← Указатели

Указатели · id 14100

تاريخ الجزائر الثقافي

أبو القاسم سعد الله

Полный текст (5 019 стр.). Показаны 1926–1965 · переход к 1931.

стр. 1926

أهالي الجزائر المسلمين) ودعا فيه إلى ضرورة إلحاق الجزائريين بالأوربيين، ورغم أنه يقرأ العربية جيدا فإنه كان يكتب ويؤلف بالفرنسية لأن الخطاب موجه إلى الفرنسيين وليس إلى الشعب الجزائري (١). ١٧ - حسن بن بريهمات: يمكننا أن ننظر إلى حسن بن بريهمات على أنه من خيرة إنتاج المدرسة الفرنسية في الجزائر ومن بواكيرها، ولو أخرجت هذه المدرسة الكثير من أمثاله لكانت قد قدمت فائدة كبيرة للبلاد، ولكن العدد كان ضئيلا والنماذج منه أقل من القليل، وبصفته من نتاج المدرسة الفرنسية كان حسن بن بريهمات ممثلا لجيل بل أجيال كانوا يداهنون ويراوغون ويحاولون الجمع بين رضى أهلهم واسترضاء المستعمرين، بين رضى الله ورضى الحاكم الفرنسي، وقد أنجب حسن أولادا كانوا أقل منه قدرة على أسلوب الاسترضاء ودون مستواه في العلم التراثي الإسلامي، فأخذوا يذوبون في غيرهم، رغم علمهم ومكانة والدهم، إلى أن اختفوا أو كادوا، وكانوا درسا قاسيا لأنصار الاندماج والذوبان. ولد حسن بالعاصمة في تاريخ مجهول قد يكون أول القرن التاسع عشر (حوالي ١٨٢١) (٢). وكان من أوائل الجزائريين الذين دخلوا المدرسة العربية - الفرنسية (الابتدائية) التي أنشئت سنة ١٨٣٦، كان والده من الحضر، يكتب لوكيل الحرج (وزير البحر والخارجية) خلال العهد العثماني، وستكون وظيفة حسن شبيهة بوظيفة والده، ولكن مع الفرنسيين، وكان والده صاحبا في القراءة الأولى للشيخين: محمد بن الحاج حمو ومصطفى الحرار، ولكن العقد قد انفرط بالجميع، ويبدو أن والد حسن قد توفي مبكرا، وكانت

стр. 1927

العاصمة عند نشأة حسن تعج بالوجوه القديمة والجديدة، فعاصر عهدين مختلفين تماما وشاهد استبدال سلطة بأخرى بطريق العنف والجبروت، وقد يكون له في العائلة والأقارب والجيران من طوحت بهم الأقدار بالنفي والإبعاد، فتكونت في نفسه كراهية الفرنسيين والخوف منهم وضرورة مجاملتهم إذا كان سيعيش في الجزائر ولا يكون مصيره مصير العلماء الذين سيقوا كالمجرمين إلى السفن المهاجرة عبر البحر. كان المكتب العربي في البليدة يبحث عن قاض فوجده في حسن بن بريهمات، شاب عرف المدرسة الفرنسية في باكورتها، وصهر لعالم متصوف هو مصطفى الحرار، (مدرس في جامع صفر). وابن لأحد الخوجات السابقين. وكان الفرنسيون يقدمون من يعرف لغتهم ومن عاش في عهدهم على غيره، مهما كانت المؤهلات الأخرى، فوجدوا في هذا الشاب ضالتهم، وقد يكون ذلك أول وظيف رسمي له، ومهما كان الأمر فقد ظل يترقى في سلم الوظيف حتى وصل إلى عضوية المجلس الشرعي ومدير المدرسة الرسمية، وكان حسن من مستقبلي نابليون الثالث حين زار الجزائر، كان توليه القضاء في البليدة في ١٥ ابريل ١٨٥٣ بتعيين من الحاكم العام راندون، خلفا لمحمد الدلسي، وكان القضاء عندئذ منصبا سياسيا عند الفرنسيين لأن القاضي لا يمثل الشرع الإسلامي في الحقيقة ولكنه يمثل الدولة الفرنسية، كما أن سلطة القضاة المسلمين ما تزال ممتدة إلى المنازعات والتركات والتجارة ونحوها، ومن ثمة فالقاضي إنما هو رمز للسلطة الفرنسية (١). ولكن وظيفه في القضاء كان دورة فقط، اكتشفه فيها الفرنسيون، ولاحظوا عليه الذكاء والمهارة والطموح، فاقترحوه لوظيفة أخرى ذات أهمية أوسع، سيما وأنهم كانوا مقبلين على تنظيم القضاء الإسلامي بما يناسب إدارتهم وسلطتهم، وفي اقتراح رئيس القطاع العسكري له سنة ١٨٥٥ ليكون

стр. 1928

مديرا لمدرسة الجزائر الشرعية - الفرنسية، لاحظ الضابط أن حسن بن بريهمات سهل الانقياد وذكي، وأنه يحب الأفكار التقدمية ويعرف كيف يوائم بين الواجبات الدينية ومتطلبات التقدم، فهو في نظر الضابط (أداة طيعة منقطعة النظير) وظل رأي الفرنسيين فيه ثابتا حتى بعد أن وصفوه بالمسلم الصادق في إسلامه وبالتعامل الضروري مع الفرنسيين أو بأنه رجل تقدمي ومعجب بالحضارة الفرنسية، وقد يكون فعل ذلك تفاديا لإثارة الغضب ضد الفرنسيين وحماية للدين والوطن، كما قال بعضهم (١). عاش حسن بن بريهمات حوالي أربعين سنة في الوظيف الفرنسي، وتقلب مع مختلف الموجات والحكام، من راندون، إلى بيليسييه، إلى ماكماهون، وديقيدون، وشانزي، وعاش حتى جزءا من عهد تيرمان، وبينما رمت الموجات بزملائه يمينا وشمالا ظل هو يحسن السباحة والغطس والطفو دون أن يمسه سوء، فبالإضافة إلى المدرسة التي نقلت من البليدة إلى الجزائر، عهد إليه في ٢١ مارس سنة ١٨٦٠، مع لجنة من زملائه، بترجمة القانون الخاص بتنظيم المحاكم الإسلامية في الجزائر، وهو القانون الذي أصدره نابليون الثالث في ١٨٥٩، وكان من أعضاء اللجنة المفتي حميدة العمالي والصحفي السياسي أحمد البدوي ومحمد بن مصطفى، وقبل ذلك، أي سنة ١٨٥٤، عين ابن بريهمات عضوا في المجلس الفقهي الذي أنشأه الفرنسيون (٢). ومن الوظائف الأخرى الهامة، رغم أنها رمزية فقط، عضويته في المجلس الاستشاري بالحكومة العامة سنة ١٨٦٥، وهو منصب خاص ببعض الجزائريين الذين تعينهم السلطة (لتمثيل) الأهالي. وقد نشط ابن بريهمات خلال الستينات، فوجدناه في تونس سنة ١٢٨٦ هـ (١٨٦٩) في مهمة لا نعلمها، وكان يكتب المقالات في المبشر، وينوه بكتاب خير الدين باشا التونسي شعرا ويراسله به، والناس إذا رأوا

стр. 1929

شخصا طلع نجمه توجهوا إليه وقلما يسألون لماذا وكيف، وهكذا اشرأبت الأعناق إلى ابن بريهمات فكان هو العالم، والصحفي، والمدير، والقاضي، والمعلم، والشاعر، والنائب ... ففي سنة ١٨٦٠ استضاف حوالي ٤٠ من تلاميذه في بيته بمناسبة عيد الفطر، وكان هؤلاء يتلقون العلم في المدرسة السلطانية التي أسميناها المعهد (الكوليج) العربي، وكان الفرنسيون يحبون هذه المبادرات التي لا تربط بين المعلم والتلاميذ ولكن بين من يمثل أفكارهم والجيل الجديد من الأهالي، حتى أن جريدة المبشر التي أوردت الخبر قالت بعد التنويه إنها مبادرة تدخل في مهمة فرنسا لصالح عامة الناس (١). وفي السنة الموالية كرر حسن بن بريهمات نفس المبادرة ولكن بمناسبة عيد الأضحى، وبعد تناول الطعام خاطب تلاميذه فنوه بالعلم وحثهم على تقليد أسلافهم الذين رحلوا من أجله إلى الصين، وهذا أمر لا غبار عليه، ولكن المسألة كانت وراء ذلك وهي أن الفرنسيين كانوا عندئذ يشنون حملة لحمل الجزائريين على إرسال أبنائهم إلى المدارس الفرنسية الابتدائية الى ٣٦ التي أنشأوها. وكان معظم الجزائريين يقاطعونها خوفا على أبنائهم من المسخ الفكري ونسيان لغتهم والتأثير في دينهم، ونوه ابن بريهمات كذلك بالدكتور (بيرون) مدير المدرسة (الكوليج). ودعاهم إلى حمد وشكر (سيدنا السلطان نابليون الثالث) ودعا أيضا للامبراطورة (يوجيني) بطول العمر وحفظ ابنها الوحيد (ذلك الفرقد الوقاد) حسب تعبيره، وكان موقف ابن بريهمات عندئذ كموقف ابن الموهوب بعد نصف قرن، إذ قال: على التلاميذ أن يشكروا فضل من أنشأ لهم المدرسة (الكوليج) ويسر لهم العلم (٢). وحانت فرصة أخرى ظهر فيها ابن بريهمات الشخصية العلمية الأولى في البلاد، وذلك على إثر وفاة الخليفة حمزة زعيم أولاد سيدي الشيخ، سنة

