فهم في الواقع سواء وأن الإسلام قد وحد بينهم في حضارة عميقة لا يبغون عنها حولا، وأن لغة القرآن كان يطالب بها البربري والعربي على حد سواء، وأن الجزائريين بهذه الصفة مشتركون في العداء للفرنسيين (١).
ولن نفهم هذه النقطة إلا بالرجوع إلى بعض آراء هؤلاء الكتاب. فقد عاش البربر والعرب في ظل الإسلام والوحدة والأخوة منذ الفتح. ولم يذكر المؤرخون أي توتر بينهم كان سببه التمايز العرقي أو الاختلاف اللغوي أو المذهبي. حقيقة أن هناك ثورات اشتركوا فيها لنصرة مذهب أو حاكم، ولكنهم كانوا إذا غضبوا غضبوا لأسباب سياسية أو اقتصادية في أغلب الأحيان. وقد خاضوا معا معارك الجهاد ضد الغزاة الأجانب، كما عاملهم العثمانيون طيلة ثلاثة قرون معاملة واحدة، سواء كانوا مخازنية أو رعية. فتكونت بينهم وحدة لا انفصام لها، وتاريخ وآمال مشتركة، ووحد بينهم الإسلام عقيدة ولغة وجمعتهم خريطة الجزائر بتربتها السهلية والجبلية والصحراوية على صعيد واحد.
ولكن بعض كتاب الفرنسيين لم يرقهم ذلك. فراحوا يبحثون عن الفروق في المقابر والمتاحف والحوادث التاريخية وفي لون البشرة وتباين اللهجات والأعراف ونظام الحياة اليومية. وكانوا يدخلون البربري والعربي في المخبر الفرنسي ويأخذون عينات من دم هذا وذاك، ومن جمجمة هذا وذاك ومن جلد هذا وذاك، ثم يحللونها بمهارتهم (العلمية) باستعمال تقنيات الأنثربولوجيا، واللسانيات، والأنساب، والسلالات، ثم يعلنون النتيجة الباهرة، في نظرهم، وهي أن هناك أكثر من شعب يسكن الجزائر، وأن هناك اختلافا بين عناصر هذه (الشعوب)، وأن الإسلام بينهم ليس على درجة واحدة من التمكن والرسوخ، وأن اللغة العربية قوية هنا وضعيفة هناك، بل منعدمة في بعض الجهات. وأن هناك العرب والمعربين وغير المعربين بتاتا،
стр. 2872
وهم الممتنعون في الجبال. وأن البربر هم هؤلاء المتحصنون في الجبال والمتكلمون بلهجاتهم الخاصة، وأن المعربين منهم إنما هم بربر أيضا، ومن ثمة فجملة البربر في الجزائر أكثر من جملة العرب فيها، وأثبت المخبر الاستعماري الفرنسي أن هؤلاء العرب هم المحافظون على بداوتهم، وهم الذين يسكنون السهول ويمارسون الرعي والترحال، وقل منهم المزارعون وسكان البيوت المبنية. وفي العرب طبقات وارستقراطية محافظة ونظام أبوي تقليدي، والولاء عندهم للعرش والجماعة. وهم محتلون للبلاد جاؤوا، في نظر الفرنسيين، من الحجاز، ومنهم الأجواد والأذواد والأشراف والمرابطون، ومنهم المخازنية والرعية، ولهم الموالي والعبيد، وهم كسلاء، ويمارسون تعدد الزوجات، كما أنهم محافظون على الدين الذي جاؤوا به. وهم في غزوات مستمرة ضد بعضهم البعض كما كانوا منذ قرون.
ومن جهة أخرى أثبت المخبر الاستعماري الفرنسي أن البربر هم السكان الأصليون وأنهم تعاونوا مع الرومان وكانوا على المسيحية. وأن لهم بشرة بيضاء وعيونا زرقاء وشعورا شقراء تدل على أن أصلهم نوردي - جرماني، وأن لهم لغة شفوية ذات أصول هندوأوروبية، وهي ذات لهجات. وهم سكان الجبال التي امتنعوا فيها عن مختلف الغزاة، ولهم نظام خاص يشبه النظام الأوروبي، فهم حينئذ ديمقراطيون بطبعهم، ولهم جماعات وأمناء، وهم يحسنون الزراعة وسكنى البيوت الطينية، وهم نشطون ويحبون العمل والمنافسة، ولا يرفضون التقدم والتمدن الذي جاء به الفرنسيون، وهم في نظر هؤلاء مسلمون، ولكن إسلامهم خفيف بدليل أنهم يفضلون العمل بالعرف على العمل بقواعد الإسلام. والبربر ليسوا قبيلة واحدة أو جنسا واحدا. فمنهم سكان الصحراء وسكان الجبال، وهم موجودون في جبال الظهرة والأوراس وجرجرة وميزاب والهقار. وهم كالعرب يغزون بعضهم بعضا أيضا.
ولو اعتمد هؤلاء الفرنسيون على روايات وأخبار المؤرخين وناقشوها وقبلوا منها ورفضوا بعضها لقلنا إن ما توصلوا إليه جدير بالنظر والدراسة.
стр. 2873
ولكنهم كانوا يعتمدون على نزوات شخصية ومصالح استعمارية آنية. كانوا يصدقون أرنست رينان ويكذبون ابن خلدون، ويستوحون نظرية دورخايم ويرفضون نظريات ابن حزم وابن عبد الحكم ونسابة العرب والبربر.
ومن هو العقيد كاريت حتى يفتح باب مدرسة كاملة في شتم الشعب الجزائري وتفريق عناصره منذ ١٨٤١؟ لقد بدأ عمله عضوا في (اللجنة العلمية) التي تأسست سنة ١٨٣٩ (لاكتشاف الجزائر). وكان من نتائج نشاطه كتابه الذي سماه (بحوث في أصول القبائل الرئيسية في شمال إفريقية ولا سيما الجزائر) وقد طبع هذا الكتاب بموافقة اللجنة العلمية نفسها وبأمر من الحكومة الفرنسية (١). ثم توالت الكتب التي ركزت بالخصوص على زواوة (القبائل). فألف كاريت نفسه (دراسات حول منطقة القبائل)، وبيربروجر عن (العهود العسكرية لمنطقة القبائل)، والبارون أوكابيتان (القبائل والاستعمار في الجزائر)، ودوماس وفابار (منطقة القبائل الكبرى)، وهانوتو ولوتورنو (منطقة القبائل والعادات - الأعراف - القبائلية) وأصدر الدكتور وارنييه كتابه (الجزائر أمام الامبراطور) (٢)، ودوماس كتابه الآخر (القبائل العربية) أيضا، وهنري فورنيل (دراسة عن الاحتلال العربي لإفريقية). وهناك العديد من هذه الكتب، ومنها كتاب بقي (حضارة شمال إفريقية)، وإيميل قوتييه (العصور الغامضة لشمال إفريقية)، ومن أواخرها كتاب الضابط بيروني (سلالات وعوائد إفريقية الشمالية).
وفي الوثيقة الطويلة (ستة فصول) التي وزعتها مصالح المارشال بوجو على المكاتب العربية العسكرية التي كانت تحكم الجزائر، بدأت تظهر ملامح التعامل مع الأهالي. فمصالح بوجو تعرف رؤساء المكاتب العربية بالعناصر المكونة للسكان وبطريقة التعامل معهم على أساس عرقي، والاستفادة من (الصفوف) بينهم في مواجهة المقاومة. وصدرت هذه الوثيقة سنة ١٨٤٥،
стр. 2874
قبل هزيمة ديسمبر ١٨٤٧ بسنتين. وكان بوجو عندئذ في أوج طغيانه، بعد أن افتك من الأمير عبد القادر المدية ومليانة وتلمسان ومعسكر وتاقدامت، واستولى على الزمالة. وواجه الفرنسيون في نفس السنة (١٨٤٥) ثورة الظهرة الشهيرة التي شاركت فيها مختلف الطرق الصوفية وحد ثت على إثرها معركة سيدي إبراهيم.
فماذا قالت الوثيقة عن الجزائريين؟ إنها تحدثت عن نوعين فقط من (السلالات): العرب والقبائل، وهو تصنيف قد يكون حدث لأول مرة، حسب علمنا. أما العرب فهم على صنفين: صنف يسكن السهول بين الساحل وجبال الأطلس، ونوع يسكن الهضاب العليا. الأولون مستقرون، والأخيرون رحالة. وعرفت الوثيقة (العرب) بأنهم أهل البادية - الريف، ولا تعني سكان المدن (الحضر) لقلة عدد هؤلاء واختلاطهم بالسكان الآخرين (؟). ثم ذكرت الوثيقة، التي يغلب على الظن أن محررها هو يوجين دوماس رئيس المكتب العربي المركزي في عهد بوجو، الأوصاف التي كان يتميز بها المجتمع العربي وطبقاته كالارستقراطية ونظام الأبوة وأهمية الشرف، مضيفة شيئا لم نذكره وهو اعتماد هذا المجتمع على وحدة الدوار، ووجود مجلس في كل دوار يسيره الكبار أو الأعيان.
وأما أهل القبائل فقالت عنهم الوثيقة بأنهم هم سكان الجبال، وعرفتهم بأنهم خليط ممن قاوموا الغزاة عبر العصور. واعترفت الوثيقة بصعوبة الحكم عليهم عندئذ لعدم المعرفة الكاملة بهم. كما نسبت لهم نفس الأوصاف التي ذكرناها عن البربر، ولكنها أضافت أنهم أقل حبا للرحلة والتنقل من العرب، وأن الذي كان يوحدهم هو التعصب ضد الكفار، وأن لهم نظاما يتمثل في العرش والقبيلة والجماعة والأمين (١).
стр. 2875
وفي هذه الأثناء (١٨٤٤) أرسلت الحكومة الفرنسية المهندس هنري فورنيل في مهمة للجزائر. ورغم أن مهمته كانت هي البحث عن المناجم وكيفية استخراج المياه الجوفية، فإن فورنيل أبى إلا أن يكتب عن تجربته في الجزائر التي زارها شرقا وغربا وشمالا وجنوبا، رغم الوضع غير المستقر. ثم ألف كتابه عن احتلال العرب لإفريقية الذي يسميه المسلمون (الفتح الإسلامي)، وانتهى فيه إلى أن العرب قد فشلوا في مهمتهم (١). وهذه الأطروحة كانت تتماشى مع أطروحة السياسيين والعسكريين الفرنسيين الذين يعتبرون أنفسهم الوحيدين من الأجانب، بعد الرومان، الذين نجحوا في احتلال الجزائر. أما العرب والأتراك، مثلا، فكلهم كانوا من الفاشلين. وهو رأي كان يؤيده أيضا رجال الكنيسة الذين كانوا يريدون إلغاء الاثني عشر قرنا من الإسلام، والرجوع بالجزائر إلى عهد الكنيسة الإفريقية - الرومانية.
