ويضاف إلى هذا التطاحن (الإقلميي) تطاحن (عائلي) مرير وطويل.
فكل أسرة من الأسر المذكورة (المرينية والزيانية والحفصية) كانت في خصومة داخلية مستمرة على الملك والصولة. فالابن ضد أبيه والأخ ضد أخيه وابن العم ضد ابن عمه، والفرع الفلاني ضد الفرع الفلاني، وهكذا. ووسط هذا التمزق العائلي كان الأدعياء والمتآمرون والمغامرون والمستفيدون يزيدون النار حطبا. ولم يكن هذا الحطب سوى العامة التي كانت تطير لكل هيعة وتنصت إلى كل ناعق. وبذلك كثرت الحروب وسادت الفوضى وعمت اللصوصية وارتخى حبل الأمن. وتكشف (الفارسية) لابن القنفذ القسنطيني (ونوازل) المازوني و (معيار) الونشريسي، وكلها معاصرة لهذه الأحداث، عن هذا الوضع المتدهور. وسنشير إلى ذلك في حينه.
ولعله لو اقتصر النزاع على الإقليمية والعائلية لهان الأمر، ولكنه أخذ طابعا دوليا أيضا. ذلك أن عددا من ثغور المغرب العربي قد احتلها البرتغاليون والإسبانيون وأصبحت الثغور الأخرى، وحتى المدن الداخلية، مهددة باحتلالهم. ومن الثغور الجزائرية التي احتلها الأجانب خلال القرن التاسع، تدلس (دلس) وجيجل وعنابة وبجاية ووهران. وقد أصبح هؤلاء الأجانب يتدخلون في الشؤون الداخلية لكل إقليم من الأقاليم الثلاثة ولكل أسرة من الأسر الحاكمة. وبالإضافة إلى ذلك كان أحد الأطراف المتنازعة إقليميا أو عائليا يلتجيء إلى هذا الأجنبي أو ذاك لينصره على خصمه، وكانت سيطرة هؤلاء الأجانب على الطرق البحرية والمسالك التجارية قد اضعفت من الطاقة الاقتصادية للسكان. وكان ضغط الإسبان خاصة على مسلمي الأندلس قد حمل هؤلاء على الهجرة إلى سواحل المغرب العربي مما قلب الميزان الاقتصادي والاجتماعي والسياسي فيه. وسنعرف من خلال دراسة الإنتاج الثقافي اثر التدخل الأجنبي على الأوضاع هناك كما سنعرف اثر الهجرة الأندلسية على الحياة العامة.
٢ - فقد وصف أبو العباس احمد بن القنفذ القسنطيني في كتابه
стр. 37
(الفارسية في مبادئ الدولة الحفصية) الذي انتهى منه سنة ٨٠٦ حالة الاضطراب السياسي المشار إليه في الشرق الجزائري. ذلك أنه تحدث عن نقض بيعة السلطان الحفصي في قسنطينة وبجاية وعنابة وبسكرة حيث قضي على إمارة بني مزني في بسكرة والأوراس. وعندما حاول السلطان استعادة نفوذه كاد يلقي حتفه في جبال الأوراس. ورغم أن ابن القنفذ كان يريد التقليل من الاضطرابات لأنه كان يتحدث عن عهد سيده السلطان الذي أهدى له كتابه (الفارسية)، فإن الفوضى الاقتصادية والاجتماعية والسياسية بشرق البلاد تظهر واضحة من ثنايا الكتاب. وقد تحدث ابن القنفذ أيضا عن احتلال الأجانب لثغر تدلس ومحاولتهم احتلال ثغر عنابة ودخولهم مرسى القل. ومما قاله عن أثر احتلال تدلس (ووقع بأهلها ما هو معلوم) دون أن يصف ما وقع. أما عن عنابة فقد قال إن النصارى قد نزلوها (بنحو سبعين قطعة) (١). ويمكن أن نضيف إلى المصادر التي تتحدث عن الاضطرابات السياسة في القرن التاسع (كتاب العدواني) الذي وضعه صاحبه بعد دخول العثمانيين ولكنه فصل القول في حوادث وحروب الصحراء الشرقية (صحراء قسنطينة كما كانت تسمى) في الفترة التي ندرسها (٢).
ورغم أن يحيى المازوني لم يؤلف كتابه (الدرر المكنونة في نوازل مازونة) لكي يكون كتابا سياسيا فإنه ضمنه من قضايا العصر وفتاوي الفقهاء أو النوازل ما يكشف عن الحياة السياسية والاقتصادية في الغرب الجزائري، وخصوصا ضعف الدولة الزيانية (٣). وكان المازوني قد عاش في ظل ثلاثة
стр. 38
ملوك من هذه الدولة. وشهد خلال ذلك، إلى جانب ضعف البناء الداخلي للدولة وعلاقتها بالسكان، هجمات الحفصيين المتكررة ضد الزيانيين تلك الهجمات التي وصلت إلى عاصمتهم، تلمسان. ومن هذا الكتاب يمكننا الحكم على ضعف بني مرين أيضا لأن المازوني قد أكثر من النقل عن علماء وسط وشرق الجزائر وتونس (مدينة الجزائر، والقيروان، تونس) بدل النقل عن علماء فاس عاصمة المرينيين. كما قد يدل على ذلك اتجاه الدراسة والبحث نحو المشرق، حسبما لاحظ أحد الباحثين. وقد كانت القضايا التي تحدث عنها المازوني معبرة عن روح العصر. فالنوازل تدور حول مشاكل سياسية واجتماعية خطيرة كان مجتمع القرن التاسع يعاني منها. ومن ذلك اللصوصية والظلم والغصب والضرار وتهريب السلاح والمصادمات الجماعية والأوبئة والمجاعات ونحوها، وهي الدوافع التي أرغمت الناس على مغادرة منازلهم وأوطانهم. فالحروب والغارات لم تسمح للفلاحين بالقيام بزراعة الأرض وتوفير الإنتاج، وانعدام الأمن وتراخي قبضة السلطان جعلت الناس يفتقدون العدل في الحكم ويعتمدون على أنفسهم في نيل حقوقهم. وهكذا أصبح العلماء والقضاة، حسب نوازل المازوني، هم الذين يقومون بالسهر على تنفيذ القانون (١) وأنى لهم ذلك في مجتمع يسوده الفساد والاضطراب!
ومن دراستنا لرسالة عبد الرحمن الثعالبي في الجهاد نعرف مدى تدهور الأوضاع السياسية في وسط البلاد أيضا. ومنها أيضا نعرف مدى ضعف القادة السياسيين وأهمية دور العلماء والمرابطين في قيادة العامة في الحروب ورد غارات الأجانب، ذلك أن الرسالة الموجهة إلى أحد علماء زواوة أشارت إلى كل ذلك، وخصوصا ما يتعلق ببجاية وسهل متيجة وما حوله. ومن الملاحظ أن الثعالبي لم يشر في رسالته إلى أمير أو سلطان. وكان يهيب بالعلماء أن يتحملوا مسؤولياتهم أمام الله والناس لصد غارات الأجانب أو (بني الأصفر) كما كان يسميهم (٢).
стр. 39
وقد كان لهذه الاضطرابات السياسية وسوء الأحوال الاقتصادية عاقبة وخيمة على الحياة الثقافية. فهاجر بعض العلماء إلى المشرق والمغرب، وربط آخرون منهم مصيرهم ببعض الأمراء، بينما انزوى بعضهم مفضلا عيشة الزهد والهروب من أدران الحياة. وقد خسرت الحياة الثقافية في الجزائر من هجرة عالم جليل هو أحمد بن يحيى الونشريسي إلى فاس لأسباب سياسية.
ونفس الأسباب حدت بالمفكر محمد بن عبد الكريم المغيلي إلى الهجرة من تلمسان أيضا إلى السودان القديم. وهناك عدد آخر من العلماء هاجروا إلى المشرق وتوفوا به أمثال أبي الفضل محمد المشدالي البجائي وأحمد بوعصيدة البجائي وأحمد بن يونس القسنطيني وأبي القاسم المعروف بابن سالم الوشتاتي القسنطيني أيضا وأبي زيان ناصر بن مزني البسكري، ومحمد بن أحمد المعروف بابن صعد التلمساني، بينما كان ابن القنقذ يؤلف (الفارسية) للسلطان أبي فارس الحفصي، ومحمد بن عبد الله بن عبد الجليل التنسي يؤلف (نظم الدر والعقيان في شرف بني زيان) للسلطان أبي عبد الله محمد بن أبي تاشفين الزياني. وكان الشاعر محمد بن عبد الرحمن الحوضي يسخر موهبته الشعرية لخدمة السلطان أبي عبد الله الزياني، والشاعر أحمد الخلوف القسنطيني يشيد بالسلطان أبي عمرو عثمان الحفصي، وهكذا. ولكن رجالا من أمثال عبد الرحمن الثعالبي وتلميذه أحمد بن عبد الله الزواوي الجزائري ومعاصرهما محمد بن يوسف السنوسي اختاروا حياة العزلة والتصوف وترك الدنيا لأصحابها والاهتمام (بعلوم الآخرة) حسب تعبير الثعالبي. وسنعرف المزيد عن هذا الموضوع عند دراستتا لإنتاج هؤلاء العلماء.
٣ - ووسط هذه الصورة المضطربة للحياة السياسية كانت هناك بعض المدن تنمو بعدد سكانها وتشع بمدارسها ومساجدها ثقافة يتغذى منها المجتمع روحيا وعقليا. ومن هذه المدن نذكر تلمسان وقسنطينة وبجاية
стр. 40
ومازونة ووهران والجزائر وعنابة وبسكرة. ففي كل مدينة من هذه المدن عائلات اشتهرت بالعلم والتأليف والدرس أو بالزهد والتصوف. ومن هذه العائلات عائلة المقري والعقباني في تلمسان، وعائلة ابن باديس والقنفذ في قسنطينة، وعائلة المنجلاني والمشدالي في بجاية، وعائلة ابن السكات بمدينة الجزائر. كما اشتهرت بسكرة بعلمائها أبي زيان ناصر بن مزني وعيسى بن سلامة وأبي محمد عبد الله المعروف بقصيدته في المديح النبوي: دار الحبيب أحق أن تهواها ... وتحن من طرب إلى ذكراها
وعرفت مازونة بعدد من الفقهاء أمثال موسى بن عيسى صاحب (ديباجة الافتخار) (١) و (حلية المسافر)، وابنه يحيى صاحب (الدرر المكنونة) في النوازل. أما مدينة الجزائر فقد اشتهرت بزاهدها وعالمها عبد الرحمن الثعالبي وتلميذه أحمد بن عبد الله الجزائري. كما اشتهرت مدينة وهران بالعالمين المتصوفين محمد الهواري وتلميذه إبراهيم التازي (٢).
