← Указатели

Указатели · id 14100

تاريخ الجزائر الثقافي

أبو القاسم سعد الله

Полный текст (5 019 стр.). Показаны 2766–2805 · переход к 2771.

стр. 2766

وفي مقابل ذلك عمل الفرنسيون على إنشاء نواة تكون هي الوسيلة للفتنة الاجتماعية واللغوية، على أن تتولى هي المناداة بالاندماج والاستغراب في الوقت المناسب. وكانت المقاومة العنيفة والمعاملة الجماعية السيئة قد أخرت ظهور هذه النواة. فنحن لم نسمع بأصوات جزائرية تصرح بتقليد الفرنسيين إلا في الستينات من القرن الماضي، أي بعد جيل من الاحتلال (١). وكانت هذه الأصوات خافتة في البداية. وكانت على لسان بعض الشيوخ الذين لم يدرسوا في المدارس الفرنسية أو الذين درسوا فيها ولكن حظهم من الثقافة العربية الإسلامية كان أقوى، وكانوا ما يزالون متحصنين. ولا ندري هل كان أولئك النفر القليل الذين ظهرت دعوتهم على صفحات جريدة المبشر الرسمية، هل كانوا يكتبون عن عقيدة وإيمان أو كانوا يكتبون مأجورين. والواقع أن أصوات هؤلاء كانت لا تخرج عن الدعوة إلى (العلم) وإلى تعلم الفرنسية باعتبارها لغة هذا العلم الجديد، والدعوة إلى تعلم التكنولوجيا الغربية (الفرنسية). وهذه الدعوة ليست جديدة في حد ذاتها، فقد دعا إليها بعض العلماء المسلمين حتى قبل الاحتلال الفرنسي، أمثال محمد بن العنابي في (السعي المحمود) (٢). ولم يكن عالم متنور مثل حمدان خوجة يعارض التعلم بالفرنسية ولا تعلم العلوم الحديثة من الأوروبيين. ولكن الذي عارضه، وعارضه الجزائريون معه هو الاحتلال والاعتداء على حرمات المساجد والبيوت والمكتبات والأراضي، وهو القهر والتسلط ثم تسمية كل ذلك رسالة حضارية فرنسية.

стр. 2767

قلنا إن القادة الفرنسيين الأوائل قد نفوا وعزلوا عنهم حتى أخلص الجزائريين إليهم، أولئك الذين انبهروا بهم وظنوا بهم خيرا، أمثال حمدان خوجة وأحمد بوضربة. ثم نفوا غيرهم أو سرحوهم إلى فرنسا للتأثير عليهم هناك والتخلص منهم في الجزائر، أمثال مصطفى بن عمر وحمدان بوركايب ومصطفى كريم. ولكن بعد الاستقرار النسبي أخذوا يسفرون الأعيان من الجزائريين الموالين لهم ليزوروا فرنسا فترة معينة كالشهر، ثم يعيدونهم إلى الجزائر وإلى وظائفهم وعائلاتهم ليتحدثوا بالنعمة التي تمرغوا فيها والعجائب التي شاهدوها. ويستتبع ذلك بدون شك الأثر النفسي في أشخاصهم. وقد بدأت هذه العمليات الدورة منذ عهد كلوزيل الثاني، أي ١٨٣٦. واستمرت وتضاعفت في عهود لاحقة حين أصبحت المناسبات الرسمية هي الدافعة إلى ذلك مثل أعياد جلوس الحكام، ومعارض باريس، والمناسبات القومية. وكان الإعلام الفرنسي يسمي هذه الزيارات المنظمة التعرف على (الكرم والسخاء) الفرنسي، الذي ينافس الكرم العربي الزيارات المنظمة لباريس وفكرة المعهد العربي وتحدثنا المصادر الفرنسية عن زيارة وفد من الأعيان ومن الأطفال أيضا، إلى باريس سنة ١٨٣٨. وقد استقبل الأعيان استقبالا يليق بالكرم الفرنسي المتناسب مع الكرم العربي، حسب تعبيرهم. ومن الأعيان المشار إليهم أناس ربطوا مصيرهم بالسلطات المحتلة دون وعي تاريخي ولا يقظة دينية، ومنهم (الجنرال) مصطفى بن إسماعيل زعيم الدوائر والزمالة الذي كان قد رفض مبايعة الأمير عبد القادر وحارب في صفوف الفرنسيين ضده. وهو شيخ كبير السن وفارس مغوار قضى عمره في خدمة الحكم العثماني (المخزن). وقد ولاه الفرنسيون على تلمسان بعض الوقت قبل رجوعها إلى الأمير بمقتضى معاهدة التافنة. ومن زملائه في هذا (الميعاد) الحاتمي الفرنسي مصطفى بن المقلش، وهو أيضا من أصحاب النفوذ في العهد العثماني وانضم إلى الفرنسيين. وقد رافقهما إلى فرنسا عدد آخر.

стр. 2768

والمعروف أن الأمير عبد القادر أرسل، سنة ١٨٣٨ وزير خارجيته المولود بن عراش إلى فرنسا لمقابلة الملك لويس فيليب، أثناء هدنة التافنة، وذهب معه وفد من حكومة الأمير (١). وتقول المصادر الفرنسية (عندما يسمع الأهالي الحكايات والقصص العجيبة عن مشاهدات الأعيان في فرنسا فإن غيرهم من العرب سيطلبون الزيارة كذلك للاطلاع على هذا البلد الذي انتصر جيشه وحضارته عليهم) (٢). ومن جهة أخرى طلبت السلطات الفرنسية أن يرسل المخلصون لها من الجزائريين أبناءهم أيضا إلى فرنسا لإحداث العدوى الحضارية ومشاهدة عجائبها. وقد فعل بعضهم. وكان لهؤلاء المخلصين ثقة كاملة في فرنسا على أولادهم، وهم يعرفون (ذكاءنا وقوتنا). أما الأثر الذي ستحدثه الزيارات على عقول الأطفال الجزائريين، أبناء المخلصين لفرنسا، فالمصدر يقول إنه سيكون لقصصهم تأثير على الآخرين الذين لم يزوروا، وسيطلبون بدورهم الزيارة، وهكذا تسرى العدوى ويصبح الحج إلى فرنسا بدل مكة، وتتغير العقليات ويحدث التقارب في طريق الاندماج المنشود. ويقول نفس المصدر في هذا المعنى، بذلك ستتكون (أدوات حضارتنا، ويتحقق الكرم للآباء، والتعليم للأبناء) (٣). وفي هذه الأثناء كثر الحديث أيضا عن إنشاء كوليج (معهد) عربي - فرنسي بباريس. وتكون مهمته استقبال الأعيان، وتعليم أبناء المخلصين لفرنسا، وإبراز الكرم الفرنسي في مختلف المجالات، حتى يصبح المعهد مشتلة فكرية للتأثير الفرنسي في الجزائر. واقترحوا أيضا أن تنشأ في المعهد

стр. 2769

مدرسة للترجمة بالعربية الدارجة لأبناء الفرنسيين، وبذلك يحدث الاختلاط بين الأطفال أولا في فرنسا ثم بين الكبار في الجزائر. أما الأطفال الجزائريون فيأتون ويدرسون (دراسة خاصة) ويكونون تحت مراقبة شديدة، ثم يرجعون إلى أهلهم تحت المراقبة نفسها. وصدر المرسوم الملكي بإنشاء المعهد في مايو ١٨٣٩. ونص على عدة أمور، منها أن مدرسة الترجمة تكون هي البوتقة التي يتخرج منها كل العاملين الفرنسيين في الإدارة بالجزائر. ومنها المحافظة على المشاعر الدينية للأطفال المسلمين عندما يحلون بالمعهد المذكور، على أن يكون المعلم المحايد هو الوسيلة، والتأثير الفرنسي هو الهدف (١). ومع هذه الضجة، فإن الكوليج العربي - الفرنسي لم يفتح، والكرم الفرنسي لم يحصل. وبقي الحال كما كان: وفود من الأعيان تتردد على فرنسا في زيارات دورية تنظمها السلطات الفرنسية في الجزائر بالاتفاق مع الحكومة في باريس. أحيانا تكون الوفود ممثلة وجامعة لمختلف أنحاء الجزائر. فكأنها وفد برلماني أو تمثيلي في شكل ما. وأحيانا تكون الوفود جهوية. ونجد في هذه الوفود أحيانا العسكريين فقط أو رجال السيف والبارود الذين يتقلدون وظائف فرنسية، وأحيانا وفودا مختلفة فيها بعض المدنيين أيضا من كبار العائلات في المدن، وبعض الكتاب أو الخوجات والقضاة. وكان عهد بوجو (١٨٤١ - ١٨٤٧) من أنشط العهود في هذا الميدان. فبينما كان سيفه ومحراثه يعملان بلا هوادة في رقاب وأرض الجزائريين على يد الجنود والمستوطنين، كانت إدارته ترسل هذه الوفود لتتلقى الحضارة وتطلع على الذكاء والقوة والعلم الفرنسي ... ثم تعود منبهرة مندهشة، مبشرة بما لا عين رأت ولا أذن سمعت، كما يريد الفرنسيون، بل كانوا يريدون منها أن تصبح طابورا خامسا لصالح الإدارة الاستعمارية. ومع ذلك فإن القليل فقط من الجزائريين هم الذين سجلوا انطباعاتهم

стр. 2770

وتركوها مكتوبة. ولكن الفرنسيين كانوا ينتظرون الدعاية الشفوية (أو التلغراف العربي) كما يسمونه، فالكلمة المنطوقة تذهب من فم إلى فم ومن أذن إلى أذن. ولا حاجة إلى القلم والقرطاس في ذلك الوقت، سيما بعد أن انتشرت الأمية. فأهل المدن يحدثون من يساكنهم، وأهل الريف يحدثون جيرانهم، وهكذا يعم الجمع كنت فرنسا والسلام الفرنسي. ولكن هل ذلك هو ما وقع فعلا؟ إن كان بعض أصحاب الوفود قد حدثوا مواطنيهم بما شاهدوا فإن الأثر كان منعدما في الريف على الأقل حيث ظلت المقاومة مستمرة إلى عقد الثمانينات. وهذا لا يعني أن الفرنسيين لم يكسبوا أنصارا ولم ينجحوا في تكوين الخلية الاستغرابية - الاندماجية. فقد رجع محمد الشاذلي، وهو من المتعلمين البسطاء في علمهم ومن القضاة أيضا، رجع وهو معجب بباريس ونهرها ومسرحها وبرلمانها ونسائها حتى كاد يتزوج هناك من مجهولة الحسب والنسب، كما يقول أحد التقارير الفرنسية عنه. وهذا الإعجاب أورثه منصبا دائما، وهو إدارة مدرسة قسنطينة من إنشائها سنة ١٨٥٠ إلى وفاته ١٨٧٧ (١). وهناك أمثال الشاذلي أيضا ممن سجلوا انطباعاتهم في (رحلات) ترجمها الفرنسيون في الحال، لأنها كانت تحقق الهدف المطلوب، وتبعث التأثير في القلوب، من ذلك رحلة محمد ولد القاضي التي يكفي عنوانها عن محتواها (الرحلة القاضية في مدح فرنسا وتبشير البادية). ورحلة سليمان بن صيام، ورحلة محمد السعيد بن علي الشريف. والثلاثة كانوا من الأعيان، وبعضهم كان من رجال الدين والزوايا أيضا، مثل ابن علي الشريف صاحب زاوية شلاطة. وكان ابن صيام من أعيان مليانة، متوليا أيضا للفرنسيين، ونفس الشيء يقال عن ولد قاضي الذي كان متوليا لهم على فرندة. ولكي تتحقق الفائدة الأفضل أقدمت جريدة المبشر على نشر (الرحلات) أيضا ليقرأها القاصي والداني. وكان أصحاب الرحلات، على

