← Указатели

Указатели · id 14100

تاريخ الجزائر الثقافي

أبو القاسم سعد الله

Полный текст (5 019 стр.). Показаны 3361–3400 · переход к 3366.

стр. 3361

أحمد وسلفه ويبرر الاحتلال الفرنسي وخدمته هو للمحتل الجديد. وكان الضابط بواسوني، في الحقيقة هو الذي طلب منه كتابة هذا التاريخ، إذ كان بواسوني من الارستقراطية العسكرية، ومن الضباط المهتمين بالدراسات العربية وتاريخ المنطقة، وكان رئيسا للمكتب العربي (بلدية عسكرية) منذ إنشائه في قسنطينة حوالي ١٨٤٣. وقد نشر هو نفسه بعض المؤلفات مثل (الفارسية) لابن قنفذ (١). ويبدو أن العنتري قد ألف عمله وهو شاب مندفع، إذ بقي على قيد الحياة إلى ما بعد سة ١٨٧٧. وقد اعتمد على وثائق أبيه، وكان هذا الأب أيضا مهتما بالتاريخ وله فيه بعض التقاييد. وكان العنتري (الابن) من أصحاب الخطوط الجيدة، وقد رأينا ذلك. وتلك عادة الخوجات قديما. ولا شك أنه استفاد أيضا من وثائق المحاكم والعائلات. وقد كتب عمله بأسلوب بسيط ومنظم. وهو في الواقع لا يؤرخ للعصر والمدينة والناس، ولكنه يذكر البايات حسب تواريخ ولايتهم وما حدث في زمن كل واحد منهم وما أنشأ كل باي من مآثر. وقد خصص للحاج أحمد قسما كبيرا في الكتاب، لأنه من جهة يهم الفرنسيين ولأن العنتري نفسه قد عاصر جزءا من عهد هذا الباي. ومنذ ظهور كتاب العنتري، الذي طبع حوالي ١٨٤٧ في قسنطينة بالعربية (٢)، أخذ المترجمون وضباط المكاتب العربية ينقلون عنه دون ذكره أحيانا. ومن هؤلاء فايسات الذي كان مترجما ومدرسا في قسنطينة، فقد التهمه التهاما في عمله الذي سماه (تاريخ بايات قسنطينة في العهد العثماني) ثم أرنست ميرسييه (٣) الذي أرخ لقسنطينة، وكذلك شارل فيرو. ويبدو أن المترجم أحمد (نيقولا) الأنبيري قد استفاد منه أيضا في كتابه المسمى (علاج السفينة). ويمكن القول إن تاريخ العنتري، رغم شباب مؤلفه وسرعة تنفيذه، بقي مصدرا هاما لتاريخ قسنطينة وإقليمها. ولم يكن العنتري مؤرخا، ولكنه كان مكلفا بكتابة

стр. 3362

تاريخ، وكان شغوفا بالوثائق والمراجع، وله استعداد للتحرير والنقد. وبعد حوالي قرن من صدور (الفريدة المؤنسة) قام المستشرق دورنون بترجمتها إلى الفرنسية. وأشار إلى أن زملاءه، مثل فايسات وميرسييه، قد اعتمدا على العنتري في مؤلفاتهم. ومن ثمة يمكن القول إن دورنون قد أنصف العنتري ولكن بعد موت زميليه (١). ٢ - تاريخ حاضرة قسنطينة، تأليف أحمد بن المبارك (٢). وقد نشره نور الدين عبد القادر. ولعل العنوان من وضع الناشر (المحقق) وليس من وضع المؤلف. ويغلب على الظن أن تاريخ الانتهاء من التأليف هو ١٨٥٢. وبذلك يكون تاريخ تأليفه قريبا من تاريخ تأليف زميله محمد الصالح العنتري. ورغم صغر حجم التأليف فقد ضم معلومات طيبة عن مدينة قسنطينة. وهو نوع من التاريخ والآثار والذكريات العامة والأحداث البارزة التي عرفتها قسنطينة وإقليمها. وبذلك يجد فيه القارئ معلومات غير موثقة أحيانا، عن بعض المدن مثل باغاي، ونقاوس، وحروب الكاهنة، وهجوم أبي عنان المريني، وهجوم مراد باي تونس، وابن الأحرش، وحمودة باشا، بالإضافة إلى الحديث عن بعض البايات ابتداء من حسن كيلاني المعروف بوكمية. وكان ابن المبارك يذكر ما وقع في عهد كل باي، وقد ختم عمله بالحديث عن الشيخ فتح الله وأحمد القبائلي. ويشعر المرء أن الكتاب غير منته، وأنه قابل للتوسع والإضافات، لأن خطته ربما كانت كذلك. فهو ليس كتابا بالفصول والأبواب المضبوطة. ومن الملاحظ أيضا أن أحمد بن المبارك

стр. 3363

قد أقدم على عمله بطلب من أحد الفرنسيين، ويغلب على الظن أنه هو نفس الضابط بواسوني الذي سبق ذكره مع العنتري. وخلافا للعنتري، فإن أحمد بن المبارك لم يجد، كما قال، الوثائق والمراجع التي يعتمد عليها. فاعتمد على الروايات الشفوية. ويقول نور الدين عبد القادر، انه لم يذكر سوى ابن أبي دينار القيرواني، صاحب (المؤنس)، ولكنه قد يكون اعتمد على مراجع أخرى لم يذكرها. والمعروف أن البكري والإدريسي وليون الإفريقي (الحسن الوزان) وغيرهم قد وصفوا قسنطينة. ولم يهتم ابن المبارك بحياة العلماء والدين والطرق الصوفية والأدب، ولعل بواسوني هو الذي خطط له الكتاب وطلب منه أن يسجل فقط أخبار الفتن والحكام الذين أحسنوا الحكم أو ظلوا. وهذا هو المهم للفرنسيين في ذلك الوقت، وربما كان ذلك هو ما يفسر استعمال ابن المبارك لعبارة (هذا زمان القبطان بوسنة)، وهو بواسوني، الذي أذاعت السلطات الفرنسية عنه على لسان العامة أن زمنه (أي ولايته على المكتب العربي الحاكم في قسنطينة) كان زمان أمن ورخاء (١). وقد أخذ نورالدين عبد القادر ترجمة أحمد بن المبارك عن ألفريد دورنون. فقد كان هذا مديرا لمدرسة قسنطينة الرسمية، وهو من المستشرقين الذين تكونوا ربما على رينيه باصيه، وكان معتدلا في آرائه، سيما في أحكامه على المدرسين الجزائريين في ولاية قسنطينة، الذين كان عليه أن يفتشهم بحكم وظيفه كمدير للمدرسة المذكورة (٢)، خلافا لمعاصره ألفريد بيل، مدير

стр. 3364

مدرسة تلمسان. وبناء على دورنون فإن أحمد بن المبارك من مواليد قسنطينة سنة ١٧٩٠، وكان أصله من ميلة حيث أجداده وأخواله آل العطار. ولذلك نجده قد تربى في ميلة وأخذ بها مبادئ العلوم في زاوية العائلة حيث الطريقة الحنصالية. ولما رجع إلى قسنطينة واصل دراسته على علماء الوقت، وهم: عمار الغربي (جامع القصبة)، وعمار الميلي (جامع رحبة الصوف) ومحمد العربي بن عيسى (ناظر المدرسة الكتانية) قاضي البلاد في عهد الحاج أحمد، والقاضي أحمد العباسي الذي يضرب المثل بعلمه. ثم اشتغل ابن المبارك أيضا بالتجارة، وكانت هذه الحرفة تحمله إلى تونس حيث كان يشتري العمائم والحرير والعطور وغيرها ويبيعها في قسنطينة، وأثناء وجوده في تونس كان يحضر بعض دروس علماء الزيتونة، وهو تقليد سار عليه علماء الشرق الجزائري منذ القديم، وكانت دروس التوحيد هي المفضلة عنده. وقد حملته رجلاه في إحدى السفرات إلى الحج أيضا. وفي سنة ١٨٣٥ (أي قبل احتلال قسنطينة) توفي الشيخ العباسي، فعين أحمد بن المبارك مكانه مدرسا بالجامع الكبير، وأخذت شهرته تزداد بين الناس، وصادف ذلك خلو منصب الفتوى بعزل أو وفاة الشيخ المفتي محمد العنابي صاحب كتاب (كشف البضائع). ويغلب على الظن أن ذلك كان بعد احتلال المدينة بقليل، رغم أن دورنون لا يذكر التواريخ إلا نادرا. كما عين أحمد بن المبارك في عدة وظائف أخرى على يد السلطة الفرنسية، منها مساعد في المجلس الشرعي بقسظينة الذي كان يبت في أحكام القضاة، ومنها مدرس في المدرسة الرسمية (عربية - فرنسية) الي أسسها الفرنسيون منذ ١٨٥٠ والتي كان مديرها محمد الشاذلي، وجد استسلام الحاج أحمد، الباي السابق، سنة ١٨٤٨، جاءت السلطات الفرنسية بهذا الباي إلى قسنطينة قبل نقله إلى العاصمة عن طريق البحر. وفى تلك الأثناء اتصل به أحمد بن المبارك اتصالا يبدو أنه غير سياسي، ولكن الفرنسيين جعلوا من نزول الباي في المدينة مصيدة للمشبوهين في نظرهم، وهم أولئك الذين ما يزالون على ولائهم للباي أو يتعاطفون معه، ويقتضي ذلك معاداة الفرنسيين طبعا. فقام

стр. 3365

هؤلاء بعزل أحمد بن المبارك عن الفتوى، وهكذا بقي مدة بدون وظيف عقابا له، وفي أوائل الخمسينات وجدناه مدرسا في المدرسة الرسمية، كما ذكرنا. ويذهب دورنون إلى أن الشيخ ابن المبارك قد اغتنم فرصة العزل وقام بكتابة رسائل وكتب لا تعرف أعدادها ولا أحجامها ولا موضوعاتها. منها: شرح الجوهر المكنون للأخضري، وهو في البلاغة وفنونها (البيان والمعاني والبديع)، ومنها (سلم الوصول) الذي ذكرناه في أول هذا الفصل، والجوهرة الثمينة، ولعله هو تاريخ قسنطينة لأن عادة السجع تقتضي ذلك، ولأن المستشرق شيربونو الذي ذكر الكتاب بذلك العنوان قد نقل عنه، بعد أن استعاره منه، نصوصا حول حصون قسنطينة وأحداثها مع تونس (١). وهذا يصدق على تاريخ قسنطينة الذي لم يذكر له دورنون ولا نور الدين عنوانا يتلائم مع عناوين التآليف العربية التقليدية. ولابن المبارك أيضا. قصائد في الرثاء مثل التي قالها في شيخه أحمد العباسي. وقد أشرنا إلى أن ابن المبارك كان من أتباع الحنصالية، وهي طريقة مسالمة للفرنسيين قياسا، على غيرها. وكان مؤسسها في نواحي قسنطينة هو الشيخ أحمد الزواوي، أما أصلها ففي المغرب الأقصى. وقد أصبح الحاج ابن المبارك هو شيخ الحنصالية أيضا في قسنطينة (٢). ونجده قد وضع سلسلة لها تربطها بأصلها وفروع الطريقة الأخرى وتسندها. وقد توفي الشيخ ابن المبارك سنة ١٨٧٠ (١٢٨٧) في قسنطينة. ولعل الشاعر عاشور الخنقي من الذين رثوه (٣). ومما سبق تعرف أن الشيخ ابن المبارك لم يكن مؤرخا بالمعنى الدقيق للكلمة، بل ليس له إحساس بالتاريخ كالذي نجده عند زميله

