← Указатели

Указатели · id 14100

تاريخ الجزائر الثقافي

أبو القاسم سعد الله

Полный текст (5 019 стр.). Показаны 2731–2770 · переход к 2736.

стр. 2731

١٩٠٠ بالجزائر بعد معاناة من أمراض المناطق الاستوائية، ولكن هذا المصدر لم يحدد بالضبط تاريخ وفاته، إنما ساق خبرا يفهم منه ذلك، وهو أن الإنكليز قد أخبروا أن أحمد بن مجقان قد قتل سنة ١٩٠٠ بعد صدام مع قوات رابح في باجيرمي (التشاد). ويشكك المصدر في أن الإنكليز قد يكونون أذاعوا ذلك عنه استنادا إلى خبر خاطئ أو يتعلق الأمر بمترجم جزائري آخر. ومهما كان الأمر فإن أعمال ابن مجقان كانت في ميدان الترجمة الشفوية والعمليات العسكرية لصالح الفرنسيين. وليس لدينا ما يدل على أنه كتب مذكرات أو رحلة، رغم أن المجلة المذكورة تمنت أن يراسلها من أفريقية. ويظهر أنه كان متعلما حاذقا وشجاعا ومخلصا لقضية أخرى غير قضية بلاده. وقد وظف كل طاقته لها. ويذكر السيد كريستلو، الذي عرف المنطقة التي عمل فيها ابن مجقان في افريقية، أن أهل يولا ما يزالون إلى اليوم يذكرون باندهاش قصة ابن مجقان بينهم (١). ومن المترجمين العسكريين السيد رجم، الذي لا نعرف سوى أنه كان من قسنطينة، من عائلة شهيرة بها، وأنه كان حائزا على الباكلوريا في الآداب والعلوم، وكان يحسن العربية والفرنسية، وكان مترجما للضابط الفرنسي، جنتيل Gentil، في باجيرمي نواحي تشاد. وقد اتهم رجم بالتدخل في الشؤون السياسية المحلية، كما يقول كريستلو. ويبدو أنه رجع إلى نشاط الطريقة السنوسية، إذ زار زاويتها في بئر علالي مع الضابط المذكور فقبض عليه وسجن، ولا ندري الآن مصيره بعد ذلك (٢). وقد أثار أحد هؤلاء المترجمين ضجة في آخر القرن الماضي، وهو

стр. 2732

مسعود الجباري. فهو مثل أحمد بن مجقان، من خريجي مدرسة ترشيح المعلمين (النورمال). وكان يمتاز بالذكاء وازدواجية اللغة والطموح. ولد بنواحي عنابة، وبعد حصوله على الشهادة وظفه الفرنسيون في فرقة الخيالة وأصبح من المترجمين بعد ذلك في الترجمة العسكرية. ثم تولى الترجمة في ميدان القضاء منذ ١٨٨٧. وتجنس أيضا وشارك في أعمال الترجمة بتونس بعد احتلالها. وكان ظهوره قد صادف اهتمام الفرنسيين بالصحراء وعبورها إلى افريقية حيث السودان القديم. ولمؤهلاته جندته الجمعية الجغرافية الفرنسية في باريس للقيام بمهمة بأفريقية سنة ١٨٩٢. فتوجه إلى هناك متنكرا في زي خطاط الرمل وكاتب الحروز (الأحجبة). وقد تجول الجباري في افريقية وبقي هناك حوالي سنتين بين لاقوس وأعالي النيجر. وادعى أنه جمع معلومات حيوية للجمعية وطالبها بدفع تكاليف أدلائه الأفريقيين ولكنها رفضت ذلك. وقيل إنه مرض وحاول الانتحار، وقضى أسابيع في أحد المستشفيات يتداوى من جروحه قبل رجوعه إلى تونس (مايو ١٨٩٤). وفي التقرير الذي كتبه ادعى للفرنسيين أنه أسس جمعية دينية سرية تمتد اثارها من السينيغال إلى أثيوبيا، وأنه عثر على قبر المستكشف كرمبل، وتعرف على أربعة أوروبيين مسجونين عند التوارق من بينهم فلاترز. وألقى الجباري محاضرة في معهد قرطاج (تونس) أعلن فيها هذه الأخبار المثيرة. فصدقه البعض وكذبه آخرون. وبعد أن ذهب إلى الجزائر توجه منها إلى باريس. وفي باريس ألقى محاضرات أمام آلاف المهتمين عن بعثته المثيرة وعن مشاهداته فأثار العجب. وعينت الجهات الفرنسية بعثة أخرى لكي تتحقق من معلوماته سيما فيما يخص فلاترز. وكان الجباري صاحب قلم ولسان فصيحين. فأثر على الجمهور الباريسي بمنطقه. وكتب مقالات في بعض الجرائد وقدم أحاديث إلى أخرى، وذلك في خريف ١٨٩٥. وقد تبنت آراءه صحيفة (لوجور). واهتزت الحكومة العامة في الجزائر فأمر جول كامبون بفتح ملف للتحقيق في مسألة فلاترز. وأجرى الجباري مقالمة مع صحيفة (لو جورنال) وبعث برسالة

стр. 2733

إلى صحيفة (الأخبار)، ثم ألف كتابا صغيرا سماه (الناجون من بعثة فلاترز)، ونشره في تونس سنة ١٨٩٥. ونحن لا ندري إن كان الجباري قد كتب أو ترجم أعمالا أخرى، أو ترك مذكرات وتقاييد سواء عن افريية أو عن حياته الخاصة. ولكنه كان على كل حال من فئة النخبة المتجنسة التي تعاطت الترجمة والعسكرية، ومع ذلك لا نعرف آراءه في الاندماج والحضور الفرنسي في بلاده (١). وهناك مترجمون آخرون ساهموا في هذه البعثات الفرنسية نحو افريقية في آخر القرن الماضي. منهم الفقيه عبدالقادر بن الحاج البوسعادي، والطبيب محمد بن السعيد مقبل، والإداري ميلود بن عبد السلام، والمغامر قدور بن العربي (المملوك). وقد تناولنا هؤلاء بشيء من التفصيل في بحثنا الخاص بهم (٢). ولنشر أيضا إلى السيد العلمي عليش الذي استعان به الصحفي الفرنسي، جورج ريمون، أثناء حرب طرابلس ١٩١١ - ١٩١٢، فقد اصطحب معه هذا المترجم الجزائري لأن ريمون كان لا يعرف العربية ولا التركية. ولا ندري الآن هل كان عليش من العسكريين العاملين في الجيش الفرنسي أيضا أو أنه كان مجرد مترجم حر أو عارف بالعربية والفرنسية (٣). بعد أن استتب الأمر للفرنسيين ونظموا فرق المترجمين في مختلف

стр. 2734

الميادين، ظهر عدد من المترجمين في الإدارة والجيش (المكاتب العربية بالخصوص)، والاستشراق، والقضاء. وقد ساهمت المدارس الشرعية الثلاث ومدرسة الآداب (الكلية) أيضا في تكوين جيش من المترجمين. وتنافس بعض المترجمين في إصدار الكتب والنصوص في مختلف التخصصات. وكان أفضلهم أولئك الذين عملوا في التعليم والإدارة (سيما الأهلية) والجيش. أما القضاء فكان حظ المترجمين للنصوص فيه ضعيفا نسبيا. وكثير من رؤساء المكاتب العربية والبلديات الكاملة أو المختلطة قد ألفوا أعمالا تنم عن معرفتهم للعربية الفصحى والاستفادة من نصوصها وليس مجرد معرفة الدارجة. أما المستشرقون فقد كانوا بالطبع أبرع من غيرهم في ترجمة النصوص والاستفادة من المصادر. وقد وظفوا مواهبهم في ترجمة النصوص من اللهجات العامية والبربرية أيضا وما كانوا يسمونه بالفولكلور. ونحن لو عدنا إلى المجلة الأفريقية أو مجلة الجمعية الجغرافية وغيرهما لعثرنا على أسماء كثيرة في ميدان الترجمة الكتابية. ومعظم أصحابها من الفرنسيين واليهود الذين تجنسوا بالجنسية الفرنسية .. ولعل من بين هؤلاء (اليهود) موريس بن حزيرة، الذي يوصف بأنه ضابط مترجم. فقد قام سنة ١٩٠٥ بدراسة مطولة عن منطقة الطوارق - الهقار -. وكان الجنرال (لابرين) قد كلفه بدراسة المنطقة. وقد تعلم لهجة التماشق (ويسميها التماهق) وكان يعرف العربية (١). كانت الترجمة في البداية عند الفرنسيين وسيلة فهم واتصال مع الجزائريين، ثم أصبحت وسيلة تسلط وإنتاج. يقول فيرو إن الفرنسيين قد فهموا مدى أهمية اللغة العربية وأنها واسعة الانتشار بين الأهالي. ورغم عدم مبالاة الفرنسيين باللغات الأجنبية فقد اضطروا إلى دراسة العربية الدارجة، كما أن البعض قد درس المكتوبة أيضا. ويضيف: ها نحن نرى (سنة ١٨٧٦)

стр. 2735

لغة محمد ﷺ تدرس في ليسيه الجزائر وفي الكوليجات (المتوسطات) البلدية، وفي المدارس الشرعية - الفرنسية الثلاث. وفي نفس الوقت أصدر بعض الأساتذة الفرنسيين معاجم وكتبا في النحو ومجموعة من المؤلفات التعليمية. لقد كان القداس الأول في الجزائر قد ألقاه المترجم العسكري القس شارل زكار، ثم جاء مترجم آخر ليفتتح أول درس بالعربية للفرنسيين، ثم توارد على الجزائر برينية وشيربونو، وكلاهما من مدرسة اللغات الشرقية بباريس، وفي الخمسينات جاء الدكتور بيرون ليتولى إدارة المعهد (الكوليج) العربي - الفرنسي، ثم توالى المترجمون في مختلف المجالات بعد ذلك (١). هكذا صور شارل فيرو مسيرة حركة الترجمة في الجزائر، وهي الحركة التي بدأها شذاذ من كل جنس ودين، وطورها مستشرقون عسكريون، كرسوا حياتهم لخدمة السلطة الاستعمارية ووظفوا لذلك عددا من الجزائريين. فاستفادت اللغة الفرنسية ولم تستفد اللغة العربة أي شيء، بل كانت تموت بالتدرج كما خطط لها أنصار الترجمة من العربية إلى الفرنسية فقط. لقد كانت العربية هي الخاسرة لهذه الأسباب: ١ - سيطرة اللغة الفرنسية في الإدارة والقضاء والصحافة والجيش ثم الشارع، سيما في المدن الرئيسية. ٢ - تدريس اللهجات العربية للفرنسيين والأوروبيين وحتى للجزائريين في المدارس. ٣ - تدريس بعض اللهجات البربرية منذ أواخر القرن الماضي، ثم تسييس تعلمها وجعلها منافسة للعامية والفصحى. ٤ - مهاجمة الإسلام والقرآن من قبل رجال الكنيسة والتقاء آراء هؤلاء مع آراء المستشرقين في كثير من الوجوه. ٥ - اعتبار اللغة الفرنسية هي اللغة الرسمية الوحيدة واللغة العربية لغة أجنبية.