стр. 2771

تفاوت بينهم، قد أعجبوا بالتقدم الفرنسي وجاؤوا ليدعوا قومهم إلى الاحتفاء بالفرنسيين والخضوع لهم سياسيا وعسكريا. رغم أن بعضهم، مثل ولد قاضي، قد شكا من وضع قومه وطالب بإصلاح أحوالهم. ولا يخامرنا الشك في حسن نوايا أصحاب الرحلات، ولكن لا يخامرنا الشك أيضا في سوء نوايا الفرنسيين من وراء هذه الرحلات والزيارات المنظمة. فهم إنما جاؤوا للاستحواذ على كل شيء ولم يأتوا لبث الحضارة. ولكن جهل أصحاب الرحلات بمخططات الفرنسيين بل جهلهم بأنفسهم قد جعلهم أبواقا فارغة في فم العدو ينفخ فيها للتأثير بهم على المواطنين (١). وقد استمر هذا الأسلوب في التعامل مع الأعيان في هذا القرن أيضا، ولكنه اتخذ ألوانا جديدة تتلاءم مع روح العصر كالدعوة لافتتاح جامع باريس في العشرينات. أسر الأطفال وحملهم إلى فرنسا حين لم يتحقق مشروع الكوليج العربي الفرنسي في وقته لجأ المارشال بوجو ومستشاره ليون روش إلى طريقة أخرى لحمل الأطفال الجزائريين إلى فرنسا وإبقائهم هناك فترة من الوقت يتعلمون ويتأثرون ثم يتركونهم يرجعون إلى بلادهم وأهلهم. وسوف لا نتحدث عن تفاصيل هذه المدرسة المجهولة التي أصبحت تستقبل الأطفال الجزائريين لترويضهم على حب فرنسا. ويكفي أن نذكر ما قام به بوجو وأعوانه سنة ١٨٤٣ على إثر الاستيلاء على زمالة الأمير عبد القادر. كانت الزمالة عبارة عن مدينة متنقلة تضم آلاف الأشخاص وتضم أيضا المؤونة والخزانة والذخيرة. وكان فيها نساء كبار العائلات وأطفالهم، بمن في ذلك نساء وأطفال خلفاء الأمير عبد القادر، مثل ابن علال والبركاني والبوحميدي وابن التهامي، ونساء كتابه وقضاته. والذي يهمنا هنا

стр. 2772

هو أن الفرنسيين أخذوا بعض الأطفال الذين بلغوا العاشرة وحملوهم إلى باريس بعد أن فصلوهم عن ذويهم. فمن جهة اعتبروهم رهائن لديهم يساومون بهم عند الحاجة، ومن جهة أخرى أدخلوهم إلى مدرسة مجهولة وضعوا عليها شخصا يسمى ديمواينكور للإشراف والمراقبة. وكان هذا الشخص يعمل بالتنسيق بين وزير الحربية والحاكم العام المارشال بوجو. وقد وقع في أيدينا تقرير منه كتبه سنة ١٨٤٥ عن (رهائنه) من الفتيان الجزائريين. فكان حسب قوله يتعهدهم ويلاحظ حركاتهم وسكناتهم، وكان درس التأثير الفرنسي عليهم في فرنسا وتأثيرهم على عائلاتهم حين يعودون. ومن هؤلاء فتيان من عائلات معروفة في مدينة الجزائر وفي القليعة ومليانة. نذكر منهم أحمد بن قدور بن رويلة، كاتب الأمير ومحرر (وشاح الكتائب) وهو من العاصمة. ويتصل ابن رويلة عن طريق المصاهرة بعائلة ابن الحفاف وغيرها. فقد كان قدور بن رويلة متزوجا من أخت علي بن الحفاف الذي التحق أيضا بدولة الأمير. فالفتى أحمد إذن كان مشدود الأواصر بعائلات علمية ومتصلة بالمقاومة .. ومنهم علي الشريف بن الحاج أحمد الشريف الزهار، نقيب الأشراف. وهي عائلة متصاهرة أيضا مع عائلة ابن علي مبارك بالقليعة. ومن أسماء (التلاميذ) الذين وجدناهم أيضا في تمرير ديمواينكور: محيي الدين بن علال، ومالك بن محمد، وقائد المدني، وأحمد بن أمين السكة، وعمر ولد بونطيرو، والشريف بن أحمد ير سالم. ويغلب على الظن أن الأخير هو ابن خليفة الأمير على زواوة، وهو أحمد الطيب بن سالم. ونلاحظ أن بعض هؤلاء كان مثل محيي الدين بن علال متزوجا وله أولاد. وقد أخذه الفرنسيون أولا إلى سجن سانت مارغريت، ثم سرحوه بإذن خاص، كما يقول ديمواينكور وأقام شهورا في بيت هذا في باريس، ثم سمحوا له بالرجوع إلى زوجه وأولاده. وقد رأينا له رسائل إلى الفرنسيين يطلب في إحداها الأذن بالرجوع إلى الجزائر، وفي أخرى السماح له بالسفر إلى مصر مع أهله. ولكن ديمواينكور يخبر عنه في تقرير لاحق أنه كان يقيم

стр. 2773

في نواحي بوفاريك وأنه عندما سمع به في الجزائر عند عائلة علي الشريف الزهار ركب فرسه وجاء لتحيته واستعاد ذكريات باريس معه (١). ١ - علي الشريف الزهار: يقول عنه شارل فيرو إنه بعد تعهده (؟) من الحكومة الفرنسية في باريس بعد الزمالة، رجع إلى الجزائر وسمى مترجما عسكريا احتياطيا من الطبقة الثانية ١٨٥٠ ثم من الطبقة الأولى ١٨٥٢. وفي سنة ١٨٥٤ دخل على الشريف الزهار كتيبة الفرسان (الصبائحية) وأحرز على وسام فارس جوقة الشرف سنة ١٨٦٣، ثم تقاعد برتبة كابتان. وفي سنة ١٨٧٦ كان علي الشريف مستشارا عاما (. C.G) في مجلس ولاية الجزائر. ويقول عنه فيرو إنه من مواليد الجزائر سنة ١٨٢٩، وأنه ابن للحاج أحمد الشريف الزهار كاتب سيدي مبارك خليفة الأمير علي مليانة، وكان صهرا له (٢) وقد عاش علي الشريف إلى عشية الحرب العالمية الأولى، وسنجد اسمه يتكرر في مناسبات أخرى. ٢ - أحمد بن قدور بن رويلة: كانت نهايته مأساوية. مأساوية حقا. فبعد اختطافه من قبل الفرنسيين سنة ١٨٤٣ وحمله إلى فرنسا رهينة وعمره لا يتجاوز ثلاث عشرة سنة (ولد سنة ١٨٣٠)، أدخلوه إلى كوليج سان لويس بباريس. ولكنه قبل ذلك أقام في المدرسة المجهولة التي يشرف عليها ديمواينكور والخاصة، كما يقولون، بالأطفال العرب. وقد وجدنا عددا من الرسائل لهذا الفتى الصغير الذي لا ذنب له سوى وجوده مع عائلته بالزمالة، تطلب تسريحه والرجوع إلى أهله. وفي إحداها يقول أنه يكاد يجن، وله رسالة أخرى إلى والده قدور بن رويلة. وكان يتدخل لدى السلطات الفرنسية في فرنسا أيضا لاستعادة أملاكهم في الجزائر وأملاك خاله ابن الحفاف. وبعد أن قضى سنوات في فرنسا رجع إلى الجزائر وأصبح مترجما عسكريا

стр. 2774

احتياطيا. وهذه هي غاية العلم الذي كانت تدعو إليه فرنسا ويطبل له المتحمسون لحضارتها عندئذ. دخل أحمد سنة ١٨٥٠ مسابقة المترجمين وترقى من الطبقة الثانية إلى الأولى سنة ١٨٥٢ مثل زميله في عملية الخطف علي الشريف الزهار. وكذلك دخل مثله كتيبة الفرسان وتطوع عسكريا، كما يقول فيرو. وفي سنة ١٨٦٤ كان أحمد بن رويلة مساعدا ملحقا بالمكتب العربي في قصر البخاري (بوغار). والتاريخ المذكور يذكرنا بثورة أولاد سيدي الشيخ واتخاذ المواقف بشأنها. وقد امتدت الثورة إلى تلك النواحي. وكان دور المكتب العربي هو منع تسربها إلى المناطق الآهلة بالسكان والقضاء على قادتها. وأبى الفرنسيون إلا أن ينهوا حياة أحمد بن رويلة نهاية يعرفها كثير من الجزائريين الذين خالطوهم، فهذا الشاب الذي يقول عنه العقيد تروميلي إنه كان (متعلما ومتحضرا) لم يكن يروق، حسب الرواية الفرنسية، للآغا النعيمي بن جديد المتولى للفرنسيين أيضا نواحي قصر البخاري. وأثناء خروج أحمد بن رويلة لتسقط الأخبار عن الثورة في جهة طاقين على رأس كوكبة من الفرسان الجزائريين ومعهم فرنسيان، فاجأته جماعة على رأسها أبو بكر أخ النعيمي، الذي كان ابن رويلة قد طرده من المكتب العربي ذات مرة. فقتل ابن رويلة وجماعته عن آخرهم سنة ١٨٦٤ في نفس المكان الذي كان قد أسر فيه منذ ١٢ سنة، وهو طاقين (١). فأين الحقيقة من هذه المقتلة التي ذهبت ضحيتها مجموعة من شباب الجزائر؟. إن أحمد بن رويلة تبكيه أسرته وبلاده التي فقدته في الحقيقة منذ ١٨٤٣ (٢). وكان يمكنه أن يكون كأبيه وخاله وأصهاره، من الشبان المثقفين المتنورين الذين يعملون لخير بلادهم. ولكنه راح ضحية الاختطاف أولا

стр. 2775

والمؤامرة ثانيا. فأي علم أخذه في فرنسا في المدرسة المجهولة أو في مدرسة سان لويس؟ وماذا أفادت منه بلاده عندما أصبح مترجما عسكريا احتياطيا أو فارسا متطوعا تحت العلم الفرنسي؟ إن الفرنسيين كانوا يريدون تكوين (عملاء) لا علماء. وقد ظل زميل ابن رويلة، وهو علي الشريف الزهار إلى أن بلغ من الكبر عتيا، فماذا استفاد وأفاد؟ لقد أصبح مستشارا عاما بدون أية سلطة ولا تأثير في قومه، وأحرز على أوسمة غطت صدره، بينما كان وسام شابة الأشراف التي تتولاها عائلته منذ قرون يكفيه، وكان به ربما أكثر تأثيرا على قومه من الأوسمة الأخرى مجتمعة. ولكن أن العقل؟. لقد رجع التلاميذ الآخرون، بعد حين، من فرنسا إلى ذويهم في الجزائر. وكان الفرنسيون يراقبون تأثرهم وتأثيرهم: كيف يجلسون: على الكراسي أو على الحشايا، وكيف يأكلون: بالملاعق أو بالأيدي، وكيف يتكلمون: بالعربية أو بالفرنسية، وماذا يلبسون: الملابس الفرنسية أو الملابس العربية. وهل تأثر بهم أصحابهم وذووهم أو بقوا في عزلة عنهم. وما إلى ذلك من ألوان الدراسة الاجتماعية والنفسية. ودون اللجوء إلى خطف الأولاد واتخاذ الرهائن كانت المدن الجزائرية تتأثر بالحياة الفرنسية بالقوة أو بالاختيار، فالقوانين والإجراءات، والتغييرات في أسماء الشوارع، وترقيم البيوت، وفتح الساحات، وإنشاء الأحياء الجديدة، والعملة والمعاملات. ثم هناك الملابس والبضائع الأخرى، والمشروبات والمأكولات والمصنوعات وطراز البناء. كل ذلك أخذ الجزائريون يقلدونه بالتدرج. وهو ليس من العلوم ولا من التقنيات التي يحتاج المرء إلى تعلمها ولا يحتاج إلى الرسالة الفرنسية الحضارية لاتقانها. ومع ذلك ففي هذا الجو كانت تتكون نواة الاستغراب والاندماج. ولم تكن خاصة بالمدن بل كانت في الأرياف أيضا.