стр. 1930

١٨٦١، وكان اختفاء هذا الخليفة محل شبهة إذ كثرت الإشاعات والأقاويل حول موته أو قتله من قبل الفرنسيين بعد استدعائه إلى الجزائر وإثارة الشكوك حول موقفه (١). وليس هنا محل الحديث عن الخليفة حمزة، ولكن محل الحديث عن ابن بريهمات الذي عينه الحاكم العام المارشال بيليسييه للإشراف على كل مراسيم التأبين من القراءة عليه والصلاة والتجهيز والخطب والدفن وتقبل التعازي، كل ذلك بحضور العلماء الرسميين وغير الرسميين والسلك القضائي والسلطات الفرنسية، وعلى رأسها المارشال بيليسييه نفسه، وقائد القطاع العسكري وفرقة من الجيش، وكان هذا التأبين، الرسمي أكثر من اللازم، من أجل تغطية شبهة قتله وذر الرماد في العيون، وكان دور ابن بريهمات هو التنسيق بين كل هذه الأجهزة، فهو الذي أعد المدرسة الرسمية لاستقبال الجثمان، وأحضر جيشا من القراء ومنشدي قصيدة البردة ومعدي الطعام للفقراء الذين بلغوا حسب الجريدة (المبشر) قرابة الألفين، وجاء ابن بريهمات بإمام الجامع الكبير لتغسيله، وبالمفتي حميدة العمالي للصلاة عليه، وبعد دفن الجثمان في مقبرة سيدي محمد (محمد بن عبد الرحمن الأزهري) وقف ابن بريهمات يتقبل التعازي نيابة عن أسرة الفقيد التي كانت غائبة، إنها لمسرحية حبكت أدوارها بدقة، وكان الممثل الرئيسي فيها أو البطل هو حسن بن بريهمات. وفي ١٨٦٥ زار نابليون الثالث الجزائر للمرة الثانية، وكان ذلك في عهد حاكم عام جديد، هو المارشال ماكماهون، وكان الحديث قد كثر عن المملكة العربية وفرسانها، وصف ابن بريهمات وصول موكب الامبراطور إلى مدينة الجزائر بالبحر في ٣ مايو ١٨٦٥، وتفنن في ذلك بما سمح به قلمه، وتحدث عن شخصية نابليون وعن زيارته الأولى أيضا، وعن مراسيم الاستقبال التي أعدت له وكيف اتخذت المدينة زينتها، وعن الخطب التي ألقيت بالمناسبة، وأثناء المادبة الرسمية التي أقامها نابليون على شرف أعيان

стр. 1931

الجزائر والقيادات العربية، ألقى ابن بريهمات باتفاق مع السلطات طبعا، كلمة الشرف، وكانت في مدح الامبراطور وأسرته وجلائل الأعمال التي تقوم بها فرنسا في عهده، وقال عن التآليف التي ألفت في عائلة نابليون الثالث إنها (تشهد بفضله وعدله ... لو كتبت بماء العين لكان قليلا في حقها ..) (١). وظهر قلم ابن بريهمات أيضا في تأبين شخصيتين من أعيان البلاد وأصدقاء والده، الأول منهما هو الشيخ حسن بن أحمد - أمين البنائين أو المهندس المعماري، وكان أحمد هذا هو الذي هندس وبنى عددا من حصون ومساجد وقصور الجزائر قبل الاحتلال، وشارك في بناء جامع كتشاوة، وجدد بناء جامع صفر (سفير) وجامعي القصبة الداخلي والخارجي، وكان من الذين عرفوا رئيس الطريقة الرحمانية (محمد بن عبد الرحمن الأزهري) شخصيا وأخذها عنه، وقد أشاد به ابن بريهمات أثناء تأبينه لابنه، وكان ابن بريهمات يعرف أن معظم البناءات التي بناها أحمد هذا قد هدمت، وأن جامع كتشاوة قد حول إلى كنيسة، وأن الفرنسيين قد احتلوا السراية (القصر) الخ، فلم يتعرض ابن بريهمات إلى أي شيء من ذلك رغم أنه شاهد هدم بعضها في طفولته، وهي عندئذ ما تزال قائمة، وعندما تحدث عن ابنه (حسن بن أحمد) قال إنه من حفظة القرآن ومن تلاميذ مصطفى الحرار (صهر ابن بريهمات). وقد عينته فرنسا سنة ١٨٤٥ محافظا لخزانة المكتبة الرسمية (السلطانية، كما سماها). وفي ١٨٥٨ عينته فرنسا أيضا إمامأ للمدرسة (الكوليج) العربية ليؤم التلاميذ المسلمين، وقد جمع بين الوظيفتين، وظل كذلك إلى وفاته سنة ١٨٦٧ (٢). أما الشخص الثاني الذي أبنه وأطال، فهو محمد بن الحاج حمو، أحد العلماء، ويهمنا من ذلك أن ابن بريهمات يمر على الأحداث التاريخية الحساسة فلا يعلق عليها بشيء، ذلك أن الشيخ محمد بن الحاج حمو كان

стр. 1932

من مليانة، وكان قد التحق بالأمير عبد القادر وشارك في المقاومة الوطنية، وكان كغيره ممن تبدلت عليهم الأحوال وعاشوا الأهوال حتى أصبح هاربا بأسرته لا يلوي على شيء، وقد صادرت السلطات الفرنسية أملاكه فأصبح بدون مأوى ولا قرار، وبعد ذلك توسط بسليمان بن صيام أحد أعيان مليانة الذين سبقوه إلى الانضمام للفرنسيين فردوا له أملاكه وعينوه قاضيا وخطيبا، وقد انصب تأبين ابن بريهمات على هذا الجانب فقط، وكان ينمق كلماته ويسجع جمله (١). أعجب ابن بريهمات بمظاهر الحضارة الفرنسية وخالط أهلها، ولا ندري ما إذا كان قد ترك كتابا أو رسالة يحلل فيها إعجابه بذلك ويبرره على ضوء الدين الإسلامي والعادات المتفشية. إن كل ما وجدناه له هذه الكلمات التي يكتبها في مناسبات معينة، وفيها يشير إلى بعض تلك المظاهر الحضارية، سيما العلم والمنشآت، أما الحياة المادية الأخرى فلا نجد له أثرا في وصفها، وكان وجوده في القضاء وفي أعلى سلطة قضائية كالمجلس الفقهي والمجلس الشرعي يدل على احتفاظ الفرنسيين به هناك لانسجامه مع أفكارهم ولكونهم لاحظوا، كما قال كريستلو وكما لاحظ الضابط الذي اقترحه، أنه يحاول التوفيق بين الالتزامات الدينية ومتطلبات الحياة المادية التي يفرضها الفرنسيون، وقد وصفه تلاميذه وعارفوه بأنه كان يحسن التكلم باللغة الفرنسية (خطابا وجوابا)، ومدحه الحفناوي بأنه كانت (له خبرة بمجريات الأحوال) (٢). وهو يقصد بذلك السياسة وشؤون الحكم والعلاقات الاجتماعية. ونعرف من عدة مصادر أنه أعجب بكتاب (أقوم المسالك في أحوال الممالك) لخير الدين باشا التونسي، وقد طبع هذا الكتاب أيام أن كان ابن بريهمات في أوج سمعته ونشاطه، ونشرت المبشر (أقوم المسالك) على

стр. 1933

حلقات فاطلع عليه قراء العربية في الجزائر، لأنه كان يتماشى مع الدعوة التي تدعو إليها فرنسا، وهو الإشادة بتقدم أوربا وعلومها، وتدل القطعة الشعرية التي نظمها ابن بريهمات في أقوم المسالك ومؤلفه على أنه من أنصار الفكرة نفسها التي دعا إليها خير الدين، وفيها يقول (١): لله درك خير الدين من علم ... أبدى منار الهدى للناس في القنن نهجت نهجا قويما قل سالكه ... إلى السياسة كي ينجو من الفتن بينت طرق السداد بل وأقومها .. وقمت منتصرا للدين والوطن حق على أمة الإسلام شكركم ... ورعي تأليفكم بالقلب والأذن فهو يعتبر (أقوم المسالك) انتصارا للدين والوطن ومن واجب المسلمين العمل به والاستفادة منه (٢). ولا ندري السبب الذي حمل حسن بن بريهمات على زيارة تونس سنة ١٢٨٦ هـ (١٨٦٩). وهل كانت زيارة رسمية أو خاصة، والغالب أنها كانت الأولى، لأنه كان عندئذ متوليا للمجلس الفقهي، ولعل الزيارة تدخل في التنسيق بين هذه المسؤولية وما كان يجري في تونس في مثلها، وقد تلقاه عندئذ علماء وأدباء تونس بالترحيب، ومدحه أثناءها الشيخ محمد السنوسي بقطعة شعرية، منها قوله: فيه السياسة قد حازت رياستها ... تلقاه منبسطا كالطير حين رنا (٣) ولم يكن نشاط ابن بريهمات هو هذه المسؤوليات الرسمية والتعليم والشؤون القضائية فقط، بل إنه كان أديبا وشاعرا أيضا، وكان يكتب في الصحيفة العربية الوحيدة (المبشر). وهي صحيفة رسمية لا مجال فيها

