سنة ١٨٣٠، ويحكم: هل احتلوا الجزائر ليستعمروها أو ليخربوها؟ وهل جاؤوا لينتقموا من الإسلام والمسلمين أو ليقيموا مستعمرة يحلون فيها مواطنيهم ويحمونها بجيشهم ويستفيدون من اقتصادها ومواردها؟ من السهل إعطاء الجواب منذ البداية ولكن على المرء أن يواصل معنا هذه الرحلة الشاقة في تصرفات لا مبرر لها في ظاهر الأمر سوى الحقد والجهل بقيمة التاريخ والغرور الأخرق. وقد لاحظ بعض علماء الفرنسيين أنفسهم الأخطاء التي ارتكبت في هذا المجال وحكموا على أصحابها بأنهم أهانوا بفعلهم ذلك شرف المسلمين الذين لن يغفروا لهم إساءتهم، وقد كان ديفوكس وأوميرا ورين أجرأ مما كنا نتوقع حول الموضوع، ولكن جرأتهم جاءت بعد عشرات السنين من الاحتلال.
وقبل البدء في الفقرة التالية نقول إننا اتبعنا في تصنيف البناءات الدينية جغرافيا ثلاثة أصناف: بناءات إقليم الوسط (الجزائر)، وبناءات إقليم الغرب (وهران) وبناءات إقليم الشرق (قسنطينة)، وهو التقسيم الإداري والتقليدي للقطر الجزائري أثناء الاحتلال وإلى سنة ١٩٥٤. وطريقتنا في ذلك هي أن نذكر البناية الدينية وحالتها وتاريخها إذا توفرت المعلومات عنها، وأوقافها إذا ذكرت إلى جانبها، ومصيرها بعد الاحتلال. وعندما ننتهي من البنايات الدينية في الإقليم الواحد ننتقل إلى نفس البنايات في الإقليم التالي، وهكذا. وسيلاحظ القارئ بدون شك، عدم التوازن في المادة وفي التعامل بين وضع هذه البناءات في الأقاليم الثلاثة. ويرجع السبب الرئيسي في ذلك إلى وفرة الكتابات في ناحية دون أخرى، من جهة، وإلى أن السلطات الفرنسية لم تتعامل بنفس الطرية في مختلف أنحاء البلاد. مثلا عانت العاصمة أكثر من غيرها من هدم المساجد والزوايا والأضرحة لأنها هي الأولى في الاحتلال وأنها الأولى التي انطلق منها التوسع العمراني الأوروبي على حساب الأحياء المسماة العربية. وكان الفرنسيون قد قضوا فيها على البناءات الدينية تحت دعاوى عديدة، مثل الدفاع عن المدينة، ومد الطرقات وفتح ساحة الحكومة (الشهداء حاليا) الخ. وكانت تلمسان من
стр. 1962
المدن التي لم تتضرر كثيرا بالأسلوب الذي طبق في العاصمة وبجاية وقسنطينة مثلا، كما أن زواوة والجنوب لم يدخلهما الاستعمار إلا خلال الخمسينات من القرن الماضي، أي بعد أن اطمأن الفرنسيون على مكاسبهم وخف حقدهم على المعالم، وإن كان قد بقي ضد أهلها.
مساجد العاصمة
نستعمل كلمة المسجد والجامع لنفس الشيء، رغم أن المصطلح الفرنسي يفرق بين الجامع وهو المصلي الذي له منارة أو صومعة، وتصلي فيه الجمعة وتلقي فيه الخطبة ويمتاز بالحجم الكبير والضخامة والاتساع للمصلين. أما المسجد فهو المصلى الصغير الحجم والذي ليس له منارة أو صومعة أو له صومعة صغيرة. ويستعمل المسجد على هذا الاعتبار للصلوات الخمس فقط. وهناك مساجد صغيرة الحجم ولكن كانت مصلى لبعض الخاصة كمسجد الداي. وبعض المساجد الصغيرة كانت تابعة للزوايا أو للقباب (الأضرحة)، كما سنذكر، وستعرف أن المساجد الكبيرة (الجوامع) ذات الصوامع والخطباء والمدرسين مذكورة بهذه الصفة في أوقافها في كثير من الأحيان. ولذلك فقد رأينا أن نحافظ على التسميات التاريخية كما وردت في الوثائق، فإذا كانت البناية مذكورة على أنها مسجد في الوثيقة فلن نعطيها اسم جامع، وإذا كانت مذكورة على أنها جامع فلن نعطيها اسم مسجد، ولو كان هذا الجامع تابعا لزاوية فقط أو في حجم صغير.
إن أول مسجد وقع عليه الاعتداء بالهدم الكامل هو جامع السيدة. وكان ذلك سنة ١٨٣٠. وستعرف وصف هدمه بأقلام فرنسية. ثم تلاه توزيع المساجد على الجيش لربط خيوله ووضع عتاده ومراقده ومستشفياته، ثم بدأ تحويل بعض المساجد إلى الكنائس التي سنذكرها وإلى إقامات للجمعيات الدينية الفرنسية، وفي أثناء ذلك كان المعول يستعمل لهدم المساجد الأخرى أو بيعها إلى الأوروبيين ليهدموها، ويبنوا عليها المنازل والحمامات
стр. 1963
والكوش. وقد استعمل بعض المساجد كمخازن للحبوب، وصيدليات ومسارح.
كان عدد مساجد العاصمة عند الاحتلال ١٢٢ مسجدا بين صغير وكبير (١٣ جامعا كبيرا بالمنطق الفرنسي)، بعضها يرجع إلى قرون خلت (القرن ٧ هـ)، وبعضها يرجع إلى آخر العهد العثماني. ومن هذه المساجد ما كان قائما يؤدي مهمته وله أوقافه منذ القرن ١٦ م. وجاء وصفه في كتب الرحالة والمعاصرين أمثال ليون الإفريقي وهايدو الإسباني.
عند تناول البنايات الدينية في العاصمة اتبع المؤلفون طرقا مختلفة في إحصائها ووصفها. فألبير ديفوكس درسها أولا من خلال الأحياء داخل المدينة. فتناول ما هو بالوسط (القصبة) وما هو بالناحية الغربية (باب الواد) وما هو بالناحية الشرقية (باب عزون). ثم تناول ما هو خارج الأسوار، أي الواقع في الضواحي أو (الفحوص)، متبعا أيضا ذلك جهة يد جهة أو فحصا بعد فحص إلى أن أتى على مجموع حوالي ١٧٦ بناية دينية أو معلما، ومنها ١٢٢ مسجدا التي أشرنا إليها (١).
وكان ديفوكس من خبراء هذا الموضوع، لأنه كان مكلفا بالوثائق العربية والتركية مدة طويلة، وقد استخرج منها معلومات كثيرة تهم الاحتلال
стр. 1964
وتارخ القناصل الفرنسيين والشركات الفرنسية في الجزائر في العهد العثماني، ثم البنايات الدينية والأوقاف التابعة لها، وما إلى ذلك. وكان لا يحسن التركية، ولذلك وظف مجموعة من الجزائريين الذين كانوا يترجمون له من التركية إلى العربية، ذكر منهم الشيخ محمود بن عثمان خوجة الذي قد يكون من عائلة حمدان بن عثمان خوجة. وبعد ذلك كان ديفوكس يترجم من العربية إلى الفرنسية. وفي دراسته للبنايات والمعالم الدينية الإسلامية لم يرتبها ديفوكس حسب الأهمية ولا حسب الوظيفة ولا حسب النوعية، وإنما كان يذكر (قاتمة) بهذه البنايات في الفصل المخصص للجهة التي يدرسها. والمهم أن نذكر أن ديفوكس عاصر تصرف سلطات بلاده في المساجد وغيرها، ولكنه لم يكتب عن ذلك ولم يصفه إلا بعد عدة سنوات (١).
أما أوميرا فلم يكتب عن الموضوع إلا سنة ١٨٩٨. وقد اعتمد على زميله ديفوكس في كثير من الجوانب، ولكنه تميز عنه بالتركيز على أملاك الوقف وليس على البنايات الدينية نفسها. ومع ذلك تناول عددا من المساجد والزوايا والقباب (الأضرحة) بشيء من التفصيل ليظهر مكانتها في التراث وقيمتها في الوقف. وقد صنف ذلك إلى ما هو داخل المدينة وما هو خارج عنها. كما أنه ذكر ٣٢ مسجدا أصابها الهدم والتعطيل والتحويل والخراب. وبعضها (وهو ستة فقط) بقيت إلى وقته هو. وسنعرف عن الزوايا والقباب والجبانات التي تناولها أوميرا أيضا. ولذلك سنستفيد نحن من الدراستين في هذا الباب. وسنكملها بملاحظات ومعلومات جمعناها من مراجع أخرى.
إن بعض هذه المساجد كانت ذات شهرة وقيمة علمية كبيرة في العهد العثماني ولكن الاحتلال لم يرحمها. ومثال ذلك جامع القشاش وجامع
стр. 1965
عبدي باشا وجامع حسين ميزمورتو، وجامع خضر باشا (١). ولقد واصلت السلطات الفرنسية عمليات التخلص من المساجد إلى فاتح القرن العشرين، فبين ١٩٠٥ - ١٩١١ جرت مناقشات ساخنة في بلدية الجزائر حول هدم الجامعين الرئيسيين الباقين وهما الجامع الكبير والجامع الجديد (التجميل) العاصمة وبناء فندقين مكان الجامعين. ولولا خوف هذه السلطات من ردود فعل المسلمين ومواقف بعض النواب الجزائريين في البلدية، وعلاقة ذلك بموضوع التجنيد الإجباري وحركة الهجرة (٢)، لمضى الفرنسيون إلى الجامعين المذكورين وتخلصوا منهما كما فعلوا مع الجوامع الأخرى ولبقيت العاصمة اليوم ربما خالية تماما من الآثار الإسلامية.