ورغم أن الإحصاءات الدقيقة تعوزنا في الوقت الراهن فإن كل مدينة من المدن المذكورة كانت تحتوي على عدد من المساجد والمدارس والمؤسسات العامة والخاصة كالقصور والمنازل الفاخرة والحمامات والمصانع والأضرحة والفنادق ونحو ذلك. وتثبت بعض الإحصاءات أن عدد مدارس تلمسان كان في نهاية القرن التاسع خمسا على الأقل وأن عدد مساجدها كان حوالي ستين مسجدا. ومن الممكن أن نقول إن مدينة قسنطينة وبجاية (٣) تحتويان على عدد من المدارس والمساجد قريب من ذلك. وكان
стр. 41
التعليم، بجميع مستوياته منتشرا في المدارس والمساجد وفي الزوايا التي أخذت تنتشر، كما سنرى. وكانت حلق الدروس حول كل أستاذ مشهور سواء في المدرسة أو الجامع أو في الزاوية، هي المنبع الذي ينهل منه تلاميذ وطلاب القرن التاسع، وهو نفسه المنبع الذي ظل يغذي أجيال المتعلمين المسلمين بثقافة تقليدية، ولكنها كانت تحتوي على شرارات كامنة في انتظار الفرصة. وسنرى أن هذا التعليم قد غلبت عليه الروح النظرية. وكاد أصحابه لا يخرجون عن علوم الدين وعلوم العربية. وسنرى أيضا أن زوال الفلسفة الموحدية قد أفسح المجال أمام الفقهاء المالكية الذين عادوا إلى الاعتناء بالفروع الفقهية. وقد نشأت مدارس متعددة، كمدرسة القيروان، همها العناية بالفقه المالكي خاصة. وتبع ذلك، تمشيا مع الضعف السياسي، سطحية التعليم وقلة موارده وضعف أساتذته. ومع ذلك فإن بعض العلوم العملية ظلت حية لا سيما في تلمسان. فقد كان فيها، حسب رواية عبد الباسط بن خليل، طبيبان هما محمد بن علي بن فشوش (أحد أطباء تلمسان في المزاولة والدرس) وموشى بن صمويل المعروف بابن الأشقر اليهودي الذي كان، بالإضافة إلى الطب، عالما بالوفق والميقات وعلوم أخري قديمة، وكان ابن الأشقر من مهاجري الأندلس وملازما لسلطان تلمسان عندئذ محمد بن أبي ثابت (١).
٤ - وقد كان لهجرة الأندلسيين أثر كبير على المجتمع الجزائري من جميع النواحي. ولعل القرن التاسع قد شهد أكبر موجة من موجات هذه الهجرة. ففيه اشتدت وطأة الإسبان على بقايا المسلمين في الأندلس. وفيه سقطت (سنة ١٤٩٢) آخر قلعة لهم هناك. لذلك تدفقت أمواج المهاجرينعلى شواطئ المغرب العربي ينشدون الحماية والأمن ويبحثون في نفس الوقت عن طريق العودة والثأر. وكانت طبقات المهاجرين تختلف ثروة وثقافة وجاها. ففيهم أبناء الشعب البسطاء وأحفاد الملوك الوجهاء، وفيهم
стр. 42
أصحاب الصنائع وأصحاب القلم. وهكذا كانت المأساة الإنسانية في الأندلس خيرا وبركة على مجتمع المغرب العربي الذي كان دائما يلعب دور الوسيط في الإنتاج الثقافي وليس دور المنتج.
وإذا كان تأثير الهجرة الأندلسية السياسي والاقتصادي على مجتمع القرن التاسع لا يهمنا هنا فإن تأثيرها الثقافي لا يمكن إغفاله (١). ويهمنا الآن أن نعرف قليلا عن تأثيرها في التعليم والموسيقى. لقد احتكر الأندلسيون ميدان التعليم في المغرب العربي ولا سيما في الحواضر، ونقلوا طريقتهم الخاصة بهم إليها. ومن ذلك عدم الاقتصار في تعليم الأطفال على حفظ القرآن كما كان الحال قبلهم بل أضافوا إليه تعليم الحديث والقواعد العامة لمختلف العلوم وتدارس بعضها، كما علموا روايات القرآن وأنوع قراءاته. ونشر الأندلسيون خطهم حتى ساد على خط المغرب العربي. أما التعليم العالي فقد كان يعطي في المساجد والزوايا ودور العلماء ومجالس المناظرة، وكان يعهد به إلى كبار العلماء. وبالإضافة إلى هذه الأماكن العامة، كانت السلطة تعين للمدارس كبار العلماء الأندلسيين وغيرهم وتجري عليهم المرتبات. ولكن التعليم العالي كان أكثر انتشارا في المراكز الأولى منه في الثانية. وكان يعتمد في أغلب الأحيان على النقل والرواية لا على الرأي والاجتهاد (٢). وهذه الطريقة بعينها قد استمرت أيضا خلال العهد العثماني، ولكن مع ضعف، تبعا لضعف الأحوال العقلية ولانتشار الدروشة والخرافات. وقد شمل التأثير الأندلسي أيضا ميادين النحو والأدب والعلوم والموسيقى (٣) وكان هناك علماء مختصون في كل فن من هذه الفنون، ألفوا
стр. 43
فيه وأثروا به على الأجيال اللاحقة.
٥ - ومن أبرز ما تميز به القرن التاسع في الجزائر ظهور عقيدة المرابط وانتشار الزوايا وافتتاح عهد التصوف (العملي خصوصا) (١). وهذه الظاهرة هي التي سنجدها تزداد انتشارا وإغراقا في القرون الثلاثة اللاحقة للعهد العثماني. ولا شك أن وجود هذه الظاهرة كان يعود بالدرجة الأولى إلى ضعف الدولة أمام الانحلال الداخلي والخطر الخارجي. حقا ان التصوف قد ظهر في المشرق قبل ذلك بقرون ووجد طريقه إلى المغرب العربي في حينه ولا سيما مذهب الغزالي الذي كان له في الموحدين أنصار ودعاة. ولكن المبالغة في الاعتقاد في الشيخ وابتداع الحضرة والأوراد وغيرها. والالتفاف حول زاوية ذلك الشيخ أو ضريحه كل هذه أمور تكاد تكون وليدة القرن التاسع وما بعده. وقد جاء العهد العثماني ليزيدها حماية وتعهدا ولتزداد هي بدورها في ظله ازدهارا وتفريعا.
وقد أدت المبالغة في الاعتقاد في الشيخ وانتشار الزوايا والأضرحة إلى نتيجتين خطيرتين أولاهما تبسيط المعرفة وثانيتهما غلق باب الاجتهاد. ذلك أن نقل التعليم إلى الزوايا قد أدى إلى الاكتفاء بالحد الأدنى منه بطريقة جافة ريفية ضيقة. وأصبحت الزاوية بذلك تنافس المدرسة والجامع (الجامعة) في نشر التعليم وفي كسب الأنصار. وبدل أن يلتف الناس حول العلماء المتنورين في المدارس والمساجد أصبحوا يلتفون في زاوية حول شيخ أو مقدم تغلب على عقله الخرافة وعلى أحواله الزهد. وهكذا تدهور مستوى التعليم. وهذه المنافسة بين العالم والمرابط أو الجامع والزاوية قد أجبرت أيضا علماء المساجد والمدارس على تبسيط آرائهم وطرقهم في التعليم ومحتويات دروسهم حتى لا يفر الطلبة إلى الزوايا والمرابطين. فالتنافس إذن
стр. 44
كان من أجل البحث عن الأتباع وضمان لقمة العيش وليس من أجل رفع مستوى التعليم أو المساهمة في ترقية الحياة الفكرية. ولا شك أن التعليم الذي يقوم على هذه الأسس لا يترك مجالا للاجتهاد وحرية الرأي والبحث وراء المجهول وإعطاء تفسيرات حرة وفلسفية لقضايا الدين والعصر (١). وهكذا اكتفى العلماء بالشقشقة اللفظية والاقتصار على الفروع دون الأصول. وبينما كانت الأديرة في أوروبا في موقف دفاع عن نفسها أمام تقدم العلم أصبحت الزوايا في الجزائر (وفي بقية العالم الإسلامي) في موقف الهجوم. ولذلك لا نستغرب أنه عندما كانت شمس المعرفة في أوروبا تطل من وراء السحاب كانت شمس المعرفة في الجزائر تفر غاربة وسط ضباب كثيف.
ويعتبر محمد بن يوسف السنوسي وعبد الرحمن الثعالبي من أكبر زهاد وعلماء القرن التاسع. فقد جمع كل منهما بين الإنتاج العلمي والسلوك الصوفي وانتفع بكل منهما خلق كثير، وكان لهما تأثير كبير على معاصريهما وعلى اللاحقين منهم. ورغم شهرة كليهما ومكانته فإن كلا منهما كان يحث على العزلة والهروب من الدنيا وعلومها والاهتمام بعلوم الآخرة والتفرغ لها. ويجد دارس حياة كل منهما نموذجا للعالم الزاهد الذي استعمل علمه لا لنقد أحوال الناس المعاشية والتنبيه على نقاط الخطر في المجتمع بل لدعوة هؤلاء الناس إلى الهروب إلى الآخرة والصبر على ما كانوا يجدونه من ظلم السلطان وسوء الأحوال. وقد رويت عن كل منهما أخبار ونصائح ومواعظ بعضها صحيح وبعضها مكذوب ولكنها جميعا صورة لعقيدة الناس في القرن التاسع وما بعده. وإذا كانت رسالة الثعالبي في الجهاد تعدل قليلا من حكمنا عليه فإن حكمنا على السنوسي يظل هو هو. فقد نصح معاصريه بالعزلة قائلا: (إن الواجب فيه (يعني عصره) قطعا لمن أراد النجاة، بعد تحصيله ما يلزم من العلم، أن يعتزل الناس جملة ويكون جليس بيته ويبكي على نفسه ويدعو دعاء الغريق، لعل الله سبحانه أن يخرق له العادة بفصله عن هذه الفتن
стр. 45
المتراكمة في نفسه وديته إلى أن يرتحل من هذه الدار بموته) (١). وسنعرف المزيد عن حياة وسلوك وتأثير كل من الثعالبي والسنوسي.
