← Указатели

Указатели · id 14100

تاريخ الجزائر الثقافي

أبو القاسم سعد الله

Полный текст (5 019 стр.). Показаны 2836–2875 · переход к 2841.

стр. 2836

والماسونية، وغيرها. وقد كان لها جميعا صداها القوي أو الضعيف بين بعض السياسيين الجزائريين والكتاب، ولا سيما النخبة الاندماجية. وهدفنا من ذلك هو بيان أن المجتمع الجزائري لم يكن بمعزل عن الحياة المعاصرة، رغم القيود التي كان يرسف فيها، مثل قوانين الاندجينا. لقد تعرضت شعوب كثيرة إلى الغزو الفكري والاضطهاد بشتى الوسائل في القديم والحديث. وكان منها شعوب تتمتع بحصانة ذاتية فقاومت حتى انتصرت، ومنها شعوب كانت فاقدة للحصانة الذاتية فذابت في غيرها واندثرت. والشعب الجزائري تعرض، في غفلة من الزمن وأمام تخاذل حكامه الذين تركوه نهب الأقدار في براثن العدو (١)، إلى محاولة جادة وحثيثة للإذابة والإزالة، ولكنه قاوم حتى انتصر. ولذلك فإن الأفكار المدمرة التي سلطت عليه منذ اللحظات الأولى للاحتلال لم تنل منه في النهاية. (نعمة) الاحتلال ؟ معظم الفرنسيين، ومعهم بعض الأوروبيين، اعتقدوا أن احتلال الجزائر كان نعمة وبركة على أهلها، بينما اختلفت وجهة نظر الجزائريين أنفسهم حول الموضوع: فهل كان الاحتلال نعمة أو نقمة؟ سوف لا نستوعب الجواب على هذا الموضوع، ولكننا نذكر بعض الآراء من هنا ومن هناك ثم نتركها مفتوحة للنقاش. جاء الفرنسيون إلى الجزائر بمجموعة من النقد التي كانت متراكمة عندهم منذ العصور الوسطى حول العرب والمسلمين والشرق والشرقيين، وحول الأمم المتحضرة والأمم المتبدية. وكانت عقائد الحروب الصليبية ما تزال حية في أذهانهم وفي كتبهم وفي معاملاتهم مع أهل جنوب البحر الأبيض المتوسط. وكان وجود المسلمين في جنوب فرنسا منذ الفتح

стр. 2837

الإسلامي للأندلس، قد ترك آثاره في الأقاصيص التي تروى عن شارل مارتل وعبد الرحمن الغافقي، وفي حكايات شارلمان وهارون الرشيد. كما أن الوجود العثماني في أوروبا الشرقية وفي الجزائر جعل ذكرياته غير مسرة للفرنسيين رغم أن ملوكهم (مثل فرانسوا الأول) كانوا متحالفين أحيانا مع سلاطين آل عثمان. وكان التقدم التقني والتجاري للفرنسيين قد أدى إلى التقدم في ميادين أخرى كالآداب والفنون والفلسفة، والتوسع البحري مما أدى إلى نمو الحس القومي. وكانت الثورة الفرنسية قد حررت الفرنسيين من عقد أوروبية عديدة، ولكنهم ظلوا يحملون عقدا متراكمة نحو الشرق والعرب والمسلمين. وما حملة نابليون الفاشلة على مصر وتخطيطه لاحتلال الجزائر ومعركة نافرينو إلا علامات فقط على هذه العقد وعودة فرنسا إلى ممارسة الحروب الصليبية بطريقة جديدة. وكان احتلال الجزائر، بعد فشل حملة مصر وهزيمة واترلو وتحجيم الخريطة الفرنسية في مؤتمر فيينا، قد أطلق الكبت الفرنسي من عقاله. وهكذا كانت تصرفات الجيش والمدنيين الفرنسيين تصرفات تدل على شذوذ غريب في العلاقات الإنسانية. فالمسألة هنا ليست مجرد احتلال أرض واستعباد شعب، ولكنها مسألة انتقام من الماضي كله: من فشل الحروب الصليبية، وهزيمة واترلو، وهزيمة الحملة على مصر، والهزائم الفرنسية القديمة أمام الجزائر، ثم الانتقام من احتلال العرب والمسلمين لأجزاء من فرنسا في القرون الوسطى. لقد كان الفرنسيون سنة ١٨٣٠ لا يحملون أحقادهم فقط ضد الجزائريين، كعرب ومسلمين، ولكن أحقاد رجال الكنيسة والملوك والقادة والرعاع الذين تحطمت أحلامهم في السيطرة على الشرق وعلى العالم الإسلامي أثناء قوته. ومن جهة أخرى اعتقد الفرنسيون أنهم في الجزائر أصبحوا خلفاء الرومان وأحفاد القياصرة. ورغم عدم تدين الفرنسيين الظاهري فإنهم كانوا يعتبرون أنفسهم ورثة القساوسة والرهبان الذين كانوا على رأس الكنيسة (الكاثوليكية) في بلاد البربر. وقد رأينا أن تصرفاتهم وتصريحاتهم الأولى

стр. 2838

كانت كلها تصب في هذا التيار، أي استعادة مجد الكنيسة ومجد رومة. فكل قائد فرنسي في البداية كان يعتبر نفسه شيبيو الإفريقي، وكل قسيس كان يعتبر نفسه القديس أوغسطين أو سيبريان. وقد عاملوا الجزائريين كما عامل الرومان البربر في القديم، ولكن أحقاد الفرنسيين المتراكمة ضد العرب والمسلمين تجمعت هذه المرة ضد الجزائري باعتباره من البربر المتعربين والمسلمين، أي أنه أضاف إلى العنصر البشري (المتخلف) كما كان في العهد الروماني عنصرا جديدا للسخط عليه، وهو اعتناقه للإسلام وتبنيه لغة القرآن. إن كل تاريخ الاحتلال الفرنسي في الجزائر هو في الواقع تاريخ لمحاولات القضاء على هذه (الهوية الجديدة) التي أصبحت تميز الإنسان الجزائري العربي المسلم (البربري سابقا). فكل قوانين التجنيس، وإجراءات الدمج في الكيان الفرنسي، والانتقاص من الحضارة العربية الإسلامية إنما كانت تذهب هذا المذهب وتعمل على تجريد الجزائري من هويته الجديدة. وزاد من انطلاق الكبت الفرنسي سهولة نجاح حملتهم ضد الجزائر وسقوط حكومتها بدون حرب تقريبا، ورضى حاكمها بالسلامة الشخصية، واغترار بعض أعيانها بوعود القائد الفرنسي. فرغم الضعف الذي كانت تعانيه حكومة الجزائر عندئذ - اقتصاديا وعسكريا- فإنها كانت تبدو مستعدة لمواجهة الحملة الفرنسية وإفشالها بالأسلوب الذي تعاملت به مع الحملات الأوروبية والأمريكية، وآخرها كانت حملة ١٨١٦. ولكن اتضح بعد نزول الحملة الفرنسية في سيدي فرج غربا، بدل نزولها في البرج البحري شرقا، أن الاستعدادت كانت غير كافية وأن الخطة الدفاعية كانت فاشلة، وأن العاصمة أصبحت في حاجة إلى معجزة لإنقاذها. فالعدو الذي اجتاز البحر بسفن جرارة ونزل أرض عدوه بدون مقاومة، تصبح إعادته إلى البحر مسألة مستحيلة تقريبا. ثم إن نزول العدو بالطريقة المذكورة كشف عن ضعف جديد أيضا في المقاومة الجزائرية، وهو زعزعة الثقة بين الحاكم والمحكوم. إن المسألة لم تعد مسألة جهاد يدوم أياما ويتناوب عليه الجيش والفلاحون والمتطوعة لدفع العدو خارج تراب الوطن، ولكنها أصبحت مسألة الشعور

стр. 2839

بالولاء الوطني نفسه والثقة في الحاكم، بل مسألة وجود شعب ودولة بالمعنى العصري للكلمة. لقد كان للجزائر حكام وشعب ونظم قائمة وإدارة مركزية وأخرى إقليمية، ولكنها كانت تفتقر إلى التماسك الصلب والإحساس بالتلاحم بين السلطة والمواطن دفاعا عن الوطن الواحد. وهذه هي نقطة الضعف التي أدت إلى تلاشي المقاومة الأولى والتي وجد فيها العدو ثغرة للدخول منها إلى العاصمة واحتلالها. أما المقاومة التى تولدت بعد ذلك فلا تهمنا الآن. والأحكام الأولى التي صدرت عن الفرنسيين (المنتصرين) تبرهن على روح الانتقام التي أشرنا إليها وعلى الشعور بالتفوق والتعالي. فكتب كتابهم عن هذا التفوق وتجسم ذلك في قوانيهم وأحكامهم على أنهم أعلى درجة في التطور الاجتماعي والحضاري من الجزائريين (الأهالي) - الأندجين -، وأنهم هم فقط المتحضرون، أما الجزائريون فأجلاف. وإن أخلاقهم مهذبة وأخلاق الجزائريين غليظة، وأن حكامهم ديموقراطيون وحكام الأهالي طغاة ومستبدون، وإن لهم ذوقا رفيعا وللأهالي ذوقا منحطا، فلم يعجبهم لا دين الأهالي ولا لغتهم ولا موسيقاهم ولا معاملاتهم ولا منازلهم ولا نساءهم ولا أشكالهم. ومع ذلك اعتقدوا أن دراسة مجتمع الجزائريين وحضارتهم ستفيدهم في دراسة المجتمعات البدائية، كما اعتقدوا أن تلك الدراسة ستقدم إليهم صورة حية عن ماضيهم وأن دراسة المجتمعات المتدهورة يمكن أن تقدم درسا في التنمية المستقبلية وتكون إنذارا صارخا للفرنسيين يتعظون به (١). وبالإضافة إلى التعالي والغطرسة وروح الانتقام، قام الاحتلال الفرنسي على عدة ركائز يحفظها الذين اطلعوا على أول صفحة من تاريخه في الجزائر. فالجيش قد وصل في عهد بوجو إلى ثمانين ألف جندي نظامي، ثم أضيفت إليه فرق مساعدة مؤلفة من المتطوعة الجزائريين [مرتزقة في أول

стр. 2840

أمرهم] واللفيف الأجنبي الذي تأسس أيضا في عهد الاحتلال المبكر، (حوالي ١٨٣٤) وكان مقره الرسمي في الجزائر طيلة قرن وزيادة، ثم الرماة والقناصة والخيالة، وغير هؤلاء. وكان الجيش الفرنسي متسلحا بأسلحة متطورة ومتفوقة: أين منها بنادق الجزائريين وسهامهم وسيوفهم! كما كان الجيش الفرنسي حديث عهد بالحروب في القارة الأوروبية وله دربة على فنون الحرب العادية والاستثنائية. ورغم أن هناك إدارة جزائرية ذات تقاليد قديمة وسجلات بالوثائق والمراسلات والسلالم الرسمية، فإن الفرنسيين لم يثقوا فيها وفككوها ونفوا بعض من كان فيها وعزلوا الآخرين. ثم ارتجلوا إدارة من عندهم قامت على ولاء بعض الجزائريين المدنيين الذين لا خبرة لهم (لأنهم كانوا خارج السلطة) ورئاسة إطارات فرنسية لا تعرف شيئا عن قوانين وتقاليد البلاد. وبدأ التخبط والتناقض في التسيير. وأنشئ على إثر ذلك الجهاز العسكري المعروف (بالمكتب العربي) الذي أخذ بالتدرج يدير المدن والمناطق المحتلة كبلديات عسكرية مزدوجة (فرنسية - جزائرية). ثم أنشئ لهذه المكاتب العربية المتفرقة مكتب مركزي في العاصمة تابعا لجهاز الحاكم العام. وفي الأربعينات تبني (بوجو) النظام الإداري الذي وضعه الأمير عبد القادر لدولته، سواء في توزيع المسؤوليات من الشيخ إلى الخليفة (أي من العرش إلى الإقليم) أو في إجراء الأحكام القضائية (١). فكل منطقة تغلب عليها الفرنسيون كانوا يعينون عليها حاكما جزائريا (أهليا) يحكم باسمهم ثم يحكمون هم من ورائه، ويدعمونه بالبرنس والتنصيب الرسمي والمال وبعض العسكر الخ. وكان بعض هؤلاء الحكام الجزائريين قد قبلوا الوظائف الفرنسية طمعا في الجاه، وبعضهم لم يقبلوها إلا بعد فشل المقاومة أو تحت الضغط، وقد حكم بهم الفرنسيون فترة - ما داموا في حاجة إليهم - ثم لفظوهم بالتدرج ابتداء من الستينات (عهد المملكة العربية)، فلم تأت