стр. 2736

٦ - معاملة اللغة العربية معاملة اللغات القديمة الميتة، واعتبار العربية الجديدة التي ظهرت مع حركة الإحياء في المشرق لغة أجنبية. تعاون الجزائريين والفرنسيين في مجال الترجمة والجزائريون الذين ساهموا في الترجمة على أصناف، منهم من قام بالترجمة الشفوية فقط ومنهم من قام بالترجمة الكتابية، ومنهم من عاون الفرنسيين دون أن يظهر له جهد باسمه. أما الذين قاموا بالترجمة الشفوية فقد ذكرنا نماذج منهم وهم الذين قلنا إنهم كانوا يسمون بالمترجمين الاحتياطيين، وكانوا على ثلاث طبقات، يبدأون بالثالثة وينتهون بالأولى إذا ترقوا في السلم الوظيفي في الترجمة، ثم يتقاعدون. وفي كثير من الأحيان كانوا يتقاعدون قبل الأوان، ويغيرون مهنتهم في الترجمة إلى مهنة أخرى، وكان مجال نشاطهم محدودا. فلا يخرجون عن الترجمة في الجيش، أي أثناء الحملات العسكرية، فيصبحون أداة للتهدئة ومخاطبة الأهالي بأوامر وتعليمات الفرنسيين. فهم من جهة فرسان وجنود ومن جهة أخرى مترجمون. وقد دخل بعض المترجمين الميدان القضائي أيضا، سيما بعد أن كثرت المحاكم الفرنسية وتقلصت المحاكم الإسلامية، وأصبح الجزائريون يتقاضون أمام قضاة الصلح الفرنسيين. ففي هذه الأحوال تقوى جهاز المترجمين من الجزائريين. واحتاجت السلطة إلى من ينقل الشهادات والأحكام إلى أصحابها وإلى القضاة. ... وهناك علاقات نشأت بين الجزائريين والفرنسيين، ضباطا وعلماء، للتعاون من أجل نقل المعرفة المنشودة. هذا التعاون كان يفترض فيه أن يظهر وأن يأخذ كل طرف نصيبه من التنويه. ولكن الفرنسيين جعلوا من الجزائريين أشخاصا ثانويين جدا. وقلما يذكرونهم في كتاباتهم. وإذا ذكروهم فبإشارة خفيفة لا تنويها بهم ولكن إظهارا للبراعة والروح العلمية في الموضوع الذي

стр. 2737

يقدمونه. ولديا أمثلة كثيرة على مساهمة الجزائريين مع الفرنسيين في المجالات العلمية، كتقديم الوثائق، أو التعاون على ترجمتها، والاشتراك في القواميس الفرنسية العربية، وتقديم معلومات عن قبيلة أو شخصية علمية قديمة. وليس بوسعنا أن نذكر كل ما نعرف عن هذا الموضوع، وحسبنا هنا ذكر نماذج فقط في شكل قائمة مع الإشارة إلى مجال التعاون: ١ - أحمد بن مصطفى بومزراق مع أدريان بيربروجر على ترجمة رحلتي العياشي والدرعي (انظر ذلك في اللجان العلمية). ٢ - محمد ولد السعيد: ترجم مع زيس zeys أعمالا فقهية وقضائية سنة ١٨٨٦. وكان زيس من المتخصصين في الشريعة الإسلامية. ٣ - عبد العزيز الزناقي: قدم قصة بالدارجة التلمسانية ليفهم منها غودفري - ديمونبين الفروق اللغوية، فترجمها هذا ونشرها مع تعاليق في المجلة الآسيوية سنة ١٩٠٩، الجزء الرابع. ٤ - عبد الرزاق الأشرف: عاون الاسكندر جولي على جمع نماذج من الأدب الشعبي، سيما الشعر البدوي، أثناء دراسة جولي للهجات العربية في شمال افريقية، جمع له الأشرف ذلك من نواحي قسنطينة ونقاوس وباتنة سنة ١٩٠٣، وفي مناسبات أخرى. كما ساعده على التعليق على الشعر. ٥ - الغوثي بو علي: تعاون مع ألفريد بيل في عدة مجالات. منها نشر بغية الرواد ليحيى بن خلدون. ٦ - سيدي محمد بن مصطفى: ترجم لألبير ديفوكس الوثائق المكتوبة باللغة التركية إلى العربية، وقام ديفوكس بنقلها إلى اللغة الفرنسية. ٧ - أحمد بن بريهمات: تعاون مع لويس رين على إخراج كتاب في تعلم الفرنسية موجه إلى المتعلمين الجزائريين، وهو كتاب عربي - فرنسي، سنة ١٨٨٢، ١٤٣ ص لكل نص. ٨ - محمد صوالح: ساهم مع فلوري في إخراج كتاب تعليمي - مدرسي.

стр. 2738

٩ - أبو بكر عبد السلام بن شعيب: ساهم مع بول ور في إصدار كتاب فرنسي - عربي، وهران ١٩١٣. ١٠ - الغوئي بو علي أيضا: تعاون مع جورج مارسيه على إصدار النص العربي والترجمة الفرنسية لكتاب (روضة النسرين) في تاريخ بني مرين، باريس ١٩١٧. ١١ - محمد الموسوم (شيخ الشاذلية بقصر البخاري): قدم معلومات هامة عن الطرق الصوفية عامة والطريقة الشاذلية خاصة إلى لويس رين عند تأليفه كتابه (مرابطون وإخوان). ١٢ - أبو القاسم الحفناوي: قام بجهد كبير في تقديم المعلومات التاريخية والدينية لديبون وكوبولاني أثناء تأليف كتابهما عن الطرق الصوفية. ١٣ - المولى آيت عمر: قدم معلومات عن زواوة إلى هانوتو ولوترنو أثناء تأليف كتابهما الضخم (ثلاثة أجزاء) عن زواوة (القبائل). ١٤ - أحمد بن داود: كتب مذكرة إلى دومنيك لوسياني بطلب من هذا، عن حياة عبد الرحمن الأخضري، عندما عزم لوسياني على ترجمة كتاب (السلم) وغيره للأخضري، إلى الفرنسية. ١٥ - محمد بن يوسف أطفيش: بطلب من إيميل ماسكري ألف (الرسالة الشافية) في تاريخ وتراجم بني ميزاب ليستفيد منها هو وغيره، مثل موتيلانسكي، الذي اهتم بالمذهب الإباضي وتاريخ المنطقة. ١٦ - إبراهيم بن عامر (العوامر): ألف كتابه الصروف في تاريخ سوف بطلب من أحد الفرنسيين لم يذكره بالاسم، ولعله أحد ضباط المكتب العربي بالوادي. ونشير أيضا إلى أن كثيرا من التآليف التي قام بها الجزائريون كانت بطلب من رجال السلطة الفرنسية المحلية أو من شخصيات عسكرية أو علمية. ويحضرنا الآن:

стр. 2739

١٧ - محمد الصالح العنتري: ألف الفريدة المؤنسة في تاريخ قسنطينة بطلب من الضابط بواسونيه. ولهذا الكتاب أسماء أخرى. ١٨ - أحمد بن المبارك: ألف أيضا كتابا في تاريخ قسنطينة قد يكون بطلب من شيربونو الذي عاصره وكان صديقا له، وشيربونو من المستشرقين، كما عرفنا. ١٩ - أبو القاسم الحفناوي: ألف كتابه تعريف الخلف، بطلب من السلطات الفرنسية، وقد يكون لوسياني هو الذي رأى ذلك لأنه هو الذي كان متوليا إدارة الشؤون الجزائرية (الأهلية) في الحكومة العامة أوائل هذا القرن. ٢٠ - عمر (سعيد) بوليفة: وجهه رينيه باصيه إلى الاهتمام بتاريخ زواوة واللهجات البربرية في الجزائر والمغرب الأقصى. وقد نشر أعمالا عن ذلك أشاد بها باصيه نفسه. ٢١ - محمد بن أبي شنب: وجهه رينيه باصيه أيضا إلى الاهتمام بالأدب العربي واللغة العربية وتحقيق النصوص والمخطوطات (١). ٢٢ - محمد بن علي الجباري: كتب المقامات العوالية في الأدب الشعبي، واستفاد منها ديلفان وترجمها ونشرها مع النص. ويمكننا أن نواصل البحث لنجد أن الفرنسيين كانوا وراء عدد من التأليف التي سنعالجها في جزء آخر من هذه الموسوعة الثقافية، كما أنهم استفادوا منها ومن معلومات أخرى من غير المؤلفين دون أن يفصحوا عنها. وكانوا يكتفون أحيانا بلعن الجزائريين واتهام العقل العربي بالقصور، وبعثرة المعلومات، بل ينحون باللائمة على الجزائريين لأنهم لم يعطوهم ما يملكون

стр. 2740

من مخطوطات وما عندهم من معلومات أخرى، كما فعل فايسات، رغم أنه حصل بطرقه الخاصة على ما يريد. إن الترجمة هنا تظهر أحيانا وتختفي أحيانا أخرى. فإذا كانت شفوية لمجرد توصيل المعلومات بين طرفين فإن أثرها غير موجود، ولا يذكر إلا صاحبها ووظيفه فيها. وأحيانا تظهر ولكن في شكل غير مباشر كمنح المعلومات والوثائق التي يستعملها الفرنسيون ويستفيدون منها في مختلف أنشطتهم. ويبنون عليها بحوثهم. ولكنها تظهر واضحة (أي الترجمة) في النصوص المتعاون عليها أو المطلوبة، كأعمال الغوثي بو علي مع كل من بيل ومارسيه، والجباري مع ديلفان، والزناقي مع غ. ديموتبين. وهي تظهر أيضا في مختلف المعاجم الفرنسية - العربية التي تعاون فيها الجزائريون والفرنسيون. ويبقى حديثنا دائما عن الترجمة من العربية إلى الفرنسية وليس التعريب. ولا شك أن هذا النوع من الترجمة لا تستفيد منه إلا اللغة والثقافة الفرنسية وكذلك السياسة والهيمنة الفرنسية. وبذلك أصبح المتعلمون الجزائريون في خدمة اللغة والثقافة الفرنسية على حساب لغتهم وثقافتهم. وسنتحدث عن التعريب أو النقل من الفرنسية إلى العربية في فقرة أخرى. لقد قدم المتعلمون الجزائريون خدمة كبيرة للغة والثقافة الفرنسية. ومن الصعب تصنيف المادة التي ساهم بها الجزائريون في ذلك. ولكن يمكننا حصرها في أربعة أصناف وهي: اللغة والتعليم (القواميس، واللهجات)، والفقه، والأدب، والتاريخ، والاجتماعيات. أ - في المجال اللغوي والتعليمي: نجد مجموعة من القواميس المشتركة أو الفردية التي أصدرها الجزائريون منذ العشرية الأخيرة من القرن الماضي. وظهر ذلك نتيجة عدة عوامل هامة، الأول شيوع التعليم الفرنسي بين الجزائريين منذ الثمانينات. والثاني إعادة تنظيم المدارس الشرعية الثلاث التى كان يدرس بها الجزائريون منذ ١٨٧٩ واتخاذها تعليما مزدوجا طغت فيه

