التعليم قد أثبتت جدارتها وفعاليتها. فقام الميلي في ميله بما كان يقوم به ابن باديس في قسنطينة من تعليم وتوجيه وفتح نواد، ومهاجمة الطرقية، والكتابات الصحفية. وبالإضافة إلى توليه أمانة المالية في جمعية العلماء، تولى الميلي جريدة البصائر منذ تخلى عنها العقبي حوالي سنة ١٩٣٥. كما أن الجزء الثاني من تاريخه قد ظهر سنة ١٩٣٣. ودخل في مصادمات مع المعارضين للإصلاح في ميلة. وقد وصفته المصالح الفرنسية بأنه كان يقدم تعليما حيا وواسعا، وأن تلاميذه في ميلة يحبونه، وأنه أنشأ النادي الإسلامي الذي أصبح يدعو منه إلى الإصلاح الاجتماعي وتعلم اللغة العربية، كما أسس جمعية حياة الشباب. ولكنه وجد معارضة من بعض الموظفين الرسميين وعلى رأسهم إمام الجامع المدعو بوفامة (بوفيمة؟) وكذلك شيوخ الطرق الصوفية (١). وقد اتهمت السلطات الفرنسية الميلي باستعمال (العنف) في خطابه على غرار ما كانت تفعله مع العقبى في العاصمة. وفي ١٩٣٥ دعا الميلي إلى تأسيس مدرسة وجامع في ميلة وجمع لهما المال بالتبرعات، وأصبح مكانه هناك هو مكان الإبراهيمي في تلمسان والعقبي في العاصمة والتبسي في تبسة وابن باديس في قسنطينة.
وفي هذه الأثناء كان الميلي ينشر مقالاته عن الإصلاح الديني في البصائر، وهي المقالات التي نشرها بعد ذلك في كتاب بعنوان (رسالة الشرك ومظاهره) سنة ١٣٥٦/ ١٩٣٧. وقد تحدثت البصائر عن المرض (وهو السكر) الذي كان يعاني منه والذي أجبره على المعالجة في فرنسا. ولا نكاد نجد له نشاطا بعد توقف البصائر سنة ١٩٣٩ وإلى وفاته في ٩ فبراير ١٩٤٥ (٢). ورغم أن الجزء الثاني من تاريخه قد ظهر قبل هذا التاريخ بأكثر من عشر سنوات فإنه لم يواصل التأليف فيه ويخرج بقية الأجزاء. كما لا نعلم
стр. 3432
أنه ألف عملا اجتماعيا آخر بعد رسالة الشرك، رغم قلمه الخصب وفكره النير، وميله إلى التأليف والنشر. فهل المرض هو الذي كان وراء ذلك؟ أو كانت الأوضاع السياسية هي التي أسكتته كما أسكتت عددا من زملائه أيضا، أو هناك أسباب شخصية لا نعلمها، كالعزوف الذي يحدث أحيانا لبعض النشطين؟.
صدر الجزء الأول من (تاريخ الجزائر في القديم والحديث) سنة ١٣٤٧/ ١٩٢٩ (١) وتم طبعه في قسنطينة العاصمة الثقافية عندئذ وحيث بدأت حركة الاحتجاج والعرائض منذ القرن الماضي، ومن ثمة الارتباط بالتاريخ والتراث والحركة الإصلاحية. وقد اتبع الميلي منهجا جديدا في المؤلفات العربية عن الجزائر وهي استعمال التبويب وتقنيات البحث الحديثة. من ذلك أنه جعل كتابه في كتابين (جزئين): الكتاب الأول ويضم مقدمات وثمانية أبواب (أو فصول) هي: جغرافية الجزائر، وقدماء الجزائريين في العصر الحجري، وأصول البربر وقبائلهم، والفنيقيون وأخبارهم، والبربر وملوكهم، وأحوال البربر مع الرومان، ثم الوندال والروم وعلاقاتهم بالبربر. أما الكتاب الثاني الذي خصصه للعصر العربي، فيضم ستة أبواب (فصول؟) هي: الفتح الإسلامي في افريقية (ويسميه الاستيلاء العربي)، وبه انتهى الكتاب (الجزء) (٢) الأول. ويبدأ الجزء الثاني منه بالكتاب الثاني، ويضم ستة أبواب
стр. 3433
هي: تكوين الدولة الرستمية، ثم دول أخرى كانت لها علاقات بالجزائر هي: الأدارسة والأغالبة والفاطميون - العبيديون، ثم الحديث عن بني هلال (وهو منهم) وهجرتهم.
وقد ضم الجزء الثاني أيضا الكتاب الثالث وهو في العصر البربري، وتناول فيه ثمانية أبواب هي: بقية الفتوحات، والدول الإسلامية المتوالية إلى أن وصل إلى بني زيان والقرن ١٦. وهكذا لم يدرس الميلي العهد العثماني رغم طوله، ولا الاحتلال الفرنسي. فهل اعتبر هذين العهدين من حكم (الأجانب)؟ وقد رأى ابن أبي شنب أن عبارة (الحديث) الواردة في العنوان تتوقف عند القرن ١٦. والواقع أن المؤلف كان سيواصل مشروعه إلى أن يصل إلى العصر الحاضر الحقيقي لولا عوائق غير معروفة، وقد تساءلنا حولها فيما مضى. ولا شك أن مفهوم (الحديث) كان غير غائب عنه. وفي بداية الجزء الثاني أورد الميلي تنويه الأمير شكيب أرسلان بالجزء الأول إذ عبر أرسلان عن إعجابه الكبير به. (وأما تاريخ الجزائر فوالله ما كنت أظن أن في الجزائر من يفري هذا الفري، وقد أعجبت به كثيرا) (١). وفي آخر الجزء الأول أورد الميلي رسالة أستاذه عبد الحميد بن باديس في التنويه بالكتاب واقترح عليه تسميته (حياة الجزائر)، واعتبره (أول كتاب صور الجزائر في لغة الضاد صورة تامة سوية).
وكانت خطة الكتاب المعلنة في الجزء الأول هي اشتماله على أربعة كتب: وهي الثلاثة التي ذكرناها، أما الكتاب الرابع الذي لم يظهر فهو (في مصير أمر الجزائر إلى الأجانب وأحوالها في هذا الدور). ونفهم من ذلك أنه يعتبر الحكم العثماني أجنبيا. وهو يسمى العهود التاريخية أو الحقب بالأدوار. وكان يعرف أنه يؤلف أثناء حكم الأجانب (الفرنسيين)، ولذلك
стр. 3434
قال إنه يوجه كتابه إلى من يعتبرون ويتبصرون، ويطلب الرجاء بدل البقاء في اليأس. وكان غرضه الحث على العمل من أجل الوطن وسعادته، وهو كمصلح كان غير يائس ولا منتظر لنتائج عاجلة. ولكنه عبر عن أمانيه (١). وقد أهدى كتابه إلى الشعب الجزائري وشبابه والعاملين من أجله. وعبارة (الشعب الجزائري) نفسها جديدة عندئذ، فهي لا تعني عنده المفهوم الفرنسي الذي يعني المسلمين والأوروبيين ولكنه يعني الجزائريين الذين يسميهم الفرنسيون عندئذ الأهالي أو المسلمين. ولذلك اعتبر عمله (بلاغ للشبيبة عن وطنيتهم)، وقد سبق تعريفه للتاريخ وأهميته للأمم والشعوب. فالميلي يتحدث عن التاريخ الوطني والشعب الجزائري الموحد بالتراث والأرض والحركات السياسية والفكرية الماضية والآمال القادمة، وهو يعتبر الفرنسيين (أجانب) سواء كانوا مدنيين أو عسكريين.
إن الجدة في كتابة الميلي للتاريخ تظهر في عدة أمور، منها المنهج الحديث والتوجيه السياسي، واستعمال المصادر العربية ونقدها، واستعمال المصادر الأجنبية - الفرنسية - عن طريق الترجمة، واستخدام التقنيات مثل الخرائط والرسوم. والرد على نظريات المؤرخين الفرنسيين ومناقشة آرائهم دون إظهار التحيز لذاته. ونبه إلى ضرورة الابتعاد عن كتب الخرافات وتصديق كل ما جاء في الكتب القديمة، ودافع عن كون الإسلام نظاما حضاريا متكاملا، وركز على دور الشعب في التاريخ ولم يهتم كثيرا بالملوك والأعيان. ومن مراجعه الفرنسية (وعددها إثنا عشر مرجعا) بارجيس وقزال وقوتييه وميرسييه ومرمول، وفيرو. كما أنه رجع إلى الكتب العربية الكلاسيكية (وجملتها ٥٦ مرجعا) منها قرطاجنة في أربعة عصور للمدني، والأزهار الرياضية للباروني، وموجز التاريخ العام لعثمان الكعاك. ومن رأيه أن الاستعمار الروماني فشل في بلاد المغرب وكذلك الاستعمار الفرنسي (ولكن هذا الرأي غير معلن). ولكن الميلي لم يستطع أن يتخلص
стр. 3435
من ثقافته، مع ذلك، فالنقول كثيرة، واستخدام أسلوب الرواية متوفر بكثرة، والاستشهاد بالشعر. وإذا كان في الجزء الأول قد استخدم الهوامش فإنه استغنى عنها تماما في الجزء الثاني. غير أنه في هذا الجزء استعمل فهارس الرجال والنساء وأسماء المدن. واشتمل الكتاب على الأحداث السياسية والتطورات الاجتماعية والاقتصادية، ولكنه اشتمل أيضا على التراث الحضاري للشعب من نظم وأدب ولغة وعقائد (١).
ورغم أن تاريخ الميلي لم يصل إلى الزمن (الحاضر)، فإنه وضع المؤشرات له، وذلك بخطابه للشعب وحكمه على الاستعمار الروماني وغيره من الاستعمارات (الأجنبية)، ووضع خطة للتنويه بالآثار الحضارية للجزائريين عبر العصور، وحسبه، كما قال، تنبيه الغافلين ودعوة الشباب والعاملين إلى مواصلة الجهد، رغم أنه لم يكن ينتظر النتائج السريعة.
٧ - والحديث عن الميلي يؤدي إلى الحديث عن أحمد توفيق المدني وكتابه المعروف كتاب الجزائر. فقد كانت بينهما علاقات ثقافية، ولعلهما التقيا في تونس قبل أن يتعارفا في الجزائر. والمدني قد ساعد الميلي في الترجمة من بعض النصوص الفرنسية. وقد رأيا أن المدني قد نوه بصدور الجزء الأول من تاريخ الميلي ودعا إلى الاحتفاء بصاحبه. كما أن الميلي قد شكر المدني على مساعدته وسماه (صديقي). ولعل عدم إقدام الميلي على معالجة (الحاضر) هو الذي جعل المدني يتولى ذلك ويركز على العهد الفرنسي أكثر من العهود السابقة له، وأن يجعل (كتاب الجزائر) نوعا من كتاب الجيب لتاريخ الجزائر في العهد الفرنسي إلى ١٩٣٠. وكلا الرجلين كان مهتما بالتاريخ، ولا سيما تاريخ المغرب العربي القديم، فهما يلتقيان في عدة أصعدة.