стр. 3366

العنتري. وإنما كان راوية وعارفا ببعض الأخبار فسجل ذلك في تأليفه عن قسنطينة. وقد عرفنا أن له تأليف أخرى ذات أهمية في البلاغة والتصوف ونحوهما. ٣ - كشف البضائع، لمحمد العنابي، وهو كتاب يصعب تصنيفه ضمن كتب التاريخ، ولكنه يحتوي على مادة تاريخية مفيدة، سيما حول الفترة المعاصرة للاحتلال. وكان العنابي من علماء قسنطينة المخضرمين، لم يذكره أبو القاسم الزياني في رحلته، ولعله جاء قسنطينة بعد الزياني من عنابة حيث شهرته ونسبته. ومهما كان الأمر فقد تولى العنابي بعض الوظائف الدينية العالية، مثل الفتوى المالكية في آخر عهد الحاج أحمد، وظل كذلك إلى ما بعد الاحتلال (١٨٣٧) رغم عدم تأكدنا من ذلك الآن. ذلك أننا وجدنا اسمه ضمن قائمة من الموقعين على عريضة كتبها أعيان من قسنطينة ضد الشيخ حمودة الفكون الذي كان المارشال فاليه قد عينه رئيسا للبلدية. وكان ذلك في ٢٥ يونيو، سنة ١٨٤٢، وكان توقيعه على أنه مفتي المالكية (١). ولعله بقي في ذلك المنصب إلى وفاته أو عزله، حين حل محله الحاج أحمد بن المبارك، كما ذكرنا. ونحن نعرف أن ابن المبارك نفسه قد عزل من منصبه سنة ١٨٤٨ حين رحب بالحاج أحمد، باي قسنطينة السابق. وبذلك يكون عزلة أو وفاة محمد العنابي بين ١٨٤٢ - ١٨٤٨. على أننا عثرنا في الوثائق على اسم من أسرته (قد يكون ابنه) قد حصل صاحبه على جائزة سنة ١٨٦٨ من المدرسة السلطانية (الكوليج الإمبريالي) في قسنطينة. ٤ - تاريخ بجاية، كتبه السعيد بن علي البجائي، بطلب من شارل فيرو، وقدمه إليه. ونحن لا ندري حجم ولا محتوي الكتاب الآن. والظاهر أنه تأليف صغير الحجم (تقييد) جمع فيه البجائي معلومات ضرورية عن تاريخ بجاية خلال العصور، ولا سيما العهد العثماني. وكان فيرو مهتما.

стр. 3367

بالتاريخ لمدن الشرق الجزائري، كما أسلفنا، فاستعان بالبجائي، وربما استعان بغيره في مشروعه. ويقول البجائي في رسالة إلى أحد أعيان السلطة الفرنسية سنة ١٨٩٠ إن فيرو قد قام بترجمة عمله (زمان كونه مع الجنرال بوثوت (؟) بقسنطينة)، وكان فيرو قد توفي عندئذ (١). وقد تحدث البجائي عن نفسه فقال إنه يعرف العربية والقبائلية، وإنه عارف بالشريعة الإسلامية والعرف البربري. وإنه مدرس في علوم اللغة العربية، وإنه جمع أيضا المسائل العرفية عن زواوة، وقدمها إلى القاضي الفرنسي (سوطرة). كما علمنا منه أنه كان يجيد الخط العربي ويعرف بعض الفرنسية. وهذه المؤهلات كانت ترشحه في نظره إلى منصب معاون أهلي في المحاكم الفرنسية، ولذلك كتب (البجائي) إلى السلطات الفرنسية طالبا. منها هذا الوظيف. والذي يعنينا هنا ليس حياة البجائي الشخصية ولكن التاريخ الذي قدمه لفيرو عن بجاية. وكذلك القوانين العرفية التي قدمها إلى القاضي سوطرة (٢)، كما يهمنا استغلال المثقفين الفرنسيين للمتعلمين الجزائريين استغلالا شنيعا بحيث جعلوهم في خدمة مشاريعهم التي يقصدون من ورائها في النهاية السيطرة وتخريب المجتمع، كما فرضوا عليهم أخلاقيات معينة وهي البحث عن العمل في مقابل تنازلات وكتابات وهدايا. ٥ - ألف سعيد بوليفة كتابا بعنوان جرجرة عبر التاريخ أوائل هذا القرن. وواضح من عنوانه أنه يؤرخ لمنطقة زواوة على مختلف العصور. وقد عالج فيه مسألة الأصول والخصائص أيضا، وركز على روح الاستقلال عند أهل زواوة وعدم اختلاطهم بالآخرين، وهي النقطة التي عالجها أبو يعلى الزواوي أيضا، ثم إنه، حسب السيد سالم شاكر، قد رفض الدعوة الشائعة

стр. 3368

عندئذ من أن أهل زواوة من أصول سلتية (فرنسية) أو إغريقية أو جرمانية، وأنه أغضب رينيه باصيه بتدريسه القبائلية بطريقة مخالفة لما يريده المستشرقون الفرنسيون (١). ونحن نذكر هنا رأي السيد شاكر رغم أننا لم نلمس ذلك بأنفسنا. وقد قلنا إن المستشرقين قد استغلوا المتعلمين الجزائريين لمصالحهم الاستعمارية. فكان بوليفة وابن سديرة وابن أبي شنب وإسماعيل حامد وأضرابهم من ضحاياهم. ٦ - تحدثنا عن كتاب تاريخ الزواوة لأبي يعلى الزواوي أثناء تعرضنا للأنساب. والآن نود أن نذكره من جهة التاريخ. وكنا قد عالجناه كذلك في دراستنا لمشروع الكتاب نفسه عندما كان فكرة تدور في خاطر الزواوي، وهو في دمشق سنة ١٩١٢. وقلنا عندئذ إن (المشروع) قد أرسله إلى الشيخ طاهر الجزائري بالقاهرة (٢). ولم نكن وقتها قد وقفنا على رأي الشيخ طاهر في المشروع، وبناء عليه فإن الشيخ طاهر قد امتدحه وهنأه على المشروع. وبدل أن يلبي دعوة أبي يعلى إلى كتابة تاريخ الزواوة حاول أن يوجهه إلى الكتابة عن لغة الزواوة أولا. ولا ندري هل كان ذلك ثنيا لأبي يعلى عن المشروع التاريخي السياسي (والشيخ طاهر كان لا يجهل سياسة فرنسا في بلاد الزواوة وغيرها) أو كان حقا يريد أن يخدم اللغة قبل خدمة التاريخ. ومهما كان الأمر، فها هو رأي الشيخ طاهر في مشروع أبي يعلى عن تاريخ الزواوة: (أحي فيك نزعة إصلاحية ونهضة زواوية. وقد أثبت لي كتابك هذا ما بلغني عنك من غير واحد. ثم اعلم أن تاريخ الزواوة تاريخ مجيد، وتراجم علمائهم أشهر من أن تذكر، وأكثر من أن تحصر، وإنما يلزم أن تحرر لنا رسالة في لسانهم قبل الشروع في تاريخهم) (٣). أما الكتاب نفسه فقد قسمه أبو يعلى إلى سبعة فصول، رغم صغر

стр. 3369

حجمه. فجعل الفصل الأول في فضائل التاريخ، والثاني والثالث في نسب الزواوة ومحامدهم (وقد تعرضنا إلى ذلك)، والرابع في زواياهم وعلمائهم وخدمتهم للغة العربية، والخامس في بعض عاداتهم، والسادس في الاصلاح المطلوب، والسابع في لائحة نظام التعليم المقترح وبيان طريق التعليم. ومن الواضح أن فصول الكتاب ما هي إلا توسع في ما جاء في المشروع. وقد دافع الزواوي عن علم التاريخ وذكر فوائده الجمة للأفراد والجماعات، بل افتخر الزواوي بأنه أول من عالج الموضوع، منذ قرون، وأنه خدم به الزواوة والأمة (؟) خدمة جليلة. يقول: (هذا آخر ما تيسر في وضع هذا الكتاب الذي لم يقدم مثله في الموضوع، وخدمت به الطائفة (الزواوة؟) والأمة خدمة لم يخدمها أحد منذ قرون). ورغم تعريف الزواوي للتاريخ بما يتفق وما عرفه عن الفرنسيين والأوروبين عموما ومع ما له من أهمية في حياة الأمم والشعوب والشعور القومي، فإنه في الحقيقة لم يلتزم بذلك في الكتاب، وإنما جعل الكتاب مجموعة من المعلومات الاجتماعية والدينية والثقافية من تراجم وعادات وزوايا. وقد أدخل فيه أيضا رأيه في الإصلاح العام (١). وما دام الكتاب قائما على المشروع السابق، فلنشر هنا باختصار إلى أن المشروع ضم أبرز النقاط التي احتواها الكتاب. وهي: إفراد الزواوة بالمحامد وجعلهم خالصين آريين (وهو رأي حذفه من الكتاب، بعد أن التقى بالشيخ طاهر في مصر، وسكن معه، وتمسك بكون أهل زواوة حميريين قحطانيين)، ورأي بعض الساسة الفرنسيين في الزواوة وكون فرنسا تفتخر بهم أو تعطف عليهم (وهو أيضا رأي حذفه الزواوي من الكتاب لنفس الأسباب تقريبا)، ونفى المقولة أنهم أدنى من غيرهم لأنهم بربر ولا يتكلمون العربية، ومقارنة ذلك بما كان يشاع عن العرب والترك في المشرق (وهذا الرأي أيضا، خفف منه الزواوي كثيرا في الكتاب)، وكونه في عصر

стр. 3370

القوميات ولا بد أن يكون ذلك في فائدة الزواوة والتعريف بمآثرها، ولأن كل أمة جاءت لتدرس تاريخها وجغرافيتها، والإشادة بمواقف الزواوة في مختلف المناسبات، وإعانتهم للأمير عبد القادر سواء أثناء مقاومته أو أثناء تدخله في فتنة الشام، وإشادة الأمير بهم. وقول الزواوي (الرجل هو الذي يخدم جنسه وملته) مخاطبا بذلك الشيخ طاهر حاثا له على كتابة كتاب يحمل اسمه اللامع ليترجم الكتاب إلى الفرنسية وليقرأه الناس في اللغتين ويعرفوا عن الزواوة الكثير من خلاله. ويدخل في هذا الحث والمقارنة قول الشيخ أبي يعلي إن الفرنسيين والإنكليز خدموا (الجنس والأمة والوطن ففازوا وملكوا العالم) (١). ٧ - تاريخ أو تقييد كتبه محمد البابوري، سنة ١٨٤٨. والبابوري يظهر أنه شخصية متعلمة جيدا، ومن أهل قسنطينة عند احتلالها. وقد ألف كتابه الذي نجهل عنوانه بطلب من المستشرق شيربونو (؟). وقد أشار إلى ذلك فايسات. وكان شيربونو قد حل بقسنطينة في الخمسينات عند إنشاء كرسي (حلقة) اللغة العربية. ولم يصف لنا فايسات عنوان الكتاب ولا حجمه ولا أهميته بالمقارنة مع غيره. ولا ندري هل الكتاب في تاريخ قسنطينة العام أو يتناول فترة منه فقط. ورغم قول فايسان إن البابوري شخصية متعلمة فإننا لا نجد له ذكرا إلا نادرا في الوثائق المعاصرة التي اطلعنا عليها. ومهما كان الأمر فإن فايسات قد جعله من بين مصادره عندما كتب تاريخ قسنطينة تحت حكم البايات العثمانيين، ولعله ضاع معه (٢). ٨ - تاريخ آخر ألفه مصطفى ابن جلول واعتمد عليه أيضا فايسات في كتابه المذكور. ومصطفى بن جلول من عائلات قسنطينة الشهيرة، منذ القرن السابع عشر. وأصلهم، حسب بعض المراجع، من المغرب، وكانوا يسمون بابن عبد الجليل. وتولوا الوظائف السامية في الإدارة، ومنها وظيفة الفتوى