стр. 2841

تأت السبعينات حتى كاد الفرنسيون يستغنون عنهم تماما بتوظيف جيل آخر من غير الأكفاء الذين لا مؤهل لهم سوى الولاء لفرنسا وتقبيل اليد المتفضلة عليهم بالنعمة - إذا كانت نعمة! ومن الوسائل التي حكم بها الفرنسيون وجود عدد كبير من المستوطنين (الكولون) الذين تقاطروا على الجزائر عبر العقود المختلفة، آخرها كان عقد السبعينات، بعد حرب ١٨٧٠. فقد أعلن الجيش الفرنسي منذ أول وهلة عن قناعته بالاستعمار، ثم ساندته حكومة باريس ومختلف الوزارات المتعاقبة سواء في عهد مملكة يوليو، أو الجمهورية الثانية أو الامبراطورية الثانية أو الجمهورية الثالثة. وكلهم أعلنوا عن إغراءات مفرطة لتحويل أنظار المهاجرين الفرنسيين والأوروبيين من الاتجاه إلى أمريكا إلى الاتجاه نحو الجزائر، بلاد الشمس والبحر، كما يسميها ألبير كامو، وهي البلاد القريبة من أوروبا بحيث لا يحتاج المهاجر إلى قطع البحار، والتعرض للأخطار، وهي بلاد الفرص الذهبية حيث الأرض الخصبة بالمجان والمساعدات المالية وحماية الجيش لهم من (اعتداءات العرب). لقد أصبح المستوطنون الذين جاؤوا من كل فج والذين كان نصفهم تقريبا فرنسيا أصلا ونصفهم أوروبيا متفرنسا - هم العمود الفقري في إدارة الاحتلال وفي اقتصاد الجزائر وتجارتها وتعميرها لصالحهم. كما أصبحوا هم أداة الحضارة أو إنجاز ما سمي بالمهمة الحضارية الفرنسية. وكان لهم نواب ابتداء من عهد الجمهورية الثانية، في الجزائر وفي فرنسا، ولهم صحافة ومسارح وكنائس، ولهم نمط عيشهم الخامس، فقد نقلوا معهم النموذج الفرنسي - الأوروبي إلى الجزائر، وأصبحت كل مدينة تعيش بوجهين وجه عربي مسلم يعبر في نظر الفرنسيين عن القدم والخمول والتخلف، ووجه فرنسي - أوروبي يعبر عن الجدة والنشاط والحياة، أو حي ميت وحي حي (١). فالتفوق الفرنسي يظهر في العمران وتخطيط المدينة قبل أن يظهر في اللغة والجيش والنظام الاقتصادي

стр. 2842

أو في الدم الآري، كما يحلو لبعضهم أن يقول. وهناك وسائل أخرى عديدة للهيمنة الاستعمارية في الجزائر. فالاحتلال استتب بالتدرج وأخذ يبحث عن وسائل الدوام. ومنها إبعاد العرب والمسلمين عن ديارهم وأراضيهم والرمي بهم في مجاهل الصحراء، أو في شواهق الجبال الجرداء، ثم أخذ الفرنسيون يتحدون الجزائريين بأنهم غير محتلين وإنما هم في بلادهم، بلاد أجدادهم الرومان القدماء، وكانوا يواجهون الجزائريين بهذه المقولة المتكررة: إننا نحن أصحاب السيادة، والسيادة يجب أن تكون كاملة، في اللغة والسياسة والاقتصاد والمنازل والمطاعم والحكم الخ. وعندما رفض الجزائريون هذا المنطق أصدر الفرنسيون لهم قوانين (الأندجينا)، أو قانون الأهالي الخاص بأنواع العقوبات الصارمة على مجموعة من الجنايات (الجرائم؟)، بما في ذلك العقوبة الجماعية. وواضح أن التسمية نفسها آتية من (الأندجينا) التي تترجم إلى أهلي، وهي ترجمة متسامحة، لأن غرض الفرنسيين من تسمية الجزائريين (بالأندجين) هو الحط الشنيع من قيمتهم، فهم دون الرعية (١) ودون المواطنين. فمعنى الأندجين هو (الساكن الأصلي المتخلف) ومعنى (الأندجينا) حينئذ هو مجموعة القوانين والإجراءات التعسفية الاستثنائية الموجهة ضد السكان الأصليين المتخلفين (٢). وكان هذا (الكود) يضم ٤١ مخالفة أو جناية لا تطبق إلا على الجزائريين. وكانت هذه الإجراءات مطبقة عشوائيا عليهم منذ الاحتلال، ولكن ابتداء من ١٨٨١ صدرت في شكل إجراءات استثنائية. ثم كانت المدرسة من أهم وسائل الهيمنة الاستعمارية. وقد تحدثنا عن

стр. 2843

ذلك في فصل التعليم، وعرفنا أن الفرنسيين اتخذوا منها أداة لدمج الجزائريين في البوتقة الفرنسية. وكانوا قد بدأوا ذلك منذ الشهور الأولى للاحتلال، ولكن الجزائريين كانوا لهم بالمرصاد، فقاطعوا في البداية المدرسة الفرنسية، وتمسكوا بمدرستهم. فرد عليهم الفرنسيون بقطع جميع الموارد على المدرسة العربية - الإسلامية ومصادرة أوقافها وتشريد معلميها وهدم مؤسساتها. ولم يكن غرض الفرنسيين هو (نشر التعليم) كما قد يتخيل البسطاء، وإنما إنشاء مراكز تدريبية على الأفكار الفرنسية والعادات والمدخل إلى اللغة الفرنسية، أي إحداث زعزعة في الذهنية الجزائرية، وفصل الأطفال عن ذويهم عقليا، وتكوين جيل لخدمة المصالح الفرنسية، عن طريق التثاقف. ثم لعبت المدرسة الفرنسية دورا، غير نزيه لا يليق بالعلم والحضارة، وهو إعطاء بعض الجزائريين كميات من العلم وحرمان الآخرين منه، وكان ذلك من باب التفريق بين المواطنين وإشعار البعض منهم بأنهم أكثر تفوقا على جيرانهم وأنهم أصبحوا يشبهون الفرنسيين نشاطا وأصولا، ومعيشة. ولكن عندما وصل هؤلاء المتعلمون الجزائريون إلى درجة المطالبة بحقوقهم أجابهم الفرنسيون بأنهم (أندجين) كالآخرين. وقد نجحت المدرسة الفرنسية، مع ذلك، في تكوين أقلية اندماجية (نخبة) أصبحت بالتدرج مفصولة عن المجتمع، ودون أن تصعد إلى مصاف الفرنسيين في المعاملة. ويتصل بهذه الوسيلة الخطيرة وسيلة أخرى لا تقل خطورة في التحكم في مصير الجزائريين والسيطرة الاستعمارية على مقاليدهم، ونعني بها الهيمنة على الشؤون الإسلامية. ذلك أن الفرنسيين قد وضعوا أيديهم على كل المعالم والمؤسسات الإسلامية من مساجد وزوايا ومكتبات وأوقاف وحج، بل حتى رؤية هلال رمضان والإعلان عن عيد الأضحى. ثم أنشأوا إدارة سموها (إدارة الشؤون الأهلية)، أصبحت هي التي تختار الأيمة والمدرسين وقراء القرآن على الموتى، وهي التي توظف وترتب الرتب وتكافئ وتعزل رجال الدين. وهي التي ترفع وتخفض رجال الطرق الصوفية بالسماح لهم (بالزيارات) أو منعها عنهم. وهي التي تفتح أو تغلق الزوايا. كما أن هذه

стр. 2844

الإدارة ومن يمثلها في المقاطعات البعيدة كانت هي التي تمنح رخصة التعليم (الحر) أو ترفضها، أي رخصة فتح المدارس القرآنية. وكانت أيضا هي التي تشرف على شؤون الحج. فمن شاءت حججته ومن شاءت حرمته. كما كان التحكم في القضاء من أبرز وسائل الهيمنة الاستعمارية. والحقيقة أن التدخل في القضاء الإسلامي بدأ منذ الاحتلال، ثم جرت عدة تدخلات أخرى سنوات الأربعينات والستينات أدت إلى تقليص دور القضاة المسلمين وإعطاء صلاحياتهم للقضاة الفرنسيين، أو إذا شئت إحلال الأحكام والقوانين الفرنسية محل الشريعة الإسلامية في بلاد إسلامية تعهدت فرنسا على لسان ممثلها سنة ١٨٣٠ باحترام دين أهل البلاد وتقاليدهم. ولم تحل سنة ١٨٨٦ حتى رمى الفرنسيون بكل مواثيقهم وعهودهم في الهواء وأعلنوا تجريد القضاة المسلمين من كل صلاحياتهم تقريبا، فأنشأوا نظام المحلفين (الجوري)، وهو نظام لا تعرفه الشريعة الإسلامية، وجعلوا المحلفين من الفرنسيين فقط، في كل القضايا الجنائية. ولم يبق للقضاة المسلمين إلا تسجيل شؤون الزواج والطلاق والتركات. وفي ١٨٩٠ ألغيت المحاكم الإسلامية ولم يبق منها سوى ٦١ من مجموع ١٨٤ محكمة. كل ذلك تطبيقا لمبدإ السيادة الفرنسية، فقد قال الحاكم العام (ديقيدون) ذات مرة بأن على القاضي المسلم أن يتوارى أمام القاضي الفرنسي لأن هذا هو الذي يمثل الاحتلال والسيادة. وفي سنة ١٨٨٢ سن الفرنسيون سنة غير حميدة للجزائريين عندما فرضوا عليهم تغيير الحالة المدنية التي كانوا عليها وتطبيق نظام الحالة المدنية الفرنسي عليهم فرضا. فكل (أندجين) كان عليه أن يحمل بطاقة تعريف وأن يختار لقبا عائليا، وأن يصرح جبرا بالزواج والطلاق. وكان الهدف، كما صرح بذلك المشرعون لهذا النظام الجديد أنفسهم، هو فصل الجزائريين عن إطار قوميتهم وانتمائهم الحضاري الذي عاشوا داخله منذ قرون. فالعرش (القبيلة) انقسم إلى عائلات، وكل عائلة أصبح لها لقب خاص بها بقطع النظر عن كونها تشترك أو لا تشترك مع مجموع عائلات العرش في الانتماء للجد

стр. 2845

الواحد (أولاد فلان، بنو فلان). وكانت هذه الخطوة، التي جاءت بعد مرسوم ١٨٦٣ الخاص بنزع الملكية العرشية وتمليكها للأفراد من العرش نفسه، من أخطر الخطوات التي اتخذت لمحق الهوية الجزائرية ودمج أهلها في البوتقة الفرنسية. وقد أعلن كاميل صاباتييه أمام لجنة ١٨ (١٨٩١) أن الهدف من إنشاء الحالة المدنية هو تحضير الأهالي للاندماج. أما الضرائب والقوانين المالية فقد استعملها الاحتلال كوسيلة غير رحيمة للسيطرة والقبضة الحديدية. إن احتلال أية قرية أو مدينة كان يعقبه فرض ضرائب حربية وضرائب استسلام. لقد فهم الفرنسيون أن الطاعة أو الخضوع يستلزم دفع الضرائب أو الجزية بكميات لا تتناسب مع القدرة على الدفع. وإذا عجز البعض عن الدفع أجبر الفرنسيون باقي المواطنين على الدفع الجماعي. اسأل عن البليدة والقليعة والمدية وتلمسان ومليانة وقسنطينة، اسأل أي عرش أو قبيلة، اسأل ثوار الأوراس والظهرة وجرجرة والصحراء، عن معاناتهم وبكائهم أمام جباة الإدارة الجديدة وهم ينتقمون منهم دون مراعاة لأي حال أو مآل. وكان العاجز عن الدفع يحمل إلى السجن وبذلك يحرم أولاده وأهله من خدمته. فتتشرد الأسر وتترمل النساء ويتيتم الأطفال. وهناك أيضا ضريبة شاذة تسمى (الضريبة العربية)، لا يدفعها إلا العربي (الجزائري) بالإضافة إلى زكاة العشر. وفي ١٨٧٣ زيد على ذلك ما سمي بالسانتيم الإضافي لخدمة الممتلكات الأهلية، وبعد ذلك بسنة زيذ ١% من الضرائب، وبعدها بسنة ضوعفت مدفوعات الأهالي الضرائبية. وبالإضافة إلى دفعهم الضرائب المباشرة كالفرنسيين، كانوا (الأهالي) يدفعون ضرائب أخرى غير مباشرة بلغت ٤٦% من مجموع الضرائب كلها. ومع ذلك فهناك قوانين تمنع الأعراش من الرعي في الغابات، وتحمل الجزائريين مسؤولية حرائق الغابات وتعاقبهم بالعقوبة الجماعية عليها. ومن ذلك قانون ١٨٨١ (١).