ولعل النص التالي يصور هذا التحول العقائدي والاجتماعي الذي أشرنا إليه. فهو يتحدث عن الفترة الواقعة بين حكم الموحدين وحكم العثمانيين في المغرب العربي ولكنه يصدق بالخصوص على القرن التاسع الذي نحن بصدده. ونلاحظ من الآن أن هذا النص ينسحب أيضا على العهد العثماني مع إضافة شيء من المبالغة والإسراف. ورغم أن صاحب النص يتحدث عن المغرب العربي عامة فإن حديثه يصدق على موضوعنا بالطبع. والجزائر، التي كانت جزءا من هذه المنطقة، كانت أكثر تأثرا بما كان يحدث لأنها كانت، كما لاحظنا، مسرح معارك ومطمح غنائم. ولذلك كثر فيها هي بالذات الاضطراب والفوضى وسوء المعيشة، ومن ثمة هجرة العلماء منها وضعف الطاقة العقلية وانتشار الطرقية والاعتقادات الخرافية. وإليك النص: (ففي هذه القرون التي أعقبت تفكك الموحدين وسقوط دولتهم وشهد فيها المغرب هذه الفترة القلقة المفعمة بالاضطرابات السياسية وعرف إبانها الأطماع الأجنبية سرت في جميع أجزائه روح غريبة جعلت الشعب يقبل إقبالا لم يعرفه من قبل على أمور المجاهدة والكشف وينخرط في الزوايا والربط ويؤمن بالأولياء وكراماتهم ويتناقل خرقهم للعادات وإخبارهم بالمغيبات واحتجابهم عن الأنظار. إلى غير ذلك من التصاريف. وهو مأخوذ كأنه قد أصابه مس من الجن. ثم نجده يندفع في زيارة قبور هؤلاء الأولياء وأضرحتهم ويقيم حلقات الذكر حول قبابهم وتتشكل بهذه الطرق الصوفية التي ملأت البلاد من أقصاها إلى أقصاها بكل ما عرف لها من نظام كهنوتي دقيق يضم النقباء والنجباء والأبدال والأوتاد والمريدين) (٢) وهكذا تكونت في الجزائر في القرن التاسع مجموعة من الزوايا منها زاوية الثعالبي في مدينة
стр. 46
الجزائر، وضريح محمد الهواري في وهران (١) والزاوية الملارية في قسنطينة وزاوية السنوسي بتلمسان وغيرها كثير.
ولكن الحالة السابقة لم تأت فجأة بل كانت هناك ظروف دينية واجتماعية هيأت لها. ومن ذلك الصراع الحاد الذي نشأ بين المجتهدين والتقليديين. ذلك أن الموحدين كانوا قد تسامحوا مع التأويل العقلي والاجتهاد في أصول الدين والتوحيد، ولكنهم لم يتسامحوا مثل ذلك في أمور الفروع، ومن ثمة عزلوا عنهم فقهاء المالكية وكادت دراسات الفروع في المغرب العربي يقضى عليها، وأصبح هناك حزبان، حزب المتأولين (المتفلسفين) وتسانده الدولة وحزب المعارضين المتشبثين بالفروع. وبعد انتهاء عهد الموحدين، وقيام الدول الثلاث (المرينية والزيانية والحفصية) على أنقاضهم انتعش الحزب الأخير الذي كان ناقما على الدولة وتقلص الأول، كما لاحظنا. وقد نادى أنصار الفروع بإحياء السنة والعناية بالمسائل الفقهية. وبالإضافة إلى الاتجاهين السابقين ظهر في نفس الفترة الاتجاه الصوفي (العملي) الذي أشرنا إليه أيضا (٢).
وشيئا فشيئا ازدهرت العلوم الدينية ولا سيما في الشرق الجزائري لصلته بالدولة الحفصية وتخلف المتأولين (المجتهدين) وتركوا مكانهم للمتصوفين، وتعايش الفقهاء والمتصوفة فترة لأن معظم العلماء كانوا يجمعون بين الحقيقة والشريعة، بين علوم أهل الظاهر وعلوم أهل الباطن، وكانوا في نفس الوقت متمكنين من أمور الدين كما كانوا غير ميالين إلى الجدل الذي هو أساس الفلسفة وطريق الاجتهاد. وعندما ضعفت هذه الروح
стр. 47
الدينية عند العلماء ساد التصوف العملي بما فيه من حضرة وأذكار وأوراد واعتقادات في المرابط. وبذلك انفصل التصوف عن علوم الدين الأخرى. وقد أسرف المتصوفون على أنفسهم حتى اعتبروا الأذكار أفضل من القرآن وسووا بين المرابط والرسول ﷺ (١).
ومع ذلك وقع خلاف شديد بين السلفيين والمتصوفين خلال القرن التاسع، ولا سيما في تلمسان. وكان ابن مرزوق الحفيد هو الذي تزعم الاتجاه السلفي بينما عارضه معاصره قاسم العقباني. وكلا الرجلين مشهود له بالعمق في العلوم والاجتهاد في الرأي. ويكفي أن نذكر هنا أن ابن مرزوق قد وصفه تلاميذه (برئيس علماء المغرب على الإطلاق) وبأن الناس قد أجمعوا على فضله من المغرب إلى الديار المصرية وبأنه عديم النظير في وقته. وقد وصفه بعضهم (بالإمام الحافظ الأستاذ النظار المحدث السني) (٢). وبذلك نعلم أن ابن مرزوق الذي توفي سنة ٨٤٢ قد بلغ في نظر معاصريه درجة الاجتهاد. ومن بين أساتذته أبوه وجده وكذلك سعيد العقباني، بالإضافة إلى ابن عرفة وابن خلدون. وقد تخرج عليه كثير. ومن تلاميذه عبد الرحمن الثعالبي.
أما خصمه في الرأي فهو قاسم العقباني الذي وصفه ابن مريم بتحصيل العلم والوصول إلى درجة الاجتهاد أيضا، وبأنه كانت له اختيارات خارجة عن المذهب، وأنه كان مفتيا حافظا معمرا وعالما جليلا (٣). وقد توفي قاسم
стр. 48
العقباني سنة ٨٥٤. فالرجلان إذن من عائلتين كبيرتين في تلمسان اشتهر كل منهما بالعلم والرسوخ فيه. ولما كان تيار العصر يندفع نحو التصوف، كما أشرنا، فإن سلفية ابن مرزوق وجدت نفسها في أقلية بينما انتصر عدد من علماء العصر البارزين أمثال محمد بن يوسف السنوسي إلى رأي قاسم العقباني. وكان للسنوسي أتباع كثيرون أيضا. وقد أثر هو بدوره على الاتجاه الانعزالي الصوفي لعلماء العصر. ويكفي أن نعرف أن من بين انصاره شيخه عبد الرحمن الثعالبي والحسن أبركان ومعاصره محمد بن عبد الله التنسي (١).
٦ - وقصة محمد بن عبد الكريم المغيلي مع يهود توات من القصص التي كثر الحديث حولها بين الكتاب ولا سيما في هذه الأيام. فقد علمت أن هناك من علماء الإنكليز والأمريكان والفرنسيين وغيرهم من كتبوا حولها رسائل وأبحاثا وحاولوا من خلالها أن يصلوا الحاضر بالماضي على أساس أن العرب والمسلمين قد اضطهدوا اليهود عبر العصور وأبرزوا دور اليهود في الحياة السياسية للمسلمين (٢). ونحن هنا لا نريد أن نسرد هذه القصة لأنها أصبحت معروفة (٣) ولأن الذي يهمنا منها هو موقف العلماء المعاصرين لها منها. فقد وجد اليهود صولتهم حينما أحسوا بضعف الدولة السياسي داخليا وخارجيا فتواطؤوا مع بعض الأمراء على مدهم بالمال والدعاية لهم بل وتوليتهم (٤)، بينما الأمراء يسمحون أو يتغاضون عن بناء اليهود بيعا لهم وفتح المتاجر وتأسيس الشركات والاستيلاء على الطرق التجارية. ولما رأى
стр. 49
المغيلي ذلك استفتى علماء تلمسان وفاس وتونس على هدم بيع اليهود في توات فانقسموا، ولكن الأغلبية كانت مع الرأي القائل بوجوب هدمها فهدمت وشارك المغيلي نفسه في ذلك. ومن الذين انتصروا له محمد بن يوسف السنوسي ومحمد بن عبد الله بن عبد الجليل التنسي وأحمد بن زكري (مفتي تلمسان) بالإضافة إلى مفتي فاس ومفتي تونس. فقد هنأ السنوسي زميله المغيلي على شجاعته وقيامه بواجب الدين في وقت فسد فيه الزمان وضعفت فيه فريضة النهي عن المنكر وسادت فيه (مداهنة من يتقي شوكته) أما التنسي فقد كتب إلى المغيلي جوابا مطولا يستصوب رأيه ويبارك عمله.
ويهمنا من هذه القصة الربط بينها وبين واقع العصر السياسي (١). فالمغيلي لم يتخذ ذلك الموقف إلا بعد أن رأى ما عليه اليهود (من التعالي والطغيان والتمرد على الأحكام الشرعية بتولية أرباب الشوكة وخدمة السلطان) فالمسألة إذن ليست دينية كما فهمها من أراد المس بالدين الإسلامي وبأهله لرميهم بالتعصب وضيق الأفق ولكنها مسألة سياسية بالدرجة الأولى. ذلك أن اليهود (وأهل الذمة عامة) اغتنموا فرصة الضعف السياسي والاقتصادي للدولة وراحوا يستعملون حيلهم ونفوذهم للتدخل في شؤون المسلمين وفي صميم الحكم نفسه. لذلك ألف المغيلي رسالة في الموضوع قسمها إلى ثلاثة فصول، فخص الفصل الأول بما يجب على المسلمين من اجتناب الكفار بحيث لا يقرب المسلم كافرا من نفسه أو عياله أو يستعمله في أعماله، ولا يفعل ذلك من المسلمين إلا من لا دين ولا مروءة له. وتناول في الفصل الثاني ما يلزم أهل الذمة (وهو هنا لا يقصد اليهود فقط) من الجزية والصغار. أما الفصل الثالث فقد تحدث فيه عن (يهود هذا الزمان في سائر
стр. 50
الأوطان من الجرأة والطغيان والتمرد على الأحكام الشرعية) (١) والتدخل في شؤون الدولة الإسلامية. فهو لم يستطع أن يقود ثورة ضد الحكام الضعفاء الفاسدين الذين وضعوا مقدرات الأمة بين أيدي غير المسلمين (الكفار) فوجه جهده نحو أهل الذمة ناقما عليهم تدخلهم مستنجدا بالعلماء عليهم باسم فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، كما يقول السنوسي. وقد أشار السنوسي نفسه إلى العلاقة السياسية بين القصة المذكورة وواقع العصر في قوله (فسد فيه الزمان) وسادت فيه (مداهنة من يتقي شوكته) كما دب اليأس في نفس المغيلي من إصلاح الأوضاع في بلاده فتوجه إلى بلاد السودان ينشر مبادئه وأفكاره ويفتي الأمراء هناك بما يتماشى وتصوره في نظم الدولة الإسلامية (٢).