стр. 3436
وحياة المدني أصبحت معروفة بعد نشره لمذكراته (حياة كفاح)، ولكن جوانب أخرى منها ما تزال غير معروفة وهي متروكة للباحثين في تراجم الرجال وعلاقة ذلك بالعصر وأهله. ونحن نعلم أن المدني كان كثير التمجيد لنفسه ومواقفه وإبراز شخصيته أثناء وجوده في معترك الحياة مع جمعية العلماء ومع جبهة التحرير الوطني. وكانت حياته حقا نموذجا للرجل المكافح منذ الشباب المبكر. لقد ولد في تونس آخر القرن الماضي (١٨٩٩) في عهد خصب بالنشاط العلمي والسياسي شهد ميلاد المدرسة الخلدونية وازدهار الصادقية، وإصلاحات جامع الزيتونة المعمور. وكان الصراع اللغوي في تونس يختلف عنه في الجزائر، فقد كانت النخبة التونسية غالبا مزدوجة اللغة، وإذا كانت واحدية اللغة فإنها لم تكن منغلقة على نفسها، وقد أدى الصراع اللغوي إلى انفتاح سياسي أيضا، وكان ذلك في عدة اتجاهات: وطني محلي، ووطني عثماني، ووطني متفرنس. وقد تخرج المدني من الزيتونة والخلدونية، وشارك في الصحافة والسياسة والحياة الحزبية، ولكن ذلك قد جلب عليه نقمة الإدارة الفرنسية فنفته إلى موطن آبائه وأجداده، الجزائر، سنة ١٩٢٥.
ومنذ هذا التاريخ أصبح المدني مؤثرا في الحياة الجزائرية. وكان قبل انضمامه الرسمي لجمعية العلماء في أوائل الخمسينات، قد شارك في تنشيط العمل الثقافي والصحفي والتأليف. في المجال الأول ساهم في تأسيس نادي الترقي بالعاصمة وإنشاء بعض المدارس الحرة، وفي المجال الثاني شارك بمقالاته الصحفية في الشهاب وغيرها عن أحداث المغرب العربي والسياسة العالمية والعربية، وفي المجال الثالث وجدناه قد أصدر عدة مؤلفات خلال العشرينات والثلاثينات، منها قرطاجنة، وتقويم المنصور، وكتاب الجزائر، ومحمد عثمان باشا، الخ. وأثناء الحرب العالمية الثانية ساهم أيضا في تحرير جريدة الإصلاح للعقبي، وكان من الأعيان الذين تفاعلوا مع الحلفاء ولهم رأي في بيان ١٩٤٣. وبعد الحرب أصبح من محرري جريدة البصائر، لا سيما باب السياسة العالمية، ثم أمينا، عاما للجمعية، وفي غياب الشيخ
стр. 3437
الإبراهيمي، رئيسها، أصبح المدني هو رئيس تحرير البصائر، وقد حرر فيها مقالات افتتاحية هامة أثناء الثورة. وحين توقفت البصائر وأعلنت الجمعية انضمامها إلى جبهة التحرير، ١٩٥٦، التحق المدني بالقاهرة وأصبح عضوا بارزا في جهة التحرير، خطيبا وداعية، ومؤلفا ووزيرا. وممثلا للجزائر في الجامعة العربية. أما في المجال العلمي فقد انتخب عضوا في مجمع اللغة العربية بالقاهرة، وتولى تنشيط المركز الوطني للدراسات التاريخية، ونشر عدة كتب في التاريخ. وقد توفي في ١٨ أكتوبر، سنة ١٩٨٣ (١).
وللمدني مؤلفات عديدة معظمها في التاريخ العام للمغرب العربي (شمال افريقية) والجزائر خاصة. فكتابه:
١ - (المسلمون في جزيرة صقلية وجنوب إيطاليا) داخل إلى حد كبير في تاريخ المغرب العربي. يضاف إلى ذلك:
٢ - مسرحية حنبعل الأدبية - التاريخية. وكل كتبه نشرت وهو في الجزائر إلا ثلاثة منها، وهي:
١ - تونس وجمعية الأمم، ١٩٢٣، وهو مترجم إلى الفرنسية، ويعتبر من كتب الدعاية للقضية الوطنية التونسية.
٢ - والحرية ثمرة الجهاد، وهو عن نضال إيرلندا ضد الإنكليز، تونس ١٩٢٣.
٣ - الأجزاء الثلاثة الأولى من تقويم المنصور.
أما الكتب التي أصدرها وهو في الجزائر فنذكرها حسب تواريخها، وهي جميعا في تاريخ الجزائر وجغرافيتها إلا ما يظهر من عنوانه أنه خارج عنها أو متصل بها من بعيد مثل حنبعل، وقرطاجنة، وصقلية. وقبل أن نذكر هذه المؤلفات ونتحدث عن بعضها نذكر أن المدني كان يغتنم الفرصة ويعبر
стр. 3438
عن رأيه الخاص في التاريخ الوطني حتى في الكتب التي تبدو بعيدة عن موضوع الجزائر بعناوينها. ذلك أن أطروحته الرئيسية هي التوجيه السياسي للشباب وبعث الوطنية التي يسميها (الملية)، في نفوسهم والدعوة إلى التحرر من الاستعمار الحديث بإدانة الاستعمار القديم (الروماني)، وإظهار شخصية بلاد المغرب المزيجة من البربر والعرب، وإبراز علاقاتهم بالمشرق قديما وحديثا. وهذه الأطروحة مكررة في معظم كتابات الشيخ المدني. وكان شعاره هو: الإسلام ديني، والعربية لغتي، والجزائر وطني. وهو الشعار الذي أصبح على لسان الحركة الإصلاحية، ولا ندري من تفون به أولا. وإليك الآن قائمة كتبه التي ألفها في الجزائر حسب تواريخ ظهورها:
١ - الجزآن الرابع والخامس من تقويم المنصور ١٩٢٦، ١٩٢٩ (١).
٢ - تاريخ شمال إفريقية أو قرطاجنة في أربعة عصور، تونس ١٩٢٧. وقد استعمل فيه الخرائط والصور، ووضع رسومه الفنان عمر راسم، وتأثر به الشيخ الميلي حسب رواية سعد الدين بن شنب، وهو على كل حال من بين مراجعه، كما لاحظنا.
٣ - كتاب الجزائر، الجزائر، ١٩٣٢، وهو من وحي الاحتفال بالاحتلال سنة ١٩٣٠ ونبش الجروح من قبل المستعمرين. وسنتحدث عنه بعد قليل.
٤ - محمد عثمان باشا وخلاصة تاريخ الأتراك بالجزائر، الجزائر ١٩٣٨. وهو عن حياة أطول الدايات عهدا، وحكما، وربما أصلحهم. وقد أعيد طبعه بعد الاستقلال.
٥ - جغرافية القطر الجزائري، الجزائر ١٩٤٨. وهو الأول من نوعه بالعربية، وكان موجها إلى طلبة المدارس التي تشرف عليها جمعية العلماء.
стр. 3439
وقد سد فراغا كبيرا، وربط فيه بين التاريخ والجغرافية وملأه بالمشاعر السياسية الوطنية، وطبع أيضا سنة ١٩٥٢، ١٩٦٤.
٦ - المسلمون في جزيرة صقلية وجنوب إيطاليا، الجزائر، ١٩٤٦.
٧ - حنبعل (مسرحية)، الجزائر، ١٩٥٠.
٨ - هذه هي الجزائر، القاهرة، ١٩٥٧، وهو تعريف بتاريخ الجزائر وثورتها، وهو من كتب الدعاية السياسية والإعلامية في وقته.
٩ - حرب الثلاثمائة سنة بين الجزائر وأسبانيا، الجزائر ١٩٦٨. وقد أعيد طبع هذا الكتاب عدة مرات (١).
١٠ - مذكرات الشريف الزهار (تحقيق)، الجزائر، ١٩٧٤. وقد أعيد طبعه. والزهار هذا من عائلة نقيب الأشراف في بداية الاحتلال.
١١ - حياة كفاح (مذكرات)، وهو في ثلاثة أجزاء، صدرت بتواريخ مختلفة. كما انتهى من الجزء الرابع وقدمه للنشر ولكن الرقابة رفضت نشره عندئذ.
١٢ - رد أديب على حملة الأكاذيب، قدمه للنشر، ولم ينشر. وهو كتاب موثق في الرد على من هاجموه بعد صدور مذكراته.
ومن ثمة ترى الطابع التاريخي لمؤلفات أحمد توفيق المدني، فهو سياسي ومؤرخ وأديب وصحفي. وقد مارس الجميع بدرجات متفاوتة إلى آخر حياته، رغم أن الأدب عنده اختلط بالمواد الأخرى، ولكنه ظهر على أسلوبه المتميز وفي بعض أشعاره. ولا يمكننا الآن أن نكتب عن كل مؤلف له عالج فيه التاريخ، وحسبنا هنا بعض ما نحن بصدده، وهو تاريخ الجزائر العام. وذلك يظهر في كتاب الجزائر.
بعد صدور كتاب الجزائر سنة ١٩٣٢، راجعه جوزيف ديبارمي وحكم
стр. 3440
بأنه كتاب ألفه صاحبه بهدف سياسي وطني (١). ولا يمكن أن يكون (كتاب الجزائر) غير ذلك. والواقع أن هذا الكتاب لم يكن تاريخا حين صدر، فقد كان شاملا لمواضيع عديدة معاصرة مثل النظام الإداري والقضائي، والمحاكم، والحالة الاقتصادية والاجتماعية، وأبرز المدن وعدد سكانها، والحياة التعليمية، وواقع الصحف والنوادي، وما إلى ذلك. أما الجانب التاريخي في الكتاب فضئيل جدا، وهو حسب ابن شنب لا يعدو ربع الكتاب. والمقصود بالجانب التاريخي هو ذكر الدول الماضية ومددها وحضارتها ودور الجزائريين عبر التاريخ وأبرز القبائل التي استوطنت الجزائر من بربر وعرب. إن كتاب المدني يشبه إلى حد كبير كتاب المرآة لحمدان خوجة. وكانت معرفة المدني بالفرنسية قد ساعدته على معرفة تاريخ الجزائر المكتوب بأقلام فرنسية أيضا، ولا سيما فترة الاستعمار التي انعدم فيها التأليف والنشر قبله تقريبا. وهكذا رجع إلى المؤلفات والوثائق الفرنسية التي تتناول الموضوعات المشار إليها وصاغ منها كتابا فيه جزء من التاريخ ولكنه كتاب موجه ومستوحى من احتفال الفرنسيين بالاحتلال (بدأت الاستعدادات للاحتفال سنة ١٩٢٧). وقد أصبح الكتاب مرجعا هاما للدارسين والمطالعين، ومن الذين رجعوا إليه ونوهوا به الأمير شكيب أرسلان في حاضر العالم الإسلامي.