стр. 2741

الفرنسية على العربية، بعد أن كانت اللغة العربية هي المسيطرة على التعليم فيها منذ إنشائها سنة ١٨٥٠. والعامل الثالث في ظهور الأعمال المتصلة باللغة هو إنشاء مدرسة الآداب العليا (وهي فرنسية) والاهتمام بدراسة اللهجات العربية والبربرية. فبعد أن كان هذا الميدان محتكرا، من قبل المستشرقين والعسكريين منذ جوني فرعون وبرينيه، توسع وأصبح يشمل المتعلمين الجزائريين أيضا. ويمكننا أن نضيف إلى ذلك العامل التجاري، فقد توسعت حركة التعليم بالعامية في المؤسسات التعليمية، وازداد الاهتمام باللهجات منذ توسع الاستشراق واحتلال المغرب، وأصبح السوق مفتوحا للتنافس في هذا المجال، وكان الأساتذة والتلاميذ يختارون الأفضل من ذلك. ولنؤكد على أن العامية كانت هي موضوع الدراسة، ولذلك فإن المعاجم أيضا كانت بالعامية، أو العاميات، سواء كانت العربية أو البربرية، غير أن اللغة الفرنسية كانت واحدة في كل ذلك. وهي المرجع الأساسي، وكل هذه المعاجم إنما ألغت لخدمتها ونشرها. وهي معاجم تقرأ من اليسار إلى اليمين طبعا. ومن هذه المعاجم: ١ - اللسان يكمل الإنسان، وقد وضعه أحمد بن بريهمات مع الضابط المختص في الشؤون الجزائرية، لويس رين. وفي الإعلان عنه قيل إن الكتاب وضع لتسهيل تعلم اللغة الفرنسية، كتابة ونطقا. وقد أعلنت عنه جريدة المبشر، فاتح سنة ١٨٩٥. وهو في ١٨٦ صفحة (١). ٢ - قاموس عربي - فرنسي، وآخر فرنسي - عربي، تأليف بلقاسم بن سديرة. ولأهمية أعماله ودوره سنترجم له في مكان آخر. ٣ - المعجم الفرنسي - الشلحي والمازيغي، باريس ١٩٠٧ وضعه (سعيد؟) الصدقاوي. أما الكتب التعليمية أو المدرسية فمنها عدة نماذج. فبالإضافة إلى كتب

стр. 2742

ابن سديرة وبوليفة التي سنتحدث عنها، هناك: ١ - تعليم اللغة العربية الدارجة والفصيحة، طبقا للطريقة المباشرة، الجزائر ١٩٠٦، ١٩١٣، جزآن. تأليف السيد عبد الرحمن (؟) (١). ٢ - كتاب في الطريقة المباشرة لتعليم العربية الدارجة، الجزائر، ١٩٠٤، ٢٤٨ ص. من تأليف فتاح. وقد سبق له نشر كتاب آخر سنة ١٨٩٧ بعنوان دروس القراءة والإلقاء في العربية الدارجة. ٣ - دروس في القراءة الفرنسية موجهة إلى المتعلمين الجزائريين، الجزائر، ١٨٨٢، ١٤٣ صفحة، لكل نص من النصين العربي والفرنسي. وهو غير القاموس المذكور أعلاه. ٤ - طريقة عملية لتعليم العربية الفصحى، الجزائر، بدون تاريخ، تأليف محمد صوالح. ولكنه كتب أخرى حول نفس الموضوع، ومنها ما هو بالتعاون مع فلوري، كما ذكرنا. ٥ - مجموع موضوعات للعربية الدارجة، مستغانم ١٨٩٩، تأليف علاوة بن يحيى في ١١٩ صفحة. ٦ - محادثة عربية/ فرنسية، قسنطينة ١٨٦٣، ١٨٢ صفحة. تأليف الطاهر بن النقاد، وتلك هي السنة التي توفي فيها المؤلف أيضا. ويعتبر من الأوائل الذين ألفوا في هذا المجال. ٧ - محاورات (محادثات) فرنسية - عربية تهم الجزائر والمغرب وتونس. وهران ١٩١٣، ١٣٢ صفحة. تأليف أبي بكر عبد السلام بن شعيب، وبول بور، مفتش المالية بوهران (٢). وهو موجه إلى من يجهل العربية من الفرنسيين ويرغب في معرفتها بسرعة للسفر إلى البلدان المذكورة.

стр. 2743

والنصوص مرتبة بطريقة اللغة الفرنسية. ٨ - دروس في العربية الدارجة في الجزائر ومراكش، ليون ١٩١٣، ٤٣٩ ص. وضعه الدكتور ابن علي فخار (١). وكان المؤلف عندئذ أستاذا في القانون والشريعة الإسلامية في الغرفة التجارية بليون (فرنسا). وقد قال عنه المراجع إنه كتاب يهم الحاضر (أي الجزائر والمغرب بعد احتلاله سنة ١٩١٢) كما يهم تعليم العربية للفرنسيين. وقد امتدحه المراجع إذ لا يقدم، كما قال، مادة لغوية فحسب بل يعتبر موسوعة عن المنطقة التي درسها: وهو في ثلاثة أقسام: قسم لغوي يتعلق بالقواعد النحوية والنطق الخ. وقسم يتحدث عن الحياة اليومية وموضوعاتها، وقسم عن الحكايات المغاربية والكتابات وبقايا التركية في لهجة تلمسان. ٩ - الألفاظ التركية والفارسية الباقية في لغة أهل الجزائر، من وضع محمد بن أبي شنب ١٩٢٢، جزء من رسالة الدكتوراه. ١٠ - قاموس فرنسي - عربي من وضع بكير خوجة وعمار بن حسين، سنة ١٩٠٨. ب - في المجال الفقهي: هناك عدة أعمال تتعلق بالمذاهب والقضاء الإسلامي أو الشريعة. وليس من السهل أن نذكر كل ما جاء في هذا الموضوع الذي بدأ الاهتمام به منذ أول الاحتلال. وكان الجزائريون في المرحلة الأولى يقدمون الفتاوى ويصدرون الأحكام في المجالس الفقهية أو المحاكم. أما التأليف الموجه لإفادة الفرنسيين وإدارتهم فقد ظهر في ناحيتين، الأولى ترجمة النصوص الصادرة عن الإدارة إلى العربية، كما رأينا في اللجنة التي رأسها حسن بن م يهمات في أوائل الستين من القرن الماضي. ولكن هذا ليس مقصودنا هنا. أما الأعمال التي ساهم الجزائريون في ترجمتها إلى الفرنسية أو التعريف بها لدى العلماء والضباط الفرنسيين فنذكر منها: ١ - مجموع الأحكام القضائية، نص وترجمة. الجزائر ١٨٨٦، ١٨٥

стр. 2744

حة + ٧٥ صفحة. وهي من عمل محمد ولد السعيد والقاضي الفرنسي زيسں. ٢ - كتاب لاستعمال المترجمين القضائيين في أفريقية الشمالية، الجزائر، ١٩١٧. وضعه أحمد حسين، والمؤلف غير معروف لدينا الآن. ٣ - الصوم عند المسلمين طبقا لرسالة ابن أبي زيد القيرواني. نشره محمد صوالح (؟) في المجلة الأفريية، ١٩٠٦، ص ٣١٣ - ٤٠٢. ٤ - استعمالات القانون العرفي في نواحي تلمسان، تلمسان ١٩٠٦، ١١٦ ص، تأليف أبو بكر عبد السلام بن شعيب. ٥ - روح وفلسفة الشريعة الإسلامية، تلمسان ١٩٠٤، لنفس المؤلف السابق. ٦ - المنهج السوي في الفقه الفرنسي، الجزائر ١٩٠٨، ٤٦ صفحة، تأليف عمر بن بريهمات. وكان عمر مدرسا، بمدرسة الجزائر (الثعالبية) للشريعة الإسلامية والقانون الفرنسي. (وهو كتيب بالعربية والفرنسية). والمؤلف أحد أبناء حسن بن بريهمات .. ٧ - بداية المجتهد لابن رشد، ترجم منه أحمد لعيمش أبواب الزواج والطلاق فقط. لأن ذلك هو الميدان الذي تركه القضاء الفرنسي للقضاء الإسلامي. الجزائر، ١٩٢٦، ٣٠٦ صفحات .. ٨ - القرآن الكريم. وقد ترجمه أحمد لعيمش والضابط المتقاعد - المترجم ابن داود، وظهرت الترجمة في وهران وباريس بدون تاريخ خلال العشرينات (١٩٣٠؟) (١). ج - في المجال الأدبي: ترجم الفرنسيون الكثير من النصوص الأدبية العربية سواء الجزائرية أو من التراث العربي عموما، مثل ألف ليلة وليلة،

стр. 2745

والمستطرف، وكليلة ودمنة، والأغاني، الخ. وهذه الترجمة لا تهمنا هنا. كما أن جريدة المبشر وهي الوسيلة الوحيدة مدة طويلة للقراء، كانت تهتم بالنصوص العربية، وقد نقلت قصصا أندلسية ونشرت بعض المؤلفات الأخرى في حلقات مثل كتاب أقوم المسالك لخير الدين التونسي. وهذا النوع من الترجمة لا يهمنا هنا أيضا. إنما الذي يهمنا حقا هو مساهمة الجزائريين بترجمة بعض النصوص العربية إلى الفرنسية ونشرها في القسم الفرنسي للجريدة المذكورة. فهل حدث ذلك؟ إن أعمالا كان يقوم بها حسن بن بريهمات وأحمد البدوي وأحمد بن الفكون والطاهر بن النقاد كانت تنتقل أخبارها في القسم العربي من الجريدة، ولكننا لا نعلم إذا كان قسمها الفرنسي ينقل ذلك إلى قرائه أيضا. ومنذ إنشاء مدرسة الآداب العليا وتنظيم المدارس الشرعية الثلاث أخذت الترجمة من العربية الأدبية إلى الفرنسية تزداد وتتوسع. ومن أبرز المساهمين في هذا المجال ابن سديرة وابن أبي شنب ومحمد صوالح وإسماعيل حامد. وسيكون من الصعب الإحاطة بأعمال هؤلاء. ولذلك نكتفي بهذا التنويه العام مع ذكر النماذج التالية: ١ - حياة أبي دلامة (رسالة دكتوراه) ١٩٢٢، لابن أبي شنب. وله أيضا في الأدب الشعبي قصيدة محمد بن إسماعيل في حرب القرم، وقد نشرها في المجلة الأفريقية، ومجموع في أمثال العوام بالجزائر، نشرها في باريس، ١٩٠٥ - ١٩٠٧، وآثار ابن مسايب والتريكي. ٢ - حياة إبراهيم بن سهل، تأليف محمد صوالح، ١٩١٤، ٢٠٠ صفحة. وله أيضا شعر في رثاء الأندلس، في نفس العام، ١٤٤ صفحة. ٣ - ترجمة السمرقندية في البلاغة، لعبد الرزاق الأشرف، ١٩٠٥، ٣٧ صفحة. ٤ - العروض عند العرب، باريس ١٩٠٧، ٤٠٦ صفحات، لابن إبراهيم (؟)، وكذلك الدوائر العروضية أو علم العروض، باريس ١٩٠٢ له

стр. 2746

أيضا. وهو في ٤٤ صفحة. ولكن اسم إبراهيم غير كامل، ولا ندري الآن هويته بالضبط. ٥ - حكايات وتقاليد وأشعار فقيق، للهاشمي بن محمد، نشرتها نشرة جمعية وهران، ١٩٠٧ ص ٢٤٣ - ٢٧٨. وفي وقت لاحق، أي بعد الحرب العالمية الثانية ظهرت أسماء جديدة تترجم الأدب الفصيح والشعبي إلى الفرنسية أيضا. ومنهم محمد زروقي الذي ساهم في مجلة البحر الأبيض ابتداء من ١٩٤٩، فتناول موضوعات مختلفة كحياة جحا، والشعر، والضحك. كما ظهر اسم بشير مسيخ الذي ترجم قصة لمحمود تيمور، وقصيدة الصيد التي نشرها نورالدين عبد القادر. د - في المجال التاريخي: ترجم الجزائريون عددا من النصوص التاريخية والجغرافية والتراجم. ولكن الهدف منها هو خدمة اللغة الفرنسية فقط. ومن ذلك: ١ - رحلة أبي سالم العياشي. نشر القسم الأول منها أحمد بن بريهمات، وهو من المترجمين العسكريين. وهذا هو الجزء الذي يغطي الرحلة من درعة إلى ورقلة ونشره في نشرة جمعية وهران (١). وفي ١٨٩٩ وجدنا عبدالرزاق الأشرف يراجع عملا لأحمد بن بريهمات في نفس الموضوع أيضا. ولا ندري هل هو نفسه (٢). ٢ - السودان في القرن ١٦ م، ترجمة محمد ين رحال. وقد قام بترجمة النص من كتاب نزهة الحادي للأفراني، ونشره في نشرة جمعية وهران ١٨٨٧، ص ٣٢٠ - ٣٣١. وكان ذلك أثناء اهتمام الفرنسيين بالصحراء. وكان ابن رحال صديقا لنائب الكولون والوزير، يوجين إيتيان المكلف بالمستعمرات.