стр. 2776

دعاة التعلم باللغة الفرنسية الأوائل خلال الستينات ظهرت على صفحات المبشر كتابات بتوقيع رجال العلم الجزائريين يدعون قومهم للتعلم باللغة الفرنسية وتحصيل العلوم الفرنسية. لم يكن هؤلاء من خريجي السوربون ولا من مدرسة سان سير ولا حتى الكوليج الامبريالي. كان بعضهم إماما للصلاة، وبعضهم مدرسا في المدرسة الشرعية - الفرنسية، قبل أن تدخلها اللغة الفرنسية. وبعضهم كان من المرابطين الذين تولوا وظائف إدارية مثل ابن علي الشريف الذي دعا إلى ذلك في رحلته إلى فرنسا سنة ١٨٥٢ (١). ومع ذلك أخذوا على عاتقهم دعوة مواطنيهم إلى التعلم باللغة الفرنسية على صفحات الجريدة الرسمية الوحيدة. لم يكن الجزائريون ضد العلم من حيث هو، كما عرفنا، ولكنهم كانوا يريدون حرية التعليم بلغتهم والمحافظة على دينهم وأخلاقهم وتراثهم. ومن جهة أخرى كانت المدارس المفتوحة لا تكفى حتى لأبناء المخلصين لفرنسا. ففي القطر الجزائري كله خلال الخمسينات والستينات لا توجد إلا ٤٢ مدرسة ابتدائية، وكانت تسمى عربية - فرنسية. إذن فالدعوة إلى التعلم في مثل هذه المدارس هي دعوة مجانية يوم بها شيوخ أمثال مصطفى بن السادات، ومحمود بن الشيخ علي، ومحمد بن عبد الله الزقاي، يضاف إليهم حسن بن بريهمات الذي كان يعرف الفرنسية ولكن ثقافته العربية كانت تطغى عليه، كما عرفنا. وسليتحق عبد القادر المجاوي بالركب في آخر السبعينات أيضا.

стр. 2777

من كتاب هذا العهد إذن شيوخ اعتقدوا أنهم يدعون إلى العلم - كما تدعو إليه المبشر - ولكنهم كانوا يجهلون ما وراء ذلك. وقد كتب أحدهم يحبذ إدخال ملكية الأرض فرديا طبقا لمرسوم ١٨٦٣ ولم يدر أن في ذلك انتزاعا للأراضي من أصحابها عن طريق التحايل القانوني وتمليكها للكولون، وتحطيما لقواعد المجتمع. لا نستطيع أن نتهم أولئك المشائخ بأنهم كانوا (عملاء) للإدارة الاستعمارية، ولكن فقط نتهمهم بالجهل بخلفيات السياسة الاستعمارية وأبعادها. ألم يؤيد مشائخ: أمثالهم الحكومة العامة سنة ١٩٣٣ حين أصدرت منشور ميشيل بغلق المدارس الاصلاحية؟ ألم يدعم مشائخ وآخرون فرنسا سنة ١٩١٤ ضد الدولة العثمانية؟ ألم يصفوا وفد المؤتمر الاسلامي سنة ١٩٣٦ بأنه كان يتدخل في السياسة ويتحدث عن الوطنية (الممنوعة؟) إن السلطات الفرنسية كانت تجد أمثال هؤلاء المشائخ في كل وقت يختمون على قراراتها ويصدرون لها الفتوى المناسبة. ومع ذلك فلا نستطيع أن نسمي هؤلاء جميعا بأنصار الاستغراب والاندماج، لأن هؤلاء الدعاة كانوا من الجهلة بالسياسة، أما الأنصار الحقيقيون للاندماج فهم طائفة أخرى. - مصطفى بن السادات: ابتداء من سنة ١٨٦٤ بدأ يظهر اسم مصطفى بن السادات على صفحات جريدة المبشر. وهو إسم لا نعرف عن صاحبه أي شيء غدا ما كتبه بنفسه، وبعض الوظائف التي تولاها، أو تردد اسمه في بعض الوثائق الرسمية. إننا نعرف عنه أنه كان بالمدرسة الشرعية - الفرنسية (الكتانية) التي أسسها الفرنسيون في قسنطينة (١)، وكانت المدرسة بإدارة محمد الشاذلي، وكانت كتابة ابن السادات في المبشر تحث الجزائريين على تعلم العلم عموما والعلم الفرنسي خصوصا وباللغة الفرنسية بالذات. وكان يطلب منهم ألا يخافوا ولا يترددوا في إرسال أولادهم إلى المدارس الفرنسية

стр. 2778

القليلة التي نشأت بالبلاد. كان ذلك في الوقت الذي كانت فيه السلطات الفرنسية تقول إن (التعصب) ومعاداة الفرنسيين والخوف من تنصير الأطفال هى التى وقفت حائلا دون الإقبال على المدارس الفرنسية. بينما كان الجزائريون يطالبون بمدارس يشرفون عليها بأنفسهم. ففي ٢٢ فبراير ١٨٦٤ نشرت المبشر مقالة لمصطفى بن السادات تحت عنوان (نصيحة وإرشاد لمن عطل عن مسابقة الأقلام وإهدار المداد) في المعنى الذي سقناه. وهو يبدو فيها أديبا وعالما من علماء الوقت، وكان أكثر معارف وأفضل قلما من محمد الشاذلي المعروف بأشعاره الضعيفة. ولعل ابن السادات كان من إخراج المستشرق شيربونو الذي كان يبث اللغة الفرنسية والتأثير الفرنسي في بعض المسلمين كما كان يلم اللغة العربية للفرنسيين. وقد حث ابن السادات في المقالة المذكورة على التعلم ونهض ضد الأمية ودعا إلى الكتابة والتدوين. وهو كلام لا يعارضه فيه مواطنوه. وعشية فتح فرع الكوليج الامبريالي (المدرسة السلطانية) في قسنطينة، كتب ابن السادات مقالة جيدة في محتواها ومبناها، ولكن دوافعها تظل محل شك. عنوان المقالة الجديدة هو (النصيحة الدرية في تأديب الذرية)، وهي بقلم عربي سليم، وقد احتوت على آداب جمة. ووصف المدرسة الجديدة، وهي غير المدرسة الشرعية، معنويا وظاهريا، ومدى ما سيكون لها من تأثير مفيد على السكان في قسنطينة (المرعية)، وذكر أن البرنامج قد اشتمل على مواد عربية وأخرى فرنسية، وأنه سيكون للمدرسة إمام ومصلى ومصحة، وهو ما كانت سلطات نابليون حريصة عليه ظاهريا لترغيب الجزائريين وإزالة تخوفاتهم على أبنائهم. ومحتوى المقالة عموما كأنه صادر عن مصلحة الشؤون الأهلية، ففيه نفس التعابير والمعاني وأحيانا نفس الألفاظ. فالمدرسة مؤسسة هامة، والعلم مطلوب ومرغوب دنيا وأخرى. والدولة الفرنسية حريصة على تعليم الأهالي علومها وتمدينهم بلغتها، وهكذا. ويقول ابن السادات إن اللغة الفرنسية أصبحت ضرورية لكسب العلوم والوظائف. وأخبر قومه أن واحدا وثلاثين جزائريا (أي بعد عشر سنوات) قد تخرجوا من

стр. 2779

المدرسة السلطانية (الكوليج) الأم بالعاصمة، وأصبح من بينهم المهندس والترجمان والضابط والأستاذ والقايد. وحذرهم من أن اللغة الفرنسية ستكون هي جواز السفر الوحيد إلى الوظائف، وأن الذي لا يعرفها لا مكان له في تولي الوظائف. إن اللغة الفرنسية في نظره هي (التي عليها المدار، ولصاحبها يحصل العز، والعاري منها يبقى في خمول الإدبار، ومن حصلها واستغنى عن التلبس بالتولية (الوظيف)، فهي له نعم التحلية، يتنزه في مراتع آدابها) (١). ومعنى هذا أن الذي يعرف الفرنسية سيكون دائما في المكانة اللائقة سواء دخل الوظيف أو لم يدخله. والغريب أن ابن السادات لم يقل شيئا عن لغة قومه ووضعها أمام هذه الدعوة إلى التحول. ولولا وجود الاسم تاريخيا لقلنا إن ابن السادات قد يكون اسما مستعارا لأحد كتاب المبشر، كما قلنا عن معاصره علي بن عمر. ولابن السادات مقالة أخرى بعد هذه يتحدث فيها عن الدخول المدرسي سنة ١٨٦٧، ويصف المدرسة من جديد ومديرها السيد (أوبلان) (٢). وكانت المدرسة السلطانية - فرع قسنطينة - قد افتتحت أوائل ١٨٦٧، وكانت ناجحة فعلا حسب التقارير. ولكن الأميرال ديقيدون، الحاكم العام، ألغى الفرع والأصل لأنه كان لا يريد هو، ولا المستوطنون، أن يتعلم الجزائريون عموما، سيما التعليم المزدوج الذي جاءت به المدرسة السلطانية، لأن هذه المدرسة كانت عندهم رمزا لما كانوا يسمونه عهد المملكة العربية. قلنا إن مصطفى بن السادات شخصية تاريخية وليس اسما مستعارا.

стр. 2780

ودليلنا أننا وجدنا في الأرشيف الفرنسي اسمه سنة ١٨٩٦ بين قائمة أعيان قسنطينة. ولكن الوثيقة اكتفت بوصفه بأنه من الملاك. ولم تتحدث عن علمه ولا عن تأليفه ولا حتى عن تقاعده (١). ويبدو أنه كتب ما كتب في المبشر عندما كان عمره حوالي ٣٥. ومن ثمة فهو من الجيل الأول للاحتلال، ويبدو كذلك أنه تأثر به أكثر من غيره. فكانت دعوته عندئذ (في الستينات) تشبه دعوات أنصار التفرنس اليوم مع نفس الحجج تقريبا. وقد ذكره أيضا عبد الحي الكتاني باسمه: مصطفى بن أحمد بن سادات، وقال إنه أخذ العلم عن الشيخ المكي البوطالبي بقسنطينة (٢). محمود بن الشيخ علي: هناك شيخ آخر ظهر اسمه في الستينات أيضا على صفحات المبشر من جهة وفي الحياة الدينية والعلمية من جهة أخرى، ونعني به الشيخ محمود بن الشيخ علي الجزائري، كما ظهر في المبشر، أو محمود بن علي بن الأمين، كما ترجم له أبو القاسم الحفناوي في تعريف الخلف. وهذا شيخ لا غبار على أصله وفصله. فهو ابن المفتي علي بن عبد القادر بن الأمين، وكان (الأب) شيخ جيل كامل من علماء الجزائر عشية الاحتلال (٣). وقد جاء ابنه كأبيه علما ولكنه ليس كأبيه عملا. فلم يصل إلى رتبة الفتوى رغم أنه من علماء الوقت، وكان ولوعا بالكتابة والنسخ وله مكتبة غنية. فهو إذن من رجال الدين الذين رضوا بأن يأكلوا الخبز بعلمهم مع الفرنسيين. وكانت الوظيفة المعروفة له هي الإمامة في المدارس التي أسسها الفرنسيون، أولا في المدرسة السلطانية (الكوليج) بالجزائر. والمعروف أن هذه المدرسة تأسست سنة ١٨٥٧. فهل تولى الإمامة هناك عندئذ أو في وقت لاحق؟ وهذه الوظيفة لم يذكرها له الحفناوي، وإنما ذكر له الإمامة في الليسيه الفرنسي. ونحن نعرف أيضا أن المدرسة السلطانية قد ألغيت سنة

