الإسلامية بدل الاستئناف في المحكمة الفرنسية (٢). وسنرى أن عمر هذه الإصلاحات كان قصيرا.
أنشئت إذن محاكم القضاة والمجالس القضائية، وكنموذج لأحد المجالس يحدثنا باحث فحص موضوع القضاء بدقة، عن مجلس مدينة معسكر بين ١٨٥٤ - ١٨٥٦، كانت هذه المدينة كغيرها من معظم المدن الجزائرية محكومة بالجهاز العسكري المعروف بالمكب العربي وتحت إشراف ضابط فرنسي، وكان عدد سكانها سنة ١٨٥٥ قد بلغ ٧٥٠٠٠ نسمة، وهو رقم يدل إذا صح، على نموها السريع، بعد أن عانت من حريق كلوزيل ١٨٣٥، وهجرة أهلها منها سواء إلى تاكدمت أو في الزمالة أو إلى المغرب الأقصى، وقد احتلها الفرنسيون سنة ١٨٤٢، وكونوا فيها المكتب العربي لإدارتها وعينوا فيه أحد القضاة، وقد صادر الفرنسيون الأرض التي غاب عنها أهلها وعينوا على مختلف القبائل والأعراش قيادا وباشغوات تابعين لهم في
стр. 1848
الظاهر، وكان المرابطون ورجال الدين الذين خدموا الأمير عبد القادر وبايعوه تحت الشجرة، (شجرة الدردارة) ما تزال منهم بقايا ونفوذ، وتألف، مع المرسوم الجديد (١٨٥٤). مجلس ضم قاضي المكتب العربي وفقراء المرابطين بالناحية. وكان المجلس ينظر في عدة قضايا منها الأرض، وكان الأعضاء أنفسهم يملكون الأرض، كما كان المجلس ينظر في أمور المنازعات وغيرها من القضايا المحلية. وكان المجلس أيضا يعطي رأيه حتى في الأمور السياسية.
ورأى الباحث المشار إليه أن دور المجلس أخذ يضعف بالتدرج لسيطرة المكتب العربي على مقاليد الأمور ولأن الفرنسيين كانوا هم الذين يصدرون الأحكام في القضايا الجنائية، وكانت أحكامهم تتراوح بين المقصلة والسجن، ولهم محاكمهم الخاصة بذلك وسجونهم، ومع ذلك فإن الاعتبارات المعنوية والدينية ظلت محفوظة عند أعضاء المجلس، معتبرين أنفسهم كأنهم هم الذين بايعوا الأمير سنة ١٨٤٢، أو ورثتهم .. وتظهر أهمية دور المرابطين في نظر الباحث مراعاة الأنساب والألقاب عند المناداة وتسجيل الوثائق: مثلا: المشارفة، وعائلة سيدي دحو، وأولاد أحمد بن كلي، كما أن هناك ألقابا في الوثائق مثل فلان البركة، وسيدي فلان، وعبارة فلان ﵁، أما الناس العاديون فلا يضاف إليهم لقب كالذي ذكرنا. وفي دراسة لسجل المجلس المذكور بمعسكر وجد هذا الباحث أن الأحباس (الأوقاف) قليلة ولم يشر إليها السجل بالمرة، وإنما تذكر المصادر الفرنسية أنهم وجدوا حوالي ٢٠٠ هكتار تابعة لزاوية القيطنة، والمعروف أن السلطات الفرنسية قد وضعت يدها على جميع الأوقاف منذ ١٨٤٤ على المستوى الوطني، أما أرض الملك، والتي كانت على الشياع، فقد كانت موجودة، وهي غير قابلة للبيع والتوزيع لأنها ملك للعائلة أو القبيلة كلها، وإذا قسمت فإنها تقسم طبقا لأحكام الشريعة (١).
