الأمر فإننا نرجح أن يكون (روضة النسرين) من أعمال ابن صعد وحده وأنه قد نسب خطأ إلى السنوسي. ولعل غيرنا يكشف عن غير هذه الحقيقة.
٧ - ويشترك محمد بن عمر بن إبراهيم الملالي التلمساني مع ابن صعد في الاهتمام بالتراجم ولكن في اتجاه آخر. فقد كتب الملالي سيرة أستاذه محمد بن يوسف السنوسي وأطال في ذلك وسمى عمله (المواهب القدسية في المناقب السنوسية) وهو ترجمة واسعة لحياة أستاذه السنوسي حتى أصبح الكتاب لا غنى عنه ليس فقط لفهم حياة السنوسي (الذي أسف أثناء حياته من إهمال المغاربة لشيوخهم) ولكن لفهم عصر السنوسي أيضا. وقد كثرت نسخ (المواهب القدسية) لأنها كانت متداولة بحكم شهرة السنوسي نفسه وكثرة مؤلفته وتدريسها شرقا وغربا من العالم الإسلامي.
وقد اطلعنا نحن على نسخة منها في تونس وأخرى في المغرب الأقصى فإذا هي عمل ضخم جدير بالاعتبار. ولم يكن ينقص الملالي روح المنهجية العلمية أيضا، فقد قسم كتابه إلى مقدمة وعشرة أبواب فكان الكتاب، بعد المقدمة، على هذا النحو: في التعريف بأشياخ السنوسي، في مكاشفاته وكراماته، في عمله وشمائله وزهده، في تآليفه، في جملة من الآيات فسرها، في جملة من الأحاديث النبوية فسرها أيضا، في تفسيره لكلام أهل الحقيقة، في أوراده وأدعيته، في وفاته، وأخيرا فيما قاله من الشعر وما قيل فيه. وبذلك تنتهي العشرة أبواب التي ضمها كتاب (المواهب القدسية) (١).
وواضح من الكتاب أن اتجاه الملالي كان نحو التصوف. فقد ركز فيه على جانب التصوف عند السنوسي بينما كان السنوسي في الواقع من علماء الظاهر والباطن. وقد انتصر لأهل الحقيقة أو الباطن في رده على أبي الحسن الصغير وحبذ استعمال السبحة والخرقة وغير ذلك من شعارات أهل
стр. 72
التصوف. ومن جهة أخرى جعل الملالي مقدمة الكتاب في دراسة أحوال الأولياء في الدنيا لتنشيط النفوس لسماع ما سيأتي، حسب قوله. وقد أثر السنوسي في معاصريه بدعوته ودفاعه عن أهل التصوف، كما كان تلميذه الملالي نعم الخلف في هذا الاتجاه. فقد أثر الملالي أيضا في الجيل اللاحق أمثال ابن مريم صاحب (البستان) وأحمد العبادي الذي وضع أيضا ترجمة قصيرة للسنوسي، كما سنرى. وكان ابن مريم قد اختصر (المواهب القدسية) في ثلاث كراريس من جملة ست عشرة كراسة. وقد اعتمد الملالي في كتابه على مصادر كثيرة، ولكن أهم مصدر له هو الشيخ نفسه (السنوسي) فقد سمع منه (مهمات المسائل التي أشكلت على كثير من العلماء الأعيان في هذا الزمان (ولكنه أخبر أنه ليس كل ما سمع منه استحضره وقت الكتابة (ولا كل شيء استحضرته يمكن إثباته). ولعل الملالي يشير بهذه العبارة إلى أن هناك أسرارا صوفية كان يعرفها عن السنوسي لم يذكرها كعادة بعضهم في ذلك. وقد قيل إن الملالي قد ألف كتابه سنة ٨٩٧ أي بعد حوالي سنتين من وفاة السنوسي. ورغم أننا لا نعرف الكثير عن حياة الملالي فالغالب أنه عاش عقدا أو عقدين في القرن العاشر حتى تصح دعوى ابن مريم من أنه كان تلميذا للملالي. ومهما كان الأمر فإن (المواهب القدسية) يعتبر من أهم كتب التراجم الخاصة بأحد العلماء رغم ما فيه من تأثر بالتصوف وإغفال للعوامل السياسية والاقتصادية التي أثرت في شخصية السنوسي.
٨ - وقد ألف عيسى بن سلامة البسكري، الذي كان اهتمامه بالتصوف في الدرجة الأولى، عملا في التاريخ تناول فيه فتح إفريقية من قبل المسلمين (١). ويبدو أنه اختصر ذلك من عمل غيره. غير أن الطريقة لذلك غير واضحة. فقد قال (قصدت فيه إلى اختصار فتح إفريقية ومن دخلها من الصحابة والتابعين). وهذا التعبير قد يدل على أنه ألف موجزا عن تاريخ إفريقية، وقد يدل على أنه اختصر فيه عمل غيره في نفس الموضوع. وعلى
стр. 73
كل حال فإنه لم يقتصر على ما ذكره لأننا وجدناه يتحدث فيه عمن دخل إفريقية أيضا من الأمراء والأولياء والعلماء وأخبارهم. والنسخة التي اطلعنا عليها مبتورة الأول، ولذلك فهي بدون عنوان سوى ما جاء في عبارة المؤلف السابقة. وقد رتبه على ثلاثة أبواب: الأول فيمن دخل إفريقية من الصحابة والتابعين، والثاني فيمن دخلها من الأمراء (وهو لم يذكر هذا الباب وإنما الغالب أن يكون عنوانه كذلك) والثالث في رجال من الأولياء والعلماء وذكر بعض كراماتهم. ومن أولياء بسكرة الذين ذكرهم، أبو الفضل البسكري. أما العلماء فقد ذكر منهم مالك بن أنس وسحنون. وكان ينقل أخباره عن (وفيات) ابن القنفذ وعن ابن الرقيق القيرواني وغيرهما. وقد جاء بسند ابن القنفذ الذي أخبر أنه أخذه عليه ولعل ذلك كان بقسنطينة أو بتلمسان. والمهم أن روح التصوف قد غلبت على عيسى البسكري حتى في هذا العمل التاريخي. ولعل هذا الخلط بين معلومات الباب الأول والثالث جاء من غيره أيضا.
وبالإضافة إلى (الوفيات) ألف أحمد بن يحيى الونشريسي، الذي سنتحدث عنه في قسم الفقه، رسالة في التاريخ أيضا سماها (تنبيه الحاذق الندس على خطا من سوى بين جامع القرويين والأندلس) أجاب بها بعض الطلباة أثناء وجوده بمدينة فاس (١). وبعد فذلكة تاريخية أجاب الونشريسي بأن صلاة الجمعة بجامع الأندلس أولى من أدائها بجامع القرويين.
الأدب واللغة
لم تنجب جزائر القرن التاسع شاعرا متميزا كابن خميس في السالفين وابن علي في اللاحقين، بل إنها لم تنجب أديبا بارزا يغشى بأدبه بلاطات
стр. 74
السلاطين ومجالس الطرب واللهو كما فعل الشاعران الحوضي والخلوف (إذا ثبتت جزائرية الثاني) والمؤرخان ابن القنفذ والتنسي. إن الأدب، والشعر أخصه وأرقه، قد اختلط بالتاريخ كما كان الحال عند التنسي أو اختلط بالتصوف والمدائح النبوية كما كان الحال عند الحوضي، أو طغت عليه الشروح والمتون. ومن الغريب أن نتحدث عن التأثير الأندلسي في الحياة الاجتماعية والثقافية ثم لا نجد (طريقة) أندلسية جزائرية في الأدب تميز بها القرن التاسع وتلاقحت فيها قرائح الأندلسيين ومواهب الجزائريين.
١ - وكما كان هناك مؤرخان بارزان رسميان أحدهما في غرب البلاد والآخر في شرقها، كان هناك شاعران بارزان رسميان أيضا أحدهما في تلمسان وهو محمد بن عبد الرحمن الحوضي والثاني في تونس وهو أحمد بن محمد الخلوف. الأول شاعر بلاط الزيانيين والثاني شاعر بلاط الحفصيين (١). ولكن كليهما اشتهر بشعر المدح والشعر الديني أيضا. فللحوضي مجموعة أشعار في مختلف الأغراض منها، بالإضافة إلى ما ذكرنا، الغزل والرثاء والتصوف. أما الخلوف فله ديوان كامل في المدح النبوي، بالإضافة إلى المدح السياسي. وقد كان ملازما للسلطان الحفصي أبي عمرو عثمان مادحا له ومشيدا بآثاره. وكان يجمع بين النثر والشعر حتى لقب بذي الصناعتين. وله قصائد طوال.
стр. 75
وقد حفظت لنا بعض أشعار الحوضي وأراجيزه في مختلف الأغراض، من ذلك قصيدته الغزلية (الطنانة) حسب تعبير أبي حامد المشرفي الذي أورده (١). وقد قال المشرفي عنها أيضا إنها قصيدة تفتح الشهية. ومنها هذه الأبيات:
أرذاذ المزن من عيني نزل ... أم دموع الشوق إذ رق الغزل
أبعيني دمعة وكافة ... أم شعيب للنوى منها انتزل
لا بكت عيني ولا أبقى البكا ... ضوءها عن فعلها ان لم تزل
دع عذولي اللوم إني شائق ... رق طبعي دون صنعي في الأزل
أو ينسى العهد قلب دنف ... والهوى قبل النوى عنه نزل
لا تلمني دون علم عاذلي ... فبسمعي صمم عمن عذل
إن في نار هواكم جنتي ... لو علمت الحبل منكم يتصل
أمنوا روعة قلبي باللقا ... فانتظار الوعد قرب إن حصل
ومن الواضح أن القصيدة رغم مدح المشرفي لها، فيها تصنع كثير.
ومع ذلك ففيها رقة في اللفظ وعذوبة تجعلها صادرة عن شاعرية قوية في ذلك الوقت.