стр. 2781

١٨٧١ وحول تلاميذها وإمامها إلى الليسيه. وبالإضافة إلى الإمامة تولى الشيخ محمود التدريس في الجامع الكبير أيضا. ويبدو أن ذلك كان في التسعينات فقط حين شيخ لبعض رجال الدين بإعطاء درس في التوحيد وآخر في الفقه للعامة. وقد توفي الشيخ في ١٧ فبراير ١٨٩٧ (١). وله كما قلنا ولع بالنساخة، كما له تعليق في الطب سنتناوله في جزء آخر. ومن ذلك نفهم أن الشيخ محمود بن الأمين كان من أعيان مدينة الجزائر، وكان من رجال الدين والعلم. فإذا كتب يدعو إلى فكرة ما فإن كلمته ستكون مسموعة عند من يعرفون قيمة أسرته، على الأقل. هذا هو الدافع في نظرنا الذي جعل الفرنسيين يلجأون إلى هذا الإمام الموظف عندهم ليستخرجوا منه رأيا في تأييد دعوتهم بأن يترك الجزانريون (تعصبهم) ويقبلوا على تعلم الفرنسية وعلى العلوم التي تعرضها عليهم فرنسا. فقد كتب الشيخ محمود مقالة مطولة استغرقت صفحة كاملة وعمودا من المبشر وكتبت بحرف رقيق، وعنوانها (نصيحة عمومية لأهل الحضر والبادية). وفاتحتها عبارة عن خطبة من خطب الجمعة، ولعله كان يخطب بذلك أيضا وبنفس الأفكار في المساجد أو في المدرسة السلطانية. وقال إن دافعه إلى كتابتها هو ما رآه من بخل الناس بأنفسهم عن التعلم ولجوئهم إلى الكسل، فجاء ليوقظهم من سباتهم وينبههم إلى ضرورة التعلم وإلى فضل العلم وشرفه وذم الجهل وغوائله، لكي يرقوا إلى أعلى الدرجات الإنسانية. وبعد أن عرف العلم في اللغة والقرآن الكريم والحديث الشريف والآثار والشعر، وهو يورد النصوص والأشعار المؤيدة لذلك، مما يدل على اتساع معارفه في الأدب والتراث والتاريخ، رجع بعد ذلك إلى مقصوده وأخبر أن العلم صالح للدنيا والآخرة وهو مطلوب شرعا. أما عن اللغة والعلوم الفرنسية فقد تجول فيها الشيخ محمود جولة

стр. 2782

كبيرة، ودعا قومه بكل صراحة إلى ضرورة الأخذ بها لأن اللغة العربية لا تتسع في نظره لكل المصطلحات كما كانت في الماضي. واعتبر الفرنسيين متفوقين ليس فقط على الجزائريين ولكن على الأجناس الأخرى أيضا. ونبه الجزائريين إلى أن المصريين استفادوا من اللغة والعلوم الفرنسية بقيادة حاكمهم محمد علي باشا. وأما كون الجزائر ليس لها حاكم مثل محمد علي باشا فهذا لا يهم الشيخ محمود (١). وقال إنه من الحماقة والبلادة عدم تعلم الفرنسية وعلومها. فهو يقول: (صارت اللغة الفرانسوية وكتابتها في هذه الأعصر وسيلة لا غنى عنها في العلوم على اختلافها وسائر الصنائع وفنونها، خصوصا الطب والهندسة والحساب والتنجيم والجغرافية والطبيعيات والرياضيات، وما يتفرع عنها). ثم مدح أهل فرنسا على داعتهم في هذه العلوم والصنائع، وقال إنه لا يمكن الوصول إلى ما ذكره إلا باللغة الفرنسية وكتابتها (لعدم وجود اللفظ العربي لمسمياتها). ونلاحظ أنه يلح على (كتابتها) لأن المقصود ليس مجرد التعلم الشفوي لها، أو الحديث بها. وفي نظره أن العلم قد ازدهر عند العرب في العصور السالفة ونشطت حركة الترجمة، ولكن حان الوقت الذي انتقلت فيه العلوم إلى فرنسا (وبلغت أوجها بمدينة باريس، ولا يوجد من حكماء الإفرنج من يضاهي حكماءها). وإذا كان الأبعدون يذهبون إلى فرنسا لطلب العلم فيها (كيف نحن المقيمون معهم (أي الفرنسيين) والمحتاجون لمخالطتهم ... حيث أننا تحت حمايتهم، ولا نفقه لسانهم؟ فهذا هو غاية الحماقة وشدة البلادة) إن فرنسا (لحنانتها) على الجزائريين قد فتحت المدارس لتعليم لغتها والكتابة بها في كل ولاية، وأنشأت كذلك مراكز لتعليم الصنائع. فالواجب على أولياء التلاميذ عدم ترك أولادهم نهبا للإهمال والضياع، لأن إرسالهم إلى المدارس الفرنسية وتعلم العلوم بها سيضمن لهم حياة سعيدة. ومما قاله إن عندنا

стр. 2783

علوما دون أن نستفيد منها، وهي عند الفرنسيين قد بلغت حظا كبيرا، ويعني بذلك علم الزراعة والنباتات وسبك المعادن والكيمياء ... و (فن ترجمة الكتب العلمية، وهو من الفنون الصعبة، لأنه يحتاج إلى معرفة اصطلاحات أصول العلوم المراد ترجمتها) (١). ونلاحظ على كتابة الشيخ محمود عدم استعمال السجع، وبساطة الأسلوب، ووضوح الأفكار، وغزارة المعارف، وقوة الحجة. غير أن شواهده كثيرة وطويلة. ولعله كان يسعى إلى إقناع المترددين أو الخائفين على مصير أولادهم إذا دخلوا المدارس الفرنسية. ولكن الشيخ لم يتفطن إلى خلفيات هذه الحملة التي تنظمها المبشر ومن ورائها إدارة الشؤون الأهلية والمكاتب العربية التي كانت تصور فرنسا بلادا متحضرة من جهة وحاملة لواء الحضارة والتمدين من جهة أخرى. وكان ذلك يحدث أيام انتزاع الأراضي من الجزائريين عن طريق المرسوم المشيخي وإغراق البلاد بالمستوطنين الفرنسيين الذين كانوا يأتون من كل الأنحاء الأوروبية، كما كان يحدث أيام ثورة أولاد سيدي الشيخ التي كان فيها الجيش الفرنسي (الإفريقي) يرتكب الفظائع بقيادة اللقيط يوسف وأمثاله. وصدر سنة ١٨٦٥ قانون يعتبر الجزائريين (رعايا) لا مواطنين فرنسيين إلا إذا تخلوا عن الاحتكام إلى الشريعة الإسلامية. هذه الخلفيات لم كن يعرفها الشيخ محمود، ولكن الشعب كان يعرفها جيدا ويعيشها يوميا. ولذلك كان لا يؤمن بالبهرجة ولا بالحملة التي تصور فرنسا (حانة) وذات قلب رحيم على الجزائريين المساكين. وقد وظفت السلطات الفرنسية الشيخ محمود أيضا في مناسبة أخرى ليحبذ إجراء الانتخابات في الجزائر على عهد الحاكم العام المارشال ماكماهون. إن كلمة رجال الدين في مثل هذه الأمور (لجديدة) على

стр. 2784

الجزائريين كانت تزكي مشاريع الفرنسيين. فالشيخ محمود وإن لم يكن مفتيا فهو من عائلة تولت الفتوى. ولم يكتب الشيخ محمود رأيه في الانتخاب كوسيلة من وسائل العمران والتحضر في جريدة المبشر بالأصالة وإنما نشرها في جريدة مشرقية ذات صيت ذائع، وهي (الجوائب) التي كان يديرها أحمد فارس الشدياق من اسطانبول. وقد نقلتها المبشر عن الجوائب (١). وإذا علمنا أن السلطات الفرنسية في الجزائر كانت على علم بكل صغيرة وكبيرة تصدر عن الجزائريين، وأن الشيخ محمود كان موظفا (إماما) في المدرسة السلطانية، علمنا أن مقالته في جريدة (الجوائب) قد مرت قبل كل شيء بإدارة الشؤون الأهلية، وأن نشرها في الجريدة المذكورة كان له هدف في السياسة الفرنسية في المشرق أيام أزمة جبل لبنان وتدخل فرنسا في الشؤون العثمانية. ولكن أين للشيخ محمود معرفة كل ذلك (٢)؟. والانتخابات المشار إليها تتعلق بانتخابات أعضاء من الجزائريين إلى المجالس البلدية بدل التعيين. وهو مبدأ له مكانته في النظم السياسية الحرة، ولم يكن الجزائريون أحرارا ولا كانت النظم الخاضعين لها كذلك. وقد أصدر ماكماهون ذلك في فترة كانت الجزائر تعالي فيها من الجوائح المزمنة التي ضربت منذ ١٨٦٧، كما كانت تعاني من إطلاق ماكماهون نفسه اليد للكاردينال لافيجري، زعيم الكنيسة الكاثوليكية في الجزائر، الذي أنشأ الملاجئ لجمع الأيتام وتنصيرهم في خضم الجوائح المشار إليها. وهل كان الشيخ محمود على علم بكل ذلك؟ لقد قال عن قانون الانتخابات أنه ذو

стр. 2785

فائدة من الناحية العمرانية والاجتماعية والخيرية (؟)، وقد سبق به الأوروبيون، وأن المسلمين سيستفيدون منه تقليد الأوروبيين فيه. ومن هذه العبارة نفهم أن المقصود الأول من كلامه هم (المسلمون) عامة وليس الجزائريين فقط. (تأملت ما احتوى عليه (القانون)، وجدته في غاية التحكيم والنفع العميم، وبأن منه طريق التمدن والعمران، والتعاون على البر والإحسان، وسد ذريعة الجور والعدوان، مع ما يسري لسكان الوطن من التطبع والتأسي بقواعد الأوروباويين الفائزين عمن سواهم في طريق الإحسان). ومقالة الشيخ محمود طويلة الذيل، وهي تسير على هذا المنوال في تحبيذ التجربة الأوروبية في الانتخابات وطلب الاقتداء بها من المسلمين. ولعل ذلك هو مقصوده من عبارتي (التطبع) و (التأسي)، فالأولى يقصد بها التمرن والتعود، والثانية يقصد بها الاقتداء والاحتذاء. ولذلك ختم مقالته بقوله: (هذا الذي اتضح لي على وجه العموم، من ضابط هذا القانون المنظوم، ولا يمكن الإحاطة بذكر سر جميعه، لكن القصد إذاعة طيب نشره). يظهر الشيخ محمود إذن من المنبهرين بالرسالة الفرنسية في الجزائر. ولا ندري إن كان لوظيفته دخل في ذلك. وقامت دعوته على عدة عناصر، وهي: ضرورة تعلم الجزائريين اللغة الفرنسية وعلوم الفرنسيين والاقتداء بهم في نظمهم السياسية كالانتخابات. ومن ثمة فإن ترك الأطفال مهملين دون تعلم اللسان الفرنسي يعتبر في نظره حماقة وبلادة. وهو في هذه الدعوى يلتقي مع معاصره مصطفى بن السادات، وكذلك حسن بن بريهمات ومحمد بن الحاج حمو وأضرابهم. محمد بن الحاج حمو وحسن بن بريهمات: كان الشيخ محمد بن الحاج حمو أيضا يدعو الجزائريين إلى ما دعاهم إليه الشيخ محمود بن علي، وكانا متعاصرين، ولكن الشيخ حمو أكبر منه سنا، وقد تولى الفتوى والقضاء للفرنسيين بعد أن خدم في دولة الأمير (١). والحاج حمو لم يكتب ذلك في