وإليك أسماء مساجد العاصمة ومصائرها:
١ - جامع السيدة: كان من بين المساجد السبعة الرئيسية منذ القرن ١٦ م (العاشر الهجري). أقدم الوثائق التي تتحدث عنه ترجع إلى سنة ١٥٦٤ م. تحدث عنه هايدو الإسباني سنة ١٥٨١ وعده الثالث في الأهمية من بين المساجد السبعة بالعاصمة. اتخذه الباشوات مصلى لهم لقربه من قصر الجنينة (قصر السلطان والحكم). واعتبره ديفوكس من جوامع الدرجة الأولى، لجماله وفخامته. وكان ديفوكس حاضرا، لهدمه سنة ١٨٣٠، ولكنه كان صغير السن، ولذلك اعتمد في وصف طريقة الهدم على زميله أوغست لودويه A. Lodoyer، عضو الجمعية التاريخية الجزائرية، التي أسسها الفرنسيون سنة ١٨٥٥. فقال لودوييه إن جامع السيدة كان أول جامع هدم بالمطارق والفؤوس بأيادي فرنسية، وذلك لضرورة توسيع المجال حول قصر
стр. 1966
الدايات (١) الذي وضع تحت يد السلطات العسكرية الفرنسية كمخزن ومحطة رئيسية. وكان التوسيع أحد الأسباب فقط. وهناك سبب آخر ذكره لودوييه وهو خوف الفرنسيين من أن يتخذ المسلمون جامع السيدة مركزا لهم ونقطة تجمع ومظاهرات. وذلك ليدل على أهمية جامع السيدة من الناحية المعنوية. ولعل هذا هو السبب الرئيسي، بالإضافة إلى عنصر الرواسب الصليبية. وقد هدموا معه المنازل المجاورة والملاصقة له لإقامة فضاء حر داخل المدينة ونقطة للدفاع لو حاول المسلمون الثورة على الفرنسيين. وبعد هدم الجامع والقبة الضخمة التابعة له، بقيت الصومعة قائمة إلى سنة ١٨٣٢ حين أسقطوها قطعة واحدة باتجاه الشرق. وقد استعمل الفرنسيون عدة وسائل لإسقاط الصومعة فأعيتهم، مثل الحبال والطرق بالفؤوس الغليظة، ثم التجأوا إلى تلغيم الصومعة ونسفها نسفا (٢). وبناء على ديفوكس فإن جامع السيدة كان يقع في ساحة الحكومة (الشهداء حاليا).
وقد تحدث أوميرا أيضا عن مصير جامع السيدة فقال إن الفرنسيين هدموه قبل التفكير في إقامة ساحة الحكومة خلافا للتفسير القائل، إن الهدف من الهدم هو فتح مجال واسع وسط القصبة لتهوية المدينة وتجميلها الخ. وأضاف أوميرا أن الجامع كان يقع بين بداية شارع باب الواد وفندق الأيالة (ريجنس) وجزء من ساحة الحكومة الحالية سنة (١٨٩٨) المواجهة للجنينة، والممتدة إلى أقواس دار السلطان (القصر) التي اختفت هي أيضا لمد شارع الديوان. وقال أوميرا إنه يوجد الآن أثر لهذه الأقواس على أحد جوانب قصر الأسقفية. لقد كان جامع السيدة، بحكم قربه من دار السلطان تتردد عليه الارستقراية الحاكمة. وهو من الجوامع القديمة. وكرر أوميرا كلام ديفوكس
стр. 1967
حول الجامع ناقلا عن هايدو أنه كان يقع في شارع (الأرتولوجي) سنة ١٥٨١، ثم أورد أيضا كلام لودويه A. Lodoyer حول هدم جامع السيدة (١).
وقد علق أوميرا (الذي كان من العلمانيين وربما من الماسونيين، ورئيسا لجمعية الصحفيين وجمعية العلوم الاجتماعية في الجزائر) على فعل سلطات بلاده فقال إنه لم يكن بدافع عاطفة معادية للدين الإسلامي وإنما كان لضرورة فتح الطرق العمومية، وقد نفى أوميرا أيضا عاطفة التعصب عن المسلمين بدليل أنهم في نظره لم يحتجوا أو يثوروا ضد هدم أجمل مساجدهم، جامع السيدة. وكانوا حاضرين، ويرددون عبارة (مكتوب، مكتوب). ولذلك اعتبرهم أوميرا (قدريين) فقط. ولكن كلام أوميرا فيه نظر. فمن جهة نعلم أن لجنة الحفر بقيادة حمدان خوجة قد احتجت وصرخت وكتبت ضد هذه الأعمال غير الحضارية، وكتابه (المرآة) وعرائضه تشهد على ذلك. ولعل أوميرا لم يرجع إليها. ولم يرجع أيضا إلى الأدب الشعبي الذي بكى مصير المساجد والأسواق والحصون التي هدمت (٢). ثم إن المسلمين الذين بقوا في العاصمة عدد ضئيل جدا، إثر الاحتلال، وكانوا من صنف الفقراء والعجزة الذين لم يستطيعوا الخروج من المدينة. وأخيرا سنعرف أن الاحتجاج الناطق والصامت قد استمر عند المسلمين، كما تثبته المراجع التي سنذكرها.
٢ - جامع محمد باشا: كان في مقابلة قبة سيدي يعقوب (انظر القباب) على البحر. وهو جامع صغير، هدمه الفرنسيون، كما يقول ديفوكس، منذ أمد بعيد - لم يحدد ديفوكس التاريخ -. وقليل من الأهالي يذكرونه في عهد ديفوكس، وحتى الذين يذكرونه لا يعلمون أنه لمحمد باشا، ذلك الداي غير العادي والذي حكم ٢٥ سنة (وهذه المدة الطويلة ظاهرة نادرة في ذلك
стр. 1968
الوقت) من سنة ١١٧٩ إلى ١٢٩٥ (١٧٦٥ - ١٧٩١) (١). ولهذا الجامع وقفية وقعت أمام القاضي الحنفي عندئذ. وكان محمد باشا قد أنشأ أوقافا حبسها على مقبرة شهداء الجهاد (الغزو البحري) خارج باب عزون. وقد أعلن الباشا على لسان الشاوشں أنه خصص جزءا من تلك الأوقاف للجامع الذي بناه والذي أصبح يحمل اسمه (٢).
٣ - مسجد سيدي السعدي: كان يقع فوق حديقة مرنقو (ضريح الشيخ الثعالبي)، وربما يرجع إلى القرن السابع عشر (؟)، وهو بدون منارة، وفيه ضريح سيدي السعدي الذي كان مرابطا يقدسه السكان، وفي الضريح تابوت مزين بالأعلام. وكان سيدي السعدي حيا سنة ١١١٩ د، حسب الوثائق (٣). وحسب وقفية ترجع إلى سنة ١٨٣٤ فإن للمسجد ضيعة ومنازل وورشتين للفخار وحانوتين، مدخولها جميعا (سنة ١٨٣٤) ٢٥٥ فرنك و ٦٠ سنتيم. وكان للمسجد وكيل من عائلة الشيخ المرابط نفسه، وله راتب من أوقافه. وعطلت السلطات الفرنسية هذا المسجد منذ الاحتلال، ثم منذ ١٨٤٧ جعلته مخزنا للبارود، ثم حول إلى مصلحة الضرائب سنة ١٨٥٠ (٤)، ولم يذكر ديفوكس ما إذا كان قد هدم بعد ذلك، كما أن أوميرا لم يذكره أيضا. ولكننا لا نجد له أثرا بعد ذلك في المساجد. وكان الحاج سيدي السعدي من أحفاد المرابط المذكور. وقد ناضل ضد الفرنسيين، وتولى للأمير ولاية حمزة وزواوة.
стр. 1969
٤ - مسجد قرب قبة الشيخ عبد الرحمن الثعالبي: وقد هدمه الفرنسيون أيضا. وحلت محله دار تسمى دار أنطونيني. ثم هدمت الدار أيضا عند بناء الليسيه الفرنسي (ثانوية الأمير عبد القادر حاليا). لكن ديفوكس قال إنه لم يجد في الوثائق التي عنده أثرا لهذا المسجد ولا لأوقافه (١). ولم يذكره أوميرا.
٥ - مسجد المصلى: عطله الفرنسيون ثم أعطوه للجيش منذ الأيام الأولى للاحتلال، فاستعمله ثكنة عسكرية. كانت له أوقاف تتمثل في سبع حوانيت. وفي سنة ١٨٦٠ زار نابليون الثالث الجزائر فاستعمل مسجد المصلى والملجأ الذي بجواره (انظر القباب) مقرا للفرسان المرافقين للأمبراطور. وفي ١٨٦٢ هدم مع الملجأ المذكور لبناء الليسيه الفرنسي الأول في الجزائر. وهو الليسيه الذي ابتلع، كما قال ديفوكس، العديد من المؤسسات الإسلامية القديمة! وقد أطلق على هذا الليسيه عبارة الوحش (٢) Monstre أو البعبع، لأنه بموقعه قد ابتلع المساجد وغيرها كما سنذكر.
٦ - مسجد ابن نيقرو، ويعرف أيضا باسم مسجد ستي مريم أو ستنا مريم. وعائلة ابن نيقرو من العائلات الأندلسية القديمة في الجزائر، وكان منها قضاة ومفتون. وكانت العائلة هي التي تدير المسجد، كما قال ديفوكس، قرنين قبل الاحتلال. وذكر كلاين أن المسجد بني سنة ١٦٦٠. وهو مسجد من الدرجة الثانية، أي بدون صومعة. أما مصيره فمنذ الاحتلال عطل وسلم إلى المتصرف العسكري ثم سلم إلى أملاك الدولة من قبل سلاح الهندسة العسكرية (سنة ١٨٣٧)، وأصبح، كما قيل، في حالة سيئة، فهدمته (سنة ١٨٣٧ بناء على كلاين) مصالح الأشغال العامة. فدخل
стр. 1970
جزء من كيانه في الطريق العمومي، أما جزؤه الباقي فقد بيع أو أجر، وهذا الجزء يبلغ حوالي ٥٨ مترا (١). ونلاحظ أن عبارة (آيل للسقوط) أو في (حالة سيئة) تهدد الأمن العام، هي العبارة التي تبرر بها السلطات الفرنسية هدم بعض المساجد بعد أن تظل فترة طويلة أو قصيرة في يد الجيش أو غيره، وبعد أن تظل بدون صيانة محرومة من أموال الوقف المخصصة لصيانتها. والبناء إذا لم يكن تظهر عليه الشقوق وعلامات البلى. وقد أضاف أوميرا أن مسجد ابن نيقرو هذا قد هدم سنة ١٨٣٨ وأنه كان يقع عند ركن (زاوية) شارعي باب الواد وسيدي فرج، كما ذكر أن هناك مدرسة كانت تتبعه (٢).
٧ - مسجد (حمام) يطو: كان له وكيل يدعى إبراهيم بن حميدة، سماه الفرنسيون سنة ١٨٣٣، وله وقفيه صححت سنة ١٨٣٤ قيمتها ٩٦ فرنكا و ٣٣ سنتيما. وكان هذا المسجد يؤدي وظيفته العادية إلى ١٨٤٠. ففي هذه السنة حكمت السلطات بهدمه للمنفعة العامة (٣).