ولكن الحوضي كتب أيضا في الرثاء مثل قصيدته في رثاء شيخه محمد بن يوسف السنوسي، وهي قصيدة لزومية وطويلة (٤١ بيتا) وقد بدأها بقوله:
ما للمنازل أظلمت أرجاؤها ... والأرض رجت حين خاب رجاؤها (٢)
ومن شعره في المديح النبوي قصيدة في ٤١ بيتا أيضا، وهي تذكر القارئ لها بقصائد ابن الفارض في التصوف إذ فيها مزج بين حب النبي والعشق الإلهي. ولا نعتقد أن الحوضي كان فيها متميزا عن غيره من شعراء
стр. 76
هذه الصنعة سوى بقوة عارضته. واستمع إلى هذه الأبيات منها:
لا تسل عن غرام قيس وليلى ... واستمع سورة الهوى كيف تتلى
آية الحب في المحبين وجد ... معه لا ترى الحياة بأولى
أنا صب متيم مستهام ... لم يدع لي من أحبه عقلا
قد سرى حبه بكلي وبعضي ... كيف أسلو وكيف لي أتسلى (١)
وله في هذا المعنى قصيدة على وزن وقافية بردة البوصري. فالحوضي إذن كان شاعر القصر وشاعر الحب النبوي في نفس الوقت. ولا شك أنه كان بين تيارين تيار دنيوي تتجاذبه السياسة والجاه والحياة الأدبية وتيار أخروي بدأت تسيطر عليه عقائد الصوفية والخرافات. وسنعرف أكثر عن التيار الأخير بعد قليل.
٢ - أما معاصره أحمد الخلوف فقد كان كذلك محتارا بين التيارين. فالزركشي صاحب (تاريخ الدولتين) قد (حلاه ونوه به ونقل من شعره) في شرحه (للقصيدة الدمامينية) (٢). ولكن يبدو أن الذي نوه به الزركشي هو شعر المدح السياسي الذي قاله الخلوف في السلطان الحفصي عثمان (٣). ومهما يكن الأمر فإنه بإمكاننا القول بأن جزءا من شعر الخلوف (شعر المدح خاصة) لم يضع وأنه ما زال مخطوطا في تونس.
كما أن ديوان الخلوف في المدائح النبوية (أو الشعر الديني) لم يضع أيضا. ويبدو أن الخلوف قد سار في هذا الديوان سيرة الحوضي في (الوسائل العظمى). فقد وضع في الديوان عناوين للقصائد مثل (قطر الغمام في مدح خير الأنام) ومثل (استرواح القبول بمدح طه الرسول) وهكذا. وقد أخبر
стр. 77
عبد الرحمن الجيلالي أنه يملك من هذا الديوان نسخة تقع في ٢٤٦ صفحة واعتبر قصائد الخلوف فيه من عيون الشعر وأنها طويلة حتى أن القصيرة منها لا تقل عن مآت الأبيات (١).
ويبدو أن الخلوف قد تولى مناصب سلطانية كالكتابة. وقد تنقل بين قسنطينة وتونس ومكة والقدس والقاهرة والمغرب. وتلقى علومه في المشرق والمغرب وحج البيت وكانت له موهبة في الشعر والأدب ظهرت مبكرة وجاور بمكة قبل أن يستقر به النوى في تونس حيث توفي. وقد ترك إلى جانب أشعاره كتابا في العروض وآخر في البديع ورجزا في الصرف وعملا في الفرائض. ويتبين من هذه الآثار أن الخلوف كان أكثر اهتماما بالاتجاه الدنيوي من زميله الحوضي الذي غلب عليه، كما لاحظنا، التصوف وبالأخص في أخريات أيامه. ولعل ذلك يعود إلى ثقافة كل منهما وأثر العصر والبيئة في كل منهما.
٣ - ولقد كان الشعر وفيرا في الجزائر خلال القرن التاسع غير أن روح التصوف قد طغت عليه فلا نكاد نجد (عالما) إلا وله قصيدة (وكانوا يسمونها غالبا منظومة، وهي في الواقع كذلك) في موضوع ديني أو صوفي أو في رثاء متصوف أو زاهد، وما شاكل ذلك. وفي هذا الباب تدخل قصيدة إبراهيم التازي المعروفة (بالمرادية) و (المنظومة الجزائرية) لأحمد بن عبد الله الجزائري و (سينية) ابن باديس و (منظومة المراصد) لابن زكري. إن الشعر في هذه الفترة قد أصبح (نظما) لا وحي فيه ولا خيال وتخلى في أغلبه عن الغزل والطبيعة والأحاسيس الإنسانية الأخرى. ولذلك فضلنا أن ندمج تلك المنظومات في باب التصوف لا في باب الشعر الحق.
وإلى جانب الموضوعات الدينية والصوفية ومدح السلاطين تناول الشعراء موضوعات أخرى محددة كالرثاء والشكوى والغزل والصيد. وقد
стр. 78
أشرنا إلى مرثية الحوضي في شيخه السنوسي. ونضيف إلى ذلك مرثية أحمد بن عبد الله الجزائري في شيخه وصديقه عبد الرحمن الثعالبي، وتعتبر هذه المرثية من أقوى قصائد الرثاء في وقتها. وقد تناقلها الرواة فتعددت نسخها وهي تبدأ هكذا:
لقد جزعت نفسي لفقد أحبتي ... وحق لها من مثل ذلك تجزع (١)
ويبدو أن الجزائري كان يكثر من قرض الشعر، فقد رويت عنه أيضا أبيات في الشكوى من الأحوال التي ألمت بمدينة الجزائر بعد أن كان العيش فيها رغدا، وهي أبيات تصور، على قلتها، بعض أحوال مدينة الجزائر في القرن التاسع:
دع الجزائر لا تحلل بساحتها ... في ذا الزمان ولا تنزل بواديها
كدنا لأجل حلول الحادثات بها ... نختار، والله، للسكنى بواديها
من بعد عيش هني عم ساكنها ... وبعد عافية حلت بناديها
وجل ما ضرها من أهلها نفر ... هم في الحقيقة أضحوا من أعاديها
مد الإله عليها ظل عافية ... مثل التي قد رأتها في مباديها (٢)
ويمكن لدارس الشعر في القرن التاسع أن يجد نماذج من جميع الموضوعات التي أشرنا إليها ولا سيما التصوف والمدائح النبوية والرثاء. ومن أجود قصائد المديح النبوي قصيدة عبد الرحمن بن علي بن عبد الله الغبريني البجائي، تلميذ عبد الرحمن الثعالبي التي تقع في أربعين بيتا، ومطلعها:
حادي الركائب والأضعان في السفر ... رفقا فلي كبد لهفى على جمر
ويا غزال النقا عز اللقاء وما ... وقفت يوما لأحبابي على خبر
وقد ذكر الشاعر نفسه الذي أورد القصيدة في آخر الجزء الثاني من
стр. 79
كتاب (مسارح الأنظار) أنها قد اشتهرت في المغرب والأندلس وانتقلت أيضا إلى المدينة المنورة (واعتنى بحفظها وكتبها الفقهاء الأنجاد في عدة من البلاد) وقد خمسها الشاعر أبو النور بن الحاج المبارك الياوراسي (كذا) المعاصر للشاعر وأورد الغبريني نفسه التخميس على طوله في كتابه المذكور (١).
٤ - أما النثر فقد ظل يشع من وقت لآخر في المقدمات السجعية التي كان الكتاب يتفننون فيها، وفي الإجازات التي كان العلماء يتلقونها عن بعضهم، وفي الرسائل الأخوانية التي كانوا يتبادلونها، والرسائل السلطانية التي كانوا ينشئونها ويتصنعون فيها، وفي غير ذلك من الآثار المكتوبة. وفي هذا الصدد ننوه بآثار أحمد بن أبي حجلة التلمساني وأحمد النقاوسي صاحب (الروض الأريض) و (احكام صنعة الكلام) رغم تقدمهما على العصر الذي نحن ندرسه (٢). كما نذكر الرسالة التي كتبها عبد الرحمن الثعالبي إلى بعض تلاميذه ومريديه في الجهاد، وهي رسالة بسيطة العبارة ومرسلة. وقد تحدث فيها عن موضوع هام كان موضوع الساعة في الأندلس والمغرب، ولذلك خصصنا لها دراسة في غير هذا المكان (٣). وألف أحمد بن أحمد البجائي المعروف بأبي عصيدة عملا أدبيا هاما سماه (رسالة الغريب إلى الحبيب)، وهو خطاب موجه منه لما كان بالمدينة المنورة إلى محمد بن أبي القاسم المشدالي البجائي الذي كان مقيما في القاهرة. وقد تفنن أبو عصيدة في هذه الرسالة وأجاد (٤).
فقد افتتح أبو عصيدة رسالته بقصيدة مطلعها، بعد الديباجة:
هذي مراسلة العبد الفقير إلى ... كهف الأنام وفخر الوقت والسلف
стр. 80
ومما جاء فيها عن الرسالة نفسها:
وكم حوت من أمور راق مسمعها ... ومن عتاب ومن نظم ومن طرف
وهي فعلا كذلك. فقد ضمنها الشعر والنثر المسجع والأخبار والطرائف. أما عن موضوعها ففيها أخبار هامة عن حياة المؤلف في الغربة لأنه قد رحل إلى الحجاز للحج ثم عاد عبر تونس بعد ثلاث سنوات ناويا الإقامة بالوطن، وعندما سأل في تونس عن الأهل والأصدقاء علم أن جميعهم قد توفوا وتفرق شملهم فعاد من حيث أتى وظل في الحجاز يكتب ويقرئ البخاري والشفا ونحوهما. ولولا هذه المراسلات التي كانت تدور بينه وبين المشدالي وأمثاله، لانقطعت صلته بالوطن. ولذلك ذكر أنه كتب رحلة ضمنها أخبار تنقلاته ومشاهداته في المشرق، وكان أبو عصيدة شاعرا أيضا فأكثر في الرسالة التي بلغت ٧٥ ورقة من شعره وشعر غيره في الحب والعتاب والتودد والاعتذار ونحو ذلك. كما أن فيها أخبارا هامة عن حياة محمد المشدالي في المشرق وتآليفه وأشعاره ووظائفه. بالإضافة إلى أخبار بعض الجزائريين والمغاربة في المهجر وفي أوطانهم.
فأهمية الرسالة إذن واضحة سواء من الوجهة الأدبية أو التاريخية.
وهذه هي فاتحتها النثرية (وبعد، هذه رسالة عبد محب شائق غريب، جوابا عن مشرفة صدرت من مالك ماجد سيد حبيب، كتبها وهو قائم على قدم ولائه، مقيم على ما يجب عليه من رفع دعائه، من حضرة النبي المصطفى ﷺ وعلى آله. أولها بعد أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. أسعد الله تعالى المقام العلي. مقام سيدنا ومولانا الشيخ الإمام دي المفاخر العلمية، والبدائع العلية والغرائب الحكمية، والمحاسن الجليلة الأدبية، والنكت الرائقة الذكية، التي سبائكها مصرية ومعادنها مغربية (١). السيد الفقيه
стр. 81
الجليل، أبو الفضل محمد ابن سيدنا ومولانا الصدر الجليل الخطيب الرحلة، أبو عبد الله محمد المشدالي).