стр. 1849
كان رئيس مجلس معسكر الفقهي هو الشيخ الطاهر بن عمر، قاضي المكتب العربي، وهو من عائلة مرابطين من الحياينة بنواحي برج معسكر. وكانت تركيبة المجلس تضم صغار القيمة وكبارها، والصغار هنا هم الذين توظفوا لملء الفراغ وحاجة الفرنسيين إليهم، ومنهم القضاة والعدول والشهود، وهم يعملون تحت المظلة الفرنسية، فلهم نفوذ وسلطة، أما الكبار فهم أولئك الجيل من الفقهاء والمرابطين الذين سبق لهم العمل في دولة الأمير ونضجوا في المقاومة السياسية، ولكن الظروف جعلتهم يدخلون المجلس أيضا، وكانوا في الواقع يشمكلون (المعارضة) الصامتة، وكانوا بدون نفوذ، ولكن الصغار أو الجدد كانوا لا يستغنون عنهم ويستشيرونهم في مختلف القضايا، ويسمونهم بأسماء التبجيل والاحترام، ومن هؤلاء محمد بن معاشو الذي عمل مع الأمير عبد القادر، ثم دخل المجلس قاضيا في عهد الفرنسيين، ولكن هؤلاء اتهموه بالتواطؤ مع صديقه وقريبه محمد بن جلال الدرقاوي سنة ١٨٥٤، ونفوه إلى جزيرة سانت مرغريت بعد تجريده من القضاء (١).
وقد عاش مجلس معسكر، كغيره من المجالس، هجوم المستوطنين (الكولون) عليه باعتباره تحت حماية العسكريين، سيما بعد حادثة (دوانو) في تلمسان سنة ١٨٥٦، وكان الطاهر بن عمر من ضحايا هذا الهجوم أيضا إثر فضيحة ١٨٥٨، فقد جرد من القضاء ومن عضوية المجلس، وكان ما يزال في الأربعينات من عمره، وظل اسمه مختفيا إلى سنة ١٨٦٦ حين تولى القضاء ثانية ولكن لفترة قصيرة - سنة واحدة - ثم اختفى مرة أخرى ولم يعرف له خبر، وقد انتهى مجلس معسكر كغيره من المجالس سنة ١٨٥٩، كما سنرى.
стр. 1850
وكان كاتب مجلس معسكر عندئذ هو السيد الطاهر بن محمد المحفوظي، وهو من أسرة دينية معسكرية، وكان عمه وخاله كلاهما تولى القضاء في العهد العثماني الأخير، وكان الطاهر شابا عند الاحتلال الفرنسي لأنه من مواليد ١٨١٧، ومنذ البداية هرب إلى وهران حيث كان يتمركز الفرنسيون وربط مصيره بقاضي وهران عندئذ محمد بلقايد، وكان بلقايد هذا من نخبة المخزن الذين اعتمد عليهم الفرنسيون، وليس من نخبة العلماء والمرابطين الذين اعتمد عليهم الأمير، وهكذا وجد الطاهر المحفوظي نفسه في الصف المعادي للأمير، سيما بعد تحالف الزمالة والدوائر مع الفرنسيين منذ سنة ١٨٣٥، ومنذ ١٨٤٢ ارتبط المحفوظي بالفرنسيين ووظائفهم، فتولى وعمره ٢٥ سنة، الكتابة لحاكم تلمسان بعد احتلالها في السنة المذكورة (١٨٤٢). وبقي كذلك إلى ١٨٤٦ حين أصبح مفتيا لتلمسان، ثم تولى بعد استقالته أو إقالته، قضاء التركات في معسكر، وفي سنة ١٨٥٣ أصبح المحفوظي كاتبا للمجلس بمعسكر أيضا، وهي الوظيفة التي حافظ عليها بعد تنظيم ١٨٥٤، ويبدو أنه قد ربط مصيره أيضا مع القاضي محمد بلقايد، الذي كان يعتبر عدوا للأمير، فقد سافرا معا (بلقايد والمحفوظي) إلى معرض باريس الدولي سنة ١٨٥٥، وفي سجل مجلس معسكر أخبار هامة عن اأحمحفوظي، وكان قد زار قسنطينة سنة ١٢٧٨ (١).