٨ - جامع علي بتشين: وهو من مساجد الخطبة، وكان بانيه يدعى أيضا علي بجنين. مساحته حوالي ٥٠٠ متر مربع. وله منارة طولها ١٥ مترا فوق مستوى الشارع. وكان قائما على ثماني عرصات. وكان بناؤه في القرن الحادي عشر الهجري (١٠٣٢/ ٢ ١٦٢)، وهو من مساجد المذهب الحنفي. وكان علي بتشين مشهورا في غزوات البحر في وقته ومن أغنياء الجزائر. وله تأثير في السياسة الخارجية للبلاد. بلغت أوقاف الجامع سنة ١٨٣٤، ١,٦١٠ فرنكات و ١٥ سنتم. بينما لا يصرف منها إلا ٧٤٤ فرنك و ٤٠ سنتم لتغطية نفقاته. وآخر وكل له هو إبراهيم ولد سيدي ابن علي الذي لعله يرجع إلى أسرة (ابن علي) القديمة في الجزائر والتي منها الشاعر الشهير في القرن ١٢/ ١٨. وسيبقى اسم (سيدي ابن علي) ضمن هيئة رجال الدين في الجزائر بعد الاحتلال. أما مصير هذا الجامع فهو التعطيل والتحويل إلى كنيسة كاثوليكية.
стр. 1971
منذ ١٨٣١ افتك الفرنسيون جامع علي بتشين من أيدي المسلمين وسلموه إلى الصيدلية المركزية للجيش الفرنسي. وفي سنة ١٨٤٣ سلم إلى الإدارة المدنية، فسلمته هذه إلى المصالح الداخلية لوضعه تحت تصرف الكنيسة الكاثوليكية. والغريب أن الفرنسيين الذين يقول عنهم أوميرا إنهم لا يتصرفون بعاطفة دينية معادية للاسلام، هم الذين قالوا إن علي بتشين (مرتد) إيطالي عن المسيحية، وما دام الحكام الآن مسيحيين فرنسيين فإن الجامع (يرتد) عن الإسلام ويتحول إلى الدين الأصلي لبانيه، وبناء على هذا المنطق أعاد الفرنسيون دعم عرصاته، أي صانوه حتى لا يؤول إلى السقوط كالمساجد الأخرى، ولعلهم فعلوا ذلك بأموال الأوقاف الإسلامية وليس من ميزانية الكنيسة، لأن باب الجامع قل إليه من جامع كتشاوة القريب منه. وكان منقوشا على هذا الباب عبارة (ما شاء الله كان) بخط جميل منسوب إلى الخطاط أحمد اللبلابجي (١).
وعن جامع علي بتشين أيضا أضاف أوميرا بعض المعلومات. فقال إنه يقع سنة (١٨٩٨)، بين شارعي باب الواد والقصبة من جهة وشارع النصر من جهة أخرى. ووصفه بالجامع الكبير، واعتبره الجامع الثالث الذي تعطيه الحكومة الفرنسية إلى الديانة الكاثوليكية فأطلقت عليه اسم سيدة الانتصارات (نوتردام دي فيكتوار). وعند الإصلاحات التي أدخلت على جامع كتشاوة استعمل جامع علي بتشين هو الكاتيدرالية بعض الوقت (٢). وبعد الاستقلال أعيد جامع علي بتشين إلى وظيفته الإسلامية، رغم ما أدخل عليه من تغييرات أثناء العهد الاستعماري، مثل التنقيص من منارته سنة ١٨٦٠، وتحويل محرابه سنة ١٩٢٣ (٣).
стр. 1972
٩ - جامع سيدي الرحبي: ويعرف أيضا بجامع ابن كمخة، وقد اعتبره ديفوكس من مساجد الدرجة الثانية لأنه دون صومعة. وكان ابن كمخة أحد وكلاء هذا الجامع. ويرى ديفوكس أن الجامع قد يشتهر عند الناس باسم الوكيل إذا كان رجلا عالما أو ورعا، وينسون اسم الولي أو الباني الأصلي، وأحيانا يظل اسم صاحب الجامع الأصلي ملتصقا به، مهما تبدل الوكلاء. وقال إنه يعتبر هذا الجامع أكبر جوامع الدرجة الثانية لضخامته واتساع مساحته. وهو جامع قديم يرجع إلى القرن السادس عشر (العاشر الهجري)، وكان من الجوامع التي وصفها هايدو الإسباني سنة ١٥٨١ وعده من المساجد الكبيرة. وللمسجد أوقاف كثيرة سنة ١٨٣٤ بلغت قيمتها ٥٨٦ فرنك. والوكيل الذي كان مكلفا به سنة ١٨٣٠ هو السيد حسن بن خليل باش كلفاط. وبقي جامع سيدي الرحبي على وضعه الأصلي حوالي ثلاث سنوات، ثم عطل عن غرضه وسلمته السلطات إلى الجيش فاستعمله لتخزين المواد الصيدلية، وكان يعتبر المخزن المركزي للأدوية العسكرية. وقد بقي على ذلك سبع سنوات. ثم وقع هدمه سنة ١٨٤٠ بدعوى أنه أصبح متداعيا وآيلا للسقوط. وكانت عشر سنوات كافية لخرابه، رغم أنه كان مخزنا للصيدلة. كانت مساحة جامع سيدي الرحبي مائتي (٢٠٠) متر مربع. وقد دخلت مساحته بعد هدمه في جملة المساحات التي بنى عليها الفرنسيون (١). ثم أضاف أوميرا أن الجامع كان يقع بين شارعي باب الواد وتورفيل. وأكد إعطاءه للصيدلة المركزية للجيش سنة ١٨٣٣ وهدمه سنة ١٨٤٠، كما أكد أن هايدو قد عده من بين الجوامع السبعة بالمدينة (٢).
стр. 1973
١٠ - مسجد دار القاضي: هدم سنة ١٨٥٧، وقيل إن ذلك كان من أجل المنفعة العمومية. وأدمجت مساحته في المساحة التي بنيت عليها المنازل التي تكونت منها زنقة شارع كيليوبطرا، حسب رأي ديفوكس. وكانت لاصقة به زاوية بنفس الاسم وقع هدمها معه أيضا (١).
١١ - جامع الشماعين: ويسمى أيضا جامع الدياسين. ومن أيمته قاضي المالكية، محمد القوجيلي، وهو من العائلات العلمية في العهد العثماني. وكان من كبار أدباء الوقت، وله شعر متين (٢). ومنذ الاحتلال سلمت السلطات الفرنسية هذا الجامع إلى المتصرف العسكري وبقي في يده إلى أن عطل عن غرضه الديني والعسكري سنة ١٨٤١، ثم هدم سنة ١٨٦١ (٣). وعبارة ديفوكس حوله غامضة، لأنها لا تقدم البيانات الكافية حول تداول الأيدي على الجامع إلى أن وقع الهدم. وقد حدد أوميرا موقع الجامع فقال إنه كان بين شارع باب الواد وكيليوبطرا وزنقة كوربو (حي تجار الشمع) ثم شارع حي باعة البلاغي. أما عن مصيره فقد كرر أوميرا عبارات ديفوكس (٤).
١٢ - مسجد زنقة للآهم: وهو اسم الحي الذي يقع فيه المسجد، و (للاهم) قد يكون اسم سيدة كانت محل احترام أو ولاية. واعتبره ديفوكس من الدرجة الثانية. وكانت له أوقاف بلغت ١٠٩ فرنك و ٨٠ سنتم سنة ١٨٣٤، حسب الإحصاءات الفرنسية في تلك السنة. وآخر وكيل له هو محمد بن مصطفى الكبابطي، صاحب الموقف المشرف سنة ١٨٤٣ الذي أدى إلى نفيه من البلاد تماما، إذ اعتبره الحاكم العام (بوجو) من العصاة لأوامره.
стр. 1974
وقد تولى الكبابطي القضاء للفرنسيين فترة ثم الإفتاء. ومات في الإسكندرية بمصر (١). أما الجامع الذي نحن بصدده فقد هدم سنة ١٨٤١ من أجل المنفعة العامة، كما قيل (٢). ولم يذكر أوميرا هذا الجامع.
١٣ - مسجد ليشتون، أو قيشطون: ويسمى أحيانا مسجد بنت المظفر. ولعلها هي المرأة التي بنته. وكان هذا الشك من ديفوكس. كما لاحظ هذا أن ليشتون وما بعده قد لا يكون اسما عربيا، وقال إنه لم يجد تفسيرا لذلك. ومهما كان الأمر، فإنه بعد أن أهمل الجامع منذ الاحتلال، رغم استيلاء السلطات على أوقاف الصيانة، ظهر عليه التداعي وعلامات السقوط فحكموا بهدمه من أجل الأمن العمومي. وآخر وكيل له سنة ١٨٣٧ هو محمد بن علي. وكان دخل أوقافه سنة ١٨٣٤ يقدر ب ١٠٨ ف (٣).
١٤ - مسجد ابن عوشة أو ابن عيشة: وهو يقع في شارع التجارة. وكان مصيره هو مصير ما سبقه. ويغلب على الظن أن الاسم ابن عوشة (أو ابن عيشة؟)، هو لأحد وكلائه فاشتهر به وليس هو اسم بانيه، ويعرف أيضا باسم مسجد ابن دودو. وكانت له أوقاف تتمثل في أربعة منازل وأربعة دكاكين. ومساحته ٨٣,٤٠ متر مربع. وفي على حاله إلى سنة ١٨٣٧ حين أدى الإهمال وعدم الصيانة إلى تداعيه، كما قيل، وأصبح آيلا للسقوط ومهددا للأمن العام. فبيع في المزاد العلني سنة ١٨٤٠ (٤). آخر وكلائه اسمه أحمد بن الشيخ علي.
٥ - جامع الساباط الأحمر: يقول ديفوكس إن هذا الجامع من الدرجة الثانية، وأن المسلمين هم الذين توقفوا عن الذهاب إليه. وفي سنة ١٨٤٩
стр. 1975
أصبح متداعيا، فسلم إلى أحد الملاك الأوروبيين (١). ولم يكمل ديفوكس القصة، ولكن مفهومها أن الجامع قد هدم وأقيم مكانه منزل أو دكان.
١٦ - جامع علي باشا: هكذا يعرفه الجيل المعاصر للاحتلال، ولكن له اسم آخر وهو جامع سيدي أبي التقى (بتقا) في الغالب (٢). وموقعه في الحي المعروف باسم الحمام المالح. وهو من الجوامع التي لها صومعة. وحسب ديفوكس فإن حاله لم يتغير كثيرا (!) وأن منارته ما تزال قائمة، ولكنها داخلة في واجهة أحد المنازل الأوروبية. ويضيف بطريقة غامضة، أن المنارة باقية كشاهد صامت على عدم استقرار الأمور الإنسانية (٣). ولعله يقصد بذلك أن الجامع قد عطل وبيع إلى أحد الأورويين فهدمه وبنى مكانه وترك منارته قائمة، لأنها أعجزته. هذا في زمن ديفوكس، أما في عصرنا فلا نظن أن هناك منارة قد بقيت قائمة في ذلك المكان.
