← Указатели

Указатели · id 14100

تاريخ الجزائر الثقافي

أبو القاسم سعد الله

Полный текст (5 019 стр.). Показаны 4341–4380 · переход к 4346.

стр. 4341

HISTOIRE CULTURELLE DE L'ALGERIE PAR Professeur Aboul Kacem Saadallah Université d'Alger Tome ٩ INDEX DAR AL - GHARB AL - ISLAMI

стр. 4342

الدكتور أبو القاسم سعد الله تاريخ الجزائر الثقافي الجزء العاشر ١٩٥٤ - ١٩٦٢ دار البصائر الجزائر عاصمة الثقافه العربية

стр. 4343

طبعة خاصة دار البصائر ٢٠٠٧ ردمك: ٥ - ٢٩ - ٨٨٧ - ٩٩٦١ - ٩٧٨ الايداع القانوني: ٢٠٠٧ - ٣٣١٤ دار البصائر للنشر والتوزيع ٥٠ شارع طرابلس - حسين داي - الجزائر الهاتف/ فاكس: ٢٥/ ٢٧ - ٣٦ - ٧٧ - ٠٢١

стр. 4344

تاريخ الجزائر الثقافي

стр. 4345

المقدمة هذا المجلد يواصل مسيرة مجلدات تاريخ الجزائر الثقافي التي توقفت عند سنة ١٩٥٤، وبذلك تكتمل السلسلة بنهاية المرحلة الاستعمارية سنة ١٩٦٢، ذلك أن عهد الثورة يمثل مرحلة انتقالية أو مخضرمة لابد من اجتيازها ليبدأ مؤرخو الثقافة عندنا بداية جديدة وهي مرحلة الاستقلال، وقد كانت تغطية مرحلة الثورة من أهداف المجلدات السابقة ولكن مادتها الوثائقية لم تكن متوفرة عندئد. ومع ذلك فإن كثيرا من مادة المجلد الجديد عاصرناها كما عاصرنا مؤلفيها وصناعها، فنصوص الثورة، وصحفها، وتنظيماتها، وشعراؤها وفنانوها وكتابات أنصارها وأعدائها عشنا معها خلال الخمسينات وبداية الستينات، واطلعنا عليها أو سمعنا بها في وقتها، ولكن لم يتح لنا رصدها وتصنيفها كما أتيح لنا خلال السنوات الأخيرة، ثم إن عددا من المذكرات والوثائق والدراسات والتفاعلات ظهرت منذ استقلال الجزائر، وكلها تصب في خدمة تاريخ الثورة، مما أتاح لنا الاطلاع على مادة وآراء جديدة وأغرانا الآن بالكتابة عن عهد يعتبر بمختلف المقاييس قد انتهى. ومنذ حوالى ثلاث سنوات رجعت إلى الوطن بعد غربة طويلة وكنت

стр. 4346

أحمل مشروع مواصلة البحث في التاريخ الثقافي أثناء الثورة، وحين عرضت المشروع على المركز الوطني للبحوث والدراسات في تاريخ الحركة الوطنية وثورة أول نوفمبر، سارع بالترحيب به وتعاقدنا على إنجازه، فشمرت على ساعد الجد وبذلت الجهد إلى أن وفقني الله بإكمال الكتاب على الوجه الذي هو عليه الآن. يتميز هذا المجلد عن إخوته بأنه كتب بناء على عقد محدود الزمان، وبأن جزءا منه قد كتب مباشرة على الحاسوب، بينما لم يسبق لي أن فعلت ذلك من قبل، فقد تعودت أن أكتب بحرية زمنية بحيث لا أحس بأي ضغط، مادي أو نفسي، رغم أن الطرف المتعاقد معي لم يتدخل مطلقا ليشعرني بالوقت، كما تعودت أن أكتب وأصحح على الورق بالطريقة التقليدية، قبل أن أسلم عملي إلى الراقن أو الطابع ليكمل مهمته، أما مع هذا الكتاب فقد حررت وصححت على الحاسوب، بالإضافة والحذف والتقديم والتأخير ... ومع ذلك فهناك فصول وفقرات كتبتها خارج الجزائر وبالطريقة التقليدية، كما اعتدت أن أفعل في الماضي. إلى الآن مازلت عندر أيي في الكتابة عن تاريخ الثورة، فما زلت أرى أن الوقت لم يحن بعد للكتابة عن تاريخها المفصل، ولاسيما تاريخها السياسي والعسكري والدبلوماسي، أما تاريخها الثقافي فهو في نظري متاح، ومع ذلك فليس من السهل الخوض فيه، إنه قد يبدو للبعض أنه لا يعرض الكاتب للتبعات والأحكام المسبقة ولما قد يعتبره البغض محرما أو مضرا بالآخرين، ولكني أرى أن التاريخ الثقافي أيضا محفوف بكل الأخطار فهو يتعرض للأشخاص، بل لفئة معينة محسوبة على النخبة الاجتماعية التي قد ترى في الأحكام الصادرة عنها خطرا عليها أو تزكية لغيرها، والمثقفون والفنانون وأمثالهم يريدون - ربما أكثر من السياسيين - أن يستفيدوا أيضا من الثورة، فيقال عنهم إنهم ساهموا في خدمتها وعانوا من أجلها حتى ولو لم يشاركوا فيها من قريب أو من بعيد، بل حتى لو وقفوا منها موقفا غير مشرف.