стр. 1851
وبناء على المرسوم المذكور (أكتوبر ١٨٥٤) أصدر وزير الحربية في ٢٧ أبريل ١٨٥٥ قرارا بإنشاء المجلس الفقهي في الجزائر ليكون هو محكمة الاستئناف الإسلامية، وقد ضم عناصر من بقايا العلماء المخضرمين، وهم:
الاسم ... العضوية ... ملاحظات
١ - بلقاسم بن البزغتي (١) ... رئيس المجلس ... قاضي المكتب العربي بام السنام (الأصنام)
٢ - حسن بن بريهمات (٢) ... كاتب المجلس ... قاضي المكتب العربي بالبليدة
٣ - حميدة بن العمالي ... عضو ... قاضي المالكية بالعاصمة (قبل توليه الفتوى)
٤ - الطاهربن غراس ... عضو ... مدرس بمدرسة تلمسان الشرعية - الفرنسية
٥ - أحمدبن عياد ... عضو ... قاضي المكتب العربي بتلمسان
٦ - محمدالعياشي بن برنو ... عضو ... مفتي مستغانم
٧ - الحاج أحمد بن البارك (٣) ... عضو ... مؤلف ومدرس بمدرسة قسنطينة الشرعية - الفرنسية.
٨ - الكي البليدي (٤) (كذا) ... عضو ... مدرس بمدرسة قسنطينة الشرعية - الفرنسية.
ونلاحظ أن أغلبية الأعضاء من قضاة المكاتب العربية وهم أربعة، ويأتي بعدهم المدرسون في المدارس الشرعية - الفرنسية، سيما تلمسان وقسنطينة، وهم ثلاثة، ثم مفتيان، ونلاحظ غياب المدرسين من مدرسة الجزائر، عدا ابن بريهمات، ومن الغريب عدم وجود اسم الشيخ محمد الشاذلي ضمن التشكياة، فقد سبق له أن كان قاضيا في المكتب العربي بقسنطينة عدة سنوات، ثم أصبح مديرا لمدرسة هذه المدينة منذ إنشائها، وكان يجمع بين القضاء والتدريس والإدارة.
كان المقر الرسمي للمجلس الفقهي هو، الجامع الكبير بالعاصمة، وقد
стр. 1852
عقد أول دوراته في ٢٥ غشت ١٨٥٥ (١). وكانت صلاحيات هذا المجلس تنحصر في مراقبة سير المجالس المحلية المشابهة وقضايا محاكم القضاة في مختلف الدوائر.
لم يلبث الفرنسيون أن تراجعوا عن تجربة المجالس القضائية والمحاكم الإسلامية والمجلس الفقهي الاستئنافي، فقد تبينوا أن ذلك كان خطأ منهم، وأنه لا يخدم مصالحهم التي تقتضي جعل كل شيء في الجزائر تابعا لهم وليس مستقلا عنهم، فقد تبينوا أن التجربة ترجع بالقضاء الإسلامي إلى استقلاليته الأولى، واستقلال القضاء يعني الكثير، سيما وأن معظم القضاة كانوا من المتعلمين ذوي الأصول المرابطية والعلمية المتنفذة في البلاد، وبعضهم كان قد تولى القضاء في دولة الأمير وله تكوين سياسي واضح، وقد شن المستوطنون حملة ضد المجالس واستقلال القضاء الإسلامي ونافى وا بضرورة وضعه تحت القضاء الفرنسي، ونددوا بالعسكريين الذين كانوا في نظرهم يحمون القضاة المسلمين، وكان للتجربة الإدارية والجديدة أيضا دخل في هذا التغيير في المحاكم والمجالس الإسلامية، فقد ألغيت وظيفة الحاكم العام في الجزائر لأول مرة سنة ١٨٥٨، وأنشئت في فرنسا وزارة الجزائر والمستعمرات، ودامت هذه التجربة سنتين فقط، ثم عادت وظيفة الحاكم العام، وخلال ذلك التغيير قدم الوزير شاسلو - لوبا تقريرا سنة ١٨٥٩ انتقد فيه بشدة إنشاء المجلس الاستئنافي الإسلامي والمجالس القضائية الإسلامية، وكان ذلك صدى لنقد المستوطنين الذي ذكرناه، كما وقعت عدة (فضائح) بين ١٨٥٦ - ١٨٥٨ ينسبها المدنيون إلى المكاتب العربية العسكرية التي كانت تتعامل مع القضاة المسلمين.