ويتصل بهذه القضية موقف علماء الجزائر من بقايا مسلمي الأندلس: فهل كان على هؤلاء المسلمين أن يعلنوا تنصرهم ويخفوا إسلامهم؟ أو ماذا؟ وأقدم نص في هذا الموضوع فتوى أحمد بن يحيى الونشريسي التي سماها (أسنى المتاجر في بيان أحكام من غلب على وطنه النصارى ولم يهاجر وما يترتب عليه من العقوبات والزواجر). وكان ذلك حين هاجر بعض الأندلسيين إلى المغرب الإسلامي ولكن ما إن وضعوا رحالهم حتى بدأوا يشكون من عدم الأمن وعدم توفر أسباب الدنيا وأخذوا يأسفون على مغادرة ديارهم وأرزاقهم في الأندلس. وقد استنتج الونشريسي أن هجرة هؤلاء إذن كانت للدنيا وليست للدين بينما الهجرة من أرض الكفار إلى أرض الإسلام واجب شرعي (٣). وفي سنة ٩١٠ وجدنا فتوى أخرى لمحمد بن أبي جمعة الوهراني
стр. 51
المعروف بالمغراوي. وهذه الفتوى موجهة إلى مسلمي الأندلس العاضين على دينهم بالنواجذ في وجه الضغط. وقد أفتاهم محمد الوهراني بالمحافظة على دينهم وتعليم أبنائهم أمور دينهم ما أمكنهم إلى ذلك سبيلا وبأن عليهم أن يبتعدوا عن التشخيص والصور وأن يقوموا بشعائر دينهم خفية مستعملين لذلك (التقية) وبأن يتظاهروا بالنصرانية مع إبطان الإسلام في القلب (١). وهي فتوى لا تتفق مع ما ذهب إليه الونشريسي.
بين العلماء والأمراء
نقل الونشريسي في (المعيار) أن القاضي محمد المقري، العالم المجتهد وأستاذ ابن خلدون (٢)، قد قال مرة بأن (شر العلماء علماء السلاطين) وقد أوضح الونشريسي فيما نقل تطور هذه العلاقة بين العلماء والسلاطين خلال العصور. فلخصها كما يلي: كان العلماء في صدر الإسلام يفرون من السلاطين ثم جاء أهل العصر الثاني فطمحت نفوسهم إلى الدنيا فكانوا لا يأتون إليهم فإذا دعاهم السلاطين أجابوهم إلا القليل، ثم كان فيمن بعدهم من يأتيهم بلا دعوى وأكثرهم إن دعي أجاب. فكانت قيمة العلماء، في نظره، تنقص بالتدرج بقدر ما كانوا يتقربون من السلاطين، حتى لقد أصبح هؤلاء يسخرون العلماء لأغراضهم الخاصة إلا القليل منهم (٣). ولا شك أن الونشريسي لم ينقل هذه القولة عن عالم من القرن الثامن إلا لأنها تصادف هوى في نفسه وتسري أيضا على علماء عصره وسلاطينه. فقد
стр. 52
اشتهر هو بشدة الشكيمة في الدين وعدم الخشية في سبيله من أحد (لذلك لم يكن له مع أمراء وقته اتصال كبيرا) رغم إلحاحهم عليه ودعوتهم له - ولعل هذا الموقف المتصلب والمتجافي عن أمراء وقته هو الذي أدى إلى (حصول ما حصل) له مع سلطان تلمسان في وقته. فقد انتهبت داره وتعرض لمضايقات كثيرة (١). ومن أجل ذلك توجه إلى فاس، فاتح سنة ٨٧٤، مهاجرا بأسرته وعلمه فخسرته بلاده وقومه.
والابتعاد عن الحكام (الظلمة) على حد تعبير محمد السنوسي، كان شيمة كبار العلماء. ذلك أن الحاكم يريد تسخير العلماء لخدمته والدعاية لشخصه والكتابة باسمه ونحو ذلك. ولعل من أسباب انعزال بعض العلماء والتجائهم إلى الزهد والتصوف هو ضغط السلاطين عليهم مع جهرهم بالظلم والطغيان والسكوت عن المنكر والفساد. فقد وجدنا عالما مثل عبد الرحمن الثعالبي درس أحوال العصر وتنقل بين عواصم العالم الإسلامي ونهل من علوم وقته، ومع ذلك كان أمام عدة حلول: أن يعلن الثورة على الأوضاع كما فعل المغيلي، أو أن يهاجر من بلاده كما فعل المشدالي والونشريسي، أو أن يصبح مداحا للأمراء كما فعل الحوضي والتنسي وابن القنفذ، أو أن يعتزل الناس جميعا بمن فيهم من أمراء وسوقة. ونحن نجده قد اختار الحل الأخير. وقد أشاد هو بالذين (لا يعرفون الأمراء ولا يخالطونهم) (٢) وكثيرهم العلماء الذين اختاروا هذا الطريق، ومنهم تلميذاه محمد بن يوسف السنوسي وأحمد بن عبد الله الجزائري.
أما المغيلي والحوضي فقد اختارا التقرب من الأمراء، ولكن مع اختلاف في الهدف. فالمغيلي الذي يذكرنا سلوكه بجمال الدين الأفغاني في العصر الحديث، كان ناقما، كما عرفنا، على أمراء المغرب العربي، لتخاذلهم أمام الغارات الأجنبية وانحلالهم داخليا. وقد عاصر هجرة
стр. 53
المسلمين من الأندلس وسقوط غرناطة وعرف ما كانت عليه حالة المشرق الإسلامي تحت المماليك فضج وراح ينشد (الأمير الصالح) في السودان -كما بحث الأفغاني عن (الخليفة الصالح) في مصر واسطانبول وفارس. وقد اتصل هناك بالأمراء وخبر طبائعهم فوجد أن فطرهم أسلم من فطر أمراء المغرب العربي وأن استعدادهم لتقبل نصائحه أقوى من استعداد أمراء بلاده , فألف رسالة في (الإمارة وشروطها). وكان يهدف من ذلك إلى طرح أفكاره حول الحكم الصالح وواجبات الأمير المسلم الحقيقي. فقال إن (الإمارة خلافة من الله ونيابة عن رسول الله. فما أعظم فضلها وأثقل حملها. إن عدل الأمير ذبحته التقوى فقطع أوداج الهوى وإن جار ذبحه الهوى فقطع أوداج التقوى) فمسؤولية الحاكم عند المغيلي مسؤولية خطيرة وليست، كما كان يتوهم أمراء بلاده، ميلا إلى الهوى وتهاونا بالواجبات الشرعية وانحرافا عن تعاليم الدين والصلاح.
وقد قسم المغيلي رسالته عن الإمارة إلى ثمانية أبواب وجعل الباب الأول منها فيما يجب على الأمير من حسن النية لأن الإمارة في الحقيقة لا تصلح لكل الناس. (فعرلى كل عاقل أن يبتعد عنها إلا إذا لم يكن بد منها) فهي في نظره (بلوى بين الهوى والتقوى) وهو بلا شك يلمح إلى حالة الإمارة في عصره حين كانت وراثية لا ينظر فيها إلى الكفاءة وحسن النية والشعور بأهميتها. فقد كان يتولاها الصغير الذي لم يبلغ الحلم، والمغامر، الذي ينشد الغلبة والغنيمة، والفاجر الذي لا هم له إلا إشباع شهواته والتحكم في الرعية. وقد تناول في الباب الثاني ما يجب على الأمير من حسن الهيئة لأن (على كل أمير أن يتردى برداء الهيبة في الحضرة والغيبة) وتحدث في الباب الثالث عن واجبات الأمير في ترتيب مملكته لأن (الإمارة سياسة في ثوب رياسة) ويتابع المغيلي رسالته فيذكر ما يجب على الأمير من الحذر في الحضر والسفر (الباب الرابع) ومن الكشف عن الأمور (الباب الخامس) ومن العدل في الأحكام (الباب السادس) ومن توفير المال من طريق الحلال (الباب السابع) وأخيرا وجوه صرف هذا المال الذي يسميه (مال
стр. 54
الله) (١). إن موقف المغيلي من سلاطين العصر إذن هو موقف الناقد الناقم والناصح المرشد، وليس موقف الطامع في مال أو الباحث عن لقمة أو جاه.
أما معاصره محمد بن عبد الرحمن الحوضي فقد كان تقريبا على عكس ذلك. كان شاعرا ينشد المال والجاه والحظوة في بلاط السلطان، لا ينبه إلى الخطر الداهم، بل ينشد رضى مليكه بقطع النظر عما يحدث في المملكة من مظالم وفوضى وحروب وأهوال. فلنستمع إليه يمدح سيده السلطان أبا عبد الله الزياني أيضا.
أصبح المزن من عطائك يحكي ... يوم الاثنين للأنام عطاء
كيف يدعى لك الغمام شبيها ... ولقد فقته سنا وسناء
أنت تعطي إذا تقصر مالا ... وهو يعطي إذا تطول ماء (٢)
وعلى غرار ذلك سار ابن القنفذ في (الفارسية) التي أهداها إلى السلطان الحفصي ومحمد التنسي في (نظم الدر) الذي قدمه إلى السلطان الزياني أيضا.
ولكن علماء الجزائر لم يكونوا يشكون من ظلم الحكام فقط بل كانوا يشكون من ظلم الناس أيضا. فقد اشتهر الجزائريون منذ القديم بأنهم لا يقيمون وزنا لعلمائهم ولا يعترفون لهم بحرمة أو عهد، وهي ظاهرة كانت أقسى على هؤلاء العلماء من ظلم الحكام وظلم العصر. بل لعلها هي التي اجبرت عددا كبيرا منهم، كما سنرى، على الهجرة والعيش خارج الجزائر. وقد لاحظ محمد السنوسي ذلك فقارن بين عناية أهل المشرق وأهل المغرب بعلمائهم، ووجد أن المشارقة أكثر رعاية لعلمائهم من أهل المغرب، وخاصة أهل الجزائر. فقد نقل عنه إنه قال إن أهل المغرب (خصوصا أهل بلادنا) أقل عناية بمشائخهم (ولهذا لا يجد أكثرنا اعتناء بمشائخنا ولا يحسن الأدب
стр. 55
معهم بل يستحي كثير منا أن ينسب بالتلمذة لمن كان خاملا، ويكون جل انتفاعه بذلك الخامل، فيعدل عن الانتساب إليه إلى من هو مشهور عند الظلمة .. ويرحم الله المشارقة ما أكثر اعتناءهم بمشائخهم وبالصالحين منهم خصوصا) (١).
وهذه الأمور (الحكام، وأحوال العصر، وموقف الناس من العلماء الصالحين) مجتمعة ومتفرقة هي التي جعلت عددا من علماء الجزائر خلال القرن التاسع يهاجرون منها. ويكفي أن نلقي نظرة على تراجم بعضهم في كتب التراجم مثل (الضوء اللامع) للحاوي و (نيل الابتهاج) للتنبكتي و (البستان) لابن مريم و (انباء الغمر) لابن حجر لندرك مدى الخسارة التي منيت بها الثقافة الإسلامية في الجزائر بهجرة العلماء.