والمهم عند الفرنسيين عندئذ هو إيجاد عداوة محلية يوظفونها داخل صفوف أعدائهم وليس البحث (العلمي) السلالي أو اللغوي في حد ذاته. فالتوصيات التي كانت تصدر من الكتاب مبنية على أن القبائل هم أقرب من العرب في التحالف مع الفرنسيين. وبذلك يمكن للفرنسيين أن يكسروا الحلقة التي تطوق عنقهم. وفي البحث عن العداوات داخل الصفوف الأهلية التي تكفل بها في الواقع كل مكتب عربي عسكري، جاء السيد فورتان ديفري F. d'IVRY بخلط عجيب في التسميات والخريطة الجغرافية عند حديثه عن سكان الجزائر، رغم أنه قد زارها وكتب عنها أثناء إدارة بوجو. فهو تارة كان يسمى الشاوية قبائل، وتارة يسميهم عربا يتحدثون اللغة العربية وتمتد رقعتهم في نظره إلى عنابة وقالمة والعين البيضاء، ويذهب تارة أخرى إلى أن عرب الصحراء كانوا ضد عرب التل، وأن هناك فروقا بين سكان شرق البلاد ووسطها وغربها. وكان يسمى الشاوية عرب الشرق. ويقول إنك كلما ازددت
стр. 2876
اتجاها نحو الغرب، وجدت (القبائل) أكر عنادا وصلابة وقدرة على الحرب، ويعني بالغرب الأرض الممتدة من شرشال إلى المحيط. وتأثر رأى ديفري بالنسبة لعرب الصحراء والسهول الخصبة بوثيقة بوجو، إذ قال إنها لا تحول دونهم سوى الجبال المانعة كالأوراس والظهرة وجرجرة والونشريس حيث كان يسكن القبائل (البربر؟)، الذين لهم نظام اجتماعي وحدود طبيعية متميزة. وقد كرر ديفري نفس الأوصاف التي جاءت في وثيقة بوجو حول خصائص كل (جنس)، مضيفا، أن الاستبداد السياسي الذي فرضه الإسلام (!) قاومته هذه الجبال الصلبة. وقال ديفري إن هناك عداوة زمنية متبادلة بين السكان لم تعرف فرنسا كيف تستفيد منها سياسيا. ولا شك أنه ظن أنه كان يقدم بذلك نصيحة غالية لبلاده (١).
ويكاد رأي ديفري يكون هو الرأي الذي انتهى إليه العقيد كاريت أيضا، وهما متعاصران. ففي رأي كاريت أن السكان القبائل هم المنحدرون من السكان الإفريقيين القدماء، وربما من الوندال (النورديك) أيضا، أو من المسيحيين الأولين. ونظرا لهذا الأصل غير المؤكد لغويا، أو عرقيا، أو دينيا، ولنظمهم الديموقراطية، فإنهم في نظره هم الحلفاء الطبيعيون للفرنسيين (٢). وقد بينت حوادث الخمسينات والسبعينات من القرن الماضي وغيرها أن العقيد كاريت كان يبني أوهامه على الرمال وأن الأسطورة التي كان ينسجها حول هذا التحالف غير الطبيعي كانت أضغاث أحلام. ذلك أن الفرنسيين قد واصلوا منذ ١٨٦٠ مناقشاتهم في الصحف عما يفعلون بالقبائل (البربر)، هل يبعدونهم تماما عن أراضيهم أو يبقونهم ويفرنسونهم (٣). وسوف تستمر هذه المناقشات إلى فترة ما بين الحربين العالميتين، ولكنها لم تسفر على طائل، وعلينا الآن أن نعرف ماذا حدث بالضبط.
стр. 2877
معاداة العرب
ارتبط اسم العرب في أذهان الأوروبيين بالإسلام. فإذا ذكر الإسلام ذكر معه العرب بالضرورة. وكان الفرنسيون هم ممثلي أوروبا في الجزائر منذ الاحتلال. فما يصدر عنهم ضد الإسلام ينصرف أيضا ضد العرب. وقد تكفلت الكنيسة الكاثوليكية بالهجوم على الدين الإسلامي ونبيه محمد في صوت لويس بافي، ولافيجري وأغلب القساوسة الذين معهما. كما تكفل معظم المستشرقين الفرنسيين بمهاجمة الإسلام وحضارته ولغته وتاريخه، وتولى ذلك ألفريد بيل وويليام مارسيه، دون ذكر رينان وماسينيون، الخ. أما العرب كجنس أو عرق فقد ناصبهم العداء، في الجزائر على الأقل، الدكتور وارنييه ومدرسته التي سنأتي عليها. والغريب أن وارنييه لم يتحرك في هذا الاتجاه إلا عندما تهددت مصالح الكولون، وهو منهم، خلال الستينات عندما أشيع أن هناك مشروعا لإنشاء مملكة عربية في الجزائر يتولاها الأمير عبد القادر نيابة عن الامبراطور نابليون، كما كانت المجر مملكة تابعة للنمسا ومصر الخديوية تابعة للدولة العثمانية. وقد نفهم من هذا أن هجوم الدكتور وارنييه على العرب إنما هو هجوم ظرفي وقائم على مصلحة ضيقة. فقد عايش وارنييه العرب طويلا قبل ذلك ومثل فرنسا لدى الأمير كقنصل في معسكر أيام صلح التافنة، وعاش حياته بعد ذلك في وهران وغيرها، وشارك في مؤلفات اللجنة العلمية، دون أن يكتب عن العرب بنفس الحدة التي كتب بها عنهم وهو يؤلف كتابه (الجزائر أمام الامبراطور) سنة ١٨٦٥.
ولنعرض أولاد حياة د. وارنييه بشيء من التفصيل. فقد حل بالجزائر سنة ١٨٣٢ وبقي بها إلى ما بعد قيام الجمهورية الثالثة. ولعب أدوارا في السياسة والاقتصاد والقيادة، رغم أنه كان بالمهنة طبيبا، وجراحا عسكريا. وكان من أتباع حركة سان سيمون أيضا. وبعد معاهدة التافنة (١٨٣٧) عينته فرنسا قنصلا لها فى معسكر. وعند إنشاء اللجنة العلمية (٣٩ ١٨) عين عضوا
стр. 2878
فيها وبحث في موضوع المجتمع الجزائري في قسنطينة. وتولى إدارة الشؤون المدنية بإقليم وهران، وكان عضوا في مجلس الحكومة العامة بالجزائر، وهو أعلى سلطة تمثل الدولة الفرنسية وتساعد الحاكم العام في مهمته. وكان بدين الجسم وله صفة التسلط. وقد أسس سنة ١٨٥٠ جريدة (الأطلس)، وكانت آراؤه متعارضة تماما مع آراء إسماعيل (توماس) أوربان حول الموقف الفرنسي من الجزائريين، رغم أنهما كانا ينتميان إلى مدرسة سان سيمون، وكذلك متضاربة مع آراء لاكروا، بل أصبح وارنييه خصما لهما.
ولكن وارنييه ارتبط بصداقة شارل دو فيرييه الذي كان يسمي نفسه (شاعر الله) والمؤمن أيضا بفكر سان سيمون. وكان شارل دوفيرييه هو والد هنري دوفيرييه، صاحب الرحلة الصحراوية الشهيرة، وهو (هنري) الذي عالجه د. وارنييه وأنقذ حياته. كما ارتبط وارنييه بالمحامي لوسيه الذي طردته حكومة الجمهورية الثانية سنة ١٨٤٨ من فرنسا إلى الجزائر، وتولى مسؤوليات في قسنطينة، منها اللجنة الفلاحية والكتابة في جريدة (المستقبل) التي اشتراها بعد ذلك، وأصبح هو المتكلم (أي لوسيه) باسم الكولون في قسنطينة، وكان معارضا بشدة، مثل د. وارنييه، لسياسة المكاتب العربية العسكرية. لقد كان وارنييه يؤيد سياسة الاحتلال الكامل للجزائر، ومن أجل ذلك نصب نفسه خصما للعسكريين من جهة ولسياسة المملكة العربية التي أعلن عنها نابليون من جهة أخرى. وأصبح وارنييه هو زعيم المعادين للعرب، وهم الذين أطلق عليهم اسم (الأرابوفوب) و (الأرابوفاج) - arabophages -. وقد نشط هؤلاء بإصدار الكتيبات وبالحملات الصحفية ضد العرب وضد مشروع المملكة العربية، خلال فترة الستينات (١).
رجع د. وارنييه إلى إحصاءات زميله العقيد كاريت فوجده يقول إن عدد العرب الخلص في الجزائر قليل وأن من يسمون بالعرب إنما هم بربر قد تعربوا. وبناء على رأي كاريت فإن عدد العرب في القرن ١٦ كان حوالي ٩%
стр. 2879
من عدد السكان، وهم حوالي مليون عند تأليف كتابه (القرن ١٩). أما وارنييه فقد صحح الأرقام وقال إن عدد العرب أقل من ذلك في نظره، فهم لا يتجاوزون نصف المليون، أما باقي السكان فهم بربر قد تعربوا أو بربر غير متعربين. وأورد وارنييه نص رسالة من صديق (للمؤرخ) هنري مارتن بعث بها إلى رئيس تحرير جريدة (الرأي الوطني) ووصف فيها العرب بأنهم نوماد (بدو) محتلون لم يستطع الزمن أن يعطي الشرعية لاحتلالهم لأنهم، في نظره، لم يؤسسوا شيئا ولم يخصبوا شيئا. والعرب في نظر مارتن، لهم نظام شيوعي (مشترك/ قبلي) وارستقراطي في نفس الوقت، وهو نظام عدو (!) ليس له ما يستحق عند الفرنسيين من الاحترام. ولذلك يجب تحطيمه، لأنه نظام يمنع من استرجاع الحضارة الإفريقية (؟). وقال مارتن إن هذا النظام هو فقط من مخلفات العدوان الوحشي (البرباري) (١).
وانطلق د. وارنييه في حملته المعادية للعرب. فحكم أولا بخطإ النظرية الفرنسية السائدة عند الاحتلال، وهي أن الكلمة (العرب) مرادفة لكلمة (المسلمين). وبخطإ النظرية القائلة بأن العرب هم الذين فتحوا الأندلس وأن المجد الأندلسي مجد عربي. ورأى أن التراث العربي في الفلسفة والأدب والعلوم لا ينسب إلى العرب وحدهم. وطعن فيمن ينتسبون إلى الأشراف والمرابطين. وطالب حكومته بوقف (التعريب)، لأن في الجزائر شعبين وليس شعبا واحدا، وكذلك طالب بالاعتراف بثلاث لغات فيها وهي: البربرية للبربر الخلص، والجزائرية للبربر المتعربين، والعربية الدارجة للعرب. أما اللغة الفصحى فلا كلام عليها، وقال إن كلمة (القبائل) تطلق في الدارجة على كل البربر، لأن القبائل فرقة هامة منهم. والمقياس عنده، وعند من اقتنع بنظريته، في معرفة من هو العربي ومن هو البربري، هو مدى الإيمان بالحضارة الأوروبية والتقرب من الفرنسيين. فالبربر هم المتفتحون على هذه الحضارة وهم الحلفاء الطبيعيون للفرنسيين، والعرب هم المتزمتون
стр. 2880
والمتعصبون والمبتعدون عن حضارة الفرنسيين.