стр. 2786

جريدة أو كتاب، وإنما طبقه على ابنه عبد الحق. فقد أدخله المدرسة السلطانية حيث بقي ثلاث سنوات ونيفا ثم أخرج منها لكبر سنه. ومع ذلك فقد حصل منها على ما يجعله مرتبطا بالفرنسيين. ويخبرنا حسن بن بريهمات أن الشيخ حمو كان يدعو الجزائريين إلى تقليد الفرنسيين في علومهم، وينعى على المغالين (المتعصبين) ضدهم (١). أما حسن بن بريهمات فكان يعرف الفرنسية. وقد تولى إدارة المدرسة الشرعية، فإذا دعا إلى تعلم اللغة والعلوم الفرنسية فلا يعتبر ذلك منه خروجا عن المنطق. فمنذ أوائل الستينات، وهو يدعو تلاميذه إلى الأخذ من الفرنسيين علومهم ولغتهم. وكان ينوه بما وصل إليه العرب والمسلمون في الماضي من مجد علمي باذخ (كانوا يهاجرون في طلب العلم من بخاري ومصر وفارس والأندلس حتى حصلوا من العلوم ما به فازوا على أقرانهم). وكان ابن بريهمات ينوه في كل مناسبة بنابليون الثالث، وبالدكتور بيرون مدير المدرسة السلطانية (الكوليج) بالجزائر، على تشجيع التعليم للجزائريين. وطبق حسن بن بريهمات ذلك على نفسه حين أرسل أولاده الثلاثة إلى المدارس الفرنسية أو المزدوجة (٢). ... انتهى عقد الستينات إذن بدعوة المتعلمين من الجيل الأول في العهد الفرنسي إلى الأخذ بلوم الفرنسيين وتعلم لغتهم وإلى تقليدهم في الحياة العامة والانتخابات وما إلى ذلك. وكان هذا الجيل مع ذلك ما يزال محصنا إلى حد كبير لصلته بآبائه ومحيطه، ولثقافته التراثية القوية، رغم تأثره بآثار ودعاية الاحتلال. كما أن المحيط الفرنسي كان مشجعا على إعلان ذلك

стр. 2787

الرأي، فسياسة نابليون الثالث، رغم قوانينها التعسفية في الأرض والتجنس والتغطية على الكنيسة، وما إلى ذلك، فإنها فتحت باب التعليم المزدوج ولم تصادم مشاعر المسلمين مباشرة، وكان نابليون يعلن رسميا على الأقل أنه حاكم العرب والفرنسيين. وقد أمر المارشاليين الحاكمين: بيليسييه ثم ماكماهون، باتباع هذه السياسة، رغم تناقضها مع الواقع. لكن سياسة القمع الثقافي والعجرفة التي سلكها الحكام العامون في عهد الجمهورية الثالثة، سيما ديقيدون، وشانزي، وتيرمان، نحو الجزائريين جعلت صوت الجيل الأول يكاد يخفت ويتلاشى. ولم يظهر صوت الجيل الثاني من دعاة تقليد الفرنسيين وتعلم علومهم إلا أواخر القرن. ذلك أن السياسة المذكورة قد جعلت الجزائريين يتقوقعون على أنفسهم ويحسون أنهم مستهدفون بالانقراض والذوبان في غيرهم، فتمسكوا بما عندهم وطالبوا باحترام عاداتهم وتقاليدهم ولغتهم ودينهم. وذلك في سلسلة من العرائض ابتداء من الثمانينات. عبد القادر المجاوي وجيله: وقبل أن نذكر ذلك نشير إلى الكتيب الذي أصدره الشيخ عبد القادر المجاوي سنة ١٨٧٧ وسماه (إرشاد المتعلمين). وهو كتيب طبع في مصر ولم يدخل الجزائر منه إلا نسخ قليلة، ولا نظن أنه حظي بعد ذلك بتوزيع يشبه توزيع جريدة المبشر. وكان بإمكان المجاوي أن ينشر أفكاره في هذه الجريدة لو أراد. ولكنه فضل أن يدعو إلى العلم والأخذ بأسباب الحضارة بطريقة محايدة وغير مرتبطة بالتمدن الفرنسي، كما فعل زملاؤه السابقون، فقد استوحى التراث الإسلامي. وكان يعرف أسباب نهوض وسقوط الأمم، وتقدم العلوم في الأمة الإسلامية في عصورها الذهبية، فدعا قومه إلى النهضة العامة متأثرا، ربما بالنهضة العربية - الإسلامية في المشرق على يد الأفغاني وخير الدين التونسي. ثم إن المجاوي كان قد عاش في المغرب الأقصى وتلقى علومه هناك، فكان تازه الأول تأثرا إسلاميا عربيا لا فرنسيا. وقد جاء إلى قسنطينة مدرسا حرا، ثم أصبح أستاذا في مدرستها الشرعية - الفرنسية. وكانت أفكاره في الكتيب

стр. 2788

المذكور تلقى على تلاميذه أيضا، وقد كان من بينهم من كان يتجسس على أقواله وأفعاله. ولم يسلم مع دعوته للنهضة والتقدم، من هجوم الصحافة الاستعمارية على أفكاره لأنها ليست كأفكار الشيخ محمود ولا مصطفى بن السادات نابعة من المحيط الفرنسي، وصدى لما تنشره المبشر وإدارة الشؤون الأهلية والمكاتب العربية. نحن مع المجاوي في السبعينات أمام دعوة للتعلم والنهوض، على الطريقة العربية الإسلامية وليس على الطريقة الفرنسية. دعا إلى تعلم اللغات وليس اللغة الفرنسية، كما فعل زملاؤه، ودعا إلى تقليد الغربيين في العلوم الجديدة وليس في كل شيء. لم يكن المجاوي منبهرا كبعض زملائه ولا مسلوب الفكر، بل كان معتزا بماضيه وحضارته. ولم يكن حسب علمنا قد زار فرنسا، كما أنه لم يكن يتكلم الفرنسية. ولكنه رأى أن من سنن الله والتاريخ والحياة التداول على العلم والحكم والقوة. فدعا قومه إلى أن يعرفوا مكانتهم بين الشعوب. ومن ثمة جاءه النقد الشديد من غلاة المستعمرين بعد اطلاعهم على كتيبه، حتى اعتبروه أجنبيا عن الجزائر (١). ... قيل عن لويس تيرمان، الحاكم العام للجزائر خلال عشر سنوات تقريبا، إنه هو صاحب المقولة الشهيرة: أن أعداء فرنسا ليس هم العرب ساكني الخيام، بل هم الذين علمناهم لغتنا ورفعناهم إلى درجتنا. وكان تيرمان حاكما خلال عقد الثمانينات. فمن هم الجزائريون الذين علمهم الفرنسيون عندئذ لغتهم ورفعوهم إلى درجتهم؟ لو كان الأمر يتعلق بعقود لاحقة لوجدنا مبررا لما قاله بالنسبة للأمير خالد وأحمد مصالي والأمين العمودي مثار. ولكن من هم المتعلمون أعداء فرنسا خلال الثمانينات؟ لا

стр. 2789

شك أنه يعني بعض أصحاب العرائض الذين رفضوا التعسف نحو القضاء الإسلامي واللغة العربية وسياسة التجهيل التي كانت تتبعها حكومة الجمهورية الثالثة، ونحو الحالة المدنية التي أنشأها تيرمان نفسه، وقانون الأهالي البغيض. إن سادة الجمهورية الثالثة قد حسبوا أن الطريق قد أصبح ممهدا أمامهم ليفعلوا بالجزائريين ما يشاؤون فإذا بأمثال حميدة بن باديس وبوشناق، ومحمد بن رحال والطبيب ابن العربي وأضرابهم يكتبون المقالات المضادة للإجراءات المذكورة ويدبجون العرائض الموقعة من مختلف الفئات دفاعا عن المحرومين من (العرب ساكي الخيام) كما يقول تيرمان، وكذلك ساكني المدن. إن جيل الثمانينات والتسعينات لم يتجاوز في دعوته إلى التقدمية الخطوط الحمراء. كان جيلي ما يزال مرتبطا بالماضي وبالأرض ومعتزا بلغته ودينه، رغم ابتعاده عنهما بالتدرج. تقول عريضة ترجع إلى سنة ١٨٩١، وهي ترد على من يقول إن الجزائريين هم الذين لا يرسلون أولادهم إلى المدارس وأنهم متعصبون: أننا لا نستحي من القول بأن الدافع للبعض منا عدم إرسال أولادهم إلى المدارس الفرنسية هو تأكدهم من عدم تدريس اللغة العربية بها وخوفهم على إفساد عقولهم وأخلاقهم فيها، ونسيانهم لماضيهم وأصولهم ودينهم. ولا يرجع ذلك، كما تقول العريضة إلى التعصب الديني لأن (شعائرنا هي الكبرى والرائعة لكل جنس يروم تغطيتها). وقالوا إنهم على استعداد لإرسال أولادهم إلى المدارس إذا تحققوا أنها تدرس لهم بالعربية (١). وقد ظلت الخطوط الحمراء قائمة أمام المتعلمين خلال التسعينات أيضا. كانوا في الغالب مزدوجي التعليم ولكن ثقافتهم العربية الإسلامية تجذبهم إلى اتخاذ مواقف ضد الاندماج. كانوا ما يزالون محافظين على

стр. 2790

أصالتهم ومعتزين بهويتهم رغم حالة الرعية والبؤس التي كانوا عليها. ومن هذا الجيل برز محمد بن رحال ومحمد بن العربي، وحميدة بن باديس، وكانت دروس المجاوي وأمثاله تكون جيلا آخر سيقف بالمرصاد ضد موجة التفرنس التي انطلقت مع فاتح القرن. وسيكون أصحاب هذه الموجة هم بلقاسم بن التهامي، وعلي بوضربة، وإسماعيل حامد، والطيب مرسلي. وكان هؤلاء يسمون بالنخبة (elite)، وهو اسم خادع، فهو من التعابير الموروثة عن العهد الاستعماري مثل التقدم المقصود به الاندماج، ومثل التعاون المقصود به الاستعمار الجديد. كما أن تعبير (النخبة) يعني أن غيرهم غير نخبة، ومن ثمة يكون غيرهم متخلفا ومنغلقا على نفسه. نماذج من المثقفين والاندماجيين محمد بن رحال: يعتبر محمد بن رحال من أبرز عناصر هذا الجيل الذي أراد الفرنسيون أن يجعلوا منه وسيطا بينهم وبين الجزائريين، فجمع بين الثقافتين وبين اللغتين، وتوظف عندهم، ولكنه لم يتخل عن أصوله وتراثه الوطني والديني. فرغم الجاه العائلي والمكانة الاجتماعية كان ابن رحال صوت الجزائر العميقة وصوت التاريخ، ولم ينسه الوظيف والاعتبار المعنوي لدى الفرنسيين الدفاع عن الثقافة واللغة العربية والحضارة الإسلامية. ولم يكن في ذلك وحيد زمانه وإنما كان أكثر معاصريه تعبيرا عما يجيش في صدور المواطنين من تطلعات. كان يمكن أن يذوب في الثقافة الفرنسية وينبهر بالنظم والمخترعات الفرنسية، ولكن حصانته العربية الإسلامية وارتباطه بالجذور جعلته يدعو إلى التطور وليس إلى الاندماج ويواجه الفرنسيين في مختلف المناسبات بمطالب هي من صميم الانعتاق للشعب. حياة محمد بن رحال ذات جوانب عديدة. فهو رجل علم ودين، وهو قايد ونائب مالي (برلماني)، وهو مؤلف وباحث وأديب، ثم إنه رجل مدافع