стр. 1934

للعواطف والأدبيات والإخوانيات، وكان العصر أيضا عصر تصوف وطرق صوفية، وكان الانتماء إلى إحدى هذه الطرق أو أكثر هو الظاهرة الغالبة على العلماء والفقهاء أيضا، فالأمر لم يكن قاصرا على الأشراف والمرابطين والمقدمين والدراويش، فما طريقة حسن بن بريهمات إن كانت له طريقة؟ لقد ذكر الطريقة الرحمانية عدة مرات بالنسبة لمن أبنهم، ونفهم أن شيخه وصهره مصطفى الحرار كان من أتباع الرحمانية، ويضيف لويس رين الذي درس الطرق الصوفية ورجالها المعاصرين أن ابن بريهمات كان قادري الطريقة، قائلا إنه قد أخذ معلومات شفوية عن القادرية منه وأنه كان أحد أتباعها (١). هذه الشخصية المتحركة في مجالات الأدب والسياسة والعلم والقضاء في الجزائر خلال النصف الثاني من القرن الماضي، من أي مدرسة تخرجت وعلى أي شيوخ درست؟ إن الوثائق لا تتحدث عن الكثير من ذلك، ونكاد نقول إن حسن بن بريهمات قد ثقف نفسه بنفسه، فالمدرسة الفرنسية الأولى وجدته ابن خمس عشرة سنة تقريبا، وفي تلك السن كان قد حفظ القرآن الكريم وسار على عادة الحضر في العاصمة من حفظ المتون والأشعار وقواعد الدين، وكان والده من أهل الكتابة الإدارية - الديوانية، وقد تكون له مكتبة ووثائق يطالع فيها هذا الابن الذكي جدا، ومنذ ١٨٣٤ أسس الفرنسيون مدرسة حضرية حاولوا أن يجلبوا بها بعض أبناء الحضر، ولكن التقارير تقول إنها بقيت فارغة، ثم أنشأوا المدرسة العربية - الفرنسية سنة ١٨٣٦، ويكون ابن بريهمات قد دخلها بعض الوقت، ولم تكن تشترط سنا معينة، وربما لم تطل إقامته بها لأنها ظلت تتعثر ومعظم الحضر قاطعوها، ولذلك يبقى السؤال: كيف تثقف هذا الفتى وعلى يد من؟. إن كبار المدرسين في العهد الذي يصادف سن طلب العلم عند حسن ابن بريهمات هم محمد بن الشاهد، ومصطفى الكبابطي، وعلي

стр. 1935

المانجلاتي وعلي بن الأمين، وأحمد بن الكاهية، ومصطفى الحرار، الخ، وقد بقي بعضهم إلى سنة ١٨٤٣ مثل الكبابطي، و ١٨٤٥ مثل الحرار (١). ولكننا لا ندري على من درس ابن بريهمات غير صهره الحرار، فهذا الشيخ هو الذي ذكر في إجازته له أنه لازمه عدة سنين ودرس عليه العلوم العقلية والنقلية ربما في جامع صفر الذي كان مدرسا به، وقد مدحه بأنه فاق أقرانه فيها، ولذلك أجازه في تلك العلوم إجازة مطلقة وعامة، وبالإضافة إلى ذلك أجازه الحرار بما أجازه به الشيخ محمد صالح الرضوي البخاري، وهو المصافحة وسند الحديث، وبذلك تكون معلومات حسن بن بريهمات ضيقة جدا إذا نظرنا إليها من هذا الجانب، ومع ذلك يصفه الحفناوي بأن له (اليد الطولى في الآداب العربية والعلوم الدينية ... وعلم عجيب بالتاريخ وطبقات الأدباء)، وقد عرفنا أن زمن ملازمته لشيخه وصهره الحرار هو فترة الأربعينات (فترة حكم بوجو) تقريبا، عندما كان هو في العشرينات من عمره، ولم يكن الجو العلمي عندئذ صافيا ولا هنيئا، فالعديد من المدارس والزوايا والمساجد قد هدمت أو أغلقت أو عطلت، ومات بعض العلماء المذكورين وهاجر آخرون، ومع ذلك فقد برز الشاب حسن بن بريهمات من هذا الرماد كالطائر الأسطوري ليملأ الفراغ ويكون المبشر بجيل جديد. لم يشتهر حسن بن بريهمات بأنه كان من (المدرسين) التقليديين في المساجد، لقد مارس القضاء وإدارة المدرسة وعضوية اللجان ونحو ذلك، ولكنه لم يجلس لبث المعارف والعلوم في المسجد ونحوه، ولا نعرف ما المادة التي كان يدرسها أثناء إدارته للمدرسة، ولعلها مادة الفقه، ما دام تخصصه العملي تقريبا هو الأحكام الشرعية. وقد علمنا أن (تلاميذه) كانوا يزورونه من وقت إلى آخر، كما كان يستضيفهم في المناسبات. ومن تلاميذه الذين نوهوا به هو أبو القاسم الحفناوي صاحب (تعريف الخلف). فقد قال

стр. 1936

الحفناوي: إنه أول من ضمه إليه وعرفه بالجزائر وما فيها من خبيث وطيب، ونفهم من كلام الحفناوي أنه قد دخل (المدرسة الدولية) (أي الشرعية - الفرنسية)، أيام إدارة ابن بريهمات لها وهي التي أصبحت تسمى الثعالبية فيما بعد، وقد أضاف الحفناوي أنه قد تخرج على يديه عدد من العلماء والقضاة، وذكر منهم يحيى بن محمد الجرومي (القرومي) (١). من المعاصرين لحسن بن بريهمات في مجال القضاء نجد المكي بن باديس في قسنطينة، وكانت لكل منهما شخصيته وتكوينه، وقد عقد السيد كريستلو الذي تخصص في القضاء الإسلامي وشخصياته بالجزائر خلال القرن الماضي، مقارنة بين الرجلين، ومن رأيه أن الذي تشدد حقا بالنسبة للقضاء وكان من المجددين فيه والأكثر شعبية وشهرة هو المكي بن باديس (وهو الجد الأعلى للشيخ عبد الحميد). فبينما كان ابن بريهمات يحتج أيام الفرنسيين بأن الإسلام ليس متخلفا نجد ابن باديس يقوم بالدفاع عن الإسلام وتفوقه، وكان يدافع عن ذلك بقوة، ويرى كريستلو أن ابن بريهمات استعار المبادئ، أما ابن باديس فقد استعار المنهج ولكنه بقي إسلاميا - أصوليا، وكلاهما له رؤية متماسكة من كيفية التحدي الأوربي، وهذا هو ما جعل كليهما متكلما فعالا باسم المسلمين، وكلاهما خرج من مركز حضاري عريق عرف بالثروة والتقاليد الثابتة، وكلاهما كان يحسن الفرنسية وحصل على وسيلة التجديد الثقافي الضرورية في العالم العربي خلال القرن ١٩، لكن هذا التجديد في الجزائر كان من أجل التعبير السياسي (٢). أنجب حسن بن بريهمات ثلاثة أبناء هم: إبراهيم وأحمد وعمر، وكلهم ساروا على نهجه في الازدواج الثقافي والتعامل مع الإدارة الفرنسية،

стр. 1937

ولكن مصائرهم كانت مختلفة، وكان أكثرهم ثقافة وصلة بوالده هو عمر. أما إبراهيم فقد ولد في ٢٧ غشت ١٨٤٨، وكانت حياته قصيرة لحادث حدث له أدى إلى وفاته وهو في الخامسة والعشرين من عمره، ولا ندري التعليم الذي مكنه منه والده في البداية، ولكننا نتصور أنه حفظ القرآن في المدرسة العربية/ الفرنسية الوحيدة في العاصمة عندئذ، ونعلم أن إبراهيم كان من أوائل الداخلين للكوليج العربي في الجزائر منذ إنشائه سنة ١٨٥٧، وكان عمره عندئذ عشر سنوات، وبقي في الدراسة تسع سنوات، ولفت انتباه أساتذته الفرنسيين بتنوع معارفه وتقدم أفكاره وذكائه، ومن شيوخه فيها المستشرق شيربونو، ثم ذهب إلى فرنسا والتحق بثانوية (كلوني) ودرس فيها الأدب الفرنسي والتاريخ والجغرافية، الخ .. ويبدو أنه لم ينسجم فيها لظروف عزاها المترجم فيرو إلى قسوة الشتاء على صحته، فرجع إلى الجزائر، وشارك في امتحان الترجمة فنجح فيه كمترجم عسكري احتياطي، وباشر عمله ثماني سنوات بهذه الوظيفة في أم السنام (الأصنام). ولكنه سقط ذات يوم عن ظهر الحصان فمات، يناير ١٨٦٨ (١). والابن الثاني له هو أحمد الذي تخرج أيضا مترجما عسكريا، وطالت مدته، وترك بعض الآثار سندرسها في الفصل المخصص للترجمة والمترجمين، ونعلم أنه نشر بالتعاون مع لويس رين سنة ١٨٩٥ تأليفا (قاموسا؟) يخدم اللغة الفرنسية وعنوانه (اللسان يكمل الإنسان). كما نشر القسم الأول من رحلة العياشي، سنة ١٨٨٠ في إحدى الدوريات، ولعله هو العمل نفسه الذي نشر سنة ١٨٩٩ أيضا، ويبدو أن أحمد بريهمات كان قويا في اللغتين، ولكنه وظف جهده لخدمة الفرنسية وليس العربية (٢).

