← Указатели

Указатели · id 14100

تاريخ الجزائر الثقافي

أبو القاسم سعد الله

Полный текст (5 019 стр.). Показаны 3326–3365 · переход к 3331.

стр. 3326

(بولندا) وغيرها، في نظره. وعاب على قومه وعلماء المسلمين عامة إهمالهم للتاريخ حتى أنهم إذا جادلوا علماء أوروبا في التاريخ عجزوا. ومن المهم جدا هنا اان كتاب الزواوي - خلافا للمشروع الذي سبقه - قد تحدث عن نتائج الحرب العالمية الأولى في العالم العربي. ولكي يقنع قومه بالتحولات التي طرأت على العالم الإسلامي قال إن هذا العالم قد مر من الجاهلية والوثنية إلى الفتوحات، وغيرها - ولعله يريد أن يصل إلى الاحتلال وكونه مرحلة فقط في هذا التطور التاريخي -. وقد أعلن الزواوي أن الهدف من كتابه هو تنوير الجيل الجديد حتى يكون على بصيرة بمسيرة سلفه، وليتعلموا ما فعل الآباء والأجداد، ويقتدوا بالأمجاد. وأشار إلى أن الجيل الذي خاطبه قد يأخذ ببعض القديم وبعض الجديد. وكان همه الرئيسي أن (أنفخ فيهم روحا قوية، وأبعث منهم ذوي همم علية، وأهدي إليهم هذا الكتاب المستطاب ...) (١). وهكذا يتضح أن أبا يعلي قد تحول خلال عشر سنوات من التاريخ العرقي (بالنظر إلى فكرة الآرية وطهارة الدم) إلى التاريخ الجهوي، ومن هذا إلى مبدإ التاريخ العام، أو من الطائفة إلى الأمة، وكم للإنسان من تقلبات وأحوال!. والميلي الذي أهمه التاريخ كثيرا عندما رأى قومه وقد أهملوه ورأى الغربيين وقد اتقنوه بدراسة الآثار والاقتصاد ونحوه، قد عرف التاريخ بأنه وسيلة لمعرفة (سنة الكون وطبيعة العمران) وسير الأبطال والأنبياء والأولياء والسياسيين. ثم أكد على ذلك بقوله إن (التاريخ مرآة الغابر ومرقاة الحاضر ... ودليل وجود الأمم، وديوان عزها، ومبعث شعورها، وسبيل اتحادها وسلم رقيها) يدرسه الشباب فلا تبتلع قومية أخرى قوميتهم، وأدركوا ما لآبائهم من الأمجاد والشرف) (٢). ومن جهته عرف المدني التاريخ بأنه (عرض وتحليل وتعليل وحكم).

стр. 3327

وقال عن المؤرخ بأنه (حاكم نزيه حر الضمير، يدرس الوثائق والمستندات، ويستخرج الحقائق من بين النصوص، ويستمع بإمعان إلى ما يقوله هؤلاء وما يقوله هؤلاء، فإذا أسفر أمامه وجه الحق ناصعا، أصدر حكمه عادلا، لا عاطفة ولا رياء ولا محاباة) (١). وهكذا يظهر أن التغيير الهام في مفهوم التاريخ وتقنياته قد ظهر مع نهاية الحرب العالمية الأولى، وكان ذلك مرتبطا بظهور الحركة الاصلاحية من جهة والحركة الوطنية (المطالب السياسية) من جهة أخرى. فكانت جهود ابن باديس في الأولى وجهود الأمير خالد في الثانية هي التي نبهت إلى ميلاد المفهوم الجديد للتاريخ. ومن نتاج ذلك العهد: تاريخ الميلي وتاريخ المدني ومن جاء بعدهما. والجدير بالذكر أن ذلك التغيير كان مرتبطا أيضا بالظاهرة التاريخية في المغرب العربي عامة. فالمدني مثلا كان نتاج حركة التاريخ في تونس، وهي أكثر تطورا مما هي عليه في الجزائر، منذ ابن أبي الضياف وخير الدين التونسي ومدرسة الشبان التونسيين. وكان التاريخ الإسلامي والعربي والسيرة النبوية والفتوحات تدرس في كل من القرويين والزيتونة. وكان لقاء الطلبة المغاربة دوريا في فرنسا وعواصم المغرب العربي خلال الثلاثينات قد عمق فكرة التاريخ المشترك، بالإضافة إلى الاهتمام بتاريخ كل قطر. ومن يرجع إلى محاضر تلك اللقاءات سيجد أن الاهتمام بالتاريخ في المدارس وضرورة تدريس التاريخ الإسلامي والعربي كان من بين مطالب المجتمعين (٢). وقد ارتبط أيضا الاهتمام بالتاريخ القديم للمنطقة بالمستقبل السياسي لها. ففي نادي جمعية الطلبة المسلمين الشمال إفريقيين بفرنسا، ألقى السيد شريف ساحلي محاضرة بعنوان (مقاومة الوطنيين بالشمال الإفريقي للاستعمار

стр. 3328

الروماني). وقالت جريدة (البصائر) التي نشرت الخبر عندئذ إنه اختار موضوعا يمثل العلاقة المتينة بين الطالب وتاريخه، لأن ذلك يظهر سيرة السلف الصالح الذي قام بواجب الجهاد ضد الاستعمار الغشوم. ولا شك أن ذلك إسقاط للماضي على الحاضر. وقد تحدث الشريف ساحلي عن (الأمة المغربية) - المغاربية - ورد على كل من كان ينفي وجود شعور وطني مغاربي، وأثبت وجود الوطنية المغاربية بحديثه عن يوغرطة وباكوس (١). ويجب ألا يفهم من حديثنا هذا أن تطور مفهوم التاريخ كان من جهة الوطنية والمذهب السياسي فقط، فنحن نتحدث عن ظاهرة عامة في الواقع، تشمل استخدام المراجع بطريقة نقدية وتصنيفية، واستخدام المراجع الأوروبية والرد على بعضها، ونقد المراجع العربية القديمة، والرجوع إلى المخطوطات والوثائق، والنقوش والآثار ومقابلة الآراء ببعضها، وقبول الحكم إذا كان صادقا ولازما ولو كان ضد النفس، بالإضافة إلى تقنيات البحث الجديدة من تعاليق وفهرسة وتبويب وصور وإحصاءات. فكل ذلك يدخل في ظاهرة التطور المشار إليها. وقد عانى التاريخ من ضعف شديد لم يكن ذاتيا، ولكنه أثر عليه مع ذلك. ونلخص جوانب الضعف فيما يلي: ١ - تغييب تدريس التاريخ الجزائري والإسلامي في المدارس الرسمية، مما تسبب في انقطاع المتعلم عن المراجع والبحوث والآراء حول الكتابة التاريخية. ومنذ ١٨٨٠ أجبر بعض التلاميذ على دراسة تاريخ وجغرافية فرنسا فقط، وكان هؤلاء التلاميذ، وكذلك زملاؤهم في المدارس الابتدائية يرددون مع التلاميذ الفرنسيين أن أصول الجزائريين فرنسية (بلاد الغال). أما في الزوايا التي بقيت مفتوحة في العهد الاستعماري فلم يسمح فيها بتدريس التاريخ الإسلامي ولا الجزائري ولا السيرة النبوية والغزوات.

стр. 3329

وكانت المواد المسموح بها هي الفقه والنحو والتوحيد والأدب. ٢ - استيلاء ضباط المكاتب العربية والمستشرقين على المخطوطات التاريخية واستثمارها فيما يخصهم ثم تضييعها بعد استلافها من أصحابها تحت إغراءات وتهديدات مقنعة. وبذلك فقد تاريخ الأشراف والمدن والعائلات الكبيرة والوقائع. وكان ذلك من أسباب شكوى المؤرخ عندما شعر بواجبه في كتابة تاريخ بلاده. وقد حمل عدد من الفرنسيين الذين ذكرناهم مخطوطات جزائرية في التاريخ إلى بلادهم بعد انتهاء إقامتهم، ولا نعرف الآن مصيرها. ٣ - بدراستنا لأحوال المخطوطات عرفنا أن كثيرا منها ضاع بطرق مختلفة، ومنها مخطوطات تاريخية هامة، فمنها ما جمعه وحمله أدريان بيربروجر إلى العاصمة من أبرز المدن بعد الحملات العسكرية الفرنسية، وكون منه نواة المكتبة الوطنية التي كانت في الواقع مكتبة فرنسية لخدمة الاستشراق والإدارة الاستعمارية. ومن جهة أخرى فإن مكتبات كاملة قد اختفت مثل مكتبة الجامع الكبير بالعاصمة التي كانت في العهد العثماني من أغنى المكتبات (١)، أو بعثرت ثم بيعت كما يباع ورق العطارين، مثل مكتبة الفكون في قسنطينة التي كان يضرب بها المثل في الغنى. وكانت معرفة العربية والفرنسية من عوامل تطور الكتابة التاريخية فقد استثمر المؤرخ الجزائري الجديد معرفته للفرنسية فرجع إلى مصادر مختلفة واتسعت رؤيته وشحذت آراؤه وأفكاره بالآراء الأجنبية التي كانت أحيانا مخالفة لما كان متداولا أو معروفا من نظريات، مثل أصول السكان والوحدة الوطنية والدين الإسلامي والوجود الاستعماري والنمو الاقتصادي. وهكذا لاحظنا أن معظم الذين ألفوا في التاريخ خلال القرن العشرين كانوا يعرفون الفرنسية إلى جانب العربية، مثل ابن أبي شنب وبوليفة، والحفناوي، والساحلي والمدني، من الجيل الذي نتناوله. ولعل الاستثناء هو الشيخ

стр. 3330

الميلي الذي اعترف أنه اعتمد على تلاميذه وأصدقائه للوصول إلى المراجع الفرنسية. أما الإنكليزية وغيرها من اللغات الأوروبية والشرقية والتي لها صلة بتاريخ الجزائر، فلا نعلم أن أحدا قد استفاد منها في تأليفه، عدا ربما ابن أبي شنب الذي قيل إنه كان يعرف عددا من اللغات، بما فيها التركية والفرنسية. وكان خوجة يعرف التركية، وكذلك أحمد الجزائري صاحب رسالة (كيف دخل الفرنسيون الجزائر). ويغلب على الظن أن البعض ممن كانوا متصلين بالمخزن، مثل مسلم بن عبد القادر، كانوا يعرفون التركية (العثمانية) أيضا. سيرة نبوية وتواريخ عامة تشتمل هذه الفقرة على المؤلفات المنسوبة إلى أصحابها، وهي جميعا مؤلفات تعتبر خارجة عن تاريخ الجزائر، غير أن مؤلفيها جزائريون بالميلاد أو بالوفاة أو بالنسبة الأصلية (١). وهي مؤلفات قليلة العدد، وتعتني عادة بتاريخ الإسلام والعرب والشعوب الأخرى قديما وحديثا. وهناك مؤلفات في السيرة النبوية والبلدان الإسلامية مثل تونس والمغرب، ثم صقلية وفرنسا، رغم أن فرنسا غير إسلامية. وقد لاحظنا أن بعض هذه التآليف كان خاصا بأحد الموضوعات المذكورة، بينما يكتفي المؤلف أحيانا بفصل أو نحوه من كتابه اخير الجزائر. وإليك الآن هذه المؤلفات: ١ - شمائل الرسول ومعجزاته، تأليف أحمد بن المبارك المعروف بالعطار القسنطيني. وقد تناولنا حياة المؤلف في غير هذا المكان، وقال (دورنون) الفرنسي عن هذا الكتاب إنه يقع في جزئين وإن عنوانه هو (سلم الوصول في الصلاة على الرسول) (٢). ٢ - تقاييد في شمائل المصطفى، تأليف أبي حامد المشرفي.