стр. 3371

التي ولاها الشيخ مصطفى، وكذلك التدريس. ولا ندري هل الشيخ مصطفى بن جلول كتب تاريخا على غرار الحاج ابن المبارك والعنتري أو كتب تقييدا بطلب من أحد المستشرقين أو الضباط الفرنسيين، مثل بواسوني وشيربونو. وقد أوردت بعض المصادر الفرنسية أن ابن جلول كتب عن علاقة والده (؟) مع أحد البايات وكيف حول الباي الجامع الذي بناه ابن جلول الأب إلى اسمه الخاص. وهو موقف إذا صح، يعبر عن تزلف ابن جلول للفرنسيين والتنديد (بالأتراك) الذين وظفوا أجداده وآباءه (١). ٩ - تشير أوراق عائلة آل سحنون إلى أن الشيخ محمد الشريف السحنوني كان قد كتب تقاييد في تاريخ زواوة، وكانت هذه التقاييد موجودة إلى سنة ١٩٥٨ حين تلفت أو ضاعت نتيجة المداهمات العسكرية الفرنسية وقت الثورة. ويبدو أن التقاييد لم تكن تاريخا بمعنى الكلمة وإنما كانت سجلات لأحداث وتراجم لأشخاص وتقاييد عن الزوايا وأخبار أهلها. فهل تلفت نهائيا (٢)؟. ١٠ - علاج السفينة في بحر قسنطينة، اسم لكتاب في التاريخ والأخبار، ألفه أحمد الأنبيري، وهو غير جزائري بالمولد ولكنه تونسي بالنشأة وقسنطيني بالإقامة والعمل والوفاة (؟) وكان الأنبيري قد دخل تونس أسيرا صغيرا، وتربى فيها، واعتنق الإسلام، وتسمى بأحمد وأصبح يلبس اللباس الإسلامي. وكان اسمه الأصلي نيقولا، ولعله كان من أصل يوناني. وكان يجيد الخط العربي، وله فيه لوحات وتفننات عديدة. وألف كتابه بعد أن أقام في قسنطينة خمس عشرة سنة. وكان مترجما محلفا منذ ١٨٤٧. وقد اعتمد على سبعة وعشرين مصدرا عربيا، إضافة إلى وثائق قضائية عديدة،

стр. 3372

كما اعتمد على مؤلفات أوروبية. ولا ندري لماذا لجأ الفرنسيون إلى ترجمة مؤلفات أحمد بن المبارك والعنتري عن قسنطينة وأهملوا ترجمة (علاج السفينة) رغم أن الكتاب الفرنسيين أنفسهم قد استفادوا منه، مثل شيربونو. ومن مراجع الكتاب: ابن خلدون، وابن فرحون، ومحمد بن يوسف الوراق، والواقدي، وأبي بكر المالكي، وابن مسكين، والكلاعي، وابن الشباط التورزي، وابن نباتة، وابن الرقيق القيرواني، وابن ناجي ... وقد لاحظنا أن الكتاب الفرنسيين قد أهملوا الحديث عن الإنبيري، وإذا ذكروه لمزوه. فهل هذا راجع إلى كونه اعتنق الإسلام؟ أو لكونه قد دخل في عالم (الأهالي) وأصبح منهم وتعاطف معهم، وربما تزوج منهم؟ على أنه من المهم أن نقول إن تاريخه لا يقل أهمية عما كتب عن قسنطينة سواء من الجزائريين أو غيرهم (١). وحوالي ١٩٥٥ كتب المستشرق الفرنسي هنري بيريز عن (الثقافة العربية الكلاسيكية في الجزائر) (ويعني بها ثقافة اللغة الفصحى أو غير الدارجة، وهي التي كان يعتبرها الفرنسيون لغة أجنبية وميتة) وتحدث عن ثلاثة مؤلفين كتبوا تاريخ قسنطينة في القرن ١٩، ولكنه لم يذكر أحدا منهم. ونظن أنه يعني العنتري وابن المبارك والبابوري. كما أنه أضاف أن ذوقا خاصا في العناية بالتاريخ المحلي والتاريخ العام قد ظهر عند الجزائريين، وكذلك لم يذكر منهم أحد. وزعم بيريز أن هذا الإحساس بالتاريخ أو الذوق الخاص فيه قد تزامن مع الصحوة الشعرية. ولا شك أنه كان يشير إلى الميلي والمدني ثم الجيلالي (٢).

стр. 3373

١١ - احتلال الجزائر سنة ١٨٣٠، حسب شهادة كاتب مسلم، وهو حسن بن جلول. وقد قام فيرو بترجمة النص العربي إلى الفرنسية ونشره في مجلة روكاي (١). وهو في الواقع من نوع التقييد. وقد وجده فيرو عند عائلة ابن جلول المعروفة في قسنطينة، وكانت تشغل وظيفة باش كاتب بالإدارة العثمانية، ولها اتصال بالأخبار والأحوال السياسية. ويقول فيرو إن ما ترجمه هو مجموعة ملاحظات ونصوص وتعاليق من العائلة حول تاريخ قسنطينة واحتلال الجزائر. وقد سلمها إليه حسن بن جلول. ولكن العنوان يدل على أن حسن هذا هو الذي صاغ تاريخ الجزائر عندئذ. وقد كان حسن بن جلول كاتبا لدى إدارة الشؤون العربية (المكتب العربي) بقسنطينة أوائل الاحتلال. وقد ركزت الوثيقة على نشاط ما كان يعرف (بحصن فرنسا) نواحي القالة وعلاقة تجار قسنطينة بعنابة والفرنسيين في الحصن وكيف بدأت أخبار الحملة الفرنسية تروج وتصل إلى قسنطينة وغيرها. وتذكر الوثيقة أن المركانتي (الممثل التجاري للباي في عنابة) قد أعلم الباي الحاج أحمد بما جرى في عنابة والحصن، ثم الحصار الفرنسي سنة ١٨٢٧، والإنزال في يونيو ١٨٣٠، وسير المعركة بين الجيشين نواحي سيدي فرج، ومحاولة الباي التحكم في الوضع في منطقته. ثم وصفت ما حدث بعد معركة اسطاويلي وتقدم الجيش الفرنسي نحو العاصمة، وانسحاب الحاج أحمد من هناك إلى قسنطينة، وتولى بومزراق قيادة الجيش، وما حدث مع الأعيان وسير المفاوضات مع الداي ثم مع الفرنسيين. كما وصفت الهلع الذي أصاب الناس. ١٢? مخدرة الشيخ العروسي، وهي كما قال الشيخ التليلي عبارة عن تقاييد تاريخية خاصة بمنطقة سوف، وبالأخص بلدة قمار، بعد احتلال فرنسا

стр. 3374

لصحراء الجزائر (١). والشيخ العروسي من علماء ومقدمي الزاوية التجانية في قمار وتماسين. وتوفي حوالي ١٩٢٥. وكان الشيخ إبراهيم العوامر قد استفاد من المخدرة ونقل منها في كتابه الصروف في تاريخ سوف. تواريخ محلية (الغرب) نتبع في هذه الفقرة نفس الطريقة التي اتبعناها في الفقرة السابقة، فندرس تواريخ الناحية الغربية أو ولاية وهران القديمة وجزءا من ولاية الجزائر. ويبدو لنا من المؤلفات وأهلها أن هذه الناحية قد حظيت أكثر من الناحية الشرقية بمؤلفات هامة ومتعددة، فلماذا؟ هل كان للمقاومة الطويلة في الغرب دخل في ذلك؟ أو هل هناك دخل لحالة العلم والتصوف المنتشرة عندئذ بكثرة وصعود عدد من رجال العلم والدين إلى السلطة في عهد الأمير؟ ليس لدينا جواب واحد في ذلك. والملاحظ أن حركة التأليف قد استمرت طيلة القرن تقريبا، فمن مؤلفات مسلم بن عبد القادر وحسين خوجة في البداية إلى مؤلفات المزاري والشقراني والمشرفي والزياني في حوالي الثمانينات. ونلاحظ أيضا أن بعض المدن لم تحظ بمؤلفات، رغم شهرتها السابقة بالعلم والمكتبات، مثل تلمسان ومليانة ومعسكر ومستغانم ومازونة. ومهما كان الأمر، فإن التأليف في الناحية الغربية خضع أيضا لنفس الظاهرة التي سادت في الناحية الشرقية، ونعني بذلك الاستجابة لطلب ضباط المكاتب العربية والمستشرقين الفرنسيين كتابة تواريخ وصفية من أهل العلم والقضاء والأعيان في الناحية. إن أشخاصا مثل ايسترهازي الذي كتب مبكرا تاريخ الناحية الغربية في العهد العثماني، وبروسلار الذي كتب عن الآثار العربية في تلمسان، والأب بارجيس الذي اهتم بتاريخ تلمسان في العهد الزياني بالخصوص، كانوا فى الحقيقة معتمدين على متعلمين جزائريين

стр. 3375

يكتبون لهم الخطوط العريضة ويبصرونهم بالتواريخ والأحداث البارزة، ثم يأخذون هم في الغربلة والتصفية والمقارنة ويحتكمون أيضا إلى الوثائق الفرنسية والإسبانة، وإلى خيالهم أحيانا بما يتفق وأهدافهم ومصالحهم في الجزائر، ثم يخرجون على الناس ببعض المؤلفات التي توحي بأنها جميعا من صنعهم الخاص. وننبه إلى أن بعض ما كان يكتبه الجزائريون للفرنسيين كان مجهول المؤلف تماما، كما حدث للتقييد المعروف باسم (إتمام الوطر في التعريف بمن اشتهر)، وأحيانا يكتفي الفرنسيون بقولهم (تأليف أهلي). وكانت بعض التقاييد تكتب تحت الإلحاح والحاجة من الطرفين: الفرنسي يحتاج المادة التاريخية، والجزائري: يحتاج الوظيف والزلفى. ونلاحظ أنه وقع العبث ببعض المؤلفات التي كان أصحابها معروفون. فيقع تغييب الاسم ويبقى المؤلف مجهولا. وهناك عبث آخر، وهو نزع الصفحات الكاملة من المؤلفات المعروفة، كما حدث لسيرة مؤلف كتاب (طلوع سعد السعود). وقد وجدنا حوالي عشرين صفحة منزوعة من كتاب (القول الأوسط) للشقراني. وقس على ذلك. إن هناك تدميرا مستمرا لحركة التأليف، ولا سيما إذا كان فيها تعريض بما ارتكبه الفرنسيون في الجزائر من ذنوب. وهذه الظاهرة لا نكاد نجدها في المؤلفات التي تعاملت مع تاريخ قسنطينة. فإذا عرفت ذلك، فلنشرع في ذكر المؤلفات وأصحابها بقدر ما نملك عنها من معلومات: ١ - أنيس السهران ودليل الحيران، لمسلم بن عبد القادر الحميري. وهذا المؤلف كان من أعيان الكتاب والإداريين في وهران. وكان لقبه باش دفتر (كبير الكتاب) في الإدارة المخزنية. وكتابه جامع وكبير، ولكن ما بقي منه ليس جامعا ولا كبيرا. وقد توفي مسلم في أوائل الاحتلال (١٢٤٩) سنة ١٨٣٣. وبقي كتابه متداولا بين أيدي الضباط والمستشرقين الفرنسيين فترة

стр. 3376

طويلة قبل أن يقوم المستشرق أدريان ديلبيش سنة ١٨٧٤ بترجمته ونشره (١). ومحتوى الموجود من الكتاب يدور حول آخر بايات وهران وما وقع في عهدهم من الحوادث. ووقت تأليفه هو سنة ١٨١٤، ولكن يبدو أنه أضاف إليه أمورا بعد الاحتلال أيضا، لأننا نجد فيه تاريخا آخر وهو ١٨٣٢. ولو عثر الباحثون على كل أنيس السهران لكان فيه فائدة عظيمة لمعرفة صاحبه بالأخبار والوثائق. وقد ذكر المهدي البوعبدلي أن لمسلم بن عبد القادر كتابا آخر لم يذكر موضوعه، مما جعلنا نظن أنه قد يكون هو نفس التأليف. يقول البوعبدلي إن الكتاب الآخر كان بخط محمود بن حواء، ويرجع نسخه إلى سنة ١٢٣٢ (قبل الاحتلال باثنتي عشرة سنة)، وعليه تقريظ من الشيخ أحمد بن الطاهر، قاضي أرزيو وشيخ الأمير عبد القادر. وأضاف الشيخ المهدي أن هذا الكتاب كان موجودا بالمكتبة الوطنية الجزائرية برقم ٨٩٣ (٢). ٢ - در الأعيان، تأليف آخر لأحد الخوجات أو كتاب المخزن في وهران أيام الحكم العثماني، والمؤلف هو حسين بن أحمد خوجة بن الشريف. وكان والد المؤلف (أحمد خوجة) أيضا من أعيان الكتاب، وأصل العائلة من مستغانم. وقد انتصب أحمد أيضا للتدريس في جامع وهران. وكان الأمير عبد القادر من تلاميذه هناك أثناء إقامة الأمير الجبرية مع والده في وهران على عهد الباي حسن بن موسى، وهو آخر البايات. ويبدو من اللقب (خوجة) أن العائلة قد تكون كرغلية، وقد تكون اكتسبت هذا التلقيب (الخوجة) بالوظيف.