стр. 4347

وكما نشاهد اليوم في المجال السياسي سباقا لدى المواطنين للانتساب للثورة، جهويا وإقليميا ووطنيا، فكذلك نشهد سباقا ربما أشد منه في المجال الثقافي، فكل عشيرة أو بلدة أو مدينة تحاول أن تتبنى عالما أو شاعرا أو فنانا أو روائيا على أنه أحد أبنائها، فتخرجه من قبر العصور، (إذا كان قديم العهد)، وتنفض عنه غبار الإهمال (إذا كان حديث العهد)، وتقدمه للناس وللإعلام على أنه علم الأعلام ومصباح الظلام في مهرجانات (ثقافية) ترصد لها الأموال الطائلة والتفاخر الفارغ، دون تسجيل أو طبع ما يلقى في المهرجان حتى يبقى الباب مفتوحا لتكرار التوسل إلى الناس والإعلام مرات ومرات. إذن، لم يكن تناول التاريخ الثقافي قضية سهلة كما قد يتخيل البعض، ولعل أبرز قضية تواجه الباحث في هذا الخصوص هي مدى وفاء المثقفين للثوابت الوطنية، تلك الثوابت التي حصنت الجزائر عبر العهد الاستعماري من الذوبان والتحلل في البوتقة الأجنبية، ونعني بها الإسلام واللغة العربية والانتماء الحضاري للعروبة، فقد لاحظنا أن الشعارات والرموز والمطالب العامة كانت لا تخرج في البداية عن هذه الثوابت، ولكن هذا الالتزام لم يبق على حميته الأولى بل أخذ يضعف بالتدرج وحلت محله لغة التشكيك والمساءلة والعلمانية المفرطة التي وصلت في نهاية المطاف إلى تبني الاشتراكية العلمية، كما جسدتها الوثائق والنصوص تحت تأثير الصراع الإيدولوجي بين الشرق الاشتراكي والغرب الاستعماري الرأسمالي، وتأثير الجيل الجديد المتعلم في المدارس الغربية ولا سيما الفرنسية، وهو الجيل الذي (استولى) على مقاليد أمور الثورة في الخارج أولا ثم أمور البلاد كلها في الداخل منذ الاستقلال، هذا الجيل كان في الواقع يجهل الثوابت الوطنية لأنه لم يتعلمها في مدرسة ولا في حزب وطني، فتغلبت عليه الأنانية حين رأى أنه هو وحده الذي يمثل النخبة القائدة في البلاد وأنه أقرب ثقافيا إلى الفرنسيين منه إلى مواطنيه الجزائريين. ومن جهة أخرى فإن نصوص الثورة نفسها أخذت تتنكر للثوابت الوطنية.

стр. 4348

وستعرف من هذه الدراسة أن القائمين على الثورة، ولاسيما منذ ١٩٥٦ قد مالوا عن هذه الثوابت وانفتحوا على ما يشبه (العولمة) اليسارية، فهبت على الثورة رياح عديدة مع الجيل الجديد المنضم للثورة ومع (الأصدقاء) الذين أرادوا أن يجربوا في الثورة الجزائرية ما فشلوا في تحقيقه في نقاط أخرى من العالم، أي أرادوا تدويل الأفكار التي يؤمنون بها، لاسيما وأن في الثورة الجزائرية مجالا للشعبية غير المتاحة في الثورات الأخرى، ما عدا ربما في الثورة الفيتنامية، ويظهر تخلي الثورة عن الثوابت في النصوص الصادرة عنها مثل البرامج والاتفاقات والتصريحات، وفي بعض الأحيان كان هناك وجهان للثورة: وجه تعيش به في الداخل ووجه تتحدث به في الخارج، وعندما حاول الخارج فرض مفاهيمه على الداخل سنة ١٩٦٢ حدث تناقض كبير، ولكن الغلبة كانت لمفاهيم الخارج كما أشرنا. إن هذا المجلد ليس دراسة فلسفية عن الظاهرة الثقافية للثورة الجزائرية، فلو أردنا ذلك لاكتفينا بالانتقاء والتركيز على نماذج معينة صغناها في أفكار وقوالب نظرية، ولكن هدفنا هو متابعة التطور الثقافي للجزائر خلال الثورة، وهذا المنهج اقتضى منا أن نجمع الإنتاج، سمينه وغثة، وتدوينه وتصنيفه حفاظا عليه من التلاشي، لذلك وسعنا من دائرة مفهوم الثقافة لتشمل حتى الإعلام والقضاء والصحة، وتناولنا الجانب النظري في النصوص والأعمال الفكرية مثل أفكار مالك بن نبي ومصطفى الأشراف وفرانز فانون، بالإضافة إلى العناوين المتعارف عليها في الثقافة مثل التعليم والسينما والمسرح والرسم والموسيقى، وتجب الملاحظة أن بعض العناوين لم نستطع تغطيتها كما رجونا لعدم توفر مادتها حاليا مثل المكتبات والمتاحف والمؤسسات التعليمية كالجامعة ومعاهدها. لذلك اختلفت مادة هذا المجلد عن باقي المجلدات السابقة في بعض التفاصيل، فهو مثل سابقيه يجمع مفهوم الثقافة في كونها (جزائرية) بقطع النظر عن كون العمل الثقافي أنتجه جزائريون ثائرون على الاستعمار أو عاملون فى

стр. 4349

إدارته ومؤسساته، وسواء كتبوا إنتاجهم بلغتهم الوطنية أو بلغة المستعمر، وسواء كانوا يعيشون داخل الجزائر أو خارجها، وتتبعا لهذا المسلك اضطررنا إلى أن يواصل هذا المجلد ما توقف عنده في أخواته، وأحيانا وجدنا معلومات على فترة عالجناها سابقا فأضفناها إلى هذا، استكمالا للمعلومة، أما ما كنا متأكدين من أنه انتهى بزمنه فلم نرجع إليه. ولكن هذا المجلد ليس كاملا من جميع النواحي، ولا يدعى أن يكون كذلك، لأن الكمال العلمي والإحاطة الدقيقة مستحيلان علميا وعمليا، فلن يجد كل أديب وكل فنان وكل مفكر نفسه فيه، ولن يدعي الإحاطة بكل فكرة أو وثيقة أو رأي، بل على الباحثين أن يطوروا منه ما شاءوا من آراء وأفكار، وعلى آخرين أن يبحثوا انطلاقا منه على مؤلفين وفنانين ومنتجين آخرين، فهذا الكتاب لا يزعم أنه جمع فأوعى أو أنه قطع الطريق على كل الباحثين. وقبل أن أضع القلم يجب أن أنوه بجهود كل الذين ساهموا في تسهيل مهمتي العلمية لإنجاز الكتاب، فأنا مدين لهم جميعا بالشكر والتقدير. أغتنم هذه الفرصة لأشكر كل الذين أمدوني بآرائهم في بعض قضايا هذا الكتاب، وأخص بالذكر الأستاذين الكريمين الأمين بشيشي وعبد الحميد مهري. فقد أجريت مقابلة مع الأستاذ بشيشي في المركز الوطني للدراسات والبحث في الحركة الوطنية وثورة أول نوفمبر، يوم ٠٩ يناير ٢٠٠٥ صباحا، ودامت المقابلة حوالي ساعتين ونصف. أما الأستاذ مهري فقد استقبلني في بيته: ٣٠ شارع سعيد حمدين بحيدرة، يوم الأحد ١٢ جوان، ٢٠٠٥ على الساعة العاشرة، ودامت المقابلة ساعتين. أ. د/ أبو القاسم سعد الله الجزائر (ابن عكنون) في ١٢/ ٠٢/ ٢٠٠٦.