стр. 1938

أما الابن الثالث والقريب من سيرة والده، فهو عمر بريهمات، وقد ولد حوالي ١٨٦١ وتثقف كوالده ثقافة مزدوجة، ولكننا لا نعلم الآن أين تلقاها، هل في المدارس الشرعية الفرنسية بعد تنظيمها سنة ١٨٧٦ أو في المدارس العربية/ الفرنسية الأخرى، والذي نرجح الآن هو الاحتمال الأول، وكان عمر أكثر إخوته إنتاجا في ميدان التأليف، وقد أصبح مدرسا بالمدرسة الثعالبية، وتخرج على يديه بعض التلاميذ، وكان معاصرا فيها للشيخين المعروفين: المجاوي، وابن سماية، ولكن الموت أدركه ولما يبلغ الخمسين من عمره، وذلك سنة ١٩٠٩، وقد حصل على وسام التعليم ونيشان الافتخار (١). ظهر عمر بن بريهمات على الأقل في مناسبتين، الأولى سنة ١٨٩٦ حين أنشد قصيدة في استقبال الوزير كومبس عند زيارته مدرسة الجزائر التي كان عمر يدرس بها، والثانية نشر تأليفه في القانون الفرنسي ومقارنته بالفقه الإسلامي، سنة ١٩٠٨، كانت زيارة وزير التعليم (كومبس) قد تصادفت مع إصلاح المدارس الشرعية الفرنسية سنة ١٨٩٥، وفي حفل أقيم بهذه المناسبة وزعت فيه الأوسمة على مجموعة من المدرسين، منهم عمر بريهمات نفسه (وسام التعليم - الاكاديمية)، قام عمر وألقى قصيدة شكر فيها فرنسا والحاكم العام (كامبون)، والوزير (كومبس)، وهي من الناحية الأدبية فقط تدل على أن الشاعر كان له استعداد كبير لو وجد الجو المناسب، وقد جاء فيها: قطر الجزائر قم صافح موافيكا ... من أمة هي خير من يصافيكا واصدح لهم ولها (٢) بالشكر إذ جلبت ... إليك كل نفيس لم يكن فيكا وطالما كنت قبل الفتح مضطربا ... والسفك يسطو على أجيال ثاويكا أعيان قوم هم (الإفرنج) أصلا وإن ... قلت الفرنسيس بالأرواح أفديكا (٣)

стр. 1939

أما الكتاب الذي سماه (النهج السوي في الفقه الفرنسوي) فسنعرض إليه في جزء آخر. ومن عائلة بريهمات أيضا زروق ابن أحمد، حفيد حسن بريهمات. ولد أيضا بالعاصمة. ودرس الطب وتخرج منه بدرجة الدكتوراه. وكان مزدوج الثقافة أيضا. ولا ندري إذا كان فكره مثل فكر عمه عمر أو كان يختلف عنه. وكان زروق قد نشر عدة مقالات في (كوكب إفريقية) ١٩٠٨، حول علم الصحة، وهي موجهة إلى الجزائريين. وكان زروق عضوا في الجمعية الرشيدية. وقالت عنه مجلة العالم الإسلامي إنه كان يتبع تقاليد أسرته (١). قضية تدوين الفقه الإسلامي اهتم علماء المسلمين منذ القديم بتقريب المذاهب الفقهية من بعضها البعض، وتدوين الأحكام العامة والآراء التي توصلوا إليها خلال عملهم في القضاء ونحوه، وعندنا ما سجله المازوني في (الدرر المكنونة)، والونشريسي في (المعيار)، والفكون في مجموعة فتاويه غير المطبوعة، وقد قام ابن العنابي بوضع كتاب سماه (صيانة الرياسة) جمع فيه ما تتفق فيه المذاهب الأربعة ليعمل به القضاة وتقل المنازعات بين الناس. وكان المختصر للشيخ خليل بن إسحاق هو عمدة المذهب المالكي في الجزائر في العقود المتأخرة، وهو متن مركز وعليه شروح عديدة أشهرها شرح الخرشي، وقد عرفنا أن تدريس متن خليل وشروحه قد شاعت في القرن الثاني عشر للهجرة في زواوة أكثر من غيرها بعد أن أدخله إليها الشيخ

стр. 1940

الحسين بن أعراب، ولكن مذهب الإمام مالك كانت له متونه وشروحه قبل ذلك، ومن أشهرها تحفة الحكام لابن عاصم، والمدونة لسحنون، والمختصر لابن الحاجب، والرسا لة للقيرواني. ومنذ الاحتلال الفرنسي للجزائر أبقت الإدارة الفرنسية على هذه المصادر الفقهية، وأبقت القضاء الإسلامي على ما هو عليه في المرحلة الأولى، أي خلال العشرية ١٨٣٠ - ١٨٤٠، بينما نشأت محاكم فرنسية عسكرية ومدنية موازية، أخذت تنتزع بالتدرج صلاحيات المحاكم الإسلامية، إلى أن لم يبق للمحاكم الأخيرة سوى قضية النكاح والطلاق، وخلال ذلك قام علماء الفرنسيين بالاطلاع على مصادر الفقه الإسلامي، وترجموا نصوصها إلى الفرنسية، وكان على رأسها متن الشيخ خليل (المختصر). وكان المستشرقون يساعدون رجال الحكم على التعرف على المصادر الكبرى للتشريع الإسلامي بالترجمة الكاملة أو الجزئية، والتعريف بأكابر فقهاء المسلمين وارائهم. وكانت المدارس الشرعية - الفرنسية الثلاث التي أنشأتها الإدارة الفرنسية بالجزائر تهتم بالفقه بالدرجة الأولى، لأن مهمتها هي تخريج القضاة المسلمين الذين تحتاجهم الإدارة، ولكن هذه الدراسات لم تكن قوية متجددة مع الزمن، ولها مدرستها الفكرية ومجتهدوها، وإنما كانت تعتمد على مختصرات المؤلفات التي ذكرناها، وعلى تقليدها دون تعمق في محتواها ولا في لغتها، وخلال ذلك كانت الجزائر تفقد بقية علمائها دون أن تعوضهم بأمثالهم أو بمن هو أفضل منهم، إلى أن تجمدت الدراسات الفقهية وأصبحت عبارة عن اجترار القواعد دون فهمها وتطبيقها، وكانت الإدارة الفرنسية تتفادى توظيف العلماء الجزائريين الذين لم يتخرجوا من مدارسها الثلاث المذكورة خشية أن يكونوا حاملين معهم بذور التشويش الديني والسياسي، ولا سيما أولئك الذين درسوا في المعاهد الإسلامية خارج الجزائر، فكان معظم هؤلاء لا يرجعون إلى وطنهم لوجود الفرنسيين فيه ولعدم إمكانية التوظف، فإذا أضيف إلى ذلك غزو القضاء الفرنسي للفقه

стр. 1941

الإسلامي في المحاكم، والغزو الثقافي العام، أدركنا إلى أي مدى تخلفت الدراسات الفقهية في الجزائر بحلول القرن الحالي. وقد كان في إمكان الإدارة الفرنسية السعي إلى تدوين الفقه الإسلامي وأحكامه في وقت مبكر، أي قبل الاعتداء على الشريعة الإسلامية وانتزاع كل أنواع المعاملات والجنايات من أيدي القضاة المسلمين، وكانت الدولة العثمانية فعلت ذلك خلال القرن الماضي، وكذلك تونس (١) ومصر، دون ضجة كبيرة ودون أن تتأثر مسيرة تطبيق القوانين الشرعية، ولكن الفرنسيين لم يشرعوا في العمل على تدوين الفقه الإسلامي إلا حوالي ١٩٠٤ - ١٩٠٥، أي حين قرروا فصل الدين عن الدولة في بلادهم وحين لم يبق للقضاة المسلمين غير صلاحية الحكم في النكاح والطلاق، وقد صدقت (مجلة العالم الإسلامي) (٢) حين انتقدت بشدة هذه الخطوة التي جاءت متأخرة، بل جاءت بعد سلسلة من الإجراءات التي تهدف إلى مسخ الإسلام في الجزائر وجعله (إسلاما فرنسيا) على مقاس المستوطين والحكام، وقد ثبت أن نية علماء الاستعمار الفرنسي لم تكن تقريب المذاهب الإسلامية وتفادي الخلافات وإنما كانت نيتهم هي دمج ما بقي من اختصاص المحاكم الإسلامية في القانون الفرنسي، ونحن نعلم أنه في هذه الفترة كثر الحديث عن الزواج المختلط والدمج الحضاري عن طريقه وعن طريق المدرسة والتشريعات، ويظهر أن فكرة تدوين الفقه غير جديدة، فقد نوقشت منذ ١٨٦٥، ثم في أوقات مختلفة بعد ذلك، ولكن المكي بن باديس قد استبعدها (٣).