стр. 2791

عن العربية والإسلام في وقت اعتقد فيه الفرنسيون أن أمثاله لن يدافع إلا عن الفرنسية والاندماج. كما كان ابن رحال صاحب زاوية. ولا نريد أن نعالج كل ذلك هنا، لأن كل جانب من حياته له مكانه في هذا الكتاب، وإنما نكتفي في هذه الفقرة بموقفه من الحضارتين العربية والفرنسية. فقد ولد بمدينة ندرومة سنة ١٢٧٠ هـ ١٦ مايو، ١٨٥٧. وكان أبوه حمزة بن رحال من رجال القضاء للأمير، وكان أيضا أديبا ومن أتباع الطرق الصوفية يقول البعض إنها الدرقاوية ويقول آخر إنها القادرية (١). وعندما دالت دولة الأمير أبقاه الفرنسيون على وظيف القضاء، ثم ولوه وظيفة الآغا، وزادوه بسطة في الأرض والمال خلال الخمسينات. ولكن مرسوم ١٨٦٣ غير الأوضاع وجعل الأرض تنتزع من أصحابها باسم الملكية الفردية. فتأثر الشيخ حمزة وترك الأمر في سنة ١٨٧٨ لإبنه وخليفته محمد الذي لم زد لقبه على لقب القايد بدل الآغا، إضعافا لمكانة العائلة، ولكن محمد ضاقت نفسه بهذا المنصب الفارغ من المحتوى فاستقال منه سنة ١٨٨٦ وتفرغ بعده للحياة السياسية والدينية والعلمية. عنى الشيخ حمزة بابنه محمد فرباه تربية قديمة وجديدة وحصنه من الذوبان رغم المغريات. فعلمه في المدرسة القرآنية بالزاوية، وفي المدرسة العربية - الفرنسية الابتدائية، ثم أرسله إلى الجزائر حيث المدرسة السلطانية (الكوليج) التي كانت تستقبل أبناء الموظفين الجزائريين لتجعل منهم وسطاء، كما قلنا، وكانت مدرسة مزدوجة اللغة. وقد صادف وجوده فيها سقوط نظام نابليون وقيام الجمهورن الفرنسية التي ألغت المدرسة وألحقت طلابها بالليسيه. ولذلك أكمل محمد دراسته في هذه الثانوية (الليسيه)، وبعد تخرجه منها سنة ١٨٧٤ رجع إلى ندرومة ليساعد أباه في وظيفه، فكان خليفته إلى أن تخلى له الوالد عن المنصب، كما ذكرنا.

стр. 2792

ومنذ الثمانينات انطلق قلم وفكر محمد بن رحال في خدمة القضية الجزائرية والفكر العربي - الإسلامي. نشر عن التعليم العمومي في البلاد العربية، وعن السودان في القرن السادس عشر، كل ذلك عندما كان في الثلاثين من عمره. وقيل انه كان عندئذ صديقا ليوجين ايتيان، نائب الكولون والمسؤول على شؤون المستعمرات في الحكومة الفرنسية. وكان ابن رحال يكتب بالفرنسية. ولكنه منذ التسعينات دخل المسرح السياسي والعلمي بقوة. وكانت المناسبة هي مجيء لجنة التحقيق برئاسة جول فيري إلى الجزائر سنة ١٨٩٢. وقد عاش ابن رحال عهد لويس تيرمان، ونشأة قانون الأهالي (الاندجينا) البغيض، وتجريد القضاة المسلمين من صلاحياتهم، وتغيير الحالة المدنية، فرفع عقيرته أمام اللجنة المذكورة، وجرد قلمه للدفاع عن حقوق الجزائريين في التعليم باللغة العربية، وفي التمثيل البرلماني، والمحافظة على تطبيق الشريعة الإسلامية، ومن أجل ذلك سافر مع زميله محمد بن العربي إلى فرنسا لتبليغ صوت الجزائريين إلى السلطات الفرنسية. وظهر ابن رحال سنة ١٨٩٧ أمام. مؤتمر المستشرقين مدافعا عن الإسلام وقدرته على التطور. ونشر سنة ١٩٠١ مقالة بالفرنسية عن (مستقبل الإسلام) في مجلة ذائعة اسمها (المسائل الدبلوماسية والاستعمارية) (١). وقد برز أيضا سنة ١٩١٢ أثناء فرض التجنيد الإجباري فعارضه وتوجه إلى فرنسا على رأس وفد مطالبا بإلغائه، كما طالب بإلغاء الاندجينا سنة ١٩٢١. ما نلاحظه أن محمد بن رحال كان جسرا لمرحلة صعبة (٢). تلك المرحلة التي ظن الفرنسيون فيها أن الجزائر قد أصابها العياء والقنوط من كل مقاومة، ثم المرحلة الأخرى التي ظهرت فيها الحركة الوطنية بزعامة الأمير

стр. 2793

خالد، وكادت خطة الفرنسيين تنجح عندما ظهرت فئة (المطورنين) التي رضيت بالتجنس والزواج المختلط وعضوية الماسونية، واعتبرت أن الجزائري الحقيقي هو الذي عرف حق فرنسا عليه وانفصل عن جذوره الخاوية، كما يقولون، وتعلق بالأغصان اليانعة التي تمثلها الحضارة الفرنسية. هذه هي الملاحظة الأولى على نشاط محمد بن رحال، أما الملاحظة الثانية فهي أن جهوده، رغم قيمتها وقوتها كانت فردية، فهو يكتب ويسافر ويتكلم بصوته وحده تقريبا. فكأنه أديب رومانتيكي متطرف، رغم أنه كان يمثل إلى حد كبير روح الشعب وتطلعاته، كما قلنا. شارك في الجمعيات والنوادي ولكنه لم يؤسسها. ونصح وساهم في تحرير الجرائد ولكنه لم يرأس تحريرها. وحين ظهرت حركة الأمير خالد كان ابن رحال يدب إلى السبعين إذ توفي سنة ١٩٢٨ عن ٧١ سنة (١). الحكيم محمد بن العربي: وكانت مواقف الحكيم محمد بن العربي شبيهة بمواقف ابن رحال فيما نحن بصدده. فهو أيضا من الذين أيدوا ليكونوا وسطاء، من الجيل الثاني الذي نشأ في العهد الفرنسي وتلقى ثقافة مزدوجة وتحصن بالدين وتعلم الطب في الجزائر وباريس. ومع ذلك كان صوت الشعب المضطهد في مناسبات عديدة. ولد في شرشال سنة ١٨٥٠ وتلقى فيها مبادئ القراءة والكتابة والدين والقرآن. ثم انتقل إلى العاصمة ودخل المدرسة العربية - الفرنسية ثم مدرسة الطب، ونال شهادة الدكتوراه من باريس. وعرف إلى جانب الفرنسية اللغة اليونانية واللاتينية. وكان من أصدقائه في باريس الأديب فيكتور هوغو. وبعد رجوعه إلى الجزائر اشتغل طبيبا بعيدا عن العاصمة، ثم دعاه أهلها إلى العمل بها فرضيت السلطات وحولته. ولكن عمله لم يكن هو الطب فقط، بل دخل الحياة السياسية المحدودة عندئذ، وهي النيابة في البلدية.

стр. 2794

ونحب أن نسجل عنه بعض المواقف. الأول أنه زار الأندلس سنة ١٨٨٣ موطن أجداده، إذ كانت أسرته أندلسية الأصل، فتوقف بقرطبة وأشبيلية وغرناطة. وتأمل الآثار واستعاد الذكريات. وكان إعجابه بحضارة الأندلس أكثر من إعجابه بالحضارة الفرنسية التي خالطها في باريس. فلم يسلبه ما عاشه هنا ما تركه الجدود من ذكريات وجذور. والموقف الثاني أنه تولى النيابة في المجلس البلدي في مدينة الجزائر منذ ١٨٨٨، أي في عمق عهد تيرمان. وأثناء ذلك وقعت محاولة هدم الجامعين الباقين، وهما الجامع الكبير والجامع الجديد، وبناء فندقين مكانهما. وكان الحكيم محمد بن العربي، كما قيل، وراء إفشال مشروع (دوردون) الذي وافق عليه الحاكم العام تيرمان (١). أما الموقف الثالث له فهو مطالبة لجنة جول فيري ١٨٩١ بإلغاء قانون الأهالي واحترام القضاء الإسلامي، والتعليم بالعربية. وقد سافر مع زميله محمد بن رحال إلى فرنسا لهذا الغرض أيضا. من الصعب أن نلم بكل جوانب حياة الحكيم ابن العربي هنا. وسنعالج موضوع أطروحته في الطب في فصل العلوم. ولابن العربي أخ في الطب أيضا يدعى قدور، كان يعمل في البلاط التونسي. كما كان له أخ يعمل مترجما عسكريا احتياطيا. فهو إذن من عائلة اختارت أن تدرس الفرنسية ولكن بقاعدة عربية وانتماء حضاري متحمس. وكان ابن العربي ما يزال حيا سنة ١٩٢٧ ولكن في أرذل العمر (٢). ... مع مطلع القرن العشرين ظهرت فئة من الاندماجيين المسلوبين، ولم يكونوا جميعهم سواء في تطرفهم أو جهلهم وتنكرهم لماضيهم. ففيهم

стр. 2795

المتحمسون مثل ابن التهامي وعمر بوضربة وأحمد بوضربة، وابن حمودة. وفيهم المنادون بالاندماج التدريجي مثل إسماعيل حامد والطبيب مرسلي. وفيهم الخاملون الذين كانوا يأكلون الخبز وينتمون فقط إلى هذه الفئة. وفي وقت لاحق ظهر اندماجيون غلاة أيضا، أمثال الزناتي وابن الحاج، ومعتدلون، أمثال فرحات عباس (في المرحلة الأولى) وابن جلول ... وكان محمد صوالح وتامزالي من فئة الاندماجيين الماسونيين، ولنقل كلمات عن بعض هؤلاء. عائلة بوضربة (إسماعيل، أحمد، عمر، علي): كان إسماعيل بوضربة من هؤلاء الشباب الذين اتصلوا بالثقافة الفرنسية مبكرا، وإن كان هو يختلف عن زملائه من عدة وجوه. فهو ابن أحمد بوضربة الذي فاوض الفرنسيين سنة ١٨٣٠ باسم الداي حسين، وهو أيضا ابن المرأة الفرنسية التي كان أحمد متزوجا بها في مرسيليا. وكان إسماعيل من مواليد مرسيليا سنة ١٨٢٣. ووجدنا في وثائق أبيه أن هذا كان يسعى في آخر الثلاثينات لإدخال ابنه إلى المدارس الفرنسية في باريس (لويس لوقران؟) والحصول له على منحة. والغالب أنه نجح في ذلك. ومهما كان الأمر فقد درس إسماعيل في فرنسا وأصبح مترجما مؤقتا سنة ١٨٥٣، ورئيسيا سنة ١٨٧٢. وقضى جزءا كبيرا من حياته في الأغواط مع بعض الضباط الفرنسيين، ومنهم دي باراي الذي وصفه (بالجوهرة). ولثقة الفرنسيين فيه كلفوه بعدة مهمات في مراكش وغات وغدامس ومناطق أخرى من الصحراء. وخاض مع الفرنسيين عدة معارك في الجنوب وجرح جرحا غائرا في إحداها وقتل حصانه تحته. ورافق الضابط بولينياك إلى غدامس ونزل ورقلة. وأصبح إسماعيل بوضربة عضوا في الجمعية التاريخية بالجزائر (كان يشرف عليها بيربروجر)، وعضوا في الجمعية الجغرافية بباريس (١). وعندما توفي بالعاصمة (١٦ نوفمبر ١٨٧٥) كتب على قبره أنه يمثل حلقة وصل في