وهكذا اجتمعت كل العناصر على إلغاء تجربة المجلس الفقهي الاستئنافي وإعادة الأمور إلى ما كانت عليه قبل تنظيم ١٨٥٤ بشأن القضاء الإسلامي، فقد أصبحت المجالس لا تقرر شيئا وإنما تعطي رأيها فقط، فهي
стр. 1853
مجالس استشارية، وكان على المسلمين أن يستأنفوا أحكامهم أمام المحاكم الفرنسية، وأن يخضعوا لما يخضع إليه الفرنسيون من إجراءات وتدقيق وترجمة وحقوق الدفاع وتولية المحامين، رغم بطء هذه المحاكم وتعقيداتها وغلاء تكاليفها مما لم يتعود عليه المسلمون، وكان يكلفهم مالا ووقتا للانتظار، وكثيرا ما ضاعت حقوقهم في تلاعب المترجمين والمحامين والقضاة الفرنسيين، وقد صدر بذلك مرسوم في ٣١ ديسمبر ١٨٥٩ (١) تصادف أيضا مع استرجاع منصب الحاكم العام في الجزائر الذي تولاه المارشال ببليسييه سنة ١٨٦٠.
ورغم إلغاء مرسوم ١٨٥٩ تحت ضغط الكولون، فإن زيارة نابليون للجزائر، ولا سيما الزيارة الثانية سنة ١٨٦٥، قد كشفت له أن القضاء الإسلامي قد جرد من محتواه وأن التقاضي أمام المحاكم الفرنسية كان مكلفا للجزائريين، ووصلت شكاوى كثيرة وتذمرات إلى المكاتب العربية من القضاة وغيرهم، ومن تلك الشكاوى أن القضاة الفرنسيين لا يعرفون العربية، وأنهم يجبرون المرأة المسلمة على الظهور أمامهم سافرة، فكان الاتجاه نحو إنشاء اللجنة المعروفة باسم (لجنة قاستنبيد) سنة ١٨٦٥، كان رئيسها يوجين قاستنبيد، عضوا في مجلس الدولة ومستشارا في محكمة الاستئناف بباريس، ومن أعضاء اللجنة بيري، الذي كان قد صاغ مرسوم ١٨٥٩، وهو رئيس محكمة الاستئناف بالجزائر، ومنهم أيضا دي كليري المدعى العام، بالإضافة إلى إسماعيل عربان (توماس أوربان) الذي كان عندئذ مستشارا للمحاكم في الشؤون الأهلية، والعقيد قريزلي رئيس المكتب السياسي، وكان سابقا من رجال المكاتب العربية.
стр. 1854
ومن الجزائريين الذين شاركوا في هذه اللجنة: حسن بن بريهمات، والمكي بن باديس، وحمزة بن رحال، والطيب بن المختار، ومحمد السعيد بن علي الشريف، والعياشي بن بورنو، وسليمان بن صيام، ومحمد بن زغودة، ومحمد بن الحاج محمد، ومن هؤلاء رجال علم وقضاء، أمثال بريهمات وابن باديس وابن بورنو وابن زغودة وابن الحاج محمد وابن المختار، ومنهم رجال سياسة وتصوف وسلطان، مثل: ابن رحال وابن علي الشريف وابن صيام، وكان ابن المختار من أقرباء الأمير، وابن علي الشريف اعتبره الفرنسيون من المنافسين للشيخ الحداد زعيم الطريقة الرحمانية، وقد غاب عن هذه اللجنة الحاج محمد المقراني من الشخصيات المعتبرة عندئذ، ولكن كريستلو يقول إن المقارني كان ممثلا من قبل قريبين له، وهما ابن زغودة وابن الحاج محمد.