стр. 1942

ومنذ ١٨٨٣ حث أرنست رينان فرنسا أن تأخذ بيد الشعوب الإسلامية نحو التحرر العقلي، وأن تعين مسلمي الجزائر على أن يكونوا على الأقل في مستوى إخوالمهم في الدين في البلدان الأخرى، وهو يعني هنا مصر وتونس والدولة العثمانية، حيث يتقدم الإسلام في المدارس اللائكية، كما قال، وقد قال عن الإسلام بأنه (يمثل الاتحاد بين عالمي الدنيا والآخرة، المادي والروحي، وأنه تحكيم للعقيدة، وأنه السلسلة الأكثر ثقلا والتي لم تحمل الإنسانية مثلها) (١). ويقول إيميل عمار: إن القرآن كتاب غير مترابط ولكنه مثير للإعجاب في نفس الوقت، وقد ظهرت أثناء ذلك دراسات عديدة عن الطرق الصوفية في العالم الإسلامي والجزائر، وعن (الإسلام الجزائري) كما سماه ادمون دوتيه، وعن الحركات الإسلامية وأثرها على الرأي العام في الجزائر، ولذلك فإن الحديث عن تدوين الفقه الإسلامي في فاتح هذا القرن لم يكن معزولا عما ذكرنا من الآراء المنتقدة للإسلام. ثم اهتم نواب الكولون في المجلس المالي بفكرة التدوين ظنا منهم أن الشريعة تقف حجر عثرة في وجه المعاملات ولا سيما مسألة الأرض، واهتم بالتدوين المستشرقون الذين تولوا المحاكم وأشرفوا على المدارس الثلاث ومدرسة (كلية) الحقوق وإدارة الشؤون الأهلية، وكان بعضهم يؤمن بأن تدوين الفقه سيفتح المجال امام عقلنة الشريعة وجعلها تواكب العصر وحاجات فرنسا في المغرب العربي وإفريقية، وعلى رأس هؤلاء أوكتاف هوداس مفتش تعليم المدارس الثلاث، وتدخل أيضا روبير ايستوبلان Estoublon الذي عمل في تونس والجزائر، والذي درس الشريعة الإسلامية، فنصح الحاكم العام جونار بأن تستعين فرنسا بعلماء المغرب وتونس، مما يدل على أنه لا يثق في كفاءة العلماء المتخرجين من المدارس الثلاث، ولكن

стр. 1943

ايميل لارشي أحد القضاة الفرنسيين عارض تدوين الفقه لأنه رأى فيه خطوة نحو التعريب (١). أما الجزائريون فقد انقسموا انقساما واضحا حول هذه المسألة، وظهرت آراء مفصلة وأخرى مجملة، وكان بعضها يتجه نحو فكرة التقدم وتسهيل التجنس والعلمانية، وبعضها كان يتجه إلى التخلص من الاختلافات الفقهية التي لا طائل من ورائها والتخلص من الاستئنافات في المحاكم، وهناك من عارض التدوين أصلا وتمسك بالفقه كما هو إما خوفا على مصير الشريعة من الذوبان في القانون الفرنسي تماما، بما في ذلك الأحوال الشخصية، وإما محافظة فقط على التقاليد، فقد أعلن هني بن السائح، وكان قاضيا، أن التدوين سيكون مضيعة للوقت، ومع ذلك عين في لجنة التدوين، ورأى علاوة بن الساسي - أحد القضاة المشتركين في مؤامرة ١٨٨١ - أن التدوين خطوة تستحق المدح لأنه يستجيب لشروط التقدم، ووقف محيي الدين بن خدة مثله، وهو أحد قضاة المدية، ونادى بالتدوين القائم على القرآن والسنة والمذاهب الأربعة والمصالح والأعراف، وشاركهم يحيى غرامو، قاضي تيزي وزو حيث كان قضاة الصلح الفرنسيون يستعملون العرف فقط، فطالب بالتدوين وتطبيقه على كل الجزائريين بقطع النظر عن المذاهب والأعراف (٢). كان محرك هذا المشروع هو دومينيك لوسياني الذي عمل طويلا كمدير للشؤون الأهلية (إدارة شؤون الجزائريين) في الحكومة العامة، والذي أصبح منذ ١٩٠٤ مستشارا لدى هذه الحكومة في نفس الموضوع، ونحن نفهم من ذلك أن مسألة تدوين الفقه الإسلامي عندئذ كانت من إيحائه هو بل من أعماله الصريحة، وقد قيل أيضا إن نواب الكولون في المجلس المالي قد وافقوا على ذلك، وقيل إن الهدف من هذا المشروع ليس فائدة الأوربيين

стр. 1944

(الفرنسيين) ولكن فائدة الأهالي، رغم أن القضاة الفرنسيين سينسقون أحكامهم معه ويجدون فيه ما يساعد أحكامهم، وقد جعل للمشروع عنوان وهو (تدوين الحيثيات والخصوصيات في الشريعة الإسلامية المطبقة على المسلمين في الجزائر). وكلف الأستاذ مارسيل موران M.Morand وهو عندئذ عميد مدرسة الحقوق (كلية فيما بعد) بالجزائر، بإعداد المشروع، ولكن لوسياني هو روح اللجنة التي أنشئت لهذا الغرض (١). وتألفت اللجنة سنة ١٩٠٦ من ستة عشر عضوا فرنسيا وخمسة جزائريين فقط، وكان رئيسها هو الأستاذ مارسيل موران، وهذه هي أسماء الجزائريين: علي محيي الدين ومحمد الشريف بن علي الشريف، كلاهما كان نائبا في المجلس المالي، وهني بن السائح، وكان قاضيا ونائبا في المجلس المذكور أيضا، ثم عبد الرزاق الأشرف الذي كان متوليا للقضاء في نقاوس أو بسكرة، وعبد القادر المجاوي الأستاذ الشهير بالقسم العالي بمدرسة الجزائر الشرعية، وكان الأشرف هو الذي يترجم عليه، وفي سنة ١٩٠٧ أضيف إلى اللجنة عضو سادس وهو مصطفى بن أحمد الشرشالي أحد القضاة السابقين، وكان عندئذ مدرسا للفقه في مدرسة الجزائر الشرعية، وقد قال السيد كريستلو إن مناقشات هذه اللجنة كانت تشبه مناقشات لجنة قاستنبيد سنة ١٨٦٥، إذ دار نقاش طويل حول رؤية الخاطب لمخطوبته، وهل تظهر المرأة سافرة أو متحجبة، وهل كل المخطوبات سواء أو هناك فرق بين المرأة ذات الجاه والاعتبار والمرأة ذات المستوى الاجتماعي العادي، وتبين لبعض الملاحظين أن مسألة المرأة كانت طبقية بالدرجة الأولى وتمر بالمخططات السياسية والاقتصادية (٢). وقد استفتت اللجنة المسلمين بطريقة سمتها مشاورة، فتحمس البعض للمشروع ورفضه آخرون، وأعلنت إحصاءات القابلين والرافضين، فكانت كما يلي: من بين ٢٢٤ شخصا وافق على التدوين ١٣٢، أما الذين رفضوه

стр. 1945

فهم ٩٢. أي أن هناك أغلبية لصالح التدوين، ولكن المعارضة كانت أيضا قوية، ونعتقد أن الذين استشيروا هم النخبة والقضاة ورجال الدين. أما بالنسبة للقضاة المسلمين فقد تضاربت الآراء، فقد أعلن تسعة من بين ستة عشر من رؤساء المحاكم أنهم ضد التدوين، كما أعلن ٤٥ قاضيا أنهم ضده بينما وافق عليه ٤٢ من بين ٨٧ قاضيا جرت استشارتهم، هذا عن القضاة المسلمين، أما القضاة الفرنسيون (قضاة الصلح) فقد رجحوا الكفة لصالح التدوين، إذ عبر ٧٣ منهم عن الموافقة بينما لم يرفضه إلا ٣٢ منهم، ومن بين القضاة المسلمين الذين أيدوا المشروع قاضي نقاوس الذي لم يذكر بالاسم وإنما فهمنا نحن أنه هو عبد الرزاق الأشرف، لأنه هو الذي عين هناك عندئذ، وذكر تقرير لوسياني أن هذا القاضي (الأشرف) قد حث على قبول المشروع معتبرا إياه شرفا لفرنسا، لأن مصر وتركيا قد دونتا الفقه أيضا. أما من غير القضاة فقد أيد المشروع أيضا أبو بكر عبد السلام، وكان هذا قد ولى القضاء بعض الوقت في عمي موسى، بصفته عدلا فقط، قبل أن يصبح مدرسا في مدرسة تلمسان الشرعية - الفرنسية، ويكتسي رأيه طابعا خاصا لأنه هو ابن شعيب بن علي، قاضي تلمسان منذ ١٨٦٩، وكان شعيب عندئذ ما يزال حيا ومؤثرا ومن ثمة نعتبر رأي الابن هو رأي الأب أيضا، سيما وقد عرفنا أنه رباه ليكون خليفة له، رغم أن هذه القاعدة ليست دائما ثابتة، كتب السيد أبو بكر مقالة بالفرنسية عنوانها (تدوين الفقه الإسلامي) ذكر فيها أن هناك عدة انتقادات لمشروع التدوين، ولكنه يقف إلى جانبه، وقد تعرض في مقاله إلى أصول الشريعة وهي القرآن والسنة والإجماع والقياس والاجتهاد، وأطال في عرضه، وتحدث عن المذاهب الأربعة وأسباب ظهورها، وهو هنا يخاطب الفرنسيين وليس الجزائريين، واستعرض معلومات معروفة بالضرورة حتى لدى الفرنسيين المتخصصين في الموضوع، وأخيرا رفض أبو بكر أطروحة الناقدين الرافضين للتدوين وأيد اللجنة في مشروعها، معتبرا التدوين تجديدا ممتازا ... فإذا تحقق المشروع فإنه سيكون، في رأيه، مفيدا للقضاة الموظفين لحاجتهم إليه في التعامل مع