стр. 3377

أما الابن، حسين خوجة، فهو الذي عاصر الاحتلال الفرنسي. ولا شك أنه كان من الذين خرجوا من وهران أثناء غزوها في شتاء ١٨٣٠ - ١٨٣١، إذ تثبت الأحداث أنه لم يبق بوهران عندئذ سوى حوالي ٣٠٠ من اليهود والعجزة. فهل التحق حسين خوجة بمستغانم موطن أهله، والتي احتلت بعد ذلك بقليل؟ إن ما يهمنا هنا هو أن حسين خوجة قد يكون ألف كتابه بطلب من أحد الفرنسيين أيضا. وقد يكون ألفه من وحي ظروف الاحتلال بعد أن توقف عن نشاطه الإداري ولازم بيته. ولا شك أن له من الوثائق العائلية والإدارية والقضائية ما يؤلف منه كتابا هاما. ولكن كتابه، مع ذلك، يعتبر مفقودا. وربما عبثت به الأيدي الفرنسية، كما ذكرنا، فأخذ منه مؤلفو الفرنسيين ما أرادوا ثم غيبوه، لأنه يستبعد أن يكون قد تلف تماما، وربما أخذه أحدهم إلى فرنسا وبقي في أوراقه الخاصة. ولكن البوعبدلي يخبرنا أن كلا من الزياني والمزاري قد أخذ من كتاب (در الأعيان)، ثم يقول إنه لا يظن أن الكتاب موجود (١). فإذا كان الأمر كذلك فالكتاب ظل موجودا إلى سنوات الثمانين من القرن الماضي. ونفهم من الشيخ البوعبدلي أن مسلم بن عبد القادر الحميري قد تولى الكتابة بعد حسين خوجة، فحين وقع الاحتلال كان المباشر للكتابة المخزنية في وهران هو مسلم وليس حسين خوجة. ٣ - حملة الباي على شلالة من المعروف أن الباي محمد الكبير، باي معسكر ثم وهران، في العهد العثماني، قد حظي بعدة تآليف تحدثنا عنها في الجزء الثاني، ومنها رحلة هذا الباي إلى الجنوب - نحو الأغواط وعين ماضي وشلالة - وإذا شئت سميتها حملته على هذه المنطقة وإخضاعها لسلطته. وقد سجل ذلك كاتبه أحمد بن هطال الذي توفي في إحدى المعارك بين الدرقاويين والباي مصطفى المنزالي (٢). ولا يهمنا الآن عمل ابن هطال لأنه كتب قبل العهد الذي ندرسه، ولكن يهمنا ما ألفه كاتب مغمور حتى الآن، واسمه محمد بن

стр. 3378

بلقاسم الزاوي، وعنوان عمله شبيه بعمل ابن هطال، وهو حملة الباي محمد الكبير على شلالة. ولا ندري إن كان العنوان من وضع المؤلف أو المترجم لويس برينييه. وكان السجع هو الغالب على العناوين العربية عندئذ. ونحن لم نطلع على الأصل العربي لنصفه، ولذلك سنعتمد على الترجمة المذكورة فقط. يفهم من هذه الترجمة أن التأليف وقع بعد الاحتلال، أي سنة ١٢٥٥ (١٨٣٩). والغالب أن الزاوي ألف ما ألف بطلب من أحد ضباط المكاتب العربية، رغم أن شلالة في تلك الفترة (١٨٣٩) ما تزال خارج نطاق الاحتلال. ولكن هل كان المؤلف يعيش في شلالة عندئذ أو في إحدى المدن المحتلة؟ إن بريييه يؤكد أن التأليف يتضمن المعارك التي خاضها الباي المذكور وجنوده ضد سكان شلالة الظهرانية (الشمالية). وفي ذلك تأكيد على أن الفرنسيين يريدون أن يعرفوا ويفخموا مشاعر الناس ضد (الحكم التركي) الظالم الجائر بالمقارنة إلى الفرنسي العادل المحسن (؟). ولكن برينييه لم يعجبه من الكتاب شيء سوى محتواه التاريخي، أما مؤلفه فقد وصفه بأنه شخص غير معتاد على نقل الأفكار شأن معظم العرب (؟)، حسب تعبيره. وقال عن ملاحظاته إنها ساذجة، وإن تراكيبه متواصلة وغير مفصولة الجمل، وإن أسلوبه مهلهل. أما التعاليق والفواصل ونحوها من تقنيات الكتابة فالمؤلف غريب عنها، حسب المترجم برينييه (١).

стр. 3379

٤ - طرس الأخبار، لأبي حامد العربي المشرفي. وهذا أحد المؤلفات الهامة التي تجمع أخبار الاحتلال ودولة الأمير عبد القادر وما أحاط ذلك من علاقات داخلية ودولية. والمشرفي من الجيل المخضرم الذي حضر الاحتلال وتكوين دولة الأمير، ثم هاجر إلى المغرب بعد الاستيلاء على معسكر وواقعة الزمالة (١٨٤٣). وقد رجع إلى الجزائر حوالي ١٨٤٩، ثم جاءها عابر سبيل بعد سنوات طويلة (١٨٧٧). ولكن كتابه ألفه بعد هجرته الأولى، وفيه تعريض كبير بتصرفات الأمير وكونه قد تأثر (بأهل دائرته الفجار)، حسب تعبير المشرفي. ورغم أنه من قوم الأمير ومن أنصاره الأولين فإنه قد تأثر من بعض مواقفه التي رآها منافية للعدل، فاختار الهجرة. هذا رأيه الشخصي ورأي عدد من الجزائريين أمثاله عندئذ. وقد رأى المشرفي أن الدعوة إلى الهجرة الجماعية بدعوى استيلاء (الكافر) الفرنسي على الجزائر، غير وجيهة، وأنه من الواجب البقاء وعدم الهجرة، واستشهد بعد ذلك بعدة شواهد، ولا ندري كيف ينسجم ذلك مع خروجه هو من البلاد. وقد قلنا انه هاجر إلى المغرب الأقصى. بنى المشرفي (طرس الأخبار) على مقدمة وسبعة فصول وخاتمة. والفصول هي: - في سبب ظهور هذا الجنس من الإفرنج (الفرنسيين) وغزو الجزائر من سيدي فرج. فهو موضوع يتعلق بأصل الفرنسيين وحملتهم على الجزائر عامة. وهو يسمي الفرنسيين (الكفرة وعبدة الأصنام) ويقول (دمرهم الله) كلما ذكرهم، أو (أذلهم الله)، أو (كسر شوكتهم). - في ذكر السنة التي وقعت فيها الحملة وما جرى بين الفرنسيين وبين الأتراك من حروب واحتلال مدينة الجزائر وافتراق المسلمين. - في ذكر احتلال وهران والمرسي الكبير وخروج الناس منهما، وظهور مبعوث سلطان المغرب، الأمير علي.

стр. 3380

- في ذكر قيام أهل غريس وبني عامر ومن والاهم واتفاقهم على الجهاد بدون أمير (لكن بقيادة الشيخ محيي الدين). - في ذكر مبايعة الحاج (هكذا يلقبه المشرفي، وكل الناس عندئذ) عبد القادر على الجهاد وبعض الوقائع التي جرت حول الجزائر ووهران ومن مات فيها. وينفي المشرفي أن يكون الناس قد بايعوا عبد القادر على إمارة الجيش التي هي في نظره تختلف عن مبايعة الجهاد. - في سبب استيلاء الفرنسيين على الجزائر عموما، من حدود المغرب إلى حدود تونس، وسبب (تشتت العربان). - فيمن عاير أخاه بالتنصر ... وقال له: اهجر معي إني مهاجر، وإن بقيت فأنت كافر، أي معالجة مسألة الهجرة من الجزائر. فأنت ترى أن العمل يحتوي على الحملة والاحتلال وتقدم المقاومة ومعالجة عدة مواضيع متصلة بذلك كالمبايعة والإمارة والهجرة، وتدخل سلطان المغرب بتوسل من بعض الجزائريين، وباي تونس بالتحالف مع الفرنسيين. وقد عالج المشرفي أيضا موضوع الفتاوى التي كان يطلبها الأمير من أعيان رجال الدين في المغرب ومصر لتطبيق حكم الشريعة بالنسبة للضرائب والمعونات المالية أو بالنسبة للهجرة والتعامل مع العدو. وجاء على أجوبة الشيخ التسولي الشهيرة، والشيخ الحراق، والشيخ عليش المصري. ومن رأي المشرفي بقاء المسلم الذي غلبه النصارى على وطنه وعدم الهجرة، ولا يعتبر ذلك منه عصيانا أو كفرا، كما ذاع عندئذ على لسان فريق آخر. ومن رأيه أيضا أن سبب الاحتلال يرجع إلى كون فرنسا أرادت أن تسترد النقود التي دفعتها للجزائر (؟) مقابل موقفها المستقل من الدولة العثمانية، وهذه الفكرة موجودة في كتاب آخر ألفه عبد السلام بن محمد اللجائي بعنوان (المفاخر العلية). كما أن كتاب المشرفي يترجم لعدد من أعيان الناحية والعصر. وحاول أن ينبز سياسة الأمير وحاشيته، كما ذكرنا، وذهب حتى إلى التعريض بوالده حين قال إنه أوصى ابنه (الأمير) بالاعتماد

стр. 3381

على الموظفين الرسميين وقتل الدرقاويين. وقد قلنا إن الكتاب يتعرض أيضا لدور محمد علي باشا مصر في احتلال الجزائر، وهو الدور الذي لم يتحقق، ولحلول نائب باي تونس بوهران أيام المارشال كلوزيل. وإذا غربلت هذه الأفكار كلها، فقد تجد المشرفي من دعاة النفوذ الشريفي (حكم سلطان المغرب) في الجزائر. فأنت تراه يقف ضد العناصر الأخرى فيها، من الفرنسيين إلى العثمانيين، وضد تدخل تونس في وهران، وتحالف قبائل الزمالة والدوائر مع الفرنسيين. أما الجهة التي لم يهاجمها فهي النفوذ المغربي، كما ذكرنا. ومهما كان الأمر فإن للمشرفي آراء أخرى حول نفس الموضوع في كتبه العديدة. فله رحلات وأشعار وكتب تاريخية وكنانيش. وقد عالجنا ذلك في بحث عن حياته ومؤلفاته (١). أما طرس الأخبار فيظل متميزا بروح خاصة، وكأن صاحبه ألفه ليدلي بدلوه في الحياة السياسية عندئذ، فهو من هذه الناحية يشبه كتاب (المرآة) لحمدان خوجة، إذ يعالج مثله القضايا الساخنة عن قرب شخصي يجرده أحيانا من الموضوعية. وقد قيل إن محمد بن أبي شنب قد حقق طرس الأخبار، ولعله فعل أو بدأ فقط في تحقيقه، ولكنه لم ينشر لا أثناء حياته ولا بعد وفاته. ثم حاول الشيخ علي أمقران السحنوني تحقيق الكتاب بإشرافنا ووضع له خطة ومقدمات، ثم توقف عن عمله ولا ندري أين وصل فيه. وقد علمنا أنه اعتمد على سبع نسخ تقريبا، بعضها مصور فقط عن نسخ أخرى. ومعظمها في المغرب الأقصى (٢).