أما الجانب السياسي للكتاب فيظهر من اعتماد المدني على بعض الآراء الفرنسية التي تقول بإنصاف الأهالي. ويذهب ابن شنب إلى أن المدني قد اعتمد على نصوص ووثائق فرنسية من بينها كتاب موريس فيوليت: (هل ستعيش الجزائر؟) واشتمل كتاب الجزائر أيضا على إحصاءات مرجعها الوثائق الفرنسية. ولكن لغته وأسلوبه وعاطفته كلها في صالح الهوية العربية - الإسلامية للجزائر، وهو يقف ضد الاندماج، ويقف إلى جانب ابن باديس في دعوته إلى المساواة بين الفرنسيين والجزائريين. وأبرز المدني أيضا أن
стр. 3441
الإنسان العربي قد استيقظ بعد ١٩٣٠، بل منذ الحرب العالمية الأولى. وكان المدني من دعاة التجديد، فقد تحدث عن التعليم والمرأة والصحافة والشباب، وحث على تكوين المدارس والتخرج في المهن واتقان الفلاحة والتجارة، وانتقد المدارس الثلاث الرسمية لتقاعسها، وبعض الطرق الصوفية لتخاذلها، كما انتقد الإدارة الاستعمارية، ولكن بشيء من الاعتدال غير متوقع في تلك المرحلة. فكتابه يكاد يكون محايدا (١).
٨ - ظهر لعبد الرحمن الجيلالي تاريخ الجزائر العام أوائل الخمسينات (١٩٥٣)، وهو في جزئين. وقد تناول التاريخ من أقدم العصور إلى العهد العثماني. وكان، دافعه أيضا وطنيا. فقد أهداه إلى عقبة بن نافع، ووجهه إلى الشباب. وكان ذلك رمزا لربط الحاضر بالماضي. فعقبة رمز للفتح الإسلامي، والشباب رمز اليقظة والوطنية. وكان هدف المؤلف أن يقتدي الجيل الجديد بأجدادهم، ولا ينغمسوا في الحضارة الأجنبية وينسوا ماضيهم، وتدل ثقافة الجيلالي على هذا الوجه.
فقد ولد سنة ١٩٠٦، بالجزائر، ودرس على عدة شيوخ في المساجد والزوايا، ومنهم عبد الحليم بن سماية الذي كان من منتقدي النظام الاستعماري رغم أنه كان أستاذا في إحدى المدارس الرسمية، كما تتلمذ الجيلالي على الشيخ المولود الزريبي الأزهري الذي كان مصلحا ثائرا، وكان (الزريبي) قد تخرج من الأزهر وعاد إلى الجزائر ليدعو إلى النهضة والإصلاح ولكنه واجه العقوق والركود (٢). كما درس الجيلالي على الشيخ الحفناوي صاحب (تعريف الخلف)، الذي كان من رجال الدين الرسميين ومن الصحفيين الذين عملوا في جريدة المبشر الرسمية طويلا. ودرس
стр. 3442
الجيلالي على الشيخ محمد بن أبي شنب أيضا. ومهما كان الأمر فإن ثقافة الجيلالي كانت عصامية، وشملت التعمق في القرآن والحديث والأدب والتاريخ والفقه. وقد تولى التدريس بدوره في مدرسة الشبيبة الإسلامية أثناء إدارة الشاعر محمد العيد لها خلال الثلاثينات. ولم يكن نشاطه بارزا. لولا بعض المقالات القليلة في الشهاب، وكتابه في ذكرى محمد بن أبي شب (١)، لما سمعنا بإنتاجه قبل كتابه الذي نحن بصدده.
صدر من تاريخ الجزائر العام جزآن. وقد ركز في الأول على تعريف التاريخ وعلاقته بالقومية، وخصص جزءا ضئيلا منه لتاريخ الجزائر قبل الفتح الإسلامي، ثم توسع في التاريخ منذ الفتح. ورجع إلى عدة مراجع، منها العربي وهو الغالب (٦١ مرجعا) واعتمد على بعض المخطوطات. وبناء على رأي سعد الدين بن شنب، فإن الجيلالي لا يعرف الفرنسية إلا قليلا، ولذلك اعتمد على التراجمة فيما أخذه منها (٢). وهو في هذا يلتقي مع الميلي، كما يلتقي معه ومع المدني في الرؤية الوطنية للتاريخ وتوظيفه لخدمة الشباب والجيل الجديد عموما وضرورة بعث التاريخ لخدمة الحاضر. ويمتاز تاريخ الجيلالي بالتبويب المحكم وترتيب الأدوار التاريخية وذكر جداول الدول وتراجم بعض المشاهير. وقد دعا أيضا إلى المحافظة على الهوية الوطنية واحترام الأجداد والارتباط بالدين والوطن. وشمل تاريخه أيضا ذكر الأسباب
стр. 3443
في ظهور الدول واختفائها، ودوام النظم وانقراضها، بالإضافة إلى التعرض للوضع الاقتصادي والحضاري.
ومن الملاحظ أن تاريخ الجيلالي قد أعيد طبعه بعد الاستقلال، كما أعيد تنقيحه وتوسيعه حتى صار كأنه كتاب جديد. وقد أصبح في أربعة أجزاء بدل اثنين، ووصل فيه المؤلف إلى عهد الثورة. وقد اعتمدنا نحن على طبعة ١٩٦٥ (الثانية)، وفيها نوه بدور زوجته في ترجمة النصوص له عن الفرنسية. فقال إنها كانت (تلخصها وتترجمها إلى العربية طيلة أيام إعدادنا لهذا التأليف وجمع شتاته من أوله إلى آخره). وقد تعرضنا في أول هذا الفصل إلى تعريف الجيلالي للتاريخ والمؤرخ (١).
في التراجم والمناقب
نتناول في هذه الفقرة المؤلفات التي يتحدث أصحابها عن أعلام الناس، سواء كان التأليف جامعا لعدة أعلام أو لفرد واحد. وقد فصلنا هذه الفقرة عن الأنساب، رغم أن المؤلف قد يعمد إلى الترجمة لشخص من وجهة النسب فقط. وأدخلنا هنا المناقب، وهي عادة الترجمة لشخص أو أكثر من وجهة صوفية - دينية، رغم الاختلال أحيانا بين الترجمة العامة وتلك التي تنفرد بالمناقب وذكر المحاسن والكرامات. ولا شك أن هذا الباب - التراجم والمناقب - قد حظي بمؤلفات أخرى لم تصل إلينا. وقد عمد رجال التصوف إلى الترجمة لشيوخهم وذويهم والمعجبين بهم. وربما تطول الترجمة أو تقصر، وربما تكون غنية بالمعلومات عن العصر أو فقيرة منها فلا تسرد إلا حياة الشخص المعني في عبارات مديحية فضفاضة. وتشهد مؤلفات بعض الضباط والمستشرقين الفرنسيين ورجال الإدارة أنهم تمكنوا من الإطلاع على العديد من الترجمات لرجال العصر سواء كانوا من أهل السياسة أو الدين أو
стр. 3444
العلم. وقد استفادوا من ذلك في وضع (البطاقات) الخاصة بالعائلات والوظائف، ولكن أغلب تلك التراجم والمناقب قد تلفت أو دخلت في المحفوظات الشخصية.
وبالمقارنة مع العهد العثماني، ظهرت في العهد المدروس الصحافة والوسائل الإعلامية الأخرى. فكانت تنشر التعريف بالأعيان الزائرين والحجاج والموظفين السامين، وتؤبن الموتى منهم وتشيد بعضهم وبخدماتهم. ولكننا لن نعد ذلك ترجمة هنا كما أننا لن نعد المقالات الصحفية التي تعرف بهذا أو ذاك أو ترثيه من باب التراجم والمناقب. فخطتنا إذن لا تشمل سوى المؤلفات ولو كانت صغيرة الحجم.
كما أن عهدنا هذا شهد ظاهرة أخرى وهي كتابة المذكرات حيث يترجم الكاتب لنفسه ويتحدث عن تجاربه الخاصة ومواقفه من وجهة نظره هو، ويبرر ما اتخذه من مواقف وآراء، ولكننا لن نتناول المذكرات في فقرة التراجم والمناقب، ونعد بأن نتناولها في فقرة أخرى خاصة بها.
١ - تعريف الخلف برجال السلف، وهو تأليف أبي القاسم الحفناوي (ابن الشيخ) في بداية هذا القرن. والواقع أن حياة الشيخ الحفناوي تمثل أحد النماذج للمثقف الجزائري الريفي في العهد الاستعماري من عدة وجوه، ومنها تواضع أهل الريف واستغلال السلطات الفرنسية لهم، وتنوع مصادر الثقافة، فقد نهل الحفناوي من مختلف الزوايا والمساجد والكتب القديمة قبل الالتحاق بالعاصمة وتعلم الفرنسية والتوظف الرسمي، كما عرف بالعمل الدائب واتقان المهنة والتفرغ لها، مع ضيق مجالات الطموح إلى الأدوار الكبيرة والمغامرات الخطيرة.
فهو من مواليد بلدة الديس الصحراوية القريبة من بوسعادة. قدمت إليه تقاليد الأسرة والبيئة ووهبته الطبيعة القاسية حب العلم وحب التجول والبحث عن مصادر الثقافة. فدرس على أبيه عدة علوم، وكانت بالقرب من الديس زاوية الهامل وشيخها محمد بن بلقاسم ومساعده محمد بن عبد الرحمن
стр. 3445
(وهذا من الديس أيضا)، وكذلك زاوية طولقة التي اشتهرت بمؤسسها علي بن عمر. وبعيدا من ذلك زاويتان أخريان شهيرتان هما زاوية نفطة العزوزية (تونس) وزاوية ابن أبي داود بتاسلنت قرب آقبو. إن هذه الزوايا كانت بعيدة في الظاهر عن السياسة ولا تشارك في الثورات ضد الفرنسيين إلا بصفة غير مباشرة، خلال النصف الثاني من القرن الماضي. ولكنها كانت نشيطة في نشر العلم وحفظ القرآن الكريم وصيانة التراث الإسلامي من الضياع. ولم يكن للتلاميذ حدود سياسية، فهم ينتلقون من زاوية إلى أخرى ومن شيخ إلى آخر حسب رغباتهم وإمكاناتهم، ولكنهم كانوا في مختلف الأحوال يجدون المساعدات المادية والمعنوية من المحسنين ومن أهل الزوايا. وهكذا كان حال الشيخ أبو القاسم الحفناوي.