стр. 3331

وحين ذكره قال إنه لم يكمل بعد. وقد تناولنا حياة المشرفي في عدة أماكن (١). ٣ - عقود الدرر في تلخيص سيرة سيد البشر، ألفه محمد بن الأمير عبد القادر. وقد بناه على مقدمة وستة عقود وخاتمة. وذكر أنه قد ظهر له أن يلخص السيرة النبوية (بعبارة سهلة، يدركها المبتدئ من أول وهلة). وكان المؤلف قام بتأليف مدرسي للمبتدئين حين أخذته الغيرة من جهل الشباب بتاريخ الإسلام ولا سيما سيرة الرسول. وضمت المقدمة أهمية حياة الرسول عند الله والناس وفي الدنيا والآخرة. أما العقود (الفصول؟) فهي: في ابتداء خلقه إلى الهجرة، والهجرة وما حدث في أيامها، وفي مكاتبات الرسول إلى الملوك والوفود التي وفدت عليه، وفي حليته وأزواجه وأسمائه، الخ. وفي حلفائه وأمائه وخلفائه، وفي أخلاقه وأحواله. وأما الخاتمة فقد تناول فيها مرضه ووفاته (٢). ٤ - حياة محمد ﷺ م ن تأليف سليمان بن إبراهيم وناصر الدين ديني، وهذا هو الفنان الفرنسي، إيتيان ديني، الذي اعتنق الإسلام على يد الشيخ محمد بن بلقاسم، مؤسس زاوية الهامل، قرب بوسعادة، في آخر القرن الماضي. وقد أدى ديني فريضة الحج، وقام الشيخ عبد الحليم محمود المصري بترجمة الكتاب عن الفرنسية وعلق عليه. وقد اطلعنا عليه، وقال بعض النقاد الفرنسيين إن الكتاب قد تناول الحياة العربية والإسلامية، ولم يرجع مؤلفاه إلى أعمال المستشرقين عن الإسلام وحياة الرسول، لأنهم طبقوا ما عرف بالطريقة النقدية وتناولوا حياة محمد عن بعد. وفي نظر ابن إبراهيم وديني أن هذه الطريقة قد أدت إلى تناقض وفوضى في فهم السيرة النبوية نتيجة آراء المستشرقين: لامانس ومرغليوث ودوزي وكزنوفا. وتفاديا لكل

стр. 3332

ذلك لجأ المؤلفان إلى سيرة ابن هشام مباشرة، وكذلك ابن سعد لقربهما من عهد الرسالة. فكان اعتمادهما على النصوص الإسلامية لأنها أولى من طرق البحث الجديدة. وقد ناقش المؤلفان دفاع لامانس وكزنوفا عن المشركين، مثل أبي جهل، ونقدهما لسيرة الخلفاء الراشدين والسيدة فاطمة. ومن رأي شارل سان كالبر، الذي راجع كتاب (حياة محمد)، أن المؤلفين قد أظهرا ضحالة وتناقض آراء المستشرقين الذين بدأوا هجومهم على محمد والإسلام منذ الثمانينات من القرن الماضي (١). ٥ - ذكر من حضر بدرا من الصحابة وأنسابهم، نظمه الشيخ علي الونيسي، وهو من علماء قسنطينة ومن أهل القرن ١٣/ ١٩ (٢). ٦ - الشرق كما يراه الغرب (٣)، تأليف ناصر الدين ديني. ٧ - ذخيرة الأواخر والأول، لأبي حامد المشرفي، خصص فيه الأبواب الأربعة الأولى للتاريخ العام، من آدم إلى الإسلام، ثم إلى عصر المؤلف نفسه (وهو الباب الخامس). أما الباب السادس فقد خصصه لأخبار الدولة العلوية (الأشراف) بالمغرب الأقصى إلى أيام السلطان الحسن الأول، وهو أيضا عصر المؤلف (٤). ٨ - زبدة التاريخ وزهرة الشماريخ، تأليف محمد بن الأعرج السليماني، بعد المقدمة خصص الجزء الأول منه لتاريخ الإسلام والفتح

стр. 3333

بالمغرب، كما تناول تاريخ مصر وصقلية وتونس وليبيا والأندلس. ٩ - اللسان المعرب عن تهافت الأجانب حول المغرب، تأليف ابن الأعرج السابق. وقد تناول في القسم الأول المغرب الأقصى والأندلس، وفي القسم الثالث أيضا تناول صراع المغرب مع الأجانب إلى عصر المؤلف نفسه. أما القسم الرابع فقد تناول فيه، حسب المنوني، المعارف العصرية والحريات السياسية والمدنية، وقد أخذ منه ونوه به أيضا. الهاشمي بن بكار (١). وفي هذا الكتاب معلومات غزيرة عن الجزائر والعائلات المهاجرة منها إلى المغرب. ١٠ - تاريخ الدولة العلوية لأبي حامد المشرفي. وهو في تاريخ الأشراف العلويين بالمغرب. وقد اعتبره بعضهم من نوادر الكتب. ١١ - تاريخ الأمير عبد القادر، وهو كتاب نسبه البعض إلى الأمير، ونسبه آخرون إلى صهره ابن التهامي، أو هو مشترك بينهما. ويهمنا منه هنا الأبواب الثاني والثالث والخامس. فهي أبواب تشكل قسما كبيرا منه وتناول التاريخ العام، ما قبل الإسلام وتاريخ المسلمين وغيرهم. وهو مكتوب في حوالي منتصف القرن الماضي (١٨٤٨ - ٤٩) ويبين مفهوم التاريخ السائد عندئذ. وقد تناوله المحققون أخيرا (٢). ١٢ - المسلمون في جزيرة صقلية وجنوب إيطاليا، تأليف أحمد توفيق المدني. (انظر حياته لاحقة). ١٣ - قرطاجنة في أربعة عصور، للمدني أيضا. ١٤ - كتاب في التاريخ للسمعوني، وهو صالح السمعوني والد الشيخ طاهر الجزائري المعروف. وقد وصل فيه إلى سنة ١٢٦٠، أي عصر المؤلف. وقيل إنه استخدم فيه الإشارات (الرموز؟) دون أن نعرف لماذا فعل

стр. 3334

ذلك، وما هي؟ ولا نعلم الآن موضوعه (١). ١٥ - حادثة دمشق، كتاب وضعه سليم السمعوني، من أحفاد المهاجرين إلى الشام، وهو من أسرة السمعوني المذكورة. وسجل فيه الحادثة التي جرت في دمشق خلال شهر رمضان، وكادت تؤدي بحياة رشيد رضا (في خلافه مع صالح الشريف التونسي) سنة ١٩٠٩. وقيل إن الكتاب مطبوع في مصر. ١٦ - التاريخ المتدارك في أخبار جان دارك (تاريخ فرنسا)، وضعه أحمد بن الفكون. وكان قد نشره فصولا في جريدة المبشر الرسمية، ثم طبعه في كتاب. (انظر حياة الفكون في فصل الترجمة). ١٧ - تواريخ موريطانيا السنيغالية، نشره إسماعيل حامد، وهو من وضع الشيخ ناصر الدين الديماني. فقد ترجمه إسماعيل حامد وزاد عليه تعاليق هامة، وقد أجازته ونوهت به حكومة فرنسا في أفريقية الغربية. وكتب له إسماعيل حامد مدخلا عن أصل المرابطين وتاريخ المنطقة مستعينا بعدة مصادر أشار إليها، ويتناول الكتاب أحداث القرن ١٦ و ١٧. وكان المؤلف ناصر الدين، إماما، وكانت له حروب ترجع إلى القرن ١٧. وتعرض إسماعيل حامد إلى جغرافية موريطانيا وحياتها الاجتماعية والموارد الطبيعية فيها وكذلك التجارة الصحراوية والحالة الفكرية لأهل البلاد، ودرس حياة الزوايا والمرابطين بالناحية معتمدا أيضا على كتاب (شيم الزوايا) (٢). ١٨ - تاريخ المغرب الأقصى، تأليف اسماعيل حامد أيضا. باريس، ١٩٢٣. ١٩ - السودان في القرن السادس عشر، بحث مترجم نشره محمد بن رحال واستخرجه من كتاب (نزهة الحادي) للإفراني، وهو عن حياة أهل السودان القديم في عهد الحكم المغربي (٣).

стр. 3335

٢٠ - رسالة يوغرطة، للشريف الساحلي، الجزائر ١٩٤٧. وهو من المؤلفات التي وظفت الماضي من أجل الحاضر واستخدمت الرموز التاريخية لدفع الحركة الوطنية. الأنساب والأشراف كانت العناية بالأنساب وحفظها من أبرز سمات المجتمع العربي. وقد ظل الأمر كذلك إلى أواخر القرن الماضي. ويرجع ضعف الاهتمام بها إلى عدة عوامل أبرزها تحطيم كيان المجتمع على يد السلطة الفرنسية بدعوى القضاء على الارستقراطية العربية (والخيام الكبيرة) (١). وقد بدأ ذلك مع مطلع الستينات من القرن الماضي ولا سيما منذ التشريع المعروف بقانون الأرض (١٨٦٣). فقد أدى في النهاية إلى اختفاء العائلات الكبيرة المحافظة على أنسابها وأصولها عن طريق الآباء والشيوخ، حتى أن أحد الحكام العامين (كامبون) قال في آخر القرن إنه لم يبق في الجزائر من العائلات الارستقراطية سوى الهباء. وكانت العائلات تحتفظ بأنسابها في أوراق خاصة وفي شكل أشجار منظمة ومتفرعة أبا عن جد. وكانت كل عائلة تفتخر بشجرتها النسبية الموروثة عن أحد كبارها أو نسابتها. ولا تظهر هذه الأشجار/ الوثيقة سوى عند الحاجة إليها لإضافة مولود جديد أو تسجيل وفاة أو توزيع تركة يحتاج الأمر فيها إلى الرجوع إلى الأصل. وفي ميزاب مثلا يحتفظ القضاة بأشجار النسب لاستعمالها عند التقاضي. يقول العقيد بورا: إن القضاة هناك يحتفظون بأشجار النسب في أماكن ورسائل خاصة. وكانت مكتوبة على جلود الغنم المدبوغة. وقد طلب من قائد الناحية - اسمه بلالو، وكان قد