стр. 2747

٣ - نور الألباب، تأليف الشيخ عثمان بن دان فوديو. وقد ترجمه إسماعيل حامد. ونشر ذلك في المجلة الأفريقية، على حلقتين ١٨٩٧ - ١٨٩٨. كما نشر إسماعيل حامد أعمالا أخرى تتصل بالتاريخ، وترجم منها نصوصا عديدة في بحوثه عن غرب أفريقية والسودان وموريطانيا. انظر ترجمتنا له. ولإسماعيل حامد منشورات أيضا بعنوان (حوليات موريطانية - سينيغالية) ومن ضمنها كتاب الأنساب، وسيرة ناصر الدين للديماني، وشيم الزوايا لمحمد السعيد اليدالي. ٤ - هناك كتب أخرى في التاريخ وضعها جزائريون بالاشتراك مع الفرنسيين أو نشروا نصوصها من مخطوطات قديمة. وقد ذكرنا من قبل بغية الرواد ليحيى بن خلدون وروضة النسرين لابن الأحمر، ونضيف هنا رحلة الرؤساء العرب إلى فرنسا، وهو نص قصير وضعه محمد الفكون (١). ٥ - قام محمد الحاج صادق بترجمة الجزء الخاص بالمغرب العربي، من رحلة الورتلاني، ونشر ذلك في المجلة الأفريقية، واستفاد منه المستشرقون الفرنسيون (٢). هـ - في الاجتماعيات: كثيرة هي الأعمال التي تتعلق بالحياة الاجتماعية كالتعليم والمرأة، وعادات الصوم والأعياد والأفراح، والألعاب والأحزان، وعودة الحجاج، وما إلى ذلك. وكان الجزائريون يكتبون للفرنسيين عن ذلك بلغتهم ليعرفوهم بأهلهم وعاداتهم: إما دفاعا عن النفس أو دعوة للتغيير. ومن ذلك ما نشره ابن أبي شنب من نصوص حول التعليم عند المسلمين (٣)، وقصيدة محمد بن إسماعيل في حرب القرم، وما نشره

стр. 2748

محمد صوالح عن قصيدة مصطفى الثابتي في مشاركة الجزائريين في الحرب العالمية، وكلتا القصيدتين من الأدب الشعبي. يضاف إلى ذلك ترجمة بعض الأشعار والأغاني الزواوية من قبل عمر بوليفة في موضوعات مختلفة (١). ... الترجمة إلى العربية لم تكن الترجمة من الفرنسية إلى العربية هدفا للفرنسيين. ولذلك عملوا كل ما في وسعهم على تعلم العربية الدارجة ثم الفصيحة، والترجمة منها إلى الفرنسية. فنقل التراث الشفوي والمكتوب على يد التراجمة العسكريين والعموميين في البداية وعلى يد المستشرقين في مرحلة لاحقة كان هو الهدف. ذلك أن اللغة الفرنسية كانت هي المقصودة بالإثراء والانتشار، لأنها لغة الإدارة الجديدة والمحاكم والسيادة، كما قالوا. ولكن هذا لا يعني أن الفرنسيين لم يوصلوا بعض معارفهم ومقاصدهم بلغتهم إلى الجزائريين أحيانا. ونقول (البعض) و (أحيانا)، لأن ما ترجم من الفرنسية إلى العربية وما حرص عليه الفرنسيون حتى يصل إلى الجزائريين هو نوع معين من المعارف، أي القرارات الرسمية، والإجراءات الصحية، والنصائح المتعلقة بالفلاحة وتربية الحيوانات، والأخبار الدعائية المضادة لإشاعات محلية أو واردة من المشرق، والترغيب في تعلم اللغة الفرنسية وعلومها. وإذا تاملنا في نوعية هذه الأخبار فإنا نجدها كلها تخدم المصالح الاستعمارية وتذيع فكرة التبعية والتعلق بفرنسا وثقافتها. بدأت الترجمة إلى العربية في البيان الذي وزعه الفرنسيون على الجزائريين عشية الحملة والذي تعاون عليه بعض المستشرقين، منهم دي

стр. 2749

ساسي والقس السوري شارل زكار. وربما كان البيان هو أول ما قرأ الجزائريون بحروف المطبعة. ولم يكن في الجزائر صحافة قبل الاحتلال. ولذلك بدأت أول جريدة رسمية وهي (المونيتور الجزائري) (١) في نشر إعلانات وأوامر رسمية صادرة عن إدارة الاحتلال بحروف عربية (ولا نقول بلغة عربية) لا يكاد معناها يفهمه أحد. وكانت قرارات الحكام العامين تصدر كلها بالفرنسية، ثم يترجم منها في السنوات الأولى ما يهم المسلمين مباشرة كمصادرة الأوقاف والأمر بطرد الأعيان ونحو ذلك. وكان قرار بوجو بطرد المفتي مصطفى الكبابطي قد ترجم إلى العربية وعلق على جدار الجامع الكبير بالعاصمة. كما علق الفرنسيون على الجدران نسخا، من فتوى علماء المسلمين التي حصل عليها ليون روش سنة ١٨٤٢. كل ذلك كان قبل صدور جريدة المبشر سنة ١٨٤٧. ونحن وإن كنا درسنا هذه الجريدة في فصل المنشآت الثقافية فإننا نقول هنا انها الجريدة الوحيدة التي أصبحت مدرسة في توصيل المعلومات للجزائريين لأنها صدرت باللغتين العربية والفرنسية. وكانت النسخة العربية عادة مترجمة عن النسخة الفرنسية، ولكن تظهر في النسخة العربية أحيانا مقالات موضوعة أو ترجمات من أعمال فرنسية أخرى غير الواردة في القسم الفرنسي. تولى إدارة المبشر عدد من المترجمين العسكريين والمستشرقين الفرنسيين. وكان جميعهم يحسن العربية الدارجة والفصيحة، ولذلك كانوا يسهرون على القسم العربي كما يسهرون على القسم الفرنسي. وكان القسم العربي يضم أيضا مجموعة من الجزائريين المزدوجي اللغة أو الذين يحسنون الترجمة إلى العربية، بالإضافة إلى وجود عناصر كانت تكتب أحيانا مقالات بالعربية مباشرة بإيعاز من السلطة الفرنسية، مثل زيارة نابليون الثالث للجزائر، وترغيب الجزائريين في التعلم بالفرنسية،

стр. 2750

وإزالة المخاوف المتصلة بمرسوم الملكية الفردية للأرض سنة ١٨٦٣، الخ. كانت المبشر تخاطب المتعلمين والأعيان، ولا تخاطب العامة لأنها غير قارئة. وكانت في البداية ترسل إلى القضاة والموظفين عامة مجانا، ثم فرضت الإدارة الاشتراك فيها على جميع المتوظفين عندها. فالقضاة والقياد والأغوات والمعلمون ورجال الديانة كانت تأتيهم بدون استئذان. وكانت تؤثر فيهم ليس فقط بالمقالات المترجمة عن الفرنسية، كما سنرى، ولكن باختيار النصوص من الأدب العربي أو من الكتب المؤلفة حديثا كالرحلات والآراء حول الحضارة الأوروبية والأديان. فإذا تحدثت عن العلم في عصر المأمون في بغداد أو في عهد عبد الرحمن الناصر بالأندلس، فإنما كانت تتحدث عن ترغيب الجزائريين في تعلمه الآن من اللغة الفرنسية لأن العقل العربي قد تخلف وتخلفت معه اللغة. وإذا أشادت الجريدة بحمد علي باشا وبابنه إبراهيم باشا فلأنهما ربطا علاقات علمية (وسياسية) مع فرنسا، وإذا نقلت عن رفاعة الطهطاوي وخير الدين التونسي فإنما ذلك لأن الاثنين كانا من المعجبين بالتقدم الفرنسي والنظام الدستوري والعلوم في أوروبا (١). من أبرز الأسماء الجزائرية التي ظهرت في المبشر: علي بن عمر، وعلي بن سماية، وأحمد البدوي، والحفناوي بن الشيخ (أبو القاسم الحفناوي)، ومحمد بن مصطفى (خوجة)، ومصطفى بن عبد الرحمن الشرشالي، ومحمود وليد الشيخ علي، وقدور بن باحوم، وعلي ولد الفكاي، ومحمد بوزار، ومحمد بن بلقاسم (٢). بعض هؤلاء له أثر معروف فيها من ترجمة وغيرها، مثل أحمد البدوي، وعلي بن عمر. وبعضهم عمل فيها طويلا ولكن لا ندري هل كان عمله هو التصحيح والترجمة أيضا دون

стр. 2751

وضع اسمه، مثل الحفناوي بن الشيخ الذي عمل طويلا مع شيخه الفرنسي آرنو، وكان الحفناوي متمكنا في اللغة العربية وفي الفرنسية أيضا. وكان علي بن سماية أديبا وأستاذا ماهرا ولكن اسمه لا يظهر كثيرا في الجريدة، ومثله محمد بن مصطفى خوجة صاحب عدة مؤلفات بالعربية (١). ونريد الآن أن نترجم لبعض الذين ساهموا في المبشر في ميدان الترجمة العربية. ونخص بالذكر أحمد البدوي، وعلي بن عمر وأحمد الفكون. ١ - أحمد البدوي: هناك قدر مشترك بين هذا الرجل (أحمد البدوي أو البداوي) وبين قدور بن رويلة وأحمد الشريف الزهار والحاج محمد الملياني، من جهة، وعمر بن قدور وعمر راسم من جهة أخرى. لا نستطيع أن نحدد الآن هذا القدر المشترك بين هؤلاء الرجال الذين عاشوا ظروفا مأساوية كاد ينساهم فيها الزمان والإنسان. ومع ذلك تركوا بصماتهم على تاريخ بلادهم، كل في مجاله. أحمد البدوي كان فتى عند احتلال الأعداء لوطنه. ولد في مدينة الجزائر أوائل القرن الماضي (قد يكون ١٨١٠ - ١٨١٥) وحضر دروس كبار علماء الوقت أمثال محمد بن الشاهد ومصطفى الكبابطي وعلي المانجلاتي وحمودة المقايسي. وكان الجامع الكبير ومدرسته ومدرسة القشاش هي مصابيح الظلام عندئذ. فتلقي معلومات قوية في الأدب والفقه والإنشاء، بالإضافة إلى القرآن الكريم. وعند الاحتلال خرجت أفواج الجزائريين من المدينة وتفرقوا في المدن المجاورة لاجئين عند الأقارب ظنا منهم أن العدو سيغادر المدينة. ولكنه لم يغادرها، وسقطت الحكومة المركزية وتداعت بقية أطراف الدولة وانقطعت السبل بمن كان خارج المدينة، واستحوذ العدو على أملاك الغائبين وصادرها