ولد حوالي ١٨٥٠ (١٨٥٢؟) في الديس، ويرجع نسبه إلى سيدي إبراهيم الغول، أحد صلحاء المنطقة وصاحب زاوية بالديس. وكان أبوه محمد بن بلقاسم بن الصغير من العلماء في وقته أيضا. وكان جده بلقاسم قد أخذ العلم في أولاد جلال في زاوية سيدي عبد الباقي، وكذلك في زاوية ابن أبي داود. كما أن والد المؤلف أخذ العلم في الزاوية الأخيرة أيضا، وكذلك زاوية طولقة ثم زاوية شلاطة، ولازم شيخها ابن علي الشريف. والعادة ألا يغادر التلميذ المكان إلا بعد الحصول على الإجازة من شيخه. وقد تنقل محمد بن بلقاسم بعد ذلك إلى زاوية طولقة معلما. فيها هذه المرة، وبقي بها ست سنوات، ومن تلاميذه الحفناوي بن علي بن عمر الذي أصبح شيخا للزاوية. وكانت عندئذ تضم من ٤٠ إلى ٥٠ تلميذا من مختلف النواحي، ومواد الدراسة فيها هي العلوم الشرعية واللغوية، وكذلك المنطق والفلك والحساب. ومن معاصريه الشريف بن الأحرش ومحمد بن بلقاسم الهاملي. ومن تلاميذه محمد بن عبد الرحمن الديسي، عالم المنطق بدون منازع في آخر القرن الماضي. وبعد هذه الجولات العلمية استقر الشيخ ابن بلقاسم (والد صاحبنا) في الديس، واشتغل بتربية أولاده ونسخ الكتب والمطالعة، وكسب رزقه. ولا ندري لماذا لم يشارك مع مؤسس زاوية الهامل في التعليم وقد كان
стр. 3446
عندئذ يبحث عمن يساعده. ومهما كان الأمر فقد توفي والد المؤلف سنة ١٨٩٣ (١٣١١) بالديس.
عاش أبو القاسم الحفناوي إذن خلال النصف الثاني من القرن الماضي، فترة المملكة العربية وحكم المكاتب العربية العسكرية، ثم حكم النظام الجمهوري (١٨٧٠)، وما سنه من قوانين ضد الجزائريين وإرهاقهم مثل قانون الأهالي. وقد عاش أحداث ثورات ١٨٧١، وبوشوشة، والأوراس، أثناء شبابه، ولعله كان يتردد على زوايا نفطة وطولقة والهامل عندما كان محيي الدين بن الأمير عبد القادر يبعث برسله ورسائله إلى أعيان الجزائر يدعوهم إلى الثورة، وحين تنفيذ حكم الإعدام في بوشوشة، ولجوء بومزراق وقادة الرحمانية إلى الصحراء. وكان الحفناوي قد تردد أيضا كأبيه على الزوايا الرحمانية للقراءة، ويظهر من كتابه أنه متأثر بثقافة الطرق الصوفية. ولكنه لم يؤسس طريقة، كما فعل بعض الشيوخ. ولا ندري ما الذي جاء به إلى العاصمة وكيف كان استقراره بها، وهل سبق له التوظف في المكاتب العربية في الصحراء ثم أرسلوه منها إلى العاصمة لأغراض أخرى؟ وهل جاء العاصمة زائرا أو باحثا عن الكتب القديمة؟.
لقد كان الحفناوي في الثلاثينات من عمره عندما جاء إلى العاصمة، سنة ١٨٨٣ (فترة الحاكم العام البغيض لويس تيرمان). وسرعان ما وجد طريقه في الجريدة الرسمية التي كان يشرف عليها المترجم آرنو (وهو اسم مستعار)، أحد أعيان الترجمة والمخابرات، وكانت صلته بإدارة الشؤون الأهلية قوية، وهي الإدارة التي كان يشرف عليها الضابط المختص في شؤون الطرق الصوفية، لويس رين. ويهمنا أن نعرف أن هذه الإدارة هي التي كانت تشرف أيضا على جريدة المبشر. وهكذا تتضح إلى حد كبير الصلة بين هذه الإدارة وآرنو وأبي القاسم الحفناوي. ولقد عبر الحفناوي نفسه عن عرفانه بالجميل لآرنو الذي تعلم منه، كما قال، الفرنسية، والآداب والترفع على المتكبرين والتواضع أمام غيرهم. فقد قال إن آرنو هو (شيخه) في العلوم العصرية أيضا، وإنه رباه عقليا وعلميا فارتقى إلى (درجة أفتخر بها على أبناء
стр. 3447
وطني) وعلمه، كما قال أيضا، التواضع القلبي والترفع القالبي على أهل الكبرياء، ووصفه بالحكيم، ولازمه في الجريدة حوالي اثني عشر سنة، وكان آرنو محررا لها والحفناوي هو كاتبه (١).
ويبدو أن الحفناوي قد حل في جريدة المبشر محل أحمد البدوي الذي كان من أوائل الصحفيين الجزائريين في هذه الجريدة (٢). وكان عمل الحفناوي في المبشر هو التصحيح والإضافة والترجمة. أما التصحيح أو بالأحرى الصياغة وجعل أسلوب الجريدة مقرؤا بين العرب والمعربين فأمره هام لأن الجريدة عرفت عدة مراحل من جودة التحري? وردائه، وأما الإضافة فهي ما كان يختاره لها الحفناوي من مقالات وطرائف وتراجم من كتب التراث الإسلامي التي يعرفها والتي كانت المكتبة الوطنية تتوفر منها على المخطوطات والمطبوعات. فهو بهذه الصفة يوفر للجريدة المادة العربية، ولكن بتوجيه من (شيخه) آرنو ثم من جاء بعده. وفي هذا الصدد كان الحفناوي يتتبع أيضا ما كانت تكتبه الصحافة العربية في المشرق سيما في مصر وتونس وإسطانبول ولبنان. أما الجانب الآخر وهو الترجمة فنعتقد أن الحفناوي لم ينتج فيه إلا في وقت لاحق أي بعد أن تعلم الفرنسية وأصبح قادرا على الترجمة منها والتلخيص بها، وقد ظهر ذلك في عدة أعمال نشرها، كما سنذكر، ويهمنا من هذا كله أن الحفناوي كان بين ١٨٨٣ - ١٨٩٧ صحفيا من نوع خاص، فهو كاتب ومحرر ومصحح وناقد لما ينشر في جريدة المبشر.
ومنذ ١٨٩٧ أضاف إلى عمله ذلك وظيفة مدرس في الجامع الكبير بالعاصمة. وكان ذلك على إثر مراجعة السياسة التعليمية من قبل الفرنسيين
стр. 3448
بعد تحقيقات لجنة جول فيري ١٨٩٢ وتقرير كومبس حول التعليم الإسلامي. فقد نشط الفرنسيون من جديد التعليم المسجدي، بإسناد درس في النحو والأدب إلى بعض المتعلمين المعروفين بولائهم السياسي من جهة وقدرتهم العلمية من جهة أخرى. ومن الملفت للنظر أن الحفناوي قد استمر في الجمع بين الوظيفتين: التحرير في المبشر والتدريس في الجامع إلى ١٩٢٧ حين توقفت الجريدة (عشية الاحتفال بالاحتلال)، بينما عزل الفرنسيون من الجريدة بعض زملائه أمثال محمد بن مصطفى خوجة (الكمال) بدعوى التدخل في الشؤون السياسية والتأثر بالصحافة المشرقية (كان خوجة من أتباع محمد عبده الصريحين) (١). ومنذ ١٩٣٦ تولى الحفناوي وظيفة جديدة وهي الفتوى على المذهب المالكي، وهو وظيف رمزي وإلى حد ما سياسي، تضمن به السلطة الفرنسية التحكم في الأوضاع الدينية والتهدئة العامة. أما نفوذ المفتي بين فئات الشعب فيكاد يكون منعدما. وتجدر الإشارة إلى أن الحفناوي قد تولى الفتوى في وقت حرج، وهو الذي تولد عن اغتيال سلفه في نفس الوظيف، الشيخ محمود كحول عقب انعقاد المؤخر الإسلامي الشهير (٢)، وبعد تقاعده رجع الحفناوي إلى مسقط رأسه، بلدة الديس، وهناك أدركته الوفاة سنة ١٩٤٢.
أما إنتاجه من غير (تعريف الخلف) فهو قليل الأهمية الآن، ولكنه أفاد به الرأي العام في وقته، لا سيما الفئة المتعلمة بالعربية فقط والتي تجهل المجالات العلمية وتطور العلوم والطب (٣). ولا شك أن نشر الحفناوي لبعض ما سنذكره كان بتوجيه واقتراح من هيئة تحرير المبشر وإدارة الشؤون الأهلية. لأن كان يدخل في توصيل المعارف العامة إلى المسلمين (الأهالي)
стр. 3449
من وجهة النظر الفرنسية. كما أن كتاباته بصفة عامة كانت تمثل المرحلة التي عاشها. فنحن نجده يعالج في المبشر موضوعات تتعلق بقوافل الصحراء (أثناء اهتمامات الفرنسيين بالتوغل نحو الجنوب)، فنقل عن جريدة (الطان) سنة ١٨٨٧ - ١٨٨٨ مقالة عن تجارة القوافل المتجهة إلى القورارة. وكتب حول داء الكلب ودوائه، ونشر عن ذلك مقالة سماها (الكلب لدى أطباء العرب) أظهر فيها دور العرب والمسلمين في الطب.
وقد نسب إليه بعض المترجمين أعمالا مخطوطة، منها مؤلفات في الجغرافية والتاريخ والمعاني: كالمستطاب في أقسام الخطاب، وأرجوزة في جغرافية (؟) ابن خلدون، وله رجز بعنوان غوص الفكر في حروف المعاني، وقد شرحه بنفسه تحت عنوان (صوغ الدرر على غوص الفكر). وتدل أعمال الحفناوي هذه، وكذلك الرسائل التي تناول فيها حفظ الصحة على أنه كان متحرر الفكر في حياته، ولعل صلته بالمستعربين الفرنسيين (١) والمصالح الدنيوية، وعمله في الصحافة قد جعلته يتجه إلى الحياة العملية وليس الصوفية أو الدينية، كما فعل بعض معاصريه من الذين تخرجوا من الزوايا. وبعض مقالاته في المبشر تدل على أنه متأثر أو مساير للحياة العصرية، إذ منها هذه العناوين: تركيب الماء، وتركيب الهواء، ذكر المغناطيس وخواصه، والحكمة بأنوارها في الكهربائية وأسرارها. وحين ألقى محاضرة في الجمعية الرشيدية سنة ١٩٠٧ اختار عنوانها: فرنسا والحرية وتفوق اللغة الفرنسية.
أما العمل الهام الذي بقي يحمل اسم أبي القاسم الحفناوي فهو (تعريف الخلف برجال السلف)، وهو في التراجم الخاصة بعلماء الجزائر عبر العصور. وكانت بدايته فيه ترجع إلى ارتباطه بالتراث وكتب الطبقات التي
стр. 3450
قرأها وهو طالب، ثم أخذ منها وهو موظف سواء لنفسه كمحرر في المبشر أو للمستعربين الفرنسيين الذين كان يساعدهم على فهم التراث العربي الإسلامي والترجمة منه ما تقتضيه المصالح الفرنسية. وكان ديبون وكوبولاني قد اعترفا بفضله في مساعدتهما على توثيق مؤلفهما حول الطرق الصوفية، وقد عرفنا صلته بكل من آرنو وميرانت ولوسياني. ويذهب سعد الدين بن شنب إلى أن الحفناوي كان يجمع خلال ذلك الوقت البطاقات عن كل عالم، وكان يستعين ببعض المعاصرين من موظفين سامين ومن مرابطين وعلماء دين وأصدقاء.