стр. 3336

تخرج من ثانوية الجزائر الفرنسية - أن يرى ذلك بعينه، فجاءه بنموذج على يد القاضي. وذكر أن من الأشجار النسبية ما يرجع إلى عشرة قرون خلت، وكانت محفوظة في الجلود، وكانت مطوية طيا خاصا وموضوعة في أنابيب من الحديد لحفظها واستعمالها عند الحاجة كمعرفة الأنساب وتقسيم التركات، ونحو ذلك (١). وكان هدف الفرنسيين هو القضاء على الأصول العائلية وقطع آثار الماضي بعد أن ثبت لديهم أن معظم الثورات كانت بإيعاز أو بقيادة الأشراف والمرابطين والأجواد، وكل هؤلاء يرجعون في أصولهم إلى أنساب عريقة. ونحن لا نريد أن نقول إن هذه الأنساب صافية كلها وصادقة فيما يدعيه أصحابها. ولكننا نؤكد على أهمية حفظ الأنساب وعلاقة ذلك بردود الفعل ضد الفرنسيين. وقد ثبت لهؤلاء بعد التجربة أن الانتهازيين الجدد، أولئك الذين ليس لهم أصول عائلية، هم الذين أسرعوا في الذوبان في الفرنسيين وقبول نمط عيشهم والخضوع إليهم، خدمة للمصالح المشتركة. ولذلك مال الفرنسيون إلى هؤلاء بعد أن اعتمدوا في أول الأمر (حوالي ثلاثين سنة) على بعض المرابطين والأشراف والأجواد، واستفادوا من سمعتهم ونفوذهم. وبتقادم العهد خيم الجهل بالأنساب ونسج النسيان والغموض خيوطهما على الذاكرة العائلية. وقد مر بنا في غير هذا أن الأجيال الجديدة لم تعد تهتم بالأنساب، وأخذ الفكر الغربي يحل محل الفكر الشرقي لدى طائفة المثقفين بالفرنسية، وانقطع هؤلاء عن أصولهم العائلية - رغم أن بعضهم كان من عائلات معروفة في التاريخ - بحكم جهلهم التام باللغة العربية، والتقاليد وأشجار النسب. وقد عرفنا نحن بعضا من هؤلاء فكانوا يملكون أشجارا نسبية ووثائق عائلية ولكن لا يدركون لها معنى، أو لا يفهمون عنها إلا فكرة غامضة.

стр. 3337

ولكن هذا لا يعني أن الانتساب قد اختفى. فقد وجدنا الانتماء إلى الأشراف قد ازداد اتساعا، نتيجة الفقر والاضطهاد. وأصبح من الشائع في القرن الماضي إن شيوخ الطرق الصوفية وبعض العناصر المعارضة للاحتلال قد لجأت إلى اختلاق أنساب تربطها بالشرف وترجع بها إلى أصول غامضة. ويجب التنبيه إلى أن فكرة الشرف لم تبق مرتبطة بأصول عرقية أو عربية أو الانتساب إلى آل البيت فقط، بل إن هناك عائلات شريفة في الأوساط البربرية سواء كان ذلك عن طريق اختلاط الدماء بالمصاهرات (وهناك البعض يجيزون الشرف من قبل الأب أو من قبل الأم أو من كليهما) أو كان عن طريق دعاوى أخرى كالانتماء إلى أشراف قريش أو بقايا الصحابة الذين نزلوا الجزائر أيام الفتح. وقد ظل الانتماء إلى الأدارسة والحسنيين، والساقية الحمراء والغرب (المغرب) علامة على حفظ الشرف والانتساب إلى آل البيت. أما الأنساب الأخرى القائمة على المجد السياسي والعسكري فقد ظلت متواترة ولكنها تأثرت بالأحداث التي عرفتها البلاد، كما ذكرنا (١). وأمام هذه التطورات لم يبق للكتاب موضوعات كثيرة يعالجونها حول الأنساب. فقد اختفى الاستشهاد بكتب نسابة البربر التي كانت المصدر الأساسي لابن خلدون والتي كانت متوفرة على عهد أبي القاسم الزياني أوائل القرن التاسع عشر، مثل تواريخ سليمان بن إسحاق المطماطي، وهاني بن يصدور القومي، وكهلان بن أبي لؤي الأوربي (٢). ولكن المستشرقين اطلعوا - دون الجزائريين ربما - على أعمال في أنساب بعض الأمراء والعائلات في العصور الإسلامية، مثل تاريخ سعيد العقباني في دولة بني زيان، وتاريخ ابن مرزوق المعروف بالمسند الصحيح الذي تناول فيه حياة

стр. 3338

السلطان أبي الحسن المريني. أما كتاب السلطان أبي حمو موسى المسمى واسطة السلوك، فقد نشر بتونس سنة ١٨٦٢، ولا شك أن بعض الجزائريين قد اطلعوا عليه، كما اطلعوا على تاريخ ابن خلدون بعد ترجمته إلى الفرنسية في الخمسينات (١). وكذلك نشرت جريدة المبشر كتاب (عجائب الأسفار) لأبي راس، في حلقات، خلال الثمانينات من القرن الماضي. وقام بعض ضباط المكاتب العربية بترجمة ونشر بعض كتب الأنساب من أشراف غريس وغيرهم. وهكذا توفرت مادة طيبة عن الأنساب للمهتمين بها، ولكن المعنيين بالأمر كانوا في أغلب الأحيان غائبين عن هذه المنشورات. ولا نريد أن نؤرخ هنا لأنساب القبائل الرئيسية في الجزائر، وهي في الواقع جزء من الخريطة العامة لسكان المغرب العربي منذ أقدم العصور. ورغم ذكر القبائل البربرية والعربية فإن الدماء قد امتزجت بالمصاهرات واختلطت الأنساب ببعضها، وأصبح من الصعب تمييز هذه القبيلة عن الأخرى في الواقع. إننا لا نجد تاريخا لأنساب هوارة وكتامة وزناتة وصنهاجة وغيرها في العصر الحديث. وكان الفرنسيون يكررون ما وجدوه في الكتب القديمة من أن الشاوية والحراكته وأولاد خيار من هوارة، وإن سكان منطقة البابور وأجزاء من الحضنة يرجعون إلى كتامة وأنهم قد تعربوا بالإسلام، وإن أهل زواوة قد تفرقوا في خدمة الممالك التي ظهرت مثل أشير وقلعة بني حماد. أما زناتة فقد انتشرت من وسط الصحراء إلى المغرب الأقصى، وقد تعربوا أيضا بالإسلام. وفي الجنوب نجد تارقة ولمطة حيث فروعها في منطقة الهقار. ومن تارقة كان مسلم بن عبد القادر، وهو كاتب لآخر بايات وهران. وفي الجنوب أيضا ينسبون إلى (التارقي) طبقا للذاكرة التاريخية وليس إلى الطوارق، كما يظهر من الكلمة التي فسرها بعضهم بأنها تعني الطوارق الذين يقطعون الطرق أو التوارك الذين تركوا الوثنية ودخلوا في الإسلام. ولكن أين المؤلفات التي تحدثنا عن أنساب هؤلاء وأولئك الآن؟.

стр. 3339

وقد عرفنا في فصل سابق (١)، أن معظم النسابة المسلمين وكذلك التقاليد الشعبية (الشفوية) تنسب البربر إلى أصول عربية، سواء بالأصالة أو بطريق الولاء (٢). وهناك من ينسبهم إلى قبائل حمير اليمنية، ومن ينسبهم إلى بني كنعان. ولكن ابن خلدون فصل الكلام في ذلك وأوضح أن هناك قبائل بربرية لها ميزاتها وأشرافها، وأن البربر يشتركون مع العرب في أمور ويختلفون عنهم في أخرى. وكان ابن خلدون قد اعتمد على النسابة من البربر، سواء كانت آراؤهم مدونة أو شفوية. وخاض بعض الفرنسيين في مسألة النسب العربي والبربري بهدف تركيز احتلالهم في الجزائر وليس بهدف علمي أو تاريخي. ومن الذين فعلوا ذلك العقيد كاريت والدكتور وارنييه والسياسي صابتييه. أما المؤرخ ستيفان قزال فقد كان مختلفا عنهم إذ حاول أن يدرس موضوع النسب البربري بتجرد. إلا أن إيميل غوتييه حاول الإساءة إلى التاريخ الإسلامي (العربي والبربري) متفقا في ذلك مع معاصره ألفريد بيل. وهكذا اضطربت الأقوال في الأنساب البربرية بدل أن تتضح. وقد ظل النسابة والمؤرخون المحدثون على الرأي القديم، وهو أن البربر من العرب العاربة أو من الشعوب التي تدامجت مع العرب حضاريا ونسبيا حتى لم يعد المرء يفرق بينهما إلا ببعض اللهجات والملامح. يقول الشيخ إبراهيم أطفيش: البربر في الحقيقة من الحميريين رغم اختلاف المؤرخين في أصلهم، إنهم من الموجات المهاجرة من اليمن بعد سيل العرم، وكانا هم يقولون عن أنفسهم إنهم من الحميريين (وهذا الذي يجب أن يعتبر) (٣). وجاء في كتاب (منابع الحضارة العالمية) لعبد الرحمن

стр. 3340

ابن الحفاف أن أصل القبائل (الزواوة) فينيقيون - ساميون. ونحن نجد أقوالا شبيهة بهذه لدى الشيوخ: الإبراهيمي، وأبي يعلى الزواوي والفضيل الورتلاني. أما المصلحون كابن باديس، والسياسيون فقد اهتموا بالتركيبة الحاضرة للشعب الجزائري بقطع النظر عن الأنساب البعيدة وحكموا أن (الشعب) قد تكون عبر الزمن واندمج في بعضه وتلاحم وأصبح عجينة واحدة وعروة وثقى لا انفصام لها. وقد قال ابن باديس قولته الشهيرة: (إن ما وحدته يد الله لا تفرقه يد الشيطان)، وفي هذا المعنى قال الشاعر محمد العيد: (فصار ابن مازيغ أخا لابن وائل). ولنضرب مثلا على هذا التلاحم التاريخي بقبيلة نزليوة القاطنة بذراع الميزان. فقد كانت واحدة ولكنها تتألف من فروع هي: أولاد عيسى الذين قدموا من الصحراء، والقيروان وهم من بني فراوسن، وأولاد سالم ثم أولاد راشد وقد قدموا من ونوغة، وأولاد الشائب وهم مهاجرون من أولاد عبد الله القاطنين بزازوة في الصحراء، وأولاد يخلف، وهم مرابطون من بني خلفون. وكانت النزليوة من قبائل المخزن في العهد العثماني، ثم تولى عليها الحاج محمد بن زعموم (زعمون) هي وقبيلة فليسة (١)، وقل مثل ذلك ربما في قبيلة يسر والثعالبة والعمراوة وغيرها في المنطقة. ويمكننا أن ننقل هذه الخريطة إلى أي جزء آخر من القطر الجزائري لنعرف كيف تدامج السكان واختلطت الدماء والأنساب (٢)، ولكن الجيل الحاضر يبدو أنه نسي هذه الظاهرة. وفي الجزائر اليوم قبائل أخرى قد تكون نسيت أنسابها رغم أنها كانت إلى منتصف القرن الماضي حافظة لها ومعتزة بها. فأولاد عياد، وبنو قيل، والزراينة، والحرار، والشعانبة يرجعون إلى قبيلة أثبج، وهي مضرية - قيسية. وحميان، والعطاف، والديلم، والناظر، والسحاري، والزقدو، وأولاد نائل كلها ترجع إلى قبيلة زغبة. بينما أولاد يعقوب والذواودة والأرباع والطرود