стр. 2752

تحت عنوان (الثقاف). ويقول فيرو في ترجمته المنتصرة لأحمد البدوي إنه وجد نفسه محاصرا في مليانة من قبل قوات الأمير، وليس له سبيل للرجوع إلى مدينة الجزائر، ونحن نرجح أن خروجه إلى هناك كان مع أهله على غرار ما فعلت عائلات جزائرية أخرى مثل علي بن الحفاف، وأحمد الشريف الزهار، وقدور بن رويلة. ومهما كان الأمر فإن أحمد البدوي قد دخل في خدمة الأمير وأصبح أحد كتابه المعروفين، لأن البدوي تميز منذ صغره بحسن الإنشاء والتحرير وقوة الحفظ وجودة الخط. وكان الأمير كما يقول فيرو، يترك البدوي لخلفائه إذا خرج هو في إحدى الغزوات. ولذلك عمل أحمد البدوي كاتبا لكل من محمد بن عيسى البركاني، ومحمد بن علال، وأحمد الطيب بن سالم، ومحمد البوحميدي والمولود بن عراش. ثم طلبه أحمد بن سالم شخصيا من الأمير، فأصبح من كتابه المقربين فترة طويلة. وجميع المذكورين كانوا خلفاء للأمير في مختلف الولايات التي أنشأها، عدا ابن عراش الذي كان وزيره للخارجية. هل بقي أحمد البدوي مع أحمد بن سالم إلى نهاية مقاومته في ربيع ١٨٤٧؟ يفهم من ترجمة فيرو له أن البدوي رجع إلى مدينة الجزائر قبل هذا التاريخ، فهل (هرب من عنده؟) لا دليل على ذلك. وإذا لم يهرب فلماذا يغادره إذن والمقاومة مستمرة؟ إن فيرو لا يذكر سوى شيء واحد وهو أن أحمد بن سالم قد مني بهزيمة فتركه أحمد البدوي بعدها ورجع إلى الجزائر، والتحق بالحملات الفرنسية. ويقول فيرو إن البدوي قد حضر حملة الفرنسيين ضد قبيلة فليسة، ثم حضر معركة ايسلي ١٨٤٤ التي كانت بين المغاربة والفرنسيين. وهذه كانت قبل نهاية مقاومة أحمد بن سالم طبعا. أما الحملات الفرنسية الأخرى التي حضرها أحمد البدوي، حسب فيرو، فهي حملة المارشال بوجو نواحي بجاية ١٨٤٥، وحملة المارشال راندون في البابور ١٨٥٣، ثم في جرجرة ١٨٥٤ - ١٨٥٧. ونحن نفهم أن أحمد البدوي لم كن عسكريا لا أثناء غزوات الأمير ولا أثناء الحملات الفرنسية، إنما كان خوجة أو كاتبا للتقارير والرسائل والمحاضر، في كلتا الحالتين.

стр. 2753

في اليوم الذي رجع فيه البدوي إلى الجزائر استدعاه العقيد (دوماس)، مدير إدارة الشؤون العربية في حكومة بيجو وقدمه إلى هذا الحاكم. وكان المترجم الرئيسي عندئذ في الإدارة المذكورة هو ليون روش. ولعله كان قد عرف أحمد البدوي من قبل. فأعطاه المارشال بوجو إلى رومش فأخذ يستصحبه معه كلما خرج في حملة مع الجيش، وكان ثالثهما هو المترجم الآخر شوصبوا الذي قلنا إنه كان دنماركي الأصل، وأخذ الجنسية الفرنسية (١). وكانت جريدة المبشر تابعة أيضا إلى إدارة الشؤون الأهلية. وكان البارون دي سلان المشرف على هذه الجريدة عندئذ، في حاجة إلى محررين بالعربية، فألحق به أحمد البدوي. ومنذئذ خرج البدوي من الحياة العسكرية إلى الحياة المدنية، ولا ندري متى كان ذلك بالضبط، ولكن يبدو أنه كان في نهاية الخمسينات. فقد وجدنا أحمد البدوي معينا ضمن اللجنة التي عهد إليها بترجمة الأحكام والنصوص القضائية، مع حسن برجمات وحميدة العمالي سنة ١٨٥٩. وفي ٢٠ يناير ١٨٦٠ عينه المدعي العام عضوا في لجنة إعادة تنظيم القضاء الإسلامي (٢). هناك إذن مجالان أصبح أحمد البدوي يعمل فيهما مع النخبة القضائية والصحفية في الجزائر. والترجمة من الفرنسية إلى العربية كانت مقتصرة تقريبا على هذه النخبة. وقد ظهرت عندئذ كتابات في القضاء بالعربية مجهولة المؤلف والمترجم. ونحن نرجح أن يكون بعضها على الأقل من أثر أو تأثير أحمد البدوي. أما الصحافة، وهي موضوعنا الآن، فإن أحمد البدوي قد ساهم فيها بمقالات موضوعة وأخرى مترجمة. ويقول السيد فيرو إن البدوي بحكم مهنته كان مطلعا على أسرار الإدارة، وأنه كان ذا موهبة خاصة في التحرير وأن له فكرا حيا. وقد عرفه فيرو عن كثب بعد أن أصبح هو (فيرو) كبير المترجمين أو باش مترجم، بالإدارة الفرنسية في الجزائر. وقد أخبرنا

стр. 2754

محمد الصالح العنتري، صديق فيرو أيضا، أن البدوي كان كاتبا عند فيرو سنة ١٨٧٦ (١). ومدح فيرو أحمد البدوي بكونه قد أعطى لجريدة المبشر دفعا قويا بقدرته على التحرير، وبمقالاته الجذابة وبمهارته في عدم المساس بالمشاعر الدينية والعرقية للناس الذين يكتب لهم (؟) وقال إنه جلب الجزائريين إلى هذه الجريدة التي أنشئت (لنقل الحضارة الفرنسية إلى الأهالي). وقد أوصى له بالتعويض الشرفي على خدماته، لاستحقاقه ذلك منذ أمد بعيد، حسب قوله (٢). ونحن لا ندري كيف انتهت حياة أحمد البدوي، هل كوفئ فعلا على خدماته؟ وهل انتهى نهاية مأساوية شأن أمثاله الذين ذكرنا بعضهم، عمر بن قدور وعمر راسم؟ إننا لا ندري الآن أين قرأنا أن أحمد البدوي كان من المتحمسين لثورة (كومون) باريس ١٨٧٠، وأنه أراد أن يكون للجزائر أيضا ثورتها أو (كومونها). لم تكن المبشر تنشر أسماء الكتاب والمترجمين إلا نادرا. ولذلك كانت معظم ترجمات أحمد البدوي مغفلة الاسم. ولا ندري متى بدأ في النشر فيها بالضبط، ولا الفرق بين المترجم والموضوع الذي ساهم به. ولم يساعدنا فيرو فيذكر التاريخ الحقيقي لالتحاق أحمد البدوي بجريدة المبشر. ذلك أن أول مقالة نشرها باسمه فيها كانت في ٢ مايو ١٨٦٥ أثناء زيارة نابليون الثالث للجزائر، وهي مقالة موضوعة ومزوقة إلى حد ما، متأثرة بالأسلوب العربي القديم، ولكنها حية بتحريك العبارات والألفاظ فيها. والمقالة في مدح نابليون ومرتبطة بالمناسبة. وقد ظل يكتب في الجريدة ويترجم من الفرنسية إلى العربية من ١٨٦٥ إلى ١٨٧٦ حين أخبرنا فيرو أنه ما يزال يعمل بالجريدة. ومن مترجماته قصة غرامية تاريخية ألفها أحد الفرنسيين

стр. 2755

ونشرت في القسم الفرنسي من الجريدة على حلقات. وعنوانها (حكاية غونزالف القرطبي). وقد نشرت هذه القصة في أكثر من عشر حلقات ابتداء من ١٨٦٧. ويبدو أنه قد شاركه في ترجمتها أيضا زميله علي بن عمر الذي سيأتي الحديث عنه، ذلك أن اسميهما واردان في الترجمة ولكن في حلقات مختلفة (١). هل هو الذي اختار ترجمة القصة؟ وما الهدف منها؟ إن موضوعها يتعلق بالأندلس وليس فرنسا. وهو موضوع تاريخي لأن اسم قرطبة وسليمى (بطلة القصة) واسم فاس وحياة الأندلس عندها طعم خاص وذكرى وشجون لكل عربي/ ومسلم في الجزائر. ولكن البطل (غونزالف) الأسباني- المسيحي زعيم الاسترداد هو القوي وسليمى تمثل الأندلس المنهارة التي يقع غونزالف في حبها. من الجانب الفرنسي هناك تشابه بين قوة فرنسا بجنرالاتها والجزائر، وهي سليمى الجديدة. وفي كلتا الحالتين نجد الغرب المسيحي هو المنتصر والعربي المسلم هو المنهزم. ألا يصلح هذا أن يكون إطارا تاريخيا شيقا في أذهان القائمين على جريدة المبشر؟. إننا نعتقد أن الاختيار كان لإدارة التي نشرت النص الفرنسي أيضا. ومع ذلك فلا نرفض أن يكون اختيار الترجمة من قبل البدوي نفسه لأن القصة، مع ذلك، فيها عبرة للمعتبرين، وفيها لذة في القراءة ومتعة من التاريخ. ولو رجع المرء إلى مختلف أعداد المبشر واستطاع معرفة ما ترجم أحمد البدوي فيها ولو كان غفلا من الاسم، وصنف ما ترجمه، لاستطاع أن يخرج من ذلك بصورة واضحة عن مساهمته في هذا الميدان. إن رجلا في ثقافة أحمد البدوي العربية ومعرفته الفرنسية بالقدر الذي يستطيع به نقل معارفها إلى العربية هو الذي كانت الجزائر في حاجة إليه عندئذ. رجل مزدوج اللغة، ولكن في فائدة لغته لا لغة عدوه، رجل ينقل للجزائريين آداب