ثم أن السلطات الفرنسية قد سهلت له الاتصال بالمغرب الأقصى وخزائنه، فحصل عن طريق الاستكتاب على تراجم، وكانت هذه أحيانا تنتزع انتزاعا من أصولها المخطوطة بدل أن تنسخ، كما شاهدنا ذلك بأنفسنا عند دراستنا لمخطوطات بوراس في المغرب. كما ساعدته السلطات الفرنسية على نشر الكتاب نفسه على حسابها يوم أصبح جاهزا، وكان ذلك في عهد الحاكم شارل جونار، وقد نوه الحفناوي بهذا الحاكم في أبياته الشهيرة وفي أول كتابه تعريف الخلف. فقد قال عن جونار إنه اهتم بمسلمي الجزائر وأحيا آثارهم وحاول أخذهم في طريق (التقدم العصري) لكي تجمع الجزائر بين عصر الشرق القديم وبحر الغرب الجديد (١). وكذلك شكر الحفناوي (الحكومة) على طبع (ما ييسر من أبناء وطننا وديننا من معارف الاعتبار ومآثر الاختبار). ورغم ثقافة الحفناوي الواسعة في التراث وعلاقته بالفرنسيين
стр. 3451
وإيمانه بالتقدم العصري - كما يسميه - فإننا لا نجد له حضورا في مؤتمر المستشرقين ١٤ الذي اعقد بالجزائر سنة ١٩٠٥. بينما نجده يقوم بمرافقة الشيخ محمد عبده سنة ١٩٠٣ من مرسيليا إلى الجزائر على ظهر الباخرة. وكانت مهمته معه مجهولة ولكن بتكليف من الحكومة الفرنسية (١).
إن تعريف الخلف قد ضم جزئين، ولم يرتبهما صاحبهما أي ترتيب. فالجزء الأول ضم مجموعة صغيرة من التراجم مع التوسع في حياة أصحابها، وكانت أسماؤهم هي التي نقشت على حيطان المدرسة الثعالبية. كما ضم هذا الجزء معلومات عن والد المؤلف، وعن الزوايا وبعض شيوخها، وكذلك بعض الشخصيات المعاصرة. لقد رجع الحفناوي إلى مراجع عديدة، بعضها مطبوع، ولكن الكثير منها كان من وثائق العائلات والتقاييد الخاصة والمخطوطات التي لم يتمكن أصحابها من طبعها. وكانت طريقته تشبه التراجم القديمة في كتب الطبقات العربية. وبعض التراجم قصيرة جدا، وبعضها يضم عدة صفحات، وذلك حسب توفر المعلومات. وقد أقحم فيه بعض التراجم غير الجزائرية، وهو أحيانا لا يضيف شيئا من عنده لمن يترجم له، بل يكتفي بنقل ما وصله عنه من العائلات أو من المؤلفات الأخرى.
ومن مراجعه، تاريخ ابن خلدون ونشر المثاني وصفوة من انتشر ووفيات ابن القنفذ، وكفاية المحتاج ونيل الابتهاج، والدرر الكامنة، والضوء اللامع. ولغة الحفناوي جيدة، وهي تدل على ثقافته الأدبية القوية، ولا يستعمل السجع أو الجمل العامية الثقيلة أو المتأثرة بالثقافة الأجنبية. ولكن تياره الفكري، رغم إيمانه بالتقدم، يتجه نحو التصوف وذكر الكرامات وبعض الخرافات. ولا ندري إن كان يؤمن بذلك حق إيمان (ونحن نستبعده)، أو هو نوع من مجاملة شيوخ العصر والمتعلمين الذين عاصرهم، وفيهم بعض القضاة والحكام والمرابطين. ونحن نعلم أن
стр. 3452
المثقفين عندئذ، مهما بالغوا في التحرر، كانوا يحمون أنفسهم بالانضمام إلى إحدى الطرق الصوفية، على الأقل، أو التظاهر بموالاة أهل الخير والولاية.
والواقع أن الحفناوي لم يكن يكتب تاريخا في تراجمه، حتى نحاكمه بقسوة على منهجه، كما فعل سعد الدين بن شنب، حين قال إن علم التاريخ لم يتقدم عنده، وإنه كان يسير في خطى مؤرخي العصور الوسطى. فإن كان ابن شنب يعني بذلك كتب التراجم فهو مصيب في دعواه، وإن كان يعني كتابة التاريخ فالأمر هنا مختلف. حقيقة أن الحفناوي قد ذكر الخرافات لبعض من ترجم لهم، وأكثر من الشعر أحيانا، وتوقف عند نقد مصادره، وعدم ترتيبها. ولكن لا حرج على الحفناوي أن يصبح كتابه كتاب أدب بدل أن كون كتاب تاريخ، لأن الترجمة كانت وما تزال تجمع بين الحقلين: الأدب والتاريخ، إضافة إلى علوم أخرى. وقد انتقد ابن شنب من خلال الحفناوي، كل متعلمي الجزائر المعاصرين له في العشرية الأولى من هذا القرن، لأنهم كانوا في نظره بعيدين عن التصور الحقيقي للتاريخ كمنهج ونقد وتحليل. وفي نظر ابن شنب أن المؤرخين (العصريين) بدأوا منذ العشرينات مع ظهور كتاب مبارك الميلي، كما أسلفنا (١).
لكن تعريف الخلف له ميزة بارزة انفرد بها، وهي أنه ظهر في وقت لم
стр. 3453
يتقدمه عمل آخر، ثم أنه ظل على أهميته إلى الآن. فأن المؤلفات التي ظهرت بعده كلها تقريبا تتخذه مرجعا. ولعل ذلك راجع أيضا إلى شموله لكافة العصور ونقوله العديدة من مؤلفات ووثائق تعتبر الآن مفقودة، سيما بعد أحداث ثورة ١٩٥٤. كما أن لغة الكاتب سهلة فلا يجد قارئه عناء في الوصول إلى المعنى. وتداخل المعلومات أحيانا ووجود الخرافة في الكتاب يشفع لها ما يقدمه من مادة ذات قيمة كبيرة. ورغم أن النية - نية الفرنسيين - كانت عنئذ هي المحافظة على طابع الجزائر الإسلامية - الفرنسية، فأن النتيجة كانت عكس ما توقعوه، فقد بعث تعريف الخلف في النفوس الحمية والوطنية والغيرة على التراث والاعتزاز بالآباء والأجداد، ويمكن اعتبار ظهوره صفحة جديدة في اليقظة الوطنية والشعور بالذات السياسية، سيما في الوقت الذي كانت فيه مدرسة النخبة المتفرنسة تدعو إلى الاندماج الكلي في فرنسا والتخلص من كل روابط الماضي.
٢ - الكتاب الثاني الذي جمع تراجم هو شعراء الجزائر في العصر الحاضر لمحمد الهادي السنوسي. وهو كتاب في جزئين، ترجم فيه الشعراء لأنفسهم في غالب الأحيان، مع نماذج من أشعارهم. وكان دور السنوسي هو الترتيب والتنسيق فقط، مع التقديم والمعاناة في طبع الكتاب في تونس. وكان لظهور الكتاب وقع كبير في الحياة الأدبية.
ويضم (شعراء الجزائر) حوالي عشرين ترجمة. وهي كما قلنا من نوع السير الذاتية. وبعض هذه السير طويل، وبعضها مجرد سطور أو فقرة. كما أن بعضهم قد تقدمت بهم السن، غير أن بعض السير كانت لشباب ما يزالون في مقتبل العمر. ورغم أن الكتاب قد نفد من أمد بعيد، فإنه لم يطبع من جديد ومن ثمة أصبح من الكتب النادرة (١).
стр. 3454
٣ - تحفة الزائر في مآثر الأمير عبد القادر وأخبار الجزائر، من تأليف محمد (باشا) بن الأمير عبد القادر، وهو في جزئين ولكنه صدر أول مرة في مجلد واحد، الأول خاص بالترجمة لحياة الأمير أثناء المقاومة، مع أولياته ونهاية نضاله. والثاني يتناول حياة الأمير الدينية والأدبية، أي أثناء وجوده في السجن والمنفى. وفي الكتاب تاريخ للجزائر في العهود السابقة للاحتلال ولكن باختصار، وتعتبر حياة الأمير إلى ١٨٤٧ هي حياة الجزائر أيضا، ولذلك يمكن اعتبار الجزء الأول تاريخا للجزائر كلها بين ١٨٣٠ - ١٨٤٧. وقد ضم الكتاب وثائق كثيرة ومصادر فرنسية وأخرى عربية وبعض الصور. ولكنه يذكر ذلك عرضا ولا يفردها بقائمة مرتبة، وليس في الكتاب تعاليق. وصدر الكتاب أثناء حياة المؤلف. وعندما طبع مرة أخرى، أضاف إليه ناشره بعض التعاليق الطفيفة (١).
ألف محمد باشا الكتاب سبع سنوات بعد وفاة والده. ويبدو أن المشروع كان قائما منذ كان الأمير عبد القادر حيا. ذلك أن الأمير هو الذي مكن ابنه من الوثائق العائلية ومن الرسائل والآراء والصلات بينه وبين غيره. وقد عثرنا على نسخة يبدو أنها الأصلية للمخطوط أو مستخرجة من الأصل، مكتوبة بخط جميل ومذهبة ومجلدة تجليدا فاخرا ومهداة إلى السلطان عبد الحميد الثاني، وهي منتهية سنة ١٨٩٠ (١٣٠٧). وقد يكون المؤلف انتهى من الكتاب قبل ذلك، بينما النسخة السلطانية نسخت في التاريخ المذكور فقط. وبالمقارنة مع النسخة المطبوعة في حياة المؤلف وجدنا بعض الفروق الهامة. ففي المطبوعة يذكر المؤلف أنه حين انتهى من تأليفه سرقت منه النسخة، وليس في المطبوعة إهداء إلى السلطان. كما أن هناك فروقا في التفاصيل بين النسختين تناولناها في دراستنا المفصلة والمنشورة في غير هذا (٢). أما
стр. 3455
النسخة السلطانية فقد عثرنا عليها في اسطانبول تحت عنوان (تاريخ الأمير عبد القادر) في مكتبة الحاج محمود أفندي التابعة للمكتبة السليمانية ورقمها ٤٧٨٨.