стр. 3382

٥ - كتاب الدوائر والزمالة وحركاتهم، وهو كتاب يجمع بين التاريخ والأنساب، ألفه أحد أعيان هذه القبائل المنخزنية الشهيرة وهو أحمد ولد قاضي، المعروف باشاغا فرندة، وقد أنقذ كتابه بنشره في المطبعة (١)، خلافا لبعض زملائه الذين ظلت كتبهم نهب الأيادي العابثة، كما ذكرنا. كان ولد القاضي من أعيان المخزن في غرب البلاد، وهو نفسه من قبائل الزمالة والدوائر، وكذلك المزاري مؤلف (طلوع سعد السعود). حكم ولد القاضي فرندة بلقب آغا، وكان له نفوذ واسع وسمعة في الناحية، ومع ذلك لم يحمه اللقب من غضب الفرنسيين عليه أحيانا وتوريطه في قضايا محلية معقدة، مثل قضية سيدي بلعباس (٢)، سنة ١٨٨١. وحين ذكره أوغسطين بيرك الذي عاش في نواحي تيهرت وتولى الشؤون الأهلية، أظهر الامتعاض من ذكر اسم ولد القاضي، ولكن الفرنسيين استفادوا من تحالفهم مع الزمالة والدوائر، وحفظوا لهم بعض المصالح، واستدعوا رجالهم إلى فرنسا لحضور المناسبات الهامة إظهارا لتعاطفهم، ومن هؤلاء ولد قاضي نفسه. وسنرى أنه اغتنم فرصة وجوده في باريس سنة ١٨٧٨ فكتب رحلة وقدم مطالب باسم الجزائريين تعتبر عندئذ مطالب جريئة (٣). والكتاب الذي أصدره ولد قاضي سنة ١٨٨٣ وأرخ فيه للدوائر والزمالة يعتبر تسجيلا لدورهم منذ الاحتلال ودورهم في التاريخ عموما باعتبارهم من الارستقراطية المخزنية المتنفذة. وفي الكتاب من على الفرنسيين وشكوى من حالة هذه القبائل بعد القوانين

стр. 3383

التي مست الارستقراطية (الأجواد) العربية بصفة عامة، مثل قانون الأرض سنة ١٨٦٣، وسنة ١٨٧٣. ومن الملاحظ أن ولد قاضي ألف تاريخ الزمالة والدوائر (قبيلته) بعد أن يتخلص من الاتهام في التورط المذكور. وقد اعتبره بعض المؤرخين عملا دعائيا لصالح العائلة من جهة وصالح القضية الوطنية (الأهلية) من جهة أخرى (١). أما الكتاب نفسه فقد تحدث فيه عن دور القبائل المذكورة، وعن واقعة وادي التافنة التي حضرها. وأظهر فضل الزمالة والدوائر على الفرنسيين باعتبارهم أول من دخلوا تحت حكم فرنسا (١٨٣٥)، وخاطروا بأنفسهم، وشاركوا في الحروب مع الفرنسيين وتعرضوا لذلك لهجومات الأمير عبد القادر، وقطع رأس زعيمهم مصطفى بن إسماعيل، بينما أصبح أولاده بعده مهملين. وقد اتبعوا نصيحة المارشال بوجو، بعد أن قسم الأرض عليهم جزاء لهم على خدمتهم، ونصحهم بحيازة الأرض والبناء عليها، وبذلك أحيوا الأرض الموات. أما الآن (الثمانيات) فقد سادهم القلق حول أملاكهم، إذ أن الدولة الفرنسية واحدة ولا يمكن تغيير المعاهدات حتى لو حدث تغيير في نظام المخزن. فكيف تسترجع فرنسا ما منحت أو تنقض عهدا التزمت به؟ إن ذلك أمر، كما قال (تشمئز منه النفوس وينكره العقل) (٢). ٦ - وقريبا من هذا التاريخ ألف أحمد بن عبد الرحمن الشقراني رسالة في التاريخ سماها القول الأوسط في أخبار بعض من حل بالمغرب الأوسط. وهو عنوان كبير ومحتوى يوحي بالشمول، ولكنه في الواقع كتاب صغير وأخباره محدودة. لا ندري ما الوظائف التي تولاها الشقراني وكيف عاش حياته المادية ولا العلمية. ولكن ثقافته، كما تظهر في كتابه، تدل على أنه من النخبة المتعلمة والمتسيسة أيضا، ويعبر الشقراني عن مواقف مضطربة

стр. 3384

إزاء السلطة الفرنسية وإزاء الثورات التي حدثت سواء في عهده أو قبله. فهو يعطيك الانطباع على أنه ضد الثورات لأنها تؤدي إلى التهلكة والتشتت والتضييق على الناس، ولأنها غير شرعية ما دامت تفتقر إلى الاستعداد والعدل والدين. وهو في ذلك يتفق مع الجزائريين الآخرين الذين انتقدوا زعماء ثورة ١٨٧١، مثل ابن زكرى والزواوي. ومن جهة أخرى يقدم الفرنسيين على أنهم أمة غنية ومتقدمة الوسائل المادية التي لا يملكها الجزائريون، فكيف يطمعون إلى التغلب عليها بوسائلهم المحدودة. إنه يستنكر ما حدث للجزائريين من سخرة وظلم وتعسف، ولكنه في نفس الوقت يجعله رد فعل على الثورات الطائشة. وهو أيضا ينكر على الفرنسيين معاملتهم للجزائريين معاملة واحدة فالمحرم والمجرم في نظرهم مجرمون، بينما هو يريد أن يعامل كل فرد على قدر فعله. ولعله يشير بذلك إلى قوانين (الأندجينا) التي بدأ سنها في السبعينات وأعطيت شكلها الأخير في الثمانينات. وكانت تفرض العقوبة الجماعية، أي على الذين يستحقون العقوبة والذين لا يستحقونها. وكان موقفه من بوعمامة أكثر وضوحا. من موقفه من الثوار الآخرين: سي الأخضر، زعيم فليته، وأولاد حمزة سيدي الشيخ، والطوطي، والخويدي. ويخبرنا الشقراني أن ثورات هؤلاء تعتبر من علامات الساعة!. ويبدو أن الشقراني كان يميل للمتصوفة أكثر من ميله إلى الأشراف الثائرين. وهم الذين يسميهم لويس رين (الأشراف المزيفين). فقد نوه الشقراني ببعض المتصوفة، وقال إن فرنسا لم تؤذهم وتركتهم لحالهم ما داموا مبتعدين عن السياسة، رغم شهرتهم، وعد من هؤلاء جماعة على رأسهم ابن الحمياني، وعدة بن غلام الله، ومحمد الموسوم، وابن تكوك المجاهري، والمجدوب محمد بن أبي سيف التراري، ومحمد بن بلقاسم الهاملي. وكان هؤلاء ينتمون إلى مختلف الطرق الصوفية، مثل الشاذلية والرحمانية، والسنوسية، والدرقاوية. ويوحي كلام الشقراني أن الجزائريين كانوا ينتظرون الفرج على يد معجزة، وكان متمسكا بالحكمة القائلة إن الشدة

стр. 3385

لا تدوم. ولعله كان مؤمنا بزوال الاستعمار الفرنسي، ولكن بوسائل أخرى غير الثورات التي ينتج عنها في نظره، قمع جديد في كل مرة. وقد تناول الأحداث بطريقة عكسية. فقد بدأ بالأحداث المعاصرة له، كثورة بوعمامة، ثم تراجع إلى الأحداث السابقة لها، وهكذا إلى أن وصل إلى العثمانيين وغيرهم. ولكن عمله كان استعراضا سريعا للأحداث وليس دراسة لها. ولم يبوب عمله بطريقة منهجية. وإنما أخضعه لطريقة الأحداث نفسها، وهو متواضع في مؤلفه فليس هو بصاحب دعوى، ولذلك سمى تأليفه (تقييدا)، وهو في الواقع كذلك. يقول في تبرير إقدامه على التأليف: (إني لما رأيت مغربنا الأوسط قد سكنته أمم وانقرضت، وملكته ملوك وانفرضت ... أردت ... أن أجمع فيه ما قيدته ونقل ما وجدته، والواقع الذي شاهدته، وسميت هذا التقييد بالقول الأوسط ... ماشيا فيه القهقرا (كذا)، سالكأ فيه مسلك السادات الفقرا) (١). ويقول عن بوعمامة، وذلك في بداية عمله: (ثار رجل من أولاد سيدي الشيخ بالقبلة يقال له أبو عمامة، على الفرنسيس (يريد) (٢) قطع دولتهم الراسخة، ومملكتهم الراسية الرامخة (؟) ويكون أحق بها وأهلها ...) وأضاف عنه إن بوعمامة كان قد ظهر أول مرة في الصحراء وظل يتردد هناك بدون فائدة كثيرة، ونسب إليه قتل العمال الأسبان، بغير حق (واتهمه بالسفه وكونه لا يتعظ، مع العجز والظلم، ولذلك لم يطعه الناس. وبعد أن كان الفرنسيون يهربون إليه أصبح هو الذي يهرب منهم. فهو (يتبع الخلوات كالطارق، ويتردد فيها كالسارق). وذكر الشقراني أن الفرنسيين قد لجأوا إلى اتهام كل المسلمين بالثورة، فسلطوا عليهم (السخرة والركبة وشددواعليهم، وضيقوا، عقوبة لهم، كأن الضر جاء من جميعهم ... ووقع الهرج والفزع بين الناس ... ولم تبق حرمة لمن كان يستحقها من الناس وصار المسلم من أبغض ما يبغض عندهم (الفرنسيين)).