стр. 2756

وعلوم الفرنسيين لكي يتغذوا منها وينتعشوا وينطلقوا كأجدادهم في مجال الإبداع والمنافسة الحضارية. ولكن أين ذلك في عهد حكم أصحابه، منذ أول وهلة، بأن يفرنسوا الجزائر ويربطوها بعجلة الاندماج الحضاري، أي الذوبان والإمحاء؟. ٢ - علي بن عمر: إذا كنا نعرف شيئا عن حياة أحمد البدوي الأولى وثقافته، فإننا لا نعرف شيئا عن حياة علي بن عمر حتى كدنا نقول عنه إنه شخص رمزي أو اسم مستعار. كيف أصبح صحفيا؟ وكيف تعلم العربية والفرنسية؟ وما زمان ومكان مولده؟ إن هناك اسماء كثيرة تبدأ بعلي. وهناك ابن علي، وابن الشيخ علي، ولكن ليس هناك علي بن عمر على حد علمنا (١). فإذا كان فإنه يكون من الجيل الأول الذي نشأ في العهد الاستعماري. ظهر اسمه في المبشر أواخر الستينات، وكانت الموضوعات التي عالجها ذات طابع علمي في أغلبها. فله مقالة مترجمة بعنوان الشمس الثابتة، برهن فيها على ثبوت الشمس وحركية الأرض مدعما ذلك برسم توضيحي. ولا شك أن ذلك كان اهتماما أوروبيا أكثر منه إسلاميا. وقد انتقد في مقاله ما كان يشاع من أن الأرض هي محور النجوم والكواكب الأخرى كالشمس وأن كل الأجرام تدور حول الأرض وهي ثابتة. وفي مقالة أخرى له كرر نفس المعلومات بأسلوب آخر وبين حركات النجوم وتقدير المسافات بينها وبين الشمس (٢). وكان المسلمون قد برعوا في علم الفلك وتعديل الكواكب أو تحريكها، كما يقول ابن حمادوش. ومن الواضح أن ابن عمر كان يترجم عن نصوص فرنسية وأن المادة كلها من إعداد إدارة الجريدة وتحت إشرافها. ومما ترجمه علي بن عمر مقالة بعنوان (تاريخ الافريقية فيما يتعلق

стр. 2757

بالنباتات) (١) وهو تعريب لبحث طويل كتبه فريدريك لاكروا بعنوان (أفريقية القديمة: الإنتاج النباتي) ونشره في المجلة الجزائرية. وكان هدف المبشر من تعريب هذا البحث إفادة المزارعين الجزائريين بما كان في بلادهم وما حولها من إنتاج نباتي وما يمكن أن يقوموا به هم في العهد الجديد. فالأرض خصبة والفرنسيون يريدون الحصول منها على أكبر قدر من الإنتاج المتنوع. وفي الميدان الأدبي نجد علي بن عمر يترجم مقالات خفيفة وحكايات للتسلية والعبرة. من ذلك مشاركته في ترجمة حكاية غونزالف القرطبي مع أحمد البدوي. وقد أشرنا إلى ذلك. وقد نشر حكايات أخرى بالعربية والفرنسية مثل حكاية الأعرابي الذي فقد حصانه (٢). وكان اسمه (ابن عمر) يظهر أيضا في القسم الفرنسي. وله سلسلة من المقالات بعنوان (مخالطة الباباوات مع عرب أفريقية في الأجيال المتوسطة) ومن الأكيد أن ذلك كان من اختيار الجريدة لأن الموضوع هو التاريخ الديني. والمقصود (بالمخالطة) هو العلاقات. وله ترجمات أخرى في التجارة ونحوها. تاريخ ظهور اسمه في الجريدة يرجع إلى سنة ١٨٦٧. ولا ندري كم استمر بعد ١٨٦٩ أو بداية ١٨٧٠. فقد تغيرت أحوال الجزائر بعد ظهور الجمهورية الثالثة. هذا إذا كان اسم علي بن عمر اسما تاريخيا (٣). وبذلك تكون مساهمته في الترجمة مساهمة كبيرة سيما في الميدان العلمي. ٣ - أحمد الفكون: الشخص الحقيقي الذي ترجم عن الفرنسية وأفاد العربية في تلك الأثناء، ابتداء من الستينات من القرن الماضي، هو أحمد الفكون (ابن الفقون). فعائلته قسنطينية معروفة. ولها تاريخ حافل في خدمة الإسلام واللغة العربية. وقد قتل أحد أجداده العلماء في جامع الزيتونة بتونس من قبل جيش شارلكان. وكانت في عائلته مشيخة الإسلام وإمارة ركب الحاج

стр. 2758

إلى مكة المكرمة إلى الاحتلال الفرنسي. وإظهارا للتناقض الصارخ كان أحمد الفكون من أوائل من منحتهم فرنسا جنسيتها بعد إنشائها، سنة ١٨٦٦. ولد أحمد الفكون في قسنطينة في ١٢ فبراير ١٨٢٩. وكان عمره ثماني سنوات عند احتلال مدينته المروع الذي تهدمت فيه الدور وطارت فيه الرؤوس وسقطت خلاله العشرات في مهاوي وادي الرمال. وكان جده محمد الفكون، شيخا للإسلام في البلاد وحامي حمى المدينة، وكان طاعنا في السن حتى حمل على كرسي لمقابلة المارشال فاليه عند كدية عاتي. وجلبا للسكان وتسكينا للخواطر واتباعا للسياسة الماهرة، عين فاليه حمودة الفكون بن شيخ الإسلام، شيخا للمدينة. وكان طبعا تعيينا مؤقتا حتى يسيطر الفرنسيون على مقاليد البلاد وتهدأ الخواطر، كما قلنا. فمن هو الطفل أحمد الفكون؟ هل هو ابن حمودة؟ أو هو فقط من العائلة؟. تعلم أحمد على مشائخ المدينة على الطريقة القديمة، وكان أمثاله في سنه يحفظون القرآن ويعرفون مبادئ العلوم والدين. ثم يتحلقون حول دروس المساجد ويطالعون الكتب، وقد يسافرون إلى الزوايا البعيدة أو يذهبون إلى جامع الزيتونة لاستكمال الدراسة. ونحن لا نعرف كيف أكمل أحمد هذه الدورة التعليمية ولا كيف تعلم اللغة الفرنسية. والغالب على الظن أن أهله قد أدخلوه إلى المدرسة العربية - الفرنسية التي أنشئت منذ ١٨٥٠. ولعله حضر دروس المستشرق شيربونو في الفرنسية، ومهما كان الأمر فإن لغته العربية كانت أقوى من الفرنسية، وتدل على ذلك ترجماته. ومن حيث الوظيفة نعرف أن أحمد الفكون أصبح مترجما عسكريا، وهي وظيفة يدخلها أصحابها بمسابقة ويتدرجون فيها بين ثلاث طبقات. ولكن يبقون، كمسلمين، مترجمين احتياطيين فقط. ولا ندري ما الذي حمل أحمد الفكون على طلب الجنسية الفرنسية سنة ١٨٦٦، هل يرجع ذلك إلى عدم تقديره لخطورة التخلي عن الأحوال الشخصية الإسلامية والدخول تحت طائلة القانون الفرنسي؟ أو يرجع إلى عوامل أخرى نجهلها كالزواج المختلط أو الخلاف العائلي؟.

стр. 2759

لقد نشرت جريدة المبشر في آخر سنة ١٨٦٦ خبرا تزفه إلى قرائها وهو (تطبيقا) لما ورد في الفصل ١، ٢، ٣، ٤ من قانون ١٣ جويليه ١٨٦٥، دخل في الحرم والحقوق الجارية على الفرنسيين السيد: أحمد بن اللفقون (كذا) ترجمان عسكري، ولد في قسنطينة في ١٢ فيفري، ١٨٢٩، ويقطن في هذا الوقت في باتنة) (١). ونحن نقول تزف إليهم الخبر لأنه من النادر جدا أن طلب الجزائريون التجنس بالجنسية الفرنسية. ونعرف من مصدر آخر أن أحمد الفكون قد أصبح ترجمانا عسكريا منذ سنة ١٨٥٠. نشر أحمد الفكون ترجمات في الأدب والتاريخ. وموضوعها هو الأدب العربي والتاريخ الإسلامي، وجغرافيتها هي الأندلس والمشرق وأفريقية. ولكنه عالج أيضا الترجمة حول تاريخ فرنسا. أول ما نشر كان عن الأندلس. وهو تعريب قصة محمد السراج الأندلسي بعنوان طويل وهو (الجوهر الوهاج المنقوش في غرائب ابن السراج الأطلسي). وهي قصة في ثماني حلقات نشرها في جريدة المبشر (٢). والقصة تذكر العرب والمسلمين بمجدهم الخالد وبطردهم الدموي. وتجعلهم يعتبرون من الاحتلال الفرنسي أيضا. ثم نشر الفكون قصة تاريخية عن جان دارك الفرنسية. ويظهر أنه كان مولعا بالتاريخ وأحداثه وملامحه وعبره. فمن الأندلس إلى فرنسا. ومن حرب الهزيمة إلى حرب الانتصار. وهنا أيضا هزيمة، ولكنها ترمز إلى النصر الآتي، لأن جان دارك كانت رمزا لا حقيقة. (التاريخ المتدارك في أخبار جان دارك) ذلك هو عنوان القصة الجديدة التي نشرها الفكون في عدة

стр. 2760

حلقات. وكان قد انتهى من ترجمتها سنة قبل ذلك، إذ جاء في آخرها بعد نشرها هذه العبارة (تمت الحكاية على يد مترجمها من الفرانسوية إلى العربية أحمد بن الفقون، الترجمان بالجيش الإفريقي بتاريخ ٢٠ مارس ١٨٦٦. وقد بدأ الفصل أو الحلقة الأولى بدون مقدمات: (لما توفي أحد ملوك فرنسة، وهو السلطان شارل السادس، خلف الملك غارقا في بحر الألم الناحس) الخ ... وانتقل بسرعة إلى الحديث عن جان دارك في أسلوب أدبي خيالي وتاريخي (١). أما بالنسبة للتاريخ العربي فقد نشر أحمد الفكون ترجمة لدراسة كتبها أحد الفرنسيين وهو ليون قاليبير GALIBERT بعنوان (الحكم العربي في أفريقية). وقد ظهرت ترجمة الفكون هكذا: الخبر عن دولة العرب في أفريقية. وذلك في عدة حلقات أيضا، ابتداء من ٢٦ نوفمبر ١٨٦٨. وكانت النسخة الفرنسية من الجريدة تنشر أيضا النص الفرنسي. والفترة التي تغطيها الدراسة هي من ظهور الإسلام إلى سقوط الأندلس (٦٢٢ - ١٤٩٠ م) (٢). ولم نقارن نحن النصين لنعرف ما إذا كان الفكون يلخص الترجمة أو يورد النص كاملا. كما لا نستطيع أن نتصور أنه قد يترجم شيئا لا ترضى عنه الجريدة. والذي يعنينا في الواقع هو نقل المعرفة إلى القارئ بالعربية في الصحيفة الوحيدة عندئذ. ولو أنصف الدهر لكان دور الفكون مثل دور رفاعة الطهطاوي في إثراء الثقافة العربية. والمعلومات التي أوردها الفكون موجودة في بطون الكتب المخطوطة وبعضها كان يطبع في المشرق أيضا، ولكن قارئ الجريدة يحتاج إلى مادة منقولة إليه حيث كان وبأسلوب بسيط. وهذا ما فعله أحمد الفكون، وكان اختيار العناوين في حد ذاته فنا من الفنون، ويدل اختياره للعناوين على تغلب الذوق العربي عليه. انظر مثلا إلى القصة