ولد محمد في القيطنة ناحية معسكر، سنة ١٨٤٠، والقيطنة هي مسقط رأس والده أيضا .. وعاش حياته في حضن أمه لأن والده كان مشتغلا بالجهاد على ظهر فرسه إلى ديسمبر ١٨٤٧. وكان محمد طفلا في الثالثة من عمره عندما هربت به أمه من معركة الزمالة الشهيرة مع زوجات قادة الجيش الجزائري، سنة ١٨٤٣. ورغم أنه لم يعش في الجزائر سوى سبع سنوات فإنه ظل يحن إليها ويتغنى بهوائها وترابها وشمسها. ويظهر ذلك في كتابه تحفة الزائر. وبقي محمد مع والده وأمه خمس سنوات في سجون فرنسا، ثم عدة سنوات في بروسة بالدولة العثمانية، ثم استقر بهم المطاف دمشق، سنة ١٨٥٥. وكانت ثقافته وتعليمه على يد والده وصهرهم مصطفى بن التهامي وبعض علماء دمشق. وكان محمد أكبر أبناء الأمير، ولذلك كان رفيقه عند السفر، وموضع ثقته أثناء الحديث، ومهبط سره كلما طرأ طارئ سياسي أو عائلي. وكانت ميوله تشبه ميول والده. فقد اختار، وهو في الشام، الولاء الوطني والولاء العربي الإسلامي، واعتنق مبادئ الجامعة الإسلامية ومال إلى الدولة العثمانية بدل الدولة الفرنسية. ولكنه لم يستطع أن يجند كل إخوته لفكرته، لأن منهم من والى فرنسا مثل الهاشمي وعمر وعبد المالك في أول أمره (١). وقد حظي محمد ومحيي الدين بلقب الباشا من السلطات العثمانية. وشاء القدر أن يعاصر محمد أيضا سقوط السلطان عبد الحميد.
يكشف محمد أنه أقدم على التأليف عن والده بعد إلحاح عدد من وجوه أهل الشام وأعيان العرب والمسلمين، نظرا لمكانة والده وموضعه هو
стр. 3456
من والده (فحرضوني على القيام بهذا المندوب). وقد جمع ما أمكنه من المصادر وهي: أحاديثه مع والده، والوثائق العائلية، والمحاضر الرسمية كالمعاهدات، والكتب الأجنبية المترجمة إلى العربية، والكتب العربية القديمة، والمراسلات، والصحف وإنتاج الأمير نفسه. ويذكر أنه جعل والده هو الحكم في هذه الوثائق، فهو راوية عن أبيه وهو مرجعه إذا اختلطت عليه الآراء. ونفهم من اللجوء إلى ترجمة الكتب المؤلفة عن الأمير أن محمد لم يكن يعرف لغة أجنبية. وقد رأينا أن الكتاب، رغم قيمته التاريخية يعتبر كتاب أدب، وهو من نوع المذكرات تقريبا. ولكنه يظل مرجعا أساسيا لحياة الأمير أولا من الوجهة الشخصية لأنه (أي الأمير) هو الحكم فيه، حسب تعبير ابنه، وثانيا من الوجهة العائلية والوطنية لأن العائلة تملك من الوثائق ما غاب عن الفرنسيين أو غيرهم من الكتاب، ثم إن الفرنسيين اعتمدوا أيضا على وثائقهم الخاصة، فكتاباتهم عن الأمير وعن الجزائر في عهده كتابات مجحفة وتعاني من النظرة الواحدية والعدائية، ومن ثمة يبقى الكتاب يمثل، في جزئه الأول على الأقل، وجهة النظر الجزائرية أيضا في الأحداث التي جرت بين ١٨٣٠ - ١٨٤٧.
٤ - أحمد بن محيي الدين، وهو أخو الأمير عبد القادر، وقد خص أخاه أيضا بترجمة لحياته وكفاحه. وعنوان كتابه نخبة ما تسر به النواظر وأبهج ما يسطر في الدفاتر في بيان سبب تولية الأمير عبد القادر في إقليم الجزائر. وكان أحمد هذا هو أصغر إخوة الأمير. وكان لذكائه وشجاعته واعتداده بنفسه مرشحا لخلافة أخيه لو طال به العمر في الحكم وانتصر على العدو. وقد عانى أحمد السجن كما عانى أخوه، وكان سجنه هو في عنابة، مدة خمس سنوات، وهي المدة التي قضاها الأمير عبد القادر أيضا في سجن فرنسا. وعندما سمح له بالخروج من السجن توجه (أحمد) إلى دمشق سنة ١٢٨٣. وقد مالت عائلة الأمير (عائلة محيي الدين الأب) إلى التصوف كما كان وضع أبيهم وجدهم. ومنهم أحمد هذا (١).
стр. 3457
٥ - تاريخ الأمير عبد القادر، وهو من تأليف ابن عمه الحسين بن علي بن أبي طالب. وقد قام بترجمته إلى الفرنسية ترجمة جزئية ونشره في المجلة الإفريقية السيد ديلبيش (١).
٦ - تاريخ حياة طيب الذكر، هو عنوان الكتاب الذي أشرف عليه سعيد بن علي بن الأمير عبد القادر (٢). وهو ترجمة ورثاء ومآثر الأمير علي الذي وقف إلى جانب الدولة العثمانية في الحرب العالمية الأولى وساند أخاه عبد المالك في ثورته على الفرنسيين في المغرب الأقصى. وكان الأمير علي قد حارب الإيطاليين في طرابلس، وتولى النيابة عن دمشق في برلمان الدولة العثمانية. أما الأمير سعيد فقد ساند ثورة الشريف حسين ورفع علمها على سراي دمشق قبل دخول الأمير فيصل ولورنس إليها، وسنذكر ذلك في مكانه.
٧ - عبرة الناظر في تاريخ الجزائر، تأليف الهاشمي بن بكار، مفتي مدينة معسكر في وقته. وقال إنه شرع فيه ولم يقل إنه أكمله. ويبدو أنه ليس تاريخا بالمعنى الذي نتناول، لأنه قال عنه إنه يتناول الخصومة بين علماء الطرق الصوفية وعلماء الإصلاح بين الحربين. وهو يسمى الفريق الأول علماء السنة والفريق الثاني المتطرفين. وذكر أنه ترجم فيه لجماعة من هؤلاء وأولئك. وقد ذكر ذلك في كتابه مجموع النسب ص ١٨٧.
٨ - تحفة الزائر في مآثر الأمير عبد القادر، ألفه الهاشمي بن بكار، ولم نطلع على هذا الكتاب وإنما ذكره الهاشمي بنفسه في كتابه (مجموع
стр. 3458
النسب) ص ٣٦ قائلا: (قد بسطت ترجمته (أي الأمير) في كتابي المسمى ...).
٩ - عبد القادر فارس العقيدة، للشريف ساحلي، الجزائر، ١٩٤٨. وقد تناول فيه سيرة الأمير كرمز للمقاومة الوطنية والإسلام. وراجعته جريدة البصائر في مقال مطول.
١٠ - عبد القادر واستقلال الجزائر لكاتب ياسين، ١٩٤٨.
١١ - ياقوتة النسب الوهاجة، تأليف أبي حامد المشرفي. وقد ترجم فيه لحياة وتصوف ونسب الشيخ محمد بن علي المجاجي، دفين مجاجة بالشلف، أوائل القرن الحادي عشر الهجري. وهو كتاب هام فيه معلومات عن عصر المجاجي وعصر الأمير عبد القادر أيضا، كما فيه أخبار عن شخصيات اتصلت بالمجاجي. وتعرض المشرفي أيضا لأنساب الأدارسة بالمغرب وأخبار بعض علماء الجزائر. ورتبه على مقدمة وأربعة أقسام وخاتمة. ولهذا الكتاب عنوان آخر وهو (اليواقيت الثمينة الوهاجة في التعريف بسيدي محمد بن علي مجاجة).
١٢ - ترجمة الشيخ محمد بن المختار وأصل عائلته، وهو مخطوط مؤلف حوالي ١٨٥٧. وكان هذا الشيخ قد حج وزار مصر وسورية والتقى ببعض شيوخ الوقت مثل الشيخ عليش المصري. ولا نعرف من ترجم لهذا الشيخ ولا الوظائف التي تولاها أثناء حياته من ١٨١٥ - ١٩٠٨ (١). وتشير بعض المصادر إلى أن الشيخ المختار قد انتصب للتدريس في عدة زوايا، وأنه كان رحماني الطريقة وأن شيخه فيها هو محمد أمزيان الحداد.
стр. 3459
١٣ - تراجم علماء الجزائر، تأليف عمر راسم، صاحب جريدتي ذو الفقار والجزائر أوائل هذا القرن. وقد ترجمنا له في فصل المنشآت الثقافية، ولم نطلع على عمله وإنما اطلعنا على وصف محمد علي دبوز له، وقد وصفه بالرسالة أي التأليف الصغير وقال عنه إنه غير مطبوع، وإنه استفاد منه في كتابه (أعلام الإصلاح)، كما لاحظنا نحن ذلك في بعض المواضع منه. وأعطاه عنوانا ربما من عنده وهو (تراجم بعض زعماء النهضة الأولين بالجزائر). وكان الشيخ دبوز قد قرأ هذه الرسالة بقسنطينة سنة ١٩٦٥، ونفهم من ذلك أن هذه الرسالة كانت في حوزة الشيخ النعيمي وأن دبوز سمعها منه فسجلها على الشريط وانتفع بها. وأخبر دبوز أنها قد لا توجد عند الشيخ النعيمي (١).
وقد نقل دبوز من رسالة عمر راسم ترجمة حمدان خوجة، فاعتبره وطنيا كبيرا، وسياسيا ماهرا، وعالما من علماء الدين. وأنه تقلد وظيفة التدريس بالجامع الجليد، فدرس التفسير والحديث. وهذا الوظيف لم يكن معروفا عن خوجة، ولا ندري إن كان ذلك قبل الاحتلال أو بعده، والغالب أنه يشير إلى ما قبل الاحتلال. والمعروف أن خوجة كان عندئذ تاجرا، ولكن ذلك لم يكن يمنعه من التدريس بالجامع، حسبما جرت العادة. وقد أضاف عمر راسم أن خوجة منع من دخول الجزائر بعد سفره إلى باريس للتعريف بقضية الجزائر والدفاع عن نسه أيضا. وبناء على عمر راسم فإن خوجة قد أفتى بالتحرز والاحتياط من (الكرنتينة) أو الحجر الصحي، وكذلك أفتى باستعمال اللباس الإفرنجي (الأوروبي) للعسكر العثماني - وهذا الرأي كان لابن العنابي (٢) - وربما احتوى الكتاب على تراجم أخرى مفيدة.
стр. 3460
١٤ - رسالة في تراجم علماء الجزائر تأليف محمد بن مصطفى. وقد ذكرها له بعضهم، وهي غير معروفة (١). ومهما كان الأمر فقد كان المؤلف واسع الاطلاع، وعاصر مرحلة هامة من تاريخ الجزائر.
١٥ - تاريخ رجال الإصلاح في جيل، تأليف عبد الرحمن بن عمر، وهو في ثلاثة أجزاء، وما يزال مخطوطا. وقد اطلع عليه محمد علي دبوز وأخذ منه، وقال إن مؤلفه مولع بالتدوين وكتابة المذكرات وإنه (مؤرخ) (٢). وقد شارك المؤلف في تأسيس جمعية العلماء، ١٩٣١.