التاريخ والسير
ترك الجزائريون أعمالا هامة في التاريخ والتراجم والسير خلال القرن التاسع (١٥ م) بعضها ما يزال مرجعا إلى اليوم. حقا إن جل هذه الأعمال كان مرتبطا باسم سلطان من السلاطين أو دولة من الدول المحلية غير أن الجهد العلمي بقي محتفظا بقيمته رغم مرور القرون عليه. ومما نلاحظ أن بعض هذه الأعمال قد كتبه علماء تغلب عليهم تخصص آخر غير التاريخ، مثل التنسي الذي اشتهر بدراسته الحديث والفقه والأدب، ومثل ابن القنفذ الذي تغلبت عليه العلوم كالحساب والأسطرلاب والفلك، ومثل الثعالبي
стр. 56
الذي عرف بالزهد وعلوم الدين، ومع ذلك فإن آثار هؤلاء التاريخية ما تزال تحتفظ بقيمتها، كما سنرى.
ورغم قرب العهد بابن خلدون وملاحظاته النافذة على المجتمع السياسي والاقتصادي لعصره فإن مدرسته لم تجد صدى بين كتاب التاريخ في جيل القرن التاسع. حقا إن محمد بن الأزرق قد تأثر به كثيرا في كتابه (بدائع السلك) ونقل عنه الفقرات الطويلة، ولكننا لا ندري ما إذا كان ابن الأزرق الأندلسي الموطن، قد أثر هو في جيله أثناء إقامته بتلمسان. فنحن لا نجد آراءه ولا آراء أستاذه ابن خلدون قد تسربت إلى كتاب التنسي وأمثاله من مؤرخي القرن التاسع (١).
١ - ولكن الذي يلفت النظر هو أن الجزائر لم تلد مؤرخا كبيرا كابن خلدون الذي طرح في القرن الثامن أبرز النظريات في العلوم الاجتماعية التي عرفها المسلمون. وبينما كان ابن خلدون يكتب مقدمته المشهورة كان أخوه يحيى يكتب (بغية الرواد) (٢) الذي خصصه لتاريخ وآثار دولة بني عبد الواد. وكان أحد الجزائريين المجهولين يكتب تاريخا سماه (زهر البستان) (٣).
стр. 57
أما محمد بن مرزوق (الجد) فقد اهتم بوضع سيرة الأمير أبي الحسن علي المريني وسمى كتابه (المسند الصحيح الحسن في مآثر مولانا أبي الحسن). وقد برر اختياره له بكونه قد أكرمه ودافع عن الإسلام والعلم، وبكونه يعرف أشياء كثيرة عن الأمير فأراد أن يسجلها في الدفاتر. وقسم كتابه إلى مقدمة وأبواب وخاتمة وجعل المقدمة في الخلافة ورأى العلماء فيها وفي فضلها ووجوب طاعة السلطان وتفضيل الحكام على المفتيين والأئمة (وهو رأي غريب وخطير). وخصص بابا كاملا لنسب بني مرين وتحدث أيضا عن تربية الأمير المذكور وخصاله وسلاحه وطعامه. وأفاض في الأبواب الأخيرة الحديث عن إقامة العدل وتقاليد ليلة المولد النبوي الشريف ورعاية الأمير لأهل الله، وعن كرمه وما كان يؤثر من العلوم، وعن وزرائه وجلسائه، وعن مآثره من المدارس والمستشفيات والقناطر وعن ثناء الناس على هذا الأمير. وجعل الخاتمة في اتصاله هو بالأمير وفي أفضاله عليه (١).
وإذا كان ابن مرزوق قد جعل بطله هو الأمير أبو الحسن المريني فإن عمر بن أحمد الجزائري الراشدي قد جعل بطله أحد رجال الزهد والتصوف وهو أحمد بن عروس. وسمى تأليفه (ابتسام العروس في التعريف بالشيخ أحمد بن عروس) (٢). وكان عمر الراشدي بذلك قد أضاف لبنة جديدة في التركيز على تيار التصوف الذي أخذ يضرب أطنابه في المغرب العربي. ونحن نذكر كتابه هنا لأنه مساهمة منه في باب التراجم والتاريخ الذي نحن بصدده.
стр. 58
٢ - ومن قسنطينة عالج التاريخ عالمان: حسن بن أبي القاسم بن باديس وأحمد بن الخطيب المعروف بابن القنفذ. وقد وجد ابن باديس (كتاب السير) لأحمد بن فارس الرازي مختصرا فقرر أن يشرحه بشرح سماه (فرائد الدرر وفوائد الفكر في شرح المختصر) ولكنه توفي سنة ٧٨٧ قبل أن يكمله. وقد تناول في شرحه سيرة الرسول ﷺ وتاريخ الصحابة، وقسمه إلى مسائل تناول في كل مسألة موضوعا من مختاراته (١) وإذا كان ابن باديس مقلا في آثاره التاريخية فإن ابن القنفذ كان مكثرا. فقد تناول في كتاباته موضوعات محلية (أو وطنية بلغة اليوم) وليست عامة (أو إسلامية) كما فعل زميله ابن باديس. وهناك أعمال كثيرة ألفها ابن القنفذ في التاريخ والتراجم والرحلات والأنساب. ومن ذلك (الفارسية في مبادئ الدولة الحفصية) و (الوفيات) و (أنس الفقير وعز الحقير) و (تحفة الوارد في النسب من قبل الوالد) و (طبقات علماء قسنطينة)، و (المسافة السنية في الرحلة العبدرية) وغيره (٢).
والظاهر أن ابن القنفذ لم يؤلف (الفارسية) طمعا في مال أو حظوة ولكنه ألفه لأسباب أخرى. فالسلطان عبد العزيز الحفصي، المكني بأبي فارس، كان من مواليد قسنطينة (كما كان والده السلطان أحمد المكني بأبي العباس). فكانت هذه الحقيقة كافية في دفع ابن القنفذ إلى إهداء كتابه إلى السلطان (القسنطيني) الذي كان يحكم من حاضرة تونس. وبالإضافة إلى
стр. 59
ذلك فإن ابن القنفذ كان في خدمة الدولة الحفصية (وكان والده في خدمتها أيضا) كما كان جده لأمه. ولعله شعر أن واجب الخدمة يقتضيه أن يكون معترفا بالجميل وقد يكون أراد بتأليفه وإظهار مكانة قسنطينة فيه، تبرئة مواطنيه من تهمة الثورة ضد السلطان أبي فارس. فقد قامت ثورة في قسنطينة ضد هذا السلطان وخشي ابن القنفذ أن يكون لغضب السلطان على أهلها نتائج سيئة فألف كتابه لا اعتذارا عما وقع ولكن إبرازا لمكانة قسنطينة وأهلها في خدمة الدولة الحفصية ومكانة أسرته هو خاصة في ذلك. ومع ذلك فقد يكون الغرض الشخصي وراء تأليف هذا الكتاب. ذلك أن ابن القنفذ كان قاضيا وقد عزله حاكم قسنطينة الذي لم يكن يرتاح إليه. ولكن السلطان قد أعاده إلى وظيفته فكانت (الفارسية) عبارة عن تحية عرفان وعربون ولاء (١). والنسخة المطبوعة من (الفارسية) تقع في حوالي مائة صفحة. وقد بدأهبمؤسس الدولة الحفصية ثم وصل إلى أبي فارس. وهو ينتقل من موضوع إلى آخر بالحديث عن ولاية كل أمير من أمراء هذه الدولة. وهو يلصق باسم كثير منهم عبارة (المجاهد) أو (المقدس) أو هما معا. وبعد أن يذكر سنة تولية الأمير يعرض الأهم من الأحداث التي جرت في عهده فيذكر مآثره وحروبه وخصومه وانتصاراته بشيء من الافتخار والزهو وأوصاف المدح والتمجيد. ومن بين ما يذكره ابن القنفذ وفيات العلماء ونحوهم في عهد الأمير المدروس. ورغم (عقلنة) ابن القنفذ المؤلف في الحساب والفلك ونحوهما فإنه يتحدث عن الأولياء وبعض الكرامات بشيء من البساطة والسذاجة مما يدل على أن فكرة التصوف السلبي والخرافي قد انتشرت في عهده. ولا غرابة في ذلك ما دام جده لأمه كان أيضا صاحب زاوية في قسنطينة.
وقد خصص ابن القنفذ كتابه (أنس الفقير وعز الحقير) لترجمة أبي
стр. 60
مدين (شعيب بن الحسن) دفين تلمسان وبعض أصحابه ومعاصريه. وبذلك يكون هذا الكتاب نوعا من التراجم لعدد من رجال القرون الثلاثة السابقة لحياة المؤلف. ومن الذين تحدث عنهم بالإضافة إلى أبي مدين، الذي أطال في ترجمته, يحيى بن أبي علي الزواوي البجائي ومحمد الصفار الذي كان معلما لأخوات المؤلف في قسنطينة. وقد ذكر ابن القنفذ أن بعض أصدقائه وإخوانه في الدين في قسنطينة قد طلبوا منه سنة ٧٨٧ أن يكتب لهم طرفا عن حياة أبي مدين ويسجل لهم شيئا من كلامه فاستجاب لهم وكتب عن (هذا الشيخ والتعريف (به) وما وصل إلي من خبره ومناسبته مع مناسبة جلبتها هنا قاصدا بذلك سبيل الاختصار على العادة في ذكر الأمثال وسميت هذا التقييد أنس الفقير وعز الحقير) (١).
وبذلك يتضح لنا شيئان: الأول أن الكتاب يكاد يكون حديثا عن أبي مدين وفي ذلك دلالة واضحة على اهتمام ابن القنفذ بالصلاح والولاية والتصوف. الثاني أن المؤلف قد أطلق على كتابه عبارة (تقييد) للدلالة على الاختصار. فهو لم يخطط لكتاب كبير ولكنه قصد التعريف بهؤلاء الرجال مع ذكر أخبارهم ووفياتهم، وأحيانا ولاداتهم. فالكتاب كله يقع في ٧٨ صفحة، وهو يذكر فيه أن والده كان من تلاميذ أبي مدين وأنه كان قد نشر العلم والطريقة في قسنطينة وأنه كان مؤلفا وحاجا. ومن ثمة يتضح أن ابن القنفذ كان على صلة (بالطرقية) سواء من جهة والده أو من جهة جده لأمه الشيخ الملاري. فلا غرابة إذن أن نجده يعتني بسيرة أبي مدين (الغوث).