стр. 2796

مزج الأعراق (١). والمقصود أنه من سلالة عربية وفرنسية. ولا ندري إن كان إسماعيل قد تزوج من فرنسية أيضا وما إذا كان قد تجنس والغالب أنه فعل. وقد كان فعلا يمثل الاتجاه الاندماجي بحكم ميلاده وأعماله وكتاباته. وكان اعتراف الفرنسيين بخدماته دون الجهود التي بذلها من أجلهم. وقد بقيت عائلة بوضربة تمثل نفس الاتجاه بعد ذلك. ففي أوائل هذا القرن وجدنا بعض أسمائها في قائمة المتجنسين والعاملين على الاندماج والفرنسة. ومنهم المحامي أحمد بوضربة الحفيد فقد كان سنة ١٩٠٤ محاميا في محكمة الاستئناف بالعاصمة. وألقى في ١٢ مارس ١٩٠٤ محاضرة في (جمعية الدراسات السياسية والاجتماعية)، قال فيها إن الشريعة الإسلامية ما هي إلا أسطورة لا يفهمها المسلمون وهم لا يطبقون تعاليم القرآن. وكان بذلك يرد على من يقول إن قوانين الاندماج ستمس المشاعر الدينية للمسلمين. وفي نظره أن الخوف من ذلك لا يمثل عقبة في وجه الاندماج القانوني. وكان أحمد بوضربة هذا من المتجنسين. ويذهب آجرون إلى أن عبد الرزاق الأشرف قد عارض بوضربة ودافع عن الشريعة الإسلامية، وقد زعم بوضربة أن الشريعة مستوردة. كما ذهب آجرون إلى أن بوضربة كان ابنا لمتجنس، وأنه كان عضوا معروفا في الجمعية الماسونية. وهناك فرد آخر من عائلة بوضربة، وهو عمر، كان أيضا متجنسا، حسب رواية آجرون، وكان من التجار (٢). وفي سنة ١٩١٢ كان الوفد الذي توجه إلى فرنسا باسم الاندماجيين يضم واحدا من عائلة بوضربة أيضا (ولعله عمر). وإذا صدقنا الروايات الفرنسية فإن لجنة فيري سنة ١٨٩٢ قد تلقت اقتراحا من أحمد بوضربة بن حسن يطالب بتجنيس المسلمين بالتدرج مع

стр. 2797

المحافظة على الأحوال الشخصية. وفي مقابل ذلك يخدم أهل المدن في الجيش الفرنسي. أما الوظيفة العمومية فتبقى مقصورة على المتجنسين فقط من المسلمين (١). ونلاحظ أن الجزء الأول من الاقتراح يكاد يكون هو نفسه الذي تبناه موريس فيوليت بين الحربين واحتضنه ابن جلول وفرحات عباس. ويبدو أن اقتراح بوضربة كان متقدما وتبني المؤتمر الإسلامي له كان متأخرا. وقد بالغ عمر بوضربة فاستنكر سنة ١٩١١ وجود السلك الديني الإسلامي (الهيئة الدينية)، وقال إن الإدارة الفرنسية تشغله لصالحها لكي تسيطر به على الأهالي. ولعله كان على حق في ذلك. ويبدو أنه كان متحرراه (ولائكيا) أو علمانيا جدا، إذ كانت تلك الظروف تشهد فصل الدين عن الدولة. ولا غرابة في اعتناقه هذا المذهب بالنسبة للإسلام أيضا فقد كان، كما أشرنا ماسونيا أيضا، ومتجنسا. أما من حيث المهنة فقد كان تاجرا. ومهما كان الأمر فقد احتج عليه علماء السلك الديني لأنه نادى بتحرير الأهالي من نفوذهم، لأنهم، في نظره، يعوقون التطور (٢). ولا ندري الآن ما إذا كان يعني رجال الدين مطلقا، بمن فيهم شيوخ الزوايا، أو كان يقصد هيئة الموظفين كالأيمة والحزابين. ذلك أن الهيئة الأخيرة قد فقدت في الواقع كل نفوذ لها على العامة. أما رجال التصوف فما يزال لهم تأثير كبير. وكان علي بوضربة أحد هذه الأسرة التي ارتبطت بالاندماج. وقد عاش فترة قصيرة من عمره، ولكنه مع ذلك حصل على درجة الدكتوراه في الطب، فكان من النوادر في ذلك بين الجزائريين. وهو ابن محمد بوضربة أخو إسماعيل سابق الذكر، وكان محمد متوليا للفرنسيين خزينة الأوقاف قبل

стр. 2798

إلغائها (١). وقد تزوج علي بوضربة أيضا من فرنسية مثل جده، وكانت بدورها تمارس مهنة القابلة - الطييبة في العاصمة. وتولى أيضا النيابة في بلدية الجزائر سنوات طويلة على أساس أنه يدافع فيها عن حقوق الأهالي. وقد قال عنه رئيس البلدية الفرنسي (التيراك) أن علي بوضربة كان الأكثر ارتباطا بالنظم الفرنسية والتطور الحضاري. ونعاه زميله إسماعيل حامد سنة ١٩٠٧، ولما يتجاوز الثالثة والأربعين (٢). الحكيم الطيب مرسلي: وهو أيضا طبيب جزائري من وهران، أبوه كان ضابطا في فرسان الصبايحية في الجيش الفرنسي. وكان أولاد هؤلاء الفرسان مبجلين في دخول المدارس الفرنسية، ومنها مدرسة الطب. ويقال إن الطبيب مرسلي هو أول طبيب مسلم تخرج منها. وقد انتقل للعمل في قسنطينة واستوطنها بدون أن نعرف التواريخ المضبوطة عن حياته. وقد شارك الأعيان في قسنطينة نشاطهم وعرائضهم، فوجدناه يوقع مثلا عريضة ١٨٩١ التي قدمت للجنة جول فيري. وتزوج هذا الطبيب من فرنسية، وأخذ الجنسية الفرنسية أيضا بمقتضى مرسوم ١٨٦٥ الذي كان يشترط للحصول عليها التخلي عن الأحوال الشخصية الإسلامية. ومع ذلك تنعته الوثائق الفرنسية (بالحاج الدكتور) لأنه أدى فريضة الحج. وقد كلفته السلطات الفرنسية بمهمة في جدة سنة ١٨٨٥، تتعلق بانتشار وباء الكوليرا، ونال على مهمته ميدالية فضية. ألف الطبيب مرسلي كتابا سماه (المسألة الأهلية) (٣). طرح فيه كل ما

стр. 2799

يهم الجزائريين عندئذ من تمثيل برلماني وحقوق وضرائب وقوانين استثنائية (الاندجينا). وعند تأسيس نادي صالح باي أصبح من وجوهه إلى جانب ابن الموهوب والفرنسي (أريب). وبعد إعادة تنظيم المدارس الشرعية الثلاث عين مرسلي لإعطاء درس في الصحة العامة لتلاميذ مدرسة قسنطينة. وكان له احترام بين الأهالي رغم أنهم يعتبرونه (مطورني) أو متجنسا، وهو في نظرهم خارج عن الدين الإسلامي. ومن جهته كان يتقرب للأهالي ظاهريا ولكنه في حياته الخاصة، حسب زميله إسماعيل حامد، كان يعيش عيشة فرنسية. وفي سنة ١٩٠٧ ألقى مرسلي كلمة في حفل توزيع الجوائز في مدرسة جول فيري الأهلية بقسنطينة، وهي مدرسة ابتدائية. وقد ألح فيها على مبدأ الاندماج والمشاعر المشتركة التي رسخها، كما قال، الدم المشترك بين الفرنسيين والجزائريين، وهو يقصد الدماء التي سالت منهم في المعارك التي خاضوها من أجل فرنسا مثل حرب القرم والحرب السبعينية وإيطاليا والمكسيك، وخاطب التلاميذ بأن يكونوا أفضل من آبائهم في وضع اليد في اليد (التعاون) مع الفرنسيين للسير قدما إلى مستقبل واحد، وقال: (علينا أن نكون فرنسيين بالمشاعر والقلوب، نحن الذين تربينا على نفس المقاعد كالفرنسيين الصغار). وقد هنأه الحاضرون على خطابه الناجح في نظرهم، وقالت مجلة العالم الإسلامي أنه من الشخصيات الأهلية الأكثر تعاطفا مع العالم الأوروبي، وكذلك مع العالم الإسلامي. وكان الطيب مرسلي ما يزال إلى سنة ١٩٠٧ يمارس أيضا الطب في المستشفى المدني بقسنطينة (١). وقد عاصر جيلا من القضاة والعلماء في قسنطينة يبدو أنهم قد أثروا على مواقفه، فالمحيط الخارجي له دوره في توجيه الإنسان. فقد كانت قسنطينة على عهده تعيش على أفكار المجاوي وتلاميذه، وحميدة بن باديس، وحمدان الونيسي

стр. 2800

وصالح بن مهنة، وهو ما سماه مالك بن نبي عهد (الإصلاح المحلي). إسماعيل حامد: نملك عن إسماعيل بن أحمد حامد معلومات طيبة، ولكنها غير كافية، وهي مستخرجة من كتاباته في الأغلب؛ ولكننا لا نملك عنه حتى الآن ترجمة وافية. ولد بالعاصمة في ٤ غشت ١٨٥٧، ودرس بها العربية والفرنسية، ولكننا لا ندري مدرسته وشيوخه. وبناء على كتاباته فإنه كان متمكنا من اللغتين، ولا سيما الفرنسية التي كتب بها كتبا ومقالات تاريخية وأدبية. وقد أصبح من المترجمين البارزين في الجيش الفرنسي إذ تصفه المصادر بأنه كان المترجم الرئيسي في قيادة الأركان العامة، وكان هو نفسه من الضباط. ولعله قد تخرج من المدرسة السلطانية (الكوليج) وأكمل في الليسيه على غرار ما فعل محمد بن رحال. فهو وإياه متعاصران ومتشابهان في الثقافة والظهور، وإن كان كل منهما له مراجعه العائلية وانتماءاته وعقيدته في التراث الإسلامي والحضارة الأوروبية. ظهرت كتابات إسماعيل حامد منذ التسعينات. كان يكتب في المجلة الأفريقية ثم مجلة العالم الإسلامي، وفي غيرهما. وقد أصدر كتابه (مسلمو شمال أفريقية) سنة ١٩٠٦ وأيد فيه تيار الاستغراب والتفرنس وشايع فيه السياسة الفرنسية الجديدة التي تبناها جول كامبون وشارل جونار. وقام بمهمات للسلطات الفرنسية في المغرب الأقصى وأفريقية، عندما كانت السياسة الفرنسية تعمل على التدخل في هذين الاتجاهين. كانت رحلته إلى المغرب سنة ١٩٠٠ حيث قضى خمسة أشهر وكتب انطباعاته ونشرها في المجلة الأفريقية. ولكن تقاريره السرية لم تظهر عندئذ. وكان حامد من الجزائريين الرواد للاستشراق الفرنسي في المغرب وكذلك للإدارة أمثال محمد بن أبي شنب وعمر (سعيد) بوليفة ومحمد نهليل. كما كان أحمد مجقان وابن حمودة والجنيد أحمد مكي في أفريقية الغربية والوسطى. ويعتبر إسماعيل حامد رائدا فى الكتابة عن السودان الغربى وأفريقية الغربية الإسلامية والتعريف بمصادرها .. ولكن دوره في ذلك ما يزال مجهولا عند المعاصرين.