стр. 3386

ومن نتائج ثورة بوعمامة، حسب ما جاء في الشقراني، أن الفرنسيين قد أقاموا ضده التحصينات وملأوها بالجيوش والمدافع، وغزوا بعض المواطنين، وسفكوا دماءهم، وسبوا نساءهم وذراريهم (وأخذوا أموالهم وأمتعتهم وأخرجوهم من ديارهم). (وما جاء ذلك إلا بسببه) واتهم بوعمامة بحرق خصومه والتمثيل بهم خلافا للفرنسيين. وأخبرنا أن الدولة تنقطع بالظلم والجور، ولا تنقطع بالشرك والكفر. وحتى هدم الفرنسيين لضريح سيدي الشيخ ونبش قبره جعله الشقراني من نتائج ثورة بوعمامة، ولولاه لما فعل الفرنسيون ذلك بالضريح وعظامه (١). وكيف غفل بوعمامة عن عظمة فرنسا وجيوشها الجرارة وقطاراتها التي تجوب البلاد على قضبان الحديد، (بقدرة الله القدير) وهي التي تتراسل بالبرق أيضا في زمن قصير. فالشقراني هنا يبدو منبهرا بالتقدم العلمي والعسكري والصناعي الفرنسي. ولم يبق للجزائريين إلا الخوف من ذلك والاتعاظ والصبر. أما بوعمامة فقوته في نظر الشقراني لا تتجاوز ٧٠٠ فارس، ثم إنه لم يحصل على البيعة الشرعية، فكيف يطيعه الناس؟ إنه مجرد ثائر متمرد كالثوار الذين سبقوا في العهد العثماني أو العهد الفرنسي، مثل عبد القادر بن الشريف الدرقاوي، ومحمد التجاني في العهد (التركي)، ومثل موسى الدرقاوي (بوحمار) في عهد الأمير. ثم ذكر الثوار الذين أشرنا إليهم (عبد الرحمن الطوطي الدرقاوي، وأبو سيف الخويدي، والأزرق الفليتي ...) الذين ثاروا ضد الفرنسيين، ولكنهم لم ينالوا سوى التعب، وقد عرضوا حياتهم وحياة أتباعهم للفناء، فهم جميعا من الذين جاء في الحديث أنهم الستون الكاذبون الذين يسبقون ظهور (المهدي). ونلاحظ أن الشقراني لم يذكر سوى ثوار الجهة الغربية. أما الزعماء الدينيون (المتصوفة)، فهم في نظر الشقراني (كسائر المسلمين ينتظرون الفرج وزوال الحرج، وانتظار الفرج واجب، والعسر لا يدوم على إحد).

стр. 3387

وفي جزء آخر من كتابه تحدث الشقراني عن الأتراك وعن احتلال وهران من قبل الفرنسيين، ثم تناول بيعة الأمير ومقاومته إلى نهايتها، ولكن باختصار. وقد وصل حديثه إلى مهاجمة الفرنسيين بني شقران سنة ١٨٤٥ (١٢٦١). وشمل الكتاب أيضا الحديث عن المجاعة والوباء الذي حل بالجزائر سنتي ١٨٦٧ - ١٨٦٨ (١٢٨٤ - ١٢٨٥) وقد أحسن الوصف في هذه الصفحات القليلة (حوالي أرسل صفحات) عن هذه النكبة التي عاصرها والتي أودت بحياة الآلاف من الجزائريين. واستعار معلومات غزيرة من (عجائب الأسفار) لأبي راس الناصر حول القبائل التي سكنت الناحية مثل مغراوة وبني يفرن. ولا نراه قد جاء بجديد من عنده. ولكننا لاحظنا انقطاعا في النص امتد من صفحة ٤٩ - ٧٠، فهل المقطوع أيضا منقول من عجائب الأسفار؟ ثم لماذا القطع؟. وآخر تاريخ مذكور في كتاب (القول الأوسط) هو سنة ١٣٠٣، وبذلك يكون الكتاب مؤلفا بعد هذا التاريخ. ونحن نعلم أنه تعرض أيضا إلى وفاة الأمير التي كانت سنة ١٣٠٠ (١٨٨٣). وبذلك يكون الكتاب قد ألف وسط الثمانينات (١). ولكن من هو الشقراني نفسه؟ إلا لا نملك عنه الآن سوى المعلومات الواردة في كتابه. ورغم قربه من مدار القرن فإن صاحب (خريف الخلف) قد أهمله. والمؤلف كما تدل نسبته يرجع إلى سكان جبال بني شقران قرب مدينة معسكر. ٧ - دليل الحيران وأنيس السهران في أخبار مدينة وهران، لمحمد بن يوسف الزياني، وهذا من المؤلفات التي طبعت حديثا وتعرضت لتاريخ وهران وتاريخ الناحية عموما منذ عدة عصور. ولهذا الكتاب ولمؤلفه أيضا أهمية خاصة سنتعرض إليها. لقد اعتمد الزياني على النقل بصفة عامة ولم

стр. 3388

يعالج الأمور من جهة نظره أو بناء على معطيات حديثة إلا في الجزء الخاص بالاحتلال الفرنسي أو القريب منه. ولكنه غلف ذلك بضباب من نوع خاص، كما سنرى. أما الكتب التي اعتمد عليها فهي مؤلفات ابن خلدون وأبي راس، وحسين خوجة، ومسلم بن عبد القادر الحميري. ويبدو من مقدمة الكتاب أن الزياني كان متحمسا لموضوعه وكأنه جاء لتصحيح خطأ شائع حول بناء وهران وما قيل في تاريخها. ويذهب البوعبدلي الذي حقق دليل الحيران إلى أن الزياني قد اعتمد على المشافهة أيضا، ورجع إلى الأدب الشعبي. وكان أسلوبه يعتمد السجع بكثرة، رغم عدم احترام قواعد اللغة. ومن المعروف أن الزياني قد عاصر الاحتلال الفرنسي وتثقف ثقافة مخضرمة. وكانت أسرته تتولى الوظائف في العهد العثماني، ومنها عمه أحمد بن يوسف الزياني الذي كان مستشارا لبعض البايات، حوالي (١١٧٠ هـ). وكانت الأسرة تقطن بلدة برج عياش (برج ولد المخفى اليوم)، الواقعة قرب معسكر. وهي من الأسر العلمية والسياسية. أما المؤلف فقد تولى للفرنسيين عدة وظائف قضائية ابتداء من سنة ١٨٦١ ببلدة البرج، وقد استمر في هذا الوظيف مدة طويلة إذ وجدناه قاضيا أيضا في وادي تليلات سنة ١٨٨٣، ثم في سيق. ويغلب على الظن أنه بقي على قيد الحياة إلى مدار القرن الميلادي تقريبا (حوالي ١٣٢٠). وإذا أخذنا هذه التواريخ في الاعتبار علما أنه قد يكون من الذين درسوا في المدارس الشرعية الفرنسية الثلاث (مدرسة تلمسان مثلا) التي تأسست سنة ١٨٥٠. وأنه تولى القضاء في عهد المملكة العربية وما بعدها، سيما عقد الثمانينات حين انطلقت الحملة ضد القضاء الإسلامي لإدماجه في القضاء الفرنسي. وكان منصب القضاء نفسه منصبا سياسيا، لأنه كان يعني العمل تحت مظلة المكاتب العربية العسكرية قبل ١٨٧٠ وتحت مظلة الولاة الفرنسيين المدنيين بعد ذلك. وما سنقوله عن رأي الزياني في حكم الفرنسيين قد يكون نابعا من وظيفه وتجربته في القضاء وعلاقته مع الفرنسيين هذه المدة الطويلة. والغريب أننا لا نجد له ذكرا في

стр. 3389

كتاب كريستلو الذي خصصه لدراسة المحاكم ودور القضاة في معسكر ونواحيها وقسنطينة ونواحيها (١). ورغم ذلك فإن الزياني لم يكن معزولا ولا مغمورا. فكتابه (دليل الحيران) قد استغله الفرنسيون أمثال ايسترهازي وأخذ منه آخرون مثل مواطنه المزاري. كما أن الزياني كان على علاقة مع علماء الوقت مثل علي بن عبد الرحمن مفتي وهران، وهذا هو الذي كاتبه سنة ١٣٢٠، حسبما جاء في تعاليق الشيخ البوعبدلي. وقد استنتج من ذلك أن وفاة الزياني كانت بعد هذا التاريخ. وقد رأى البوعبدلي بعض الفتاوى للزياني وبعض التعاليق على الكتب وكذلك المراسلات. أما تأليفه فالبوعبدلي انتقده من عدة وجوه. منها الاعتماد على النقل الكثير، ومنها عدم إبداء الرأي فيما ينقل مما جعله أحيانا ينقل الأخطاء كما هي. وقد ذكرنا أن الزياني كان لا يخضع لقواعد العربية ويتخذ أسلوب السجع. أما مزيته، حسب البوعبدلي، فتظهر في أنه جمع في كتابه ما كان متفرقا، بل ما أصبح مفقودار مثل (درء الشقاوة) لأبي راس، ودر الأعيان لحسين خوجة. ومن مزايا كتابه أيضا تعرضه لأحداث المغرب الأقصى. ومن جهة أخرى ضم دليل الحيران تراجم لعلماء وملوك وأعيان. ولكن بعضهم كان معروفا، مثل ترجمة إبراهيم التازي، مما جعل الشيخ البوعبدلي يختصرها لأنها معروفة في غيره (٢). ورغم تولي الزياني القضاء وعيشته عيشة مخضرمة بين مجتمعه والمجتمع الفرنسي، وتطور الأحداث من حوله، فإنه كان يروي الكرامات في تراجم الأولياء والصالحين. وقبل أن ننتهي من الحديث عن حياة الزياني نقول إنه أورث لأحد أبنائه

стр. 3390

الإمامة أيضا. فقد كان له ابن تولي الإمامة بمسجد سيق، وهو مسجد، حسب البوعبدلي، حر بناه صهره، وبقي هذا الابن (ولا نعرف اسمه) في الإمامة إلى أن توفي، وكان من فقهاء الوقت. أما إبنة الزياني فقد كانت متمردة ومعروفة (بالقايدة حليمة)، وكانت متزوجة من رجل له مكانة في العهد العثماني (؟)، وقد كانت متمردة على الحجاب، فكانت تحضر الحفلات الرسمية سافرة وتشارك في الفروسية وتستقبل الوفود. وقبل وفاتها أول الحرب العالمية الثانية أدت فريضة الحج واستبدلت لقب القايدة بالحاجة (١). أما محتوى الكتاب فهو أساسا عن وهران ونواحيها، كما سبق، ولكنه يتعرض أيضا لتاريخ الجزائر عموما في العهد العثماني، وشمل ذلك الحديث عن البايات، وعن الفتح الثاني لوهران، أي استرجاعها من يد الاسبان (١٧٩١). وخصص مكانا بارزا لثورة الطريقة الدرقاوية ضد بايات الغرب، معتمدا على عدة مصادر منها مؤلف مفقود لأبي راس، وكذلك الشعر الشعبي. ومثل معظم المؤلفين الجزائريين في عهد الاحتلال الفرنسي كان الزياني أيضا قاسيا على بعض البايات، فأظهر ظلمهم وتعسفهم. ولا ندري ما إذا كان الزياني قد ألف كتابه بطلب من بعض الفرنسيين، شأن عدد من مواطنيه، الذين كانوا يريدون من مؤرخي الجزائر أن يمهدوا لهم الأرض وأن يصفوا لهم أحوال البلاد والحكام والرجال والطرق الصوفية، ثم يتدخلون هم للتحليل والتعليق والاستنتاج. ورغم أن البوعبدلي يقول إن ايسترهازي قد أخذ من دليل الحيران، فإننا بالرجوع إلى التواريخ نستبعد ذلك. فايسترهازي ألف كتابه سنة ١٨٣٨ ونشره بعد سنتين. ويغلب على الظن أن الزياني لم يكن عندئذ سوى يافع، فكيف يكون قد ألف كتابا ينقل عنه الآخرون؟ ولعل حماس الزياني إلى تصحيح ما كتبه الأجانب عن وهران يدل على أنه هو الذي قد يكون اطلع على كتاب ايسترهازي وليس العكس. ومن الأسف أننا لا نعرف الآن متى ألف الزيانى كتابه.