ولأبي عصيدة كتاب في الأدب والتصوف ذكره استطرادا في رسالته المذكورة وقد أخبر عن عنوانه ومحتواه. فأما عنوانه فهو (أنس الغريب وروض الأديب) وأما محتواه فيحتاج إلى تفصيل. فقد قال إنه ترجم فيه لأبي الفضل المشدالي طويلا (ترجمت لكتابي بترجمته الفاخرة العلية، وكتبتها بالذهب الوهاج، ونثرت من ملابسها العجيبة حللأا تفوق ملابس الديباج. وألممت فيها برحلته المغربية ثم المشرقية (في القدس ومصر والحجاز) .. وذكر بعض أشياخه المرضية .. وطرزت ذلك بشيء من نظمه وإن كان لا يتعاطاه إلا قليلا ولا يحاوله إلا تعليلا). وذكر فيه تراجم لرجال آخرين لقيهم في تونس والحجاز ومصر أو عرفهم في الجزائر. كما أورد أخباره هو فيه فقال إنه ضمنه (ذكر الرحلة من حضرة تونس السنية الإمامة العمرية (١) إلى الحلول بالحضرة الشريفة العظيمة النبوية. ذكرت فيها (أي المقدمة) بداية من لقيناه بها ونبدأ من ذكر تونس بعينها .. وألممت عند ذلك حال الأوطان والأهل والجيران، ونبدأ من مآثر الأصحاب والأخوان، ثم من لقيت بطريقي في سائر البلدان إلى هذا الأوان).
وأخبر أبو عصيدة أنه ألف كتابه أثناء إقامته بالحجاز وأنه كتاب حافل مفيد (جمعته مدة هذه الإقامة المحفوفة بالسعادة، إن شاء الله، والكرامة، بحمد الله وحسن عونه، مجموعا لطيفا وموضعا ظريفا، يسبي برونق آدابه الخواطر والعقول، ويسلي على المعاهد والطلول، يحتوي على مقدمة وأبواب وفصول ..) وقد قلنا إن الكتاب قد جمع بين الأدب والتصوف لأن
стр. 82
مؤلفه أخبر بعد ذلك أنه خصص بقيته إلى العبادة والزهد ناقلا عن أهل التصوف. (أما باقي الكتاب وسائر الأبواب ففي ذكر التبتل في العبادات وأسرار الطاعات وما لا غنى للمريد عنه من جميع الإرادات .. جمعته من كتب عديدة جليلة مفيدة من جملتها كتاب الإحياء الخ). ثم عدد التآليف الصوفية التي نقل منها (١). وأخبر كذلك أنه اطلع علماء الحجاز على هذا التأليف وتنافس معهم حول أفضلية المشدالي على سائر علماء عصره. فهو إذن كتاب جيد في بابه. ولكنه يعتبر في حكم الضائع، ولولا هذه اللقطات التي وصلت إلينا ضمن الرسالة لما عرفنا عنه شيئا لأننا لا نعرف من تعرض له حتى الآن. ومهما كان الأمر فإن آثار أبي عصيدة الأدبية جديرة بالدرس والنشر.
وقد ضعف الإنتاج اللغوي، كالدراسات النحوية والقاموسية وكادت تقتصر على تعاليق سطحية في النحو والصرف. ومن الذين اهتموا بالدراسات النحوية والبلاغية في هذا العصر، أبو جميل زيان (إبراهيم) بن فائد الزواوي المتوفي ستة ٨٥٧ (٢). ومن نظمه في ذلك أرجوزة في النحو بلغت مائة وخمسة أبيات قصد بها، كما قال إفادة الناشئة (٣). والغالب أنه هو الذي وضع عليها شرحا أيضا. كما أنه قد شرح ألفية بن مالك وتلخيص المفتاح، بالإضافة إلى أعمال أخرى في الفقه والتفسير. وربما يعتبر ابن فائد الزواوي أشهر من اهتم بالدراسات النحوية في منطقة زواوة بعد يحيى بن معطي الزواوي صاحب (الدرة الألفية في علم العربية) (٤). ولكن النحو ظل أيضا
стр. 83
موضوع اهتمام بعض العلماء العقليين أمثال ابن القنفذ والمشدالي والمغيلي وأحمد بن أحمد البجائي (١).
التصوف وعلم الكلام
تعرضنا في بداية هذا الفصل إلى بعض الاتجاهات التي سادت خلال القرن التاسع، ومنها الاتجاه الروحي (الاهتمام بعلوم الآخرة والتصوف). ويهمنا الآن أن نستعرض ما أنتجه الجزائريون في هذا الميدان. فإذا كان إنتاج التاريخ عندهم ضئيلا نسبيا وإذا كان إنتاج الشعر والأدب الصرف قليلا فهل كان إنتاجهم الروحي أغزر مادة وأقوى تعبيرا؟ هذا ما سنحاول الإجابة عليه في هذه الصفحات.
ومن أبرز المنتجين في العقائد عبد الرحمن الثعالبي ومحمد بن يوسف السنوسي، ولكن بجاية قد سبقت الجزائر وتلمسان بمدرسة عبد الرحمن الوغليسي (توفي ٧٨٦) الذي تتلمذ على يده وعلى تلاميذه رجال الطبقة التي ندرسها. ومنهم محمد الهواري والثعالبي وعيسى بن سلامة البسكري ونحوهم. فكانت (الوغليسية) في الفقه موضع دراسة واهتمام اللاحقين لفترة طويلة (٢). كما سبقت قسنطينة بمدرسة حسن بن باديس صاحب (السينية) التي تبارى بعض العلماء في شرحها وتقليدها بل والتبرك بها لأنها في مدح الشيخ عبد القادر الجيلاني، دفين بغداد (٣). وقد امتد تيار هاتين المدرستين
стр. 84
شمل البلاد كلها، فكان في مدينة وهران محمد الهواري وتلميذه إبراهيم التازي، وكان بمدينة الجزائر عبد الرحمن الثعالبي وتلميذه أحمد الجزائري، وكان في تلمسان محمد السنوسي الذي أصبح هو نفسه إماما في هذا الميدان حتى وله تلاميذ كثيرون، وفي ندرومة يوسف الندرومي صاحب (قبس الأنوار وجامع الأسرار) (١) وكان في قسنطينة محمد الزواوي الفراوسني صاحب (المرائي)، وبركات القسنطيني. وفي بسكرة عيسى بن سلامة البسكري، وهكذا. وسنحاول أن ندرس بعض ما قدم هؤلاء من أعمال في هذا الفرع.
١ - أحمد النقاوسي:
فمن الذين ساهموا في تغذية هذا التيار أحمد بن عبد الرحمن النقاوسي البجائي بكتابه المسمى (الأنوار المنبلجة من أسرار المنفرجة). والقصيدة المشهورة (بالمنفرجة) هي التي قالها يوسف بن محمد بن يوسف المعروف بابن النحوي التوزري الحمادي (لأنه استوطن قلعة بني حماد) وقد سميت كذلك لوقوع الانفراج بها كما قيل عنها، أو لاحتوائها على كلمة (تنفرج) في مطلعها وهو:
اشتدي أزمة تتفرجي ... قد آذن صبحك بالبلج
وهي تعد من القصائد التي تجمع بين الأدب والتصوف. ويهمنا منها الآن الجانب الأخير. وهذا هو الذي جعل النقاوسي يقوم بشرحها شرحا واسعا وهو أيضا الذي جعل بعض الباحثين يضعها في باب الأدعية والأذكار (٢). وكان النقاوسي قد أخذ هذه القصيدة إجازة عن شيخه عيسى بن
стр. 85
أحمد الغبريني من تونس وكان الغبريني هذا قد توفي سنة ٨١٣ أو ٨١٥. والنقاوسي البجائي هو نفسه شيخ عبد الرحمن الثعالبي الذي درس عليه في بجاية أو في قسنطينة (١). ونحن نقول هذا لأن لقب النقاوسي قد ذكر مع عدد من الأسماء منها عبد الرحمن (٢) ومحمد (٣) وأحمد (٤). ولكن النسخة التي اطلعت عليها توضح الأمر أكثر من غيرها. فالناسخ ينهيها بهذه العبارة (وهذه آخر الأنوار المنبلجة من أسرار المنفرجة من تأليف سيدنا الفقيه الأستاذ الحافظ المقري أبي العباس أحمد بن الشيخ الفقيه أبي زيد عبد الرحمن النقاوسي ﵀ (٥) ونحن نميل إلى ما وجدناه في هذه النسخة. ومع ذلك تظل حياة شارح (المنفرجة) غامضة. ومن المؤكد أنه من تلاميذ عيسى الغبريني وأنه من شيوخ الثعالبي وأن والده يدعى عبد الرحمن وأنه عاش في بجاية أو في قسنطينة أو فيهما معا، وأنه قد يكون رحل في طلب العلم إلى تلمسان والمغرب. ولعله قد أدى فريضة الحج والتقى ببعض علماء المشرق. وما زلنا لا نعرف الآن تاريخ وفاته.
ومهما يكن الأمر فإن النقاوس قد ساهم بشرحه للمنفرجة في دفع تيار التصوف الذي كان معاصرا له وسابحا فيه. وقد بدأ شرحه بالتعريف بناظم القصيدة. وهو ابن النحوي (٦). ثم شرع في (تحرير ألفاظها (القصيدة) وتقرير أغراضها وكشف غوامض إعرابها) وكان النقاوسي يطيل شرحه لكل بيت حتى
стр. 86
أنه ملأ حوالي أربع عشرة صفحة للبيت الأول (١). وهو يسير في شرحه على طريقة شرح المتون المعروفة، ولكنه يتبع في ذلك ثلاث مراحل واضحة: الأولى الشرح اللفظي والثانية الشرح الأدبي والثالثة الشرح المعنوي. ولو كان النوع الثاني هو الذي يهم النقاوسي لعددنا شرحه في باب الأدب واللغة ولكن الذي كان يعنيه هو الأخير. وهو بذلك يبحث عما في القصيدة من معنى الخير والصلاح والبركة وما تفيده لقارئها من فضائل وانفراج. ولذلك عددنا عمله في باب التصوف والزهد. ويبدو النقاوسي في شرحه أديبا متمكنا أيضا وواسع الاطلاع قوي العبارة. ولعل له كتبا أخرى تكشف أكثر عن شخصيته العلمية وعن مكانته بين معاصريه. فقد قال فيه تلميذه إنه كان يجمع بين علمي المعقول والمنقول.