أما (الوفيات) فقد ألفه ابن القنفذ بطريقة غريبة ذلك أن اهتمامه بعلوم الحديث ورجاله هو الذي أدى به إلى العناية بتسجيل وفيات علماء الحديث. فقد كتب شرحا لقصيدة (غرامي صحيح) سماه (شرف الطالب في أسنى المطالب) وجعله مقدمة لفهم القصيدة المذكورة ووسيلة لفهم أنواع علوم
стр. 61
الحديث. ولما كان أهل الحديث قد حافظوا كثيرا على وفيات الصحابة والمحدثين فإن ابن القنفذ رأى أن يذكر في كتابه ما حضره من ذلك ويضيف إليه وفيات العلماء والمحدثين والمؤلفين. وقد رتب هذا السجل على المئين من السنين قائلا إن أحدا لم يسبقه إلى هذه الطريقة. وبذلك يكون (الوفيات) الذي طبع منفصلا، كالذيل لكتابه (شرف الطالب). وقد ابتدأ بوفاة الرسول ﷺ أي المائة الأولى ووصل فيه إلى المائة التاسعة. وآخر من ترجم له فيه هو محمد بن عبد الرحمن المراكشي (من أهل بلدنا ببونة) المتوفي سنة ٨٠٧.
ويجد الباحث كثيرا من الأخبار في هذا الكتاب عن أسرة ابن القنفذ وعن حياة المؤلف نفسه الذي يظهر عليه الاعتزاز ببلاده وبرجالها، فكثيرا ما يذكر عبارة (بلادنا) أو (بلدنا) في الحديث عن عالم أو مسجد أو نحو ذلك. ويعتبر (الوفيات)، على غرابته واختصاره، من الكتب المفيدة التي يعود إليها الباحثون عن أخبار رجال بجاية وقسنطينة وتلمسان وكذلك أخبار علماء المغرب والأندلس وتونس وغيرهم (١).
ويتضح مما سبق أن كتب ابن القنفذ في التاريخ كلها صغيرة الحجم وتقع في شكل تقييد أو تذييل أو اختصار لكتاب مطول أو نحو ذلك. ولعل أكبر كتاب يذكر في ترجمته هو شرحه للرسالة الذي قيل إنه يقع في (أسفار)
стр. 62
فإذا حكمنا من ضخامة العمل على هوية صاحبه فإننا نصل إلى أن ابن القنفذ كان فقيها أكثر منه مؤرخا. وقد عرفنا أيضا أنه تولى القضاء فترة طويلة. وله كذلك مؤلفات أخرى في الفقه وفروعه. غير أن جهود ابن القنفذ في ميدان العلوم العملية تجعله أيضا من كبار العلماء العقليين في القرنين الثامن والتاسع. وتذكرنا طاقة ابن القنفذ العملية بطاقة أبي رأس المعسكري في القرن الثاني عشر والثالث عشر للهجرة. فكلاهما كان موسوعيا في عصره. ولعل (الحس التاريخي) كان أقوى لدى الأخير منه لدى الأول.
٣ - وهناك عالمان آخران عرفا بالاهتمام بالتاريخ رغم شهرتهما في علوم أخرى. وقد ترك كل منهما عملا يشهد له بالمهارة في فرع التراجم خاصة، وهما ابن مزني البسكري وابن مرزوق الحفيد.
فأبو زيان ناصر بن مزني البسكري الذي يعود إلى أسرة عريقة حكمت منطقة الزاب مدة (إمارة بني مزني التي قضى عليها الحفصيون) كان قد شرع في وضع موسوعة تاريخية كبيرة تتضمن الأحداث وأخبار الرواة وما يتصل بذلك، ولكن فقدان بصره عاقه عن تبييضها وإكمالها. ويقول عنه ابن حجر إنه كان (لهجا بالتاريخ وأخبار الرواة، جماعة لذلك، ضابطا له، مكثرا منه جدا وأراد تبييض كتاب واسع في ذلك فأعجلته المنية) (١). ويبدو أن ابن مزني كان سيؤلف كتابا على غرار تاريخ ابن خلدون الذي كان صديقا لآبائه (أمراء بني مزني) والذي كان قد ساعده على استقراره بالقاهرة بعد أن قضى الحفصيون على إمارتهم ونكب ابن مزني في ماله وثروته. وقد خسرت الجزائر بانتقال ابن مزني إلى المشرق عالما كبيرا كان من الممكن أن يكون في مستوى أستاذه وصديقيه ابن خلدون وابن حجر. ومن الأسف أننا لا ندري الآن كم جزءا قد انتهى منه تسويدا ولا مانع المادة التي قد جمعها لكتابه ولا الطريقة التي سلكها فيه. والكتاب في حكم الضائع.
стр. 63
أما ابن مرزوق الحفيد فقد ألف كتابا صغير الحجم (في نحو كراسة) ترجم فيه للشيخ إبراهيم بن موسى الصنهاجي المصمودي وعدد مناقبه وأشاد به. ونحن لم نطلع على هذا الكتاب الذي ربما يكون أيضا في حكم المفقود (١). ولابن مرزوق أيضا كتاب آخر يدخل في باب السيرة النبوية وهو شرحه المطول على بردة البوصيري الذي سماه (إظهار صدق المودة في شرح قصيدة البردة) (٢) ولطول هذا الشرح قام تلميذ تلميذه، عبد الرحمن بن علي بن عبد الله البجائي (٣) باختصاره في جزئين أي نحو ثلثي الأصل وقد سمى البجائي كتابه مرة (اختصار صدق المودة في شرح البردة) ومرة (مسارح الأنظار ومنتزه الأفكار في حدائق الأزهار). وإذا كانت التسمية الأولى أوضع وأدل على الموضوع فإن للثانية حرارتها وهي أن المختصر قد رجع إلى حوالي مائة وأربعين تأليفا انتقى منها الفوائد التي ضمنها مختصره، ومن ذلك ٦٥٠ بيتا من الشعر و ٧٠٠ مرة من الصلاة والسلام على النبي ﷺ (ومسائل علمية وقضايا عينية وجمل من أخبار الملوك السالفة) بالإضافة إلى مسائل تخص أهل بيت النبوة. وقد اتبع البجائي في شرحه منهج ابن مرزوق فكان يشرح غريب اللغة ويفسر المعنى المقصود ويوضح معاني خواص الكلام المستعمل ويبين وجوه التراكيب والحقيقة والمجاز ويذكر ألوان البديع
стр. 64
ومحاسن الألفاظ والمعاني ويأتي على الإعراب ويلم بالإشارات الصوفية ويشير إلى مقصد الناظم. ومهما كان الأمر فإن العملين: عمل ابن مرزوق وعمل عبد الرحمن البجائي، يعتبران مساهمة هامة في التاريخ الإسلامي والسيرة النبوية (١).
٤ - وقد أسهم عبد الرحمن الثعالبي أيضا في السيرة والتاريخ رغم أن شهرته تكاد تكون مقتصرة على العلوم الشرعية والزهديات. ففي كتاب (الأنوار في آيات النبي المختار) تحدث عن سيرة الرسول ﷺ وعن غزواته وسير الصحابة وغزواتهم وأوصافهم. وهو يخبرنا أنه قد حذا في ترتيب كتابه حذو ابن إسحاق في المغازي. وقد احتوى (الأنوار) على نبذة مختارة في شرف الرسول وما جاء في حقه من أخبار عن الأخيار والقساوسة والرهبان وعلماء أهل الكتاب وما وجده في أشعار الموحدين الأولين مثل كعب بن لؤي وقس بن ساعدة وما روي عن سيف بن ذي يزن وما تناقلته علماء اليهود وما جاء في التوراة والإنجيل ونحو ذلك. وقد قسم الثعالبي كتابه إلى أبواب وفصول، وهو كتاب ضخم يقع في مائتين وثمان وسبعين ورقة من الحجم الكبير (٢). وكان الثعالبي متمرسا على التأليف ولذلك كانت خطته أكثر علمية من خطط بعض معاصريه.
وهناك كتاب آخر للثعالبي يدخل في كتب التراجم، وهو الذي يعرف أحيانا باسم (جامع الهمم في أخبار الأمم) (٣). ولكننا أطلعنا على كتاب للثعالبي يحمل اسم (الجامع) فقط، وهو عبارة عن تذييل لكتاب آخر كان قد شرح به ابن الحاجب. وقد افتتح الناسخ النسخة التي اطلعنا عليها بهذه العبارة (لما يسر الله عليه ذلك ..) والذي جعلنا نذكر كتاب الجاح في هذا
стр. 65
الباب هو أن الثعالبي قد عدد فيه، بعد أن ذكر كثيرا من كلام ابن شاس وغيره، ومناقب الإمام مالك ومناقب أصحابه، ثم تخلص إلى بعض شيوخه (الثعالبي). وبعد ذلك أخذ في تقييد (جمل وجواهر ونفائس) اختارها من كتب كثيرة طالعها. ذلك أنه كان كلما قرأ كتابا نفيسا سجل ما انتقى منه وتحرى في ذلك فاجتمعت له (جملة صالحة في أنوا وفنون من العلوم الكثيرة) وجعل أبواب وفصول الكتاب (روضات وبساتين هي غنيمة للعارفين) وقد عدد فيه كثيرا من كرامات أصحاب الإمام مالك ونماذج من الأذكار والأدعية. وبذلك يتضح أن إطار الكتاب تراجم ومناقب وتواريخ ولكن لا تخرج عما يسميه الثعالبي (بغنيمة ذوي الألباب) وهي التزود للآخرة والعمل بالزهد والتصوف واتباع جملة من الأدعية والأذكار (١).
٥ - ولكن المؤرخ الذي فرض اسمه على تراث القرن التاسع هو محمد بن عبد الله بن عبد الجليل التنسي. وشهرة التنسي تعود إلى موضوعه أكثر مما تعود إلى عمله وطريقته. وموضوعه هو التاريخ لبني زيان الذين تداولوا الحكم على تلمسان وأرسوا بها قواعد دولة تركت كثيرا من المآثر. وقد أطلق التنسي على كتابه اسم (نظم الدر والعقيان في شرف بني زيان وذكر ملوكهم الأعيان ومن ملك من أسلافهم فيما مضى من الزمان) وتوجد منه نسخ كثيرة وخصوصا في الجزائر والمغرب وتونس وباريس وفيينا. ولأهمية موضوعه تناوله عدد من الباحثين بالترجمة والتعريف والنشر والتحقيق، ومن الذين ترجموا أو عرفوا بصاحبه برجيس (٢) وليفي بروفنصال (٣) وشيربونو (٤)
стр. 66
من الفرنسيين وأبو القاسم الحفناوي وعبد الرحمن الجيلالي ومحمود بوعياد من الجزائريين.