стр. 2846

هذه إذن عينات من وسائل الهيمنة الاستعمارية الفرنسية على الجزائر. ونحن لم نتحدث عن أخذ الرهائن والنفي إلى جزر المحيطات، ولا على سياسة (فرق تسد) أو استعمال الصفوف (الأحزاب) بعضها ضد بعض، ولا تسليط وسائل الإعلام الكثيرة لتحقير الجزائري وإهانته، ولا التمييز العنصري في الاعتبار العام وفي المدرسة والمستشفى والمطعم والوظيفة. حقا إن هناك أفرادا، فرنسيين كانوا قد ارتبطوا بالجزائريين ارتباطا إنسانيا، من الإنسان العادي إلى الأديب والأستاذ والفنان والطالب إلخ. ولكن هذه مجرد حالات لا تمثل قاعدة التعامل الحقيقي واليومي، أو الرسمي والشعبي. ومع ذلك يقف جزائريون جهلة بكل المعطيات التاريخية وكل المعاناة التي خضع لها آباؤهم وأجدادهم ليقولوا إنهم كانوا في ضنك فأصبحوا تحت الفرنسيين في بحبوحة من العيش، اتباعا للدعاية الاستعمارية نفسها التي انطلت عليهم بعد أن ران على قلوبهم غشاء كثيف. فقد وجدنا منهم، بعد جيلين من الاستعمار، من يشكر فرنسا على تعليمهم بعد أن كانوا في جهل، وعلى تنظيمهم بعد أن كانوا في فوضى، وعلى إعطائهم وطنا، بعد أن كانوا بدون وطن. اقرأ كتاب أبي بكر بو طالب، ومقالة ابن حمودة، ورسائل حسني لحمق، وتصريحات فرحات عباس الأولى، ومقالات الزناتي وزملائه (المستضعفين) (١). وهناك غيرهم ممن لم يكتبوا مقالات أو كتبا ولكنهم كانوا يعلنون ذلك بأفواههم في المحافل والمناسبات ويمجدون أعمال فرنسا في الجزائر، سيما بعض كبار الأعيان. رأي باصيه، ود. وارنييه، وطوكفيل ... أما الجانب الفرنسي فقد أكثر من المن على الجزائريين وذكر التفضل بالنعم والبركات. معظم الفرنسيين كانوا معجبين بما قدمته بلادهم للجزائر.

стр. 2847

وقد تجند علماؤهم، والمستشرقون بالخصوص، للإشادة بما قدم الجنود والقساوسة والقادة الإداريون والباحثون والفنانون في هذا المجال. ونذكر بهذا الصدد بحث الأستاذ رينيه باصيه، كبير المستشرقين ومدير مدرسة الآداب في الجزائر حوالي أربعين سنة (١). كما نذكر ببحث هنري بيريس الذي كان مديرا، لمعهد الدراسات الشرقية في كلية الآداب عشية ثورة ١٩٥٤ (٢). وها هو الدكتور وارنييه لم ينتظر طويلا، إذ كتب منذ ١٨٦٥ ملخصا. عما قدمته بلاده للجزائريين من مبرات وخيرات - في نظره - ولا ندري لو كتب وارنييه بعد ثورة ١٨٧١ وما تلاها من عقوبات، ماذا كان سيكتب أيضا. ومع ذلك فنحن نعلم أنه حضر الثورة المذكورة واشترك في تسليط العقاب على أصحابها. قال الدكتور وارنييه سنة ١٨٦٥ منوها بفضل فرنسا على الجزائريين: لقد أعطتهم الجنسية الفرنسية دون مطالبتهم بقوانينها. وهو يشير بذلك إلى المرسوم الذي صدر في نفس السنة (١٨٦٥) والذي جعل من الجزائريين رعايا فرنسيين في الخارج ولكنهم في الداخل - داخل الجزائر - كانوا مجرد (أندجين)، كما عرفنا. وكان على الدكتور وارنييه أن يقول إن فرنسا فرضت عليهم حالة الرقيق وأنهم لم يطالبوا بالجنسية الفرنسية وإنما فعلت فرنسا ذلك مضطرة حتى تحمي مصالحها في المشرق، لأن المهاجرين كانوا يطالبون بالجنسية العثمانية بعد خروجهم من الجزائر. وأخبر الدكتور وارنييه، الذي عاش في الجزائر طويلا وأصبح من أقطاب الاستعمار والعنصرية، كما سنرى، أن فرنسا قد احترمت دين الجزائريين (الإسلام) رغم أنه لا يتلاءم مع نظمها. والرد على هذا الرأي موجود عند الفرنسيين أنفسهم، فأي احترام للدين الإسلامي إذا كانت

стр. 2848

فرنسا نفسها هي التي صادرت أوقافه وهدمت مساجده وزواياه وبعثرت حتى عظام موتاه على مرأى ومسمع من السكان؟ وأي احترام للإسلام إذا كانت شريعته لا تطبق في القضاء، ولغته لا تدرس في المدارس، وقرآنه لا يتلى إلا على الأموات، وأيمته ومفتوه يعينهم أمثال لوسياني أو ميرانت؟ ولنستمع إلى بقية (المكرمات) الفرنسية، كما يذكرها الدكتور وارنييه، دون الرد عليها، لأنها جميعا مخالفة لما حدث تاريخيا. قال: إن عدل فرنسا أرحم معهم (الجزائريين) من عدل غيرها رغم كثرة تحدياتهم لها - يقصد الثورات الخ - وأن فرنسا قد أعطتهم التعليم أكثر من حاجتهم إليه (؟)، وأنها فتحت أمامهم الوظائف المدنية (في الجزائر، لأنهم لا يتوظفون في فرنسا رغم أنهم فرنسيون)، كما فتحت أمامهم الرتب العسكرية في الجيش الفرنسي. وأضاف أن فرنسا جعلتهم ملاكين للأراضي التي كانت ملكا للدولة (وهو يقصد أرض الأعراش الجماعية، وهو يعتقد أن الأرض ما دامت عرشية فهي للدولة!). ثم ذكر وارنييه أن بلاده قد أبقت الكولون تحت نظام استثنائي - يعني الحكم العسكري كالجزائريين - احتراما لمؤسسات الأهالي السياسية والإدارية. وأخيرا ذكر وارنييه أن بلاده كانت تصرف حوالي ٢١ فرنكا للمحافظة على الأمن بين قبائل الجزائريين بينما لا تجني منهم في شكل ضرائب إلا حوالي ثلث ذلك المبلغ (١). كان أليكسيس دي طوكفيل من المنادين بالاستعمار أيضا ولكن كان له تفسيره الخاص وحتى نقده. فقد زار الجزائر على الأقل مرتين، سنة ١٨٤١ وسنة ١٨٤٦، ولكن اهتمامه بها يرجع إلى سنة ١٨٣٣، وكتب عنها التقارير والمذكرات وشارك في إحدى اللجان البرلمانية التي درست أحوالها. وكان له مشروع إقامة (دمينيون) بالجزائر، لكنه لم ينجح فيه. وقد أيد الاستعمار وتوزيع الأراضي ومواصلة الحرب في الجزائر، بل أيد حملات بوجو

стр. 2849

العسكرية ومجزرة غار الظهرة الشهيرة (سنة ١٨٤٥)، والقضاء على مقاومة الأمير عبد القادر، وذلك تحت غطاء نشر الحضارة الأوروبية والمسيحية وتحرير العبيد والتوسع الفرنسي القومي باسم الفكر الليبرالي، ولكنه نادى بالأخذ بيد الجزائريين (البدائيين) لا ليكونوا فرنسيين ولكن ليكونوا كالفرنسيين. وبينما نجد دي طوكفيل يقول إن فرنسا قد التزمت للجزائريين بعدة التزامات وعليها أن تحافظ على عهدها. نجده تارة أخرى يقول إن فرنسا قد ارتكبت في وقت السلم ضدهم ما لم ترتكبه في وقت الحرب. في المرة الأولى قال إنها التزمت بعدم المساس بدينهم، وأنها كافأت من حاربها منهم بتوظيفه ومنحه الأوسمة والضيافة، وأنها منحت لهم الأرض الخصبة التي كانت للدولة بدل منحها للأوروبيين، وحملتهم إلى الحج على سفنها وعلى حسابها. أما في المرة الثانية فقد قال إن المدن الجزائرية قد غزتها الإدارة أكثر مما غزاها الجيش، وأن عددا من الأملاك الخاصة قد خربت ونهبت أثناء السلم، وأن كثيرا من الوثائق التمليكية قد طلبتها الإدارة من أصحابها للتأكد من التملك ولكنها لم ترجعها إليهم أبدا. وأعلن أن الأراضي الخصبة التي كان يملكها الجزائريون حول العاصمة قد انتزعت منهم وأعطيت إلى الكولون الذين لا يريدون أو لا يستطيعون زراعتها بأنفسهم فسلموها بدورهم إلى أصحابها الأصليين ليعملوا كأجراء على أرض هي في الواقع ملك لأجدادهم. وأخبر أن هناك قبائل لم تحارب الفرنسيين ومع ذلك انتزعت منها أراضيها الخصبة وأجبرت على الخروج من منطقتها، وأن الفرنسيين قبلوا بشروط لم ينجزوها ووعدوا بتعويضات لم يحققوها، وحكم بأن ذلك قد أدى إلى أن يعاني (الشرف) الفرنسي قبل أن تعاني مصالح الأهالي. وفي نظر دي طوكفيل أن المجتمع الجزائري كان نصف متحضر، وأن له حضارة متخلفة وغير متقنة، والدليل على ذلك أنه كان يتمتع بمؤسسات كثيرة، خيرية وتعليمية، كان هدفها سد الحاجات الاجتماعية وخدمة التعليم