٢ - عبد الرحمن الثعالبي وأحمد الجزائري:
ومن بين تلاميذ النقاوسي في (الأخلاق المرضية والأحوال الصالحة السنية) عبد الرحمن الثعالبي الذي غطى بشهرته على شهرة أستاذه. ذلك أن الناس، منذ القرن التاسع قد عرفوا الكثير عن الثعالبي ولكنهم لم يعرفوا إلا القليل عن النقاوسي. ومهما كان الأمر فإن اسم الثعالبي قد التصق بالزهد والتصوف كما التصق اسم ابن رشد بالفلسفة وابن خلدون بالتاريخ والاجتماع. ولعله لولا إغراق الناس بعده في الطريقة لكان الثعالبي مجرد عالم زاهد ومؤلف من المؤلفين في علوم الدين ولنسج عليه النسيان خيوطه كما نسج على الكثيرين ممن سبقوه أو لحقوه. فقد ترك الثعالبي عددا من المؤلفات قد تصل إلى الخمسة عشر كلها تقريبا في التفسير والمواعظ والتوحيد والفقه.
ولم يكن الثعالبي سوى نتاج العصر الذي عاش فيه كما عرفنا. فقد ولد بوادي يسير غير بعيد من مدينة الجزائر. ودرس بهذه المدينة ومنها انطلق إلى بجاية لقربها وشهرة علمائها في الدين والتصوف، وخاصة مدرسة عبد الرحمن الوغليسي التي أشرنا إليها. وقصد بعد ذلك تونس التي كانت
стр. 87
حاضرة الحفصيين وحاضرة علماء جامع الزيتونة من أمثال عيسى الغبريني والبرزلي والأبي وغيرهم من ورثة مدرسة ابن عرفة الفقهية. ولعل الثعالبي قد درس أو توقف بقسنطينة التي كان من قضاتها عندئذ أحمد بن القنفذ القسنطيني صاحب (الفارسية). كما أخذ الثعالبي العلم بتلمسان، وبعد ذلك رحل إلى مصر ومكة المكرمة، ولعله قد زار أيضا بغداد ودمشق والقدس كما هي عادة الحجاج العلماء في وقته. وكان خلال تجواله يتلقى العلم بالمشافهة أو الإجازة (١). فقد أصبح من رواة الحديث ولا سيما صحيح البخاري الذي كان من أبرز رواته ومدرسيه في الجزائر. وله في ذلك فهرس أسماه (غنية الواجد وبغية الطالب الماجد). ولم يكتف الثعالبي بأخذ الحديث رواية بل درسه أيضا في تونس ومدينة الجزائر.
وقد أثر الثعالبي تأثيرا كبيرا في ميدان الزهد والتصوف من ثلاثة طرق: طريق تلاميذه، فقد كان مدرسا ناجحا وعالما واثقا من رسالته ومحدثا ومفسرا قويا وصاحب شخصية جذابة ومهيمنة (٢). والثاني طريق تأليفه فهو لم يكن مجرد زاهد بسيط أو درويش معزول عن الناس ولكنه كان ينشر دعوته عن طريق الكلمة المكتوبة التي تنتقل من يد إلى يد ومن منزل إلى منزل ومن جيل إلى لاحقه. وكان اللاحقون يتفننون في نسخ تآليفه وآثاره ويتواترونها بل وقد ينسبون إليه ما لم يقله حرصا على الانتساب إليه أو الاحتجاج به. والثالث طريق زاويته التي تأسست عند ضريحه والتي أصبحت مقصد الزوار وملتقى الدارسين ومجمع طلاب البركة والشفاء (٣). وقد ساندت السلطة
стр. 88
العثمانية في الجزائر هذه الزاوية التي اتسعت شهرتها لكونها في عاصمة الدولة ولكون الثعالبي نفسه من أبناء المنطقة. وهكذا أصبحت عبارة (الثعالبية) تدل على مدرسة في الزهد والورع والميل نحو العزلة والتصوف والعناية بعلوم الآخرة والهروب من الدنيا وأوضارها.
ومن تلاميذ الثعالبي الذين ساروا على نهجه واقتفوا أثره أحمد بن عبد الله الجزائري (١) وقد جاءت شهرة الجزائري عن طريق قصيدته في التوحيد المعروفة بالمنظومة الجزائرية والتي تسمى أحيانا (الجزائرية) فقط، وهي التي تداول عليها أكثر من واحد يحللها ويشرحها ويثني على صاحبها رغم أنه نظمها عندما كان في مقتبل العمر. ومن الذين شرحوها شرحا مطولا أثناء حياة صاحبها الشيخ محمد السنوسي الذي اشتهر في وقته بالتعمق في العقائد (٢). فقد أرسلها الناظم بنفسه إلى السنوسي وطلب منه شرحها. والمنظومة لامية وهي تبدأ هكذا:
الحمد لله وهو الواحد الأزلي ... سبحانه جل عن شبه وعن مثل
أما الطريق الثاني الذي اشتهر به أحمد الجزائري فهو إقامة زاوية باسمه في مدينة الجزائر وعناية السلطة العثمانية أيضا بها. فقد أصبحت زاويته مدفنا لعدد من مشاهير علماء مدينة الجزائر نذكر منهم سعيد قدورة وأحمد زروق بن عمار ومحمد بن بلقاسم بن إسماعيل المطماطي الذين تولوا جميعا وظيفة الإفتاء. ويمكن أن نضيف إلى مصادر شهرة الجزائري كونه من تلاميذ الثعالبي، وهو الذي رثى شيخه بالقصيدة العينية التي أشرنا إليها. ولمكانة الجزائري في عصره وفي الجيل اللاحق له كان أيضا يلقب (بالقطب) وهو لقب صوفي لا يناله إلا من تدرج في مدارج الطريقة وشهد له الناس بالصلاح.
٣ - ابن زكري:
ومن الذين وضعوا أيضا منظومة في علم الكلام أحمد بن زكري
стр. 89
التلمساني (١). وقد سمى منظومته (المراصد) لأنه قسمها إلى أربعة مراصد وخاتمة. ويبدو أنها نظم عادي رغم مكانة ناظمها كأستاذ صاحب شهرة واسعة. وقد جاء فيها ما يلي:
وهكذا الجوهر والمقدار ... والشكل والظلمة والأنوار
وقال قوم ما هنا تفصيل ... فللوجود بهما شمول
فكل موجود به تعلقا ... لكن بأمر زائد افترقا
والنسخة التي اطلعنا عليها مبتورة من الأول ولذلك لم نعرف ديباجة المؤلف فيها ولم نعرف أيضا ماذا تناول في المرصد الأول والثاني. أما المرصد الثالث فهو (في أفعاله تعالى) والرابع (في الرسالة وما أخبرت به) (٢). أما صاحب (البستان) فقد سمى هذه المنظومة بالمنظومة الكبرى وقال إنها تقع في أكثر من ألف وخمسمائة بيت. وقد ذكر له في ترجمته عددا آخر من المؤلفات لا تخرج عن الفقه وأصوله والفتاوى وعلم الكلام (٣). ويبدو أن ابن زكري كان مستقل الرأي بين معاصريه فقد ذكر له ابن مريم بعض المواقف التي تدل على ذلك، ومنها أنه كان يرد على محمد السنوسي بعض آرائه كما كان هذا يرد عليه. فإذا عرفنا أن السنوسي كان إماما معترفا له بالعلم والورع أدركنا أن ابن زكري لم يكن يقلد الناس في هذا الاعتراف. ولعل هذه العلاقة بين الرجلين هي التي منعت محمد السنوسي من وضع شرح على (المراصد) شبيه بالشرح الذي وضعه على منظومة الحوضي ومنظومة الجزائري وغيرهما.
стр. 90
٤ - محمد السنوسي:
وما دمنا قد تعرضنا إلى محمد السنوسي فلنذكر هنا أنه هو صاحب (العقائد) المشهورة التي تبارى العلماء في شرحها ودرسها وتقريرها وحفظها. وهي أيضا في علم الكلام الذي عرف به السنوسي وجعله العلم المؤدي إلى معرفة الله لأنه في نظره، مفتاح جميع العلوم، وقد نقل عنه ابن مريم قولته في علم الكلام، وهي (ليس علم من علوم الظاهر يورث معرفته تعالى ومراقبته إلا علم التوحيد، وبه يفتح له في فهم العلوم كلها. وعلى قدر معرفته به يزداد خوفه منه تعالى وقربه منه) (١).
وحياة السنوسي حياة غنية وهي تعتبر ظاهرة هامة من ظواهر القرن التاسع. وليس من غرضنا هنا بسط القول فيها لأن بعض المؤلفين قد تكلفوا بذلك (٢) رغم ما في دراستهم من نقص وعدم اهتمامهم بما نهدف نحن إليه في هذا المضمار. ويكفي أن نعرف أن السنوسي، كأستاذه الثعالبي، قد اتجه نحو علوم الآخرة والروحانيات والتصوف. وكان لا يرتاح إلى الحكام ولا إلى مجتمع عصره لأن الزمان في نظره قد تبدل وكثرت فيه الشرور فوجب الفرار منه إلى الله والنجاة بالنفس من الانحراف السياسي والاجتماعي عند المسلمين. وقد ظهرت عليه مخايل الذكاء وهو صغير وألف وهو ابن تسع عشرة سنة تأليفا في العقائد جعل أستاذه الحسن أبركان يخفيه عن الناس حتى بلغ السنوسي أربعين عاما مخافة الحساد، كما يقول ابن مريم.
وبالإضافة إلى ما ذكرنا تتلمذ السنوسي على مجموعة من الأساتذة الرياضيين في وقتهم، وهم أبو عبد الله الحباك ومحمد بن أحمد الجلاب وعلي القلصادي. كما تتلمذ في التصوف على إبراهيم التازي صاحب وخليفة
стр. 91
محمد الهواري الذي أسس زاوية بوهران وجعل يبت بدوره الطريق ومبادئ التصوف في وقت كانت فيه وهران مهددة بالغزو الإسباني وكانت تتلقى موجات متوالية من مهاجري الأندلس. والتازي هو الذي ألبس السنوسي الخرقة الصوفية وبصق له في فمه على عادتهم. وقد اشتهر السنوسي بغزارة العلم وكثرة الإنتاج فيه وبالتصوف، ولذلك نسبت إليه كرامات كثيرة من الذين ترجموا له فاقت الكرامات التي كانت تنسب إلى أستاذه الثعالبي. وهكذا اختلط السنوسي العالم المفكر بالسنوسي المتصوف الدرويش. ولكننا إذا تأملنا في قواه العقلية وفي تنوع إنتاجه أدركنا أن كثيرا مما نسب إليه من الخرافات كان من فعل المتأخرين الذين افتقروا إلى العلم وعجزت طاقتهم عن الإنتاج فيه فذهبوا يجرون وراء المحجبات ويلصقون بالسابقين بعض ما لم يقولوه أو يعتقدوه (١).