стр. 1946

المسلمين، ولغير القضاة أيضا من الفقهاء الذين، لولاه، سيجدون أنفسهم مضطرين للتأويل والتفسير (١). أما الراقضون من غير الجزائريين فأبرزهم كاتب مجهول في مجلة العالم الإسلامي، ولعله هو رئيس تحريرها، المستشرق لوشاتلييه، فقد وصف المشروع باللقيط، والملفق من الفقه الإسلامي والقانون الفرنسي، وقاك إنه محاولة لأسلمة الجزائر من جديد بعد اضطهاد المؤسسات الإسلامية فيها خلال ما يقرب من ثمانين سنة، وقال أيضا: إن الإساءة للمسلمين قد تحققت فلا يجب الرجوع إلى الوراء، وكان يعرض بسياسة جونار في الجزائر عندما قال إننا نزعم أننا نقرب بين الحضارة المغزوة والحضارة الغازية، بدون اندماج، بينما نحتفظ بوضع الرعايا للمغزوين المسلمين، وقد أتينا من قبل على عبارته القوية حين قال: لقد اصطنعنا إسلاما فذا في العالم (في الجزائر). بدون أوقاف، وبمساجد إدارية، وأهل دين ورعين، وقضاة موظفين، وحج بالترخيص (٢). ومهما كان الأمر فقد صدر تقريران، أحدهما لرئيس اللجنة الأستاذ موران، والثاني للوسياني، وانتهت اللجنة إلى صيغة التدوين في الأحوال الشخصية، ولا سيما الزواج (النكاح)، على أساس أن الموافقة قد تمت بشأنه، وقد قلنا إن هناك علاقة بين التدوين والزواج المختلط وكذلك قضية التجنس بالجنسية الفرنسية التي كان قانونها يشترط على المسلم التخلي عن الأحوال الشخصية قبل التمتع بها، ولا ندري ما إذا كان رفض الرافضين للتدوين يرجع إلى هذه العلاقة التي ذكرناها. أصدر الأستاذ موران (مجلة الأحكام الإسلامية) ودامت فترة قصيرة، وقد ضمت ما توصل إليه من نتائج في الفقه الإسلامي والقانون الفرنسي.

стр. 1947

وأخذ القضاة الفرنسيون والمجالس الابتدائية يعملون بما جاء في هذه المجلة، وكذلك حاول بعض القضاة المسلمين تطبيق ما جاء فيها، ولكن المجلة لم تكن ملزمة بل كانت للاستشارة فقط، وبعد حين تبين أنها غير وافية بالأحكام الشرعية، وقيل إن موران خلط فيها بين عدة مذاهب، بالإضافة إلى المذهب المالكي، وتوالت الانتقادات عليها (١). ورغم عدم الاتفاق على مشروع تدوين الإرث والوقف، فإن موران قد ذكر له المراجع الأساسية أيضا - الفقه الإسلامي - ولكن لوحظ على هذا المشروع أنه خرج عن فقه الإمام مالك ومختصر خليل إلى فقه الإمام أبي حنيفة والإمام الشافعي، وكان على القاضي المسلم، وكذلك القضاة الفرنسيين، إذا طبقوا أحكام الشريعة، أن يواجهوا مشاكل في ذلك (٢). أما المذهب الإباضي فالمعول عليه فيه هو كتاب (النيل) تأليف عبد العزيز الثميني وشرح محمد بن يوسف اطفيش عليه. وقد أرسل الشيخ نسخة من شرحه إلى لجنة تدوين الفقه لتهتدي به في المذهب. وظل الرأي العام غير مستقر في هذا الجانب خلال الحرب العالمية الأولى، ولما تولى موريس فيوليت الحكومة العامة خلال العشرينات أحس بشكوى المسلمين من تعسف الأحكام المبنية على مجلة الأستاذ موران، وكان فيوليت أكثر تأثرا من غيره لصوت الأهالي، فألف لجنة جديدة لدراسة الموضوع، وكانت كالسابقة تضم أصحاب الإدارة والقانون الفرنسي، كما

стр. 1948

تضم بعض القضاة والعلماء المسلمين الرسميين. ومن أعضائها الجزائريين: أحمد لعيمش ومصطفى الشرشالي وأبو القاسم الحفناوي ومحمود كحول ومحمد بن الحاج (بلحاج) وعبد الرحمن الصديق (١). وكان فيهم الإمام والمدرس والمحامي، ولكن هذه اللجنة كان حظها أقل نجاحا إذ لم يصدر عنها ما صدر عن الأولى من اجتهادات. والمعروف أن فيوليت قد عوض في الحكومة العامة بالسيد بيير بورد سنة ١٩٢٧، وترك موضوع تدوين الفقه مطلقا. وأمام ذلك اقترح الشيخ محمد العابد الجلالي سنة ١٩٢٧ هيئة إسلامية من العلماء المسلمين بدل اللجنة المذكورة، وقال إن ذلك يحرر الجزائريين من نظر الأجنبي في قضاياهم ودينهم ولغتهم وعاداتهم في منصب القضاء الإسلامي أو التشريع له، وهدف هذه الهيئة الإسلامية في نظره هو تقريب وجهات نظر المذاهب وتوحيد الأحكام في المسائل الخلافية، وهو اقتراح طموح وله أهداف سياسية بعيدة، وقد سبق لنا ذكر المحاولات التي قام بها ابن العنابي وغيره، ولكن اقتراح الشيخ الجلالي لم يلتفت إليه على ما نعلم، وكان ظهور جمعية العلماء المسلمين الجزائريين سنة ١٩٣١ قد أدى إلى تحقيق جزء من اقتراح للشيخ الجلالي، فقد أثر وجودها وفتاوى علمائها في حياة القضاة أيضا، ولكن هؤلاء بقوا مرتبطين بالوظيافة الرسمية والأحكام الدائرة في فلك المحاكم الفرنسية، وكان الشيخ الجلالي قد اقترح أيضا إنشاء معاهد علمية في الجزائر لتخريج الاكفاء من العلماء لإصدار الأحكام وإبداء الرأي في المسائل الفقهية الخلافية، وطالب بأن يكون ذلك من إنشاء الجماعات الإسلامية بدل ترك الموضوع للحكومة الفرنسية فقط (٢). وارتباطا بهذا الموضوع، موضوع الأحكام الشرعية وتدوينها، ظهرت

стр. 1949

عدة دراسات أيضا حول المرأة والشريعة الإسلامية، فأصدر ميرسييه كتابا عن المرأة بعنوان: المرأة المسلمة في شمال إفريقية، وأصدر ليون ميو كتابا بعنوان المرأة المسلمة في المغرب (العربي). اهتم فيه بالشريعة والعرف ودور الحضارة الفرنسية إزاء المرأة (١). كما أصدر محمد بن مصطفى خوجة بحثه عن (الاكتراث بحقوق الإناث) في الشريعة الإسلامية، وظهرت دراسات عن المرأة في زواوة الخاضعة للعرف المحلي، وكذلك المرأة في جهات أخرى من القطر، وقد اهتمت السيدة بوجيجا بموضوع المرأة عموما في الجزائر ثم هرو والشريعة خاصة، وسندرس ذلك في مكانه، كما ظهرت عدة دراسات حول المحاكم الإسلامية وقواعد العمل فيها، منها دراسة السيد علي حسين (٢). ورغم اللجان والضجة التي حصلت، فإن تدوين الفقه الإسلامي لم يحصل لأن الممارسات الحقيقية كانت للقانون الفرنسي، وكان على القضاة الجزائريين أن يعملوا على التخلص من هذه السيطرة التي تدخل في عملية الاندماج، وسيكون للحركة الوطنية الكلمة الفصل في ذلك، لأن تحرير القضاء هو جزء من تحرير الأرض. انتهى الجزء الرابع ويليه الجزء الخامس

стр. 1950

المحتوى

стр. 1951

_________ ب. فرع عين ماضي .............................................. ٢٠٥ ج. فرع تماسين وقمار ............................................. ٢١٩ تعاليم وأوراد التجانية وموقفها من فرنسا وتركيا سنة ١٩١٤ .......... ٢٣٦ الطريقة السنوسية ................................................. ٢٤٤ الطكوكية ......................................................... ٢٦٦ البوعلية .......................................................... ٢٧٤ الشابية ........................................................... ٢٧٥ البكائية ........................................................... ٢٧٧ المكاحلية (الرماة) ................................................. ٢٨٠ الناصرية ......................................................... ٢٨١ طرق أخرى ....................................................... ٢٨١ تمويل الزوايا ...................................................... ٢٨٤ إحصاءات الطرق والزوايا .......................................... ٢٩١ الطرق الصوفية والسياسة .......................................... ٣٠١ توظيف الطرق الصوفية وتدجينها .................................. ٣٢٥ الفصل الثالث: السلك الديني والقضائي ............................. ٣٤٣ مدخل ............................................................. ٣٤٥ الهيئة الدينية ...................................................... ٣٥٠ رجال الدين والسياسة .............................................. ٣٧٩ تصنيف المساجد وموظفيها ........................................ ٣٨٦ شؤون الحج ....................................................... ٣٩٩ إجحاف في حق الدين ورجاله ...................................... ٤١٦ مدخل إلى السلك القضائي ......................................... ٤٢٠ بداية التدخل في القضاء الإسلامي ................................. ٤٢٧ تجربة المجالس القضائية ومراسيمها ................................ ٤٣٥ المكي بن باديس والعرائض ........................................ ٤٨٢ (مؤامرة) القضاة ومسألة التجنس والزواج المختلط ................... ٤٦٨ الهجوم على القضاة وبعض خصائصهم ........................... ٤٧٣