стр. 2850

العمومي، ولكن الفرنسيين، كما قال، وضعوا أيديهم على مداخيل هذه المؤسسات في كل مكان، ووجهوا جزءا منها لخدمة أغراض أخرى غير اغراضها التي أنشئت من أجلها. وقال إن الفرنسيين قد خفضوا عدد المؤسسات الخيرية الإسلامية (وهو يعني الأوقاف) وأهملوا المدارس، وأغلقوا الحلقات الدراسية، وقال بهذا الصدد قولته الشهيرة، إننا بدل أن نضيء هذه الشموع (الدروس والمدارس) أطفأناها، وبذلك توقف تخريج رجال العلم والدين والشريعة، وهذا يعني، في رأيه، أن الفرنسيين قد جعلوا المجتمع الإسلامية أكثر بؤسا وأكثر تخلفا وجهلا ووحشية مما كان عليه قبل الاحتلال. وحكم دي طوكفيل بأن الإدارة الأهلية (الفرنسية) كانت أقل تمدنا من الإدارة السابقة (التركية؟) في التعامل مع الجزائريين. ورأى دي طوكفيل أن هناك تناقضا بين النظرية والتطبيق في معاملة الأهالي. فالفرنسيون يقولون إن هؤلاء الأهالي غير قادرين على تقبل الإصلاح والتقدم، ولكن بدلا من الأخذ بأيديهم وتنويرهم وقع تجريدهم من الضوء الذي كانوا يملكونه، وبدلا، من إبقائهم على الأرض التي كانوا يملكونها حكموا عليهم بالخروج منها، وكان عليهم أيضا أن يستسلموا للفرنسيين، وليس هناك سوى وسيلة وحيدة في التعامل معهم لحصول الاستسلام، ألا وهي القوة. وفي رأيه أن هناك حلا وسطا، يجمع بين النظرية والتطبيق، وهو تمكينهم من الارتقاء إلى درجة الحضارة - حضارتهم وليس الحضارة الفرنسية. فهم كشعب نصف متحضر، في نظره، لا ينتظرون سوى العدل، العدل الحقيقي والصلب، ولا ينتظرون سوى حكومة توجههم إلى مصالحهم وليس إلى المصالح الفرنسية، وقال إنه ليس على الفرنسيين أن يفرضوا عليهم حضارتهم ولكن عليهم أن يقودوهم إلى حضارتهم الخاصة، فمن رأى طوكفيل أن التملك الخاص وإقامة الصناعات والتوطن في المدن الخ. أمور غير ممنوعة في الدين الإسلامي بل تتماشى معه. ثم إن الإسلام، في رأيه، لا يقف ضد الحضارة ولا يعادي العلم. وكان على الفرنسيين أن يقنعوا الجزائريين بفوائد العلوم، ولا يجبروهم على الدخول في المدارس

стр. 2851

الفرنسية، وإنما يجعلونهم يحيون مدارسهم (١). لم تكن كتابات طوكفيل تروق لبعض الفرنسيين، ولذلك أهملوها وقلما أشاروا إليها ولم تجمع كتاباته عن الجزائر إلا سنة ١٩٦٨، رغم أنه كان يقف مع الاستعمار، كما رأينا، والقضاء على المقاومة الوطنية، وكان يعتبر الجزائريين أدنى حضارة من الفرنسيين، وعلى هؤلاء أن ينقذوهم من وهدتهم ويخرجوهم من التخلف بالعدل والرحمة والتعليم. وهذه كانت هي عقيدة الليبراليين الأوروبيين عموما. وكذلك كانت عقيدة السان سيمونيين. وهذا الصوت، رغم ما فيه من ادعاء وتبجح، كان موجودا على ألسنة كتاب آخرين طيلة العهد الاستعماري، فقد كان في كتابات توماس (إسماعيل) أوربان، وكتابات الدكتور فيتال، ومواقف البان روزي وإلى حد ما في صوت مارسيل ايمريت ... كما ظهر في سياسة بعض الحكام العامين أمثال شارل جونار وموريس فيوليت. ولكن ذلك الصوت كان ضائعا في القفار، لأن الصوت المسموع حقا في الإدارة الفرنسية في الجزائر وفي البرلمان الفرنسي هو صوت بوجولا، والدكتور وارنييه، ويوجين ايتيان، وتومسون، ومايير، ومورينو، أو كتاب من أمثال لويس بيتراند، وإيميل غوتييه، وحكام عامين كثيرين كانوا تحت رحمة الضغط السياسي والإعلامي للكولون و (اللوبي) الكولونيالي في الجزائر وباريس. رأي لافيجري ولويس فينيون وآخرين وبعد خمسين سنة من الاحتلال (١٨٨١) كتب الكاردينال لافيجري تقريرا سريا عن الوضع في الجزائر أظهر فيه أن فرنسا كانت تخسر أكثر مما تربح وأن حالة من الهيجان كانت منتشرة ولا ينتظر الأهالي سوى حرب

стр. 2852

أوروبية ليثوروا من جديد رغم قربهم من ثورة ١٨٧١ (١). وقد أدان لافيجري النظام المتبع في الجزائر، ولكنه لم يطالب بالانسحاب وإنما بإحكام القبضة والاستعداد الدائم للخطر، ولذلك أوصى بتأخير احتلال تونس وتأجيل نصب الحماية عليها إلى ما بعد الحرب الأوروبية المتخيلة والوشيكة في نظره. ومن رأي لافيجري أن فرنسا قد أنجزت الكثير في الجزائر، طرقات، وموانئ وقرى ومدن، ومزارع واستثمارات، ولكن النتائج لا تتناسب مع التكاليف، ذلك أن المصاريف كانت تفوق في نظره العائدات بعشرة ملايين فرنك بحساب وقته، ووجد أيضا أن عدد الجنود الفرنسيين الذين ماتوا في الحروب أو في المستشفيات بسبب الظروف المناخية كان يفوق عدد الكولون الموجودين في وقته. ومن رأيه أن هذه حقيقة معروفة للجميع ولكنهم يتحرجون من ذكرها لأنها تمثل إدانة للنظام المتبع حتى ذلك الحين. وهو كرجل دين وسياسة رأى أن هؤلاء الكولون (الفرنسيين بالذات، لأنه كان يتحدث عن الأوروبيين الذين تجنسوا بالفرنسية) قد أضاعوا خصالهم الحميدة كالأمانة وحب الأرض الوطنية، ما عدا بعض الاستثناء. وهناك في رأيه من كان يحرض هؤلاء الفرنسيين حتى على الانفصال عن فرنسا، كما حدث سنة ١٨٧٠ عندما دعا مجلس بلدية الجزائر المغامر الإيطالي (غاريبالدي) ليرأس الجزائر ويفصلها عن فرنسا. أما عن الجزائريين في نظر لافيجري فقد كانوا (في هيجان مخيف للغاية) ولا سيما الزواويون الذين سخطوا من انتزاع أراضيهم ومنحها للكولون، كما أن الصحافة الاستعمارية كانت تتحداهم وتقول لهم إن المزيد من الأراضي سيؤخذ منهم قريبا. وانتقد سياسة الجمهورية الثالثة المتسرعة في إحلال متصرفين مدنيين لا خبرة لهم محل المتصرفين العسكريين. وكان عليها أن تتريث وأن تحافظ على السياسة القديمة (العسكرية) فترة أخرى. وفي نظر لافيجري، كما في نظر معظم الفرنسيين، أن الجزائريين لا يخضعون

стр. 2853

إلا للقوة وأن المكاتب العربية العسكرية هي التي كانت تخيفهم رغم أنهم لا يحبونها، لأنها كانت تملك السلاح والفرق العسكرية التي تحت تصرفها. أما المتصرفون المدنيون فلا يملكون شيئا يهابه العرب. وضرب مثلا على ذلك بأن أحد قضاة الصلح الفرنسيين وجد نفسه على رأس دائرة عين الحمام (فور ناسيونال). ولم يكن هذا القاضي غير المجرب وحده في ذلك. فقد سارعت الإدارة الجديدة إلى تعيين متصرفين مدنيين على رأس بلديات مختلطة، وأعطت لهذه البلديات حوالي ٨٠ ألف هكتار من الأرض. وما يزيد عن ٥٠ ألف ساكن. وأصبح هؤلاء الإداريون الجدد يعوضون نقص الكفاءة وعدم معرفة اللغة المحلية باللجوء إلى العنف والجور في الأحكام. وقد جعل هذا التصرف الأهالي يحسون بالنهب من كل جانب وبتراخي قبضة الحكم، ولذلك فهم على استعداد للقيام بثورة أخرى، وإنما هم فقط ينتظرون الفرصة المواتية، وكانوا يرددون فيما بينهم بأن الفرنسيين على أبواب حرب أوروبية، وأن مبعوثين يأتون إليهم من تونس والمغرب الأقصى ويترددون عليهم منذ سنوات، ولذلك أصبح الأهالي يعلنون صراحة بدون خوف بأنهم سيرمون الفرنسيين في البحر. وهم متأكدون أن الأسلحة والبارود وجميع المساعدات مضمونة لهم من الخارج. وضرب على ذلك مثلا بالتوتر الذي كان يسود الجزائر وما تعرضت له حملة (فلاترز) في الجنوب (١). وقال إن هناك حالة ذهنية منذرة بالخطر. ولكن الانتفاضة العامة لن تحدث إلا إذا وقعت حرب أوروبية، وحينئذ ستكون الانتفاضة من أقصى البلاد إلى أقصاها. وقال لافيجري: (تذكروا كلامي هذا جيدا). لقد كان يرى الخطر داهما، وأن فقدان الجزائر يعني أكثر من عشر هزائم لفرنسا في نظره، ولذلك أوصى بأن تبقى بها القوات البالغة خمسين ألف جندي. وهو باعتباره رجل دين كان حريصا على القول بأن القرآن لن يتسامح هذه المرة مع الكفار، وأن العصبية

стр. 2854

الإسلامية ستتولد وتعم المنطقة من بني صاف إلى طرابلس (١). والسيد لويس فينيون كان أستاذا متخصصا في تاريخ الاستعمار ومؤلفا معروفا في وقته، رأى أن الاحتلال، رغم ظلمه وقسوته، قد أتى بفوائد جمة للجزائريين. وذكر من بين ذلك أربع فوائد في نظره، وهي نشر السلم بين الأعراش والقبائل التي كانت في حالة حرب وغزو أثناء العهد العثماني. ولم ير في المستوطنين الفرنسيين علامة سلبية بل هم في نظره قد أفادوا الجزائريين بتوفير العمل لهم وشراء إنتاجهم، ومن ثمة الزيادة في ثروة الجزائريين. ومن جهة أخرى فإن المزارعين الفرنسيين كانوا يعطون المثل لهم في استعمال الوسائل الزراعية الحديثة وكذلك المزروعات الجديدة. وقد فتح المهندسون الفرنسيون مجالات أخرى استفاد منها الأهالي أيضا، مثل مد الطرقات والسكة الحديدية، واستخراج المياه الجوفية في الصحراء، كما في وادي ريغ حيث تضاعفت غراسة النخيل (٢)، ولم ير فينيون سوى القسوة والجور كمآخذ على الاحتلال، بينما لم يهتم بما ترتب على هذا الاحتلال من نتائج ثقافية وسياسية واجتماعية مدمرة. واهتم بما قدمه الكولون باعتبارهم، في نظره، معلمين للفلاحين الجزائريين الذين فقدوا أرضهم وأصبحوا عمالا عليها للكولون أنفسهم ولفائدة الكولون أيضا. وقد انتقد فينيون سياسة بلاده نحو تمثيل الجزائريين في المجالس المحلية وغيرها. فقد كانوا في رأيه غير ممثلين ولا منتخبين في المجالس العامة (مجالس الولايات الثلاث) ولا في مجلس الحكومة، ولا في البرلمان

стр. 2855

الفرنسي. ومن ثمة كان صوتهم غائبا، بينما كان للكولون ممثلون منتخبون في كل المجالس المذكورة وكذلك في البلديات. ولكنه نصح بلاده باتباع سياسة ميكيافيللية في الجزائر إزاء (الصفوف) أو (الأحزاب) المتنازعة كالطرق الصوفية والزعامات الأهلية والأعراش وغيرها، لأن ذلك من حنكة السياسة التي على الدول أن تتبعها للمحافظة على رايتها وسيادتها (١)، وفي نفس الوقت نصح باتباع سياسة (الإحسان) نحو الأهالي، ولخص معنى الاحسان فيما يلي: تعليمهم الفلاحة وحفر الآبار لاستخراج المياه الجوفية لهم (لاحظ أن فوائد المياه ستعود بالضرورة على الفرنسيين أيضا)، وتعليمهم اللغة الفرنسية التي كان يجب أن تفرض عليهم فرضا منذ لحظة الاحتلال الأولى، كما فعل الألمان في الألزاس، حسب تعبيره، وتطبيق مبدإ فتح المدارس وإجبارية التعليم عليهم في البلديات الكاملة (ذات الأغلبية الفرنسية)، واتباع (العدل الفرنسي) نحوهم لأن العربي يحب العدل والماء، كما قال، وفتح مجال الخدمة العسكري أمامهم لأن ذلك سيجعلهم يحتكون بالمجتمع الفرنسي وحضارته وسيساعد أيضا على تسريب الأفكار الفرنسية والتأثير المعنوي فيهم، ثم إن منحهم حق انتخاب ممثلين عنهم يدخل في تقاليد المجتمع السياسي الفرنسي (٢). ويمكننا أن نلخص أفكار لويس فينيون في الموضوع فنجدها لا تخرج عن حث بلاده على تطبيق مبدإ الاندماج على الجزائريين والإسراع في ذلك لأنه قد تأخر خمسين سنة عن موعده. وكل هذه (الوصايا) لا حرج عن مشروع الاندماج الذي كان يدعو إليه أمثاله من دعاة المهمة الحضارية الفرنسية، والذي كان يعارضه الكولون وبعض العسكريين ورجال الكنيسة لأسباب مختلفة. وكان الحاكم العام شارل جونار قد أعلن سنة ١٩٠٨، أن سياسته في