وهاجم وارنييه العرب أيضا في جانب آخر. قال إن التاريخ يصور العرب على أنهم حملوا القرآن في يد والسيف في اليد الأخرى وأنهم بعد أن قتلوا ونهبوا ومروا كالسيل المخرب عبر شمال إفريقية وإسبانيا، جاء الأمراء البربر ورمموا الخرائب لأنهم إنما قبلوا بالإسلام لوضعه حدا للطائفية المسيحية فقط. وواصل د. وارنييه هجومه على العرب بقوله إنهم كانوا عامل اضطراب في شمال إفريقية. ولم يقدموا أي مساهمة تذكر للأتراك عندما اتخذوهم احتياطيين (١). واستعار د. وارنييه من العقيد كاريت أيضا عبارته في وصف بني هلال بأنهم خلفوا الحرائق والرماد، وخربوا المنازل وقلعوا الأشجار. وقوله أيضا إن ما تركته السياسة العربة قائا قد اقتلعته العبقرية العربية، وأن مرورهم قد ترك المدن خرابا، والخضرة يبابا، وأنهم نشروا الشقاء والوحشية - البربارية) (٢). وهذا في الواقع كلام غير جدول ولم يأت به كاريت ولا وارنيه وإنما ذكرته المصادر العربية نفسها. وقد استفاد منه الرجلان لتزويج نظريتهما العنصرية في شتم العرب والتمكين للسياسة الفرنسية في الجزائر، ولإشباع حقدهما على الإسلام وعلى حملة رسالته الأولى، كما أشرنا. وعلى فرض صحة المنسوب إلى بني هلال، وهو محل نظر وجدل، فليس كل العرب بني هلال.
وقد استمرت هذه الأطروحة بعد كاريت ووارنييه أيضا. فروج لها كتاب عسكريون تولوا مسؤوليات إدارية في مختلف أنحاء البلاد. وقد ذكرنا منهم أوكابان، وهانوتو، ثم جاء مدنيون وضربوا على نفس الوتر أيضا. ومنهم بوجيجا، وقوتييه، وماسكري. وانخدع بكلامهم بعض الجزائريين الذين تتلمذوا على أفكارهم، وأصبحوا يتحدثون عن الفوضى أو الخراب الذي كان قبل الفرنسيين، ثم عن الأمن والعمران الذي حصل بعدهم، وما
стр. 2881
درى هؤلاء الجزائريون أهم كانوا يلعنون أنفسهم وآباءهم وأجدادهم في سكرة من سكرات الإغواء الفرنسي.
ومعاداة البربر
يعتبر المدح الذي كاله العقيد كاريت ود. وارنييه وغيرهما للبربر سبة لهم وحطا من قدرهم. ذلك أن البربر يعتبرون المس بدينهم إهانة كبرى لهم. كما أن اعتبارهم حلفاء للفرنسيين هو هدية مسمومة إلى البربر. وقد ردوها على أصاحبها أكثر من مرة. والبربر بدون شك قوم يفتخرون بماضيهم ولغتهم وتقاليدهم، وهم أيضا قوم فخورون بدورهم العظيم في فتح الأندلس (١٢ ألف جندي على الأقل)، وفي حمل الإسلام إلى وسط فرنسا نفسها وإلى جنوب إيطاليا، وإلى إفريقية، وفخورون أيضا بتأسيس القاهرة والأزهر الشريف، وإقامة الممالك الكبرى قبل أن تتكون في فرنسا مملكة أو كيان سياسي. ولكنهم لا ينفون أنهم فعلوا ذلك كمسلمين عقيدة ولغة، وأن إنتاجهم الحضاري المكتوب قد اختلط بإنتاج العرب حتى لم يعد أحد يستطيع معرفة الفرق (١).
ومع ذلك فإننا - وللتاريخ - نذكر ما كان كتاب فرنسا يخططون للجزائريين، وكيف كانوا يضعون شباكهم لصيد البلهاء. وأي فضيلة لهؤلاء الكتاب إذا كانوا دائما يكتبون عن خطط تسمح لفرنسا بتفريق الجزائريين وإحكام قبضتها عليهم واستعبادهم؟ ذلك أن المدح للبربر والقدح في العرب، وأحيانا العكس، لا يقصدون من ورائه خدمة العلم والحقيقة، وإنما خدمة الإدارة الاستعمارية وتمكين الحضارة الفرنسية على حساب حضارة
стр. 2882
البربر والعرب معا. ولم نسمع، رغم الضجة الكبرى، بتخلي فرنسا عن جزء من أرض الجزائر لهذا الفريق أو ذاك لأنه في نظر كتابها كان أقرب إليها من غيره وأصدق في تحالفه معها من بقية المواطنين، بل إن فرنسا كانت تعاملهم على حد سواء. فهم (رعايا) فرنسيون أولا وهم (أندجين) ثانيا. وعند انتزاع الأراضي وتوزيعها على الكولون لا يسأل الجزائري هل أنت من السكان المستقرين أو من السكان الرحل، وعواقب الثورات كانت واحدة على الجميع. والغريب أن د. وارنيه الذي طالما امتدح البربر على هدوئهم بعد سنة ١٨٥٧، وعلى قربهم من الحضارة الفرنسية بحكم اتصالهم القديم بالرومان (؟) الخ. هو الذي نصب لهم المحاكم والمشانق بعد ثورة ١٨٧١ واغتصب أراضيهم وفرض عليهم الغرامات الثقيلة (١). ولعله قد راجع بعد ذلك نظرياته في الكتاب الذي كتبه تحت وطأة الحملة المسعورة ضد نابليون وحاشيته.
وبناء على وارنييه فإن البربر هم قدماء المسيحيين وقدماء الكولون للرومان، وهم الذين ما يزالون متعلقين بالممارسات والتنظيمات الرومانية. إنهم هم الشعب الإفريقي الساكن في المنطقة الممتدة من ليبيا وتونس والجزائر إلى المغرب، وتمتد مواقعهم إلى توات والتوارق وساحل السنغال، فهم عنده كل الجنس الأبيض القاطن وسط إفريقية. وقدر عددهم بعشرة ملايين على الأقل. وقال إن الجبليين منهم قد حافظوا على تقاليدهم الرومانية في نظره وعلى أصولهم، عدا الدين. أما سكان السهول منهم فقد تعرضوا للغزوات العربية مما أفقدهم روحهم المعنوية، حسب دعواه.
وزعم د. وارنييه من جهة أخرى، أن البربر كانوا مسيحيين وأنهم اعتنقوا الإسلام على مضض، وقد ظلت عقيدتهم فيه ضعيفة جدا. اختار بعضهم المذهبية حيثما ظهرت. وادعى أن البعض منهم يأكلون لحم الخنزير مع العمال الأوروبيين فى المزارع الفرنسية، رغم أن القرآن قد حرم ذلك.
стр. 2883
كما زعم أن القرآن عندهم ليس قانونا ولا دستورا سياسيا وإنما هو كتاب دين فقط. وهم في القضايا المدنية والسياسية يحتكمون إلى العرف (القانون الذي جاء اسمه من (الكانون canon) عند الرومان، وعند المسيحيين. وهذا العرف (الكانون) مثله مثل الكنيسة البدائية، إنما تشرعه جماعة المؤمنين. وذهب وارنييه في مزاعمه إلى أبعد من ذلك حين قال إن أغلب البربر كانوا يحملون الصليب في شكل وشم على الجباه والوجنات. وقال إنهم أكثر تسامحا من غيرهم في الشؤون الدينية. والدليل على ذلك عنده وجود كنيسة مسيحية في جزيرة جربة. فالحضارة البربرية تتبع في نظره، الحضارة الرومانية والمسيحية مثلها في ذلك مثل حضارة أوروبا الغربية، عدا الدين الإسلامي الذي جاء به العرب. وهكذا فإن التنظيم البلدي - نظام الجماعة - موجود عند البربر والعرب معا، ولكنه عند البربر أقرب إلى التنظيم الأوروبي. إن القبيلة عند البربر عبارة عن بلدية داخل ولاية (١).
وفي ميادين الخدمة العسكرية، البرية والبحرية، لاحظ د. وارنييه ملاحظات عديدة على الجندي البربري من عهد القرطاجيين والرومان إلى عهد الاحتلال الفرنسي. ووجد أن الجندي البربري أكثر مهارة وقدرة على الحملات البعيدة من غيره. ذلك أن جيش حنبعل الذي غزا أوروبا - مدينة رومة - كان من البربر فقط، وأن أسطول قرطاج كان منهم، كما أن الرومان ساهموا في استمالة المؤهلات العسكرية، البرية والبحرية، للبربر. وكان الفرسان العرب الذين عبروا المضيق (مضيق جبل طارق) سيتخلون عن مشروع الفتح لولا دعمهم بجيش عرمرم من المشاة البربر. كما أن الأسطول الجزائري أثناء العهد العثماني قد صنع من الخشب المجلوب من زواوة وبأيدي العمال البربر، وكان على هذا الأسطول عمال (بحارة) من البربر. وكانت بعض البلدان، مثل تونس، تعتمد على مشاة زواوة (الزواف). لقد كان البربر دائما، عسكرا جيدا وبحارة مهرة. وكانت في الجزائر أثناء كتابة
стр. 2884
وارنييه لكتابه، فرقتان واحدة من الفرسان العرب والثانية من الرماة (التوركو) من البربر. وقال وارنييه إن الأولى مجندة من الخيام الأرستقراطية العربية، والثانية من الجماعات الديموقراطية البربرية. وقد نجحت فرقة (التوركو) في حرب القرم وفي إيطاليا وفي السينيغال والهند الصينية والمكسيك. وكلما كانت المسافة أبعد في المغامرة والحرب كلما وجد الفرنسيون الإرادة والاستعداد للسير وراء العلم الفرنسي من الفرقة الأخيرة (التوركو). أما فرقة الفرسان العرب فقد أرسلتها فرنسا إلى حرب القرم شرفيا فقط ثم أعادتها بسرعة، ثم استدعيت إلى باريس ١٨٦٤ وعوملت معاملة محترمة جدا، ثم وقع التراجع عن ذلك في المرة الثانية. ومن رأي وارنييه أن الجندي البربري جندي كامل، أما الجندي العربي فهو واسطة بين الدركي والحرس الوطني، لأن من طبيعته أيضا عدم الابتعاد عن نسائه وقبيلته وماشيته. ولذلك سمح بأن تجند فرنسا الفرسان أيضا من البربر لأنهم قادرون على الحرب في كل الظروف. وتجنيد البحارة منهم أيضا لأنهم عرفوا البحر من قديم، أما العربي فلا يعرفي البحر (!)، وهو ضد الحضارة الفرنسية ومتباعد عن الفرنسيين (١).
والقياس عند الفرنسيين هو مدى الاستعداد لقبول التقدم والتفتح على الحضارة الفرنسية. فالأمير عبد القادر اعتبره وارنييه بربري الأصل، بناء على هذا المقياس. وروى د. وارنييه أنه سمع الأمير يقول عند بناء مدينة تاقدامت، إنه كان يعيد بناءها لأن أحد أجداده (يعني عبد الرحمن بن رستم) قد حكم في تيهرت (٢)، وكان الأمير يعرف أن أجداده من البربر. ولذلك عرف كيف يجند البربر تحت لوائه. وذهب وارنييه، تمشيا مع مبدئه في الربط بين المسيحية والرومنة والفرنسة، إلى أن أجداد الأمير كانوا أيضا مسيحيين قبل الإسلام، وفسر تدخله في أزمة بلاد
стр. 2885
الشام سنة ١٨٦٠ بأنه يتماشى مع تقاليد أجداده (!).
وأكد لويس رين نظرية د. وارنييه بعد حوالي ربع قرن. ويبدو أن رين قد تبنى النظرية المعادية للسامية. فقد ذهب إلى أن البربر من الجنس الهند أوروبي، وأن طارق بن زياد النفزاوي النفطي قد يكون من أصل فارسي، وأن الساميين، ومنهم العرب، لم يستطيعوا تنظيم أنفسهم عسكريا ولا سياسيا. وعد منهم الخلفاء الراشدين والنبي داود ﵇. وقد اعتمد رين في ذلك على بحوث أرنست رينان، سيما بحثه المعنون (تاريخ اللغات السامية). وكذلك اعتمد على دراسة هنري فورنيل التي سبق ذكرها والتي حكم فيها بفشل الاحتلال العربي (كذا) لإفريقية، وزعم رين أيضا أن البربر لم يعتنقوا الإسلام بحرارة وظلوا يتمردون عنه مع الفرق الخارجية والحركات الانفصالية، أثناء العهد الذي يسميه أوغسطين بيرك بعهد وصاية الشرق، ويسميه غوتييه بالعصور الغامضة.