стр. 4350

الفصل الأول عشية الثورة عرفت الجزائر تجربة الأحزاب والانتخابات مبكرا إذا ما قورنت بالمنطقة العربية، رغم أن ميلاد الأحزاب فيها كان عسيرا وإجراء الانتخابات كان نموذجا للتزوير، فلم تظهر الأحزاب أو بالأحرى التجمعات إلا منذ نهاية الحرب العالمية الأولى، مع ظهور تنظيم (الأخوة الإسلامية) للأمير خالد في الجزائر، ونجم شمال إفريقيا في فرنسا، وكلاهما كان شكلا بدائيا للحزبية، ومثلهما هيئة النواب وتجمع ابن جلول وأحباب البيان في الجزائر، وحزب الشعب في فرنسا، ويمكن القول إن التنظيم الحزبي الحقيقي لم يظهر إلا على يد حزب الشعب والحزب الشيوعي ثم حزب البيان. أما الانتخابات النيابية فقد بدأت في الجزائر منذ ١٨٤٨ ولكنها لم تطبق إلا على الفرنسيين عند قيام الجمهورية الثانية في فرنسا، وأما الجزائريون فلم يكن لهم أي دور في هذه الانتخابات بحيث كان لهم نواب في المجالس المحلية ولكن بالتعيين من قبل الإدارة الفرنسية نفسها بعد أن تتأكد من سيرة كل معين ومن ولائه، وأول انتخابات شارك فيها الجزائريون جرت سنة ١٩٢٠ وهي التي شارك وفاز فيها الأمير خالد وقائمته من أجل مقاعد في بلدية مدينة الجزائر، فكانت هذه الانتخابات البلدية أول تجربة خاضها الجزائريون، ثم استمرت وتوسعت ولكنها ظلت دائما تجري تحت نظر الإدارة التي تنجح فيها من تشاء وتبعد عنها من تشاء إلى اندلاع الثورة، وتلك الطريقة في التدخل في الرقابة والاختيار هي التى أصبحت معروفة عند الجزائريين بالانتخابات المزورة أو

стр. 4351

الانتخابات على الطريقة النيجلانية، نسبة إلى الحاكم العام مارسيل نيجلان (١٩٥٢ - ١٩٤٨) الذي كان يشرف عليها شخصيا. دعنا نقل كلمة عن الحالة العامة عشية الثورة حتى ترتبط فعاليات النشاط الثقافي بالوضع العام في الجزائر. الحالة الاقتصادية والإدارية والسياسية الحالة الاقتصادية يقول الدارسون لاقتصاد الجزائر إنها عاشت أزمة اقتصادية حادة منذ الحرب العالمية الأولى ولم تبدأ في الخروج منها إلا أوائل الخمسينات، وكان الخروج منها يعود إلى الأداء الذي عاشه الاقتصاد الفرنسي بعد الحرب من جهة وبفضل الاستثمارات الي تولدت عن خطة أو برنامج السنوات الأربع ابتداء من ١٩٤٩، ولكن النمو والعافية لم يؤثرا في كل القطاعات الاقتصادية بدرجة متساوية، مثلا بين ١٩٣٠ - ١٩٥٥ تطورت القطاعات الاقتصادية كما يلي (١): القطاع ... ١٩٣٠ ... ١٩٥٥ .... النسبة الزراعة ... ١٩٤ ... ٢١٠ ... ٣٠% المناجم ... ١٤ ... ١٩ ... ١، ٢% المصنوعات والطاقة ... ٣٣ ... ١٠٤ ... ٤، ٦% البناء والأشغال العمومية ... ١٣ ... ٤٧ ... ٥، ٤% النقل والأعمال والخدمات ... ١٦٩ ... ٢٦٩ ١٠٩% الإدارة المدنية ... ٣٦ ... ٨٠ ... ٣، ٣ % فيكون إجمالي الإنتاج المحلي ... ٤٦٠ ... ٧٣٠ ... ٨، ١%