وإذا كان عبد الرحمن الثعالبي قد اشتهر بالتأليف في علوم الدين فإن تلميذه السنوسي قد اشتهر بكثرة الشروح وندرة التأليف الشخصي. لكن التلميذ فاق الأستاذ في كثرة الكتب وتنوع مواضيعها. فالسنوسي كاد لا يترك فرعا من فروع المعرفة إلا ووضع فيه شرحا لمتن أو تعليقا على منظومة أو نحو ذلك. وقد تنوعت موضرعاته فكتب في التوحيد والفقه، وفي الطب والحساب، وفي المنطق والجبر والمقابلة، وفي القراءات والفرائض، وفي الحديث والتفسير، وفي التصوف والأذكار، وهكذا. وبلغ حرصه على الشرح أنه شرح هو (عقائده) عدة مرات فكان هناك الشرح الكبير والوسط والصغير (٢) ولهذا شرح أصغر دعاه السنوسي (المقدمات) (٣).
стр. 92
وما دامت هذه (المقدمات) قد اكتسبت شهرتها من اختصارها وسهولة عباراتها وما دام السنوسي قد أثر بها على دارسي علم التوحيد من الأجيال اللاحقة فلنعرض لبعض أفكارها باختصار. قسم السنوسي عمله إلى ثماني وحدات تحدث في الوحدة الأولى عن الحكم منطقيا فقال إنه هو إثبات أمر ونفيه. وهو (الحكم) إما أن يكون شرعيا أو عاديا أو عقليا. وفي الوحدة الثانية حصر المذاهب بالنسبة للأفعال في مذهب الجبرية ومذهب القدرية ومذهب أهل السنة. وتحدث في الوحدة الثالثة عن أنواع الشرك فجعلها ستة وهي شرك الاستقلال (أي وجود إلهين مستقلين) وشرك تبعيض وشرك تقليد وشرك الأسباب وشرك الأغراض. والملاحظ أن السنوسي قد حكم على أهل الشرك الخامس (وهم الفلاسفة) بالكفر إجماعا. وعندما تناول في الوحدة الرابعة أصول الكفر والبدعة جعلها سبعة وهي الإيجاب الذاتي والتحسين العقلي والتقليد الرديء والربط العادي والجهل المركب والتمسك (في عقائد الأعيان) بظواهر الكتاب والسنة والجهل بالقواعد العقلية. وننبه هنا إلى ما قلنا من أن السنوسي قد وافق المغيلي على هدم بيع اليهود في توات لأن إحداثها في نظره كان بدعة. وفي الوحدة الخامسة وجد السنوسي أن الموجودات لا تخرج عن أربعة وهي الغنى عن المحل المخصص (وهو الله) والمفتقر إليهما (وهو العرض) والمفتقر إلى المخصص فقط (وهو الجرم) والمفتقر إلى المحل فقط (صفات الله) أما الممكنات التي تناولها في الوحدة السادسة فهي لا تخرج عنده عن ستة وهي الوجود والعدم والمقادير والصفات والأزمنة والأمكنة والجهات. وخصص الوحدة السابعة للحديث عن القدرة الإلهية والإرادة والعلم والحياة والكلام الأزلي. وختم الوحدة الثامنة بتحديد مفهوم الأمانة والخيانة (١).
ومن الواضح أن منهج السنوسي في المقدمات هو منهج أهل السنة.
стр. 93
ولا ندري كيف فصل السنوسي في شروحه الأخرى هذه المبادئ والآراء الشخصية التي أوردها فيه لأننا لم نطلع عليها، ولكننا نعرف أنه رد ردا عنيفا على أبي الحسن الصغير في رسالته المساة (نصرة الفقير في الرد على أبي الحسن الصغير) وحكم بوجوب إحراق كتبه (١). أما مزية (المقدمات) فهي حصر المسائل واختصارها واتباعها منهج أهل السنة. ولعل ذلك هو سبب ذيوعها ولا سيما في عهد كلت فيه القرائح وضعف فيه النشاط العقلي كالعهد العثماني. ومهما يكن من شيء فإن تأثير السنوسي لا يعود إلى (المقدمات) فقط بل إلى كثرة كتبه الأخرى وتنوع موضوعاته كما أشرنا، كما يعود إلى شخصيته الدينية وعقيدة الناس فيه في حياته أو بعد مماته. ويعود أيضا إلى كثرة تلاميذه وانتشارهم في مختلف أنحاء البلاد. وهكذا احتل السنوسي في تلمسان مكانة استاذه الثعالبي في مدينة الجزائر (٢).
٥ - الحوضي:
وقد سبق القول بأن السنوسي كان قد شرح عدة منظومات لغيره من الجزائريين وذكرنا منها (المنظومة الوغليسية) في الفقه و (المنظومة الجزائرية) في التوحيد. ولنضف هنا أنه شرح أيضا منظومة محمد بن عبد الرحمن الحوضي المعروفة بـ (واسطة السلوك)، وهي أيضا في التوحيد (٣). والحوضي الذي نظم الشعر في عدة أغراض ذكرناها آنفا أراد أن يشارك في تيار العصر وهو الاهتمام بعلم الكلام والتصوف فنظم رجزه الذي بدأه بقوله:
стр. 94
الحمد لله الذي دل عليه ... إيجادنا ثم افتقارنا إليه
وبعد فالتوحيد أشرف العلوم ... وهو أساسها الذي به تقوم
وبعد هذه البداية التقليدية التي تذكرنا بتعريف السنوسي نفسه لعلم التوحيد يستمر الحوضي في رجزه مشيرا إلى سبب وضعه له وهو إفادة الطلاب في المدارس وفتح طريق النظر أمام القارئ بدل التقليد، بل إنه كان يطمح إلى أن تكون (واسطة السلوك) مفيدة للأساتذة لاختصارها ووضوح عبارتها:
وقد سألت الله في تيسير ... أرجوزة مفهومة التعبير
قريبة المأخذ والمطالب ... يقرأها الصبيان في المكاتب
يخرج قاريها من التقليد ... ضرورة بنظر سديد
ورب منصف من الكبار ... بها اكتفى من أجل الاختصار
وقد أشار إلى تسميتها (واسطة السلوك) لأنها تبين سلوك الإنسان المسلم الصحيح:
سميتها (واسطة السلوك) ... إذ بينت كيفية السلوك
ورغم كونها أرجوزة أو منظومة فإن الحوضي قسم عمله إلى فصول. فكان هناك فعل في حكم العقل وآخر في الصفات وثالث في ما يجوز من أفعال الله تعالى ورابع في بعث الرسل، وهكذا. وأحيانا كان عنوان الفصل بيتا من الأرجوزة.
وللحوضي أيضا كتاب في التصوف سماه (الوسائل العظمى للمقصد الأسمى)، وهو في الصلاة على النبي ﷺ (١). وهو الكتاب الذي استوحاه، كما قال، من كتاب في نفس المعنى لأبي عبد الله أبي البركات. وقد رتب الحوضي كتابه على حروف المعجم وبدأ بمقدمة ذكر فيها ما جاء عن الحديث الوارد في الصلاة على النبي والمواضع التي تجب فيها أو تستحب والفوائد
стр. 95
التي يجنيها المصلي. وقسم الكتاب بعد ذلك إلى مجموعة من (الوسائل) فهناك (وسيلة الباء) وتبدأ بـ (اللهم صل وسلم على سيدنا محمد النبي الأمي الهاشمي المجتبا) ولكل وسيلة عنوان يناسبها ويناسب الحرف الموضوع لها، فحرف الدال هو (وسيلة نافعة في الحال والاستقبال، منوعة على حرف الدال) أما بالنسبة لحرف الظاء (فوسيلة رفيعة الحظي، منجية من لظى، منوعة على حرف الظا) وهكذا.
٦ - التازي:
وساهم إبراهيم التازي، أستاذ السنوسي، في حركة التصوف بلسانه وقلمه وزاويته. ويهمنا أن نتعرض هنا لمساهمته بالقلم (١). وكما اشتهر معاصروه بمؤلفات التصقت بأسمائهم مثل (المقدمات) للسنوسي و (العلوم الفاخرة) للثعالبي و (واسطة السلوك) للحوضي، اشتهر التازي بقصيدته المعروفة (بالمرادية)، وهي قصيدة في التصوف، وسميت كذلك لأنه افتتحها بقوله (مرادي):
مرادي من المولى وغاية آمالي ... دوام الرضى والعفو عن سوء أعمالي
وتنوير قلبي بانسلال سخيمة ... به أخلدتني عن ذوي الخلق العالي
وإسقاط تدبير وحولي وقوتي ... وصدقي في الأحوال والفعل والقال
ونحن هنا لا نستغرب أن يطلب إبراهيم التازي من الله تعالى أن يسقط عنه التدبير وأن يجعله إنسانا غير مكلف وغير مسؤول. ولعل هذا أبعد ما وصلت إليه الصوفية في الجزائر خلال القرن التاسع، فلم يعد يعني المتصوفة أي شيء في مجتمعهم ولا ما يحدث حولهم لأمتهم، بل أصبح كل واحد منهم يطلب النجاة لنفسه وحط التكليف أو المسؤولية عنه. وستجد هذا المعنى يتكرر عند بعض المتأخرين أمثال أحمد بن ساسي البوني. ومهما كان
стр. 96
الأمر فإن هذه القصيدة قد أدركتها موجة الشرح التي سادت العصر فتصدى لها محمد الصباغ القلعي في القرن العاشر بشرح سنعرض إليه سماه (شفاء الغليل والفؤاد في شرح النظم الشهير بالمراد) (١).