وعند أوميرا معلومات إضافية عن جامع علي باشا الذي هدم واندثر. فقد قال إن موقعه هو شارع (ميدي) وكان ملاصقا لثكنة قديمة للانكشارية، وبعد الاحتلال احتل الجيش الفرنسي هذه الثكنة وألحق بها جامع علي باشا فأصبح تابعا لمصالح الهندسة العسكرية. أما جامع أبي التقي (بتقا) فقد أضافه أوميرا لجامع علي خوجة الذي سيأتي الحديث عنه (٤). ولعل علي باشا وعلي خوجة قد اختلطا على أوميرا، ونحن نميل إلى رأي ديفوكس باعتباره كان مسؤولا على الأرشيف ومعاصرا للأحداث التي جرت للمساجد، وهو أقدم من زميله.
١٧ - مسجد سيدي عمار التنسي: وهو من المساجد الصغيرة القديمة ولكن ذات الأهمية لشهرة صاحبه، وشهرة بعض وكلائه أيضا. وكان وكيله
стр. 1976
في العادة من أسرة التنسي نفسه، وهو من المرابطين المشهورين في زمانه. وحسب وقفية ترجع إلى ١٨١٣ أن إمامه هو المفتي علي بن عبد القادر بن الأمين، من علماء الجزائر الذين تولوا الفتوى عدة مرات. وتتلمذ عليه جيل من علماء الوقت. وكان من خريجي الأزهر الشريف. ومنذ الاحتلال استولت إدارة المدفعية على هذا المسجد، فجعلت منه ثكنة، كما قال أوميرا. ولم يذكر ديفوكس ولا أوميرا ولا كلاين مصير جامع سيدي عمار التنسي. والغالب على الظن أنه قد هدم أيضا لأنه لا يوجد اسمه في الجوامع الباقية الآن. وكان موقعه، حسب أوميرا، هو شارع جان بار (١).
١٨ - مسجد ساباط الحوت: ولعل التسمية ترجع إلى المكان القريب منه - سوق الحواتين. ويسمى أيضا في بعض الوثائق مسجد البطيحة (تصغير بطحاء) (٢)، ومسجد أبركان. وكان مصيره يثير الرثاء. فلقد جعلته السلطات منذ أول الاحتلال مخزنا للحبوب، وظل كذلك إلى سنة ١٨٣٨، فأصبح خلال ثماني سنوات، حسب المصادر الفرنسية، في حالة يرثى لها، وكان يقع في حي هجره المسلمون (؟) ولا ينتظر أن يرجع إلى الدين الإسلامي نظرا لوضعه المتداعي وهجره. فأعطى للسلطات العسكرية التي انتفعت به بين ١٨٣٨ - ١٨٤٥ ثم ترك لينهار وحده، سنة ١٨٥٤. ومن الملفت للنظر أن الذين يؤرخون لهذه البناءات نسوا تماما أوقافها التي كانت حافظ عليها والتي صودرت وأدخلت في خزينة الدولة الفرنسية. والأكيد أن هذا الجامع وأمثاله لو بقي مصانا بأوقافه وأهله لما وقع له ما وقع. فكان مصيره هو أن يؤول إلى أحد الأوروبيين فاستعمل فيه الفأس وهدمه من الداخل وجعله مخزنا واحتفظ بواجهته جزئيا (٣). أما أوميرا فيقول عنه إنه انتقل من مخزن حبوب إلى ثكنة عسكرية، ثم بيع سنة ١٨٥٤ بسبب الخراب. وكانت تلاصقه مدرسة، فكان مصيرها هو مصيره أيضا. وقال إنه كان يقع في شارع
стр. 1977
القناصل (١). ولم يتحدث أوميرا عن الأوروبي الذي اشتراه وأعاده إلى حاله كمخزن حبوب أيضا.
١٩ - مسجد العين الحمراء: ويعرف أيضا بجامع التادلي، وهو اسم الوكيل الأخير الذي عينه الداي حسين، على أوقافه وصيانته. والمعلومات التي أوردها عنه ديفوكس قليلة جدا، فقد اكتفى بالقول إن المسجد آل إلى السلطات العسكرية منذ ١٨٣٧، وأن حالته أصبحت تنذر بسقوطه، فمصيره إذن هو الاختفاء (٢). ولا يرجع ذلك لهجر المسلمين له، لاستعماله في غير ما بني له، وتجريد الدولة له من أوقافه التي كانت تصونه. وكان يقع في شارع فيليب، حسب رواية أوميرا.
٢٠ - مسجد قاع السور: وهو مسجد صغير، بقي تحت يد عائلة من المسلمين تقول إنها كانت تملكه. لم يذكر ديفوكس مآله (٣). ولكن كلاين قال إنه دخل في شارع ١٤ يونيو (جوان) الذي دشنه الحاكم العام شارل جونار، سنة ١٩١٠. ومفهوم ذلك أن الجامع قد هدم قل هذا التاريخ.
٢١ - مسجد سيدي فليح: لفظ (سيدي) هنا وفي غيره، تدل على نسبة المسجد إلى المرابطين أو الصالحين، وهو مسجد بدون صومعة، ولم تحترم السلطات الفرنسية قداسة المرابط ولا مشاعر المسلمين، فجعلته منذ ١٨٣٦ مخزنا، واستمر على ذلك إلى سنة ١٨٤٢، عندئذ أعلنوا أنه أصبح مهجورا ومتداعيا فوقع التخلي عنه. وقد هدم وأدخلت مساحته في أحد المنازل (٤).
٢٢ - جامع عبدي باشا: وكان من الجوامع الكبيرة ذات الخطبة والدرس. وكان الجامع يقع إلى جانب ثكنة المقرين (المقرين). وكانت له أوقاف
стр. 1978
هامة. وتداول عليه عدد من الخطباء والأيمة المعروفين في الحياة الدينية والعلمية خلال العهد العثماني (١). ولكن السلطات الفرنسية التي زعمت للجزائريين في اتفاق يوليو ١٨٣٠، أنها ستحترم العقائد والدين الإسلامي والأملاك سارعت منذ ١٨٣٠، كما يقول ديفوكس، إلى تحويل هذا الجامع إلى ثكنة عسكرية وكذلك المدرسة التابعة له. ويقول ديفوكس إن السلطات العسكرية محتفظة به إلى الآن (١٨٧٤)(٢). وعبدي باشا المعروف أحيانا بالكردي، كان من مشاهير الباشوات في الجزائر أوائل القرن ١٨ م (١٧٢٥). وقد أضاف أوميرا أن هذا الجامع والمدرسة ظلتا تحت أيدي السلطات العسكرية إلى أيامه هو أيضا (سنة ١٨٩٨). وقال إن الجامع يقع في شارع مكرون (المقرون). وأكد معلومات زميله ديفوكس من أن الجامع والمدرسة التابعة له قد تعطلتا وحولتا إلى ثكنة عسكرية منذ ١٨٣٠. ولا نعرف أن هذا الجامع قد رد للمسلمين بعد ذلك، ولعله بقي جزءا من ثكنة أو كان من ضحايا الفأس الفرنسية بعد ١٨٩٨.
٢٣ - جامع القشاشں: هذا الجامع تعتبره التقاليد والفرنسيون أيضا من الدرجة الأولى. اكتسب شهرة عظيمة خلال العهد العثماني للدروس التي كانت تلقى فيه وفي المدرسة المتصلة به والزاوية المسماة بنفس الاسم والتي كانت من الزوايا العلمية (٣). وكانت له أوقاف عظيمة لشهرته، وكثرة الطلبة والغرباء فيه. يقول ديفوكس إن أقدم الوثائق التي كانت عنده ترجع الجامع
стр. 1979
إلى سنة ١٥٧٠. وهو من الجوامع السبعة التي تحدث عنها هايدو. وكان له عدد كبير من الموظفين يتغذون من أوقافه. من آخر وكلائه الشيخ قدور بن المسيسني الذي سماه الحاج علي باشا سنة ١٢٢٤ (١٨٠٨)، وكان من علماء الوقت ومن عائلة معروفة بالجزائر، وربما هو نفسه (قدور) الذي تولى القضاء في العهد الفرنسي. وللجامع صومعة غير عالية في حجم مربع. وقد استولت عليه أيضا المصالح العسكرية الفرنسية منذ ١٨٣١. فاستعملته مراقد للجنود. ثم استعملته مستشفى مدنيا بضع سنوات، ثم أرجع إلى السلطات العسكرية فرممته لا ليرجع إلى المسلمين أو لوظيفته الدينية ولكن ليكون مخزنا مركزيا للمستشفيات. كان يحمل رقم ٣١ من شارع القناصل ثم رقم ٢٨ منذ سنة ١٨٥٤. ولا يتحدث ديفوكس ولا أوميرا عن مصير هذا الجامع الذي لا يستحق كل هذا البؤس والاحتقار (١). أما هنري كلاين فيقول إنه أصبح مدرسة الفنون الجميلة. ويضيف كلاين أن طراز الجامع كان بربرية، وأنه مثل الجامع الكبير وجامع سيدي رمضان كان قديما جدا. وكذلك الزاوية التي تحمل نفس الاسم.
٢٤ - جامع باب الجزيرة (دزيرة بلهجة الحضر): ويسمى أيضا باسم بانيه الداي شعبان خوجة الذي تولى على الجزائر بين ١١٠١ - ١١٠٦ هـ، ثم وسعه الداي الآخر، حسن بن حسين، بعد قرن، أي سنة ١٢٠٩ (وقع التوسيع سنة ١٧٩٥)، وهو الداي الذي استعاد وهران من الإسبان. وكان هذا الجامع (بني سنة ١٦٩٣) من جوامع الخطبة والدرس، وقد تداول عليه وكلاء، بعضهم كان من العلماء والقضاة. وكان له موظفون كثيرون نظرا لكثرة أوقافه. وكان تحت رعاية مؤسسة (سبل الخيرات) التي ترعى جوامع المذهب الحنفي. ولم ينتظر الفرنسيون حتى تجف الدماء وينقشع غبار المعركة، بل بادروا منذ ١٨٣٠ إلى جعل هذا الجامع ثكنة عسكرية، ثم وقع تسليمه إلى مصلحة أملاك الدولة (الدومين). والغريب أنهم زعموا أنه بعد
стр. 1980
أربع سنوات فقط أصبح مهددا بالانهيار، لذلك هدموه وأدمجوه في المنازل المجاورة له، سيما الدار رقم ٣٦ من شارع القناصل، كما يقول ديفوكس (١). فأين وكلاؤه وأوقافه الي لم تتركه ينهار أكثر من قرن ونصف، ولكنه أنهار في ظرف أربع سنوات؟ وقد أضاف أوميرا أن جامع الداي شعبان خوجة كان يقع بين شارعي البحرية والقناصل، وأنه عطل وحول إلى ثكنة لسلاح الهندسة، ثم خرب سنة ١٨٣٤، فأعطى لإدارة (الدومين) التي باعته بتاريخ ٢٦ سبتمبر ١٨٣٥، ثم بني في مكانه فدخل في الدار المسماة (الدار الفرنسية) (٢).