стр. 3341

ينتسبون إلى قبيلة رياح. وهناك قبائل أخرى ترجع إلى القحطانية (أو المعاقل) مثل الأنكاد أو الحدج، وسكان الشلف الأدنى وسكان متيجة (الثعالبة)، كما يرجع بنو مزنى إلى قبيلة بني سليم، وهكذا. وبعض هذه القبائل أو تلك لها أنساب في الشجرة الصوفية وأخرى في الشجرة السياسية. وقد اهتم رجال الطريقة القادرية بسيرة الشيخ عبد القادر الجيلاني الذي تنتسب إليه الطريقة، ولا سيما كتاب العشماوي. واهتم الفرنسيون في عصر دراسة الطرق الصوفية بهذه الشجرة العريقة، فتناول لويس رين ذلك في كتابه (مرابطون وإخوان)، ثم جاء دور ديبون وكوبولاني في آخر القرن (١٨٩٧). ولم يفت رجال الكنيسة الكاثوليكية أيضا أن يدلوا بدلوهم في هذا الميدان. فقام القس (الأب) جياكو بيتي، وهو من الآباء البيض وكان يقطن ويعمل في ورقلة ويتنقل عبر الصحراء، بترجمة نص كتابين، وهما (كتاب النسب) للعشماوي، وكتاب (العرف العاطر) لعبد السلام القادري (١). وقد كانت عائلات كثيرة في الجزائر تذهب إلى أن أصولها قادرية، سواء بالنسب الصوفي أو الشرفي، مثل عائلة الأمير عبد القادر، وعائلات أخرى في بجاية والعاصمة. ومن الجدير بالذكر أن كتاب النسب للعشماوي قد نشره أيضا في وقت لاحق الهاشمي بن بكار ضمن كتابه (مجموع النسب)، وسنشير إليه. ولنذكر الآن بعض المؤلفات التي عالجت موضوع الأنساب خلال العهد الذي ندرسه، وكذلك المؤلفات التي تقف ضد المغالاة في ادعاء الشرف، وردود الفعل. ولا شك أن هذا موضوع شائك عند بعض الناس. غير أننا لا نهتم هنا بغير الجوانب التاريخية (٢).

стр. 3342

١ - كتاب القول الأعم في بيان أنساب قبائل الحشم، تأليف الطيب بن المختار الغريسي. وهو في حجم صغير، ومطبوع (١). وكانت نية المؤلف هي بيان أنساب الحشم لأن هناك من خاض فيها وخلط في ذلك وسمى كتابه رسالة على عادة القدماء، (مقتصرا على ما تدعو (إليه) الحاجة من مشاهر القبائل ورؤساء الفضائل وأعيان الأشراف دون الحاشية والأطراف). وقد رتبه على مقدمة وثلاثة فصول، أطولها وأهمها هو الأول. وفي المقدمة بين معنى الحشم في اللغة والمصطلح. فهي في اللغة تعني الحياء أو الغضب، وقال المؤلف إن المعنيين صالحان هنا لأن قبائل الحشم يتميزون بالحياء والغضب أيضا. أما في المصطلح فيعني مطلق الأنصار. وقد كان الحشم يدعون بالرواشد والراشدية، ولكنهم منذ دخلوا في خدمة بني زيان (القرن الثامن الهجري) أصبحوا يسمون بالحشم أي الأنصار. أما لفظ الأشراف فقد انجر إليهم لسكناهم غريس إذ كان سكان غريس يسمون بالأشراف. ويفهم من ذلك أن إطلاق الأشراف على الحشم ليس في الحقيقة ولكن بالتبعية للمكان. ومثلهم في ذلك الزناتيون الذين يجاورون الأشراف ويسكنون غريس ويختلطون بالحشم. وفي الفصل الأول ذكر الطيب بن المختار أشراف غريس، وهو يطلق عليهم كلمة المرابطين، رغم أنه ليس كل مرابط شريفا، ثم ذكر من سماهم الأشراف حقيقة، فمنهم: - أولاد دحو بن زرفة. وهؤلاء أصلهم من الأندلس من بني حمود الذين تولوا الملك هناك، واشتهروا في العهد العثماني وعهد الأمير

стр. 3343

عبد القادر، ثم خمدت شهرتهم، لأسباب لم يذكرها، وربما يكون من بينها إبعاد (السادة) الأشراف بالتدريج عن النفوذ، كما ذكرنا، بعد قانون الأرض، والتنازع بين أصحاب الشرف وأصحاب الرياسة في معسكر خلال الخمسينات. ومهما كان الأمر فإن من علماء أولاد دحو: عبد القادر بن السنوسي، ومصطفى بن عبد الله. وكان أولاد دحو في تنافس مع أولاد دوبة. - أولاد سيدي عمر بن دوبة، وكانت لهم الرياسة في أولاد ابن دوخة وغيرهم. ومنهم ابن آمنة بن دوخة خال الأمير عبد القادر. - أولاد أحمد بن علي، وجدهم (أحمد) هو أول من استوطن غريس. كان أبوه يسمى سيدي علي بن عيسى، وقد قدم من وطن بني عامر. ومن علمائهم: أحمد بن التهامي والد مصطفى بن التهامي، خليفة الأمير عبد القادر علي معسكر وصهره. - أولاد سيدي محمد بن يحيى، وهم من مغراوة، وكانت لهم الرياسة في أولاد بنفريحة الذين كان فيهم الجاه أكثر من العلم. - المشارف، ويتصل نسب هؤلاء بإدريس، ومنهم عبد القادر المشرفي، صاحب زاوية الكرط بمعسكر، وحفيده ابن عبد الله سقاط (سقط) الذي كان من علماء الوقت، وهاجر إلى المغرب بعد ١٨٤٣. - مهاجة، وهي متصلة أيضا بإدريس والأشراف. - أولاد سيدي أحمد الورغي (بورغية)، وأصلهم من المغرب الأقصى (أشراف؟). - أولاد سيدي العيد، ومن علمائهم: محمد بن حواء (ولعل منهم الطاهر بن حواء، شاعر الأمير، انظر فصل الشعر). - أولاد سيدي عبد القادر بن المختاري، وهم أدارسة، ومنهم الأمير عبد القادر (وكذلك الطيب بن المختار، المؤلف). وذكر في الفصل الثاني العرب الذين ليسوا أشرافا وإنما سكنوا غريس

стр. 3344

أيضا. ومن تعليقاته هنا أن البربر هم الذين قطنوا بلاد المغرب ودافعوا عنها ضد الأمم الأجنبية، قبل العرب. ثم قص قصة افريقش وكيف جاء بالعرب على رأس التبابعة الحميريين وأقام ببلاد المغرب فترة ثم رجع عنها، تاركا وراءه، كما قال المؤلف، قبيلتي كتامة وصنهاجة الحميرتين. وقد اندمجت القبيلتان في البربر وتكلموا لغتهم وتزيوا بزيهم وخدموا ملوكهم، إلى أن لم يبق لكتامة وصنهاجة ذكر في العرب. وبقي البربر هم أسياد بلاد المغرب إلى أن حل به الإسلام فرجحت الكفة للعرب من أجل الدين. وفي هذا الفصل أيضا حديث عن قبيلة قريش وغيرها من العرب والعائلات المتفرعة والتي لعبت دورا في المنطقة. أما الفصل الثالث، وهو قصير جدا، فقد خصصه لقبيلة زناتة أو الموجود منها في غريس والذين اندمجوا في الحشم، وقد استبعد أن تكون زناتة من العرب، ولكنه قال إنها قد اندمجت في البربر. ويعرف الزناتيون من غيرهم بعد استبعاد العناصر الأخرى، فهم ما عدا الأشراف والأجواد والعرب الآخرين (١). والطيب بن المختار من أقارب الأمير عبد القادر، وقد ذهب إليه في الشام وزاره في فرنسا سنة ١٨٦٥، ومدحه بالشعر، وظل على صلة به طيلة حياته، وقد تولى القضاء في الجزائر، ربما بتدخل من الأمير. وظل في القضاء إلى تقاعده سنة ١٨٨١، وكان عضوا، في مجلس معسكر خلال الخمسينات، وعضوا في لجنة قاستنبيد في الستينات، وهي لجنة وضعت أسسا لسير القضاء الإسلامي والتدخل في شؤونه وأخذ صلاحيات القضاة المسلمين وإعطائها إلى قضاة الصلح الفرنسيين (٢). وكان قد درس على

стр. 3345

مصطفى بن التهامي وابن عبد الله سقاط المشرفي، ودرس في القرويين على أبي عبد الله محمد المجاوي (والد عبد القادر المجاوي) الذي هاجر إلى فاس. وكان الطيب بن المختار منافسا لابن عمه حسن بن الشرقي كما كان محمد بن الشرقي معاصرا ومنافسا. للأمير (١). وكان محمد هذا عالما ومفتيا بمعسكر زمن الأمير، وكان والد الطيب بن المختار من أعيان العلماء أيضا. ٢ - شرح محمد بن الأعرج السليماني على منظومة بغية الطالب في ذكر الكواكب، لعيسى بن موسى التجيني الغريسي. والكواكب هنا هم الأعيان أو السادات (الأشراف) كما سماهم صاحب الشرح. وكان هؤلاء الأعلام قد عاشوا في عصر الناظم أو قريبا منه، وهم مجموعة من العلماء والصلحاء، من أهل غريس والراشدية. وقد عاش الناظم في القرن العاشر الهجري (توفي سنة ٩٦٢). وهو عمل أقرب إلى التصوف منه إلى التاريخ والأنساب. ولكننا أوردنا الحديث عن الشرح هنا لأن ابن الأعرج اعتمد في شرحه على المؤلفات التي ألفت حول الأشراف بالمنطقة. وقال إنه قام بالشرح لأن والده قد حثه على ذلك، ولأن النظم قد احتوى على مجموعة من (السادات) وقد أطلق على شرحه اسم (تسهيل المطالب لبغية الطالب). وقام ابن الأعرج بالتعريف بالناظم، فقال إنه من أهل غريس ومن بني توجين الذين هم فرع من زناتة، سكان جبل الونشريس، ثم تحدث عن شيوخه في المغرب ومعسكر. وقد اعتمد ابن الأعرج في شرحه على مؤلفات سابقة له منها كتاب (القول الأعم) للطيب بن المختار، كما اعتمد على (فتح الرحمان) للراشدي. واتبع ابن الأعرج أبيات الناظم في الشرح، وقلما خرج عنها إلى الأحداث التاريخية والأنساب الفرعية، فاكتفى بالحديث عن سكان