٧ - محمد الفراوسني والمرائي الصوفية:
وهناك نوع آخر من الإنتاج الصوفي يسمونه المرائي، وهو أن يقص المتصوف رؤياه في شكل دراسة لتجربته النفسية وهو في حالة غيبة وليس في حالة حضور. وموضوع الرؤيا عادة ديني كأن يرى النائم الرسول ﷺ وتدور بينهما أحاديث أو يقول الرسول للنائم كلاما يوجهه به أو ينهاه عن فعل شيء أو يثبته على ما هو فيه أو يعده بشيء أو نحو ذلك. وقد كثرت هذه المرائي للنبي من الصالحين والأولياء وغيرهم فما يكون من المتصوف إلا أن ينهض ويكتب رؤياه في قصاصات ويقصها في شكل كتاب أو رسالة. وقد نسبت إلى عبد الرحمن الثعالبي رؤى بعضها صحيح قصها بنفسه وبعضها منسوبة إليه من بعض المتأخرين (٢).
ولدينا كتاب ألفه محمد بن عبد الله الفراوسني الزواوي البجائي (٣).
خلال القرن التاسع ضمنه مائة وتسع رؤى وسماه (تحفة الناظر ونزهة المناظر) (٤). وقبل أن نتحدث عن هذا الكتاب نود أن نعرف قليلا عن حياة صاحبه. والواقع أن معلوماتنا عنه الآن ضئيلة. وكل ما يمكن معرفته هو ما
стр. 97
ذكر هو نفسه من أخبار في كتابه كرحلاته وقراءاته وأصله. فهو يقول إنه زواوي الأصل بجائي الدار، وأنه عاش في قسنطينة ودرس بها في مدرسة ابن الخطيب (عائلة ابن القنفذ) كما عاش في تلمسان. وأخبر أنه عندما كان في قسنطينة كان ينوي شراء جارية واردة من تونس، ولكننا لا ندري هل اشتراها أم لا. وأخبر أنه توجه إلى المشرق ودخل مصر وعاش في الأزهر مدة لا ندري مداها ولعله سكن رواق المغاربة هناك. ذلك أنه قد ذكر أنه تعرف قرب الأزهر على امرأة مغربية وأنها قد راودته عن نفسه فاعتذر. ونعرف من الكتاب أيضا أنه قد أدى فريضة الحج وعاد إلى بلاده محقق الأماني. كما نعرف أنه كان من أتباع الطريقة القادرية.
أما عن نشاطه العلمي فنعرف من الكتاب أيضا أنه كانت بينه وبين طلبة الوقت (العلماء) محاسدة. ولعل ذلك كان في بجاية أو في قسنطينة أو في تلمسان، فاستشار في ذلك بعض أساتذته، وذكر من بين أساتذته أبا عثمان الصفروي، وكان الفراوسني وهو في تلمسان على صلة بأحد الأندلسيين (ممن انخرط في سلكنا). ونسخ هذا الأندلسي كتاب الفراوسني (السر المصون) أثناء مروره (أي الأندلسي) بتلمسان لأداء فريضة الحج. وأخبر أن هذا الأندلسي الذي لم يكشف عن اسمه قد أخذ معه الكتاب وأطلع عليه فقهاء وفضلاء تونس وطرابلس فأعجبوا به. والرجل الأندلسي هو الذي حثه على كتابة المرائي التي رآها لأنها، كما قال له، بمنزلة الماشطة للعروس. وهو يعني بالعروس كتاب (السر المصون). ويبدو من هذه القصة أن الرجل الأندلسي هو الذي كان السبب في دفع الفراوسني إلى كتابة مرائيه التي سنتحدث عنها. ومن الواضح أن الفراوسني كان قادري الطريقة لأنه ذكر الطريقة القادرية عدة مرات أثناء حديثه عن حياته بمصر (١).
ومن ثمة تتضح لنا بعض الأمور عن الفراوسني: الأول أنه كان عند تأليف المرائي معروفا بالزهد والتصوف بين الناس. والثاني أنه ألف (السر
стр. 98
المصون) قبل تأليفه (تحفة الناظر). والثالث أن الباعث على تأليف الكتاب الأخير هو الرجل الأندلسي الذي لم يذكر اسمه، ثم شهرة الكتاب الأول في الجزائر وتونس وطرابلس. ولذلك نود أن نقف قليلا عند كتابه (السر المصون). وفي النسخة التي اطلعنا عليها من هذا الكتاب (أو الرسالة - لأنه في حجم صغير) دافع الفراوسني عن انتمائه إلى علمي الظاهر والباطن، وأبان أهمية علم التصوف وحقائق الطريقة الصوفية، معتمدا خصوصا على الآية الكريمة ﴿يعلم سركم ونجواكم﴾ وعلى الحديث الشريف (اذكر الله حتى يقال مجنون) (١). وعنوان الكتاب الكامل يوضح كل هذا فهو (عنوان أهل السر المصون وكشف عورات أهل المجون فيما فتح الله به من فوائد وله ﷺ اذكروا الله حتى يقول (كذا) مجنون). وقد افتتحه بمقدمة غامضة ركيكة العبارة فيها الكثير من روائح الدروشة. ومما جاء فيها (أما بعد، أبعد الله عنا وعنك جحيم بعد أهل البعاد، وأذاقنا وإياك فردوس قرب أهل الوداد، فإنك سألتني أولا أن أثبت في قرطاس من (كلمة غير مقروءة) الفتاح في بياض نياط الفؤاد، مما أوجب لك الأفراح من الزوائد والفوائد .. فأسعفتك إلى ذلك ..
وسميته الخ).
وقد قسمه إلى مقدمة وفصول، أما المقدمة فقد أوضح فيها علم التصوف وانتماءه هو إلى علمي الظاهر والباطن. وأما الفصول فقد جعلها واحدا وأربعين وخصص كلا منها لمسألة من المسائل مثل: في التوبة وحقيقتها، في العبودية، في الزهد، إلى آخر الكتاب: ويبدو أن هناك خلطا في المادة أو تداخلا بين ما جاء في كتاب (السر المصون) وما جاء في كتاب (تحفة الناظر).
стр. 99
أما الطريقة التي ألف بها الفراوسني (تحفة الناظر) فيرويها بشيء من التفصيل. من ذلك أنه كثرت رؤياه للنبي ﷺ فكان يسجل كل رؤيا على بطاقة إلى أن كثرت بطاقاته فنظرها وأسقط منها ما يسميه (بالسر المكتوم). وخطر له في البداية أن يسمي كتابه (تحفة الرائي فيما فتح الله من المرائي). ولكنه رأى النبي ﷺ في المنام فقال له: سمها (تحفة الناظر ونزهة المناظر). وهكذا كان. وعندما انتهى من هذه المقدمة شرع في سرد المرائي واحدة بعد الأخرى. وقد ابتدأ الأولى بتاريخ ٨٥١ وانتهى بالأخيرة إلى سنة ٨٦١ أي خلال عشر سنوات.
والمؤلف يذكر غالبا كل رؤيا مقرونة بمكانها وبتاريخها الهجري. وهكذا كانت الرؤيا السابعة والعشرين في قسنطينة سنة ٨٥٢، والرؤيا الثامنة والعشرون عندما خرج لكدية عاتي (بقسنطينة أيضا) لزيارة أحد الشيوخ في نفس التاريخ، والرؤيا الثلاثون عندما كان في مدرسة ابن الخطيب (بقسنطينة أيضا) لزيارة أحد الشيوخ في نفس التاريخ، والرؤيا الأربعون عندما كان بمسجد المؤيدة (بقسنطينة) عام ٨٥٥، والرؤيا الثالثة والأربعون عندما كان في الجامع الأزهر بمصر. وقد سبق أن قلنا إن مجموع المرائي مائة وتسع (١). وقد بدأ المؤلف المرائي بتمني الحج إلى البقاع المقدمة وأنهاها بتحقيق هذه الأمنية وعودته إلى بلاده.
وتعتبر المرائي في حد ذاتها مصدرا لدراسة الحالة النفسية لصاحبها من جهة ودراسة الحالة الاجتماعية للبلاد من جهة أخرى. فهي عبارة عن رحلة خيالية أو منامة قام بها صاحبها مستعملا رؤية النبي ﷺ وسيلة لتحقيق ذلك. وهو في هذه الرحلة يبتعد بطريق التصور والخيال عن الواقع الذي يعاني منه الناس في منتصف القرن التاسع وهو يكشف عن بعض الأمور التي كانت تختلج في نفسه والتي قد لا يستطيع أن يبوح بها مباشرة. فقد تحدث عن الحسد بين الطلبة (العلماء) وورد اسم المرأة على قلمه عدة مرات، وتحدث
стр. 100
عن الطريقة القادرية وعن رؤيا لأحد الدراويش الأتراك بالقاهرة شاعت عنه أيضا رؤية النبي ﷺ ، وقال إنه حذف من بطاقاته ما هو سر مكتوم، وغير ذلك من الإشارات التي لو حللناها تحليلا خاصا لعرفنا منها نموذجا لحالة سلوكية معينة في هذه الفترة. أما الحالة الاجتماعية فإن المرائي تضم لقطات هامة عنها لا سيما في الشرق الجزائري، وخاصة في مجتمع قسنطينة (١).
٨ - عيسى البسكري:
ودواسة الفرد والمجتمع من خلال إنتاج هؤلاء العلماء المتصوفين لا تقتصر على إنتاج الفراوسني. فهناك عيسى بن سلامة البسكري الذي كتب أيضا سنة ٨٦٠ (أي في نفس الوقت الذي كان فيه زميله الفراوسني يختم مرائيه) كتابا عن فضائل القرآن من الوجهة الصوفية سماه (اللوامع والأسرار في منافع القرآن والأخبار). والواقع أن الموضوع جليل والعنوان شيق، ولكن (اللوامع والأسرار) التي أرادها البسكري هي لوامع وأسرار من نوع خاص، وهو النوع الصوفي المختلط بالدروشة والفجاجة والسخف. فهو لا يريد أن يستوحي أسرار القرآن من إعجازه ومعانيه السامية وتشريعاته ولا يهدف إلى البحث عن لوامعه البلاغية ومراميه الإنسانية، بل هو يهدف إلى شيء آخر من القرآن، وهو الاتكاء على آياته كتمائم وأحجبة وترداد بعضها كأوراد وأذكار في مجالس الصوفية (٢). إن هذا النوع من الكتابات التي راجت خلال القرن التاسع تكشف عن مواطن الداء في المجتمع الجزائري عندئذ. فإذا كان قادة الرأي في هذا المجتمع من نمط الفراوسني والتازي والبسكري فإننا نجزم بأنه
стр. 101
كان مجتمعا مريضا، ولا غرابة بعد ذلك أن تتفكك الدولة وتقع البلاد فريسة للغزو الأجنبي.