٢٥ - مسجد المرسى (أو باب المرسى): وترجع شهرة هذا الجامع إلى أنه واقع في الباب الذي كان يدخل ويخرج منه المجاهدون في البحر. ومن خلاله كانت تأتي الغائم الوفيرة وتدخل الأسرى. ولعل المجاهدين كانوا يستعملون هذا الجامع لصلاة المودع عند الذهاب، وصلاة الشكر والحمد عند الإياب. وقد حاول ديفوكس أن يستدر الدموع والعواطف وهو يصف باب المرسى وجامعه فقال إن الأسرى المسيحيين كانوا يدخلون منه وهم يبكون حريتهم وعائلاتهم وأوطانهم. وقد يكون ذلك صحيحا، فالأسر في كل مكان قيد لحرية الإنسان وتعطيل لحواسه وقدراته، ولكن ديفوكس نسي أن بلاده (فرنسا) كانت أيضا تأسر المسلمين في العهد العثماني وتربطهم في المجاديف التي لا يستطيعون الفكاك منها مدى الحياة، ولا تقبل حتى الفدية منهم. فهل كان أسرى المسلمين في السفن الفرنسية أقل شعورا بالحرية وأرخص دموعا وأوطانا من الأسرى الفرنسيين؟ ثم إن بلاده كانت تأسر الجزائريين وهم في وطنهم وترسل بهم إلى المنافي البعيدة.
وحسب ديفوكس فإن باب المرسى هذا كان يدعى أيضا (باب الجهاد) وأيضا باب دزيرة (ولعله هو الذي قبله). ولكن الفرنسيين الذين يقول عنهم
стр. 1981
أوميرا، إنهم لم يكونوا يحملون شعورا معاديا للإسلام، غيروا اسم (باب الجهاد) إلى (باب فرنسا). لقد كان جامع المرسى الذي نتحدث عنه خاصا بالبحارة فيما مضى من الأيام، لأنه كان يقع خلف باب الجزيرة، وداخل المرسى (١). وكان بدون منارة. وقريبا من البرج الكبير، ملاصقا لمبنى الأميرالية. ويذكر أوميرا أن جامع المرسى قد أدمج سنة ١٨٣٠ في تحصينات الإميرالية، وإنه كان عند أقواس الأميرالية في الجانب المواجه للمدية (٢).
٢٦ - الجامع الكبير: ويسمى أيضا الجامع الأعظم. وهو من أقدم المساجد في الجزائر. وقد تحدثنا عنه في الجزء الأول. وبقي خلال العهد الاستعماري تقريبا على حاله في أداء الوظيفة الدينية وخدمة المسلمين، مع اختلاف درجة الموظفين والخدمات. وتداول عليه أيمة ومفتون ومدرسون من درجات متفاوتة (٣)، ولكنه لم يسلم هو أيضا من الأذى والإهانة، فقد استنقصوا منه الجزء المواجه للبحر، ثم غطوه عن أعين القادمين من المرسى إلى المدينة بعمارات وبنايات ذات طوابق. وفي سنة ١٨٤٣ وقعت له إهانة عظيمة بنفي المفتي الكبابطي والاستيلاء على أوقاف الجامع التي كانت في الأهمية تأتي فقط بعد أوقاف مكة والمدينة. وضمت أوقافه إلى أملاك الدولة الفرنسية، بقرار من المارشال بوجو صادر في ٤ يونيو ١٨٤٣ (٤). ويزعم الفرنسيون
стр. 1982
أنهم بعد ذلك جملوا واجهته ببعض العرصات التي كانت في جامع السيدة بعد هدمه. وهم ينسبون الفضل لأنفسهم في ذلك رغم أن أوقاف الجامع الكبير كانت تكفي لشراء أجمل العرصات المرمرية. والغريب أنهم بينما يفعلون ذلك استولوا أيضا على مدرسة وزاوية الجامع الكبير وقضوا عليهما، كما سنرى. والواقع أن هذا الجامع قد فقد أيضا هيبته ومكانته العلمية بتدجين علمائه وجعلهم أصواتا ناطقة بما تريد السلطة الفرنسية فقط.
وقد كاد الفرنسيون يهدمون الجامع الكبير أيضا مرتين، مرة سنة ١٨٨٨ ثم سنة ١٩٠٥. فأعد مهندسوهم الخرائط، ووضعوا الخطة لإقامة فندق مكانه وطمس معالمه. ولكن المحاولة فشلت. ففي الأولى جاء الحاكم العام (لويس تيرمان ١٨٨٨) بنفسه إلى الجامع ووافق علماء السوء على المشروع واستبدال الجامع بفندق وباء جامع في مكان آخر بيد، وفي نفس الوقت حضر الجمهور فاحتجوا وصرخوا وخشي الحاكم غضبة شعبية فتراجع. والمرة الأخيرة كانت في عهد شارل جونار (١٩٠٥) الذي كاد ينفذ الخطة القديمة، ثم وقع العدول عنها. ويرجع الفضل في إفشال المشروع إلى حنكة بعض الأعيان وعلى رأسهم الحكيم محمد بن العرب (١).
٢٧ - مسجد الجنائز: وله اسم آخر أجمل من هذا وهو مسجد الحاج باشا الذي جدده سنة ١٥٤٥. وكان عندئذ يحكم الجزائر بالنيابة. فالجامع
стр. 1983
إذن قديم رغم صغره. وآخر وكيل له سماه الداي حسين حوالي ١٨٢٥، وهو الشيخ محمد بن مصطفى غرناوط الذي سيرد اسمه بين علماء الوقت في عهد الاحتلال أيضا. ويقول ديفوكس إنه كانت لهذا الجامع أوقاف متواضعة. وليت شعري كيف عاش بهذه الأوقاف ثلاثة قرون ولم يعش بها إلا بضع سنوات في عهد الاحتلال. فقد عطلته سلطات الاحتلال سنة ١٨٣٦ وجعلته جزءا من المستشفى المدني. وبعد سنتين جعلته جزءا من المخزن المركزي للمستشفيات العسكرية (١). ويذهب أوميرا إلى أن هذا الجامع قد بقي إلى سنة ١٨٩٨ في وظيفته المذكورة وأخبر أن جزءا منه قد أعيد بناؤه. وكان يقع في شارع أورليان (٢). ولكننا لا نعرف جامعا بذلك الاسم بعد ذلك.
٢٨ - مسجد الملياني: هذا المسجد كان سيء الحظ منذ أول الاحتلال. فقد عطلته السلطات الفرنسية عن أداء مهمته الإسلامية منذ ١٨٣٠، كما يقول ديفوكس، وتركه للاهمال والاندثار. ويفهم من هذا أنه ترك بدون وكيل وبدون أوقاف وصيانة، فساءت حاله. ولم تأت سنة ١٨٤٠ حتى هدم مع بنايات أخرى مجاورة له، بدعوى فتح طريق عمومي (٣). ولا نعرف مكان هذا المسجد بالضبط، لأن أوميرا أيضا لم يذكره، رغم أن من عادته تحديد المواقع.
٢٩ - مسجد سيدي عبد الرحمن الثعالبي: وهو غير المسجد والضريح المعروفين اليوم. فهو مسجد صغير، له أوقافه الخاصة، وله موظفوه من
стр. 1984
وكيل وإمام وحزاب الخ. وآخر وكلائه كان الحاج حسين بن قريش (قرواش؟) الذي ظلت عائلته تتولى الوكالة عليه قرنين أو ثلاثة قبل الاحتلال. هذا المسجد تعرض أيضا للهدم سنة ١٨٥٩ دون ذكر السبب. ويضيف أوميرا أنه كان يقع في شارع لا شارت La Charte، وأنه هدم لتدخل أرضه في الساحة التي كانت حديقة للكاتب العام للحكومة (الفرنسية) خلال فترة طويلة، والتي هي اليوم (١٨٩٨) تابعة للدار الأندلسية - الموريسكية المخصصة لاجتماعات مجلس ولاية الجزائر العام (١).
٣٠ - مسجد كوشة ابن السمان: هذا المسجد بقي إلى سنة ١٨٣٤ على حاله، لكن في هذه السنة تعطل عن غرضه وجعل مخزنا لآلات الشنق والمقصلة - أي والله! - وفي سبتمبر من سنة ١٨٣٦ جرى هدمه من أجل المنفعة العامة (٢). أو هكذا برروا هدمه. وكان يقع في شارع دوكيني.
٣١ - مسجد سيدي الجودي: بعض الوثائق التي تذكره ترجع إلى سنة ١٠٨١ (١٦٧١) أي كان له على الأقل قرابة قرنين عند الاحتلال. وقد ورد ذكره في قصيدة ابن عمر عن الغارة الدنماركية ضد الجزائر. وكان يقع في شارع تروا كولور، وهو مسجد من الدرجة الثانية، حسب تعبير ديفوكس الذي لم يذكر مصيره بالضبط، غير أن الزاوية والجبانة التابعتين له قد هدمتا سنة ١٨٣٨ و ١٨٤٠، وبنيت في المكان عدة منازل (٣). ونعتقد أن المسجد قد هدم أيضا أثناء ذلك أو بعده بقليل لأنه قد اختفى من الوجود.
٣٢ - مسجد (جامع السلطان): له عدة أسماء أخرى منها جامع عين السلطان وجامع القهوة الكبيرة. وأقدم الوثائق التي تتحدث عنه ترجع إلى
стр. 1985
القرن الحادي عشر الهجري (١٠٨٨/ ١٦٧٧). وهو مسجد صغير، له أوقاف خاصة به، وكان يقع في ركن شارع تروا كولور وشارع ماهون. ومنذ ١٨٣٧ عطل عن وظيفته واستولت عليه مصلحة الموازين. ثم في ١٨٣٨ هدم وبنيت على أرضه إحدى الدور (١). ونفس المعلومات تقريبا أوردها حوله أوميرا أيضا.
٣٣ - مسجد الباديستان: ويسمى أيضا مسجد البابستان. وكان صغير الحجم، ويقع قرب البحر، واشتهر بنزول الأسرى غير المسلمين في الملجأ حوله، أو سوق الرقيق. ومنذ الساعات الأولى للاحتلال هدم كل من المسجد والباديستان معا، لأن الفرنسيين جاؤوا منتقمين أيضا، فيما يبدو، لغيرهم من النصارى الذين تعرضوا للأسر في ذلك المكان. وموقعه كان ساحة ماهو (٢). ويقول أوميرا إنه كان من المساجد الخمسة التي هدمت فور الاحتلال - بين ١٨٣٠ - ١٨٣٢ (٣).