وذهب رين أيضا إلى أن اللغة البربرية لغة هند أوروبية، تبعا لنظرية رينان، وقال إن البربر قوم آريون، وإن الإسلام في آسيا انتشر على يد غير الساميين مثل الفرس والترك وهم طورانيون، أما الإسلام في إفريقية وأوروبا فقد انتشر على يد البربر (الآريين). وقارن رين بين الغولوا (سكان بلاد الغال) وبين البربر، فقال إن الغولوا قد استوعبوا كل الذين أرادوا احتلالهم، رغم أن الفرنج (وهو اسم لقبيلة بلجيكية، كما قال، حتى لا يقول ألمانية)، فرضوا اسمهم على فرنسا، ولم يقل شيئا عن المسيحية التي فرضت عليهم أيضا، وقال بأن البربر أيضا قد استوعبوا ورفضوا كل اندماج في غيرهم، رغم أنهم تقبلوا الإسلام ولغة القرآن وسيادته بل قبلوا حتى اسم العرب، ولكن الجماهير منهم ظلت بربرية. وختم رين دراسته بقوله إنه كلما درس تاريخ ولغة البربر اقتنع بحقيقة وهي أن البربر هم في الحقيقة جنس آري، وأن لغتهم لغة هند أوروبية (١)
стр. 2886
وقد استمرت هذه النظرية سارية إلى العشرينات من هذا القرن. فقد رجع السيد ريمون بيروني، وهو من الضباط مثل لويس رين، إلى نظرية فورنيل وأرنست ميرسييه وفيكتور بيقي وغيرهم، حول البربر وموقفهم من الحضارة الرومانية والعربية والفرنسية. وقال بيروني إن الفرنسيين قد ظلوا على خطئهم في معاملة السكان بطريقة واحدة إلى مدار هذا القرن، وكان عليهم أن يميزوا بين السكان ويستفيدوا من الفروق. وقد أصبحت الإدارة الفرنسية تشعر بهذه الفروق منذ حوالي ١٨٩٠ وأخذت توظفها سياسيا. وعندما احتل الفرنسيون المغرب الأقصى ظهرت المسألة البربرية بشكل أكثر وضوحا، وأعطى الفرنسيون دفعا جديدا للدراسات البربرية، وتحول الفرنسيون أيضا في تونس والجزائر وغيرهما وأخذوا يبرزون الفروق بين عناصر السكان. ولكن المسألة لم تكن مفهومة عند الرأي العام الفرنسي في فرنسا نفسها حتى نشر فيكتور بيكي كتابه عن (حضارة شمال إفريقيا) الذي قال فيه إننا كنا دائما نسمي المنطقة عربية بينما هي مسكونة بالعنصر البربري، وهو العنصر القريب من العناصر الأخرى في البحر الأبيض، وأرز أيضا العلاقة الوطيدة بين الرومان والبربر في نظره.
ومن رأي فورنيل أن الإسلام قد حرر البربر فأصبحوا أسياد أنفسهم. ولذلك حكم بفشل العرب في الاحتلال لأنه نظر إليهم كما نظر إلى كل الدول الغازية. أما أرنست ميرسييه فقد قال إن الفتح العربي كان عملا عسكريا فقط (؟) وأنه لم يعمر طويلا، وأنه ترك البربر أحرارا في حكم أنفسهم. لكنه قال إن الغارة الهلالية كانت ظاهرة اجتماعية نتج عنها تعريب المنطقة والقضاء في نظره، على الجنسية البربرية. وقد ظهر كتاب ميرسييه وكتاب فورنيل سنة ١٨٧٥. أما بيروني Peyronnet فيرى أن التعريب لم يقض على الجنسية البربرية (١). ومنذ حوالي ١٨٩٨ تقريبا انحصر التمييز الذي كان بين كل البربر
стр. 2887
وكل العرب في الفروق بين العرب والقبائل، واختفى أو كاد الحديث عن البربر الآخرين.
التآمر على زواوة
بعد أن كان اهتمام الدارسين الفرنسيين وأصحاب نظرية الفروق بين السكان منصبا على البربر والعرب، أصبح بالتدرج منصبا، ولا سيما منذ العشرية الأخيرة من القرن الماضي على سكان زواوة وحدهم. وهذا الاهتمام اتخذ ألوانا عديدة: فمن حيث التعليم بدأ الفرنسيون في تأسيس المدارس الأهلية في بعض البلديات الزواوية وإجبارية التعليم فيها خلافا لما فعلوه في المناطق الأخرى. ومن حيث النشاط الديني - الكنسي، شجعت السلطات الفرنسية الآباء البيض على غرس مدارسهم وعياداتهم وملاجئهم في زواوة قبل غرس كنائسهم، نظرا للمقاومة الشديدة التي أبداها الزواويون ضد النشاط التنصيري. ومن حيث اللغة أنشأ الفرنسيون كرسيا للغة البربرية في مدرسة اللغات الشرقية بباريس، كما أنشأوا فرعا للغة القبائلية فقط في مدرسة الجزائر. ومن جهة أخرى كان النظام القضائي يختلف في زواوة عنه في المناطق الأخرى، فقد أصبح الاحتكام في زواوة للعرف والقانون الفرنسي، وليس للشريعة الإسلامية. ورغم مطالبة الزواويين بتطبيق الشريعة على غرار ما كان جاريا في المناطق الأخرى، فإن السلطات الفرنسية رفضت الاستجابة لهم، كما فرضت على قضاة المنطقة تحرير أحكامهم باللغة الفرنسية فقط خلافا للقضاة في المناطق الأخرى حيث كانوا يحررون الأحكام بالعربية. وبالنسبة للتمثيل النيابي فقد أسس الفرنسيون (قسما قبائليا) في مجلس الوفود المالية، وذلك بإصرار من
стр. 2888
كاميل صاباتييه، صاحب مشروع فصل (القبائل) في المعاملة عن بقية السكان. كما ميز الفرنسيون بعض القبائل بعدم دفع قسط من الضرائب المطلوبة على كل الأهالي. وكان ذلك كله يشكل محاولة لما سمي بالسياسة القبائلية - الفرنسية.
والواقع أنه منذ ١٨٩٦ كتب الباحث المشهور في وقته بول لوروى بوليو قائلا: لو كان كل سكان الجزائر من غير الأوروبيين زواويين (قبائل) لأمكننا القول بأن المسألة الجزائرية ستحل بسهولة. وفي نظره أن القبائل لا يختلفون عن الأوروبيين إلا في مسألة الدين. والدين في نظره لا يؤثر في حياتهم الاجتماعية والاقتصادية، ومن ثمة فإن شروط الإنتاج والتطور هي هي عند الزواويين وعند الفرنسيين. (ثم ذكر نفس الظواهر والمميزات التي نسبها وارنييه ومدرسته للبربر عموما) (١). وقد ذكرنا من قبل آراء كاميل صاباتييه، فلا نرجع إليها هنا. وأما أندري سيرفييه فقد تحمس لموضوع فصل سكان زواوة أوائل هذا القرن أيضا. وكان صحفيا في جريدة (لاديباش) بقسنطينة، متكلما باسم الكولون، كما كان لائكي العقيدة وماسونيا. وقد رحب سيرفييه بالهجرة الزواوية نحو فرنسا بدلا من الشام. وطالب بتشجيعها وإعطائها الأولوية (لتحطيم الكتلة الإسلامية الجزائرية) حسب تعبيره، كما طالب بربط الصلات بين سكان زواوة وسكان فرنسا. وقال سرفييه بكل صراحة: (علينا أن نقسم المعسكر الأهلي أو الكتلة الأهلية كلما أمكننا ذلك، من أجل عزل العناصر السكانية بعضها عن بعض) (٢).
ومن جهة أخرى دعا سيرفييه إلى ضرورة تنشيط الآباء البيض في منطقة زواوة. وعنده أن البربر مؤهلون لاعتناق المسيحية، بدليل أنهم حافظوا على تركة مسيحية ولاتينية من ماضيهم (؟). ولما كان سيرفييه من الماسونيين، فقد آمن بالفلسفة المسيحية التي اعتبرها هي الدين الجيد للزواوة، (بل هي
стр. 2889
الدين الأكثر جودة إذا تمكن من تحطيم وحدة المسلمين الجزائريين) (١).
وقد ذكرنا أن فيكتور ترانقة، وهو من مواليد الجزائر، قد أكد حقيقة كان يعترف بها كل الفرنسيين غير أنهم لم يكونوا متفقين على أهميتها، وهي وحدة الدين بين السكان. الذين كانوا يقللون من العامل الديني ويركزون على العامل الاجتماعي والاقتصادي كانوا يقيسون وضع الجزائر على وضع فرنسا. ففي البلد الأخير أصبح الدين صورة فقط ونجح فيه الفصل بين الزمني والروحي. كما أنهم لم يفهموا عمق المشاعر الدينية عند الإنسان الجزائري حيثما كان. أما ترانقة فإنه كان يؤمن بوجود بعض الفوارق بين السكان الجزائريين إذا وجد أن هناك رابطة معنوية قوية بينهم تتمثل في الإسلام، وهو ما كان يشكل في نظره الروح العربية - البربرية المقاومة. وقد لاحظ أن النخبة أو الفئة المثقفة التي تعبر عن الرابطة المذكورة كانت منقسمة في وقته (سنة ١٩١٣) إلى تيارين أحدهما كان يتبع حركة الشيخ محمد عبده، ويسميه التيار العصري، والآخر كان يتبع حركة الشيخ ماء العينين ويسميه التيار المتخلف. ومن رأي السيد ترانقة أن المذهب المالكي مذهب متزمت وهو مذهب سيحول دون الاندماج الذي تنشده فرنسا في الجزائر (٢).
وقد رفض الزواويون (القبائل) هذه المعاملات الخاصة بهم، ولكن الإدارة كانت في كل مرة تجد مبررا للإبقاء عليها. فقد كافح وفد القسم
стр. 2890
القبائلي في مجلس الوفود المالية ضد الاحتكام للعرف، بدعوى أنه قديم وغير صالح للتقدم المنشود، ونادى الوفد بإلغاء توصيات كتاب هانوتو ولوقررو اللذين جعلا العرف البربري كأنه قرآن، وطالب الوفد بتطبيق الأحكام الشرعية المطبقة على كل سكان الجزائر. ولكن الإدارة رفضت طلب الوفد وحافظت على العرف البربري القديم، بل إن دومينيك لوسياني نفسه (وهو مدير الشؤون الأهلية عندئذ) كان لا يطيق العرف البربري، ويعتبره، كما صرح بذلك، من الخرافات وبقايا التوحش، ولكنه ولأسباب سياسية، كما يقول آجرون، كان يبقي على العرف (١). وتمشيا مع هذه السياسة قام شارل جونار (الحاكم العام) بإلغاء تسمية المكاتب العربية في زواوة سنة ١٩٠٤، وسماها مكاتب الشؤون الأهلية. وكان الهدف هو مكافحة التعريب في المنطقة.