стр. 2761

الأندلسية التي بدأها بعبارة (الجوهر الوهاج) وهو عنوان جذاب وعربي الرنين. وكذلك الخبر عن دولة العرب في أفريقية، كل كلمة فيه لها حساسية خاصة. ورغم ثقل اسم جان دارك على الأذن العربية فإن الفكون قدم له بالسجعة العربية (التاريخ المتدارك) ثم أكمل الاسم فأصبح موزونا معه ومقبولا. ما مصير أحمد الفكون؟ وماذا ترجم أيضا في المبشر غير ما ذكرنا؟ لا ندري بالضبط فنحن لم نتتبع كل أعماله ولا كل حياته. وجدير بالباحثين الآخرين أن يفعلوا ذلك بدلنا. ويذكر بيروني أن الفكون تقاعد سنة ١٨٨١. ولا ندري لماذا اختصر فيرو الحديث عنه سنة ١٨٧٦ وقد مضى عليه ٢٦ سنة مترجما عسكريا. وقد اكتفى بقوله عنه إنه ترجم ونشر بالعربية أعمالا عديدة من الأدب الفرنسي. وذكر أيضا أنه تجنس بالجنسية الفرنسية (١). وفي سنة ١٨٨٢ وجدنا الفكون يساهم في جريدة جديدة ظهرت بالعربية ويترجم لها، وهي جريدة (المنتخب) التي أسسها أحد الفرنسيين، وهو بول ايتيان، ولكنها لم تكن رسمية كجريدة المبشر. ومن المساهمين معه فيها حميدة بن باديس (ابن المكي، وجد عبد الحميد)، وكانت (المنتخب) متزعمة لحركة المساواة بين الجزائريين والفرنسيين أو بعبارة أخرى تساند السياسة الإسلامية التي كان يتزعمها حميدة بن باديس إلى ١٨٨٧ والذي أصبح المتكلم الرسمي باسم المسلمين في المجلس العمومي (C.G) أو مجلس الولاية. ويقول أحد الباحثين إن الأعضاء الآخرين في المجلس كانوا يوافقون ابن باديس آليا. وكان ابن باديس يعارض التجنس بشدة، فهل كان أحمد الفكون من أعضاء المجلس أيضا؟ أليس هو من المتجنسين؟ يفهم من هذا المصدر أن الفكون كان عضوا في المجلس أيضا، ولكن أي تناقض سيكون بينه وبين حميدة بن باديس إذا تمسك الفكون بالجنسية الفرنسية (٢).

стр. 2762

٤ - وأما الطاهر بن النقاد فحياته ما تزال مجهولة. وكان من مواليد قسنطينة أيضا، وتعلم على أيدي علمائها الباقين بعد الاحتلال. وتولى بعض الوظائف للفرنسيين فيها، ثم انتقل إلى عدة مدن مجاورة، ومنها العين البيضاء. وقد توفي في بوسعادة سنة ١٨٦٣. ويهمنا منه الآن أنه ترجم إلى العربية مجموعة من القصص (المحادثات). وكان من أوائل المساهمين في حركة الترجمة. ولكننا لا ندري كيف ولا أين تعلم الفرنسية. ولعله كان من المقربين لدى الضابط بواسوني والمستشرق شيربونو، وكلاهما عمل في قسنطنية واقترب من بعض عائلاتها. ... هذا عن أوليات الترجمة من الفرنسية إلى العربية. وقد يكون مفيدا أن يتتبع الباحث تطور ذلك في العهود اللاحقة، سيما بعد أن أصبحت الازدواجية بارزة في خريجي المدارس الشرعية الثلاث وفي بعض خريجي مدرسة (كلية) الآداب. كما أن جريدة المبشر التي استمرت إلى سنة ١٩٢٧ قد تطورت مع إدارة جديدة ومحررين جدد، أصحاب أقلام عربية وثقافة فرنسية من أمثال علي بن سماية والحفناوي بن الشيخ ومحمد بن مصطفى خوجة ومحمود كحول. وعند ظهور الصحف الوطنية بالعربية أو الصحف العربية المدعومة من قبل الإدارة الفرنسية أمثال جريدة (المغرب) و (كوكب افريقية)، فإن الترجمة أصبحت ضرورية. وأول لغة كان يجري النقل عنها هي الفرنسية. ولكن ليس من غرضنا هنا تتبع تاريخ الترجمة العربية وتصنيف مادتها وأصحابها، في كل المراحل. ولنذكر أن أحدهم، ويدعى طيبال (Tibal) قد ترجم سنة ١٨٨٠ قصة (بارب بلو أو اللحية الزرقاء). من تأليف بيرولت الفرنسي إلى العربية. وكان طيبال أستاذا للغة العربية. وقد أعلنت جريدة (الأخبار) التي كانت تصدر بالفرنسية أن الترجمة كانت أمينة وحرفية، وأنها ستساعد التلاميذ في المدارس على تعلم العربية. ولاحظت أن القصة تذكر بعهد الطفولة. فمن هو

стр. 2763

طيبال هذا؟ والمهم عندنا الآن هو النقل من الأدب الفرنسي إلى اللغة العربية (١). وبعد عشر سنوات نشر مجدوب بن قلفاط ترجمة لقصص اختارها من الأدب الفرنسي، وجعل لها عنوانا هو (اختيار حكايات)، وقد ترجمها إلى العربية الدارجة. ونشرها في قسنطينة (٢). ويظهر أن الهدف منها تعليمي - تجاري وليس ثقافيا - ما دامت الدارجة هي أداة التوصيل. إن الترجمة من الفرنسية إلى العربية تحتاج إلى ثقافة واسعة باللغتين، ولا سيما اللغة العربية المنقول إليها. كما تحتاج إلى غيرة وطنية وإلى هدف محدد وهو خدمة اللغة المنقول إليها وأهلها. وذلك لا يكون بجهود فردية فقط، بل لا بد من دعم جماعي أو حكومي. وهو ما لم يتأت في الجزائر. فالجهود كلها كانت منصبة على النقل إلى الفرنسية وليس العربية، والثقافة العربية كانت وسيلة لخدمة الجهاز الفرنسي كله، وكانت الغيرة الوطنية غائبة عند معظم الذين تلقوا تعليما مزدوجا في العهد الفرنسي. وقد رأينا أن أفضل من آمن بالنقل إلى العربية عن الفرنسية قد تجنس وتخلى عن دينه وقومه. كما أن الجهود الجماعية والحكومية لخدمة الترجمة العربية كانت منعدمة. وحتى في العهود المتأخرة من الاحتلال ظل الأمر كما كان. فالصحافة الوطنية كانت تكافح بنفسها في التوصل إلى الترجمات الضرورية، ولم تهتم بالترجمة الأدبية والعلمية والتاريخية. وكانت تكتفي بالمادة الخيرية. وقلما مد قصة أو خبرا علميا فيها مترجما بانتظام ودراسة عن المعارف الفرنسية. لكن مجلة كالشهاب أو جريدة كالنجاح كانت من وقت لآخر تترجم عن الفرنسية مواد غير سياسية أو خبرية. أما الأخبار العلمية العالمية فتشترك فيها الصحف كالبصائر والبلاغ. والعهد الذي ظهرت فيه مجلة افريقية الشمالية

стр. 2764

لإسماعيل العربي (١)، ومجلة (هنا الجزائر) التابعة للإذاعة الفرنسية عهد لا يعنينا هنا (٢). وبالنسبة للأدب فإن أحمد رضا حوحو يعتبر من رواد حركة الترجمة من الفرنسية إلى العربية، فقد تعلم العربية والفرنسية في الجزائر ثم سافر إلى الحجاز سنة ١٩٣٥، واستكمل هناك ثقافته العربية، ولكنه برصيده في اللغة الفرنسية استطاع أن يطرق باب الترجمة عن أدباء فرنسا، أمثال فيكتور هوغو، وبودلير، وفولتير، وناصر الدين دينه، وغيرهم (٣). الاتجاه الاندماجي - الاستغرابي أعلن الفرنسيون منذ البداية، على لسان قادتهم أن هدفهم هو (تمدين) الجزائريين (المتوحشين) أو نصف المتمدنين، وأن لهم رسالة حضارية يؤدونها، وهي تتمثل في إحلال النظم الفرنسية محل النظم الإسلامية القائمة، وجعل اللغة الفرنسية هي لغة السيادة. ومن ثمة كان هدفهم هو الوصول إلى نقطة الاندماج حين يصبح المجتمع الجزائري مجتمعا متفرنسا لغة ودينا ونظما. وقد تضافرت الجهود لتحقيق هذا الهدف، فالعسكريون كانوا يحطمون المقاومة حيثما وجدت وفي جميع أشكالها. والمدنيون كانوا يحطمون النظم والمؤسسات القائمة من أوقاف وتعليم وقضاء وحتى المعالم كالمساجد والزوايا والجبانات، ومن جهتهم كان رجال الدين يسترجعون الكنيسة (الكاثوليكية) التي كانت قبل الإسلام، ويعملون على أن يتخلى

стр. 2765

الناس عن دين محمد المزيف، كما يقول الأب بارجيس والأسقف بافي، وكان رجال الاستشراق والاستغراب يتعاونون على تحطيم اللغة العربية بإهمالها وإحياء العاميات واللهجات المحلية وتدريس كل ذلك باللغة الفرنسية وتربية الجزائريين المتصلين بهم على هذه الفكرة. وقد تحدثنا حتى الآن عن الموقف من التعليم ومن المعالم الإسلامية وموقف الاستشراق من اللغة العربية واللهجات في فصول أخرى. أما الموقف من المقاومة فقد تناولناه في كتابنا الحركة الوطنية. ونريد الآن أن ندرس ظاهرة أخرى في هذا المخطط الاندماجي الفرنسي، وهي إنشاء نواة تكون هي الوسيلة إلى ذلك، ومن الممكن تسميتها بنواة الاستغراب والاندماج والتفرنس (١). ونحن نعتبر ذلك من الفرنسيين أمراء طبيعيا. فكل أمة تحتل أمة أخرى ترت فرض سيطرتها بإلغاء النظم التي سبقتها وتعويضها بنظمها الخاصة، ومحاولة جعل الأمة المحتلة في مستوى الأمة الغازية، أو سحقها. وقد تكون هذه العملية بالجبر والقهر وقد تكون باللين واتخاذ القدوة دون تعسف. ومن الأمم من تلجأ إلى القهر ومعاملة المحتلين معاملة العبيد أو الأندجين. وقد اتبع الفرنسيون الطريقة الأخيرة. فإلى جانب القهر العسكري الغاشم استعمل الفرنسيون أسلوب التبشيع لكل ما هو قائم قبلهم، وقد استفظعوا السلوك الديني واللغوي والأخلاقي والاجتماعي للجزائريين بالكلام والكتابة والمعاملة. واتبعوا طريقة الاحتقار والإهانة. وبالغوا في الاعتداء على الأملاك ومصادرة الأراضي، وهكذا جعلوا من أنفسهم مستبدين طغاة، فأصبح الجزائري المغلوب معهم يتمنى إزالة ملكهم وانقراض دولتهم. وكان هذا هو رأي السكان حتى الذين أجبرهم الفرنسيون أو أجبرتهم الظروف المعاشية على العمل في إطار إدارة الاحتلال.