١٦ - وبالإضافة إلى ذلك نود أن نذكر بعض (البرامج) التي يسجل فيها العلماء أسماء وحياة من أخذوا عنهم، فهي إذا شئت نوع من التراجم أيضا. ومن ذلك برنامج محمد بن علي السنوسي المسمى البدور السافرة وهو ملخص عمله (الشموس الشارقة)، وقد تحدث فيه عن مشائخه الذين أخذ عنهم العلم والتصوف في الجزائر والمغرب الأقصى ومصر والحجاز وغيرهم (٣).
١٧ - المنشور في رجال الشيخ عاشور، والمقصود بذلك هو عاشور الخنقي صاحب ديوان (منار الاشراف). وقد ذكر في هذا الكتاب أنه لا يمكنه أن يترجم لشيوخه لكثرتهم (لا تحتمل مناقبهم هذه العجالة). وأخبر أن الفرصة قد سنحت له لتأليف كتابه المسمى (المنشور ...) (٤). فإن كان قد انتهى منه فإننا لم نطلع عليه، ولا نعلم من وصفه. وكان عاشور قد درس في الخنقة ونفطة، كما جلس للتدريس في قسنطينة ثم في زاوية الهامل نواحي بوسعادة.
стр. 3461
١٨ - تاريخ علماء زواوة، وهو تأليف منسوب لمحمد أرزقي الشرفاوي، من بلدة الشرفة نواحي بجاية. وقد درس في الجزائر ومصر ثم عاد إلى بلاده مدرسا ومؤلفا. وقد يكون كتابه مفيدا في بابه، غير أننا لم نعرف من اطلع عليه أو نقل منه.
١٩ - المرآة الجلية في ضبط ما تفرق من أولاد سيدي يحيى بن صفية (١)، وفي التعريف بمشاهير العلماء ورجال المعاهد الصوفية. من تأليف الحاج الجيلاني بن عبد الحكم العطافي. ومحتوى الكتاب واضح من عنوانه، وهو في الأنساب وتراجم بعض رجال التصوف ومن تعاطف معهم. وربما هو يشبه الكتاب الذي أعلن عنه الهاشمي بن بكار (عبرة الناظر) من بعض الوجوه. فبالإضافة إلى أولاد سيدي يحيى بن صفية ترجم المؤلف لعلي البوديلمي، والمهدي البوعبدلي، وأفراد من عائلة العشعاشي، والمولود الحافظي، وشيوخ الزوايا المعروفة مثل محمد الموسوم وتلاميذه، وابن تكوك السنوسي، والهاشمي بن بكار، ومصطفى فخار مفتي المدية، ومفتي مليانة، ومحمد البشير الرابحي، والشاعر أحمد الأكحل،.الخ. فالتراجم إذن شملت شيوخ الزوايا ورجال التدريس والإفتاء في الفترة الفرنسية. ولكنه ترجم أيضا لعبد الحميد بن باديس. والكتاب على ما فيه، مفيد للمؤرخ إذ يقدم صورة لأحد التيارات المتفاعلة في الجزائر عشية الثورة، وهو التيار الديني المحافظ (٢).
...
وتدخل المناقب أيضا في باب التراجم، رغم أن كتاب المناقب يركزون على ذكر المظاهر الصوفية كالكرامات لمن يترجمون لهم.
стр. 3462
٢٠ - المواهب الجلية في التعريف بإمام الطريقة السنوسية، تأليف الشيخ محمد بن عيسى السعيدي القاسمي الجزائري. والمقصود بإمام الطريقة هو محمد بن علي السنوسي.
وقد ذكر هذا الكتاب عبد الحي الكتاني وقال إنه في سفر وسط. ولا نعرف أكثر من ذلك عن مؤلفه (١).
٢١ - ترجمة محمد بن علي أبهلول المجاجي أرسل بها الونوغي بن أحمد بومزراق المقراني إلى أبي القاسم الحفناوي مؤلف (تعريف الخلف). وكان الونوغي عندئذ (أول هذا القرن) مفتيا في الأصنام - الشلف -. وهو ابن بومزراق زعيم ثورة ١٨٧١. ويقول الحفناوي إن المخطوط كان للآغا ابن آمنة الحاج بو طيبة، حفيد المجاجي. فالونوغي إذن كان مجرد واسطة. كما أرسل إليه الونوغي أشعارا لسعيد قدورة وغيره لتدرج في ترجمة المجاجي بعد تصحيحها. فمن كتب ترجمة المجاجي؟ هل هي ملخص ما كتبه الغير، مثل المشرفي؟ أو هناك مؤلف آخر مجهول؟ ولا نعتقد أن الترجمة كانت من وضع الآغا أو من الونوغي نفسه (٢).
٢٢ - مناقب الشيخ محمد بن عبد الله الديلمي، (البوديلمي) تأليف عبد الغني خطاب. وكان المؤلف مدرسا في المدرسة الرحمانية بتلمسان، المعروفة باسم مدرسة التربية والتهذيب) لزاوية البوديلمية. وقد سلم المؤلف مناقبه إلى الهاشمي ابن بكار فأدخلها ضمن كتابه (مجموع النسب)، ونفهم من ذلك أن عبد الغني خطاب كان من أهل الطرق الصوفية ومن خصوم حركة الإصلاح.
أما محمد الديلمي موضع الدراسة فهو شيخ الطريقة الخلوتية (الرحمانية) بالمسيلة، ولد بها سنة ١٢٦٤ (٤٧ - ١٨٤٨). واسمه الكامل
стр. 3463
هو: الحاج محمد بن عبد الله بن عبد القادر بن أبي زيان بن مبارك بن الموهوب، ويتصل نسبه بمحمد الديلمي المنسوب للأشراف عن طريق جده محمد بن عزوز الديلمي الذي ترجم له ابن مريم في (البستان). وفي طفولته سافر محمد الديلمي إلى بجاية طلبا للعلم، وهناك درس على الشيخ السعيد الحريزي، ثم تنقل بين الزوايا بزواوة مثل زاوية أحمد بن يحيى وزاوية اليلولي، ومن هناك توجه إلى قسنطينة فدرس على عبد القادر المجاوي وحصل على إجازات. ثم أسس هو زاوية في المسيلة (؟) ودرس عليه فيها طلاب من جهات مختلفة. وقد أخذ الطريقة على الشيخ محمد امزيان الحداد داعية ثورة ١٨٧١. وفي جبل الناظور التقى بالشيخ عمارة بن أبي اديار (؟) وأخذ عنه علم التصوف. كما أنه حج مرتين وجاور بالحرمين وأخذ عن بعض العلماء هناك، دون تحديد من هم ولا متى كان ذلك؟.
وبعد رجوعه إلى الجزائر أخذ يطالع كتب التصوف والدين، مثل كتب الغزالي وابن عربي والرسالة القشيرية والإنسان الكامل. وقد انتصب للتدريس، فكان يدرس مختصر الشيخ خليل في الفقه، ويفسر بعض الآيات القرآنية. كما كان يدرس التوحيد والنحو. وكان يجمع إلى ذلك تعليم مريديه المبادئ الصوفية. وكان له تلاميذ يساعدونه على التعليم. واستمر على ذلك نحو أربعين سنة. وتوفي بالمسيلة سنة ١٣٦١ (١٩٤٢). ولا نعرف أن آخرين تعرضوا لحياة الحاج محمد الديلمي غير عبد الغني خطاب والهاشمي بن بكار (١).
٢٣ - الزهر الباسم في ترجمة محمد بن أبي القاسم الهاملي. تأليف محمد بن الحاج محمد بن أبي القاسم، وهو ابن أخ المترجم له. وفي الكتاب فصول وخاتمة وديباجة. وفيه أيضا فوائد هامة عن حياة الشيخ الهاملي (٢). والترجمة هنا تصبح مسألة عائلية، لأن الإشادة بالشيخ الهاملي
стр. 3464
هي نفسها إشادة بالزاوية والعائلة القاسمية ودورها في التعليم والتصوف. وقد تولى المؤلف خلافة عمه في الزاوية، بعد أن تولتها السيدة زينب ابنة الشيخ حوالي ست سنوات.
٢٤ - فوز الغانم، تأليف محمد بن عبد الرحمن الديسي، وموضوعه هو سيرة شيخ زاوية الهامل، محمد بن بلقاسم وشرح أوراده وسلوكه الصوفي. وقد أشرنا إليه في الإنتاج الديني.
٢٥ - غرائب البراهين في مناقب صاحب تماسين، تأليف محمد بن المطماطية، والمقصود بصاحب تماسين هو الحاج على الينبوعي، شيخ الطريقة التجانية مدة طويلة ومؤسس فرعها في تماسين. وهو الذي ورث خلافة الشيخ أحمد التجاني وعاد على إثر وفاته، بأولاده من المغرب الأقصى. وعدا الفترة التي تولاها محمد الصغير التجاني في عين ماضي ١٨٤٠ - ١٨٥٣، فإن أبناء الحاج علي هم الذين توارثوا أباهم في (البركة) التجانية. ونحن وإن كنا لم نطلع على (غرائب البراهين) إلا أنه من الواضح أن المؤلف، ابن المطماطية، يتحدث عن حياة الحاج علي التماسيني، ويذكر دوره وكراماته وأولاده. وكان ابن المطماطية هو (مقدم) الطريقة التجانية في قسنطينة ومقره هو زاوية ابن نعمون. وكانت له بعض الشهرة في قسنطينة خلال الثمانينات من القرن الماضي لعلاقته بالأحداث التي عرفتها المدينة عندئد (١).
٢٦ - ولنفس المؤلف (ابن المطماطية) عمل آخر ترجم فيه لمجموعة من رجال الطريقة في تماسين، ويسميهم الخلفاء الخمسة أي الذين توارثوا ااالبركة «التجانية من عائلة الحاج على التماسيني، وعنوان الكتاب (مجالس الأنس في تراجم الخمس (كذا). ولم نطلع نحن أسيا على هذا الكتاب. ولعله يعني بهم: محمد العيد، ومحمد الصغير ومعمر الذين ورثوا والدهم،
стр. 3465
أما الرابع والخامس فلا ندري الآن من هما (١).
٢٧ - فتح المنان في سيرة الشيخ سيدي الحاج محمد بن أبي زيان لمؤلف مجهول، وهو يصل إلى سنة ١٣١٢ (١٩١٠). وبذلك يكون الكتاب معاصرا للفترة التي نعالجها. وكنا قد ذكرنا هذا الكتاب في الجزء الثاني من كتابنا هذا، دون التأكد من عصره (٢)، وعندما رجعنا إلى دراسة (أوغست كور) عنه، تبين أن المؤلف قد تتبع تواريخ حياة أبي زيان وخلفاته إلى السنة المذكورة (١٩١٠) وآخرهم هو الثامن، وهو إبراهيم بن محمد الذي كان متوليا للزاوية الزيانية عندئذ والذي وفر نسخة من الكتاب لكور. ولم يلتزم كور بخطة المؤلف وإنما تصرف في عرض محتوى الكتاب. ومن بين الخلفاء أربعة تولوا الزاوية في عهد الاحتلال (٣).