وأخذ الإداريون الفرنسيون يشيعون أن الزواوة يرفضون القياد العرب أو من كانوا من أصول عربية، وهو موقف لم يصدر عن الزواوة أنفسهم، وإنما كان الحكام الفرنسيون يبررون به الأحداث والتصرفات التي وقعت في المنطقة وحتى في غيرها. فقد قالوا عن حريق جرى في جرجرة سنة ١٩٠٤ إنه حدث نتيجة غضب السكان من فرض قياد وشيوخ من أصول عربية، رغم أنفهم (٢). وقد ذكرنا أن ممثلي الزواوة طالبوا بالثقافة العربية وذلك بإنشاء مدرسة في بجاية على غرار المدرسة الشرعية - الفرنسية في كل من تلمسان وقسنطينة والعاصمة. ولكن الفرنسيين لم يستجيبوا لهذا الطلب أيضا. كما رفض القضاة المسلمون في الزواوة تسجيل أحكامهم باللغة الفرنسية، وظلوا يحررون بالعربية أسوة بالقضاة في الجزائر كلها إلى أن تدخلت الإدارة وفرضت حلولا فوقية أخرى (٣).
стр. 2891
وبعد ظهور الحركة الإصلاحية ونشر التعليم العربي الإسلامي، قاومت الإدارة دخول الإصلاح إلى زواوة بمختلف الوسائل. ولكن الزواويين احتضنوا الإصلاح بعقيدة راسخة حتى نافست المدارس الإسلامية - العربية عندهم مدارس الآباء البيض والمدارس الحكومية الرسمية. ودخل علماء الزواوة المجلس الإداري لجمعية العلماء. ودافعوا عن العربية والإسلام بكل حمية. وعندما كثر الحديث في صحف الإصلاح وجمعية العلماء عن القومية العربية ظهر في الصحف الفرنسية الحديث عن القومية البربرية (والوطن القبائلي). ففي سنة ١٩٣٥ أخذت هذه الصحف تكتب عن مدرسة جزائرية معارضة للحركة الوهابية (ويعنون بها حركة الإصلاح). وقالوا إن الشاعر محند بن محند كان فيما يبدو يحلم (بوطن) قبائلي، وإن الحركة البربرية كانت تريد فصل الإسلام عن العروبة، وإن بعضهم كان يتحدث عن حزب قبائلي (١).
وكان سي عمر بوليفة قد أصدر سنة ١٩٢٥ كتابا، عنوانه (جرجرة عبر التاريخ) وأضاف إليه العنوان الفرعي: من أقدم العصور إلى ١٨٣٠، وعبارات تنظيم زواوة واستقلالها. ورغم أنه كان يتحدث عن عهد سابق للاحتلال فإن عبارة (استقلال) زواوة كانت لا ترضي الفرنسيين الذين كانوا يتحدثون عن قابلية أهل زواوة (القبائل) للاندماج في الحضارة الفرنسية والمجتمع الفرنسي، وكانوا يقولون عنهم إنهم أقرب من العرب والبربر الآخرين إلى المقاييس الفرنسية في التقدم. وأثناء ذلك كتب الشيخ محمد السعيد الزواوي (أبو يعلى) كتابه (تاريخ الزواوة) ونشره في دمشق (سنة ١٩٢٤) بعد أن حدد خطوطه العريضة في مشروعه سنة ١٩١٢ (٢).
стр. 2892
أما حسني لحمق فقد أصدر كتابه (رسائل جزائرية) سنة ١٩٣١، وهي السنة التي توفي فيها عمر بوليفة. ويزعهم ديبارمي أن بوليفة ولحمق وكذلك إسماعيل حامد كلهم كانوا يبعدون البربر عن الإسلام ويضعونهم داخل إطار الحضارة الفرنسية. ونسب ديبارمي إلى لحمق قوله إنه يشعر بالقرب من سانت أوغسطين أكثر من قرب من عقبة بن نافع. وقد تأسف لحمق على أن الإسلام قد فرض فرضا على الجزائر. وذهب ديبارمي إلى أن جمعية العلماء قامت بالرد على هذا (المرتد) في نظرها، وقد اعتبره كاتبها العام، الأمين العمودي، من نتاج مدرسة الجزويت (اليسوعيين). وروى ديبارمي أن ابن باديس قد أثار تصفيقا واستحسانا حين قال: (إن ما جمعته يد الله لا تفرقه يد الشيطان)، مشيرا إلى الرابطة الدينية القوية بين الجزائريين سواء خطبوا بالعربية أو بالقبائلية (وكان الشيخ يحيى حمودي، عضو جمعية العلماء قد ألقى كلمة بالقبائلية)، كما قال ابن باديس إن أبناء يعرب وأبناء مازيغ قد جمعهما الإسلام منذ قرون وإن وحدتهم قد عجنت بالدم عبر التاريخ المشترك.
وكان الفرنسيون قد نشروا، كما رأينا، نظرياتهم التي لا تقوم على بحث ولا تاريخ وإنما على مصلحة وغرض والتي مفادها أن البربر - والقبائل خصوصا - من الجرمان تارة، ومن السلتيين تارة، ومن الإغريق تارة، ومن الهندأوروبيين أخرى. ومن الذين ساروا في التشكيك في أصل البربر جوزيف ديبارمي، وهو ملاحظ معاصر ومحلل لمجريات الأمور. وكان من تلاميذ رينيه باصييه. وقد شكك ديبارمي في النظرية الشائعة منذ قرون، وهي أن البربر من بني كنعان، أي في وحدة أصولهم مع العرب، كما شكك في وحدة الدين لأن الحركة الإصلاحية في نظره كانت تدعو إلى (دين) الوهابية، وفي وحدة اللغة لأن العربية الفصحى في نظره أيضا، لا يفهمها الجميع، أما الدارجة فقال إنها مليئة باللهجات البربرية. واستشهد على ذلك بتجربة المسرح. وجاء ديبارمي بالأعراف المختلفة مثل (كانون) أو عرف القبائل الذي قال عنه إنه غير سنى (!). والخلاصة عند ديبارمي أن شمال إفريقية سنة
стр. 2893
١٩٣٨ كان يقف بين القومية العربية وبين المذهب الغربي، فالنزاع في نظره بينهما لا أكثر (١).
وهكذا استمر الفرنسيون في الاهتمام الظاهري بالزواوة دون الاستجابة لمطالبهم. ورغم أن وفد القبائل في مجلس الوفود المالية قد طالب بإلغاء العرف وتطبيق الشريعة الإسلامية، كما ذكرنا، فإن مارسيل موران (أستاذ الشريعة الإسلامية والعرف البربري بكلية الحقوق) ذهب إلى حد التصريح بأن القبائل كانوا يرفضون الشريعة القرآنية تماما (٢). ولذلك أعلن عن التنازع بين الشريعتين أيضا! والغريب أن موران هذا هو الذي عهدت إليه إدارة الشؤون الأهلية بتدوين الفقه الإسلامي أوائل هذا القرن.
وبينما كان الزواوين يطالبون ككل الجزائريين باللغة العربية في المدرسة وفي القضاء، كان بعض الكتاب الفرنسيين والإدارة يرفضون ذلك قائلين إن لغة بربرية - ويسميها ديبارمي البوربري Beurbri - هي التي تمثل اللهجة الجزائرية، وهي لغة غير العربية وغير البربرية أيضا .. أما سيرفييه فيقول إن هذه الدارجة الجزائرية هي خليط من الفينيقية، ولم يحملها معه أي فاتح مسلم. وأما الإدارة فقد أجابت الوفد القبائلي المطالب بتدريس العربية بمقالة ويليام مارسيه، وهي أن (تعليم العربية الدارجة أو الفصحى في منطقة القبائل سيكون ضرره أكثر من نفعه) (٣). وقد وقف كل من كومبس وجان مير ضد نشر العربية في زواوة (٤).
وقد تصدى علماء زواوة والمناضلون السياسيون لهذه المخططات الميكيافيللية وأفشلوها. ولم وتجد الفرنسيين نفعا، لا النظريات (العلمية)
стр. 2894
المزيفة، ولا التحقيقات السياسية السرية التي قام بها أمثال دوتيه وقوتييه (١)، ولا تحفظات لوسياني ولا تشكيكات ديبارمي. فقد كان الجزائريون يحسون إحساسا واحدا بالنسبة لمختلف القضايا المتعلقة بمستقبل بلادهم (٢). وصدق ابن باديس في قوله: إن ما جمعته يد الله لا تفرقة يد الشيطان!.
الدعوة إلى تعلم الفرنسية ..
وإلى التعلم عموما
عارض الجزائريون فرض اللغة الفرنسية على أبنائهم في مدارسهم في العقود الأولى ولم يعارضوها كلغة لمن أراد تعلمها في المدارس الفرنسية. وقد عالجنا ذلك في فصول التعليم. ونريد الآن أن نشير إلى بعض دعاة التعليم بالفرنسية من علماء الجزائر بعد حوالي جيل من الاحتلال. وقد انتشرت هذه الدعوة عن طريق الجرائد وكتابات العلماء منذ الثمانينات من القرن الماضي.
كانت اللغة الفرنسية معروفة عند بعض الجزائريين، وفيهم من كان يتكلمها، ومن سافر إلى بلادها، ومن تزوج من قومها. ومن الشواهد على ذلك أن أحمد بوضربة كان متزوجا من فرنسية، وكان يتكلم اللغة الفرنسية ويقطن مرسيليا، وقد ولد له ولده إسماعيل في هذه المدينة قبل الاحتلال. وبعد الاحتلال سعى بوضربة إلى إدخال ولده إلى المدارس الفرنسية في فرنسا نفسها. وكان بوضربة من المفاوضين على معاهدة الاحتلال سنة ١٨٣٠ باسم الداي حسين باشا، مع قائد الحملة بورمون. كما أن حمدان خوجة كان يفهم الفرنسية والإنكليزية، وقد سافر طويلا في أوروبا قبل الاحتلال. وتجول في فرنسا بالذات. وكان ابنه حسن، يعرف الفرنسية أيضا، ولا ندري كيف
стр. 2895
تعلمها، وربما من ممارسة التجارة مع والده ومن الأسفار معه. ومهما كان الأمر فقد كان حسن بن حمدان خوجة أيضا عضوا في وفد المفاوضين مع الفرنسيين سنة ١٨٣٠. وهناك غير هؤلاء (١). ولكن معرفة الجزائريين للفرنسية لم تكن كمعرفة اليهود لها، فهؤلاء كانوا يقومون بالترجمة بين الجزائريين والفرنسيين، قبل إنشاء فرق الترجمة الرسمية. كما كانوا يترجمون بين الفرنسيين والأمير عبد القادر. ومن ثمة كانت لديهم مفاتيح الأمور السياسية والاقتصادية للطرفين (٢).
وظهرت في فرق الترجمة الفرنسية بعض الأسماء الجزائرية المبكرة التي تعرضنا إليها في غير هذا المكان. وهي عادة أسماء فريق من الشبان الذين كانوا بين العاشرة والخامسة عشر عند الاحتلال، أو الذين قبض عليهم الفرنسيون في زمالة الأمير سنة ١٨٤٣. ومهما كان الأمر، فإن هناك جزائريين أصبحوا يعرفون الفرنسية ويترجمون منها إلى العربية والعكس منذ الأربعينات من القرن الماضي. وقد استقطبت بعضهم جريدة (المبشر) التي كانت تبحث عن محررين يحسنون العربية وشيئا من الفرنسية. ثم تخرج بعضهم من المدرسة السلطانية (الكوليج) المزدوجة التي تأسست خلال الخمسينات والستينات في العاصمة ثم قسنطينة. وكان المتوقع أن يكون هؤلاء مثلا يحتذى به في العلم والسلوك للمواطنين المتشككين في قيم المدرسة الفرنسية. غير أنه يظهر أن هؤلاء التراجمة والصحفيين لم يكونوا يقنعون الرأي العام الجزائري، لضعف علمهم أو لعدم تدينهم أو لصلتهم بالفرنسيين.