٣٤ - الجامع الجديد: وهو من المساجد الباقية إلى الآن. ولكنه لم يسلم من التشويه والإهانة، مثل زميله الجامع الكبير (الأعظم). وكانت له منارة عالية ترى عن بعد من البحر، وله محراب مغطى بالفسيفساء. وكان ناصع البياض، فخم المنظر، يندهش القادم من المرسى لمرآه. وله قباب عديدة ورشيقة رشاقة فائقة، وهي من القباب المدورة. وكانت قاعدته على رمال شاطئ البحر. وقد نسج حوله الفرنسيون قصة أو أسطورة غريبة، قالوا إن بانيه (سنة ١٦٦٠) كان من الأسرى النصارى، وأجبره المسلمون على بناء المسجد، فقرر في نفسه أن يبنيه على شكل صليب، وكانت النتيجة قتل الأسير وبقاء المسجد قائما على شكل صليب لاتيني، كما يقول أوغسطين بيرك. والغريب أن هذه الأسطورة المفتعلة يرددها كتابهم من رجال الدين إلى رجال الدنيا، من هم عقلاء ومؤرخون، ومن هم خرافيون وموتورون.
стр. 1986
وعندما كان الفرنسيون يختارون أي المساجد الكبرى والجميلة لكي يحولوه إلى كاتدرالية كاثوليكية، اقترح بعضهم اسم الجامع الجديد ليكون الضحية، وتناقشوا في ذلك طويلا، وملأوا الصحف والتقارير والمجالس بالمبررات، ولكنهم أخيرا اختاروا جامع كتشاوة ليكون هو الضحية، وأبقوا على الجامع الجديد، تخليدا لذكرى الأسير الأسطوري، وتخليدا لشكل الصليب الذي نواه، واحتراما لإرادته في الدارين.
غير الفرنسيون اسم الجامع الجديد إلى جامع الصيد البحري. واستولوا على أوقافه الكثيرة التي كانت تشرف عليها مؤسسة (سبل الخيرات) الحنفية. وأخذوا يغيرون منه جهة البحر عندما كانوا يعدون شارع الإمبراطورية الموازي لسيف البحر. وبذلك غيرت مصالح الأرصفة واجهة الجامع البحرية تماما، وغطته عن الأنظار فأصبح عبارة عن دهاليز معتمة حجبت عنه الشمس. ويقول ديفوكس الذي كان شاهد عيان لهذه المجزرة العمرانية - الصليبية: إن مصالح الأرصفة قد غيرته تماما عما كان عليه، واختفى بذلك التغيير منظر بحري جميل كان هو المصدر الأول لرشاقة الجامع. ومن هذه التغييرات التي أفسدت شكل الجامع أنهم أغلقوا نهائيا بابه الجنوبي - الغربي، كما أغلقوا بابه الذي كان يفتح نحو البحر لمد الطريق المذكور، وكذلك أجروا تعديلا على بابه الثالث. وتبلغ مساحة الجامع الجديد ١٣٧١ مترار و ٢٠ سم (٨ متر عرضا في ٣٩ متر ٥٩ طولا). أما طول منارته فكان ٣٠ مترا. ولكن الدفن الذي حصل في شارع البحرية أنقص منها خمسة أمتار.
كان الجامع الجديد مقرا للمفتي الحنفي. وآخر المفتين فيه عند الاحتلال هو الحاج أحمد بن الحاج عمر بن مصطفى الذي تولى سنة ١٢٤٣/ ١٨٢٧. وترجع الوثائق بناء الجامع الجديد إلى سنة ١٠٧٠/ ١٦٦٠، في مكان مدرسة بوعنان. وينسب بناؤه إلى المجاهد الحاج الحبيب (١). وتسميه
стр. 1987
العامة أيضا جامع البطحاء (ساحة الحكومة/ الشهداء). وقد ظل الجامع الجديد مهددا بالهدم إلى فاتح هذا القرن. فقد جرت مناقشات في بلدية الجزائر بين النواب الفرنسيين والمسلمين حول هدمه من أجل تجميل المدية. ثم وقع العدول عن ذلك. ومن الذين تولوا الدفاع عن إبقاء هذا الجامع، وكذلك الجامع الكبير، السيد عمر بوضربة الذي اعتبر إزالتهما ضربة لمشاعر المسلمين. وساعده على ذلك زملاؤه: ابن مرابط، وابن رضوان، وباش أحمد. ومن الملفت للنظر أن قرار الإبقاء على الجامعين كان بحجة اعتبارهما من الآثار التاريخية وليس باعتبارهما من المعالم الإسلامية أو من أملاك المسلمين (١).
стр. 1988
٣٥ - مسجد المرابطة: ويسمى أيضا مسجد المرابطة الزرزورة. وتذكرها الوثائق (سيدتنا) - فهل هي التي شيدت هذا المسجد؟ وتاريخه غير معروف، لكن يرجح أنه من القرن ١١ هـ/ ١٧ م. وهذا المسجد كان يقع على بعد أمتار فقط من الجامع الجديد، من جهة البحر. كانت له أوقاف خاصة، يعود تاريخ بعضها إلى سنة: ١٠٣٤/ ١٦٢٤. وكان له إمام عند الاحتلال يسمى الطيب خوجة بن الحاج محمد الشريف، ويعرف بابن حسن الشريف. وتعرض المسجد للهدم من الأيام الأولى للاحتلال (١٨٣٢) من أجل المنفعة العامة، كما قالوا (١). واعتبره أوميرا من المساجد الخمسة الأولى التي تعرضت للهدم بين ١٨٣٠? ١٨٣٢.
٣٦ - مسجد الحواتين: وقد هدم أيضا (للمنفعة العامة) حسب المصطلح المتداول. وكان يقع غير بعيد من الجامع الجديد. واسمه يدل على أنه كان لصيادي السمك. وقد بناه لهم حسين باشا. وجرى هدمه مع ما هدم لبناء الأرصفة على شارع الإمبراطورة في مواجهة البحر. ويقول ديفوكس إنه لم يكن للمسجد أوقاف جارية، وهذا غريب (٢). لأن التقاليد جرت أن كل جامع له أوقافه ولو كانت قليلة.
٣٧ - مسجد المقايسية: ويسمى أيضا مسجد الصباغين. والمقايسية هم صناع الأساور. وكان الحيان (المقايسية والصباغين) من أشهر أحياء العاصمة في الحرف والصناعات. ولكن المعول الفرنسي أبى إلا أن يبادر بهدم هذا الجامع أيضا منذ أول الاحتلال، من أجل المنفعة العامة، ومنفعة من؟ وقد كان من أقدم المساجد بالعاصمة إذ يعود تاريخه إلى القرن العاشر الهجري
стр. 1989
(٩٨٠/ ١٥٧٢) (١). ولو كان للفرنسيين حس تاريخي لحافظوا عليه كمعلم من المعالم قبل أن يكون مسجدا. والغريب أنهم بينما يهدمون هذا المسجد كانوا يبحثون ويحفرون على آثار الرومان ويجمعونها في المتاحف. ومن أشهر المنتصبين لصنعة المقايس (الأساور) الشيخ حمودة المقايسي الذي تخرج من الأزهر، وكان قد عاصر الاحتلال مدة خمس عشرة سنة. وكان الجامع يقع في أقواس ساحة الحكومة (الشهداء). وقد أكد أوميرا معلومات ديفوكس حول هذا الجامع. ولم يذكر أن له أوقافا، وكأنه عاش أكثر من قرنين بدون وقف.
٣٨ - مسجد خير الدين: ويسمى أيضا جامع الشواش. وخير الدين بربروس هو أول من أدخل الجزائر في حماية الخلافة العثمانية، وكان قائدا للأسطول الإسلامي العثماني لبضع سنوات. ومن أول الاحتلال عطل المسجد عن وظيفته وسلم إلى الجيش الفرنسي - فرقة الحرس. وكان مكانه في ساحة السلاح (بلاص دارم). وبعد هدمه بنيت على أرضه مجموعة من المنازل. ويقول ديفوكس إن بناء الجامع يرجع إلى سنة ١٥٢٠، وكانت له أوقاف متواضعة، دون أن يحددها (٢). أما أوميرا فقال إن مسجد خير الدين كانت تتبعه مدرسة، وكان يقع قريبا من مدخل الجنينة، وكان يشكل جزءا من واجهة قصر الباشوات القديم، ثم أصبح جزءا من واجهة ساحة الحكومة، وأخيرا هدم هو والقصر في نفس الوقت منذ بداية الاحتلال (٣).
٣٩ - جامع كتشاوة: جامع كتشاوة كان من ضحايا الروح الصليبية الفرنسية (٤). وإذا كان جامع السيدة قد اعتدوا عليه بالفأس والمطرقة
стр. 1990
والديناميت فإن جامع كتشاوة قد اعتدوا عليه بتحويله إلى كاتيدرالية للديانة الكاثوليكية وبمباركة الحكومة والبابوية معا. وقد قاوم المسلمون الباقون في مدينة الجزائر هذا الاعتداء على الحرمات الدينية التي نص اتفاق ١٨٣٠ على عدم المساس بها، ولكنهم تعرضوا للقتل والضرب في الجامع نفسه. ولا سبيل لوصف ما حدث في هذا الجامع من تغيير وتبديل بأيدي الحكام الرسميين ورجال الدين، لأن غرضنا كما قلنا هو ذكر مصائر البنايات الدينية فقط وبعض أحوالها في عهد الاحتلال.
أول إشارة إلى جامع كتشاوة ترجع إلى سنة ١٠٢١ (١٦١٢). ثم جرى توسيعه وتجميله على يد الداي حسن سنة ١٢٠٩ (١٧٩٤)، وهو الداي الذي فتحت وهران في عهده، كما سبق. وكان من الباشوات الأقوياء. وقال ديفوكس إنه اتخذ جامع السيدة نموذجا له عند توسيع وتجميل جامع كتشاوة. وقد خلد البناة عملية التوسيع بكتابات ولكن الفرنسيين جردوه منها، ووضعوها في متحف، سنة ١٨٥٥، ويذهب ديفوكس إلى: ان السلطات الفرنسية قد (أعطته) إلى الديانة الكاثوليكية بعد سنوات قليلة من الاحتلال، ويضيف أنه قد هدم تماما شيئا فشيئا، نتيجة التعديلات المتوالية التي أدخلت عليه لجعله كاتدرائية (١). وأضاف أن العرصات فقط هي التي نجت من الهدم في هذا الجامع الجميل. وهو عمل، في نظر ديفوكس، كان محل أسف هواة الفن المعماري الأهلي. وكل من تناول وصف الجامع يعترف بجماله وسعته وصحته، لأن تجديده جرى قبل الاحتلال بأقل من أربعين
стр. 1991
سنة. ومع ذلك فإن الفرنسيين هم الذين يصفون المسلمين الجزائريين عندئذ بالتعصب!