стр. 1952

_________ نمانج من القضاة ....................................................... ٤٨٣ المجاهد - ابن المختار - الشرقي - ابن الحاج موسى - الحاج حمو - الزهار - الأشرف - لعيمش - دغمان - الزردومي - ابن عبد الله - المازوني - الخبزاوي - ابن سعد - العوامر - الجليلي- بريهمات قضة تدوين الفقه الإسلامي .............................................. ٥٢٨

стр. 1953

دار الغرب الإسلامي بيروت - لبنان لصاحبها: الجيب اللمسي شارع الصوراتي (المعماري) - الحمراء، بناية الأسود تلفون: ٣٥٠٣٣١ - ٠٠٩٦١١: Tel / خلوي: ٦٣٨٥٣٥ - ٠٠٩٦١٣: Cellulair فاكس: ٧٤٢٥٨٧ - ٠٠٩٦١١: Fax / ص. ب. ٥٧٨٧ - ١١٣ يروت، لبنان DAR AL - GHARB AL - ISLAMI B.P.: ١١٣ - ٥٧٨٧ Beyrouth, LIBAN الرقم: ٣٣٧/ ٢٠٠٠/ ١١/ ١٩٩٨ التنضيد: كومبيوتايب - بيروت الطباعة: دار صادر، ص. ب , ١٠ - بيروت

стр. 1954

HISTOIRE CULTURELLE DE L'ALGERIE PAR Professeur Aboul Kacem Saadallah Université d'Alger Tome ٤ ١٩٥٤ - ١٨٣٠ DAR AL - GHARB AL - ISLAMI

стр. 1955

الدكتور أبو القاسم سعد الله تاريخ الجزائر الثقافي الجزء الخامس (١٨٣٠ - ١٩٥٤) دار الغرب الإسلامي

стр. 1956

١٩٩٨ دار الغرب الإسلامي الطبعة الأولى دار الغرب الإسلامي ص. ب. ٥٧٨٧ - ١١٣ بيروت جميع الحقوق محفوظة. لا يسمح بإعادة إصدار الكتاب أو تخزينه فى نطاق إستعادة المعلومات أو نقله بأي شكل كان أو بواسطة وسائل إلكترونية أو كهروستاتية، أو أشرطة ممغنطة، أو وسائل ميكانيكية، أو الاستنساخ الفوتوغرافي، أو التسجيل وغيره دون إذن خطي من الناشر.

стр. 1957

تاريخ الجزائر الثقافي

стр. 1958

الفصل الأول المعالم الإسلامية والأوقاف

стр. 1959

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ مقدمة سندرس في هذا الفصل البناءات الإسلامية في العهد الفرنسي، من مساجد وزوايا وأضرحة وجبانات، وندرس أوقافها التي آلت بالمصادرة إلى أملاك الدولة الفرنسية، كما سندرس الأوقاف العامة الأخرى مثل أوقاف مكة والمدينة وسبل الخيرات وبيت المال والعيون والطرقات والأندلس والأشراف، وهي التي كانت قد صودرت قبل أوقاف البناءات الدينية الخاصة كالمساجد والزوايا. أما المدارس فسنكتفى بذكر أسمائها وأوقافها، أما دورها التعليمي والتربوي فسنعالجه في الفصول الخاصة بالتعليم، وكذلك الأمر بالنسبة للزوايا. وهناك مصطلحات لا بد من التعرض إليها قبل التفصيل في النقاط المذكورة، وكذلك مراسيم وقرارات صدرت من السلطات الفرنسية لتحديد الصلاحيات وتبرير المصادرة سنتعرضں إليها أيضا. وقد أنشأت هذه السلطات أجهزة تتولى باسمها تسيير الأوقاف الإسلامية وتقديم المساعدات للفقراء مثل المكتب الخيري الإسلامي والجمعية الخيرية، ونحو ذلك. وكان علينا أن نتتبع تطورها أيضا ومشاكلها ومعاناة المستحقين لمداخيل الأوقاف. وأثناء ذلك نعرض لرد فعل الجزائريين إزاء هدم المساجد أو تحويلها إلى كنائس أو إسطبلات أو ثكنات أو مسارح، ورد فعلهم من الاستيلاء على الأوقاف وتمويلها عن أغراضها وإعطائها إلى الأوروبيين. وقد اعتمدنا في كتابة هذا الفصل على عدة مصادر ومراجع. هناك أولا الأرشيف الذي يضم وثائق عديدة وتقارير حول أوضاع الأوقاف والبناءات الدينية والخيرية الإسلامية. إلى جانب معرفتنا بنظام الوقف في الشريعة الإسلامية، وخلال العهد العثماني، وهو العهد الذي انتظمت فيه طريقة

стр. 1960

التسيير لهذا الجهاز (الوقف) الاجتماعي والثقافي والاقتصادي، والذي ورث منه العهد الفرنسي نفس التركة، من وكلاء مجربين ومحاسبات دورية وسجلات محفوظة وهيئة علمية ساهرة ومستفيدة. وبالإضافة إلى ذلك نجد في كتابات بعض الفرنسيين مادة كبيرة سجلت موقف السلطات من أملاك الوقف الإسلامي من البناءات الدينية، هدما وبيعا وتحويلا عن الغرض الديني. ومن الكتاب الذين تناولوا هذا الموضوع ألبير ديفوكس، وأوميرا، وأشيل روبير، وشيربونو، وبروسلار، وفيرو، والإسكندر جولي، وهنري كلاين، ولويس رين، وديبون وكوبولاني. وفي الكتب المتخصصة بالمناطق والمدن (المونوغرافات) نجد وصفا مفصلا أحيانا للمؤسسات الدينية في كل منطقة، وهي الكتب التي ألفها عادة رؤساء المكاتب العربية الذين عملوا في المنطقة طويلا وخبروها، فجمعوا من تقاريرهم ومذكراتهم وملاحظاتهم كتبا نشروها بعد انتهاء مهامهم أصبحت ذات قيمة بما فيها، وتضم معلومات خاصة ومفصلة. ومن ذلك بعض الكتب المتعلقة بزوايا ومساجد زواوة والأوراس، وبعض المناطق الأخرى مثل تيهرت (تيارت) والمدية ووادي سوف وغرداية. ومن المؤلفات الجزائرية التي تعرضت للموضوع كتاب حمدان خوجة (المرآة)، وكان أول وثيقة تستنكر فعل السلطات الفرنسية من المساجد والأضرحة وعظام الموتى، وأول من رفع صاحبه عقيرته بالاحتجاج بالقلم على ذلك الفعل. ولكن الكتاب يظل مقتصرا على فترة قصيرة جدا. (ثلاث سنوات) من عهد الاحتلال البغيض. ولو عاش حمدان خوجة بعد ذلك في الجزائر وشاهد ما ارتكب في عهد خلفاء كلوزيل، مثل بي جو وراندون وبيليسيه الخ. لما سكت عن أفعالهم ولترك ربما لنا تفاصيل أخرى مفيدة. وهناك كتابات ليست فرنسية ولا جزائرية حول الأسلوب الفرنسي في التعامل مع التراث الديني الجزائري. نذكر منها مؤلفات القسيس بلاكسلي، وبولسكي، وسيتون، ومورقن. وهم رحالة سجلوا ملاحظاتهم على سلوك الاحتلال في عقوده الأولى. إن على المرء أن يتوقف قليلا ويتأمل في فعل الفرنسيين في الجزائر

стр. 1961

سنة ١٨٣٠، ويحكم: هل احتلوا الجزائر ليستعمروها أو ليخربوها؟ وهل جاؤوا لينتقموا من الإسلام والمسلمين أو ليقيموا مستعمرة يحلون فيها مواطنيهم ويحمونها بجيشهم ويستفيدون من اقتصادها ومواردها؟ من السهل إعطاء الجواب منذ البداية ولكن على المرء أن يواصل معنا هذه الرحلة الشاقة في تصرفات لا مبرر لها في ظاهر الأمر سوى الحقد والجهل بقيمة التاريخ والغرور الأخرق. وقد لاحظ بعض علماء الفرنسيين أنفسهم الأخطاء التي ارتكبت في هذا المجال وحكموا على أصحابها بأنهم أهانوا بفعلهم ذلك شرف المسلمين الذين لن يغفروا لهم إساءتهم، وقد كان ديفوكس وأوميرا ورين أجرأ مما كنا نتوقع حول الموضوع، ولكن جرأتهم جاءت بعد عشرات السنين من الاحتلال. وقبل البدء في الفقرة التالية نقول إننا اتبعنا في تصنيف البناءات الدينية جغرافيا ثلاثة أصناف: بناءات إقليم الوسط (الجزائر)، وبناءات إقليم الغرب (وهران) وبناءات إقليم الشرق (قسنطينة)، وهو التقسيم الإداري والتقليدي للقطر الجزائري أثناء الاحتلال وإلى سنة ١٩٥٤. وطريقتنا في ذلك هي أن نذكر البناية الدينية وحالتها وتاريخها إذا توفرت المعلومات عنها، وأوقافها إذا ذكرت إلى جانبها، ومصيرها بعد الاحتلال. وعندما ننتهي من البنايات الدينية في الإقليم الواحد ننتقل إلى نفس البنايات في الإقليم التالي، وهكذا. وسيلاحظ القارئ بدون شك، عدم التوازن في المادة وفي التعامل بين وضع هذه البناءات في الأقاليم الثلاثة. ويرجع السبب الرئيسي في ذلك إلى وفرة الكتابات في ناحية دون أخرى، من جهة، وإلى أن السلطات الفرنسية لم تتعامل بنفس الطرية في مختلف أنحاء البلاد. مثلا عانت العاصمة أكثر من غيرها من هدم المساجد والزوايا والأضرحة لأنها هي الأولى في الاحتلال وأنها الأولى التي انطلق منها التوسع العمراني الأوروبي على حساب الأحياء المسماة العربية. وكان الفرنسيون قد قضوا فيها على البناءات الدينية تحت دعاوى عديدة، مثل الدفاع عن المدينة، ومد الطرقات وفتح ساحة الحكومة (الشهداء حاليا) الخ. وكانت تلمسان من