ولذلك لجأت السلطات الفرنسية إلى فئة أخرى من الجزائريين لا علاقة
стр. 2896
لها بالمدرسة الفرنسية، لكي تدعو الأهالي إلى تعلم اللغة الفرنسية والكف عن مقاطعة مدارسها، وبيان فوائدها العلمية والاقتصادية، وتربط ذلك بكرم فرنسا نحوها والبرهنة على العلاقة بين العلوم العربية والعلوم الفرنسية. وهذه الفئة هم رجال الدين والعلم الموالون للسلطات أو الموظفون في إدارتها. وكان هؤلاء عادة من عائلات قديمة معروفة ومؤثرة. وكانوا أيضا من العائلات الحضرية البعيدة عن الطرق الصوفية وعن أهل البادية أو الأرياف، لأن رجال التصوف كانوا عادة ضد التعلم بالفرنسية، كما كانوا معروفين للسكان، ولو فعلوا ذلك لفقدوا نفوذهم.
وابتداء من عقد الستينات ظهرت في جريدة (المبشر) مقالات يظهر أن الإدارة الفرنسية نفسها قد أوعزت بها إلى أصحابها. ومن هؤلاء الشيخ مصطفى بن السادات القسنطيني. وكان هذا الشيخ هو أحد مدرسي مدرسة قسنطينة الشرعية التي كان يديرها محمد الشاذلي (١).
والعالم الآخر الذي حث الجزائريين على التعلم بالفرنسية خلال الستينات أيضا، هو محمود بن الشيخ علي بن عبد القادر. وكان محمود يختصر اسمه هكذا (محمود بن الشيخ علي) (٢). وكان موظفا بسيطا عند الفرنسيين (٣). ولم يكن حسب علمنا من كتاب (المبشر) الدائمين. ولعل الذي استكتبه هو أحمد البدوي، أحد المحررين البارزين في الجريدة. وعنوان مقالته (نصيحة عمومية لأهل الحضر والبادية).
وهناك من دعا إلى تعلم العلوم الفرنسية بالقدوة وليس بالكتابة والإعلان. ومن هؤلاء حسن بن بريهمات الذي درس في المدرسة الشرعية
стр. 2897
الفرنسية عندما كانت غير مفرنسة (١).
والشيخ محمد بن الحاج حمو الذي أعطى المثل أيضا بإدخال ولده إلى المدرسة الفرنسية (٢). وقد أعجب كل من سليمان بن صيام وابن علي الشريف بما شاهدا في فرنسا من صنائع وعلوم، وتحدثا عن ذلك في رحلتيهما اللتين نشراهما بين ١٨٥٢ و ١٨٥٣. ونادى ابن علي الشريف بتعلم الفرنسية (وقد تعلمها هو أثناء شبابه) لأنها ضرورية للجزائريين في (الحال والمآل) (٣).
وفي نهاية السبعينات كتب الشيخ عبد القادر المجاوي رسالته (إرشاد المتعلمين)، وقد دعا فيها أيضا إلى تحصيل العلم الأوربي - الفرنسي، على أنه علم إنساني مشاع ما دام غير ديني. ولا ندري إن كان قد خصص اللغة الفرنسية بمزية في هذا الشأن، ولكن الرسالة في حد ذاتها كانت انطلاقة عامة، وهو لم ينشرها فصولا في جريدة، وإنما طبعها في كتيب نشره في مصر، فوصل إلى الجزائر، وأثار جدلا جول ما ورد فيه من أفكار. ولا شك أن المجاوي الذي كان عندئذ مدرسا في مدرسة قسنطينة الشرعية/ الفرنسية، كان يبث أفكاره في تلاميذه أيضا، وقد تخرج عليه عدد كبير سواء أثناء تدريسه في قسنطينة أو بعد انتقاله إلى العاصمة عند مدار القرن. وكأن المجاوي قد ألف إرشاده (للمتعلمين) ردا على من كان يقول إن المؤلفين العرب والمسلمين لم يكتبوا عن كيفية وطرق تعليم الصبيان (٤).
ومن نتائج أفكار المجاوي وأمثاله في قسنطينة حررت عريضة جماعية هناك سنة ١٨٩١ دعا أصحابها من الأعيان إلى الاعتزاز بأبنائهم الذين
стр. 2898
تخرجوا من المدارس الفرنسية، فهم ليسوا ضد العلم وليسوا ضد اللغة الفرنسية وإنما كانوا يطالبون باحترام اللغة العربية ونشر التعليم بها. وقالوا إن تجربة إجبارية التعليم قصيرة المدى، وإن أبناءهم كانوا يذهبون إلى المدارس الفرنسية (خلال الستينات) بدون عقدة، وهم يعتزون أيضا بأن لديهم قابلية للتعلم وكسب المعارف الفرنسية، خلافا لما كان يشيعه أعداؤهم من أنهم يعارضون التعلم وليس لهم قابلية في ذلك.
ومن الملفت للنظر حقا، أن جماعة قسنطينة نبهت الفرنسيين إلى (أننا كنا معلمي أوروبا)، ولكن الزمن دار دورته. وهذا لا يمنع من المطالبة بإنشاء المدارس بالعربية لأن ذلك سيكون أفضل لأبنائهم، ولأن ذلك أحفظ للغتهم وأصولهم ودينهم. ونحن نفهم من هذا أن أعيان قسنطينة لم يكونوا ضد اللغة الفرنسية ولكن مع التعلم باللغة العربية أيضا، وهم يخافون على أبنائهم ليس من اللغة في حد ذاتها ولكن من برامجها وأفكار أهلها (١).
وفي الوقت الذي انطلقت فيه الدعوة للتعلم، ولا سيما بالعربية، نشر محمد بن أبي شنب بحثين مترجمين عما ألفه المسلمون حول تعلم الأطفال. النص الأول غير منسوب ولكنه لمؤلف من المغرب الأقصى يرجع إلى القرن ١٨. وربما يكون هذا العمل هو أول ما نشر ابن شنب في المجلة الإفريقية. وقد نشر النص العربي مع الترجمة الفرنسية ومقدمة تحدث فيها عن التربية عند المسلمين، وقال إن الإسلام ليس عدوا للتعليم كما يدعي البعض، وهو بذلك يرد على من كان يقول بذلك من الباحثين الفرنسيين والصحفيين والكولون. ويفهم من نشر النص عندئذ أن ابن شنب كان يحث الجزائريين على التعلم طبقا لتعاليم الإسلام، ذلك أن الإسلام، كما قال ابن شنب، يوجب على الإنسان أن يتعلم، ولكن هذا التعلم له هدف
стр. 2899
وهو معرفة الدين والعلوم العملية، وذهب إلى أن الدين عند العرب هو الذي أنشأ المدارس، لأن المدارس ولدت مع الرغبة في معرفة وفهم القرآن الكريم. وقد كتب علماء المسلمين عن تعليم الأطفال ولكن ما كتبوه عن ذلك قليل. وهكذا فإن نشر النص المذكور وترجمته إنما هو لإزالة فكرة مسبقة ومتحيزة يزعم أصحابها أن المسلمين ينفرون من تعليم أطفالهم من الجنسين (١).
وبعد سنوات قليلة نشر ابن أبي شنب نفسه نصا لأبي حامد الغزالي هذه المرة، عن تعليم الأطفال أيضا. وكان النص العربي قد نشر بتونس سنة ١٣١٤، فرغب ابن شنب في ترجمته إلى الفرنسية ليطلع عليه من يرمي المسلمين بإهمال تعليم أطفالهم وليبين أن علماء المسلمين قد اهتموا بموضوع التربية والتعليم. وفي نفس الوقت ساهم ابن شنب في الحث على التعليم الذي بدأه الفرنسيون في آخر القرن الماضي، دون أن يعلن هو رأيه مع اللغة العربية أو الفرنسية، ولذلك قال إنه قد ترجم النص ونشره في هذا الوقت الذي (أصبح فيه الحديث عن تعليم الأهالي على كل لسان (٢).
وقد سارت النخبة المزدوجة والمتعلمة بالعربية فقط على هذا المنوال في الدعوة إلى التعلم. وكان هدفها أن يتعلم أطفال المسلمين بلغتهم العربية. ولكنهم أمام الواقع اكتفوا بالدعوة إلى التعلم دون ذكر اللغة، تاركين ذلك للاجتهاد والمطالبة الملحة أثناء ذلك باحترام لغة الدين والعلم وهي العربية. ونفهم ذلك من الحملة من أجل التعليم في المساجد وغيرها التي شارك فيها في العاصمة، أمثال عبد الحليم بن سماية ومحمد بن مصطفى خوجة والمجاوي، وفي قسنطينة حمدان الونيسي ومحمد الصالح بن
стр. 2900
مهنة والمولود بن الموهوب، وفي تلمسان شعيب بن علي وبوعلي الغوثي ومحمد بن عبد الرحمن. وفي بعض الزوايا شارك فيها أمثال أبي القاسم البوجليلي ومحمد بن بلقاسم الهاملي ومحمد بن عبد الرحمن الديسي وعاشور الخنقي. وفي ميزاب أمثال محمد بن يوسف أطفيش. إن هؤلاء كانوا يدرسون بالعربية وكانوا يدعون إلى التعلم. وكانوا روادا لحركة الإصلاح التي ظهرت وأينعت على يد الشيخ عبد الحميد بن باديس.
وقد استمر رجال الإصلاح على ذلك النهج. فدعوا إلى التعلم بصفة عامة. ولكنهم كرسوا جهودهم لخدمة اللغة العربية على أساس أن التعليم بالفرنسية قد تولته الإدارة نفسها. وحدثت منافسة شديدة بين الطرفين أفادت الجزائر كلها في النهاية. فقد كان كل طرف يريد أن يظفر بالتلاميذ ويعلمهم أكثر من صاحبه وبطريقة أفضل من غيره، مع التنافس أيضا في الأهداف الوطنية والسياسية لكل طرف. وقد وصل التنافس إلى الحد الذي أصبح فيه التلميذ يقرأ أربع عشرة ساعة خلال الـ ٢٤ ساعة في كلتا المدرستين (العربية والفرنسية).
والملفت للنظر أنه بينما كانت جمعية العلماء تعلم بالعربية فقط وتطالب بحرية التعليم بها وبترسيمها كانت لا تمانع في أن يتعلم أبناء الجزائر باللغة الفرنسية أيضا، بل كانت تعتبرها من العلوم (الآلية) التي يحتاجها المواطن في حياته. ولذلك رأينا رجال الجمعية أنفسهم يرسلون أبناءهم إلى المدارس الفرنسية، وهكذا فلم تأت الحرب العالمية الثانية حتى كانت (الازدواجية الجديدة) هي طابع التعليم العام. ونقول الجديدة لأن الازدواجية القديمة كانت مقتصرة على المدارس الفرنسية التي كانت تعلم اللغتين ولكن بالمنهج الفرنسي مثل المدارس الشرعية الرسمية الثلاث. أما الازدواجية الجديدة فقد كانت تجمع بين التعليم العربي أو الحر في المدارس الإصلاحية بمنهج عربي إسلامي قوي وبين التعليم الفرنسي أو الرسمي في المدارس الأهلية ذات المنهج الفرنسي الاستعماري المعروف.