стр. 3346

غريس والأشراف هناك، وأعقاب الناظم وغيره من العلماء والأولياء. وتبدأ المنظومة هكذا: بدأت ببسم الله ربي ومالكي ... مجيبي ومنقذي عند النوائب وصليت ثانيا على خير خلقه ... محمد المختار من آل غالب ألا إن أهل الله ملجأ هارب ... وغنية محتاج و (بغية طالب) رجال كرام أدبوا فتأدبوا ... بآداب تنزيل من الله غالب (١) فأنت ترى أن طابع النظم هو التصوف، ولكن هل كان ابن الأعرج أيضا على نفس الهوى؟ إن كتابه (زبدة التاريخ) ومعاصرته للأحداث الكبرى في القرن الماضي وبداية هذا القرن تجعلنا نقول إنه سيسلك في شرحه منحى آخر. وها هو قد اعتمد الأدب وقوة البيان من جهة، والتصوف من جهة أخرى. ٣ - منظومة (الفتح) لشعيب بن علي الجليلي، قاضي تلمسان، وهي أرجوزة نظم بها (عقد الجمان النفيس في أعيان شرفاء غريس). ٤ - الحدائق الزاهرة الغصون في ذكر آبائي إلى النبي الكريم، لإدريس بن محفوظ الدلسي، ترجم فيه لأسرته التي هاجرت من الجزائر (دلس) إلى تونس، وقال إنهم أشراف (٢). ٥ - قبائل الشرفة (الأشراف)، كتاب من تأليف محمد بن بوزيد، وعنوانه كتاب (الحقيقة). ونحن لا نعرف عن المؤلف أكثر مما ذكره المترجم والمستشرق الفرنسي (آرنو) الذي نشر منه قطعة في المجلة الإفريقية (٣). فمن هو المؤلف؟ وما عصره؟ وما كتابه بالضبط؟ وما قيمته

стр. 3347

العلمية؟ سيظل كل ذلك مجهولا إلى أن تتوفر معلومات كافية. ٦ - منظومة في الأنساب و (التصوف) قالها مصطفى المختاري في الشيخ الهاشمي بن علي بوشنتوف ونسبه. والهاشمي المذكور هو جد الهاشمي مؤلف كتاب (مجموع النسب). وهي في بضعة أبيات، وصفه فيها بأنه: رئيس أهل العلم والدراية والفقه والتفسير والرواية (١) ولا شك أن هذا العمل يدخل في أنساب أشراف غريس الذين تحدث عنهم الطيب بن المختار في كتابه (القول الأعم). والناظم مصطفى المختاري هو جد الأمير عبد القادر، وقد توفي بعين غزالة (ليبيا). ٧ - ألف عبد الله حشلاف، قاضي الجلفة في وقته، كتابا، في الأنساب أيضا، عنوانه سلسلة الأصول في شجرة أبناء الرسول. وهو مطبوع؟ وقد وصفه الشيخ أحمد توفيق المدني بقوله: (صديقنا الفاضل القاضي النزيه) وأخبر المدني كذلك أن (سلسلة الأصول) فيه فوائد تاريخية جليلة، ولعل المقصود بالتاريخ هنا الأنساب على الخصوص. وذكر مصدر آخر أن لحشلاف كتابا في الأشراف والأنساب عنوانه (بهجة الأنوار في نسب آل بيت النبي المختار) وقيل إنه ذكر فيه بعض العائلات الشريفة في الجزائر (٢). ٨ - وقد ألف الشاعر عاشور الخنقي كتابه أو ديوانه منار الإشراف ونظم عدة قصائد في أنساب البوازيد وأولاد نائل وغيرهم. ويمكن القول إنه (تخصص) في موضوع الأشراف في وقته، ونصب نفسه للدفاع عنهم، واعتبر عصاتهم من المغفور لهم. وقد لاقى في سبيل ذلك العنت والإرهاق والسجن، وهاجمه بعض المعاصرين هجوما عنيفا، ومهم محمد الصالح بن

стр. 3348

مهنة، ومحمد بن عبد الرحمن الديسي (١)، وربما الشيخ الطيب العقبي أيضا. واعتصم هو بذوي النفوذ والجاه في الجزائر وغيرها. فناصره الشيخ محمد بن بلقاسم الهاملي والشيخ السعيد بن زكرى وأحد قياد القل، كما اعتصم بالشيخ أبي الهدى الصيادي نقيب الأشراف في السلطنة العثمانية على عهد السلطان عبد الحميد الثاني، وببعض أعيان المغرب الأقصى أيضا. ومهما يكن من أمر، فقد نعت الشاعر عاشور الخنقي نفسه بأنه (كليب الهامل) أي المنافح والمدافع عن الشيخ الهاملي والزاوية الرحمانية هناك، وبأنه خادم الأشراف ومقبل نعالهم، وقد أثار زوبعة في الجزائر آخر القرن الماضي وظلت متصلة إلى العشرية الأولى من هذا القرن. وكان موضوع النسب الشريف هو أساس هذه الزوبعة. ولعل الذي ساعد على انتشار صداها أن عاشور قد أعلن عن فكرته في الوقت الذي كان فيه الفرنسيون يرون الخطر كل الخطر في بقايا الطرق الصوفية. وكانوا يدرسون كيفية التغلب عليها واختراقها وتطويقها ومعرفة شبكاتها الخارجية، حسب دعواهم. ولكن السبب المباشر، فيما يبدو، هو نشر ابن مهنة بعض الآراء النقدية لما جاء في رحلة الورتلاني عن الأشراف (٢). ومنذ ١٨٩٧ كتب ديبون وكوبولاني عن قضية عاشور الخنقي/ وابن مهنة، وما انجر عنها من مؤيدين ومعارضين، وذكرا أن السلطات الفرنسية قد تدخلت (لتهدئة الأوضاع). ولم يذكر المؤلفان المشار إليهما اسم عاشور ولا ابن مهنة، ولكن القرائن تدل على ذلك. ونفهم من النص أن ابن مهنة قد اشتكى من عاشور الذي اعتبره خارجا عن الدين (زنديقا). وقد وصف ديبون وكوبولاني ابن مهنة بأنه (رجل دين عميق الديانة) وأنه كان قد كتب على هامش أحد الكتب (رحلة الورتلاني) التي تتحدث عن الأشراف بأن الشريف الحقيقي هو الذي يخشى الله، أما الشريف المزيف كالذي يرتكب الجرائم

стр. 3349

والسرقات، فلا يستحق أي تقدير، وكل الأديان متفقة على ذلك. ولا شك أن هذا الكلام، وإن كان في ظاهره حقا، يساعد الفرنسيين الذين كانوا يرون أن سبب (التعصب) في الجزائر والثورات ضدهم هم الأشراف المزيفون (١). وعندما قرأ عاشور تعليق ابن مهنة على الأشراف ثارت ثائرته وهجاه بالشعر اللاذع، وسلط عليه لعنات السماء، حسب تعبير ديبون وكوبولاني، واعتبره قد تجرأ على مقام الأشراف الذين قال إنهم سواء عدلوا أو ظلموا فالله يغفر لهم، بل مغفور لهم قبل وجودهم. وسمى ديبون وكوبولاني عاشور (إخوانيا) أي أنه كان منتميا إلى إحدى الطرق الصوفية، وهي هنا الرحمانية التي كانت فرنسا تعتبرها على رأس قائمة أعدائها، سيما إذا عرفنا أن عاشور كان قد تلقى الورد على الشيخ الحداد نفسه في سجن قسنطينة، كما قال. وقد انقسم الناس فرقتين حول هذا الموضوع الحساس عندئذ. وانتشر شعر عاشور في مدح الأشراف وهجاه ابن مهنة. ولا ندري مشاركة هذا في الموضوع بعد تعاليقه على رحلة الورتلاني وشكواه من تهجمات زميله. فهل كتب ابن مهنة أيضا ضد عاشور أو اكتفى بدروسه في الجامع الكبير بقسنطينة وتآليفه التي دعا فيها إلى الإصلاح والابتعاد عن الخرافات. ولكننا نعرف أن الموضوع قد تطور بينهما إلى فصل ابن مهنة نفسه عن وظيفه سنة ١٩٠٥ وتفتيش منزله واتهامه بانتقاد الحكومة وتنظيماتها، واحتجاز كتبه فترة من الوقت، ثم عفى عنه ورجع إلى عمله، ولكن حياته لم تطل بعد ذلك. فهل ذلك يرجع إلى صراعه ضد خصومه من أنصار الأشراف مهما كان حالهم، بل من أنصار الركود الذي يحاول هو أن ينفيه عن الناس، ومن ثمة تكون الإدارة الفرنسية لها ضلع أيضا في الموضوع. ومهما كان الأمر، فإن هذه الإدارة كانت هي الرابحة في النهاية، لأنها عرقلت عمل الرجلين وضحت بهما معا حين أدخلت عاشور السجن ونفته سنوات طويلة، وعزلت ابن مهنة عن جمهوره وتلاميذه بعض الوقت، رغم أنه كان (عميق الديانة) كما قال ديبون

стр. 3350

وكوبولاني (١). وقد كتبت جريدة (الأخبار) أن ابن مهنة قد تراجع عن انتقاد الحكومة، وأن موقفه كان يتعلق بالعقائد (الدين والأشراف) وليس بالسياسة، ولذلك أعادته السلطات الفرنسية إلى وظيفه (٢). وكان ذلك من تلاعب إدارة الشؤون الأهلية بأعيان المسلمين لترويضهم. لا نريد هنا أن ندرس حياة عاشور ولا حياة ابن مهنة، بل سنكتفي بوصف كتاب (منار الإشراف) باعتباره من كتب الأنساب (٣). بدأه بمقدمة مسجعة وطويلة تدل على تمكن عاشور من اللغة والأدب التقليدي في ذلك الوقت الجدب. وكان قد تثقف في الخنقة ونفطة وكانت له موهبة قوية في الحفظ والاستيعاب. وقد أشاد في المقدمة بآل البيت، عصاتهم وظالميهم، وحييهم وبذيهم، وبرئيهم وجريمهم، وذكيهم وغبيهم. (على أن الإيمان وما يعلق به من الأوصاف معلق كتابا وسنة وإجماعا على القوةة في الأشراف). وذكر أن الكتاب (الديوان) يشتمل على خطبة وخاتمة بينهما خمسة تصانيف، وهي أربع قصائد في فضل عصاة الأشراف ومواليهم من الأطراف. كما ذكر أن الكتاب موجه للرد على ابن مهنة (عدو) الأشراف، حسب تعبيره. وقد وصفه بمختلف الأوصاف البذيئة، وأطلق عليه أسماء الزنادقة ونحوهم مثل مسيلمة الكذاب، وأبي جهل، وابن سلول، والغريب أنه اعترف بأن الذي أوعز إليه بالرد على ابن مهنة هو الشيخ محمد بن بلقاسم الهاملي (الشريف الحسني البوزيدي) حتى لا يقتدي ضعفاء العقول بابن مهنة. وبعد خطبة الكتاب التي استغرقت ٥٢ صفحة، ذكر قصيدة (حسن الأمل) التي يسميها الكبرى، وقصيدة (كشف الخفاء) المختصرة من الأولى،