стр. 4352

لقد كانت الزراعة والمناجم في وضع راكد، أما النمو الجزئي الذي عرفه القطاع الزراعي فقد كان في المجال الحديث حيث كان المستفيدون منه هم الكولون - المستوطنون، أما في المجال الزراعي التقليدي حيث الزراعة هي أساس الاقتصاد لأغلبية السكان فقد استمر التراجع فيه حتى عاد إلى ما كان عليه منذ ستين سنة خلت، فإنتاج الحبوب مثلا لم يتقدم تقريبا منذ فاتح القرن العشرين، أما الإنتاج الحيواني فقد انكمش بشكل ملحوظ، وفي سنة ١٩٥٣ ربح الكولون ٣٤، ٠٠٠ فرنك عن معدل الهكتار المزروع بينما الفلاح الجزائري لم يربح سوى ٦، ٤٠٠ فرنك، لقد كان الدخل السنوي للفلاحين، (وعددهم ٥، ٨٤٠، ٠٠٠ نسمة) هو ١٩، ٢٠٠ فرنك، أما الطبقة الوسطى (منها ٩٢? أوروبيون) فكان دخلهم السنوي هو ٢٢٧، ٠٠٠ فرنك، وأما دخل الطبقة العالية (البرجوازية) فكان ١، ٥٠٠، ٠٠٠ فرنك (١). ولاحظ مصدر خبير بالحياة الاقتصادية والبطالة والتعليم عشية الثورة بأن ١١% فقط من اليد العاملة للسكان المسلمين، بينما ٤٢% للكولون في كل الأعمال ذات الصلة بالصناعة، ثم إن ٩٢% من الأنشطة الصناعية والتجارية كانت في أيدي الأوروبيين، وأما في ميدان التوظيف فهناك ١٩% فقط من الموظفين في القطاعات الاقتصادية المؤممة كانوا مسلمين، وبالنسبة للتعليم الذي سنتناوله في فصل لاحق، لاحظ الباحثون أن طفلا واحدا مسلما من كل عشرة أطفال كان يذهب إلى المدرسة، بينما كل الأطفال الأوروبيين تقريبا كانوا يدرسون، أما الأمية فقد بلغت ٩٤% في الرجال المسلمين و ٩٨% في النساء المسلمات، ولم يدخل التعليم الثانوي من المسلمين سوى ٧٠٠٠ تلميذ، ولا التعليم العالي سوى ٦٨٥ طالبا، ومن حيث التجهيزات كانت مزارع الأوروبيين مجهزة بـ ١٩٥٠٩ من الجرارات بينما المسلمون ليس لهم سوى ٤١٨ جرار.

стр. 4353

لذلك كان قطاع الأروبيين يتج ٩، ٧٤ قنطارا، أما قطاع المسلمين فلا ينتج سوى ٤، ٦٥ قنطارا. وكانت ٧٣% من الأرض التي يملكها المسلمون مقسمة إلى أقل من عشرة هكتارات، أما الأراضي التي يملكها الكولون فكان ٨٠% منها مقسما إلى أكثر من ١٠٠ هكتار، وكانت ملكية الأرض تلفت الانتباه وتحدث عن نفسها. فالأوروبيون يملكون ٧، ٢ مليون هكتار، بينما يملك المسلمون ٣، ٧ مليون هكتار، غير أن الأوروبيين يملكون أكثر الأراضي خصوبة وغنى (١). الحالة الإدارية والسياسية بالنسبة للوضع القانوني والإداري للجزائريين عشية الثورة نلاحظ أيضا مجموعة من الاستثناءات، فهذا المستشرق الفرنسي لويس ماسينيون يقول إن الجزائريين المسلمين كانوا من الناحية القانونية رعايا فرنسيين منذ ١٨٣٤، ١٨٦٥ وليسوا مواطنين. ولم يعطهم القانون حق إرسال نواب عنهم إلى البرلمان الفرنسي إلا سنة ١٩٤٤، أما دستور سبتمبر ١٩٤٧ المعروف بقانون الجزائر فقد منحهم المواطنة الفرنسية الكاملة، حسب قوله، اعتمادا على التصور الإسلامي لحكم أهل الذمة (!) ولكن مع إبقائهم على أحوالهم الشخصية الإسلامية، ونتيجة للقانون الأخير (الدستور) ألغيت القيود على الهجرة العمالية إلى فرنسا، وتم منح العلاوات والتقاعد لقدماء المحاربين الجزائريين بالمساواة مع الفرنسيين، وفرضت الخدمة العسكرية الإجبارية على جميع الاحتياطيين (٢). أما من الناحية الإدارية فقد كانت الجزائر مقسمة إلى ثلاثة أقاليم على رأس كل إقليم وال، وله نواب، وكل ولاية مقسمة إلى دوائر، وكل دائرة إلى

стр. 4354

بلديات إما كاملة الصلاحيات وإما مختلطة، هذا في شمال البلاد، أما في جنوبها، فهناك أربع مقاطعات عشية الثورة، وهي: عين الصفراء، والواحات الصحراوية، وغرداية، وتقرت، بالإضافة إلى عشر بلديات مختلطة، وتسع ملحقات، إضافة إلى تيديكلت وجانت والهقار، وهي مناطق تابعة للملحقات، وهناك قانونان مهمان في هذا المجال أولهما قارن أول أغسطس ١٩١٨ الذي استرجع العمل بنظام (الجماعة) الريفية المنتخبة أو المعينة محليا في البلديات كاملة الصلاحيات، وثانيهما قانون ٦ فبراير ١٩١٩ الذي عممها ونظمها (أي الجماعة) في كل الدواوير (البلديات)، فقد كانت هذه الجماعات موجودة في الماضي واسترجعت الآن صلاحياتها، وهي تتداول في تسيير شؤون القرية مثل ملكية الأرض العروشية (التابة للعشيرة أو العرش) والتصرف في المال العام (١). فإذا انتقلنا إلى الجانب السياسي وجدنا الحكم في يد الوالي العام الممثل للحكومة الفرنسية في الجزائر والمعين من قبلها، وهو يتبع رسميا وزارة الداخلية باعتبار أن الحكم في الجزائر مدني، وكان اسم الحاكم عند اندلاع الثورة هو (روجي ليونار)، والحاكم يبقى عادة في ولايته بين ثلاث وأربع سنوات، وهو يسير شؤون الجزائر إداريا وسياسيا وعسكريا واقتصاديا، وتحته مجموعة من المصالح والإدارات والقطاعات العسكرية والمؤسسات الاقتصادية، وقد جرب الجزائريون عددا كبيرا من هؤلاء الولاة فوجدوهم غالبا خاضعين لضغط أصحاب المصالح الاقتصادية والسياسية من الكولون، وقد تدعم موقف هؤلاء منذ أصبحت الميزانية تناقش في الجزائر ثم ترفع إلى الحكومة والبرلمان الفرنسي للموافقة عليها، ولم يكن للجزائريين أدنى سلطة ضغط لأنهم لم يكونوا يتمتعون بالحقوق السياسية والحريات المدنية من جهة، ولأنهم لم يكونوا ممثلين في البرلمان الفرنسي حيث تناقش الميزانية من قبل ممثلي الكولون ثم