ولد التنسي بمدينة تنس، ولكن لا يعرف تاريخ ميلاده بالضبط، ثم انتقل إلى تلمسان عاصمة الجزائر الغربية في عهده فدرس على علمائها، ومنهم قاسم العقباني وابن مرزوق الحفيد ومحمد بن العباس (١). وبعد أن نبغ هو بدوره في علوم عصره، وخاصة منها رواية الحديث والأدب والتواريخ ساهم في حركة التأليف والتدريس. وقد تخرج على يديه تلاميذ كثيرون، لاسيما في رواية الحديث، كما قلنا، حتى أصبح يلقب (بالحافظ). أما تآليفه فليست كثيرة إذ لا يزيد المعروف على ثلاثة، منها كتابه المذكور، وهو الذي اكتسب به الشهرة، ثم كتابه (راح الأرواح فيما قاله المولى أبو حمو من الشعر وقيل فيه من الأمداح وما يوافق ذلك على حسب الاقتراح) وكتاب (الطراز على الخراز) وهو في رسم المصحف. وللتنسي إجابة طويلة على مسألة يهود توات التي سأله عنها المغيلي، كما سبق أن أشرنا. ويبدو أن (راح الأرواح) يعتبر كتابا مفقودا الآن، لأنه يذكر في ترجمة المؤلف، ولم يدل أحد على وجوده حسبما نعرف. أما (الطراز) فتوجد منه نسخ كثيرة.
وإذا حكمنا من محتوى (نظم الدر) ومن عنوان (راح الأرواح) فإن التنسي كان من عشاق الأدب، وخاصة الشعر ومن المولعين بتدوينه. فكتابه الأخير، كما يدل عنوانه، كان يضم شعر السلطان أبي حمو والمدائح التي قيلت فيه وما خطر ببال المؤلف من النكت والأمثال والطرائف. فكان من الموضوعات التي تقدم إلى مجالس السلاطين للتسلية والترفيه والظرف وللدلالة على الذكاء والحفظ.
أما الكتاب الذي نحن بصدد التعريف به فهو (نظم الدر) وهو أيضا موسوعة أدب أقحم فيها التاريخ إقحاما. فقد بدأه بمقدمة مسجعة في شكل
стр. 67
مدح وأهداه إلى السلطان الحاكم عندئذ، وهو أبو عبد الله بن أبي تاشفين (١) بن أبي حمو الزياني. وقد عبر فيها التنسي عن شرف بني زيان بالربط بين نسلهم ونسل الإمام علي ﵁ والسيدة فاطمة الزهراء. فالكتاب إذن ألف على شرف السلطان المذكور ومن خلاله تحدث عن شرف بني زيان عامة وذكر أنسابهم وأحسابهم. وقد قسم الكتاب إلى خمسة أقسام كبيرة وجعل لكل منها أبوابا. ففي القسم الأول سبعة أبواب، والثاني ثلاثة أبواب، والثالث ثلاثة عشر بابا، وفي الرابع ثمانية أبواب، وفي الخامس خمسة أبواب. والباب السابع من القسم الأول هو الذي جعل عنوانه (في شرف بني زيان). أما باقي الكتاب فموضوعه في الأدب والظرف وكيفية الحكم ونحو ذلك. كما أنه أضاف حتى إلى القسم التاريخي فصولا في الأدب شعره ونثره. ومهما يكن من الأمر فإن التنسي قد انتهى من بني زيان في القسم الأول من كتابه. أما القسم الثاني فقد تناول فيه شروط الإمارة وسلوك الملوك وفضائلهم وعدلهم. وضمن القسم الثالث حكايات وقصصا وأخبارا مختلفة عن الأمم الماضية. وجعل القسم الرابع في بيان محاسن اللغة العربية شعرا ونثرا. أما القسم الأخير فقد جعله عبارة عن مقالة في الأخلاق والفلسفة. وقد انتهى كتابه بخاتمة عن أصل العرب كما أورد فيها سبع قصائد للسلطان أبي حمو الزياني (٢).
ومن الواضح أن هدف التنسي من كتابه هو التقرب من الأمير ابن تاشفين بإظهار مكانة بني زيان في التاريخ وفي النسب والآثار. ولذلك مدح
стр. 68
الأمير وبرهن على شرف أسلافه وأبرز مدى مساهمتهم في الحضارة ونفوذ دولتهم، مبتدئا بتاريخ إنشائها ومنتهيا بالأمير الممدوح. ولكن إذا كان هذا هو هدف التنسي، فلماذا ضخم كتابه بأقسام وأبواب هي أبعد ما تكون عن بني زيان؟ ولماذا جعل عنوان كتابه (في شرف بني زيان) بينما لا يشغل الباب الذي خصصه لهذا الغرض إلا جزءا ضئيلا من مجموع الكتاب؟ إننا لا نجد تفسيرا لذلك سوى ميول التنسي الأدبية وكونه أراد أن يقدم للأمير كتابا موسوعيا، على عادتهم عندئذ، يجمع شيئا من كل شيء على غرار ما فعل
بعض القدماء مع ممدوحيهم وأولياء نعمتهم.
ولعل من المناسب أن نذكر أن القرن التاسع قد افتتحه ابن القنفذ بكتابه (الفارسية) وختمه التنسي بكتابه (نظم الدر) فكان الأول في شرق الجزائر وأهدى كتابه إلى أبي فارس الحفصي، والثاني في غربها وأهدى كتابه إلى محمد المتوكل الزياني. فكان ابن القنفذ مؤرخ الدولة الحفصية وكان التنسي مؤرخ الدولة الزيانية، وكلا الدولتين لم تكن في أوج قوة ولم يكن أميرهاأقوى سلطان ولا حكمه أعدل حكم ولا عهده أزهى عهد، ولكن المؤرخين (ابن القنفذ والتنسي) كانا كالشعراء يمدحان للمصلحة الشخصية، فكان دافعهما العاطفة وليس العقل، ولوا كانا صاحبي حكمة وتبصر لاستنكرا أعمال الحكام ولقاوما فساد المجتمع ولنبها إلى الهاوية التي كانت تنحدر إليها الدولتان (١).
٦ - ومن تلاميذ التنسي المنتجين في موضوع التراجم محمد بن أحمد المعروف بابن صعد صاحب كتاب (النجم الثاقب فيما لأولياء الله من مفاخر المناقب). وقد توفي ابن صعد بمصر سنة ٩٠١ أي بعد أستاذه بحوالي ثلاث سنوات. ويبدو أن ابن صعد كان من أهل الشريعة والحقيقة ومتأثرا بتيار العصر الجارف نحو التصوف والزهد والانعزال والعقيدة في الأولياء والمشيخة. فقد اطلعنا له، بالإضافة إلى كتابه المذكور، على قصيدة في مدح
стр. 69
الرسول ﷺ (١) , وينسب له كتاب آخر في التراجم وهو (روضة النسرين في مناقب الأربعة المتأخرين) الذي اختصر فيه كتابه (النجم الثاقب) وترجم فيه فقط لمحمد الهواري وإبراهيم التازي والحسن أبركان وأحمد الغماري. وهذه الآثار جميعا تدل على انتمائه إلى نوعين من فروع المعرفة وهما الترجمة والتصوف. وقد ذكر في كتابه (النجم الثاقب) أن سبب تأليفه هو دعوة من السلطان الزياني محمد بن محمد المتوكل له بذلك، ولا ندري إن كان هذا السلطان قد كلفه فقط بوضع كتاب أو أشار عليه بنوع المادة التي اختارها لكتابه أيضا.
والمهم أن ابن صعد قد اعتمد في كتابه (النجم الثاقب) على عدد كبير من المصادر بلغت أكثر من مائة كتاب، وجمع ما شاء الله من أسماء الأولياء الذين رشحهم لكتابه ورتب أسماءهم على حروف المعجم. وقد ترجم لكل منهم في الحرف المناسب له ذاكرا، كما قال، (ما أمكن من وفياتهم وأنبائهم) لأن الكتاب (يضم أعلامهم وينشر مآثرهم وأيامهم). وقد عثرنا على نسخة من هذا الكتاب فإذا هي في سفر ضخم يحتوي على ثمانية أجزاء (٢) بعضها موجود وبعضها مفقود وتمكنا من الاطلاع على الأجزاء الأول والثاني والرابع والثامن منه. والكتاب غير مقتصر على أسماء الجزائريين بل هو معجم لأولياء الله المسلمين عامة، مشارقة ومغاربه. ومن الجزائريين الذين وردت أسماؤهم في الأجزاء التي اطلعنا عليها محمد بن حسان التاونتي المعروف بابن الميلي، وسيدي واضح بن عاصم بن سليمان المكناسي (الذي كان من أولياء الله بالبلاد الشلفية) (٣)، ومنهم أبو مدين
стр. 70
شعيب أيضا، وكذلك إبراهيم المصمودي نزيل تلمسان الذي سبقت إليه الإشارة. أما غير الجزائريين فكثيرون ومنهم إبراهيم بن أدهم البلخي (إمام الزهاد)، والقاضي عياض، ومحمد بن الحنفية والباقلاني والطرطوشي والغزالي وإبراهيم الدكالي وسفيان الثوري والتستري. وقد انتهى ابن صعد منه، حسب النسخة التي رأيناها، سنة ٨٩١ (١). ولا ندري ما الذي حمله على مغادرة الجزائر إلى القاهرة التي توفي بها. كما لا ندري متى توجه إلى المشرق. فهل كان سوء الأحوال السياسية وراء هذه الرحلة؟ أو أن الوفاة أدركته وهو في طريق الحج؟ ذلك ما لا نستطيع تأكيده الآن.
أما كتابه (روضة النسرين) فإن عنوانه الثاني (في مناقب الأربعة المتأخرين) يثير التساؤل حول علاقته بالكتاب الذي ينسب أيضا إلى محمد بن يوسف السنوسي الذي عنوانه (مناقب الأربعة رجال المتأخرين). ومما يثير الشك هو أن نفس الرجال الذين ترجم لهم السنوسي، (وهو أستاذ ابن صعد) قد ترجم لهم هذا أيضا. فهل اتفق الرجلان حذوك النعل بالنعل أو أن الكتاب في الواقع لمؤلف واحد. وإذا كان الأمر كذلك فمن يا ترى منهما المؤلف؟ إن ابن مريم صاحب (البستان) قد ذكرهما معا في مواضع مختلفة من كتابه. وقد استفاد هو من (روضة النسرين) لا محالة، كما أن عناية ابن صعد بالترجمة لأولياء الله وتعداد مناقبهم قد فتحت لابن مريم بابا واسعا عندما جعل كتابه أيضا (في ذكر الأولياء والعلماء).