ويقول أوميرا الذي كتب في عصر الليبرالية واللائكية والحياد إزاء الدين، إن الكاثوليك كانوا متحمسين لبعث (كنيسة إفريقية) تناسب التاريخ والمقام. وكانوا يريدون إنشاء كنيسة تستجيب لهذا الحماس. ولكنهم بدلا من ذلك أخذوا يهدمون جامع كتشاوة ويحولونه، بأسلوبهم، إلى كنيسة تناسب المقام والتاريخ اللذين يتصورونهما، فلم يبقوه جامعا على أصله ولم يبنوا كنيسة على ذوقهم. وقد أشرنا إلى الخلاف الذي جرى بين الفرنسيين حول تمويل الجامع الجديد أو جامع كتشاوة إلى كنيسة? كاتيدرالية. وما دام بعضهم يحث عن الفخامة والفن والتاريخ فقد وجد ذلك في جامع كتشاوة ولم يجده في الجامع الجديد. وكان الأثريون يرون الاقتصار على تحويل المسجد دون المساس به ليبقى أثرا أندلسيا - موريسكيا قائما للتاريخ. ولكن رجال الكنيسة لم يكن يرضيهم ذلك فدمروا الجامع تدميرا بأسلوبهم وجردوه من فنه المعماري وطرازه المحلي الإسلامي، وبقيت عملية التدمير حوالي ربع قرن، لكن عملية التحويل الأول كانت سنة ١٨٣٨، أي منذ جاء الأسقف دوبوش Dupuch ووافق البابا في رومة على فتح أسقفية في الجزائر.
واسم كتشاوة (أيضا كجاوة) ليس هو اسم باني الجامع ولا مجدده، وإنما هو اسم للمكان الذي بني عليه. وكانت أوقافه تحت يد (سبل الخيرات) باعتباره من الجوامع الحنفية (١)، ومنها مجموعة من العقارات. وكان جامع كتشاوة من أكبر المساجد بالعاصمة، وكان له خطيب ومدرسون، وموظفون آخرون. وكان يقع في شارع الديوان. وقد وصفت قبته بالفخامة ومحرابه بالجمال، وكانت بيت الصلاة فيه مربعة ومحاطة بالعرصات المرمرية المدورة، وكان مزينا بالكتابات الدينية والزخارف من
стр. 1992
الداخل، وأما مدخله الرئيسي فكان من ناحية الجنوب (١).
٤٠ - جامع القائد علي: هذا مسجد صغير وبدون صومعة، وكان له وقف غير محدد، وليس له تاريخ محدد لبنائه. وينسب إلى القائد علي الذي لعله من الموظفين السامين في العهد العثماني. وكان الجامع يقع في شارع السودان. ولا نعرف مصيره قبل ١٨٤٢، ولكن منذ هذا التاريخ (عهد الحاكم العام بوجو) سلمته السلطات الفرنسية إلى جمعية تسمى أخوات القديس يوسف (سان جوزيف)، هكذا بدون تبرير (٢). وقد أكد هذه المعلومات كل من ديفوكس وأوميرا. ولكن ما مصيره بعد ذلك؟ ليس هناك معلومات إضافية، ويبدو أن مآله كان الهدم أو الاندثار.
٤١ - جامع شارع الديوان: وهو جامع صغير وليس له اسم خاص به، إنما كان يسمى باسم الشارع الذي يقع فيه (الديوان)، وكانت السلطات الفرنسية تسميه باسم مسجد سيدي عبد الرحمن، لكن ديفوكس يقول إن الوثائق لا تؤكد هذه التسمية، وأن بعضها تسميه مسجد البكوش. وكانت له أوقاف لكن غير محددة. ومهما كانت التسمية فإن هذا المسجد قد عطل عن وظيفته منذ ١٨٣٠ واحتلته مصلحة الأشغال العمومية إلى ١٨٣٩. ومنذ هذا التاريخ هدم ودخل في الطريق العام (٣). وكان يقع في شارع العقيد بوتان Boutin الذي كان من جنود نابليون الأول.
٢ - مسجد سوق السمن: يروي ديفوكس أنه لا توجد وثائق حول هذا المسجد. وهو بدون شك يأخذ اسمه من الحي الذي وجد فيه: (سوق السمن). وقد عطل عن وظيفته منذ ١٨٣٧. ويزعم ديفوكس أن المسلمين
стр. 1993
أهملوا هذا المسجد فهدمته السلطات الفرنسية سنة ١٨٥٧ (١). وإذا صح هذا الإهمال فإنه لم يكن إلا نتيجة استيلاء مصلحة أملاك الدولة على أوقاف المسجد وعدم تعيين وكيل له يتولاه ويصونه منها. وكان مسجد سوق السمن يقع في شارع ليزار. وبعد هدمه دخل في الأرض التي بني عليها بازار سليمان (سلمون) بين شارعي الباب الجديد وليزار.
٤٣ - مسجد الدالية: وهو من المساجد القديمة إذ تثبت الوثائق أنه يرجع إلى القرن العاشر على الأقل (سنة ٩٦٤/ ١٥٥٦). وكان معه مكتب أو مدرسة قرآنية. ورغم طول عهده فلم يتأثر إلا بعد الاحتلال، إذ أثبت ديفوكس أنه عطل ووقع التصرف فيه سنة ١٨٣٩ بسبب تداعيه وانهياره (٢). وكان هذا المسجد يقع أيضا في شارع ليزار.
٤٤ - مسجد سوق اللوح: لعل هذه التسمية جاءته من الحي الذي كان فيه - النجارة -. ومنذ الاحتلال شغلته مصلحة بيت المال التي أصبحت فرنسية، ووضعت مكاتبها فيه، ودام ذلك إلى سنة ١٨٣٦. وهو تاريخ هدمه وإدخال أرضه في الطريق العام. ولا شك أن ذلك كان تحت غطاء المنفعة العامة. وكان المسجد يقع في شارع الملك جوبا (يوبا). ومن الإشارات إلى المسجد ما يرجع إلى القرن الحادي عشر (١٠٧٠/ ١٦٥٩). وكان الداي الشهير محمد بن عثمان باشا قد أوقف عليه وقفار هاما سنة ١١٧٩. ومن وكلائه القدماء محمد بن جعدون وهو من عائلة أندلسية اشتغلت بالعلم. وقد تولى منها في بداية الاحتلال، أحمد بن جعدون وظيفة القضاء (٣).
٤٥ - مسجد سوق القبائل: ويسمى أيضا مسجد القبيل. وترجعه الوثائق إلى القرن ١٧ م. وكان يقع بين شارع بوزا وشارع باب عزون، ويظن
стр. 1994
أنه مسجد قديم وأن علي بتشين قد يكون جدده حوالي ١٦٢٠. ثم فقد الجامع اسم مؤسسه واسم مجدده، واحتفظ عند العامة باسم الحي: سوق القبيل أو القبائل. وهناك وثائق كثيرة تتحدث عنه. وله أوقاف غزيرة. وكان إمامه سنة ١٨٣٠ يسمى أحمد بن محمود، وهو في أغلب الظن وكيله أيضا. وقد احتفظ المسجد بوظيفته إلى ٢٨ مايو سنة ١٨٣٦ حين بيع (كذا) ثم هدم وأصبح مكانه داخلا في الطريق العام (١). هكذا كتب عنه ديفوكس، أما أوميرا فقد قال إن مسجد القبائل كان من المساجد الخمسة التي هدمت بين ١٨٣٠ - ١٨٣٢ (٢).
٤٦ - جامع المعجزين (العجزة؟): وهو يسمى أيضا جامع السوق الكبير، أي الحي، كما يسمى جامع ابن تركي، وهو كيله. وهو مسجد صغير. وله أوقاف ووثائق تؤرخه وترجعه إلى القرن العاشر الهجري. وكان عند الاحتلال يحمل رقم ١٧٥ من شارع باب عزون، ولم يدم حاله على ذلك طويلا، ففي سنة ١٨٣٦ هدم ودخلت أرضه في الطريق العام، بينما دخل جزء منه في تراب دار أوروبية (٣).
٤٧ - جامع خضر باشا: تولى خضر باشا حكم الجزائر ثلاث مرات. وقد بنى جامعه هذا حوالي ١٠٠٥ (١٥٩٦) على أنقاض جامع آخر صغير. وأوقف عليه أوقافا عظيمة (٤). وكان الجامع للصلاة الجامعة والخطبة والتدريس. وعند الاحتلال عطل الجامع عن غرضه وألحق بمستشفى الخراطين، وهو المستشفى الذي أقيم داخل ثكنة الخراطين القديمة. ثم هدم الجامع جزئيا سنة ١٨٣٦ وأصبح جزء منه داخلا في أحد المنازل الأوروبية وبعضه الآخر داخلا في بيعة (معبد) يهودية. وكان هذا هو جزاء خضر باشا الذي طالما جاهد في سبيل الله وإعلاء راية الا. سلام. ويلاحظ ديفوكس أن
стр. 1995
هذا الجامع كان على الطراز العربي داخليا وخارجيا، وأنه كان يقع في شارع شيبو (١) الإفريقي الذي احتل شمال إفريقية باسم رومة، ثم في شارع باب عزون. وأضاف كلاين أن سقف الجامع كان من القرمود، وأكد على هدم الجامع سنة ١٨٣٧.
٤٨ - جامع الركرك أو القندقجية: و (الركرك) هو اسم الإمام، حسب وثيقة ترجع إلى القرن العاشر. كما يسمى جامع سوق القندقجية. وكانت له أوقاف هامة مثبتة بالوثائق. وهو مسجد صغير له منارة، وكانت تلاصقه مدرسة. وينسب إلى الولي سيدي عيسى بن العباس (١٥٨٨). ومن أيمته عبد الرحمن بن البدوي (١٨١٤)، الذي لعله أحد جدود أحمد البدوي الذي سيظهر اسمه في وقت الاحتلال كمترجم وصحفي وسياسي. ورغم صحة الجامع كل هذه العصور ووفرة أوقافه، فإن السلطات الفرنسية زعمت أنه أصبح يهدد الأمن العام فهدمته سنة ١٨٣٩ (٢). وكان يقع في شارع القفطان. وقد دخل مكانه في الدار الواقعة على هذا الشارع وشارع باب عزون.