стр. 2856

الجزائر تقوم على اللباقة والخيرية والصرامة. وقد عرف عنه أنه كحاكم فرنسي، سلك سياسة أهلية جديدة تقوم على تطوير الجزائر كما هي، ولكن داخل القالب والسيادة الفرنسية (١). ولم تسلم سياسته أيضا من الميكيافيللية التي تحدث عنها لويس فينيون، فقد لجأ جونار إلى عدة إجراءات لتمزيق وحدة الجزائريين اللغوية والعرقية، وسار في ركب الكولون والمستشرقين الذين كانوا يقدمون إليه النصائح ويضغطون عليه أيضا. وقد علق لوشاتلييه على سياسة جونار عندئذ ورآها سياسة لا تنفع فرنسا. ذلك أن كل حاكم عام كان يبدأ بمجرد تعيينه (بالتمسح) للكولون، محاولا كسب ودهم وتأييدهم، بينما كانت مصلحة فرنسا العليا، تقتضي الموازنة بين الفرنسيين (الكولون) والجزائريين، حسب تعبير لوشاتلييه. ومن رأيه أنه لم يكن للجزائريين أي صوت يعبر عن رغابتهم. ولذلك على فرنسا أن تتبع نحوهم سياسة نشطة في التقدم الاقتصادي والاجتماعي، مع اتباع العدل حيث لا تحل الرحمة والخيرية محل الحق ولا الصرامة محل التفاهم. وكان لوشاتلييه قد تخصص في علم الاجتماع الإسلامي، وقام بتدريسه في الكوليج دي فرانس، وألف أعمالا عن الطرق الصوفية وأشرف على (مجلة العالم الإسلامي). ومن موقعه هذا رأى أن سياسة اللباقة والخيرية والصرامة التي أعلن عنها جونار كانت لا تكفي في الجزائر (الفرنسية) لكسب ثقة الجزائر (الإسلامية) (٢). وقد لخص شارل تيار تطور الرأي العام الفرنسي نحو الجزائريين كما ظهر في مختلف الكتابات، وكان هذا الرأي يتراوح بين - ١ - إبعاد الأهالي أو القضاء عليهم تماما كما فعل الأوروبيون في أمريكا مع الهنود الحمر، أو - ٢ - إدماجهم بالقوة أو بالتدرج عن طريق القوانين واللغة في النظام والمجتمع الفرنسي، أو - ٣? إهمالهم وعدم الالتفات إليهم. ولم يكن

стр. 2857

الفرنسيون قد قرروا اتباع أي من هذه (السياسات) بوضوح. وقال السيد تيار الذي تتبع مختلف الكتابات الفرنسية عن الجزائر خلال حوالي قرن من الزمن: أن سياسة فرنسا نحو الأهالي لم تدخل حيز الاهتمام النشيط إلا منذ سنوات قصيرة. فقد استحوذ السكان الفرنسيون بين ١٨٣٠ و ١٨٩٠ على كل شيء وشغلتهم مختلف الانشغالات. فكانت المصاريف من أجل حاجتهم هم فقط. ولكن تحت ضغط البرلمان المستمر عليهم (؟) وبعد مقاومة صامتة، اتجهوا (الكولون) إلى العمل بدون حماس، وأحيانا مع بعض التشاؤم، ثم أخذوا يبدون اهتماما متناميا. وها هي النتيجة أنهم يسيرون في الاتجاه الذي اختارته الحكومة الفرنسية والذى أدى خلال جيلين أو ثلاثة إلى تحول عدد كبير من الأهالي اجتماعيا وسياسيا ومعنويا (١). وبعد قرن من الاحتلال أعلن إيميل غوتييه المعروف بأفكاره ونظرياته الاستعمارية المتطرفة والأستاذ في التاريخ والجغرافية والمؤثر على جيله، أن افتراض استقلال الجزائر عن فرنسا لا يمكن تصوره. وهو لا يقصد استقلال العرب والمسلمين فقط ولكن استقلال كل سكان الجزائر عندئذ، بمن فيهم الفرنسيون. وقد بنى نظريته هذه على أن تاريخ الجزائر يشهد منذ ألفي سنة على تبعيتها لدولة خارجية لأن سوق اقتصادها مرتبط بهذه الدولة الأجنبية، ذلك أن اقتصادها قائم على الزراعة وليس لها مستهلك في العهد الفرنسي مثلا غير السوق الفرنسي. وقد عمم غوتييه نظريته لتشمل كل شمال إفريقية أيضا. فهذه المنطقة مرتبطة اقتصاديا بدولة أجنبية حيث الأسواق مفتوحة لها. ثم أن قرب الجزائر من مرسيليا دليل على هذه الرابطة القوية في نظره بين الطرفين. ولذلك لا يمكن حتى أن يتصور المرء افتراض استقلال الجزائر عن فرنسا (٢). أن الاندماج أو التكامل الاقتصادي بين الطرفين في نظره قضية حتمية.

стр. 2858

وفي حديث عن التاريخ والفن القديم لوح أوغسطين بيرك سنة ١٩٣٧ بغصن الزيتون الفرنسي واعتبر أن (بلاد البربر) قد هاجرت طويلا في عالم الشرق ثم رجعت إلى حضن الفرنسة وريثة الرومنة، وهو حضن الصداقة الفرنسية الدافئ. وقد وضع عناوين لكتابه على هذا النحو: بلاد البربر تحت وصاية الشرق (وهو العهد الإسلامي الأول)، وبلاد البربر تتحرر من الشرق (عهد بني هلال والمرابطين والموحدين)، .. ثم الجزائر التركية (المفروض أن يقول: عهد الرجوع إلى الشرق)، ولكن المهم هو أن بيرك يسمي الاحتلال الفرنسي: مائة عام من الصداقة الفرنسية!. وفي خطاب (ميلودرامي) يوجهه لصديقه الخيالي (محند) الذي يسميه (صديقي العربي - البربري) قال بيرك: وجدتك راعيا وعاملا تحت السلام الروماني، ومهيمنا أثناء الممالك البربرية، ومستعدا للهلاليين والمرابطين والموحدين والزيانيين والأتراك، ورأيتك أثناء هذه الرحلة قليل الأفراح كثير الدموع متألما من الاستعباد (!)، ورأيتك على طول هذه العصور مكبلا لخدمة الأرض والمناخ والتاريخ. ثم يصل أوغسطين بيرك إلى نقطة الهدف عنده عندما يقول إلى صديقه (محند) إنه رآه في الجزائر الفرنسية سنة ١٩٣٧: مرفوع الجبين متوقد النظرات عريض الصدر بأنفاس جديدة، وأنت قادم علي بثقة راسخة بنتها مائة سنة من الصداقة الفرنسية المشتركة (١). ترى كيف قامت هذه (الصداقة) (الاحتلال)؟ إن بيرك لا يكتب من الخيال، إنه قد عاش ربع قرن في إدارة الشؤون الأهلية، وهو يعرف ما حدث وماذا يقول. ومع ذلك نجده يحول الليل إلى نهار ويغرق في الميتافيزيقيا والتجريدات. فقد عدد لصديقه الخيالي (محند) كم تغير الحال من ذلك الماضي الحزين فى نظره عندما كانت الجزائر تحت وصاية الشرق، وعندما

стр. 2859

كان أجداد بيرك ينظرون إلى محند على أنه عربي من الحجاز بانين بذلك من الجزائر شرقا خياليا. لقد تغير الحال وأدرك الفرنسيون خطأهم وصححوا موقفهم، وهو أن الجزائر فرنسية وغير شرقية وأن محند ليس عربيا من الحجاز. وإنما هو فلاح جيد من بقايا الاحتلال الروماني، وهو أيضا فلاح جيد لخدمة الاقتصاد الفرنسي، لأن أكبر عبقرية إداري فرنسي في الجزائر كان، في نظر بيرك، فلاحا، وهو المارشال بوجو، فهو الذي سن سياسة البندقية والمحراث. وما رفيق (محند) إلا فلاح الكولون الذي يعجب به بيرك أشد الإعجاب لأنه هو أيضا من الكولون. وقد ذكر بيرك كيف تغير الحال على محند، وحصر ذلك في الاقتصاد الفرنسي وفي التشريعات. وجاء على ذكر التواريخ الهامة التي حاولت التشريعات خلالها أن تقتلع جذور المجتمع الجزائري. وفي نظره أن تشريع ١٨٦٣ قد أسس الأسرة على أنقاض القبيلة، والفرد على أنقاض العرش، ولكن بيرك لم يذكر أن الأرض التي كانت للقبيلة والعرش وتحولت إلى الأسرة والفرد قد انتزعت منهم أيضا وأعطيت للغرباء، أولئك الكولون الذين يقول بيرك عنهم إنهم رفقاء محند في عهد الصداقة الفرنسية. أما تشريع ١٨٨٢ الذي أنشأ الحالة المدنية واللقب العائلي، فقد نظر إليه بيرك على أنه قد جاء بسيكولوجية (الأنا) والفردية بدل الارتباط بأصول غير واضحة (!) وهل اتضحت للفرد (الأنا) شخصيته عندما اختار لقبا عائليا خاصا به وانقطعت صلته بماضيه وبعائلته الواحدة؟ ورأى بيرك أن قانون الأرض الصادر سنة ١٨٩٧ قد أنشأ طبقة من الفلاحين الجدد - طبقة وسطى أو نوعا من البرجوازية الريفية الصغيرة، منغرسة في الأرض، ولا تطلب من فرنسا إلا حمايتها وأمنها. ثم امتدح بيرك تشريعات أخرى رآها تحقق لصديقه (محند) السعادة والديموقراطية والتعاون الحقيقي، ومن ذلك إلغاء الضريبة العربية سنة ١٩١٨، والتنقيص من الامتيازات المشروطة عند الاقتراع العام، ووضع أطر الديموقراطية في إصلاحات ١٩١٩، بل إن الخدمة العسكرية الإجبارية رآها بيرك قد حطمت علاقات الدوار، وأحلت محلها صداقة الخدمة (مع

стр. 2860

الفرنسيين) والانفتاح على آمال مشتركة (١). إن رومانتيكية أوغسطين بيرك كانت بدون حدود وهو يخاطب صديقه الخيالي (محند). فبعد أن قلب حقائق عديدة كتسمية الاحتلال صداقة، والحالة المدنية سيكولوجية فردية، واغتصاب الأرض تخلصا من العرش والقبيلة، والخدمة العسكرية انفتاحا ... بعد ذلك كله، ذهب يدعو محند - ذلك الآغا الفارس الوارث الألقاب مجيدة، وذلك المرابط العصري من أمثال الشيخ ابن عليوة، وذلك الفنان العبقري أمثال راسم - إلى إزالة ما بقي عنده من تردد نحو الفرنسيين. (عليك أن تربط مصيرك بمصيرنا، وأن تساهم في المشروع الذي وضعه الحاكم العام (٢) الحريص على مصلحتك .. إن مصيرنا مشترك منذ عهد الغولوا Gaulois، ومنذ صرخ الفارس الفرنسي وهو يغرز خنجره على مدخل باب عزون، إننا سنعود!. هذا إذن هو المصير الذي كان بيرك يحاول أن يأخذ بيد صديقه محند إليه منذ بدأ عهد الاحتلال، العهد الذي تحررت فيه الجزائر من وصاية الشرق ودخلت، بفضل فرنسا وصرخة فارسها المجهول، تحت وصاية الغرب وبالخصوص تحت مظلة سكان بلاد الغال (الغولوا) (٣)، حيث تفقد الجزائر هويتها وتندمج اندماجا كليا في شعب آخر فرض نفسه عليها بمختلف الوسائل، حتى الميكيافيللية، كما قال لويس فينيون. ونفس النغمة رددها عالم فرنسي آخر لا يقل أهمية عن بيرك، وهو لويس ماسينيون، صاحب الأنشطة الاستشراقية المعروفة. ففي ١٩٤٧ أعلن ماسينيون أن الحل لمشكل الجزائر هو الاندماج في ظل الإخلاص والعدالة