ولعل الفرق بين (النجم الثاقب) وبين (البستان) هو أن الأول في أولياء الله عامة، بينما الثاني في أولياء الله بالحزائر وبالخصوص تلمسان. وكان دافع ابن صعد إلى التأليف إشارة السلطان، أما ابن مريم فدافعه طلب أخ كريم ووعظ النفوس لصالح الأعمال في وقت استطار فيه شر الزمان. ومهما كان
стр. 71
الأمر فإننا نرجح أن يكون (روضة النسرين) من أعمال ابن صعد وحده وأنه قد نسب خطأ إلى السنوسي. ولعل غيرنا يكشف عن غير هذه الحقيقة.
٧ - ويشترك محمد بن عمر بن إبراهيم الملالي التلمساني مع ابن صعد في الاهتمام بالتراجم ولكن في اتجاه آخر. فقد كتب الملالي سيرة أستاذه محمد بن يوسف السنوسي وأطال في ذلك وسمى عمله (المواهب القدسية في المناقب السنوسية) وهو ترجمة واسعة لحياة أستاذه السنوسي حتى أصبح الكتاب لا غنى عنه ليس فقط لفهم حياة السنوسي (الذي أسف أثناء حياته من إهمال المغاربة لشيوخهم) ولكن لفهم عصر السنوسي أيضا. وقد كثرت نسخ (المواهب القدسية) لأنها كانت متداولة بحكم شهرة السنوسي نفسه وكثرة مؤلفته وتدريسها شرقا وغربا من العالم الإسلامي.
وقد اطلعنا نحن على نسخة منها في تونس وأخرى في المغرب الأقصى فإذا هي عمل ضخم جدير بالاعتبار. ولم يكن ينقص الملالي روح المنهجية العلمية أيضا، فقد قسم كتابه إلى مقدمة وعشرة أبواب فكان الكتاب، بعد المقدمة، على هذا النحو: في التعريف بأشياخ السنوسي، في مكاشفاته وكراماته، في عمله وشمائله وزهده، في تآليفه، في جملة من الآيات فسرها، في جملة من الأحاديث النبوية فسرها أيضا، في تفسيره لكلام أهل الحقيقة، في أوراده وأدعيته، في وفاته، وأخيرا فيما قاله من الشعر وما قيل فيه. وبذلك تنتهي العشرة أبواب التي ضمها كتاب (المواهب القدسية) (١).
وواضح من الكتاب أن اتجاه الملالي كان نحو التصوف. فقد ركز فيه على جانب التصوف عند السنوسي بينما كان السنوسي في الواقع من علماء الظاهر والباطن. وقد انتصر لأهل الحقيقة أو الباطن في رده على أبي الحسن الصغير وحبذ استعمال السبحة والخرقة وغير ذلك من شعارات أهل
стр. 72
التصوف. ومن جهة أخرى جعل الملالي مقدمة الكتاب في دراسة أحوال الأولياء في الدنيا لتنشيط النفوس لسماع ما سيأتي، حسب قوله. وقد أثر السنوسي في معاصريه بدعوته ودفاعه عن أهل التصوف، كما كان تلميذه الملالي نعم الخلف في هذا الاتجاه. فقد أثر الملالي أيضا في الجيل اللاحق أمثال ابن مريم صاحب (البستان) وأحمد العبادي الذي وضع أيضا ترجمة قصيرة للسنوسي، كما سنرى. وكان ابن مريم قد اختصر (المواهب القدسية) في ثلاث كراريس من جملة ست عشرة كراسة. وقد اعتمد الملالي في كتابه على مصادر كثيرة، ولكن أهم مصدر له هو الشيخ نفسه (السنوسي) فقد سمع منه (مهمات المسائل التي أشكلت على كثير من العلماء الأعيان في هذا الزمان (ولكنه أخبر أنه ليس كل ما سمع منه استحضره وقت الكتابة (ولا كل شيء استحضرته يمكن إثباته). ولعل الملالي يشير بهذه العبارة إلى أن هناك أسرارا صوفية كان يعرفها عن السنوسي لم يذكرها كعادة بعضهم في ذلك. وقد قيل إن الملالي قد ألف كتابه سنة ٨٩٧ أي بعد حوالي سنتين من وفاة السنوسي. ورغم أننا لا نعرف الكثير عن حياة الملالي فالغالب أنه عاش عقدا أو عقدين في القرن العاشر حتى تصح دعوى ابن مريم من أنه كان تلميذا للملالي. ومهما كان الأمر فإن (المواهب القدسية) يعتبر من أهم كتب التراجم الخاصة بأحد العلماء رغم ما فيه من تأثر بالتصوف وإغفال للعوامل السياسية والاقتصادية التي أثرت في شخصية السنوسي.
٨ - وقد ألف عيسى بن سلامة البسكري، الذي كان اهتمامه بالتصوف في الدرجة الأولى، عملا في التاريخ تناول فيه فتح إفريقية من قبل المسلمين (١). ويبدو أنه اختصر ذلك من عمل غيره. غير أن الطريقة لذلك غير واضحة. فقد قال (قصدت فيه إلى اختصار فتح إفريقية ومن دخلها من الصحابة والتابعين). وهذا التعبير قد يدل على أنه ألف موجزا عن تاريخ إفريقية، وقد يدل على أنه اختصر فيه عمل غيره في نفس الموضوع. وعلى
стр. 73
كل حال فإنه لم يقتصر على ما ذكره لأننا وجدناه يتحدث فيه عمن دخل إفريقية أيضا من الأمراء والأولياء والعلماء وأخبارهم. والنسخة التي اطلعنا عليها مبتورة الأول، ولذلك فهي بدون عنوان سوى ما جاء في عبارة المؤلف السابقة. وقد رتبه على ثلاثة أبواب: الأول فيمن دخل إفريقية من الصحابة والتابعين، والثاني فيمن دخلها من الأمراء (وهو لم يذكر هذا الباب وإنما الغالب أن يكون عنوانه كذلك) والثالث في رجال من الأولياء والعلماء وذكر بعض كراماتهم. ومن أولياء بسكرة الذين ذكرهم، أبو الفضل البسكري. أما العلماء فقد ذكر منهم مالك بن أنس وسحنون. وكان ينقل أخباره عن (وفيات) ابن القنفذ وعن ابن الرقيق القيرواني وغيرهما. وقد جاء بسند ابن القنفذ الذي أخبر أنه أخذه عليه ولعل ذلك كان بقسنطينة أو بتلمسان. والمهم أن روح التصوف قد غلبت على عيسى البسكري حتى في هذا العمل التاريخي. ولعل هذا الخلط بين معلومات الباب الأول والثالث جاء من غيره أيضا.
وبالإضافة إلى (الوفيات) ألف أحمد بن يحيى الونشريسي، الذي سنتحدث عنه في قسم الفقه، رسالة في التاريخ أيضا سماها (تنبيه الحاذق الندس على خطا من سوى بين جامع القرويين والأندلس) أجاب بها بعض الطلباة أثناء وجوده بمدينة فاس (١). وبعد فذلكة تاريخية أجاب الونشريسي بأن صلاة الجمعة بجامع الأندلس أولى من أدائها بجامع القرويين.
الأدب واللغة
لم تنجب جزائر القرن التاسع شاعرا متميزا كابن خميس في السالفين وابن علي في اللاحقين، بل إنها لم تنجب أديبا بارزا يغشى بأدبه بلاطات
стр. 74
السلاطين ومجالس الطرب واللهو كما فعل الشاعران الحوضي والخلوف (إذا ثبتت جزائرية الثاني) والمؤرخان ابن القنفذ والتنسي. إن الأدب، والشعر أخصه وأرقه، قد اختلط بالتاريخ كما كان الحال عند التنسي أو اختلط بالتصوف والمدائح النبوية كما كان الحال عند الحوضي، أو طغت عليه الشروح والمتون. ومن الغريب أن نتحدث عن التأثير الأندلسي في الحياة الاجتماعية والثقافية ثم لا نجد (طريقة) أندلسية جزائرية في الأدب تميز بها القرن التاسع وتلاقحت فيها قرائح الأندلسيين ومواهب الجزائريين.
١ - وكما كان هناك مؤرخان بارزان رسميان أحدهما في غرب البلاد والآخر في شرقها، كان هناك شاعران بارزان رسميان أيضا أحدهما في تلمسان وهو محمد بن عبد الرحمن الحوضي والثاني في تونس وهو أحمد بن محمد الخلوف. الأول شاعر بلاط الزيانيين والثاني شاعر بلاط الحفصيين (١). ولكن كليهما اشتهر بشعر المدح والشعر الديني أيضا. فللحوضي مجموعة أشعار في مختلف الأغراض منها، بالإضافة إلى ما ذكرنا، الغزل والرثاء والتصوف. أما الخلوف فله ديوان كامل في المدح النبوي، بالإضافة إلى المدح السياسي. وقد كان ملازما للسلطان الحفصي أبي عمرو عثمان مادحا له ومشيدا بآثاره. وكان يجمع بين النثر والشعر حتى لقب بذي الصناعتين. وله قصائد طوال.
стр. 75
وقد حفظت لنا بعض أشعار الحوضي وأراجيزه في مختلف الأغراض، من ذلك قصيدته الغزلية (الطنانة) حسب تعبير أبي حامد المشرفي الذي أورده (١). وقد قال المشرفي عنها أيضا إنها قصيدة تفتح الشهية. ومنها هذه الأبيات:
أرذاذ المزن من عيني نزل ... أم دموع الشوق إذ رق الغزل
أبعيني دمعة وكافة ... أم شعيب للنوى منها انتزل
لا بكت عيني ولا أبقى البكا ... ضوءها عن فعلها ان لم تزل
دع عذولي اللوم إني شائق ... رق طبعي دون صنعي في الأزل
أو ينسى العهد قلب دنف ... والهوى قبل النوى عنه نزل
لا تلمني دون علم عاذلي ... فبسمعي صمم عمن عذل
إن في نار هواكم جنتي ... لو علمت الحبل منكم يتصل
أمنوا روعة قلبي باللقا ... فانتظار الوعد قرب إن حصل
ومن الواضح أن القصيدة رغم مدح المشرفي لها، فيها تصنع كثير.
ومع ذلك ففيها رقة في اللفظ وعذوبة تجعلها صادرة عن شاعرية قوية في ذلك الوقت.
ولكن الحوضي كتب أيضا في الرثاء مثل قصيدته في رثاء شيخه محمد بن يوسف السنوسي، وهي قصيدة لزومية وطويلة (٤١ بيتا) وقد بدأها بقوله:
ما للمنازل أظلمت أرجاؤها ... والأرض رجت حين خاب رجاؤها (٢)
ومن شعره في المديح النبوي قصيدة في ٤١ بيتا أيضا، وهي تذكر القارئ لها بقصائد ابن الفارض في التصوف إذ فيها مزج بين حب النبي والعشق الإلهي. ولا نعتقد أن الحوضي كان فيها متميزا عن غيره من شعراء