стр. 2766

وفي مقابل ذلك عمل الفرنسيون على إنشاء نواة تكون هي الوسيلة للفتنة الاجتماعية واللغوية، على أن تتولى هي المناداة بالاندماج والاستغراب في الوقت المناسب. وكانت المقاومة العنيفة والمعاملة الجماعية السيئة قد أخرت ظهور هذه النواة. فنحن لم نسمع بأصوات جزائرية تصرح بتقليد الفرنسيين إلا في الستينات من القرن الماضي، أي بعد جيل من الاحتلال (١). وكانت هذه الأصوات خافتة في البداية. وكانت على لسان بعض الشيوخ الذين لم يدرسوا في المدارس الفرنسية أو الذين درسوا فيها ولكن حظهم من الثقافة العربية الإسلامية كان أقوى، وكانوا ما يزالون متحصنين. ولا ندري هل كان أولئك النفر القليل الذين ظهرت دعوتهم على صفحات جريدة المبشر الرسمية، هل كانوا يكتبون عن عقيدة وإيمان أو كانوا يكتبون مأجورين. والواقع أن أصوات هؤلاء كانت لا تخرج عن الدعوة إلى (العلم) وإلى تعلم الفرنسية باعتبارها لغة هذا العلم الجديد، والدعوة إلى تعلم التكنولوجيا الغربية (الفرنسية). وهذه الدعوة ليست جديدة في حد ذاتها، فقد دعا إليها بعض العلماء المسلمين حتى قبل الاحتلال الفرنسي، أمثال محمد بن العنابي في (السعي المحمود) (٢). ولم يكن عالم متنور مثل حمدان خوجة يعارض التعلم بالفرنسية ولا تعلم العلوم الحديثة من الأوروبيين. ولكن الذي عارضه، وعارضه الجزائريون معه هو الاحتلال والاعتداء على حرمات المساجد والبيوت والمكتبات والأراضي، وهو القهر والتسلط ثم تسمية كل ذلك رسالة حضارية فرنسية.

стр. 2767

قلنا إن القادة الفرنسيين الأوائل قد نفوا وعزلوا عنهم حتى أخلص الجزائريين إليهم، أولئك الذين انبهروا بهم وظنوا بهم خيرا، أمثال حمدان خوجة وأحمد بوضربة. ثم نفوا غيرهم أو سرحوهم إلى فرنسا للتأثير عليهم هناك والتخلص منهم في الجزائر، أمثال مصطفى بن عمر وحمدان بوركايب ومصطفى كريم. ولكن بعد الاستقرار النسبي أخذوا يسفرون الأعيان من الجزائريين الموالين لهم ليزوروا فرنسا فترة معينة كالشهر، ثم يعيدونهم إلى الجزائر وإلى وظائفهم وعائلاتهم ليتحدثوا بالنعمة التي تمرغوا فيها والعجائب التي شاهدوها. ويستتبع ذلك بدون شك الأثر النفسي في أشخاصهم. وقد بدأت هذه العمليات الدورة منذ عهد كلوزيل الثاني، أي ١٨٣٦. واستمرت وتضاعفت في عهود لاحقة حين أصبحت المناسبات الرسمية هي الدافعة إلى ذلك مثل أعياد جلوس الحكام، ومعارض باريس، والمناسبات القومية. وكان الإعلام الفرنسي يسمي هذه الزيارات المنظمة التعرف على (الكرم والسخاء) الفرنسي، الذي ينافس الكرم العربي الزيارات المنظمة لباريس وفكرة المعهد العربي وتحدثنا المصادر الفرنسية عن زيارة وفد من الأعيان ومن الأطفال أيضا، إلى باريس سنة ١٨٣٨. وقد استقبل الأعيان استقبالا يليق بالكرم الفرنسي المتناسب مع الكرم العربي، حسب تعبيرهم. ومن الأعيان المشار إليهم أناس ربطوا مصيرهم بالسلطات المحتلة دون وعي تاريخي ولا يقظة دينية، ومنهم (الجنرال) مصطفى بن إسماعيل زعيم الدوائر والزمالة الذي كان قد رفض مبايعة الأمير عبد القادر وحارب في صفوف الفرنسيين ضده. وهو شيخ كبير السن وفارس مغوار قضى عمره في خدمة الحكم العثماني (المخزن). وقد ولاه الفرنسيون على تلمسان بعض الوقت قبل رجوعها إلى الأمير بمقتضى معاهدة التافنة. ومن زملائه في هذا (الميعاد) الحاتمي الفرنسي مصطفى بن المقلش، وهو أيضا من أصحاب النفوذ في العهد العثماني وانضم إلى الفرنسيين. وقد رافقهما إلى فرنسا عدد آخر.

стр. 2768

والمعروف أن الأمير عبد القادر أرسل، سنة ١٨٣٨ وزير خارجيته المولود بن عراش إلى فرنسا لمقابلة الملك لويس فيليب، أثناء هدنة التافنة، وذهب معه وفد من حكومة الأمير (١). وتقول المصادر الفرنسية (عندما يسمع الأهالي الحكايات والقصص العجيبة عن مشاهدات الأعيان في فرنسا فإن غيرهم من العرب سيطلبون الزيارة كذلك للاطلاع على هذا البلد الذي انتصر جيشه وحضارته عليهم) (٢). ومن جهة أخرى طلبت السلطات الفرنسية أن يرسل المخلصون لها من الجزائريين أبناءهم أيضا إلى فرنسا لإحداث العدوى الحضارية ومشاهدة عجائبها. وقد فعل بعضهم. وكان لهؤلاء المخلصين ثقة كاملة في فرنسا على أولادهم، وهم يعرفون (ذكاءنا وقوتنا). أما الأثر الذي ستحدثه الزيارات على عقول الأطفال الجزائريين، أبناء المخلصين لفرنسا، فالمصدر يقول إنه سيكون لقصصهم تأثير على الآخرين الذين لم يزوروا، وسيطلبون بدورهم الزيارة، وهكذا تسرى العدوى ويصبح الحج إلى فرنسا بدل مكة، وتتغير العقليات ويحدث التقارب في طريق الاندماج المنشود. ويقول نفس المصدر في هذا المعنى، بذلك ستتكون (أدوات حضارتنا، ويتحقق الكرم للآباء، والتعليم للأبناء) (٣). وفي هذه الأثناء كثر الحديث أيضا عن إنشاء كوليج (معهد) عربي - فرنسي بباريس. وتكون مهمته استقبال الأعيان، وتعليم أبناء المخلصين لفرنسا، وإبراز الكرم الفرنسي في مختلف المجالات، حتى يصبح المعهد مشتلة فكرية للتأثير الفرنسي في الجزائر. واقترحوا أيضا أن تنشأ في المعهد

стр. 2769

مدرسة للترجمة بالعربية الدارجة لأبناء الفرنسيين، وبذلك يحدث الاختلاط بين الأطفال أولا في فرنسا ثم بين الكبار في الجزائر. أما الأطفال الجزائريون فيأتون ويدرسون (دراسة خاصة) ويكونون تحت مراقبة شديدة، ثم يرجعون إلى أهلهم تحت المراقبة نفسها. وصدر المرسوم الملكي بإنشاء المعهد في مايو ١٨٣٩. ونص على عدة أمور، منها أن مدرسة الترجمة تكون هي البوتقة التي يتخرج منها كل العاملين الفرنسيين في الإدارة بالجزائر. ومنها المحافظة على المشاعر الدينية للأطفال المسلمين عندما يحلون بالمعهد المذكور، على أن يكون المعلم المحايد هو الوسيلة، والتأثير الفرنسي هو الهدف (١). ومع هذه الضجة، فإن الكوليج العربي - الفرنسي لم يفتح، والكرم الفرنسي لم يحصل. وبقي الحال كما كان: وفود من الأعيان تتردد على فرنسا في زيارات دورية تنظمها السلطات الفرنسية في الجزائر بالاتفاق مع الحكومة في باريس. أحيانا تكون الوفود ممثلة وجامعة لمختلف أنحاء الجزائر. فكأنها وفد برلماني أو تمثيلي في شكل ما. وأحيانا تكون الوفود جهوية. ونجد في هذه الوفود أحيانا العسكريين فقط أو رجال السيف والبارود الذين يتقلدون وظائف فرنسية، وأحيانا وفودا مختلفة فيها بعض المدنيين أيضا من كبار العائلات في المدن، وبعض الكتاب أو الخوجات والقضاة. وكان عهد بوجو (١٨٤١ - ١٨٤٧) من أنشط العهود في هذا الميدان. فبينما كان سيفه ومحراثه يعملان بلا هوادة في رقاب وأرض الجزائريين على يد الجنود والمستوطنين، كانت إدارته ترسل هذه الوفود لتتلقى الحضارة وتطلع على الذكاء والقوة والعلم الفرنسي ... ثم تعود منبهرة مندهشة، مبشرة بما لا عين رأت ولا أذن سمعت، كما يريد الفرنسيون، بل كانوا يريدون منها أن تصبح طابورا خامسا لصالح الإدارة الاستعمارية. ومع ذلك فإن القليل فقط من الجزائريين هم الذين سجلوا انطباعاتهم

стр. 2770

وتركوها مكتوبة. ولكن الفرنسيين كانوا ينتظرون الدعاية الشفوية (أو التلغراف العربي) كما يسمونه، فالكلمة المنطوقة تذهب من فم إلى فم ومن أذن إلى أذن. ولا حاجة إلى القلم والقرطاس في ذلك الوقت، سيما بعد أن انتشرت الأمية. فأهل المدن يحدثون من يساكنهم، وأهل الريف يحدثون جيرانهم، وهكذا يعم الجمع كنت فرنسا والسلام الفرنسي. ولكن هل ذلك هو ما وقع فعلا؟ إن كان بعض أصحاب الوفود قد حدثوا مواطنيهم بما شاهدوا فإن الأثر كان منعدما في الريف على الأقل حيث ظلت المقاومة مستمرة إلى عقد الثمانينات. وهذا لا يعني أن الفرنسيين لم يكسبوا أنصارا ولم ينجحوا في تكوين الخلية الاستغرابية - الاندماجية. فقد رجع محمد الشاذلي، وهو من المتعلمين البسطاء في علمهم ومن القضاة أيضا، رجع وهو معجب بباريس ونهرها ومسرحها وبرلمانها ونسائها حتى كاد يتزوج هناك من مجهولة الحسب والنسب، كما يقول أحد التقارير الفرنسية عنه. وهذا الإعجاب أورثه منصبا دائما، وهو إدارة مدرسة قسنطينة من إنشائها سنة ١٨٥٠ إلى وفاته ١٨٧٧ (١). وهناك أمثال الشاذلي أيضا ممن سجلوا انطباعاتهم في (رحلات) ترجمها الفرنسيون في الحال، لأنها كانت تحقق الهدف المطلوب، وتبعث التأثير في القلوب، من ذلك رحلة محمد ولد القاضي التي يكفي عنوانها عن محتواها (الرحلة القاضية في مدح فرنسا وتبشير البادية). ورحلة سليمان بن صيام، ورحلة محمد السعيد بن علي الشريف. والثلاثة كانوا من الأعيان، وبعضهم كان من رجال الدين والزوايا أيضا، مثل ابن علي الشريف صاحب زاوية شلاطة. وكان ابن صيام من أعيان مليانة، متوليا أيضا للفرنسيين، ونفس الشيء يقال عن ولد قاضي الذي كان متوليا لهم على فرندة. ولكي تتحقق الفائدة الأفضل أقدمت جريدة المبشر على نشر (الرحلات) أيضا ليقرأها القاصي والداني. وكان أصحاب الرحلات، على
следующие страницы →