стр. 2901
وهناك فئة أخرى من الجزائريين لم تكن مقتنعة بالتعليم العربي لأنها كانت تجهله أو لا ترى له من فائدة عملية، ولا تربط بينه وبين الوطنية. وكانت تطالب بالتعليم الفرنسي، ونعني بها الفئة الاندماجية التي بدأت تتحرك منذ آخر القرن الماضي. وأصل هذه الفئة يرجع إلى أبناء الموظفين الجزائريين الذين فضلتهم فرنسا على غيرهم عند فتح المدارس خلال الستينات والسبعينات من القرن الماضي. لقد كانوا أصحاب امتيازات مادية وتعليمية باعتبار آبائهم قد خدموا الإدارة الفرنسية في الجيش أو في وظائف القياد والأغوات وغيرها. وكان الفرنسيون يعتبرونهم محظوظين، لأنهم تمتعوا بنعمة التعلم والمنح، ثم توظفوا في الوظائف العسكرية والمدنية المفتوحة (للأندجين) أو الأهالي. وكان تعليم هؤلاء بسيطا في أغلبه. والقليل منهم فقط وصلوا إلى درجة عليا في التعلم. وكان التجنس شائعا في أوساط هؤلاء عادة.
وحتى بعد تحركهم لم يكن يجمعهم رابط واحد سوى في أوائل هذا القرن عندما طرح موضوع التمثيل النيابي ثم فرض التجنيد. إن هذه الفئة التي انقطعت عن ماضيها مدة جيلين تقريبا واندمجت في الوسط الفرنسي وابتعدت عن المجتمع الجزائري الذي كان يسوده الجهل والتخلف، هي التي كانت لا ترى التعليم إلا باللغة الفرنسية. وقد انضم إليهم بين الحربين المتخرجون على يد الآباء البيض وبعض المتخرجين من (القسم الأهلي) في مدرسة النورمال ببوزريعة، ومنهم أصحاب مجلة (صوت المستضعفين) التي ظهرت حوالي ١٩٢٩. ولكن الفئة الاندماجية كانت أقلية، وسرعان ما فقدت تأثيرها بعد انتشار التعليم في الأوساط المحرومة وظهور الوعي الوطني والإصلاحي على يد جمعية العلماء وحزب الشعب. وهكذا بقي الرواج لفكرة الازدواجية الجديدة، مع المطالبة الملحة بترسيم العربية على قدم المساواة مع الفرنسية.
стр. 2902
وفي سنة ١٩٤٧ قسم الشيخ أبو يعلى الزواوي أصناف المتعلمين الجزائريين إلى الفئات التالية:
١ - قسم يحسن الفرنسية كما ينبغي، فهم دكاترة ومحامون ومترجمون ... فهم يجهلون العربية تمام الجهل، ويجهلون أحكام الإسلام وقواعده، فهم مسلمون بالاسم فقط. و (الحمد لله، إنهم قليلون).
٢ - قسم متعلم تعلما بسيطا قليلا، صاروا صالحين للجندية، وتعاطوا الأشغال العمومية، فهؤلاء يؤلفون الأكثرية، وأكثرهم فقراء، فلا هم مسلمون بتعاليم الإسلام وإجراء أحكامه عليهم ... حرموا تماما من التعاليم العربية الإسلامية، أميون ... إلا أنهم عرب مسلمون مظلومون مغلوبون مقهورون ينتظرون الفرج، ويدعون الله بواسطة الأولياء الصلحاء الأموات لا الأحياء، وأحوالهم وأعمالهم وجميع تصرفاتهم مما يحزن أهل العلم والمعرفة ... وأبناء هذا القسم أخذتهم الحكومة الاستعمارية فعلمتهم اللغة الفرنسية حتى أصبحوا فرنسيين ... وإذا أتموا الجندية (الخدمة العسكرية المفروضة) ... انتقلوا إلى الاستخدام عند المستعمرين. ومنذ الحرب (العالمية) الأولى إلى هذه (العالمية الثانية) صاروا يتوجهون إلى فرنسا ويتركون البقية الباقية من أراضيهم بورا بلا خدمة ... فصار هذا القسم من المعذبين المهلكين، ومع الجهل المطبق والعقائد الفاسدة والتصرفات السفهية التي تستلزم التحجير، فيالله! وقال الشيخ أبو يعلى إن عدد هذا القسم يمثل الأغلبية الساحقة، ٩٠% من الجزائريين.
٣ - قسم من الأعيان والأغنياء، فهم بما لديهم فرحون متمتعون في قصورهم وضياعهم، وعنايتهم بالراحة وحسن اللباس ورغد العيش. وليس هناك مقارنة بين ما يفعله وينتجه هؤلاء الأعيان الأغنياء وبين أمثالهم من الأعيان الأغنياء الفرنسيين (الفرنجة، حسب تعبيره).
٤ - أما القسم الأخير فهو قسم العلماء وطلبة العلم، وأكثرهم فقراء،
стр. 2903
وهم قليلون .. بل قليلهم كثير، وواحد منهم كألف .. (١).
وضع المرأة
أخذ الحديث عن المرأة في المجتمع الجزائري حيزا كبيرا، في المناقشات والكتابات أثناء العهد الفرنسي (٢). كان الجهل بالتقاليد الاجتماعية والتعاليم الإسلامية قد أدى إلى تفسيرات عديدة لوضعها. منهم من تأسف على حالها ومنهم من وصف شقاءها. ومعظم الكتابات ترجع ما آل إليه أمر المرأة إلى تعاليم الإسلام للطعن فيها. والمرأة في نظرهم قدرية غارقة في الخرافات، ومستسلمة راضية بحكم القضاء عليها. وهي ضحية التخلف والأمية، وهي لعبة الرجل الذي كان يشتريها يقوده كما يشتري البهائم والبضائع، وهي في نظرهم ضحية الدين الإسلامي القاسي الذي جعل الرجل قواما على المرأة وأباح تعدد الزوجات وجعل الطلاق بيد الرجل وحده وفرض الحجاب والعفاف. والمرأة العربية المسلمة عندهم نمط واحد في المدينة والريف، إنها آلة نسل وخادمة بيت وحاضنة أطفال وجالبة حطب وماء. وهي محرومة من كل النعم في الحياة الدنيا، فلا أفراح ولا مراقص ولا ملتقيات اجتماعية. إن شباب المرأة يذوي بسرعة ويداهمها الهرم وهي في الأربعين من عمرها فتترهل وتموت قبل الأوان. إن المجتمع الجزائري مجتمع رجالي ليس فيه دور للنساء.
وانطلاقا من هذه الصورة عن المرأة جاءت المحاولات لإنقاذها. بدأت المحاولات بقناعة أنه لا يمكن تغيير أي مجتمع إلا بتغيير حال المرأة فيه، والدخول إلى عقلها وعاطفتها وذوقها. ولا يكفي وصف الرجال الأوروبيين لوضع المرأة العربية المسلمة بل لا بد من إرسال النساء الأوروبيات إليها
стр. 2904
والاطلاع على أحوالها ومعرفة رغائبها وسط تفكيرها، ومحاولة إخراجها من وضعها المتردي. وفي النساء الأوروبيات من حملت القلم لوصف تلك الحال، وفيهن من حملن الصليب ليعطي بركاته للمرأة المسلمة، ومنهن من فتحت ورشة لاستقبال البنات المسلمات بعد إقناع أمهاتهن بأن لا خوف عليهن من الأذى ولا من التنصير ولا من التبرج. وبدأت عملية التعرف والاتصال، ومحاولات تكسير الحواجز بين (المتقدمات) السافرات المتحررات القادمات من أوروبا وبين المتخلفات القابعات المغلوبات على أمرهن في الجزائر.
سوف لا نذكر هنا فضيحة عائشة بنت محمد وتهريبها وتنصيرها سنة ١٨٣٤ وبداية الاعتداء الفرنسي على حرمات الدين والقضاء والمجتمع. فذلك فصل آخر (١). وسوف لا نذكر كذلك ورشات السيدة لوسي (الليكس) والسيدة ابن عابن، وسيدات كثيرات في العاصمة وفي زواوة وميزاب وبسكرة ووهران وغيرها حيث دروس الطرز والنسيج التي تحولت إلى دروس في الترقية الاجتماعية والدمج الحضاري، ومثلت بداية التوتر داخل الأسرة الجزائرية بين الأم والبنت، والبنت والأب، والجار والجار، وكم من فضيحة وقعت ولكن قبرت في وقتها، وكم من ضحايا لعمليات الإنقاذ هذه. فالمرأة الجزائرية لم تتول قيادة (تحريرها) بنفسها وإنما الأخريات هن اللائي رمين بحبال النجاة إليها. ولذلك بقيت تابعة لا متبوعة وفاقدة لروح المبادرة فيما يتعلق بمصيرها. كان الأخريات يتحدثن عنها وهي غائبة، ويخططن لها وهي فاقدة للوعي. ومن السيدة لوسي إلى السيدة ماري بوجيجا حوالي قرن، ولكن وضع المرأة الجزائرية هي هو هو تقريبا، رغم فرص التعلم منذ أوائل هذا القرن.
فكيف سارت الأمور؟ بالإضافة إلى كتابات الرجال عن المرأة
стр. 2905
الجزائرية، كتبت عنها السيدة بروس، والسيدة روجرز، وغيرهما. وتركز وصف هؤلاء على المرأة الحضرية. ثم اتسعت الاهتمامات وانفتح الريف والبادية أمام الرحالة والإداريين والكتاب، فوصفوا المرأة في جبال زواوة والهضاب العليا وفي الصحراء. وظهرت عدة عناوين مثل (المرأة العربية) لدوماس، و (المرأة البربرية) لرين، وبحوث أخرى عديدة تتناول ظاهرة خاصة فقط كالحجاب أو العمل. ولا شك أن الاحتلال قد أدى إلى زيادة الانغلاق الاجتماعي بالنسبة للمرأة في المدن. لأن الفرنسيين أعطوا المثل السيء في الاعتداء على الحرمات وعدم مراعاة الأعراف والتقاليد التي وعدوا باحترامها في اتفاق ١٨٣٠، سيما حول المرأة. وقد ذكر حمدان خوجة نمو نموذجا عن ذلك وقع أثناء حفلة زواج ابنه. فقد دعا بعض الفرنسيين لحضور الزفاف مع نسائهم بشرط عدم دخول الرجال إلى محل النساء، فإذا بالضيوف الفرنسيين يدخلون، مع ذلك، على النساء، فوقعت الفوضى والفضيحة. إن أحداثا مثل هذه كانت لا تشجع على الاختلاط بين الفرنسيين والجزائريين في المدن.
رغم الظروف الجديدة فقد استمرت العائلات في المدن على إقراء بناتها القرآن في الكتاب، ولكن بندرة. ويقول جون موريل إنه كان من النادر عند زيارته للجزائر أن تجد المعلمات الخصوصيات للبنات، كما كان الحال في الماضي. ووصف المرأة عندئذ بأنها جاهلة (١). وتؤكد السيدة بروس سنة ١٨٤٩ أنه كان لا يسمح للبنات بالخروج إلى الكتاب لحفظ القرآن، وأن الكتاب (المسيد) كان خاصا بالبنين (٢). ومعظم الذين وصفوا الكتاب عندئذ وصفوه على أنه للبنين وغير مختلط. إن هذا الصنف من البنات هن اللاتي ذهبت إليهن السيدة الليكس (لوسي) منذ عهد بوجو لإخراجهن إلى ورشة الطرز والخياطة بدل كتاب القرآن. ثم أخذت نساء أخريات في جلبهن إلى أماكن الرحمة وإلى الجمعيات الخيرية والتوليد، بالتدرج والاستدراج.