стр. 2861

عند التطبيق، وعبر عن إعجابه بقانون الجزائر الذي صدر في تلك السنة والذي كان يهدف إلى تكريس الاندماج، وهو يعني طبعا فقدان الجزائر لهويتها. ولماذا الاندماج في نظر ماسينيون؟ إن كثرة أعداد الكولون منع من حدوث الانفصال بين الجزائر وفرنسا، وهو مطلب بعض الوطنيين المسلمين، حسب تعبيره، ثم إن الدماء الجزائرية والفرنسية قد امتزجت في المعارك خلال حروب فرنسا الثلاث (١٨٧٠، ١٩١٤، ١٩٣٩). ومن جهة أخرى رأى ماسينيون أن القطيعة قد وقعت بين إطارات الماضي (جيل النخب الأهلية) التي كانت موجودة سنة ١٨٣٠ وبين إطارات الحاضر التي تكونت في العهد الفرنسي (١). ولذلك أصبحت الأرض ممهدة للاندماج في الحياة والمجتمع الفرنسي (٢). والغريب أن ماسينيون الذي قضى قرابة أربعين سنة عندئذ في خدمة الاستشراق ينتهي إلى هذا الحل. فهل كانت رؤيته قصيرة إلى هذا الحد؟ لعله كان يكتفي بقراءة الصحف الاستعمارية ونصوص التشريعات الفرنسية، ولم يختلط أو يقرأ الصحف الوطنية ولا آمال الجماهير والشباب الصاعد الذي كان يطمح إلى الحرية والاستقلال بقطع النظر عن كثرة الكولون وغياب إطارات ١٨٣٠. وهو يعلم أيضا أن قانون ١٩٤٧ لم يطبق وبقي حبرا على ورق في معظم أجزائه. ولا ندري كيف يتحدث ماسينيون عن الاندماج بعد أحداث ١٩٤٥ وآثار الحرب العالمية الثانية التي منها ميلاد الجامعة العربية ومنظمة الأمم المتحدة والحرب الباردة وظهور حركات التحرر من الاستعمار في آسيا وإفريقيا. ... أما عن رأي الجزائريين في الاحتلال الفرنسي فهو موجود في الكتابات والعرائض والصحف والرسائل والخطب والأعمال التي قاموا بها أفرادا وجماعات وأحزابا منذ ١٨٣٠. وكانت الثورات تعبيرا آخر على هذا

стр. 2862

الاحتلال، وكذلك الحركات المنظمة في أحزاب وجمعيات خلال القرن الحالي. فمطالبها مدروسة ومفصلة في مختلف الدراسات ومنها بعض كتبنا. وكان آخر رفض لأكذوبة الصداقة الفرنسية التي تغنى بها أوغسطين بيرك وأمثاله هو ثورة نوفمبر ١٩٥٤. إن من يرجع إلى كتابات حمدان خوجة وخطب الأمير عبد القادر وأوامر أحمد باي وإعلانات الجهاد في الثورات العديدة، وعرائض أعيان المدن، وكتابات رجال الإصلاح، وصحف الأحزاب الوطنية، سيجدها معبرة أصدق تعبير عن رأي (الأهالي) في الاحتلال الفرنسي لبلادهم. ولكن بعض الجزائريين ضربوا أيضا على وتر الاندماج، سيما من الفئة التي سماها الفرنسيون أنفسهم تارة بالنخبة وتارة بالمتطورة، ولكن حجم هذه الفئة كان ضئيلا، ومعظمهم كانوا من المتجنسين بالجنسية الفرنسية أو ممن تزوجوا من فرنسيات. ولا نكاد نجد كاتبا تكون في مدرسة عربية/ إسلامية، ثم نادى بالاندماج. أما الباحثون الفرنسيون فقد نسبوا إلى جزائريين مجهولين قولهم إن الاحتلال كان قضاء وقدرا. وطالما ذكر علماء اللغة وعلم الإنسان (الأنثروبولوجيا) أنهم عثروا في أقوال بعض الدراويش والأولياء ما يدل على أن الجزائر سيحتلها بنو الأصفر، أحفاد الروم، لظلم حكامها وجورهم وخروجهم عن جادة الدين الإسلامي ورضاهم بالفساد. وقد أعجب الفرنسيون بهذه الأقاويل والتنبؤات وراحوا يروجونها في كتاباتهم، لأنها كانت تخدم مصالحهم ومخططاتهم. وقد نسبوا أقوالا من ذلك إلى الحاج عيسى دفين الأغواط، وإلى الشيخ أحمد بن يوسف دفين مليانة، وغيرهما. ومنها ما ذكره السيد ليون رينييه من أن أحد المرابطين فى الأوراس، اسمه سي محمد بوقرانة، شيخ بلدة زانة، قد وجده وسط بعض الآثار وهو يسجل الكتابات والنقوش، فسأله المرابط: هل تفهم هذه الكتابات؟ فأجابه رينييه بأنه يفهمها ويكتبها أيضا، وأن حروفها هي حروف اللغة الفرنسية، فالتفت الشيخ بوقرانة إلى من معه من العرب قائلا: انظروا، أن الروم (الفرنسيين) هم أبناء الرومان، وهم عندما احتلوا هذه البلاد فإنما أخذوا

стр. 2863

خيرات آبائهم (١). وكم يحلو للفرنسيين أن يكرروا هذه الأقاويل على أنفسهم وعلى الجزائريين لأنها في نظرهم، تبرر احتلالهم في الذهنية الشعبية. ومن الذين برعوا في قراءة النصوص (الأهلية) واستخراج الروح الشعبية منها، جوزيف ديبارمى. ويبدو أنه كان أذكى من بعض أساتذته ومعاصريه المستشرقين الآخرين. وكان ديبارمي، بحكم معرفته للعربية وتعليمه في مدارس الجزائر مدة طويلة وعيشته في بيئة قريبة من البيئة العربية، قد تحصل على نصوص تعتبر سرية أو مهملة، واستطاع بحكم ثقافته النفسية والاجتماعية أن يستخرج منها حتى نوايا أصحابها الحقيقية أو المتخيلة، وأن يفك معمياتها ورموزها. وقد كتب الكثير في هذا المجال. ولا نريد الآن سوى ذكر نموذج واحد مما كتب. حصل ديبارمي سنة ١٩٠٨ على نصين كانا لفلاحين يعيشان في منطقة البليدة. ثم أعطى النصين لمتعلم من حضر المدينة المذكورة، لم يذكر اسمه، ولكن من أوصافه له نعلم أنه كان غير متعصب ضد الفرنسيين، حسب رأي ديارمي، وكان ثلاثتهم لا يعرفون الفرنسية، وإنما يروون أخبارهم عن المرابطين. وقد توسع الرجل الحضري في النصين وأضاف إليهما فأصبح رأيه رأيا ثالثا في الموضوع (٢). وكان النصان في شكل (مجالس) يحكى خلالها الراوي قصصا وأخبارا حقيقية أو خيالية أو مزيجا، من الحقيقة والخيال. وترجم ديبارمي من هذه المجالس نصوصا بحذافيرها وساق المعنى الباقي بلغته. وبناء على هذه المجالس التي (اكتشفها) ديبارمي فإن من نتائج الاحتلال الفرنسي أن المجتمع الجزائري قد تغيرت طبيعته وتأثر الفرد

стр. 2864

بمؤثرات جديدة. فالمسلم أصبح لا يخرج من داره إلا وهو ذليل، وأصبح محجبا كالمرأة، ذلك أن الشارع فيه حضارة أخرى مغايرة، حضارة الفرنسيين (الروم). وقد أهين المسلمون بالهزيمة على يد الكفار. وأن الأتراك، رغم استبدادهم، أخف وطأة من الفرنسيين (وهو رأي عبر عنه حمدان خوجة سنة ١٨٣٣ حين قال: اللهم ظلم الترك ولا عدل الفرنسيس). وأن القضاة الذين يوظفهم الفرنسيون لا ثقة فيهم، لأنهم لا يخدمون إلا أنفسهم أو أسيادهم. وكذلك لا ثقة في العلماء ولا في الحكام الذين يعينهم الفرنسيون، لأن المسلم الحقيقي لا يقبل أن يعمل عند الكفار. إن هؤلاء الكفار يغرقون الأهالي ببضائعهم، ومنها الملابس والسكر والشمع غير الطاهر والذي يقدمونه للمرابطين. إن الفرنسيين يتجسسون على الجزائريين لمعرفة أسرارهم وذلك بالصلاة معهم والذهاب إلى الحج للاطلاع على خفايا المسلمين. إنهم يظهرون وديعين في البداية ثم يكشرون عن أنيابهم ويصبحون غلاظا وقساة في النهاية. وهم يمنعون الجزائريين من تعلم الدين والقرآن في المدارس، بينما يعلمون اللغة الفرنسية لأبناء الجزائريين بهدف إخراجهم عن دينهم. وبعد أن ينتهي التلميذ من المدرسة تطلبه الثكنة. لكن نير النصراني (الفرنسي) سيتحطم ذات يوم (١)!. وهناك ٨٦ مجلسا تحدث عنها ديبارمي. وكل مجلس له حكاية خاصة. وقد حضر المجلس الأخير رجال الصوفية، الأغواث والأقطاب والأوتاد ونوابهم، في الجزائر. وحضر معهم غوت مرسيليا - سيدي المرسلي - الذي ذكر الحاضرين بخيرات فرنسا وكرمها، كما حضر رئيس الديوان. وبعد التداول في مصير الجزائر اتفق أعيان الصوفية، حسب راوي المجالس، على تفويض الأمر إلى الله. فهو الحكيم العليم والمقدر كم سيبقى الفرنسيون في الجزائر ومتى سيخرجون منها.

стр. 2865

وواضح أن نهاية رأى الأهالي في الحكم الفرنسي ترجع إلى القضاء والقدر أيضا. والفرنسيون يعرفون ذلك ويبنون عليه تمديد بقائهم بالخرافة والعلم والتسلط. إنهم يعرفون مشاعر المسلمين ومدى الهوة التي تفصلهم عنهم، ولذلك كانوا يعملون على تأجيل قرار زعماء الصوفية وتحويله إلى قرار قدري ليس في أيديهم ولكن في يد سلطة أعلى منهم. ويبدو لنا أن فهم ديبارمي للنفسية الأهلية أصدق وأعمق ربما من فهم ألفريد بيل وأوغسطين بيرك ولويس ماسينيون وأضرابهم ممن كانوا مهتمين فقط بالشرائح الاجتماعية القريبة منهم كالاندماجيين والبرجوازية والإقطاعيين. وديبارمي كان يعرف أن المداح الشعبي ومجالس الصوفية إنما هي رموز على مدلولات خفية، وأن الحقيقة كانت وراء ذلك. وأن هناك أسلوبا حكيما في التقية والتورية، سواء باستعمال ألقاب الصوفية أو استعمال الفوارس والأبطال في التاريخ القديم (١). لم يكن الفرنسيون يحضرون فئة معينة لتولي الحكم في الجزائر بدلهم ذات يوم. كانوا يعتقدون أنهم خالدون وأن الجزائري سيظل خديمهم إلى الأبد. وإنما كانوا يستعملون الحيل والتسويف والقمع والتقسيم للإبقاء على قبضتهم. وبذلك ساهموا في توحيد الجزائريين، على عكس مقصودهم، لأن الفلاح والعامل والمثقف والسياسي ورجل الدين كلهم تيقنوا أن الفرنسيين كانوا يعاملونهم على حد سواء وهو حرمانهم من الهوية الوطنية ومن حق التمتع بالحرية. (فرق تسد) استعمل الفرنسيون سلاح تقسيم الجزائريين بكل مهارة. وتطور استعمال هذا السلاح عندهم مع الزمن. فكان لكل ظرف وكل عهد سلاحه