стр. 4355

تتم الموافقة عليها في غياب كامل للجزائريين. وهذا هو ما يجرنا إلى الحديث عن مسألة التمثيل النيابي، بناء على قانون ١٩٤٧ أصبح للجزائر مجلس محلي (برلمان) يسمى المجلس الجزائري، صلاحياته تنتهي عند مناقشة ما يعرضه عليه الوالي من مسائل، فهو مجلس استشاري وحسب، ولكن تركيبته هي الأهم، فهو يتألف من ١٢٠ عضوا، نصفهم جزائريون ونصفهم فرنسيون (رغم فارق عدد السكان)، ومدته ست سنوات، لكن نصفه ينتخب كل ثلاث سنوات، والغريب في أمر هذا المجلس أن له هيئتين انتخابيتين وليس هيئة واحدة (مسلمون وأوروبيون) فالقسم الأوروبي (الفرنسي) يتمتع أعضاؤه بكامل حقوق المواطنة القانونية حسب القانون المدني الفرنسي، وأما القسم الثاني [الثاني ليس في الترتيب فقط ولكن في الاعتبار أيضا] فهو القسم الأهلي الذي يتكون أعضاؤه من مواطني الحالة الإسلامية. عند اقتراب الثورة كان أغلب أعضاء القسم الأول في المجلس من الراديكاليين المستقلين (بالتعريف الفرنسي)، أما أعضاء القسم الثاني فأغلبهم (٥١ منهم) من المستقلين، وكل هيئة في المجلس يمثلها ستون عضوا، وعبارة (مستقلين)، بالنسبة للجزائريين تعني أن الإدارة هي التي أوعزت لهم بالترشح وضمنت لهم النجاح حتى تقطع الطريق أمام مرشحي الأحزاب الوطنية واليسارية، مثل حزب الشعب (حركة الانتصار) وحزب البيان، والحزب الشيوعي، أما جمعية العلماء فرغم أنها تعتبر قائدة لتيار إصلاحي قوي فإن رجالها لا يترشحون في الانتخابات لأنها جمعية دينية ثقافية وليست حزبا سياسيا (١).

стр. 4356

وفيما يلي سنتحدث باختصار عن هذه الأحزاب وقادتها، وسنركز على حزب الشعب (حركة الانتصار) باعتباره المخطط للثورة وكون القيادات الأولى برزت من صفوفه، ثم نركز على جمعية العلماء باعتبارها جمعية ثقافية أعدت الجماهير روحيا ودينيا لتحتضن الثورة، وباعتبار عملنا هذا يتناول الجانب الثقافي. جبهة الدفاع عن الحرية ومسألة الاتحاد عندما أصبح تزوير الانتخابات مسألة مكشوفة تمارسها الإدارة دون وجه حق ولا غطاء شرعي، وعندما تكاثرت الاعتداءات على الحريات المدنية والسياسية بالاعتقال ومصادرة الصحف وإغلاق المدارس تجاوبت الأحزاب المذكورة، بالإضافة إلى جمعية العلماء والشخصيات المستقلة والتأمت في العاصمة لتكوين (جبهة للدفاع عن الحرية واحترامها)، هكذا ولدت هذه الجبهة في أغسطس ١٩٥١ على يد زعماء الأحزاب وجمعية العلماء، ورغم الخطب والإعلان عن برنامج جذاب وفي الصميم فإن الجبهة سرعان ما تفتتت وتخلت عن مواصلة الاجتماعات والعمل المشترك، وبذلك انتصرت الإدارة التي واصلت سياستها القمعية وانتخاباتها المزورة. وقد طرحت بعد ذلك جريدة (المنار) استفتاء على الاتحاد، وتعني به اتحاد القوى الوطنية لمواجهة الإدارة الماضية في سياستها القمعية فاستجاب الكتاب لفكرة الاتحاد قادة وأتباعا، سياسيين ومثقفين من كل الفئات، فكانت حملة إعلامية، ملأت الفراغ بعض الوقت بعد أن أصبح عامة الناس متضايقين منه أمام فشل الأحزاب في تحقيق الآمال الوطنية، بل وانشغال بعض الأحزاب بانشقاقات داخلية. انشقاق في حزب الشعب من هذه الأحزاب التى كانت تعاني الانشقاق في وقت عصيب حزب

стр. 4357

الشعب الذي كان بزعامة مصالي الحاج، هذا الحزب الذي تأسس سنة ١٩٣٧ ظل هو العمود الفقري في سياسة المطالبة باستقلال الجزائر والعمل على تحقيق ذلك بكافة الوسائل ومنها السلاح، وفي مرحلة قريبة من بداية الثورة جرى داخل الحزب بعض الخلاف حول الطرق المؤدية للاستقلال: هل هي مقاطعة العمل السياسي داخل النظام أو التعامل مع النظام بوجهين: وجه ظاهري تمثله المشاركة في الانتخابات ووجه باطني أو سري وهو الإعداد لثورة مسلحة، وقد استقر الرأي على ذلك المنهج فأصبحت (حركة الانصار) هي الوجه السياسي الظاهري و (المنظمة الخاصة) هي النواة لتحضير الثورة في السرية، بينما بقي حزب الشعب الذي حلته السلطة الفرنسية واعتبرته خطرا على أمن الدولة ومصير الجزائر الفرنسية، هو التنظيم الذي يغطي الاثنين وهو المرجع في السياسة وفي العمل المسلح. ولابد من القول إن الحزب قد تضخم وتجدد ودخلته عناصر مثقفة، مارست السياسة وحركتها الحياة في السجون، وأصبحت لها آراؤها في وضع الإستراتيجية المناسبة للمرحلة، لذلك برزت شخصيات قائدة في كل تنظيم سواء في المنظمة الخاصة أو حركة الانصار، وأصبح هناك قادة عسكريون وقادة سياسيون، وفيهم النواب في الجزائر وفرنسا، وفيهم الصحفيون والصيادلة والأطباء والمعلمون، وقد حدث انشقاق بين (الحرس) القديم والقيادة الجديدة، أو بين المحافظين على زعامة الحزب كما هي بقيادة مصالي الحاج وبين (اللجنة المركزية) التي أصبحت بالتدرج تضم جيلا جديدا من السياسيين الميدانيين، وقد ظهرت التسمية الجديدة بعد قطع الجسر بين أنصار مصالي وخصومه داخل الحزب، وبعد أن فشلت جهود التوفيق بينهما على يد بعض العناصر من المنظمة الخاصة. لماذا لم يعد مصالي الحاج محل ثقة أعضاء الحزب؟ إن مصالي ظل يملأ الساحة السياسية لحزبه وأنصاره منذ ١٩٢٧، فهو المرجع السياسي الوطني عندما كان العمل السياسي مرتكزا في فرنسا، وهو كذلك المرجع عند ما انتقل