فهل كانت المرأة فعلا جاهلة تماما؟ إذا كان العلم بالشهادات والتقدم
стр. 2906
بالدرجات في المدرسة من سنة إلى أخرى، فهذا ما لم يحصل إلا في المدارس الأهلية الفرنسية منذ حوالي ١٩٢٠ فقط، وقد تناولنا ذلك في غير هذا المكان. ونفهم من بعض القصص هنا وهناك أن التعلم لم يكن محرما ولا مفقودا في بعض العائلات والمناطق، ولكنه كان تعلما استماعيا في معظمه، وكان يقوم على الحفظ والذاكرة على عادة العرب القدماء، وقلما وجدنا المرأة التي تكتب أو تؤلف أو تعبر عن علمها بقلمها. ولا شك أن النسوة كن يستمعن إلى الدروس ويستوعبن المواعظ والأحكام الشرعية شفويا، ثم ينشرن ذلك بين النساء الأخريات، وهكذا. وقد روي عن الشيخ محمد بن يوسف أطفيش أنه كان يعظ النساء في دروس مخصصة، وكان يعلمهن شفويا تعاليم الإسلام وأحكام شريعته. وممن نبغت على يدي السيدة عائشة بنت ناصر التي أصبحت متعلمة كما أصبحت بدورها واعظة للأخريات، وكانت تفصل في القضايا بين المتخاصمين (١). وكان ابن باديس ورجال جمعية العلماء قد اتبعوا منهج الوعظ والإرشاد وتعليم المرأة أيضا بالطريقة الشفوية، ثم فتحوا المدارس أيضا لتعليم البنات بالطريقة الحديثة.
ويذكر بعض الكتاب أن المرأة في زواوة قلما تعلم لأن التعلم في الزوايا والمدارس القرآنية كان مقصورا على البنين، ومن النادر أن تجد غير ذلك (٢). ومن هذا النادر ما حكاه الشيخ علي أمقران عن السيدة ذهبية بنت محمد بن يحيى، أحد شيوخ زاوية اليلولي. فقد كانت ذهبية متعلمة وكانت لا تكف عن المطالعة في كتب أبيها أثناء هرمها (٣). وكانت السيدة زهراء بنت العربي بن أبي داود معروفة بالصلاح والحكمة حتى أنهم كانوا يشاورونها في أمور الدين والدنيا، وهي من شواعر اللغة القبائلية (٤). وذكر
стр. 2907
الشيخ عاشور الخنقي أن زوجته، وهي باية (بية) بنت أحمد حسان، كانت قارئة للقرآن (وعالمة بعدة علوم على غاية الاتقان والإحسان)، وكانت قد أخذت الطريقة الرحمانية على الشيخ محمد بن بلقاسم الهاملي وأدخلت عند أهل الشيخ وعند ابنته زينب التي تولت بعد أبيها القيادة الروحية للزاوية (١).
وكانت زينب هذه من النساء اللواتي حظين بدراسات وأوصاف قلما حظيت بها امرأة معاصرة في الجزائر. فأبوها هو شيخ زاوية الهامل. وكانت زينب الابنة الوحيدة والوريثة له. وقد ولدت في حدود الخمسينات من القرن الماضي. ورباها أبوها وعلمها لكي تساعده في الزاوية وتخلفه بعد وفاته. وكانت متعلمة إلى أن أصبحت قادرة على الاستفادة من مخطوطات المكتبة. وكانت هي الحافظة لسجلات أملاك الزاوية. وقد بلغت مداخيلها حوالي مليونين ونصف من الفرنكات أوائل هذا القرن، كما بلغت الأراضي المزروعة التابعة للزاوية ٩٠٠ هكتار في بوسعادة وحدها. وكانت الزاوية في عهد أبيها محل الزيارات والضيفان والطلبة، وقيل إن عدد هؤلاء (الطلبة) كان يتراوح بين ٧٠٠ و ٨٠٠ في السنة. وحين تغلبت زينب على ابن عمها في إرث بركة الزاوية تلقت أيضا زيارات عديدة، منها زيارة الفنان الفرنسي (قيومي)، والمغامرة الأديبة إيزابيل إيبرهارد، والرحالة بامبر. وكانت زينب، حسب وصف مشاهديها منقطعة للعبادة. وشهدت الزاوية في عهد والدها وعهدها هي أحداثا هامة وكانت لها مواقف، منها احتضانها (أي الزاوية) لأسرة المقراني بعد ١٨٧١، وموقفها من ثورات الجنوب، وتدريس الشيخين محمد بن عبد الرحمن الديسي وعاشور الخنقي فيها، وزيارات ناصر الدين ديني، الرسام المعروف، لها. وكانت زينب معاصرة لكل ذلك وواقفة على سير الزاوية في أحرج الظروف (٢).
стр. 2908
وكان للنساء أدوار في الحياة السياسية والعسكرية أيضا. وقد برزت أثناء حياة الأمير عبد القادر امرأتان: أمه لاله زهرة (الزهراء) وزوجته لاله خيرة. وكانت أمه ذات مكانة خاصة في قومه حتى كان يدعى أحيانا، سيما عند البيعة، بابن السيدة الزهرة. وكان الأمير كثيرا ما يشاورها ويتبع نصائحها. وبعد معاهدة التافنة ظهر على الأمير بعض الراحة وتلقي الهدايا، فذكرته أمه بما يجب للرجل البسيط، رجل الدين والتقشف، فكان لا يلبس إلا الصوف البيضاء دون زخرفة. ولما كان في تاكدامت سمع بأمه مريضة، وهي في مليانة، فبادر إلى زيارتها قاطعا على ظهر الحصان ١٦٠ كلم في خمس عشرة ساعة. وكانت أمه وزوجه في الزمالة سنة ١٨٤٣ فهربهما مولود بن عراش بحراسة أربعين فارسا حتى لا تقعان في قبضة الفرنسيين. ولما وصل الجيش الفرنسي إلى موقع الزمالة دارت معركة حامية حول الخيمة التي كانت تضم السيدتين ودافع عنها فريق من الجيش النظامي حتى قتل دونها، لتمكين السيدتين من الهروب الذي لم يعلم به الفرنسيون. ثم إن لاله زهرة هي التي استقبلت الأسرى الفرنسيين سنة ١٨٤٥ بعد معركة سيدي إبراهيم. وقيل إنها هي التي نصحت ابنها الأمير سنة ١٨٤٧ بتوقيف الحرب بعد مقتل البوحميدي في المغرب وفقدان الأمل في الهروب إلى الصحراء، ومحاصرة الفرنسيين لهم. وقد عانت لاله زهرة أيضا من السجن عند الفرنسيين بفرنسا حوالي خمس سنوات. وكذلك لاله خيرة وأطفالها (١).
стр. 2909
وأثناء ثورة الزعاطشة (١٨٤٩) لبست النساء لباس الأعراس والأعياد، وتخلين عن لباس الحزن والحداد، وعبرن عن فرحتهن بمن سقطوا مجاهدين من عائلاتهن. وقد دام ذلك خلال فترة الحصار الضيق الذي نصبه الفرنسيون على الواحة (١). فالمرأة كانت حاضرة في المقاومة بأفعالها ورموزها.
إن هناك نساء كثيرات في حياة الجزائر وزعمائها خلال الاحتلال. فمن أولاد سيدي الشيخ، ومن زواوة، ومن الأوراس ومن معسكر والشلف، ثم من الصحراء. لقد كانت المرأة حاضرة في المدن والأرياف. ولم تكن تنتظر النجدة من الأخوات البيض حاملات الصليب، ولا أفكار سان سيمون، لتحريرها وإنقاذها. لقد نفتها فرنسا وحدها أو مع الرجال إلى كايان وكاليدونيا، وعانت في المحتشدات التي أقامها بوجو وسانطارنو وبيليسييه. وغنت للحرية التي كانت تحوم فوق رأسها، وبكت زوجها وأبناءها يوم وصلها خبر استشهادهم في المعارك. فهذه فاطمة نسومر التي قاومت حتى ألقي عليها القبض وتوفيت في سجنها بمرض السل، وهذه زوج بوشوشة التي حال الفرنسيون بينها وبينه عندما هربوها إلى أهلها في البيض ثم قتلوه هو رميا بالرصاص في سجن قسنطينة. وهذه عيشوش التي كانت تدبر شؤون الحكم في تقرت، وتلك زينب التي كانت تدير زاوية الهامل أثناء حياة أبيها وبعده.
وحين توفي الخليفة حمزة، زعيم أولاد سيدي الشيخ، عند الفرنسيين، اتهم هؤلاء إحدى زوجاته بتسميمه لأنها لم تغفر له استسلامه المطلق للفرنسيين. كما اتهموا الطليعة بنت رابح بوضع السم لزوجها القايد جلول بن حمزة لإخلاصه لفرنسا، أما رقية بنت الحرمة فقد قيل عنها إنها
стр. 2910
ربت ابنها سليمان بن حمزة على كره الفرنسيين وغذته بالطموح والكبرياء (١).
بل هناك حتى النساء المتمردات على العادات والتقاليد الاجتماعية والإسلامية. فهذه حليمة بنت محمد بن يوسف الزياني قد اشتهرت في وهران ونواحيها بالخروج عن التقاليد. فكانت تخرج سافرة وتفلح الأرض لأسرتها، وكانت تركب الخيل وتشارك في الفروسية التي تنتظم من وقت إلى آخر، كما كانت تستقبل الوفود التي تزور زوجها الذي كان يتولى وظيفة إدارية للفرنسيين، وتحضر الحفلات التي يقيمها المسؤولون الفرنسيون لأعيان الموظفين الجزائريين. واشتهرت بلقب (القايدة حليمة). وقد قيل إنها ذهبت إلى الحج قبل وفاتها واستبدلت لقب القايدة بلقب الحاجة. وتوفيت خلال الحرب العالمية الثانية (٢).
وكم من قصص تروى عن النساء الجزائريات خلال هذا العهد. ففي المدن كن لا يخرجن إلا إلى الحمام حيث يلتقين ببعضهن ويتخذن ذلك ذريعة للاطلاع على الأحوال، والاستماع إلى الأخبار من كل نوع، وذريعة لتفريج الكرب والترويح عن النفس. وكثير من الحمامات كانت تتحول إلى مغنى ومرقص ومعرض للزينات والجواهر، وأسواق للبيع والشراء. والمناسبة الأخرى التي كانت المرأة تخرج فيها في المدينة هي شهر رمضان حين يطول الليل ويخرج الرجال والأطفال، ويكسو الظلام الشوارع فلا يعرف المارة إلا أن الملفوف بالحائك هو امرأة أو حرمة. وغالبا ما كانت النساء تخرج في رمضان ومعهن أطفالهن. كما كن يخرجن يوم العيد لزيارة المقابر والجيران والأقارب. وفي يوم العيد كن يتخذن الزينة ويلبس الجليد من الثياب والأحذية الملونة والمطرزة بالذهب والفضة. وفي عيد الأضحى كن يتخذن الدفوف ويرقصن ويغنين. ولكن الفرنسيات لا يعجبهن كل ذلك، إنهن يردن المرأة المسلمة أن تفعل ما يفعلنه، وإلا فهي متخلفة ومسكينة. ولم تعجبهن