стр. 2866

البتار، وقد استمروا على ذلك خلال ثورة ١٩٥٤ أيضا. والذين عاشوا هذه الثورة من الجزائريين يدركون أن ما فعله الجيش الفرنسي معهم وأجهزة المخابرات والمصالح الخاصة كان نسخة مكررة مما استعمله الفرنسيون ضد آبائهم وأجدادهم منذ ١٨٣٠. اعتمد الفرنسيون في البداية على مخلفات الحروب الصليبية في المشرق وفي الأندلس. ومنها اعتبار سكان شمال إفريقية مسلمين متعصبين وشرقيين معادين للأوروبيين، وأن الإسلام هنا عدو للمسيحية هناك. كما اعتمدوا على تراث مكتوب شحنه رجال الدين والأسرى والرحالة والجواسيس والقناصل بمواطف العداء لأهل شمال إفريقية ووصفهم بأوصاف التخلف والتعصب والوحشية. وقد ترجم الفرنسيون واطلعوا قبل الحملة على مؤلفات الدكتور شو، وويليام شيلر، وبوتان، ودي طاسي والأب دان، وديفونتين، وريبندر، وبنانتي وغيرهم. ولذلك كانت ردود أفعال الفرنسيين الأولى تتماشى مع الأحكام التي أصدرها هؤلاء المؤلفون ضد السكان وحكامهم. ومعظم هذه المؤلفات كانت تصب جام غضبها على الحكام (الأتراك) باعتبارهم حكاما غرباء ومستبدين، يحكمون لمجرد الشهوة في جمع المال والثروات، ومن أجل ذلك كانوا يقومون بالقرصنة ويفرضون الجزية على الدول الأوروبية، ويأسرون الأسرى ويبيعونهم في سوق النخاسة من أجل الثروة وليس من أجل أي هدف آخر. وفي نظر هؤلاء المؤلفين كذلك أن المحكومين (الأهالي) كانوا يبغضون الأتراك وأنهم إذا وجدوا مساعدة خارجية فسينضمون إليها لتحريرهم من ربقة الذل والهوان والاستغلال الذي كانوا يتعرضون له على يد الأتراك الظلمة المستبدين. ثم إن هؤلاء الأتراك ما هم إلا أقلية (أوليغاركية) وفيهم المرتدون عن المسيحية والمغامرون والجنود الذين قدموا من أناضوليا وسواحل شرق البحر الأبيض وجزره بحثا عن الغنائم والشهوات والثروات. وليس لهؤلاء الحكام ولاء حقيقي للسلطان العثماني الذي أصبح قلقا منهم لتمردهم عليه.

стр. 2867

وكان البيان الذي أصدره الفرنسيون للجزائريين عشية الحملة يسير في هذا الخط (١). وكانوا معتمدين على أن الحضر، وهم البرجوازية المتسيسة والراغبة في الحكم قياسا على المجتمعات الأوروبية، سيتعاونون معهم لفك قيود الحكم (التركي) وتولي السلطة بدلهم. وقد نجحت هذه الخطة مع سكان العاصمة إلى ٥ يوليو ١٨٣٠، ساعة احتلال القصبة واستيلاء الجيش الفرنسي على الحصون والقلاع. ذلك أن أعيان الحضر هم الذين ضغطوا على الداي ليفاوض بشروط ولينقذ المدينة من الدمار. ولم يكن الباشا ولا الأعيان عندئذ يفكرون في مصير الأجزاء الأخرى من الوطن. ويبدو أن الحضر كانوا يعتقدون أن الفرنسيين سيبرون بوعدهم ويجلون عن الجزائر بعد عزل الداي وتنصيب (أمير) آخر مكانه. ولم نعرف أن الداي قد شاور قادة الأقاليم وشيوخ الأوطان وأعيان البلاد في مصير الجزائر قبل أو بعد استسلامه للفرنسيين، أو أنه تنازل لأحدهم ليحكم بعده، أو فكر في الانتقال إلى عاصمة إقليمية أخرى ليقود المقاومة. فقد كان كل انشغاله وانشغال زعماء الحضر عندئذ هو إنقاذ العاصمة من التدمير بأخذ الفرنسيين لها عنوة. وبدأ عيث وعبث الفرنسيين بالعاصمة وأهلها حتى قبل أن يخرج منها الداي. وأخذ الحضر يشاهدون من الفرنسيين ما لم يكونوا يتوقعون أبدا: اغتصاب المنازل، وانتهاك المساجد، ونهب التحف، وسلب المال، مع الشتائم والإهانات. وكان أول رد فعل لذلك هو خروج الآلاف من العاصمة إلى الأماكن القريبة أو الذهاب عند الأقارب في المناطق المجاورة، انتظارا لإنجلاء الموقف. ورأى بعض أعيان الحضر أن أخف الضررين هو التعاون مع العدو في تسيير المدينة، فشاركوا في أول لجنة بلدية وبعض المصالح الأخرى الثانوية، معتمدين على شروط الاتفاق الذي وقع بين الداي وقائد الحملة ومحتجين به على الفرنسيين. وحين رأى هؤلاء شكوك الحضر بهم أخذوا يميلون إلى التعامل مع اليهود ضدهم، وكان اليهود من سكان العاصمة

стр. 2868

يعرفون جيدا، أحوالها السياسية والتجارية والمالية، وقد ارتموا في أحضان الفرنسيين من أول وهلة رغم أنهم كانوا منذ الطرد من الأندلس مع المسلمين، يتمتعون بمكانتهم الاجتماعية والاقتصادية في المجتمع الجزائري. وهكذا انطلقت سياسة تفريق الصفوف: الحضر ضد الترك، ثم الحضر العرب ضد الحضر الكراغلة، ثم اليهود ضد الحضر بأنواعهم. هذا في المدن كالجزائر وتلمسان ومستغانم وقسنطينة والبليدة والمدية. وسنرى أن الحضر كانوا لا يمثلون في خطر الفرنسيين أي وزن بعد التوسع في الاحتلال. وسيعتمد الفرنسيون على نوع آخر في تفريق الصفوف عندما تخرج جيوشهم إلى البادية أو الأرياف بجبالها وسهولها وصحاريها، لأن معظم سكان الجزائر كانوا خارج المدن. عندما ظهرت القيادات المقاومة للغزو الفرنسي داخل البلاد استعمل الفرنسيون أيضا قادة ضعفاء النفس، طامعين في السلطة وأمدوهم بالسلاح والعتاد والرجال، وضربوا، كما يقولون، الصفوف ببعضها. فقد اعتمدوا في أول الأمر على قادة من أصول تركية أو سبق لهم الحكم في الأقاليم، مثل إبراهيم بوشناق في مستغانم، ومصطفى المقلش في تلمسان، وإبراهيم الكريتلي في عنابة. الأولان ضد الأمير عبد القادر، والأخير ضد الحاج أحمد. وفي الصفوف العربية ضربوا القادة ببعضهم أيضا سواء في شرق البلاد أو غربها. ففي الشرق شجعوا فرحات بن سعيد من عائلة وعكاز ضد شيخ العرب ابن قانة الذي كان صهرا للحاج أحمد. وفي الغرب فصلوا مصطفى بن إسماعيل ومحمد المزاري ثم سيدي العربي عن الأمير عبد القادر، وبنوا حبة من قبة على الخلاف الذي وقع بين الأمير ومحمد الصغير شيخ التجانية في عين ماضي، حتى جعلوا خلافهما متوارثا في الطريقة بين التجانية والقادرية مدة قرن. كما ضخموا الخلاف بين الأمير والحاج أحمد. ودخلوا زواوة

стр. 2869

ووسعوا الخلاف بين العائلات الحاكمة هناك، عائلة أورابح ضد عائلة أوقاسي، وهذه ضد عائلة سيدي الجودي، وهذه ضد عائلة ابن زعموم الخ. واستمر الضرب على هذا الوتر طيلة عقود: ضرب العرب بالعرب والبربر بالبربر، دون تمييز. وكان بعض العرب والبربر من الغفلة والجهل بحيث مدوا رقابهم للذبح وأيديهم للقيد، دون تفكير في العواقب ودون إدراك للأهداف السياسية للفرنسيين. وإذا صدقنا الروايات الفرنسية فإن القادة الأهالي قد صفوا بعضهم ببعض، وكانت مهمة الفرنسيين هي فقط توفير السلاح. ولم تسلم الطرق الصوفية من سلاح التقسيم أيضا. فحين رأى الفرنسيون أن الخطر يكمن في هذه الطرق بعد القضاء على المقاومة المنظمة، استعملوا نفس السلاح ضد الطرق أيضا. فقدموا بعض قادة الطرق الصوفية للوظائف الزمنية، كما فعلوا مع أولاد سيدي الشيخ في البيض، وعائلة ابن علي الشريف في أقبو، وعائلة ابن حسين في الخنقة، وعائلة الصحراوي بتيارت، الخ. وقسموا الطريقة الرحمانية إلى فروع موالية معظمها في الجنوب، وفروع معارضة معظمها في الشمال، وضربوا القادرية والرحمانية بالطريقة التجانية التي كانوا ينوهون بولائها وخدماتها. ورغم أنهم ظلوا يعتبرون الدرقاوية معارضة ومبتعدة عن الوظائف الزمنية، عدا القضاء والتعليم، فإنهم وجدوا في الطريقة العليوية (وهي درقاوية) طريقة (عصرية) قريبة من الإدارة الفرنسية وحاولوا أن يضربوا بها الحركة الإصلاحية، كما استعملوا بعض فروع الرحمانية ضد هذه الحركة مثل زاوية الهامل. ولم تسلم الناحية المذهبية من سلاح التفريق أيضا. فقد حاول الفرنسيون أولا التفريق بين علماء المذهب المالكي والمذهب الحنفي. ولما عجزوا عن ذلك، لجأوا إلى التفريق بين أهل المذهب المالكي والإباضي. فنصبوا الحماية على ميزاب وتركوا لأهلها عاداتهم وأعرافهم، واعفوهم من الخدمة العسكرية، وراعوهم في الضرائب. وما التوترات التي نقرأ عنها في المدن بين التجار أحيانا إنما كانت بفعل سياسة التفريق هذه.

стр. 2870

ومنذ أوائل الأربعينات من القرن الماضي أخذ الفرنسيون (يكتشفون) سلاحا آخر، وهو أن في الجزائر عنصرا بربريا ليس ككل البربر. وبنوا على ذلك نظريات وأجروا بحوثا انتهت في نظرهم إلى أن هذا العنصر من الجنس الآري، أو الهند أوروبي، وأنه لا علاقة له بالجنس السامي. وبعد أن كانوا يعاملون كل السكان على أنهم عرب مسلمون وشرقيون، بدأوا يعاملونهم معاملة مختلفة، فبعضهم عرب وبعضهم بربر، والبربر بعضهم من الجنس الآري وبعضهم من الجنس الحامي. وأخذوا يضعون لهؤلاء وأولئك خصائص وميزات تجعل البعض أقرب إلى المسيحية وإلى الفرنسيين في العرق والسلوك والنظام الاجتماعي من السكان الآخرين. وقد تجاهل الفرنسيون روايات النسابة البربر والعرب والنظريات التاريخية التي ترجع إلى قرون خلت، وتجاهلوا الروايات الشفوية التي يرويها البربر أنفسهم عن أنسابهم (١)، رغم أنهم (أي الفرنسيين) قد ترجموا معظم المصادر العربية والإسلامية التي تعالج هذا الموضوع، ومنها تاريخ ابن خلدون، وتاريخ ابن الأثير، وابن عبد الحكم، وابن حزم، والمسعودي وأضرابهم. وبعد حوالي قرن من البحث (العلمي) على يد عقداء في الجيش الفرنسي، من أمثال كاريت، ورين، وهانوتو، ودوماس، الخ. ومستوطنين حاقدين من أمثال الدكتور وارنييه، وباتييه، وقوتييه، وأندري سيرفييه، وأندري باصيه - قلنا بعد ذلك اعترف الفرنسيون بأنهم كانوا يزيفون التاريخ وأنهم إنما فعلوا ذلك من أجل السياسة والبقاء في الجزائر، أما الجزائريون