وقد دار النقاش في اللجنة حول المجالس القضائية، فكان المسلمون يطالبون بإعادة الاعتبار إليها كما كانت قبل ١٨٥٣، لأنها في نظرهم تضمن حقوق القاضي وتوفر للمتخاصمين شروط التقاضي طبقا للشريعة الإسلامية، وتوقع السيد كريستلو، في غياب محضر اللجنة، أن المكي بن باديس قد تولى الدفاع عن المجالس القضائية بقوة، كما توقع أن يكون بيري قد عارضها لأنها ضد مبدأ الاندماج الذي قام عليه الاحتلال، وكانت النتيجة هي صدور توصيات اللجنة التي تضمنها مرسوم ١٢/ ١٨٦٦.
والتوصيات هي التالية:
١ - تعيين مجالس استشارية فقط، بدل المجالس ذات السيادة التي طالب بها الأعضاء المسلمون.
٢ - إنشاء غرف خاصة بالمسلمين في كل محكمة (فرنسية).
٣ - منح المعاونين (أساسور) المسلمين صوتا تداوليا فقط، رغم أن عددهم أقل من عدد القضاة الفرنسيين.
٤ - إنشاء (مجلس أعلى للفقه الإسلامي) مهمته إعطاء الرأي في
стр. 1855
المسائل العويصة التي تعرض على محكمة الاستئناف الفرنسية والمحاكم الفرنسية عموما، ورأي هذا المجلس استشاري فقط.
٥ - تصنيف القضاة المسلمين إلى ثلاث طبقات وتحديد أجور كل طبقة.
٦ - تخفيض عدد الدوائر القضائية للتخلص من القضاة القدماء والسماح للقضاة الأكفاء بالدخول في هيئة القضاء.
٧ - اختيار القضاة عن طريق الامتحان (المسابقة) (١).
هذه هي التوصيات التي توصلت إليها لجنة قاستنبيد، وخلاصتها واضحة، وهي تجريد القاضي المسلم من صلاحياته، وتجريد المجالس القضائية (الفقهية) من سيادتها، ودمج القضاء الإسلامي في القضاء الفرنسي، والتخلص من إطار القضاة القدماء الذين لهم صلة بالمقاومة، وإدخال عناصر جديدة نشأت في عهد الاحتلال (والسلام) الفرنسي، وتخفيض عدد الدوائر القضائية أي التقليل من عدد القضاة المسلمين والتوسع في نشر المحاكم الفرنسية، ويمكن أن نضيف إلى ذلك، التوجه نحو نزع استقلالية القضاة وجعلهم يدخلون في تيار البروقراطية الإدارية الفرنسية عن طريق الأجور والامتحان والطبقية، بالإضافة إلى جعلهم تابعين للقضاء الفرنسي، في ثوب مستشارين ومعاونين.