ولكن يظل مؤلف فتح المنان مجهولا، فهل الكتاب عبارة عن كناش أو تقييد يضيف إليه الأواخر ما فات الأوائل؟
٢٨ - البحر الطافح في بعض فضائل شيخ الطريق سيدي محمد الصالح، تأليف إبراهيم بن محمد العوامر. وهي رسالة ألفها الشيخ العوامر في هذا الشيخ إعجابا به وبطريقته الرحمانية في وادي سوف. ومحمد الصالح هو نجل سيدي سالم الأعرج بن محمد بن محمد ... بن سيدي المحجوب، دفين القيروان، وقد أخذ محمد الصالح وكذلك شقيقه مصباح،
стр. 3466
الطريقة على والده سيدي سالم مؤسس الزاوية الرحمانية، المعروفة في سوف باسم زاوية سيدي سالم. وكان سيدي سالم قد أخذ الطريقة من علي بن عمر الطولقي.
وقد ألف إبراهيم العوامر الرسالة وفاء لوصية جده الذي خدم، كما قال، سيدي سالم الأعرج، والذي أوصاهم بخدمة أولاد شيخه، ومنهم محمد الصالح المذكور. فألف فيه الكتاب وذكر كراماته (١). ونحن نستغرب كيف يلجأ العوامر إلى ذكر هذه الكرامات رغم أنه كان من المتعلمين العقليين والذين نهوا عن البدع والخرافات واهتموا بالتاريخ والأنساب، ولكن الذين درسوا حياته أخبرونا أنه كان يوالي جميع الطرق الصوفية في الناحية، رغبة أو رهبة. وقد رأينا (البحر الطافح) مخطوطا، ونظن أنه مطبوع أيضا.
٢٩ - تراجم في شيوخ الطريقة التجانية في تماسين، ألفه محمدي العروسي السوفي، (وهو غير صاحب المخدرة) الذي كان أحد المقدمين لهذه الطريقة. ولا نعلم لهذا التأليف عنوانا. ولم نطلع عليه، ولعله مثل كتاب ابن المطماطية يؤرخ ويترجم لعائلة الحاج علي التماسيني الينبوعي التي توارثت زعامة الطريقة فترة طويلة. وكان لها أنصار في الناحية. وكان العروسي من سكان مدينة الوادي. ومثل هذه الكتب تكون عادة في خزانة الزاوية نفسها (٢) لا يطلع عليها إلا الخواص.
٣٠ - رسالة في سيدي نائل، ألفها محمد بن عبد الرحمن الديسي. والرسالة في تاريخ ومناقب رئيس عرش أولاد نائل وأماكنهم وفروعهم. وأذكر أن أحد علماء الجلفة قد أعطاني كراسا مكتوبا بخط جيد، في ترجمة سيدي نائل، وكان ذلك أوائل السبعينات. ولا أذكر الآن من هو المؤلف،
стр. 3467
ولعله الديسي نفسه. والكراسة ما تزال عندي ولكنها الآن بعيدة مني ويعتبر سيدي نائل من الأشراف عند أهل الناحية.
٣١ - رسالة في إثابت نبوة خالد بن سنان العبسي، تأليف إبراهيم العوامر السوفى، سماها حد السنان في عنق التنكر لخالد بن سنان. ولا نظن أنها مطبوعة. والمقصود به خالد بن سنان الذي قيل إن الشيخ عبد الرحمن الأخضري قد أثبت نبوته بطريق الكشف، وهو التعبير الصوفي عن الكرامة (١). وفي نواحي الزيبان بلدة معروفة باسم سيدي خالد.
٣٢ - كنز الأسرار في مناقب مولانا العربي الدرقاوي وبعض أصحابه الأخيار، من تأليف محمد بن أحمد المعروف أبو زيان الغريسي المعسكري المتوفى في المغرب سنة ١٢٧١. وقد ترجم في الكتاب لشيخ الطريقة الدرقاوية، محمد العربي، وبعض أتباعه من الجزائر والمغرب. وقد توفي المؤلف قبل أن يكمله (٢).
٣٣ - تأليف عن نشأة أولاد سيدي الشيخ ومناقبهم إلى ثورتهم سنة ١٨٦٤. أشار إليه قينار E. GUENAR في نشرة الجمعية الجغرافية لوهران. ولا ندري مؤلفه، ولا حجمه.
٣٤ - كتاب في المناقب، مؤلفه مجهول، وربما هو في مناقب ابن علي الشريف دفين زاوية شلاطة. وقيل إن الشيخ محمد السعيد اليجري قد اطلع عليه سنة ١٩٤٤.
وليس هناك وصف للكتاب الآن (٣). وقد ذكرنا في الجزء الثاني أن
стр. 3468
كتاب (طراز الخياطة) للعربي بن مصباح في مناقب ابن علي الشريف، فهل هو نفس الكتاب؟
٣٥ - روضة العاشق في شمائل ابن الشرقي الصادق، تأليف عبد الله بن محمد حشلاف، قاضي الجلفة في وقته. وقد عرف عن هذا القاضي اهتمامه بالأدب والتصوف والأنساب.
وها أنت ترى أن مجموعة من المناقب قد وضعها مؤلفوها حول أعيان من الناس، معظمهم من رجال الطرق الصوفية التي ازدهرت في آخر القرن الماضي وظل لها نفوذ واسع على العامة، وحتى على بعض المتعلمين لما كان لها من مواقف إزاء السلطة الفرنسية. وقد استمر ذلك إلى عشية ١٩٥٤.
المذكرات
كتابة المذكرات عمل جديد في الحياة الفكرية والسياسية بالجزائر. إن الرجوع بحياة الإنسان إلى الوراء ومراجعة أعماله وعلاقاته بنفسه ورواية أخباره في صورة ذاتية تعتمد القص والتدخل الشخصي، كل ذلك جديد. وهو ظاهرة ثقافية - حضارية تعتمد أيضا تقليد الكتاب الغربيين الذين برعوا في هذا الميدان براعتهم في الرواية والمسرح ونحوهما من الفنون التي لم تكن معروفة عند العرب والمسلمين إلا قليلا. ومن التجوز اعتبار ما خلفه بعض الزعماء في القرن الماضي على أنه مذكرات، مثل مذكرات أحمد باي. وقد كدنا نعتبر المرآة لحمدان خوجة من المذكرات لأنه كتبه في آخر حياته ولأنه شهادة على الفترة التى عاشها، ولكنا عدلنا عن ذلك لأن الكتاب احتوى على معلومات غير ذاتية بل هي تاريخية واجتماعية واحصائية خارجة عن نطاق المساهمة الشخصية. فصنفناه في التاريخ الخاص بالجزائر. وقد شهدت فترة الاستقلال ميلاد كتابة المذكرات، بالعربية والفرنسية، ولكن ذلك خارج عن مجال موضوعنا.
стр. 3469
ونحن أمام بعض المذكرات في حيرة، ونعني بذلك المذكرات التي لم يظهر أو يعرف نصها العربي ولم تظهر إلا في النص الفرنسي على أساس أنها مترجمة. فهل لها حقا أصل بالعربية؟ وإذا كان فأين هو الآن؟ وفي أذهانا الآن مجموعة من (المذكرات) المنسوبة لأصحابها ولكنها جميعا. قد ظهرت بالفرنسية فقط، وهي مذكرة حمدان خوجة ومذكرة أحمد بوضربة ومذكرات الحاج أحمد (باي قسنطينة) ثم مذكرات عبد العزيز الحداد. لقد اضطر بعض الجزائريين إلى ترجمة النصوص الفرنسية لهذه المذكرات إلى العربية، كما فعلوا مع المذكرات الثلاث الأولى (١).
ولم تترجم المذكرات المذكورة إلى العربية إلا بعد وفاة أصحابها. وقد لاحظ أحد الباحثين غير الفرنسيين ذلك قائلا إن كتاب المذكرات ربما كانوا يتقربون إلى الفرنسيين، وربما كان هؤلاء يحاولون الحصول منهم على شهادات تزكية لمباركة الاحتلال. وختم هذا الباحث ملاحظته بقوله إن نوايا المؤلفين والمترجمين والناشرين وراء هذه الأعمال كلها مشبوهة. ثم أين النصوص الأصلية لهذه الأعمال التي يقال إنها مترجمة إلى الفرنسية عن العربية؟ ثم كيف تظهر ترجمة دون وجود نص اللغة الأصلية. وللدلالة على بعض النوايا السيئة أن كتاب العنتري الفريدة المؤنسة طبع سنة ١٨٥٢، ولم يترجم سوى سنة ١٩٢٩، دون ذكر المؤلف، وجاء في مقدمة الترجمة الفرنسية أن الذي وضع الخطوط العريضة للكتاب هو الضابط بواسوني، كما أن العنوان الأصلي وهو (الفريدة المؤنسة) قد اختفى من الترجمة. ونفس الشيء يقال عن تاريخ قسنطينة لأحمد المبارك، فرغم أنه مؤلف بالعربية سنة ١٨٥٢، فإنه لم يترجم إلى الفرنسية سوى سنة ١٩١٣، دون ذكر النص العربي أيضا (٢). ونضيف أن مذكرات حمدان خوجة وأحمد بوضرية
стр. 3470
لم تظهر إلا سنة ١٩١٣ وباللغة الفرنسية فقط، أما مذكرات الحاج أحمد فلم تظهر ترجمتها الفرنسية سوى قرن بعد نصها العربي، فقد كتبت عشية وفاة الباي سنة ١٨٥٢، ولم تنشر سوى سنة ١٩٤٩، وهكذا.
وإذا أخذنا ذلك بعين الاعتبار، يمكننا تتبع تلك المذكرات التي قيل إنها كتبت أصلا بالعربية، ولكنها ترجمت إلى الفرنسية واختفى نصها الأصلي إلى اليوم.
١ - مذكرة حمدان خوجة. والمقصود بها العريضة التي رفعها سنة ١٨٣٣ إلى اللجنة الإفريقية التي عينتها الحكومة الفرنسية للتحقيق في أحوال الجزائر بعد الاحتلال (١). وفي نظرنا أن ما قدمه خوجة عندئذ لا يدخل في (المذكرات) التي نحن بصددها، ذلك أن ما كتبه خوجة في المذكرة كان عبارة عن وجهة نظر في نقد السياسية الاستعمارية وحل القضية الجزائرية، وليس تعبيرا عن تجاربه ووصفا لحياته وتقلبات الزمان به وإنجازاته. كما هو شأن المذكرات.
٢ - مذكرة أحمد بوضربة. ويصدق عليها ما قلناه عن مذكرة حمدان خوجة. وقد كتبها بوضربة في نفس السنة ولنفس الغرض، بقطع النظر عن اختلاف وجهة نظر الرجلين في حل القضية الجزائرية. ولم يترك بوضربة كتابا أو مذكرات أخرى، حسب علمنا، تعبر عن تجربته في الحياة وتدخل فيما نحن فيه.
٣ - مذكرات الحاج أحمد، باي قسنطينة. وهي التي أملاها على أحد