стр. 3351

وقصيدة (أعجوبة الإطراف) المخمسة للسابقة، وقصيدة (غاية الإنصاف) التي يسميها صغرى الصغرى. وهذه هي القصائد الرئيسية التي تناول فيها موضوع الأشراف وأنسابهم وفضائلهم. أما ما جاء بعد ذلك فهو نوع من الإضافات (١). وقد انتصر في القصيدة الكبرى (حسن الأمل) إلى السلطات العثمانية، والغريب أننا لا نجد أية إشارة إلى اسم الأفغاني في شعر الخنقي الذي رجعنا إليه، بينما وجدناه يشيد بالسلطان عبد الحميد، ويعتبر آل عثمان من الأشراف، ونوه بأبي الهدى الصيادي، نقيب الأشراف في اسطانبول وشيخ الإسلام بها، كما قال. ونفهم من كلام عاشور أن ابن مهنة قد يكون رد على كتاب لأبي الهدى الصيادي اسمه (ضوء الشمس) واتهمه بالكفر وشنع عليه. وإذا عرفنا مكانة الصيادي في الدولة العثمانية والعالم والإسلامي علمنا مدى اتساع الموضوع الذي طرقه كل من ابن مهنة وعاشور، سيما في تلك الفترة (العشرية الأخيرة من القرن الماضي) التي اشتد فيها الاهتمام الفرنسي بالعالم الإسلامي (٢). والشخصيات الأخرى التي مدحها كرر فيها النسب الشريفي أيضا، من ذلك مدحه لأبي التقى، ومحمد السعيد بن زكرى، وعبد القادر بن رزيق. ففي الأول - وهو دفين برج بوعريريج - قال إنه نظم القصيدة (استشفاعا به عند الملك الوهاب)، وأبو التقى ممن قدم من فاس: إليك أبا التقى مولى الموالي ... حقيق، لو دروا، شد الرحال لينتجعوا هماما هاشميا ... سريا من ذؤابة خير آل شريفا فاطميا حيدريا ... سلالة تاج أرباب الكمال (٣) وفي ابن زكرى الذي سعى إلى إخراجه من السجن وعودته إلى الحياة

стр. 3352

العامة. وكان ابن زكري من أهل زواوة ومن أشرافهم، كما قال عن نفسه وأكد ذلك عاشور الذي اعتبره من آل هاشم ومن الأدارسة: إلى العلم الفرد السعيد محمد ... سليل أبي العباس قطب الورى الزكرى خليفة عليا هاشم في خلالها ... بقية افتاء الأدارسة الزهر (١) أما عن ابن رزيق فقد خصه بقطعة نوه فيها أيضا بشرفه، واعترف أنه هو الذي انتشله من براثن الجوع في قسنطينة، وساعفه (حالا ومالأ) فقال فيه: لله عبد القادر بن رزين ... مفتاح أغلاق العنا والضيق ولد الفتى الفياض زين العابدين ... ابن الحسين ابن النبي المصدوق (٢) ولعاشور قصيدتان في أشراف البوازيد الذين يقول إنه منهم، وكذلك شيخه الهاملي. واعتبرهم من أقطاب السياسة والقطابة أيضا. والقصيدة الأولى رائية ومذكورة في (المنار)، والثانية دالية، وقد عثرنا عليها في سريانة. وقد نقل شرف البوازيد عن ابن فرحون وأبي راس وغيرهما. وهم، حسب دعواه، منتشرون، من جبل عمور غربا إلى بسكرة شرقا: جد البوازيد الضراغمة الذي ... بالأربعينات استبد عن البشر وعلى الرياسة والسياسة لابسا ... تاج الخلافة أربعون على ظفر وعلى القطابة في السياحة أربعون ... مسلما لأخيه فيما قد شجر (٣) وفي الدالية كرر شرف البوازيد وافتخر بأصله وسماها (العقد الفريد في فضائل البوازيد)، وهي طويلة، ويذهب إلى أن آل عثمان والمقرانيين والشيخ الهاملي منهم. ومهما كان موضوعها فالقصيدة تعتبر من عيون الشعر في ذلك الوقت، وقد قالها سنة ١٣١٤ (١٨٩٦). وبدايتها: أبرق على وادي جدي يصعد ... فبشر أن الحي بالري مسعد

стр. 3353

أم انهل نور من منارة خالد ... يدل على أن البلاد ستسعد وما سائر الأشراف إلا جواهر ... ونحن البوازيد اليتيمة تفرد (١) ٩ - قصة أولاد عبدي وأولاد زيان، تقييد كتبه صالح باي بن محية (كذا) بن عمر، وهو أحد كتاب (خوجات) المكتب العربي في أولاد عبدي، أواخر القرن الماضي. ولم نطلع عليه ولكن من اطلع عليه نقل عنوانه الكامل هكذا (هاته أوراق فيهن (كذا) قصة أولاد عبدي وأولاد زيان من دخولهم إلى هنا عام ٤٤٣ إلى هذا الوقت، وفيهن قصة بورك بن علي، سنة ١٨٩٣). ولا نعرف أن هذا التاريخ هو تاريخ كتابة التقييد أو تاريخ قصة بورك بن علي (٢). ويبدو أن عرض صالح باي من تقييده، هو بيان أن أولاد عبدي قد حافظوا على عاداتهم القديمة، دون أن نعرف الآن ما هي. وقد جاء ذلك في وقت كان فيه المستشرقون الفرنسيون يركزون على دراسة اللهجات المحلية ويصنفون (الأهالي) حسب أصولهم. ١٠ - تاريخ الأشراف، لإبراهيم العوامر، ولعله هو الجزء الخامس بالأنساب والذي نشر مع كتاب (الصروف في تاريخ الصحراء وسوف) لنفس المؤلف. وعلى كل حال فقد ظهر باب الأنساب ضمن كتاب الصروف. ولم يظهر فيه أنه مهتم بالأشراف، وإنما الأنساب من حيث هي. فإذا كان له كتاب آخر عن الأشراف فإننا لم نطلع عليه ولا ندري من أشار إليه غير عادل نويهض (٣). وفي باب الأنساب تحدث إبراهيم العوامر عن قبائل سوف وأصولها وعددها وأماكن استيطانها. ونوه بالأنساب ونادى بضرورة معرفتها وحفظها. وبناء عليه فإن قبائل سوف كلها عربية، ومعظمها طرود وعدوان وفروعهما

стр. 3354

ومن والاهما. وبعد أن تحدث عن نسب بني هلال وبني سليم ذكر القبائل بالتفصيل في كل بلدة من بلدان سوف المعروفة في وقته، وهي: الوادي، وكوينين وقمار وتاغزوت والدبيلة وسيدي عون والزقم والبهيمة، وكذلك القبائل المجاورة مثل الربايع والشعانبة. ولا شك أن منطقة سوف تشمل الآن بلدانا أخرى كثيرة العمران من مختلف القبائل القديمة والطارئة مثل: الرقيبة وورماس وغمرة والتجديدة. وليس كل ما ذكره إبراهيم العوامر محل تسليم من الباحثين، ولكنه كان خبيرا بهذا العلم واستعان على ذلك بالمصادر المختلفة، وتلك كانت خلاصة أبحاثه (١). ١١ - مزيل الخفاء (انظر تواريخ الجنوب). ١٢ - تذكرة المبادى في خبر المعاش والمعاد تأليف عبد الكريم بن أحمد (انظر تواريخ الجنوب). ١٣ - تاريخ سيدي مبارك بن ناجي، دفين خنقة سيدي ناجي. ذكر غوستاف ميرسييه أنه حصل من القايد الأخضر بن حسين على مذكرة عن تاريخ العائلة، ولا سيما أصل جدهم سيدي ناجي. واعترف ميرسييه أنه حذف منها ما يتصل بتاريخ العائلة بعد الاحتلال الفرنسي (ربما للزلفى التي استعملت بهذا الصدد) وإظهار خدماتها لفرنسا. ثم ترجم الباقي من المذكرة وجعل لها عنوانا هو (أصل سيدي المبارك بن قاسم بن ناجي، تاريخ ظهوره). وبناء على المذكرة فإن الأصل يرجع إلى الخليفة الثالث عثمان بن عفان، فقد هاجر أجداد سيدي ناجي من المدينة المنورة إلى سورية في العهد الأموي، وبقوا هناك إلى ظهور العباسيين، ثم انتقلوا مع الأمويين إلى الأندلس. وبعد سقوط الأندلس هاجر أجداده إلى تونس. وفي تونس عاش

стр. 3355

سيدي قاسم وسيدي ناجي. وبعد وفاتهما غادرها سيدي مبارك إلى ورقلة حيث كثر أتباعه، ثم جاء إلى ناحية بسكرة حيث استقر فترة وحصل هناك على الأرض، وفي سنة ١٦٠٢ انتقل إلى صحراء الزاب الشرقي وأسس زاوية سيدي ناجي في الخنقة وعمرها وأنشأ قناة للسقي. وتوفي سنة ١٦٢١. ويبدو أن إنشاء الزاوية كان يرجع، كما لاحظ المترجم ميرسييه، إلى الصراع الذي حصل مع الشابية، وقد تولى الابن الثالث لسيدي مبارك شؤون الزاوية واسمه سيدي أحمد، وهو آخر ولد من أولاد سيدي مبارك، وأحمد هذا هو جد عائلة ابن حسين بن ناصر. وقد عظم شأن الزاوية واشتهرت في عهد أحمد. واعترف به دايات تونس وأعفوه من الضرائب، سيما يوسف باشا ومحمد باشا. ومحمد باشا هو الذي حارب الخنانشة سنة ١٦٤٤ وأخضعهم. وقد مات أحمد بن ناصر سنة ١٦٦٧، فخلفه ابنه محمد الطيب وتوفى هذا سنة ١٦٩٥، وترك إبنين هما سيدي عبد الحفيظ وسيدي محمد الذي تولى مكان أبيه. وأما عبد الحفيظ فقد غادر الخنقة واستقر في المزارع. وهكذا تستمر الوثيقة تتحدث عن الحفداء إلى عهد محمد الطيب بن حسين الذي كان في عهد الحاج أحمد، آخر بايات قسنطينة. وهو الذي كان موجودا أثناء الاحتلال. وقد منح الفرنسيون إلى عبد الحفيظ ظهيرا يثبته على ما هو عليه. ثم تحدثت الوثيقة عن وضع الخنقة أثناء مقاومة الأمير عبد القادر، وفي عهد خليفته الحسين بن عزوز، الخ (١). ١٤ - كتاب مجموع النسب والحسب والفضائل والتاريخ والأدب في أربعة كتب، من جمع وتأليف الشيخ محمد الهاشمي بن بكار، مفتي معسكر في وقته (١٩٦١). والكتب الأربعة التي يعنيها هي: القول الأعم للطيب بن المختار، وكتاب النسب للعشماوي، وشرح منظومة التجيني لابن الأعرج، وقد أتينا على ثلاثتها. أما الرابع فهو منظومة ابن بكار نفسه مع حاشية وضعها بنفسه عليها، وقد سمى ذلك (نسمات رياح الجنة ...).