стр. 4358

العمل السياسي إلى الجزائر وانتشرت خلايا الحزب في مختلف جهات الوطن، بنى مصالي الحاج شخصية ذات هالة (كاريزمتية) عند أتباعه، وحتى على المستوى الشعبي، فكان له مظهر الزعيم ممسكا بزمام الحزب، رغم أن خصومه ينتقدون مستواه الفكري وقدرته في الذكاء، وكان يقال إن عقيدته كانت وطنية يسارية (ماركسية) لتأثره بمبادى الحزب الشيوعي الفرنسي ولكون زوجته الفرنسية كانت شيوعية صريحة، ولكن عقيدته تحولت إلى عربية إسلامية تبعا للتيار القومي والإسلامي الذي كان ينشط في المشرق خلال الثلاثينات، كان البعض من أتباعه قد اتهمه بالفردية والاستبداد بالرأي ونشر (عبادة) الفرد، وهذا ما أخذته عليه اللجنة المركزية عشية الثورة حين بلغ الخلاف بينهما أشده، وأقصى كل منهما الآخر، وكان من نتيجة هذا الخلاف تأخير إعلان الثورة حوالي سنتين، ومن نتائجه أيضا أن الثورة قد أعلنت بدون مصالي وبدون خصومه المركزيين، فقد أعلنها فريق ثالث من الحزب ذاته منبثق عن المنظمة الخاصة ليجعل المتخاصمين أمام الأمر الواقع ويجبرهما على الانضمام إلى الثورة بدل الجدال العقيم حول الزعامة. ولعل من المأساة أن يعيش المرء عيشة مصالي، فقد ظل فترة طويلة في السجون الفرنسية (في الجزائر، وفرنسا، وإفريقيا) بينما كان الحزب ينمو ويكبر عددا وفكرا، ومع السن والمسافة لم يعد مصالي قادرا على متابعة الأحداث وفهم ذهنية الأجيال إلا بواسطة وذلك لا يكفي، فالاستعمار الفرنسي يقتل بعض الزعماء قتلا بطيئا بينما يصنع الفرص لآخرين حتى ينتفخوا ويصيروا زعماء، ورغم شهرته فإن مصالي لم يخرج عن فرنسا وسويسرا (أو أدغال إفريقيا) ولم يزر المشرق العربي سوى مرة واحدة عندما أدى فريضة الحج، ولم يمر على تونس أو ليبيا أو سوريا لأن الرخصة التي أعطيت له للحج صيف ١٩٥١ اشترطت عليه السفر جوا. ومع ذلك فإن مصالي نزل مصر بعد أداء الحج، وكانت له فيها أنشطة شملت الأزهر والجامعة العربية ومكتب المغرب العربي، ويبدو أنه أقام في مصر

стр. 4359

بضع أسابيع ظهر فيها محل تقدير وتكريم، فنحن نجده في إحدى الصور بلباسه الأوروبي مع الطربوش واللحية الطويلة وهو يتبادل الحديث مع بعض الأعيان كالدكتور منصور فهمي والشيخ عبد اللطيف دراز شيخ الأزهر، ومفتي فلسطين الحاج أمين الحسيني، ورئيس الجمعية الملكية الفلاحية فؤاد أباظة، ويبدو من المؤكد أنه التقى عبد الرحمن عزام الأمين العام للجامعة العربية، وفي هذه الأثناء اتخذت اللجنة السياسية للجامعة العربية قرارا برفع القضية المراكشية إلى هيئة الأمم المتحدة، وقد ذكرت جريدة (منبر الشرق) نبذة عن حياة مصالي وأفكاره السياسية ونشاطه في جنيف مع صديقه علي الغاياتي وغيره، وصرح للصحفي عبد الكريم محمد الذي يعرفه من قديم بأن البلاد العربية المسلمة لن ينقذها إلا العودة إلى تعاليم الإسلام ووحدة العرب والمسلمين حول الإسلام (١). ويبدو أن أتباع مصالي في الجزائر وفرنسا كانوا يعتقدون أنه سيغتنم فرصة وجوده في المشرق لأول مرة ويوسع من دائرة التعريف بالقضية الجزائر وربما نصحوه بأن يختار الإقامة هناك، كما فعل الأمير الخطابي وغيره، بدل البقاء في السجون الفرنسية، ولكن مصالي فاجأ الجميع بالرجوع إلى أوروبا، والحلول بسويسرا بدعوى التعريف بالقضية الجزائرية في الأمم المتحف التي كان مقرها عندئذ في جنيف، وقد أقام مصالي مأدبة في أوائل ديسمبر ١٩٥١ للوفود العربية والإسلامية بهيئة الأمم في جنيف، ومن الذين حضروا المأدبة عبد الرحمن عزام وأحمد الشقيري ورؤساء وفود الدول العربية والإسلامية (٢). ومما يلفت النظر أن مصالي ألقى فيهم خطابا نوه فيه بالكرم الذي حظي به لدى الحكومات والشعوب العربية والإسلامية أيام إقامته في المملكة العربية السعودية ومصر، ووعدهم بأن الشعب الجزائري سيحقق آمالهم، وبعد حوالي شهرين ونصف قامت السلطات الفرنسية باعتقال مصالي وهو متجه إلى بوردو