كان عيسى البسكري قد تتلمذ على الثعالبي وابن مرزوق الحفيد (١) وغيرهما من علماء القرن التاسع. ويرى بروكلمان أن البسكري قد ألف كتابه وهو في بسكرة سنة ٨٦٠ ولكننا لا نعرف عن حياة البسكري غير هذا، فأين ولد وعاش وتوفي؟ ليس هناك إجابة واضحة الآن. ويبدو أنه أكمل تعليمه في تونس لأنه يذكر عددا من علمائها في كتابه، كما يبدو أنه درس في الغرب الجزائري أيضا لأنه يذكر أنه ذهب إلى قلعة هوارة. ومهما كان الأمر فإن البسكري قد ألف كتابا كبيرا في فضل القرآن لم يكشف لنا عن عنوانه ولكنه كشف عن محتواه، فقال إنه أكثر من التقييد في هذا الباب عندما كان يطالع كتب الأئمة السابقين حتى اجتمع له كنز كبير من الأوراق. وقد طلب منه بعض أصدقائه تأليف ما جمع في كتاب لكي يستفيد الناس من فضل القرآن الكريم، فما كان منه إلا أن استجاب وألف لهم كتابا سماه (اللوامع والأسرار ..) فهذا الكتاب إذن هو عبارة عن خلاصة للكتاب الأول. وهذه عبارة المؤلف (وقد كنت قيدت هذه الخصائص والمنافع فأكثر ما جلبت في هذا الكتاب (وهو يعني المطول) لنفسي من كتب أيمتنا ﵃. فلما رأيت رغبة إخواننا في هذا الفضل العظيم، والمنافع الكثيرة جردت لهم هذا المختصر) (٢). وهو يعني (بالمختصر) كتابه (اللوامع والأسرار).
وقد ذكر البسكري أنه أخذ معلومات عمن يسميهم (الأيمة) أمثال الغزالي والسمرقندي والمنذري صاحب كتاب (الترغيب والترهيب) وأبي القاسم الغافقي والبرزلي وابن عرفة والقشيري، وغيرهم. كما نقل عن شيخه الثعالبي، وقال إنه نقل أيضا عن بعض (الطلبة الثقات) وهو يعني بذلك بعض العلماء المعاصرين له. وقد قسم الكتاب إلى ثلاثة أبواب. فجعل عنوان
стр. 102
الباب الأول (فضائل القرآن وما يلحق به) وعنوان الباب الثاني (المنافع والخصائص وما يلحق بها) وعنوان الباب الثالث (الأوراد والحكايات والصلاة على سيدنا محمد) وقسم كل باب إلى فصول (١).
أما الخلط بين فضائل القرآن والخرافة فيظهر مما يأتي، فهو يستطرد في ذكر ما يسميه (منافع القرآن) فيأتي من الآيات ما يقرأ في نظره أو يكتب عند الوجع أو عند عسر البول أو عند ضعف البصر أو ما يطرد الطير أو ما يكتب للسوس، وما يجعل للدمل. وكما يخلط بين ما يكتبه من آيات قرآنية وغيرها. فهو يقول (ورأيت رجلا كان ضريرا لا يبصر شيئا فاكتحل بمرارة الغراب فصار بصيرا. حدثني بذلك هو والثقة الحاضرون صدقوه (وكان ذلك) بقلعة هوارة حرسها الله) (٢). كما يقول في مكان آخر متحدثا عما يعمل للمرأة العقيم بأن عليها أن (تأخذ الهدهد وتطبخه بدهن الجلجلان وتشربه على الريق فإنها تحمل) (٣) والعجيب أنه ينسب هذه الوصفة إلى الطبيب الذي لم يسمه. فإذا صح هذا فإنه يدل على ما وصل إليه التطبب في عصره. وفي الكتاب نماذج أخرى من الأخبار التي لا علاقة لها بمنافع القرآن. وقد احتاط المؤلف بدون شك عندما جعل عنوان كتابه يطلق على منافع القرآن وعلى أخبار الخرافات والشعوذة (٤).
٩ - بركات القسنطيني:
ولم يكن الفراوسني والبسكري وحدهما في الشرق الجزائري يغرقان هذا الإغراق في التصوف والدروشة، فمن المعاصرين لهما في قسنطينة بركات بن أحمد العروسي القسنطيني الذي ألف كتابين بناهما على الصلاة
стр. 103
على النبي ﷺ وعلى الوعظ والإرشاد (١). وقد أطلق على أحدهما اسم (وسيلة المتوسلين بفضل الصلاة على سيد المرسلين) وعلى الثاني اسم (تذكرة الغافل ونصرة الجاهل). والكتاب الأخير يسمى أحيانا (كتاب المجالس) فقط. ولا نعرف الآن عن الشيخ بركات القسنطيني أكثر مما ورد في كتابه عن حياته. فقد جاء في كتابه (وسيلة المتوسلين) أنه انتهى منه سنة ٨٧٧، وأن أحد أجداده يدعى محمدا، لذلك كتب اسمه في آخر المخطوطة هكذا: بركات بن أحمد بن محمد العروسي. كما أن في الكتاب إشارات توحي بأنه قد يكون ألفه في المدينة المنورة. أما كتابه الثاني فلا نستطيع أن نستفيد منه شيئا جديدا عن حياته. وقد توفي سنة ٨٩٧. أما منهج الكتابين فيكاد يكون واحدا. فكلاهما مؤلف من مجموعة من المجالس فـ (وسيلة المتوسلين) مؤلف من أربعة وعشرين مجلسا وكل مجلس عبارة عن فصل في فضل الصلاة على النبي وتشويق للسامع، وقصيدة من المؤلف في مدح الرسول ﷺ وهو في كل مجلس يوجه الكلام للمخاطبين بعبارات دينية وعظية مثل: صلوا يا إخواني، أو صلوا على المصطفى يا كل من سمع. والعبارة الأخيرة يرددها باستمرار. وتحدث في الكتاب أيضا على فضائل الرسول ومعجزاته. وقد حدد يوم الجمعة لكل مجلس (٢).
وأما في الكتاب الثاني فالمؤلف يحدد منذ البداية دواعي كتابة مجالس في الوعظ كما يحدد منهجه فهو يقول: (أما بعد فإني لما رأيت كتب الوعظ شهيرة البركات وعميقة الفوائد والخيرات منبهة للغافلين وزجرا للعاصين
стр. 104
وتذكرة للجاهلين، وإن تصنيف ذلك مما يرفع لصاحبه الدرجات، ويضاعف الحسنات .. فأحببت أن آخذ بأوفر حظ من أجود مصنفيهم ... وجعلته على اثنان وعشرون (كذا) مجلسا، كل مجلس منها يشتمل على خطبة حسنة، وفصول وعظية مستحسنة، وحكايات ضريفة (كذا) وأحاديث نبوية شريفة، وجعلت خاتمة مجالسه عظيمة الفوائد .. في فضائل الأشهر الكريمة والمواسم الشريفة العظيمة، من شهور العام، وعدد الأيام، وسميته بتذكرة الغافل ونصرة الجاهل) (١).
ونتبين من هذا أن المؤلف كان يسير في طريق معبد وهو طريق التأليف في المواعظ وأن هدفه كان تنبيه الغافلين عن ذكر الله وردع العصاة وهداية الجاهلين. كما نتبين منه أن عدد مجالس هذا الكتاب يكاد يكون هو عدد مجالس الكتاب الآخر. ولكن إذا كانت محتويات مجالس الأول في فضائل الصلاة على النبي ﷺ فإن محتويات هذا الكتاب تسير على منهج الوعظ من إيراد الأحاديث النبوية والطرائف والحكايات الموجهة والنوادر المستملحة، لأن الهدف عنده هو الترويح على النفس وصقلها وجعلها مستعدة للعبادة الحقة عند المتصوفة. وقد أوضح أنه تناول في الخاتمة المعاني السامية للشهور والسنوات والأيام والمواسم الإسلامية.
والمؤلف على ما يظهر شاعر رقيق أيضا. ولكنه خلافا لأحمد الخلوف المعاصر له، كرس شعره للمديح النبوي. فكل مجلس يبدأ عادة بأبيات في هذا المعنى لكن اعتراها الخلل من قبل النساخ. فهو مثلا يبدأ مجلسه الأول بأبيات منها يخاطب الرسول ﷺ :
دعوتك مضطرا وأنت سميع ... وجئتك محتاجا فكيف أضيع
وبدأ المجلس الثاني بأبيات منها:
طال والله بالذنوب اشتغالي ... وتماديت في قبيح فعالي
كما بدأ المجلس الثالث بأبيات منها هذا:
стр. 105
أسير الخطايا عند بابك واقف ... له عن طريق الحق قلب مخالف إلى غير ذلك من الأبيات التي تعد مفاتح لكل مجلس. وهي جميعا، بالإضافة إلى محتوى المجلس عبارة عن اعترافات مذنب أمام الله مستشفعا بالنبي ﷺ ، طالبا الرحمة والغفران (١).
وهكذا يكون الشيخ بركات القسنطيني أحد علماء الصوفية الذين أنجبتهم الجزائر خلال القرن التاسع والذين انتشروا فيها شرقا وغربا يدعون إلى قرب نهاية العالم ويطلبون النجاة من شرور زمانهم ومجتمعهم وقد ساعدوا بذلك على الضعف السياسي والانحلال الاجتماعي والتخلف الفكري الذي ما زالت بلادهم تعاني منه.
١٠ - أبو عصيدة البجائي:
ورغم اهتمام أحمد أبي عصيدة بالأدب الصرف والشعر فإنه قد انجرف في تيار التصوف أيضا. فقد خصص فصول كتابه (أنس الغريب وروض الأديب) لهذا العلم. أما مقدمته فقد خصصها للحديث عن أخباره هو وأخبار صديقه المشدالي، كما سبق (٢). ولذلك قال: (وأما باقي الكتاب وسائر الأبواب ففي ذكر التبتل في العبادات وأسرار الطاعات). والمريد في نظره يحتاج، بعد قيامه بالفرائض والسنن، إلى صلوات النوافل والأدعية والأذكار، ذلك أن (الدعاء حصن الله الحصين وحرزه المنيع المتين) وقد ضمن كتابه مناقب شيوخ التصوف وآدابهم وعقائدهم، ونحو ذلك. ويظهر أن أبا عصيدة الأديب قد تغلب على المتصوف. فقد حلى كتابه بالحكايات والنوادر والفوائد والأشعار والسير والأخبار والمدائح النبوية. فهو إذن كتاب أدب وتصوف.