стр. 3356

وقال ابن بكار عن نفسه إنه من الأشراف، وأنه حسيني، بالإضافة إلى كونه راشديا غريسيا، وكان من أتباع الطريقة الطيبية الشاذلية. وقد سبق للطيب بن المختار أن ذكر بعض أجداده، وأكد ابن بكار أن التاريخ من أبرز العلوم، وعرفه تعريفا قديما غامضا، فقال إن جهابذة كل أمة وطبقة من الأجيال قد اعتنت به، ولكنه لاحظ، عن حق ربما، أن أهل زمانه قد فقدوا الاهتمام بالتاريخ والأدب، وأخبار الأوائل والنسب. (وعطلت فيه (أي الزمان) مشاهد العلم العربي ومعاهده). وقد دفعه إلى نشر الكتب المذكورة الخوف عليها من الضياع إذ أن طبعها ينقذها من الإهمال والتلف. وقال إن هدفه من ذلك هو (خدمة للعلم والدين والوطن) (١). ١٥ - ذكر الشيخ محمد السعيد الزواوي (أبو يعلى) سنة ١٩٤٧ أن له كتابا بعنوان أصل البربر بزواوة. وقد كتب ذلك بعد علاجه في مقاله لمسألة البربر والمازيغية تعليقا على ما نشره السيد محمد المهدي بن ناصر التونسي حول الموضوع. وأكد الزواوي أن أصل البربر من حمير وأنهم عرب قحطانيون أو عرب عرباء. ورجع إلى خبرته (وهو منهم) وإلى نسابتهم، ثم إلى المؤرخين المسلمين أمثال ابن حزم وابن خلدون، بالإضافة إلى المدني والميلي (٢). ولا ندري إن كان (أصل البربر بزواوة) هو نفسه الكتاب الذي ألفه الزواوي سنة ١٩١٨ بالقاهرة وطبعه في دمشق، سنة ١٩٢٤ بعنوان (تاريخ الزواوة). ومهما كان من أمر فإن أصل هذا الكتاب هو المشروع الذي فكر فيه الزواوي منذ ١٩١٢ حين كان يعمل بالقنصلية الفرنسية بدمشق (٣). وقد كتب المشروع وأرسله إلى الشيخ طاهر الجزائري الذي كان لاجئا في مصر،

стр. 3357

وطلب منه أن يكتب تاريخا على ذلك النسق لزواوة، نظرا لشهرة الشيخ طاهر وخمول الزواوي. ثم وقعت الحرب العالمية وانتقل الزواوي أيضا إلى القاهرة، والتقى بالشيخ طاهر، بل ومكث معه خمس سنوات. وكان من الطبيعي أن يرجع الحديث بينهما عن تاريخ الزواوة. ويبدو أن الشيخ طاهر كان منشغلا بأمور السياسة وغيرها، أو كان غير مقتنع بالمشروع عندئذ، فوجه الزواوي إلى كتابة عمل آخر يفيد أهل زواوة وهو التعريف بلغتهم وقواعد نحوها. وقام الزواوي بذلك ونشر عدة مقالات في (المجلة السلفية) بمصر. ولكن فكرة تاريخ الزواوة لم تفارقه أيضا. وهكذا عكف على تأليفه وانتهى منه سنة ١٩١٨ كما ذكرنا، أي قبل رجوع الشيخ طاهر إلى دمشق ووفاته فيها سنة ١٩١٩ (١). ونحن لن ندرس (تاريخ) الزواوة، ولكن أنسابهم، كما جاءت في كتاب الزواوي المذكور. فقد خصص الفصل الثاني منه إلى هذا النسب، وخصص الثالث لذكر محامدهم وخصائصهم. ويذكر الزواوي نفسه أنه شريف النسب من بني هاشم وأن مولده ومنشأه بزواوة، وأنه قرأ في زواياها. وقال في الديباجة إن هناك من طلب منه القيام بتحرير هذا التاريخ وإنه سيقتصر فيه على (تبيين نسهم وذكر شيء من فضائلهم وما قيل فيهم وما كان لأوائلهم). وهدفه من ذلك، وهو أيضا هدف من طلب منه الكتابة في الموضوع، هو الرد على القائلين بأن الزواوة برابرة رومان. (فانتدبني كثير من الزواوة (٢) لتحرير شيء بما يتعلق بهم وبنسبهم). وقد ذكرنا في غير هذا أن السياسة الفرنسية كانت قائمة عندئذ على فصل الزواوة (القبائل) عن بقية الجزائريين بدعوى أن الزواوة من جنس غير البربر وغير العرب. والغريب أن

стр. 3358

الزواوي في (تاريخ الزواوة) قد عدل عن رأيه فيهم في مشروعه المذكور (سنة ١٩١٢) إذ اعتبرهم عندئذ من الجنس الآري، كما كان شائعا في الأدبيات الفرنسية. فهل أثر عليه في ذلك الشيخ طاهر الجزائري بعد لقائه به في القاهرة؟ أو اقتنع هو بعد البحث وأدرك المخطط السياسي الفرنسي؟. ومهما كان الأمر، فإن الزواوي قد ساق عدة آراء في أصل الزواوة، ومنها رأي الشيخ طاهر، وكان ذلك سنة ١٩١٥ حين لقائهما في مصر. فقد أخبره الشيخ طاهر أن الزواوة تمتد مواطنهم من طرابلس الغرب إلى قصور كتامة بالمغرب الأقصى. وحين عارضه الزواوي بأن الزواوة في الواقع المشاهد هم (سكان جرجرة اليوم)، أجابه الشيخ طاهر بأن ذلك غير صحيح لأن (العرب لما احتلوا افريقية اختلطوا بهم، والحال أنهم (أي الزواوة) عرب الأصل من اليمن، من شعوب حمير، ولغة حمير غير لغة مضر ...) (١) وأضاف الزواوي أن قبائل الزواوة كثيرة، وأن مواطنها بين خليج الجزائر إلى بجاية، وهي إحدى عواصم الزواوة، ثم إلى جيجل. (نصف دائرة، فهؤلاء هم المعروفون والمشهورون بالزواوة). وقد أوضح الزواوي أنه قضى في البحث عشر سنوات عن أصل الزواوة ونسبهم لكي يجيب على ما إذا كانوا عربا أو بربرا. وهذه هي نتائج بحثه، كما قال. وقد رجع إلى من كتب قبل ابن خلدون وإلى من كتب بعده، مشارقة ومغاربة. ثم رجح الاعتماد على ابن خلدون في نسب الزواوة لعدة اعتبارات منها: أن ابن خلدون مغربي - أندلسي - يمني، وأنه درس في بجاية، وأنه جاء إلى زواوة مبعوثا من قبل أحد السلاطين، وأنه عمل حاجبا لأبي عنان المريني، وأن أحد أساتذته زواوي. وهكذا يصبح ابن خلدون أكثر علما بأهل زواوة من غيره وهو لذلك (أحق الشهادة عليهم، مع أدلة أخرى وبراهين قاطعة). ومن أقوال ابن خلدون في ذلك أن كتامة وصنهاجة من شعوب اليمن،

стр. 3359

جاء بهما افريقش بن صيفي مع من أنزل بإفريقية من الحامية. كما ذكر ابن خلدون أن الزواوة من كتامة، وبذلك يكون الزواويون من العرب العرباء، أي القحطانية الحميرية، فهم أبناء يعرب بن قحطان (١). وفي رأي الزواوي أن هناك شواهد تؤكد ذلك، منها الأسماء والأعلام اليمانية الباقية إلى الآن في زواوة. من ذلك ما وجده في بعض المصادر (الرحلة الحجازية) من أن الذي بنى سد مأرب الشهير هو (آيت عمرو، ملك سبأ)، والمعروف أن سبأ هو أخ حمير. وقد لفتت لفظتا (آيث عمرو) نظر الزواوي لأنهما مستعملتان في الزواوة. ثم استشهد باسم (تيزي أمقران) الموجود علما على قرية أو مكان شرقي الخليج العربي - الفارسي. ومن ذلك تشابه الخط الحميري والبربري (الخط المسند) (٢). ومن ذلك أيضا كلمة (ذو) المشهورة في اليمن والتي استعملها الحميريون حتى سموا بالأذواء، ومنهم يزيد بن النعمان المعروف ذو الكلاع، ورأى الزواوي أن أصل ذلك هو كلمة (آيث) التي تعني (ذوي) عند الزواوة. والخلاصة عنده أن كتامة وصنهاجة من حمير وأن حمير يرجع إلى يعرب بن قحطان. (فالزواوة إذن عرب مستعربة وعرب عرباء بأصلهم المتقدم). فهم عرباء لأنهم حميريون وهم مستعربة لأنهم دانوا بالإسلام والقرآن الذي نزل على محمد ﷺ ، وهو من ولد إسماعيل المستعرب (٣). وأخيرا نذكر أن الزواوي قد أهدى كتابه إلى شخصية شريفة أيضا، تقيم في الناحية وتحتفظ لنفسها بنسب قديم، وهو أحمد بن علي الشريف (الهاشمي العلوي الفاطمي الزواوي). وقد خاطبه بقوله: (مولاي، كان

стр. 3360

لتاريخ الزواوة شأن عظيم وأنتم من الأعاظم، وكان لهم نسب كريم، وأنتم من الأكارم ... فأهديه إلى سيادتكم العظمى، ولكم فيه الكلمة العليا). تواريخ محلية (شرق البلاد) (١) نقصد بالتواريخ المحلية في النواحي الشرقية المؤلفات التي تعرضت إلى قسنطينة وإقليمها المعروف في العهد الحفصي والعهد العثماني وأثناء الاحتلال الفرنسي إلى منطقة زواوة غربا. وفي هذا المجال ستجد أن المؤلفات قليلة، ومعظمها تناولت مدينة قسنطينة نفسها. ولا نكاد نجد تواريخ عن عنابة وتبسة وسطيف وغيرها من المدن أثناء الاحتلال. ولكن الفرنسيين استكتبوا الجزائريين في ذلك وأصدروا مؤلفات حولها، فيها معلومات تاريخية من وجهة نظرهم وغيبوا آثار الجزائريين التي اعتمدوا عليها، كما فعل شارل فيرو بالنسبة للسلسلة التي سماها مدن الشرق الجزائري. وسنتبع نفس الطريقة التي اتبعناها في الأنساب. فنذكر ما نعلم عن المؤلفات والمؤلفين، وإذا عدمنا هذه المعلومات اكتفينا بذكر العنوان والإشارة إلى المصدر، تاركين ذلك للباحثين اللاحقين ليكملوا الموضوع. ١ - الفريدة المؤنسة أو تاريخ بايات قسنطينة في العهد العثماني، من الاستيلاء العثماني على قسنطينة إلى احتلالها من قبل الفرنسيين وسقوط نظام الحاج أحمد باي. والمؤلف وهو محمد الصالح العنتري، كان من عائلة خوجات وموظفين في الإدارة العثمانية. وكان أبوه من أعيان المدينة وقيل إن الحاج أحمد قتله عند التحضير للحملة الفرنسية، لأنه أرسله إلى قائد الحملة نواحي قالمة للتفاوض، وعندما رجع أحمد العنتري هول عليه ضخامة الأسلحة والجيوش الفرنسية فاتهمه بالعمالة. هكذا دخل الابن (محمد الصالح) إلى موضوعه، فكان متحمسا لكتابة تاريخ يشنع فيه على الحاج