стр. 3391

قسم الزياني دليل الحيران إلى جزئين أو قسمين رئيسيين: وقد جعل القسم الأول في أربعة فصول تضمنت التعريف بمدينة وهران، وتسميتها وتأسيسها، وعلماءها وأولياءها، ثم حكامها عبر الزمن. ولا سيما منذ إسلام زعيم مغراوة على عهد الخليفة عثمان بن عفان. أما القسم الثاني فقد بدأه بعهد السلطان الزياني أبي حمو موسى الثاني. وتناول فيه أيضا النزاعات بين الزيانيين والمرينيين، واحتلال الإسبان لوهران، ثم العهد العثماني الذي توسع فيه إلى غير وهران. وفي نهاية هذا القسم جعل فصلا ملفتا للنظر وهو عن دولة الفرنسيين، وقال إن الكلام على (الإفرنج) سيكون في سبعة مواضع. ولكن البوعبدلي الذي حقق المخطوط لم يظفر بمحتوى هذا الموضوع، وفي ظنه أن المؤلف توقف عن الكتابة خشية العواقب إذ أنه لم يرد أن يتورط في إبداء رأيه في الاحتلال والنظام الاستعماري. ولجأ بدلا من ذلك إلى التنبؤات (١). ونفهم من هذا أن الزياني قد أكمل كتابه ولكن بطريقة غامضة، فهل ذلك ينسجم مع ما سنقوله عن الكتاب المنسوب إليه باسم (أقوال التأسيس؟). ولكن قبل ذلك نود أن نذكر نقطتين حول الزياني أيضا، الأولى حول تعريفه للتاريخ، والثانية ذكر الكتاب الآخر المنسوب إليه. عرف الزياني (علم التاريخ) تعريفا، غير واضح، إذ اكتفى بقوله إنه (من العلوم التي ينبغي الاعتناء بها ولا تجعل في زوايا الإدخار)، واعتبره ضروريا في وقته بالخصوص إذ هو وقت ظهرت فيه الجهالة والضلالة، حسب تعبيره، وجن فيه الليل وأدبر النهار، وسكت فيه أهل العلم ولازموا غض الأبصار. وهكذا فإن علم التاريخ قد ينفض غبار الجهل، وينير جوانب الليل الحالك الذي ساد الجزائر. وقد أخذ الزياني بعد ذلك يذكر نماذج من الجهل والغفلة حين اعتقد الناس أن باني وهران هم غير العرب والمسلمين، بينما كان بانيها هو خزر المغراوي الزناتي في القرن الثالث الهجري.

стр. 3392

وقد نسب إلى الزياني كتابان آخران أحدهما هو (الدرة النقية في حسن مقاصد الدولة الفرنسية). ونحن مع هذا الكتاب في حيرة من أمرنا، فالاسم الذي مع الكتاب هو محمد بن يوسف فقط وليس معه النسبة (الزياني). ولكن الأسلوب المسجع والموضوع يدلان على أنه له، رغم عدم الجزم بذلك. ولم نستطع رؤية سوى صفحة واحدة من المخطوط، وفيها الديباجة، ولكن الجملة الأساسية التي تعطينا ظروف التأليف والهدف منه مبتورة. ويبدو أن الذي بترها يعرف أهميتها. ومن جهة أخرى فنحن في حيرة جديدة، لأن عنوان الكتاب، إذا صح أنه له، فيه دلالة واضحة على أنه مدح في الدولة الفرنسية. وهذا بخلاف كتاب (أقوال التأسيس) الذي سنتحدث عنه. ورغم أن (الدرة النقية) ليس في تاريخ الجزائر ولا غربها فإننا اضطررنا لذكره هنا لنوضح علاقته بالزياني وبكتابه الآخر المشار إليه، والموقف من الفرنسيين (١). وإليك ما وجدناه في الصفحة الفريدة من (الدرة النقية)، يقول محمد بن يوسف، بعد الحمدلة: (وبعد، فإنه لما صدرت الأحكام الإلهية من خدور الغيوب السماوية، بتحالفنا مع الدولة الفرانسوية، المتسببة لنا في المنافع الدنيوية والسعادة الأبدية، وكان البعض من أهالي هذا القطر الذين ضربت على عقولهم سرادق الجهل والغباوة، قد انطبعت في عقولهم بعض أراجيف مختلفة من ذوي الأطماع الذميمة). (من هنا انقطع الخبر). وكان المؤلف سيجيب بعد ذلك على جملة (ولما صدرت ...) ونلفت النظر إلى تعبير (تحالفنا مع الدولة الفرانسوية)، فهل يعني الاحتلال أو الاندماج؟ أما التحالف بالمعنى السياسي المعروف فغير وارد هنا. ٨ - ونصل الآن إلى الكتاب الذي يثير الجدل والمنسوب أيضا إلى الزياني، وهو أقوال التأسيس فيما سيقع بالمسلمين من دولة الفرنسيس،

стр. 3393

والعنوان مختلف أحيانا، إذ هو في بعض النصوص (أقوال التأسيس عما وقع وسيقع من الفرنسيس). والعنوان الأول فيه التنبؤ بالمستقبل فقط، وهو يتناسب مع نسبة الكتاب إلى أبي راس الذي توفي قبل الاحتلال (١). أما العنوان الثاني فيتلاءم مع نسبة الكتاب إلى الزياني، لأنه يذكر ما جرى في الجزائر على يد الفرنسيين وما سيحدث منهم أيضا، فهو يجمع بين الماضي والمستقبل. رجح البوعبدلي نسبة هذا للزياني لبعض الاعتبارات. منها أن الزياني قد جعل آخر فصل في كتابه (دليل الحيران) عن الدولة التاسعة، وهم الفرنسيون، كما مر بنا، ثم لم يواصل عمله حتى لا يتورط في مواضيع سياسية عند الحديث عن الاحتلال والمقاومة. فيكون الزياني قد عالج بدايات الاحتلال أو ما جرى مع الفرنسيين في كتابه (أقوال التأسيس) وليس في دليل الحيران. ولكنه لم يتوقف عند ذلك، بل إنه سلك لتبرئة نفسه عدة وجوه: - أنه جعل أقوال التأسيس في شكل تنبؤات وتكهنات وليس في شكل وقائع تاريخية. فهو هنا يتحدث عن المستقبل من باب المهدويات التي شاعت في المغرب العربي منذ المهدي الشيعي ثم المهدي بن تومرت. - أنه لم ينسبه لنفسه، وإنما نسبه إلى عالم وحافظ ومؤرخ وهو أبو راس الناصر، الذي كتب عن أحداث التاريخ كما كتب عن أرهاط الجان. وقد قلنا إن أبا راس كتب أيضا عن الحملة الفرنسية على مصر. وهو متوفى قبل الاحتلال الفرنسي للجزائر. - أن الزياني سجل أقوال التأسيس في قائمة مؤلفات أبي راس، رغم أن أبا راس قد ترجم لنفسه وذكر مؤلفاته دون أن يذكر من بينها (أقوال التأسيس).

стр. 3394

ويبدو أن الزياني الذي كان على صلة وطيدة بالإدارة الفرنسية، كان يعرف جيدا خوف هذه الإدارة من كل ما هو ضدها. فحذر الجزائريين من عواقب الأحداث التي جرت مع الفرنسيين. وهذا هو معنى ما وقع وما سيقع معهم وقد شاع أقوال التأسيس بين المتعلمين، سيما في آخر القرن الماضي وخلال الحرب العالمية الأولى. وتناقلته الأيدي، وثارت ثائرة الإدارة الفرنسية عندما علمت بذلك، لأنها كانت تخشى ما قد يقود إليه من تورات. وكان المستشرقون والضباط يحذرون دائما من استعمال الجزائريين الألغاز والرموز والتنبؤات. فأخذوا يبحثون عن هذا الكتاب ويتلفون نسخه، رغم أنه غير مطبوع، وتتبعوه حتى في المكتبات الخاصة والمنازل وعند المشكوك فيهم من المتعلمين. ويقول الشيخ المهدي البوعبدلي إن السلطات الفرنسية قد سجنت الكثير من المتعلمين (الطلبة) لظنها أنهم يملكون منه نسخا (١). ونفهم من ذلك أن الزياني قد وضع على عمله اسم أبي راس، واطمأن على ذلك، فلم يواجه أية تهمة مباشرة من السلطات الفرنسية. ومعنى ذلك أن المؤلف كان معلوما ولكنه ليس الزياني. أما كريستلو فقد أشار إلى (أقوال التأسيس) بطريقة أخرى. وبناء عليه فالتأليف كان مجهول المؤلف، ولكنه غير أبي راس بالتأكيد عنده، لأن مؤلف (أقوال التأسيس) كان يعرف أحداث العصر، من حادثة فاشودا بين الفرنسيين والإنكليز إلى أزمة المغرب وتدخل ألمانيا. وكان المؤلف أيضا من القضاة العارفين بالسياسة الفرنسية. وقد تنبأ بسقوط الطغاة وتغيير الوضع الاستعماري في الجزائر. ويذهب السيد كريستلو إلى أن المؤلف كان خلدونيا في تحليله وليس مهدويا في تنبؤاته وخرافاته، كما قد يتبادر إلى الذهن. وقد اطلع عليه هذا الباحث الأمريكي في الأرشيف الفرنسى. ويقول كريستلو إن الكتاب قد ظهر عند ثورة بنى شقران سنة ١٩١٧

стр. 3395

منسوبا إلى أبي راس (١). ولا نظن أن الزياني قد عاش حتى أدرك هذه الثورة. والنص الذي أورده كريستلو من هذا التأليف يتلخص في عدة نقاط: أن النكبات والعذاب سيحل بالبلاد، وسيعم الظلام بدل النهار، وستحدث غرائب في العصر. وسينخفض المرتفعون ويعلو المنخفضون. وستحل نقمة الله السريعة بالطغاة، وليس هناك مفر من هذا العقاب. إن بعض العلماء قد سخروا أنفسهم لخدمة الجهلة والأغنياء، وأصبح أبناء الفضلاء يخدمون العالم المسيحي، مظهرين حبهم لهم، باستعدادات عظيمة، ويقول: يا إلهي إن الصالحين قد اختفوا! وقد رأى كريستلو أن في النص استنكارا لما آل إليه أمر النخبة الجزائرية والعلماء المسخرين وأولئك الطموحين من المستغربين الشباب الذين رموا بأنفسهم في عربة التوسع الامبريالي الفرنسي منذ ١٩٠٠، راضين بالتنازل عن القدر المحترم من المعاش والحد الأدنى من الاحترام الثقافي. أما عن العنوان فهو عند كريستلو (الأخبار ذات التأسيس فيما يقع بين المسلمين والفرنسيس) وذات التأسيس هنا تعني ربما الأخبار الصادقة، ونعلم أيضا أن (الأخبار ذات التأسيس) كان متداولا منذ نهاية القرن الماضي، وأن المتعلمين كانوا يضيفون إليه عند المناسبات والأحداث، وكانوا أيضا يضيفون إليه أسماء أشخاص. فلم تأت سنة ١٩١٧ حتى كثرت نسخه واختلفت عن بعضها، بل كان فيه الحذف أحيانا. ويبدو أن مخطوطات أخرى قد وجدت في ناحية وهران على نمط هذه (الأخبار)، وكانت هي أيضا تخضع للزيادة والنقصان، بمرور الزمن. ومن ثمة خاف الفرنسيون من انتشار العدوى السياسية. وعلى هذا يكون أقوال التأسيس أو الأخبار ذات التأسيس عبارة عن منشور سياسي جمع بين الطريقة التقليدية وهي التنبؤ، والطريقة الجديدة وهي الحديث عن الوقائع بأسلوب إعلامي مثير. ولعل الزياني (أو غيره) قد كتبه أيام الحرب على القضاة التي جرت في الثمانينات من القرن الماضي، وكانت الشريعة