ولعل ما يلفت النظر في قرارات اللجنة هو إجراء المسابقة لاختيار القضاة والسماح لرجال الزوايا بالترشح إليها، وقد لمحان اختيار القضاة من قبل يتم غالبا عن طريق التعيين من بين خريجي المدارس الشرعية الفرنسية، وقد أظهرت التجربة الجديدة أن رجال الزوايا كانوا أقوى تكوينا من رجال المدارس الثلاث. وسنكر بعض الإحصاءات، ويذهب السيد كريستلو إلى أن المكي بن باديس هو الذي كان وراء الاقتراح بإجراء المسابقة وترشح رجال الزوايا لها، وكان ابن باديس لا يرتاح لرجال المدارس الفرنسية، ربما لسيطرة
стр. 1856
التأثير الفرنسي عليها أو لضعف معلميها، ومع ذلك فإن مشاركة رجال الزوايا لم تدم سوى حوالي عقد من الزمان ثم ألغيت عند إصلاح نظام المدارس الثلاث في آخر السبعينات من القرن الماضي، وقد يكون ذلك راجعا إلى الخوف من تأثير الزوايا والطرق الصوفية التي بدأ اتهامها على نطاق واسع بأنها متآمرة مع الخارج، كما أن الإصلاح المذكور يعني وضع المدارس الثلاث تحت إدارة المستشرقين الفرنسيين وإدخال الثقافة الفرنسية فيها بشكل مكثف.
أول امتحان (مسابقة) جرى في نوفمبر سنة ١٨٦٩، ورغم صعوبة المواصلات فقد جاء المترشحون من كل صوب، وكانت التجربة جديدة على المتعلمين الجزائريين، وكان عليهم أن يعتمدوا على الجدارة فقط دون تدخل الأصدقاء الفرنسيين والأعيان الجزائريين، وأن يلتقوا في مراكز محددة، وأن يظهروا علمهم وأدبهم، وأن يخوضوا في حديث الدين والسياسة والأدب واللغة في فرصة لم تتح لهم من قبل، وكان المترشحون، كما قلنا من أبناء المدارس الثلاث ومن أبناء الزوايا، وكانت المراكز هي: وهران والعاصمة وقسنطينة، وكان عدد المترشحين قد بلغ ٢٥٢ لكل الوظائف، وهي القاضي، والباش عدل والعدل، وقد نجح منهم مائة، وكانت لجان الامتحان تتألف من مسلمين وفرنسيين، وكان التنافس على أشده، ولذلك كانت النتيجة ملفتة للنظر، فقد حصلت الزوايا على ثلاثة أرباع الوظائف، وعلى نصف وظائف الباش عدل والعدل، وكان الناجحون، حسب الجدول الذي نشرته جريدة المبشر، كمايلي:
١ - الناجحون في وظيف القاضي:
ولاية الجزائر ... ٧ كلهم من الزوايا
ولاية وهران ... ١٨ منهم ١٤ من الزوايا (٤ من المدرسة الشرعية - الفرنسية)
ولاية قسنطينة ... ١٧ منهم ١١ من الزوايا (٦ من المدرسة الشرعية - الفرنسية)
الجملة: ٤٢ قاضيا منهم ١٥ فقط من المدرسة.
٢ - الناجحون في وظيف الباش عدل والعدل:
ولاية الجزائر ... ١١ منهم ٥ من الزوايا و ٦ من المدرسة
стр. 1857
ولاية وهران ... ١٦ منهم ٨ من الزوايا و ٨ من المدرسة
ولاية قسنطينة ... ٣١ منهم ١٥ من الزوايا و ١٦ من المدرسة (١)
الجملة: ٥٨ باش عدل وعدل.
وكان الامتحان يجري سنويا في مكان ووقت تحددهما لجنة الامتحان التي هي لجنة ثمانية في كل ولاية من الولايات الثلاث، ورئيس كل لجنة يجب أن يكون فرنسيا وكذلك نائبه ثم المقرر للجنة، أما الأعضاء فهم كما يلي: مدرسون فرنسيون من مدرسة اللغة العربية (٢). ورؤساء المكاتب العربية، وترجمان، بالإضافة إلى ثلاثة فقهاء من المسلمين، أي أن الأعضاء المسلمين كانوا يمثلون ثلاثة من ثمانية في كل لجنة، وعلى مدراء المدارس الشرعية - الفرنسية الحضور عند اللجان ليشهدوا ما إذا كان المترشحون قد درسوا عندهم (٣).