٤٩ - جامع الباشا الحاج حسين ميزمورطو: كان الحاج حسين من مشاهير باشوات (حكام) الجزائر. وقد بنى جامعا كبيرا بصومعة رشيقة محلاة بالزليج، وكان من جوامع الخطبة، وكانت للجامع قبة متميزة وأصيلة. وقد بني حوالي ١٠٩٧ (١٦٨٥) على أنقاض جامع صغير ودكاكين. وأوقف عليه الباشا المذكور أوقافا كبيرة ذكرناها في غير هذا. وإلى جانب الجامع مدرسة. وكان له خطباء وأية ومدرسون ووكلاء وموظفون آخرون اشتهر بهم الجامع. ولكن الاحتلال الفرنسي أبى إلا أن يجعل هذا الجامع كغيره، أثرا بعد عين. فمنذ ١٨٣٠ استولى عليه الجيش وحوله إلى مستشفى عسكري. وفي سنة ١٨٣٦ سلمه الجيش إلى
стр. 1996
الإدارة المدنية، فشرعت في هدمه ودام ذلك، كما يقول ديفوكس، ثمانية عشر شهرا. وقد دخل الجزء الكبير من ترابه في الطريق العام، ودخلت أطرافه في المنازل المجاورة مثل دار بازار فيالار. وكان يقع في شارع شارتر (١).
وقد تحدث بيربروجر في كتابه (الجزائر المصورة والتاريخية والأثرية) عن جامع الحاج حسين باشا فقال إنه كان أحد المعالم العربية لمدينة الجزائر التي يأسف المرء على هدمها. وقد وصفه كما وصف منارته التي قال إنها تقع في أحد أطرافه جهة باب عزون. وكانت مزينة بالزليج، وكانت تتصاعد في الجو برشاقة وأصالة. ولها ثلاثة أدوار وتقوم على أربعة أعمدة. واعتبر بيربروجر هذا الجامع من المباني العظيمة من الوجهة العمرانية (٢). وكان بيربروجر معاصرا لهدم هذا الجامع وغيره، لأنه جاء الجزائر سنة ١٨٣٥، على أنه أثرى.
ولكن هذه الكلمات التأسفية التي تخرج أحيانا من أفواه بعض الكتاب، مثل بيربروجر وديفوكس وأوميرا، ما هي إلا من نوع البكاء على الأطلال، وهي في الواقع لا تصل حتى إلى البكاء.
٥٠ - مسجد سويقة عمر: إن أقدم المعلومات عنه نرجع إلى سنة ١٠٣١ (١٦٢١)، فهو إذن من المساجد القديمة التي عاشت دهرا ولم تبل، ومع ذلك فإن الفرنسيين هدموه سنة ١٨٦٩ من أجل الأمن العام، ودخل ترابه في الطريق العام (٣). ولا ندري لماذا أبقوه إلى ذلك التاريخ بينما غيره هدموه منذ البداية.
стр. 1997
٥١ - مسجد الكبابطية: ويدعى أيضا. مسجد الحلفاوية والحلفاوين. وهو من المساجد القديمة التي تحدث عنها هايدو الإسباني، وقد عده الخامس من السبعة الكبار التي وصفها. ويقول ديفوكس إن ذلك احتمال فقط، أي كون هايدو عناه هو بالذات، لأن كلامه في ذلك غير واضح، ولأنه تحدث عن مسجد يقع في سوق يصنع أهله المعاطف (الكبابط). ومهما كان الأمر فإن المسجد قديم واسمه يدل على أنه من العهد العثماني. وفي سنة ١٨٣٩ هدم هذا المسجد بدعوى المنفعة العامة ودخل مكانه في الطريق العام كما دخل جزء منه في أحد المنازل الأوروبية (١). وقد آلت أوقافه إلى إدارة الدومين.
٥٢ - مسجد سوق الرقاعين: وقد سماه ديفوكس أيضا مسجد سوق السمن، وحتى لا يختلط بالمسجد الذي سبق ذكره والذي يحمل نفس الاسم (السمن أو السمان) فقد حافظنا على اسمه الثاني (الرقاعين). وهو مسجد صغير، وهدم سنة ١٨٣٩ بدعوى الأمن العام، وقد دخل مكانه في الطريق العام جزئيا (٢).
٥٣ - مسجد سيدي عبد العزيز: وهذا المسجد المنسوب لأحد المرابطين كان يقع في سوق الحيوانات المسمى: المركاض. ويذكره ديفوكس على أنه بقي بضع سنوات (غير محددة) غير معطل عن وظيفته، ثم عطل وحول عن غرضه، وبنيت على أرضه دار فرنسية تأخذ من شارع قسنطينة وشارع روفيقو. ومن جهة أخرى يرى ديفوكس أن حياة سيدي عبد العزيز غير معروفة، وأن المسجد كان يقع على بعد مائة متر من باب عزون، لكن الوقفية تقول إنه خارج باب عزون (٣).
٥٤ - مسجد بجوار مسجد علي بتشين: ليس لهذا المسجد اسم في
стр. 1998
الوثائق الفرنسية المعاصرة للاحتلال، فقالوا إنه المسجد الواقع فوق جامع علي بتشين. وقد احتفظ بوظيفته فترة ثم هدم وأدمج في إحدى الدور التي بنيت على أنقاضه. وكان يقع بين شارعي القصبة وباب الواد (١).
٥٥ - المسجد الأخضر: جامع صغير، هدم سنة ١٨٤٤ بدون مبرر مذكور. كان يقع في شارع يحمل اسمه لكنه حرف هكذا (شارع لكدور). وله أوقاف، أقربها عهدا يرجع تاريخه إلى سنة ١٢٣١ (حوالي) (٢).
٥٦ - مسجد ابن ميمون: اسم صاحبه هو محمد بن عبد الله بن ميمون. وتعود تواريخ بعض أوقافه إلى القرن الثاني عشر الهجري، ١١٧١ (١٧٥٧). وقد هدمته السلطات الفرنسية سنة ١٨٤٠، فدخل مكانه في إحدى الدور (٣). وكان يقع في شارع يحمل اسمه محرفا هكذا (شارع آكرميمونت). ولعل ابن ميمون هذا هو الشاعر الذي تناولناه في غير هذا، والذي تولى عدة وظائف قضائية ودينية.
٥٧ - مسجد مصطفى باشا: رغم بقاء اسم هذا الباشا بيننا في المستشفى الرئيسي بالجزائر وبقاء قصره مدة طويلة مقرا للحاكم الفرنسي، وحيه (حي مصطفى باشا) جهة أول ماي حاليا، فترة طويلة من الاحتلال الفرنسي فإن اسم الداي مصطفى باشا يذكرنا بتمكين التجار اليهود، سيما عائلة بكري وبوشناق، في عهده من السيطرة على اقتصاد البلاد. والمسجد الذي يحمل اسمه لم يشيده وإنما جدده فقط. ويحمل المسجد أيضا اسم إمامه العالم، المانقلاتي. وهو من أسرة علماء وأدباء اشتهروا في الجزائر منذ القرن الحادي عشر، ومنهم عمر وأحمد وعلي، وكان الأخير معاصرا للاحتلال،
стр. 1999
ومن المفتين. ورغم إبقاء الفرنسيين على قصر مصطفى باشا فإنهم لم يحتملوا المسجد الذي يحمل اسمه، فهدموه سنة ١٨٣٧، وبقي جزء منه أضافوه إلى مدرسة بلدية كانت تديرها في عهد ديفوكس جماعة تسمى (أخوة المذهب المسيحي) (١). وقبل أن يتحول إلى مدرسة كان جزء الجامع داخلا في قاعة عرض وألعاب. وكان الجامع يقع في شارع المتصرف (المدني؟).
٥٨ - مسجد سيدي داود: يقع هذا المسجد في شارع هيئة الأركان، وله وقفية تثبت له التسمية المذكورة. ولكن الفرنسيين لم يصبروا على بقائه فهدموه سنة ١٨٣٣ بدعوى توسيع ساحة السودان (٢).
٥٩ - مسجد سوق الجمعة: يقول ديفوكس إن المسلمين هم الذين أهملوا هذا الجامع منذ الاحتلال. فوقع تعطيله وهدمه سنة ١٨٤١، وهكذا أصبح مكانه دارا فرنسية، وهو يسمى أيضا مسجد عقبة ابن شاكر. وكان يقع في شارع سوجيمه (٣).
٦٠ - مسجد كوشة بولعبة: ويسمى أيضا جامع سيدي سليمان الشريف. وقد نسي الناس اسم المرابط وبقي اسم الكوشة. ولكن الوقفية تشير إلى اسم المرابط (الشريف). وكان المسجد يقع في شارعي بولعبة والهلال (كرواسان). ونظرا لتداعيه، كما قالوا، حكم الفرنسيون عليه بالهدم في يونيو (جوان) ١٨٤١. وبنيت على أرضه دار فرنسية (٤).
٦١ - مسجد الشيخ سيدي أحمد بن عبد الله: يقول ديفوكس إن الشهرة تسميه مسجد فرن ابن شكور (شاكر؟)، أو عقبة ابن شكور. وله وقفية تذكره بالاسم الأول. وكان يقع في شارع طولون، وقد احتله الجيش من أول وهلة
стр. 2000
وبقي في أيدي الدرك باعتباره ثكنة عسكرية مدة طويلة. وفي عهد ديفوكس أصبحت بناية المسجد تابعة لمدرسة البنات المسلمات (١). وربما هي المدرسة التي كانت تشرف عليها السيدة أليكس (لوسي) التي كانت تعلم فيها اللغة الفرنسية والطرز بدعم من الحكومة. وأحمد بن عبد الله قد يكون هو أحمد الزواوي صاحب (المنظومة الجزائرية) الشهيرة والذي عاش في عهد الشيخ عبد الرحمن الثعالبي (٢). وعلى هذا يكون الجامع قديما (القرن ١٥).
٦٢ - مسجد ابن الشاهد: هذا المسجد معروف عند العامة بمسجد بوشقور، اسم المرابط المجاور له. وابن الشاهد اسم رنان في الأدب الجزائري، والتاريخ الثقافي. فهو من عائلة شهيرة بالعلم. آخرها محمد بن الشاهد المفتي والشاعر الذي درسناه في غير هذا المكان. وكان في بعض الوقت وكيلا لأحد المساجد، فلعل هذا هو مسجده. وقد بكى سقوط مدينة الجزائر في أيدي الفرنسيين بكاء مرا وبكى هدم المساجد. ولهذا المسجد أوقاف غير محددة. وكان يقع في شارع هيئة الأركان. وكان مسجد ابن الشاهد من أوائل ضحايا الاستعمار والصليبية. فقد قال ديفوكس إنه هدم منذ السنوات الأولى للاحتلال ودخل كله في الطريق العمومي (٣).
٦٣ - مسجد المشدالي: لا شك أن هذا اسم لأحد وكلاء المسجد. وقد كانت أسرة المشدالي أيضا شهيرة بالعلم. وكانت شهرتها في بجاية ونواحيها. أما باني المسجد فهو رمضان باشا، ومع ذلك لم يشتهر به. ورمضان هو أحد الحكام الذين تداولوا على السلطة. وكان إمامه عند الاحتلال