стр. 3396

الإسلامية من ضحايا تلك الحرب إذ نجح الفرنسيون في تجريد القضاء الإسلامي من نفوذه إلا في الأحوال الشخصية كما عرفنا. ويرى المهدي البوعبدلي أن أقوال التأسيس من عمل الزياني، كما ذكرنا، وأنه إنما نسبه لأبي راس للتقية فقط. وكان البوعبدلي يملك نسختين منه. وقد أكد له الشيخ الطيب زدور، أحد فقهاء وهران والذي كان والده على صلة شخصية بالزياني، أن (الأقوال) من تأليف الزياني. وقال إن الحكومة الفرنسية شددت في التفتيش عن نسخه سيما خلال الحرب العالمية الأولى. (ومزقت من أجل ذلك خزائن وأتلفتها). ولكن الكتاب، مع ذلك، بقي متداولا بين متعلمي وهران. ولم يذكر البوعبدلي الفرق ين النسختين اللتين كانتا في حوزته، وإنما قال إن إحداهما كتبها صاحبها (أي الناسخ) بخطوط مختلفة، سنة ١٢٦٢. وهذا التاريخ مبكر جدا للأحداث التي ذكرها كريستلو، فلا بد أن بعضهم قد أضاف إليه ثورة بني شقران وغيرها. أما النسخة الأخرى فيقول البوعبدلي إنها تقع في كراسة خاصة. ويبدو أن أقوال التأسيس قد انتشر في الجزائر ووصل إلى زواوة وغيرها (١). وقد لاحظ البوعبدلي أيضا اختلاف النسخ في تفاصيل الأحداث، ولكنه قال إن الجوهر واحد. واعتبر هذه الرسالة، كما سماها، شبه مذكرات عن فترة الاحتلال الأولى وإنما صاغها الزياني في شكل تنبؤات وليس سردا تاريخيا، رغم أن الأحداث في الواقع تاريخية ومعروفة. خذ مثلا تجهيز الحملة الفرنسية ونزولها في سيدي فرج وما حدث مع الباشا حسين، واحتلال وهران بعد احتلال متيجة، ومبايعة الأمير وحروبه الطويلة وما وقع من الغارات والغزوات، إن هذه كلها وقائع وليست خيالا. ونلاحظ أن الزياني كان في برج المخفى، وكان المخفى من الذين عاقبهم الأمير، ولذلك نحس أن الزياني اتهم الأمير بقتل العلماء وأهل الدين، مما تسبب في هزيمته، في نظره. كما تعرض الزيانى (أو غيره) فى هذا الكتاب الصغير والخطير إلى

стр. 3397

موضوع الهجرة، واقتراب أهل الطمع من الفرنسيين، واستبدال القوانين، ونقض أحكام القضاة المسلمين، وتصيير المسلمين خداما للفرنسيين، وإلى اغتصاب الأرض من مالكيها، وتعطيل المساجد والاستيلاء على الأوقاف، وتفشي الفجور وكثرة المقاهي والأسواق والفنادق، وسباق المتعلمين من أجل الوظائف، وطمع الأذلاء في المناصب العليا، وجعل الزكاة غرامة، وتجنيس اليهود (١٨٧٠) وصعودهم إلى مستوى جنس الفرنسيين ودخولهم في حزبهم. وقال إن أكثر الجيش الفرنسي سيصبح من العرب. ولكن الدائرة ستدور على الفرنسيين في الحرب العالمية الأولى، كما دارت عليهم في حربهم مع بروسيا (١). وفي النسخة الثانية تفاؤل وتحذير، إذ يطلب الكاتب من الجزائريين ألا يقنطوا من رحمة الله، وينفي بنفسه أن تكون أخباره مجرد تنبؤات. ويزعم أنه وقد كشف له عن التصريح بالبداية ولم يكشف له عن التصريح بالنهاية (ولكني نهيت عن الإظهار، كما هو شأن هذه الأسرار، ولقد قالوا صدور الأحرار قبور الأسرار ... وإلى هنا أشد عنان اللسان، وللحيطان آذان، ورب كل يوم هو في شأن). فالنهاية هنا رغم غموضها متفائلة، كما تلاحظ. وعنوان هذه النسخة مختلف قليلا أيضا، فهو (التأسيس فيما سيقع بالمسلمين من دولة الفرنسيس). أما النسخة الأولى فقد ذكرها البوعبدلي هكذا: (الأخبار ذات التأسيس فيما وقع وسيقع مع الفرنسيس). ومن ثمة نرى أن العناوين متقاربة ولكنها مختلفة، وهي تحتفظ بكلمتين أساسيتين هما التأسيس والفرنسيس، مع الإشارة إلى الأحداث ماضيا ومستقبلا. ومن الواضح أن منشورا دعائيا

стр. 3398

كهذا كان له وقع على الفرنسيين أكثر من عدة عرائض ووفود ومقالات صحفية في آخر القرن الماضي وبداية هذا القرن. ولا ندري الآن ما تأثير هذا المنشور الخطير على الرأي العام الإسلامي عندئذ، سيما الشبان الذين كان عليهم أن يؤدوا الخدمة في الجيش الفرنسي، وفي أحداث بني شقران والأوراس، بل وفي ثورة عين التركي سنة ١٩٠١. ٩ - ومن أبرز الكتب التي تناولت تاريخ وهران والناحية الغربية عموما كتاب (طلوع - أو طلعة - سعد السعود في شأن وهران وجيشها الأسود). واشتهرت نسبة هذا الكتاب إلى إسماعيل بن عودة المزاري. وهو كتاب ضخم ضم تواريخ قديمة وحديثة، ودولا كثيرة، وتوسع فشمل فترة الاحتلال الفرنسي، ثم حياة قبيلتي الدوائر والزمالة، أو المخزن، وكان المؤلف من الدوائر. وربما لم تحظ أي منطقة في الجزائر بعمل تاريخي كبير بهذا الحجم. وقبل أن نتحدث عن المؤلف وعن فصول الكتاب وظروف التأليف، نذكر بعض المعلومات عن المخزن كما كان شائعا في القرن الماضي. فالعبارة في الحقيقة تعني السلطة الرسمية، أو من يمثلها، وبعد اختفاء النظام العثماني في الجزائر بقي المخزن متمثلا في القبائل التي كانت تتعامل مع ذلك النظام بالخدمة والطاعة، وكانت تكسب منه الجاه والنفوذ والمال. وقد تعامل بعضهم مع الأمير، وعارضه آخرون لأسباب عديدة، منها أنه قدم عليهم أهل الدين والمرابطين وسوى بين الناس في الضرائب والخدمة، فما كان من بعض أهل المخزن إلا أن عرضوا خدماتهم على الفرنسيين على أن يتمتعوا بما كانوا يتمتعون به من امتيازات في العهد العثماني. فوافقهم الفرنسيون على ذلك مؤقتا لأنهم كانوا في أشد الحاجة إلى من يخدمهم من أهل البلاد ليضربوا الصفوف ببعضها (فرق تسد)، ثم داروا عليهم بعد أن انتهت الحاجة منهم. ومن أوائل من عرض خدماته على الفرنسيين من المخزن قبيلتا الدوائر والزمالة (اتفاق الكرمة ١٨٣٥). وكان على رأسهم عندئذ مصطفى بن إسماعيل، عم مؤلف الكتاب، وابن عودة المزاري، والد مؤلف الكتاب. وبالإضافة إلى ذلك هناك قبيلة البرجية الكبيرة، والتي كان يقودها محمد

стр. 3399

المخفي. لقد كان المخزن إذن يتمتعون بامتيازات عديدة، منها الإعفاءات من الضرائب، ومنحها الاقطاعات من الأراضي، مقابل الحرب إلى جانب السلطة سواء عند الفتن الداخلية أو عند الغارات الخارجية. وكان المخازنية هم الفئة الغنية والمتنفذة، وهم الأجواد ورجال السيف والبارود، والفرسان الذين يتقنون الرماية وركوب الخيل، ويمتازون بالشجاعة والإقدام. وكانوا هم عمدة الدولة الذين تنتصر بهم على أعدائها. وهم الأسود، الذين عناهم مؤلف (طلوع سعد السعود). لقد كانوا يمثلون الإقطاعية أو الارستقراطية، كما يسميها الفرنسيون. فهم الأغنياء المترفون أكثر من غيرهم، وهم سكان الأبراج والخيام الكبيرة إذا سكن غيرهم الأكواخ ونحوها. وهم فرسان الميدان ولابسو الحرير والثياب الوتيرة، وهم أهل القهوة والشاي والدخان التي لا تتوفر لغيرهم عادة، وهم ذواقة الشعر وأناشيد الفخر والحماسة. وكانوا فخورين بأصولهم وهندامهم وطبقتهم الاجتماعية. ولكنهم مع ذلك لا يؤلفون طبقة متماسكة، بل قد تكون بينهم خصومات وحتى حروب. وهم على حذر من رجال الدين والمرابطين، يحترمونهم، ولكنهم يخافون نفوذهم لدى العامة، ولذلك كانوا، حتى في زمن الاحتلال الفرنسى، فى أشد الخصام والحذر منهم. وقد أشرنا إلى العلاقة المتوترة بين آغا فرندة والمرابط. ومنذ الستينات أخذ الفرنسيون يعتمدون على رجال الدين بدل رجال السيف (المخازنية). وإلى ١٨٣٥ كان أهل الدوائر والزمالة والبرجية مع المقاومة تحت لواء الأمير، ثم أخذوا يتخلون عنه وينضمون للفرنسيين ضده. ويضاف إليهم الكراغلة في كل من تلمسان ومستغانم، ثم بعض الطرق الصوفية مثل التجانية والطيبية (١). ذكرنا هذه الخلفية لتعلم أن إسماعيل بن عودة المزاري مؤلف (طلوع سعد السعود)، كان من هذه الطبقة المخزنية، وكان والده وعمه من أعيانها

стр. 3400

وقوادها. فهو جواد من أهل السيف والحرب وليس من أهل العلم والقلم. فما هي حياته؟ إن ترجمته مجهولة إلى اليوم، ورغم أنه ترجم لنفسه في طلوع سعد السعود فإن الصفحات المعنية بذلك (٥٣٨ - ٥٤٥) قد بترت من الكتاب بفعل فاعل، حرصا عليها أو خوفا منها. وكل من تعرض له ولكتابه وجد فقط أن اسمه هو إسماعيل بن عودة المزاري، وأن والده محمد المزاري كان من كبار الزمالة والدوائر وكان آغا في آخر العهد العثماني وبداية العهد الفرنسي، وكان محمد (ابن عودة) المزاري قد حالف الأمير عبد القادر فترة وولاه هذا على قومه، ولكن اتفاق ١٨٣٥ لم يترك له المجال لمواصلة التحالف فانضم إلى عمه مصطفى بن إسماعيل وأصبحا حليفين للفرنسيين (١). أما إسماعيل المزاري فقد تثقف على يد الأسرة الزيانية، ولا سيما محمد بن يوسف صاحب كتاب دليل الحيران. وعاش إلى أواخر القرن الماضي، أي بعد ١٨٩٧، ولكن تاريخ وفاته غير معروف. وهذه العلاقة بينهما - المخزنية والعلم - ستتطور إلى دورها في الكتاب الذي نحن بصدده. ونسبة الكتاب إليه ما تزال مشكلة بين الباحثين: هل الكتاب كله له أو جزء منه فقط أو ليس له فيه سوى الاسم؟ ويقال إن أول من أثار الضباب حول هذه النسبة هو الضابط مارسيل بودان حوالي ١٩٢٤، وذلك حين تعرض إلى كتاب (الطلوع) ومؤلفه. وخلاصة رأيه أن المزاري كان من رجال المخزن وليس من رجال العلم، وليس له دور في الكتابة والبحث، وإنما استبد على بعض المؤلفين الحقيقيين أمثال شيخه محمد بن يوسف الزياني، مقابل ولاية القضاء وبعض المصالح الدينية. فالكتاب أصلا من تأليف الزياني. ويدل على ذلك أن الزياني قد ترك آخر جزء فى كتابه (دليل الحيران)
следующие страницы →