стр. 2871

فهم في الواقع سواء وأن الإسلام قد وحد بينهم في حضارة عميقة لا يبغون عنها حولا، وأن لغة القرآن كان يطالب بها البربري والعربي على حد سواء، وأن الجزائريين بهذه الصفة مشتركون في العداء للفرنسيين (١). ولن نفهم هذه النقطة إلا بالرجوع إلى بعض آراء هؤلاء الكتاب. فقد عاش البربر والعرب في ظل الإسلام والوحدة والأخوة منذ الفتح. ولم يذكر المؤرخون أي توتر بينهم كان سببه التمايز العرقي أو الاختلاف اللغوي أو المذهبي. حقيقة أن هناك ثورات اشتركوا فيها لنصرة مذهب أو حاكم، ولكنهم كانوا إذا غضبوا غضبوا لأسباب سياسية أو اقتصادية في أغلب الأحيان. وقد خاضوا معا معارك الجهاد ضد الغزاة الأجانب، كما عاملهم العثمانيون طيلة ثلاثة قرون معاملة واحدة، سواء كانوا مخازنية أو رعية. فتكونت بينهم وحدة لا انفصام لها، وتاريخ وآمال مشتركة، ووحد بينهم الإسلام عقيدة ولغة وجمعتهم خريطة الجزائر بتربتها السهلية والجبلية والصحراوية على صعيد واحد. ولكن بعض كتاب الفرنسيين لم يرقهم ذلك. فراحوا يبحثون عن الفروق في المقابر والمتاحف والحوادث التاريخية وفي لون البشرة وتباين اللهجات والأعراف ونظام الحياة اليومية. وكانوا يدخلون البربري والعربي في المخبر الفرنسي ويأخذون عينات من دم هذا وذاك، ومن جمجمة هذا وذاك ومن جلد هذا وذاك، ثم يحللونها بمهارتهم (العلمية) باستعمال تقنيات الأنثربولوجيا، واللسانيات، والأنساب، والسلالات، ثم يعلنون النتيجة الباهرة، في نظرهم، وهي أن هناك أكثر من شعب يسكن الجزائر، وأن هناك اختلافا بين عناصر هذه (الشعوب)، وأن الإسلام بينهم ليس على درجة واحدة من التمكن والرسوخ، وأن اللغة العربية قوية هنا وضعيفة هناك، بل منعدمة في بعض الجهات. وأن هناك العرب والمعربين وغير المعربين بتاتا،

стр. 2872

وهم الممتنعون في الجبال. وأن البربر هم هؤلاء المتحصنون في الجبال والمتكلمون بلهجاتهم الخاصة، وأن المعربين منهم إنما هم بربر أيضا، ومن ثمة فجملة البربر في الجزائر أكثر من جملة العرب فيها، وأثبت المخبر الاستعماري الفرنسي أن هؤلاء العرب هم المحافظون على بداوتهم، وهم الذين يسكنون السهول ويمارسون الرعي والترحال، وقل منهم المزارعون وسكان البيوت المبنية. وفي العرب طبقات وارستقراطية محافظة ونظام أبوي تقليدي، والولاء عندهم للعرش والجماعة. وهم محتلون للبلاد جاؤوا، في نظر الفرنسيين، من الحجاز، ومنهم الأجواد والأذواد والأشراف والمرابطون، ومنهم المخازنية والرعية، ولهم الموالي والعبيد، وهم كسلاء، ويمارسون تعدد الزوجات، كما أنهم محافظون على الدين الذي جاؤوا به. وهم في غزوات مستمرة ضد بعضهم البعض كما كانوا منذ قرون. ومن جهة أخرى أثبت المخبر الاستعماري الفرنسي أن البربر هم السكان الأصليون وأنهم تعاونوا مع الرومان وكانوا على المسيحية. وأن لهم بشرة بيضاء وعيونا زرقاء وشعورا شقراء تدل على أن أصلهم نوردي - جرماني، وأن لهم لغة شفوية ذات أصول هندوأوروبية، وهي ذات لهجات. وهم سكان الجبال التي امتنعوا فيها عن مختلف الغزاة، ولهم نظام خاص يشبه النظام الأوروبي، فهم حينئذ ديمقراطيون بطبعهم، ولهم جماعات وأمناء، وهم يحسنون الزراعة وسكنى البيوت الطينية، وهم نشطون ويحبون العمل والمنافسة، ولا يرفضون التقدم والتمدن الذي جاء به الفرنسيون، وهم في نظر هؤلاء مسلمون، ولكن إسلامهم خفيف بدليل أنهم يفضلون العمل بالعرف على العمل بقواعد الإسلام. والبربر ليسوا قبيلة واحدة أو جنسا واحدا. فمنهم سكان الصحراء وسكان الجبال، وهم موجودون في جبال الظهرة والأوراس وجرجرة وميزاب والهقار. وهم كالعرب يغزون بعضهم بعضا أيضا. ولو اعتمد هؤلاء الفرنسيون على روايات وأخبار المؤرخين وناقشوها وقبلوا منها ورفضوا بعضها لقلنا إن ما توصلوا إليه جدير بالنظر والدراسة.

стр. 2873

ولكنهم كانوا يعتمدون على نزوات شخصية ومصالح استعمارية آنية. كانوا يصدقون أرنست رينان ويكذبون ابن خلدون، ويستوحون نظرية دورخايم ويرفضون نظريات ابن حزم وابن عبد الحكم ونسابة العرب والبربر. ومن هو العقيد كاريت حتى يفتح باب مدرسة كاملة في شتم الشعب الجزائري وتفريق عناصره منذ ١٨٤١؟ لقد بدأ عمله عضوا في (اللجنة العلمية) التي تأسست سنة ١٨٣٩ (لاكتشاف الجزائر). وكان من نتائج نشاطه كتابه الذي سماه (بحوث في أصول القبائل الرئيسية في شمال إفريقية ولا سيما الجزائر) وقد طبع هذا الكتاب بموافقة اللجنة العلمية نفسها وبأمر من الحكومة الفرنسية (١). ثم توالت الكتب التي ركزت بالخصوص على زواوة (القبائل). فألف كاريت نفسه (دراسات حول منطقة القبائل)، وبيربروجر عن (العهود العسكرية لمنطقة القبائل)، والبارون أوكابيتان (القبائل والاستعمار في الجزائر)، ودوماس وفابار (منطقة القبائل الكبرى)، وهانوتو ولوتورنو (منطقة القبائل والعادات - الأعراف - القبائلية) وأصدر الدكتور وارنييه كتابه (الجزائر أمام الامبراطور) (٢)، ودوماس كتابه الآخر (القبائل العربية) أيضا، وهنري فورنيل (دراسة عن الاحتلال العربي لإفريقية). وهناك العديد من هذه الكتب، ومنها كتاب بقي (حضارة شمال إفريقية)، وإيميل قوتييه (العصور الغامضة لشمال إفريقية)، ومن أواخرها كتاب الضابط بيروني (سلالات وعوائد إفريقية الشمالية). وفي الوثيقة الطويلة (ستة فصول) التي وزعتها مصالح المارشال بوجو على المكاتب العربية العسكرية التي كانت تحكم الجزائر، بدأت تظهر ملامح التعامل مع الأهالي. فمصالح بوجو تعرف رؤساء المكاتب العربية بالعناصر المكونة للسكان وبطريقة التعامل معهم على أساس عرقي، والاستفادة من (الصفوف) بينهم في مواجهة المقاومة. وصدرت هذه الوثيقة سنة ١٨٤٥،

стр. 2874

قبل هزيمة ديسمبر ١٨٤٧ بسنتين. وكان بوجو عندئذ في أوج طغيانه، بعد أن افتك من الأمير عبد القادر المدية ومليانة وتلمسان ومعسكر وتاقدامت، واستولى على الزمالة. وواجه الفرنسيون في نفس السنة (١٨٤٥) ثورة الظهرة الشهيرة التي شاركت فيها مختلف الطرق الصوفية وحد ثت على إثرها معركة سيدي إبراهيم. فماذا قالت الوثيقة عن الجزائريين؟ إنها تحدثت عن نوعين فقط من (السلالات): العرب والقبائل، وهو تصنيف قد يكون حدث لأول مرة، حسب علمنا. أما العرب فهم على صنفين: صنف يسكن السهول بين الساحل وجبال الأطلس، ونوع يسكن الهضاب العليا. الأولون مستقرون، والأخيرون رحالة. وعرفت الوثيقة (العرب) بأنهم أهل البادية - الريف، ولا تعني سكان المدن (الحضر) لقلة عدد هؤلاء واختلاطهم بالسكان الآخرين (؟). ثم ذكرت الوثيقة، التي يغلب على الظن أن محررها هو يوجين دوماس رئيس المكتب العربي المركزي في عهد بوجو، الأوصاف التي كان يتميز بها المجتمع العربي وطبقاته كالارستقراطية ونظام الأبوة وأهمية الشرف، مضيفة شيئا لم نذكره وهو اعتماد هذا المجتمع على وحدة الدوار، ووجود مجلس في كل دوار يسيره الكبار أو الأعيان. وأما أهل القبائل فقالت عنهم الوثيقة بأنهم هم سكان الجبال، وعرفتهم بأنهم خليط ممن قاوموا الغزاة عبر العصور. واعترفت الوثيقة بصعوبة الحكم عليهم عندئذ لعدم المعرفة الكاملة بهم. كما نسبت لهم نفس الأوصاف التي ذكرناها عن البربر، ولكنها أضافت أنهم أقل حبا للرحلة والتنقل من العرب، وأن الذي كان يوحدهم هو التعصب ضد الكفار، وأن لهم نظاما يتمثل في العرش والقبيلة والجماعة والأمين (١).

стр. 2875

وفي هذه الأثناء (١٨٤٤) أرسلت الحكومة الفرنسية المهندس هنري فورنيل في مهمة للجزائر. ورغم أن مهمته كانت هي البحث عن المناجم وكيفية استخراج المياه الجوفية، فإن فورنيل أبى إلا أن يكتب عن تجربته في الجزائر التي زارها شرقا وغربا وشمالا وجنوبا، رغم الوضع غير المستقر. ثم ألف كتابه عن احتلال العرب لإفريقية الذي يسميه المسلمون (الفتح الإسلامي)، وانتهى فيه إلى أن العرب قد فشلوا في مهمتهم (١). وهذه الأطروحة كانت تتماشى مع أطروحة السياسيين والعسكريين الفرنسيين الذين يعتبرون أنفسهم الوحيدين من الأجانب، بعد الرومان، الذين نجحوا في احتلال الجزائر. أما العرب والأتراك، مثلا، فكلهم كانوا من الفاشلين. وهو رأي كان يؤيده أيضا رجال الكنيسة الذين كانوا يريدون إلغاء الاثني عشر قرنا من الإسلام، والرجوع بالجزائر إلى عهد الكنيسة الإفريقية - الرومانية. والمهم عند الفرنسيين عندئذ هو إيجاد عداوة محلية يوظفونها داخل صفوف أعدائهم وليس البحث (العلمي) السلالي أو اللغوي في حد ذاته. فالتوصيات التي كانت تصدر من الكتاب مبنية على أن القبائل هم أقرب من العرب في التحالف مع الفرنسيين. وبذلك يمكن للفرنسيين أن يكسروا الحلقة التي تطوق عنقهم. وفي البحث عن العداوات داخل الصفوف الأهلية التي تكفل بها في الواقع كل مكتب عربي عسكري، جاء السيد فورتان ديفري F. d'IVRY بخلط عجيب في التسميات والخريطة الجغرافية عند حديثه عن سكان الجزائر، رغم أنه قد زارها وكتب عنها أثناء إدارة بوجو. فهو تارة كان يسمى الشاوية قبائل، وتارة يسميهم عربا يتحدثون اللغة العربية وتمتد رقعتهم في نظره إلى عنابة وقالمة والعين البيضاء، ويذهب تارة أخرى إلى أن عرب الصحراء كانوا ضد عرب التل، وأن هناك فروقا بين سكان شرق البلاد ووسطها وغربها. وكان يسمى الشاوية عرب الشرق. ويقول إنك كلما ازددت
следующие страницы →