والامتحان كتابي وشفوي، وإذا رسب المترشح في الأول فلا يسمح له بدخول الثاني، وعلى كل لجنة أن تسأل المترشح إذا كان يعرف الفرنسية أو يكتب بها، والامتحان الكتابي يتمثل في كتابة إنشاء حول أصحاب الشريعة الإسلامية، والشفوي أسئلة في مسائل الفقه المالية والبدنية وترتيب المحاكم الشرعية، ثم القراءة من كتاب مطبوع أو مخطوط، وإعراب بعض الكلمات، وكذلك أسئلة في الحساب والجغرافية وغيرها من المعارف العامة، ومما يذكر أنه يحق للمترشح أن يكون من الدارسين في الزوايا أيضا، واشترط في المترشح لوظيف القضاء ألا يقل عمره عن ٢٧ سنة، ولوظيف باش عدل عن ٢٥ سنة، ولوظيف عدل عن ٢٢ سنة.
стр. 1858
وتقول (المبشر) وهي الجريدة الرسمية، ان مرسوم نابليون سنة ١٨٦٦ قد عدل من مواد مرسوم ١٨٥٩ أيضا وأبطل عددا منها وعوضها بمواد أخرى معدلة، من ذلك أن الشريعة الإسلامية تبقى معمولا بها في أنحاء القطر سواء بين المسلمين أو بينهم وبين الأجانب، في جميع المعاملات وغيرها، ولكن إذا أراد المتنازعان بالتراضي رفع القضية إلى المحاكم الفرنسية فإن الحكم سيصدر طبقا للشريعة الإسلامية، لأن المعاون المسلم هو الذي سينفذ الحكم الذي يصدره قاضي الصلح الفرنسي (جوج دي بي). أما إجراءات الاستئناف فتخضع للقوانين الفرنسية، وتكون محكمة الاستئناف أيضا مختلطة، تمشيأ مع سياسة الاندماج.
ومن جهة أخرى، نص تنظيم ١٨٦٦ على اختلاط غرف الاستئناف أمام المحاكم الفرنسية، وكان الجزائريون في المناطق المدنية مخيرين بين الاستئناف وعد [...] ام المحاكم الفرنسية، ذلك أن القانون الجديد قد نص، كما ذكرنا، على إنشاء غرفة خاصة في كل محكمة استئناف، تضم قضاة فرنسيين ومعاونين مسلمين للنظر في القضايا المستأنفة، وهذه الطريقة جعلت من القضاة المسلمين تابعين لقضاة الصلح الفرنسيين ومنفذين لأحكامهم، كما ذكرنا، وأصبح الاستئناف ممكنا في الولايات الثلاث بعد إنشاء محكمة فرعية له في كل من وهران وقسنطينة، بالإضافة إلى المحكمة العليا بالعاصمة، وكانت المبشر تسمى هذه (بالمحكمة السلطانية). ترجمة لعبارة المحكمة الامبريالية.
ولكي تتم الحلقة أنشأ المرسوم الجديد (١٨٦٦) مجلسا إسلاميا جديدا، يضم خمسة أشخاص، ولكن مهمتهم استشارية فقط، وقد سمي (بالمجلس الأعلى للفقه الإسلامي). وهو اسم ضخم ولكن بدون فعالية، ومكان هذا المجلس هو محكمة الاستئناف وليس الجامع الكبير، مما يدل على انتقال السيادة الدينية والقضائية إلى المحاكم الفرنسية، وكان المجلس الجديد ينظر في القضايا الشرعية المحولة عليه من القضاة الفرنسيين. وإذا
стр. 1859
أصدر رأيه فإنه يصبح نافذا، فهو مجلس، في الواقع، للفتوى الجماعية، وترى السيدة جاكلين بايلي أن هذا المجلس كان محكمة عليا حقيقية موازية للقضاء الفرنسي، ولكن الوضع في الحقيقة غير ذلك.