стр. 4360

(فرنسا) (١). وهكذا دخل مصالي القفص من جديد وظل الحزب بدون زعيم يعيش قضاياه ويحس بصوت الشعب عن قرب إلى أن انفجرت الأزمة التي أشرنا إليها والتي استعصت عن الحل، ولم ينهها إلا دوي الثورة. جمعية العلماء المسلمين الجزائريين في اجتماع الجمعية الذي انعقد في سينما دنيا زاد في سبتمبر ١٩٥١ تحت رئاسة الشيخ محمد البشير الإبراهيمي قدمت التقارير المالية والأدبية استعرض فيه نشاط الجمعية منذ سنة ١٩٤٣، وخلاصة ذلك أنه أصبح للجمعية ١٢٣ مدرسة ذات هندسة منسجمة مع تاريخ العمران الإسلامي (الأندلسي) وذلك أمر مقصود من الجمعية لتحافظ على الطراز التاريخي والذوق الفني، ولتفهم الأجيال تراث الأجداد، والعدد المذكور من المدارس لا يدخل فيه المعطل بسبب الإدارة الفرنسية أو بسبب العجز، أما عدد المعلمين فقد بلغ ١٧٥ معلما وهم يتقاضون أجورا متدنية لا تكاد تسد الرمق، وقد بلغت ميزانية المعلمين في الجمعية ٣٧ مليون فرنكا سنويا، والمعلمون عرضة دائما للقمع الإداري والتغريم والمحاكمة والسجن مع المجرمين. من الأعمال التي أعلن عنها في هذا الاجتماع أيضا أن الجمعية أنشأت لجنة عليا للتعليم والتفتيش، وكانت ما تزال تحت التجربة، ولم تتقدم في نشاطها للنقص في التمويل، وقد بلغت نفقاتها خلال السنة التجريبية مليون فرنك، والمعروف أن هذه اللجنة قد تطورت ونمت وعاشت إلى سنة ١٩٥٦ على الأقل رغم الخطوات المتعثرة التي بدأت بها. كما أنشأت الجمعية معهد عبد الحميد بن باديس في قسنطينة، وكان إنشاؤه وفاء لرئيسها ابن باديس، وقد أصبح المعهد يضم حوالي ٧٠٠ تلميذ

стр. 4361

واثني عشر معلما، والدراسة فيه تعتبر جسرا للتعليم الثانوي، فهو يوصل لشهادة الأهلية ثم ينتقل تلاميذه إلى الزيتونة للحصول على شهادة التحصيل أو الثانوية العامة، وكانت الجمعية تخطط لإنشاء كلية في قسنطينة أيضا للطلبة المتخرجين من جامع الزيتونة والمعاهد الإسلامية الأخرى. كما عادت البصائر للظهور، وهي جريدة - كما ستعرف - كانت مقروءة في المغرب العربي والمشرق وحتى في الأمريكيتين، وقد قال عنها الإبراهيمي، رئيس تحريرها وصاحب امتيازها (إنها سيف من سيوف الإسلام، وقبس من روحانية الشرق) حملت على الاستعمار، وشاركت في قضية فلسطين وانتقدت العرب المتخاذلين، ومنعت من دخول المغرب الأقصى لأنها تبنت قضيته الوطنية ونددت بتصرف الاستعمار فيه، وأضاف الإبراهيمي أن البصائر (استردت للجزائر ما كانت مغبونة فيه من حسن السمعة). ومن جهة أخرى بسطت الجمعية وجريدتها القول في قضية فصل الدين عن الدولة، وقدمت بشأنها مقترحات إلى النواب بالمجلس الجزائري، وعالجها الإبراهيمي في عدة مقالات متصلة الحلقات. وفي نفس الاجتماع تحدث الإبراهيمي عن نشاط الجمعية في فرنسا ولماذا اختارت أن ترسل مندوبا عنها إلى الجالية الجزائرية هناك، وهي الجالية التي بلغت أكثر من مائة ألف نسمة، ولها أطفال بلغوا العشرين ألفا وكلهم يقضون مضاجع الجمعية الحريصة على توصيل رسالة الإسلام واللغة العربية إلى هذه الجالية وتعتبر نفسها مسؤولة على رعاية الجالية دينيا وأخلاقيا في بلاد الغربة، لذلك أرسلت وفدا من الشيوخ منهم الفضيل الورتلاني، وسعيد صالحي وعبد الرحمن اليعلاوي، ثم الربيع بوشامة وسعيد البيباني، وذكر الإبراهيمي أن الثلاثة الأوائل حاولوا الحصول على محل (مكتب) دائم للجمعية في باريس، فلم ينجحوا، ولكنهم بذلوا جهودا في فتح نوادي تهذيبية، والمقصود بها محلات لتعليم الدين والأخلاق واللغة العربية وإلقاء دروس الوعظ والإرشاد بما يربط

стр. 4362

الجالية بوطنها ودينها خوفا عليها من الضياع في الحياة الفرنسية، وبينما فشلت الجمعية في الحصول على مركز في باريس حتى بعد سفر الإبراهيمي إليها فإنها، نجحت في الحصول على مكتب في القاهرة بفضل جهود ثلاثة رجال لم يذكر الإبراهيمي أسماءهم، وهم أنفسهم قاموا بتدبير بعثات طلابية للجزائريين من قبل حكومة مصر وباكستان، ولا شك أن أحد هؤلاء الرجال هو الفضيل الورتلاني. وبنهاية الاجتماع قرأ الشيخ إبراهيم مزهودي تقريرا عن نشاط الجمعية في فرنسا، وألقى الشاعر أحمد سحنون قصيدة، وشاركت الأحزاب السياسية المدعوة بالحضور وإلقاء الكلمات، فقد تحدث العربي دماغ العتروس (وهو نائب عن حزب الشعب في المجلس الجزائري) باسم حركة الانتصار، وتكلم عبد الحميد بن سالم باسم حزب البيان، ويونس كوش عن الحزب الشيوعي، وأحمد توفيق المدني عن الجبهة الجزائرية للدفاع عن الحرية، وختم الشيخ العربي التبسي الاجتماع بخطبة ناقش فيها من يقول إن الجمعية لا تتدخل بالسياسة، ففي نظره أن جمعية العلماء هي جمعية لكل الجزائريين بحكم مبادئها، وما دامت السياسة قد تدخلت في الدين (يقصد الحكومة الفرنسية وسيطرتها على شؤون الدين الإسلامي) فإن الجمعية تقف مع الديمقراطية وحقوق الإنسان لأن الإسلام والاستعمار لا يلتقيان (١). على هذا المنوال سارت جمعية العلماء في الجزائر، لكن حدثت أحداث جعلتها في الواجهة أحيانا أو كما قال الشيخ التبسي لا تستطيع ألا تدخل في السياسة لأن هذه تدخلت في شؤون الدين الإسلامي، ففي يناير ١٩٥٢ غادر الإبراهيمي الجزائر عبر فرنسا متجها إلى المشرق لكي يحضر مؤتمرا إسلاميا في باكستان ويدبر منحا لطلبة المعهد ثم يرجع، ولكنه لم يرجع لحدوث الثورة وانقطاع السبل بأمثاله، وأثناء ذلك وقعت تغييرات في الجمعية أصبح بها النائبان