стр. 2801

وبالنسبة لأفريقية العربية - الإسلامية نشر إسماعيل حامد مجموعة من الدراسات وعرف بالعديد من المخطوطات. وكانت أعماله تتسم بالعمق والاستيعاب كاستخدام المصادر والتعاليق والمقارنات مما يدل على ثقافته الواسعة ومنهجيته. وقد ترجم الكثير من النصوص إلى الفرنسية. فهو من هذه الناحية (مستشرق جزائري). أفاد حامد المستشرقين الفرنسيين واللغة الفرنسية بأعماله، ولكنه أيضا أفاد التراث العربي الإسلامي بالتعريف به وإلقاء الضوء عليه. من ذلك ترجمة كتاب (نور الألباب) في الفقه والتصوف والأحكام، للشيخ عثمان بن محمد بن عثمان المعروف بابن فوديو. وهو من بلاد الهوسة (بلاد الحوس كما كتبها). والكتاب يتحدث أيضا عن حالة الجهل والخرافة التي أصابت المسلمين في هذه المنطقة، وقد دعا إلى الخروج منها أو من عهد البلوى، كما يسميه ابن فوديو. وكان ابن فوديو سلطانا على تلك البلاد، ومن المصلحين المسلمين. وقد نشر حامد النص العربي والفرنسي (١). وفي نطاق الأدب العربي والحضارة الإسلامية في أفريقية والصحراء نشر إسماعيل حامد عدة أبحاث نذكر منها: (الأدب العربي الصحراوي) سنة ١٩١٠. وبعد جولة عامة في التاريخ تحدث عن كتاب مخطوط في التصوف والتاريخ والتراجم عنوانه (كتاب الطرائف والتلائد في كرامات الشيخين الوالدة والوالد) من تأليف محمد بن المختار بن أحمد بن أبي بكر الكنتي، المتوفى ١٨٢٦. والكنتي هذا من الأزواد. ويقع المخطوط في ٣٧١ ورقة. وللكنتي أيضا كتب أخرى مثل (الشموس الأحمدية) و (هداية الطالب) وقد عرضهما إسماعيل حامد، سيما كتاب (الطرائف) الذي حلله في مقالتين طويلتين (٢). وفي بحثه (الحضارة العربية في أفريقية الوسطى) أورد واسماعيل حامد

стр. 2802

معلومات هامة تتعلق بالتجارة القديمة وجوانب التعامل الحضاري، وطرق انتشار الإسلام واللغة العربية في هذه المناطق، وهي النيل، وليبيا، والجزائر، والمغرب الأقصى. ومن مصادره في هذه الدراسة رحلة عمر التونسي وكتاب تاريخ السودان، وأشعار دينية عديدة، وتراجم، ومخطوطات مختلفة، مثل كتاب (الطرائف) سابق الذكر (١). كان إسماعيل حامد مهتما بالخصوص بموريطانيا والسينيغال. فقد نشر بحثا بعنوان (ناصر الدين) - وهو أحد الأولياء - ووعد بنشر الكتاب الذي يفصل ذلك بنفس العنوان عن (موريطانيا السينيغالية) - كما قال. وأورد في هذا البحث معلومات أخرى عن التجارة والموارد الطبيعية في الصحراء الغربية عندئذ (٢). كما تحدث عن (كتاب الأنساب). ولإسماعيل حامد أيضا بحث مهم سماه (المدن الصحراوية) ومنها تمبكتو وشنقيط وولاته، وعابير (٣)، الخ. وقد اعتمد في بحثه هذا على كتب ومصادر سودانية مثل مؤلفات أحمد بابا وتاريخ السودان. وقد يكون إسماعيل حامد أول العرب والمسلمين الذين كتبوا دراسة مطولة وموثقة عن الكنتيين وزاويتهم وصلحائهم وتجارتهم وعلاقاتهم. وهم، حسب الدراسة، من أحفاد الصحابي عقبة بن نافع، وقد أورد القصص حول التطورات التاريخية للمنطقة والعائلة الكنتية. وجاء بمؤلفات عربية وأوروبية، وذكر تاريخ أحمد البكاي المرابط الشهير صاحب الزاوية القادرية، وشجرة العائلة

стр. 2803

النسبية (١). والمعروف أن المنطقة كانت قد دخلت أيضا في الصراع السياسي بين الفرنسيين والإنكليز، ولعب في ذلك أحمد البكاي القادري والحاج عمر التجاني أدوارا في ذلك الصراع. وبذلك يتضح دور إسماعيل حامد في دراسة النشاط الإسلامي بأفريقية، وفي التوغل الفرنسي هناك، وفي خدمة الرؤية الاستشراقية المعاصرة. ونحن نجده من المساهمين البارزين في مجلة العالم الإسلامي منذ إنشائها كما يدل على ذلك فهرسها لسنوات ١٩٠٦ - ١٩١١. فقد غطى فيها موضوعات عديدة بعضها طويل، كما ذكرنا، وبعضها قصير، مثل تتبعه للصحافة المصرية، والمؤتمرات الإسلامية، وحياة المسلمين في المشرق والمغرب، والتجارة الأهلية، والطرق الصوفية، والتعليم العربي في مصر، والفتاوى التي كانت تصدر في مجلة (المنار)، والطريق بين حلب وبغداد، وعلم الكلام عند الحنابلة، والرحلات الإسلامية، بالإضافة إلى نبذ عن حياة زملائه في الجزائر مثل بلقاسم بن التهامي عندما عين مديرا لعيادة طبية، والطيب مرسلي عندما خطب في التلاميذ بقسنطينة حول الاندماج، وعلي بوضربة (٢) عند وفاته. في يناير سنة ١٨٩٩ ذهب إسماعيل حامد إلى المغرب الأقصى في مهمة خاصة من السلطات الفرنسية. ويبدو أنه لم يتوغل فيه كثيرا، وإنما أقام في وجدة يتنصت الأخبار ويجمع المعلومات. ولا ندري نوعية المعلومات التي كان مكلفا بجمعها، ولكن ما نشره بعد قضاء خمسة أشهر هناك لا يخرج عن الموضوعات التي تهم كل زام فضولي لبلد غني بالحياة والنشاط والتناقضات. فمقالته أو رحلته تضمنت وصف العادات والتقاليد، واللهجة، والأسواق، والإدارة، ونفوذ السلطان، والموسيقى، والجالية الجزائرية بوجدة. وقال إنه كان سيقضي هناك بين ثلاثين وأربعين يوما ولكن (ظروفا) جعلته يمدد إقامته إلى خمسة أشهر دون أن يفصح عن هذه الظروف. وقد

стр. 2804

يكون ذلك بأمر من السلطات الفرنسية نفسها للحاجة إليه هناك. وقد يكون ذهب إلى وجدة من وهران. وأخبر أن إدارة وجدة سنوات ١٨٤٤ - ١٨٥٩ كانت تحت الإدارة الفرنسية. وخلاصة رأي إسماعيل حامد أن على فرنسا أن تحتل المغرب الأقصى (١). وقد اشتملت رحلته أو مقالته الطويلة على خريطة. وأظهر أنه عالم بفن الموسيقى أيضا إذ جاء بثلاث صفحات من النوطة الموسيقية المغربية، وخصص لها بعض الصفحات من الرحلة وأخبر أن كل الناس هناك يحبون الموسيقى. ولعل دراسة وضع الجالية الجزائرية في وجدة كان جزءا من مهمة إسماعيل حامد أيضا، فقد قال إنك تجد فيها كل أنواع الجزائريين: الهاربين من كايان، والمنفيين، واللاجئين من كل صنف، والفارين من الخدمة العسكرية، وقال إنهم جميعا يخفون حياة لا أحد هناك يسألهم عنها. ومن بينهم امرأة حاجة كانت تعرف الفرنسية، وجاءت، بعد سنوات من التجوال، تبحث عن (كافر)، حسب تعبيره، فر من بيت الزوجية في قسنطينة، إلى وجدة حاملا ما سرقه منها من ملابس فاخرة وحلى ثمينة. فهل هذا يعني أن هذه الحاجة كانت متزوجة من فرنسي وسرقها ثم هرب عنها؟ إن إسماعيل حامد قد ترك ذلك لفطنة القارئ، ولعله قد أفصح عنه في تقريره السري (٢). وفي رحلته المغربية قارن إسماعيل حامد بين الجزائريين وأهل المغرب الأقصى في التوجه إلى الحج، وهو الموضوع الذي سيعالجه أيضا في كتابه عن مسلمي شمال أفريقية. قال إن الجزائريين لم يعودوا يتوجهون إلى المشرق ولا إلى السودان، وحتى في أداء فريضة الحج، فهم يتناقصون. ويرجع ذلك إلى الاحتلال الفرنسي. بينما يذهب أهل المغرب الأقصى إلى المشرق بكرة للحج وغيره (٣). وهو لم يفصح عن ذلك في رحلته إلى وجدة، ولكنه في كتابه المذكور أرجعه إلى اليقظة العقلية وضعف الحماس

стр. 2805

الديني عند الجزائريين. وهو هنا يعمم ولا يخصص، ولكن حديثه يفهم منه أنه كان يقصد المستغربين أمثاله ودعاة الاندماج الذين لم يعد يهمهم أمر المشرق، إنهم أصبحوا يتوجهون إلى فرنسا. والغريب أنه لم يذكر، وهو عليم بذلك، محاولات السلطات الفرنسية منع الحج على الجزائريين متعللة لذلك بشتى العلل (١). لا نعرف إن كان إسماعيل حامد من المتجنسين وما إذا كان متزوجا من فرنسية كغيره من المستغربين عندئذ. ولكن دعوته إلى الاندماج الحضاري كانت واضحة، فرغم اطلاعه على أحوال العالم الإسلامي، وهو استثناء لأن معظم المستغربين كانوا منقطعين فكريا عن العالم العربي والإسلامي، بل حتى عن مواطنيهم في الجزائر، قلنا رغم ذلك، فقد كان يدعو إلى تذويب المجتمع الجزائري في الحضارة الفرنسية. ولعل ذلك هو ما جعل باحثا مستشرقا أمريكيا، وهو لوثروب، يعتبره من (المصلحين) المسلمين في الجزائر. وقد نسب إليه المقولة التالية: (لا تقاس حضارة أمة بما في كتبها الدينية من السطور والعبارات، بل بما تقوم به تلك الأمة من الأعمال) (٢) وهو قول في غاية الحكمة والمنطق. وأضاف إليه مقولة أخرى وهي: (كان للاتجاه الغربي مبلغ كبير من التأثير في جمهور ليس بالقليل من مسلمي الجزائر الذي وإن كانوا ما برحوا مسلمين في الظاهر، فهم يجهلون حد ما وصلت إليه روحهم الدينية من التلاشي) (٣). لفت إسماعيل حامد إليه الأنظار منذ صدور كتابه (مسلمو شمال أفريقية)، لأنه دعا فيه إلى أن تلعب (النخبة) دورا رئيسيا في الحياة السياسية، وأبرز التطورات التي حدثت في الجزائر أثناء الاحتلال الفرنسي، ومنها تخلي الجزائريين تدريجيا عن تقاليدهم وأفكارهم القديمة كالتعصب الديني، في نظره، وتطلعهم إلى التعلم وتقليد الفرنسيين، وابتعادهم عن الشرق والحياة
следующие страницы →