وفي مرسوم ١٨٦٦ بنود تتعلق برواتب القضاة المسلمين سنويا، وهي على ثلاثة أصناف، كما نص على أن الحاكم العام هو الذي يعين القاضي ونائبه، وأن كل محكمة يكون فيها قاض ونائب أو نائب وعدل، وكان على القاضي المسلم أن يحلف اليمين التالية: (أقسم بالله أمام عباده، ووثوقا بأمانة نفسي وصدقها، أن أحفظ عهد سلطان فرنسا (نابليون). وأقوم بحقوق وظيفي قيام ذوي العدل والإنصاف) (١). وهي صيغة من الواضح أنها مترجمة عن الفرنسية.
وبناء على المرسوم المذكور صدرت تسمية أعضاء المجلس الأعلى الفقهي الجديد الذي تسميه المبشر (المجمع الفقهي). ونظرأ لمكانة هذا المجلس، رغم أنه استشاري، فإن تسمية أعضائه قد صدرت بمرسوم أيضا، وكل أعضاء المجلس جدد إلا حسن بن بريهمات، وهذه هي القائمة:
الاسم ... الوظيفة المشغولة ... ملاحظات
١ - حسن بن بريهمات ... مدير مدرسة الجزائر الشرعية - الفرنسية ... سبق أن كان كاتبا في المجلس الذي أنشئ سنة ١٨٥٤، وهومن العاصمة.
٢ - الشيخ ابن الدين ... رئيس مجلس الأغواط سابقا ... غير مشهور
٣ - الحاج محمد بن عبد الله الزقاي ... مدرس بمدرسة تلمسان الشرعية - الفرنسية ... من خريجي الأزهر
٤ - الصديق بن عربية ... رئيس مجلس مليانة ... من عائلة تولت القضاء
٥ - محمد الخبزاوي ... (دون ذكر وظيفة له) ... شغل وظيفة قاضي في سيدي بلعباس
٦ - يوسف بن عربية ... عدل بالمجلس (مليانة؟) ... من عائلة الصديق بن عربية
стр. 1860
ونلاحظ عدم وجود أي عضو في هذا المجلس من قسنطينة، وفيه عضوان من عائلة واحدة - ابن عربية - كما يدل اللقب، ولا نعرف الكثير عن مؤهلات ابن الدين (١).
ومن جهة أخرى، صدرت في المبشر قائمة بأسماء القضاة المتبقين واخرين جدد، في مختلف نواحي الجزائر: العاصمة، وتلمسان، وقسنطينة، وعنابة، وسطيف، وسكيكدة، ووهران، وقالمة، ومستغانم، الخ. لقد كان الفرنسيون في حاجة إلى هذا الإطار الديني - القضائي لتمرير أحكامهم في الجزائر أكثر من حاجتهم إلى الأئمة والمدرسين، ومن هؤلاء القضاة من كان صاحب سمعة عائلية وماض شريف، ومنهم الموظفون الجدد خريجو المدرسة الشرعية - الفرنسية أو الذين يحاولون التسلق على أكتاف الفرنسيين، ومن الذين ذكرتهم (المبشر):
١ - الشيخ أحمد بو قندورة، الذي ثبت في منصبه كمساعد (أساسور Assesseur) بالمحكمة العليا الفرنسية بالعاصمة، وقد تولى بوقندورة وظائف عديدة ولعب أدوارا ملونة ووصل إلى الفتوى وطال عهده فيها، وهو الذي لقيه الشيخ محمد بيرم حوالي سنة ١٨٧٧ ودخل منزله (القصر) (٢). وقد تولى ابنه الفتوى من بعده، وهي وظيفة شرفية كما عرفنا، يمنحها الفرنسيون لمن يرضون عنه من القضاة والأئمة.
٢ - الحاج أحمد بن المبارك المعروف بالعطار، وقد كان عضوا في المجلس الفقهي لسنة ١٨٥٤، ومدرسا بمدرسة قسنطينة، وكان صديقا لشيربونو، ولعب أيضا أدوارا ملونة في الإدارة الفرنسية، وسماه المرسوم