стр. 1962

المدن التي لم تتضرر كثيرا بالأسلوب الذي طبق في العاصمة وبجاية وقسنطينة مثلا، كما أن زواوة والجنوب لم يدخلهما الاستعمار إلا خلال الخمسينات من القرن الماضي، أي بعد أن اطمأن الفرنسيون على مكاسبهم وخف حقدهم على المعالم، وإن كان قد بقي ضد أهلها. مساجد العاصمة نستعمل كلمة المسجد والجامع لنفس الشيء، رغم أن المصطلح الفرنسي يفرق بين الجامع وهو المصلي الذي له منارة أو صومعة، وتصلي فيه الجمعة وتلقي فيه الخطبة ويمتاز بالحجم الكبير والضخامة والاتساع للمصلين. أما المسجد فهو المصلى الصغير الحجم والذي ليس له منارة أو صومعة أو له صومعة صغيرة. ويستعمل المسجد على هذا الاعتبار للصلوات الخمس فقط. وهناك مساجد صغيرة الحجم ولكن كانت مصلى لبعض الخاصة كمسجد الداي. وبعض المساجد الصغيرة كانت تابعة للزوايا أو للقباب (الأضرحة)، كما سنذكر، وستعرف أن المساجد الكبيرة (الجوامع) ذات الصوامع والخطباء والمدرسين مذكورة بهذه الصفة في أوقافها في كثير من الأحيان. ولذلك فقد رأينا أن نحافظ على التسميات التاريخية كما وردت في الوثائق، فإذا كانت البناية مذكورة على أنها مسجد في الوثيقة فلن نعطيها اسم جامع، وإذا كانت مذكورة على أنها جامع فلن نعطيها اسم مسجد، ولو كان هذا الجامع تابعا لزاوية فقط أو في حجم صغير. إن أول مسجد وقع عليه الاعتداء بالهدم الكامل هو جامع السيدة. وكان ذلك سنة ١٨٣٠. وستعرف وصف هدمه بأقلام فرنسية. ثم تلاه توزيع المساجد على الجيش لربط خيوله ووضع عتاده ومراقده ومستشفياته، ثم بدأ تحويل بعض المساجد إلى الكنائس التي سنذكرها وإلى إقامات للجمعيات الدينية الفرنسية، وفي أثناء ذلك كان المعول يستعمل لهدم المساجد الأخرى أو بيعها إلى الأوروبيين ليهدموها، ويبنوا عليها المنازل والحمامات

стр. 1963

والكوش. وقد استعمل بعض المساجد كمخازن للحبوب، وصيدليات ومسارح. كان عدد مساجد العاصمة عند الاحتلال ١٢٢ مسجدا بين صغير وكبير (١٣ جامعا كبيرا بالمنطق الفرنسي)، بعضها يرجع إلى قرون خلت (القرن ٧ هـ)، وبعضها يرجع إلى آخر العهد العثماني. ومن هذه المساجد ما كان قائما يؤدي مهمته وله أوقافه منذ القرن ١٦ م. وجاء وصفه في كتب الرحالة والمعاصرين أمثال ليون الإفريقي وهايدو الإسباني. عند تناول البنايات الدينية في العاصمة اتبع المؤلفون طرقا مختلفة في إحصائها ووصفها. فألبير ديفوكس درسها أولا من خلال الأحياء داخل المدينة. فتناول ما هو بالوسط (القصبة) وما هو بالناحية الغربية (باب الواد) وما هو بالناحية الشرقية (باب عزون). ثم تناول ما هو خارج الأسوار، أي الواقع في الضواحي أو (الفحوص)، متبعا أيضا ذلك جهة يد جهة أو فحصا بعد فحص إلى أن أتى على مجموع حوالي ١٧٦ بناية دينية أو معلما، ومنها ١٢٢ مسجدا التي أشرنا إليها (١). وكان ديفوكس من خبراء هذا الموضوع، لأنه كان مكلفا بالوثائق العربية والتركية مدة طويلة، وقد استخرج منها معلومات كثيرة تهم الاحتلال

стр. 1964

وتارخ القناصل الفرنسيين والشركات الفرنسية في الجزائر في العهد العثماني، ثم البنايات الدينية والأوقاف التابعة لها، وما إلى ذلك. وكان لا يحسن التركية، ولذلك وظف مجموعة من الجزائريين الذين كانوا يترجمون له من التركية إلى العربية، ذكر منهم الشيخ محمود بن عثمان خوجة الذي قد يكون من عائلة حمدان بن عثمان خوجة. وبعد ذلك كان ديفوكس يترجم من العربية إلى الفرنسية. وفي دراسته للبنايات والمعالم الدينية الإسلامية لم يرتبها ديفوكس حسب الأهمية ولا حسب الوظيفة ولا حسب النوعية، وإنما كان يذكر (قاتمة) بهذه البنايات في الفصل المخصص للجهة التي يدرسها. والمهم أن نذكر أن ديفوكس عاصر تصرف سلطات بلاده في المساجد وغيرها، ولكنه لم يكتب عن ذلك ولم يصفه إلا بعد عدة سنوات (١). أما أوميرا فلم يكتب عن الموضوع إلا سنة ١٨٩٨. وقد اعتمد على زميله ديفوكس في كثير من الجوانب، ولكنه تميز عنه بالتركيز على أملاك الوقف وليس على البنايات الدينية نفسها. ومع ذلك تناول عددا من المساجد والزوايا والقباب (الأضرحة) بشيء من التفصيل ليظهر مكانتها في التراث وقيمتها في الوقف. وقد صنف ذلك إلى ما هو داخل المدينة وما هو خارج عنها. كما أنه ذكر ٣٢ مسجدا أصابها الهدم والتعطيل والتحويل والخراب. وبعضها (وهو ستة فقط) بقيت إلى وقته هو. وسنعرف عن الزوايا والقباب والجبانات التي تناولها أوميرا أيضا. ولذلك سنستفيد نحن من الدراستين في هذا الباب. وسنكملها بملاحظات ومعلومات جمعناها من مراجع أخرى. إن بعض هذه المساجد كانت ذات شهرة وقيمة علمية كبيرة في العهد العثماني ولكن الاحتلال لم يرحمها. ومثال ذلك جامع القشاش وجامع

стр. 1965

عبدي باشا وجامع حسين ميزمورتو، وجامع خضر باشا (١). ولقد واصلت السلطات الفرنسية عمليات التخلص من المساجد إلى فاتح القرن العشرين، فبين ١٩٠٥ - ١٩١١ جرت مناقشات ساخنة في بلدية الجزائر حول هدم الجامعين الرئيسيين الباقين وهما الجامع الكبير والجامع الجديد (التجميل) العاصمة وبناء فندقين مكان الجامعين. ولولا خوف هذه السلطات من ردود فعل المسلمين ومواقف بعض النواب الجزائريين في البلدية، وعلاقة ذلك بموضوع التجنيد الإجباري وحركة الهجرة (٢)، لمضى الفرنسيون إلى الجامعين المذكورين وتخلصوا منهما كما فعلوا مع الجوامع الأخرى ولبقيت العاصمة اليوم ربما خالية تماما من الآثار الإسلامية. وإليك أسماء مساجد العاصمة ومصائرها: ١ - جامع السيدة: كان من بين المساجد السبعة الرئيسية منذ القرن ١٦ م (العاشر الهجري). أقدم الوثائق التي تتحدث عنه ترجع إلى سنة ١٥٦٤ م. تحدث عنه هايدو الإسباني سنة ١٥٨١ وعده الثالث في الأهمية من بين المساجد السبعة بالعاصمة. اتخذه الباشوات مصلى لهم لقربه من قصر الجنينة (قصر السلطان والحكم). واعتبره ديفوكس من جوامع الدرجة الأولى، لجماله وفخامته. وكان ديفوكس حاضرا، لهدمه سنة ١٨٣٠، ولكنه كان صغير السن، ولذلك اعتمد في وصف طريقة الهدم على زميله أوغست لودويه A. Lodoyer، عضو الجمعية التاريخية الجزائرية، التي أسسها الفرنسيون سنة ١٨٥٥. فقال لودوييه إن جامع السيدة كان أول جامع هدم بالمطارق والفؤوس بأيادي فرنسية، وذلك لضرورة توسيع المجال حول قصر
следующие страницы →