стр. 3361

أحمد وسلفه ويبرر الاحتلال الفرنسي وخدمته هو للمحتل الجديد. وكان الضابط بواسوني، في الحقيقة هو الذي طلب منه كتابة هذا التاريخ، إذ كان بواسوني من الارستقراطية العسكرية، ومن الضباط المهتمين بالدراسات العربية وتاريخ المنطقة، وكان رئيسا للمكتب العربي (بلدية عسكرية) منذ إنشائه في قسنطينة حوالي ١٨٤٣. وقد نشر هو نفسه بعض المؤلفات مثل (الفارسية) لابن قنفذ (١). ويبدو أن العنتري قد ألف عمله وهو شاب مندفع، إذ بقي على قيد الحياة إلى ما بعد سة ١٨٧٧. وقد اعتمد على وثائق أبيه، وكان هذا الأب أيضا مهتما بالتاريخ وله فيه بعض التقاييد. وكان العنتري (الابن) من أصحاب الخطوط الجيدة، وقد رأينا ذلك. وتلك عادة الخوجات قديما. ولا شك أنه استفاد أيضا من وثائق المحاكم والعائلات. وقد كتب عمله بأسلوب بسيط ومنظم. وهو في الواقع لا يؤرخ للعصر والمدينة والناس، ولكنه يذكر البايات حسب تواريخ ولايتهم وما حدث في زمن كل واحد منهم وما أنشأ كل باي من مآثر. وقد خصص للحاج أحمد قسما كبيرا في الكتاب، لأنه من جهة يهم الفرنسيين ولأن العنتري نفسه قد عاصر جزءا من عهد هذا الباي. ومنذ ظهور كتاب العنتري، الذي طبع حوالي ١٨٤٧ في قسنطينة بالعربية (٢)، أخذ المترجمون وضباط المكاتب العربية ينقلون عنه دون ذكره أحيانا. ومن هؤلاء فايسات الذي كان مترجما ومدرسا في قسنطينة، فقد التهمه التهاما في عمله الذي سماه (تاريخ بايات قسنطينة في العهد العثماني) ثم أرنست ميرسييه (٣) الذي أرخ لقسنطينة، وكذلك شارل فيرو. ويبدو أن المترجم أحمد (نيقولا) الأنبيري قد استفاد منه أيضا في كتابه المسمى (علاج السفينة). ويمكن القول إن تاريخ العنتري، رغم شباب مؤلفه وسرعة تنفيذه، بقي مصدرا هاما لتاريخ قسنطينة وإقليمها. ولم يكن العنتري مؤرخا، ولكنه كان مكلفا بكتابة

стр. 3362

تاريخ، وكان شغوفا بالوثائق والمراجع، وله استعداد للتحرير والنقد. وبعد حوالي قرن من صدور (الفريدة المؤنسة) قام المستشرق دورنون بترجمتها إلى الفرنسية. وأشار إلى أن زملاءه، مثل فايسات وميرسييه، قد اعتمدا على العنتري في مؤلفاتهم. ومن ثمة يمكن القول إن دورنون قد أنصف العنتري ولكن بعد موت زميليه (١). ٢ - تاريخ حاضرة قسنطينة، تأليف أحمد بن المبارك (٢). وقد نشره نور الدين عبد القادر. ولعل العنوان من وضع الناشر (المحقق) وليس من وضع المؤلف. ويغلب على الظن أن تاريخ الانتهاء من التأليف هو ١٨٥٢. وبذلك يكون تاريخ تأليفه قريبا من تاريخ تأليف زميله محمد الصالح العنتري. ورغم صغر حجم التأليف فقد ضم معلومات طيبة عن مدينة قسنطينة. وهو نوع من التاريخ والآثار والذكريات العامة والأحداث البارزة التي عرفتها قسنطينة وإقليمها. وبذلك يجد فيه القارئ معلومات غير موثقة أحيانا، عن بعض المدن مثل باغاي، ونقاوس، وحروب الكاهنة، وهجوم أبي عنان المريني، وهجوم مراد باي تونس، وابن الأحرش، وحمودة باشا، بالإضافة إلى الحديث عن بعض البايات ابتداء من حسن كيلاني المعروف بوكمية. وكان ابن المبارك يذكر ما وقع في عهد كل باي، وقد ختم عمله بالحديث عن الشيخ فتح الله وأحمد القبائلي. ويشعر المرء أن الكتاب غير منته، وأنه قابل للتوسع والإضافات، لأن خطته ربما كانت كذلك. فهو ليس كتابا بالفصول والأبواب المضبوطة. ومن الملاحظ أيضا أن أحمد بن المبارك

стр. 3363

قد أقدم على عمله بطلب من أحد الفرنسيين، ويغلب على الظن أنه هو نفس الضابط بواسوني الذي سبق ذكره مع العنتري. وخلافا للعنتري، فإن أحمد بن المبارك لم يجد، كما قال، الوثائق والمراجع التي يعتمد عليها. فاعتمد على الروايات الشفوية. ويقول نور الدين عبد القادر، انه لم يذكر سوى ابن أبي دينار القيرواني، صاحب (المؤنس)، ولكنه قد يكون اعتمد على مراجع أخرى لم يذكرها. والمعروف أن البكري والإدريسي وليون الإفريقي (الحسن الوزان) وغيرهم قد وصفوا قسنطينة. ولم يهتم ابن المبارك بحياة العلماء والدين والطرق الصوفية والأدب، ولعل بواسوني هو الذي خطط له الكتاب وطلب منه أن يسجل فقط أخبار الفتن والحكام الذين أحسنوا الحكم أو ظلوا. وهذا هو المهم للفرنسيين في ذلك الوقت، وربما كان ذلك هو ما يفسر استعمال ابن المبارك لعبارة (هذا زمان القبطان بوسنة)، وهو بواسوني، الذي أذاعت السلطات الفرنسية عنه على لسان العامة أن زمنه (أي ولايته على المكتب العربي الحاكم في قسنطينة) كان زمان أمن ورخاء (١). وقد أخذ نورالدين عبد القادر ترجمة أحمد بن المبارك عن ألفريد دورنون. فقد كان هذا مديرا لمدرسة قسنطينة الرسمية، وهو من المستشرقين الذين تكونوا ربما على رينيه باصيه، وكان معتدلا في آرائه، سيما في أحكامه على المدرسين الجزائريين في ولاية قسنطينة، الذين كان عليه أن يفتشهم بحكم وظيفه كمدير للمدرسة المذكورة (٢)، خلافا لمعاصره ألفريد بيل، مدير

стр. 3364

مدرسة تلمسان. وبناء على دورنون فإن أحمد بن المبارك من مواليد قسنطينة سنة ١٧٩٠، وكان أصله من ميلة حيث أجداده وأخواله آل العطار. ولذلك نجده قد تربى في ميلة وأخذ بها مبادئ العلوم في زاوية العائلة حيث الطريقة الحنصالية. ولما رجع إلى قسنطينة واصل دراسته على علماء الوقت، وهم: عمار الغربي (جامع القصبة)، وعمار الميلي (جامع رحبة الصوف) ومحمد العربي بن عيسى (ناظر المدرسة الكتانية) قاضي البلاد في عهد الحاج أحمد، والقاضي أحمد العباسي الذي يضرب المثل بعلمه. ثم اشتغل ابن المبارك أيضا بالتجارة، وكانت هذه الحرفة تحمله إلى تونس حيث كان يشتري العمائم والحرير والعطور وغيرها ويبيعها في قسنطينة، وأثناء وجوده في تونس كان يحضر بعض دروس علماء الزيتونة، وهو تقليد سار عليه علماء الشرق الجزائري منذ القديم، وكانت دروس التوحيد هي المفضلة عنده. وقد حملته رجلاه في إحدى السفرات إلى الحج أيضا. وفي سنة ١٨٣٥ (أي قبل احتلال قسنطينة) توفي الشيخ العباسي، فعين أحمد بن المبارك مكانه مدرسا بالجامع الكبير، وأخذت شهرته تزداد بين الناس، وصادف ذلك خلو منصب الفتوى بعزل أو وفاة الشيخ المفتي محمد العنابي صاحب كتاب (كشف البضائع). ويغلب على الظن أن ذلك كان بعد احتلال المدينة بقليل، رغم أن دورنون لا يذكر التواريخ إلا نادرا. كما عين أحمد بن المبارك في عدة وظائف أخرى على يد السلطة الفرنسية، منها مساعد في المجلس الشرعي بقسظينة الذي كان يبت في أحكام القضاة، ومنها مدرس في المدرسة الرسمية (عربية - فرنسية) الي أسسها الفرنسيون منذ ١٨٥٠ والتي كان مديرها محمد الشاذلي، وجد استسلام الحاج أحمد، الباي السابق، سنة ١٨٤٨، جاءت السلطات الفرنسية بهذا الباي إلى قسنطينة قبل نقله إلى العاصمة عن طريق البحر. وفى تلك الأثناء اتصل به أحمد بن المبارك اتصالا يبدو أنه غير سياسي، ولكن الفرنسيين جعلوا من نزول الباي في المدينة مصيدة للمشبوهين في نظرهم، وهم أولئك الذين ما يزالون على ولائهم للباي أو يتعاطفون معه، ويقتضي ذلك معاداة الفرنسيين طبعا. فقام

стр. 3365

هؤلاء بعزل أحمد بن المبارك عن الفتوى، وهكذا بقي مدة بدون وظيف عقابا له، وفي أوائل الخمسينات وجدناه مدرسا في المدرسة الرسمية، كما ذكرنا. ويذهب دورنون إلى أن الشيخ ابن المبارك قد اغتنم فرصة العزل وقام بكتابة رسائل وكتب لا تعرف أعدادها ولا أحجامها ولا موضوعاتها. منها: شرح الجوهر المكنون للأخضري، وهو في البلاغة وفنونها (البيان والمعاني والبديع)، ومنها (سلم الوصول) الذي ذكرناه في أول هذا الفصل، والجوهرة الثمينة، ولعله هو تاريخ قسنطينة لأن عادة السجع تقتضي ذلك، ولأن المستشرق شيربونو الذي ذكر الكتاب بذلك العنوان قد نقل عنه، بعد أن استعاره منه، نصوصا حول حصون قسنطينة وأحداثها مع تونس (١). وهذا يصدق على تاريخ قسنطينة الذي لم يذكر له دورنون ولا نور الدين عنوانا يتلائم مع عناوين التآليف العربية التقليدية. ولابن المبارك أيضا. قصائد في الرثاء مثل التي قالها في شيخه أحمد العباسي. وقد أشرنا إلى أن ابن المبارك كان من أتباع الحنصالية، وهي طريقة مسالمة للفرنسيين قياسا، على غيرها. وكان مؤسسها في نواحي قسنطينة هو الشيخ أحمد الزواوي، أما أصلها ففي المغرب الأقصى. وقد أصبح الحاج ابن المبارك هو شيخ الحنصالية أيضا في قسنطينة (٢). ونجده قد وضع سلسلة لها تربطها بأصلها وفروع الطريقة الأخرى وتسندها. وقد توفي الشيخ ابن المبارك سنة ١٨٧٠ (١٢٨٧) في قسنطينة. ولعل الشاعر عاشور الخنقي من الذين رثوه (٣). ومما سبق تعرف أن الشيخ ابن المبارك لم يكن مؤرخا بالمعنى الدقيق للكلمة، بل ليس له إحساس بالتاريخ كالذي نجده عند زميله
следующие страницы →