ولعل ذلك يتضح أكثر من مراجع الكتاب. فقد عاد مؤلفه إلى العديد
стр. 106
من المصادر وانتقى منها ما رآه حريا بعصره وأهله. وفي شيء من المباهاة أخبر أنه جمع فيه ما لا (يحصره ديوان، ويعز وجوده عند ذي البحث والافتنان) ومن مصادره إحياء علوم الدين للغزالي ورسالة القشيري وحلية الأولياء لأبي نعيم وقوت القلوب وصفوة الصفوة ومؤلفات أحمدالقسطلاني، والسهروردي وابن عطاء الله وأبي الفرج الجوزي، والنووي.
كما رجع إلى رحلة ابن رشيد الفهري والإحاطة لابن الخطيب، وغير ذلك من المصادر. ويظهر من مصادر الكتاب ومن خطته أنه عمل ضخم في بابه، غير أننا ما زلنا لا نعرف عنه أكثر مما ذكره مؤلفه عرضا في رسالته إلى المشدالي.
العلوم والمنطق
بالقياس إلى إنتاج الجزائر في التصوف وفي التاريخ وحتى في الأدب فإن إنتاجها في العلوم الرياضية والطبية يعد قليلا، فلم يكن هناك علماء طبيعيون أو أطباء بارزون كما كان هناك فقهاء ومتصوفة بارزون. حقا إن بعض الأسماء قد التصقت بها مهنة الطب كابن فشوش أو التأليف فيه كالثغرى والسنوسي. وهناك بعض الأسماء ارتبطت بعلم الحساب والفرائض والفلك مثل الحباك وابن القنفذ (١). ولكن هؤلاء وأولئك لم (يختصوا) بالحساب أو الطب كما اختص مثلا الونشريسي في الفقه والثعالبي في التصوف. ومع ذلك دعنا ندرس بسرعة هذا الإنتاج العلمي على قلته وضعفه.
١ - ففي هذا النطاق ألف إبراهيم بن أحمد الثغري التلمساني معجما صغيرا في الطب رتبه على حروف المعجم. ونحن لا نعرف كثيرا عن حياة الثغري. وقد جاء في (البستان) أنه من تلاميذ أبي عبد الله الشريف
стр. 107
التلمساني (١) فإذا عرفنا أن هذا قد توفي سنة ٧٧١ فإن وفاة الثغري قد تكون في أوائل القرن التاسع، ومعجم الثغري عبارة عن قائمة بأسماء الأعشاب ونحوها مما كان يتداوى به العرب مضافا إليه معلومات المؤلف الشخصية عن الأدوية المشاعة لدى الناس في عصره. فهو مثلا عندما ذكر كلمة (أفستين) قال إن أنواعه شيب العجوز المزدرع في الدور، أي في وقته هو. وفي حرف الباء ذكر كلمة (بهار) وعرفه بأنه خبز الغراب عندنا. ولكن المعجم فيه كثير من أسماء الأدوية عند الأجانب مكتوبة بحروف عربية. وطريقة الثغري في هذا المعجم أنه يذكر الدواء ثم يذكر منافعه (٢).
ولإبراهيم الثغري رسالة أخرى في الطب، وهي في الأدوية ومنافعها.
ولا ندري الآن هل هي متصلة أو مكملة للمعجم والظاهر أنهما عملان مختلفان لأن طريقة كل منهما مختلفة. وقد قسم هذه الرسالة إلى أبواب بعناوين معينة فهو مثلا يذكر باب الاكتحال وباب صفة المعاجين، وباب صفة الأشربة، وباب سفوف ينفع من التخمة، وهكذا. وقد جاء في ورقة تشبه العنوان (الأدوية النافعة من برد الدماغ وهي مشتملة على أضمدة وأدهان وغيرها) أما عن الاكتحال فقد جاء فيه (من اكتحل بالأنسيون ينفع من السلا المتقادم). عندما تحدث الثغري عن المعاجين ذكر خصوصا صفة معجون الجزر وفوائده. وقد اشتملت الرسالة أيضا على أسماء لأدوية العينين وأدوية الأسنان ونحو ذلك (٣).
٢ - ويظهر أن الثغري لم يكن طبيبا وإنما كان متطببا، ويشبهه في اهتمامه وفي طريقته عبد الرزاق بن حمادوش في كتابه (الجوهر المكنون) الذي ألفه في القرن الثاني عشر والذي سندرسه في محله إن شاء الله. وفي
стр. 108
منتصف القرن التاسع اشتهر أحد علماء بجاية بالتطيب أيضا وهو أبو الفضل محمد المشدالي. فقد درس الطب عن محمد بن علي بن فشوش في تلمسان، كما درس على غيره حتى أصبح من المشار إليهم في هذا العلم. ولكنه كان يكره أن يشتهر بالطب. ولعل ذلك يدل على أن هذه المهنة لم تكن تشرف الممتهنين لها في وقته، وإلا لكثر المدعون لها والمنتسبون إليها، كما كثر مدعو التصوف والمنتسبون إلى الفقه ونحوه. وقد يفسر لنا هذا ضعف الإنتاج العلمي في الجزائر خلال القرن التاسع. فالعلوم التي كانت تشرف أهلها هي علوم الفقه والتوحيد والتصوف والحديث. ومهما يكن الأمر فإن المشدالي قد أصبح في مهنة الطب (واحد عصره وفريد دهره)، على حد تعبير أحدهم، في المشرق. وكان الناس يلجأون إليه طلبا للدواء (١). ومع ذلك لا نعرف أن المشدالي قد ترك تأليفا في الطب.
٣ - ومحمد بن يوسف السنوسي، الذي عرف بالزهد والتخصص في العقائد، أبى إلا أن يسهم في علم الطب أيضا. ولكن السنوسي لم يخرج في تناوله الطب عن اختصاصه. فقد ربط بين الطب والدين، بل إن موضوع الطب الذي عالجه هو مجموعة من الأحاديث الشريفة. والذي يهمنا بالدرجة الأولى أن السنوسي لم يكن يكره أن يشتهر بالطب كما كره ذلك المشدالي المعاصر له. فقد مدح علم الطب واعتبره شطر العلم معتمدا في ذلك على الحديث الشريف (العلم علمان: علم الأديان وعلم الأبدان). وقد فهم السنوسي بالعلم الأخير علم الطب، ولذلك ألف فيه رسالة صغيرة اعتمد فيها على شرح مجموعة من الأحاديث النبوية مثل (المعدة بيت الداء). كما شرح
стр. 109
الجملة الأخرى (الحمية رأس الدواء) وكذلك (وأصل كل داء البردة). وقد جاء في تفسير العبارة الأولى أن (الهضوم ثلاثة: هضم في المعدة وهضم في الكبد وهضم في سائر الأعضاء). ثم بين السنوسي أن الهضم الأول هو أهمها، ونصح بأن العاقل يقدم الطعام اللطيف قبل الغليظ واللين قبل القابض، وهكذا. والسنوسي في شرحه الطبي يذكر الأمراض ويشرح الأحاديث كما يصف العلاج. ومعنى ذلك أنه لم يكن يكتفي بالنقل بل كان يحكم من التجربة أيضا (١).
٤ - وبالإضافة إلى الطب ساهم بعض الجزائريين في علوم أخرى، وخصوصا الحساب الذي له صلة قوية بعلم الفرائض. ومن هؤلاء ابن القنفذ الذي ألف كتابا في الحساب، لعله رسالة صغيرة، سماه (حط النقاب) ثم اختصره وسماه (التخليص في شرح التلخيص) وهو يعني بالكلمة الأخيرة كتاب (تلخيص أعمال الحساب) لابن البنا (٢). فمختصره إذن هو من باب الشروح على أعمال الآخرين وليس عملا مستقلا. وقد عرف ابن القنفذ في تلخيصه بالمؤلف الأصلي (ابن البنا) وبين الغرض من الكتاب ومن علم الحساب. ومهمته فيه هي شرح العبارات والألفاظ الواردة في كتاب ابن البنا مع تبسيط له وتمثيل لمحتواه وهذه طريقة غير جديدة عند اللجوء إلى الشروح. وهناك عالم قسنطيني آخر اشتهر أيضا بعلم الحساب، وهو أحمد بن يونس ولكن شهرته فيه كانت في التدريس وليس في التأليف. وقد قيل إنه كان يقرئ الحساب في مكة وغيره (٣).
وساهم الجزائريون أيضا في علم الفلك والميقات، فألف ابن القنفذ شرحا على أرجوزة ابن أبي الرجال في الفلك والتنجيم. ثم رفعه إلى أحد
стр. 110
الوزراء المرينيين لاهتمام هذا الوزير بالعلوم العقلية. وقد مدح ابن القنفذ صاحب الأرجوزة على بيان فوائد وأسرار الدلالة الكلية على الحركات الفلكية بالإضافة إلى (الاستدلال بالطوالع على الكوائن) (١).
وافتتح الشرح بعبارات تدل على اهتمام المؤلف ومدلول الكتاب فقد جاء فيه (الحمد لله الذي خلق الخلق بقدرته وميزهم بحكمته وكون الأشياء بأحسن كونها، ورفع السماء بغير عمد ترونها، وصور النجوم السائرة، والأفلاك الدائرة، وجعل فيها آية للمتوسمين وعبرة للمستنظرين ..). وقد أطال ابن القنفذ في الحديث عن الطوالع وعلاقة حركة الإنسان بحركة النجوم. وقسم الكتاب إلى أبواب مثل باب البيع وباب الفرائض وباب التزويج وباب خدمة السلطان وباب دخول الحمام وغير ذلك. كما ضمنه جداول فلكية متعددة وهامة وأنهاه بالدعاء للوزير بطول المودة وحفظ رتبته العلية. وهكذا يتضح أن ابن القنفذ كان يسير في نفس الخط الذي سلكه في بعض كتبه الأخرى. فروح التقليد هنا أيضا واضحة. ومع ذلك فإن تآليفه في العلوم كثيرة بالقياس إلى غيره. ومن جهة أخرى يتضح أن دافعه كان، بالإضافة إلى العلم، خدمة السلطان ورجال الدولة ورغبة في التقرب إليهم ونيل المراتب من أيديهم (٢).
٥ - يعتبر الحباك، وهو أبو عبد الله محمد بن أحمد بن يحيى، من أشهر من ألف في علم الأسطرلاب والهندسة. فله منظومة في الإسطرلاب أصبحت في نظر المتأخرين هي ألفية هذا العلم التي عليها يعتمدون ويجعلون