стр. 4363

(الشيخ التبسي والشيخ محمد خير الدين) يتنافسان على إدارة الجمعية، وأصبح أحمد توفيق المدني هو الكاتب العام ورئيس تحرير البصائر، ووقع بعض التمرد من الطلبة في القاهرة ضد سلطة مكتب الجمعية، وخصوصا ضغط الشيخ الورتلاني الذي كان يعمل - كما قيل - على إدخال الطلبة في حركة الإخوان المسلمين، بينما كان مكتب المغرب العربي في القاهرة الذي يسيطر عليه حزب الشعب الجزائري، يعمل على جذب الطلاب إليه، وكان لهذه التطورات ارتداداتها في الجزائر لدى أولياء الطلبة والأساتذة، ولذلك طلب المجلس الإداري للجمعية في اجتماعه، سبتمبر ١٩٥٤، بعودة الشيخ الإبراهيمي لإعطاء تفسير واضح عما حدث مع الطلبة، مع تقديم بيانات عن تأزم الوضع في الجزائر وحرج الجمعية من اتخاذ مواقف في غيابه (١). ويرى بعض الباحثين أن العلماء خدموا التعليم الحر واللغة العربية، وقاموا بالوعظ والإرشاد في المساجد الحرة عندما لم تسلم لهم الإدارة الشؤون الدينية التي ظلت تشرف عليها، كل ذلك في ظرف قصير بين ١٩٤٧ و ١٩٥٤، ومن جهتها قامت فرنسا بحل اللجان الاستشارية للديانة الإسلامية التي كان يشترك فيها موظفون فرنسيون، بتاريخ الثالث من أغسطس ١٩٤٤، وهو إجراء رأى فيه العلماء انتصارا لهم لأنه سيمكنهم من الإشراف على الشؤون الإسلامية ويحقق ما سعوا إليه طويلا وهو فصل الدين الإسلامي عن الدولة الفرنسية أسوة بما حدث مع النصرانية واليهودية، لكن الإدارة لم تسلم لهم الشؤون الإسلامية وفتحت في المجلس الجزائري نقاشا لا طائل تحته مما أتاح لها (الإدارة) الإبقاء في يدها على تعيين ممثلي الديانة الإسلامية رغم الوعد بالفصل الذي جاء في قانون (دستور) ١٩٤٧. وهكذا أبقى المجلس الجزائري شؤون الدين الإسلامي في أيدي رجال

стр. 4364

تعينهم الإدارة وتحدد لهم اختصاصاتهم بدل أن يكونوا مستقلين، أما العلماء فكانوا يرون تسليم الشؤون الإسلامية إلى جماعة المسلمين لأنها وحدها الكفيلة والمؤهلة لإدارتها، رافضين أي تدخل فيها من الإدارة، كما كانوا يطالبون الإدارة بإعادة الأوقاف (الأحباس) إلى جماعة المسلمين أيضا، وهي الأوقاف التي استولت عليها فرنسا منذ الاحتلال، وطالب العلماء منذ مايو ١٩٥٠ بإنشاء مجلس إسلامي أعلى مؤقت يتكفل (بالتعاون مع رؤساء الجمعيات الدينية الجديدة المنتخبين) بإدارة الأوقاف والموارد الرئيسية الضرورية لأجور الموظفين الدينيين، وقد ظلت هذه القضية تراوح مكانها إلى اندلاع الثورة، وكانت من القضايا التي زادت في بعد المسافة بين العلماء والإدارة، ومهما كان الأمر فإن العلماء لجأوا بعد فشلهم إلى إنشاء المساجد الحرة التي انطلقوا منها في دروس الوعظ والإرشاد وهي مشيدة بأموال أنصارهم، وقد نجحوا في ذلك نجاحا كبيرا (١). أما المجال الآخر الذي نشط فيه العلماء ونجحوا فيه فهو نشر اللغة العربية والدفاع عنها، بالإضافة إلى أنهم طوروا الصحافة العربية وأسهموا في حركة الطباعة العربية، وكلها كانت مظاهر لنهضة تعليمية وأدبية واضحة، وإليك بعض الإحصاءات الأخرى عن عدد المدارس والتلاميذ الذين تشرف عليهم جمعية العلماء ابتداء من ١٩٤٧، ففي هذا التاريخ كان عدد التلاميذ حوالي عشرين ألفا وعدد المدارس حوالي تسعين مدرسة، وفي التاريخ المذكور افتتحوا، كما سبق، معهد ابن باديس الذي كان يضم حوالي ٧٠٠ تلميذ يتأهلون فيه للالتحاق بجامع الزيتونة. وفي سنة ١٩٥٤ أعلنت الجمعية قائمة بمدارسها فإذا هي ١٢٤ مدرسة وعدد معلميها ٢٧٤ معلما، ولكنها في سنة ١٩٥٤ أعطت رقم أربعين (٤٠) ألف تلميذ، بينما الإدارة الفرنسية تضع الرقم في حدود ٢٢٠٠٠ تلميذ، أما في

стр. 4365

سنة ١٩٥٥ فقد كان العلماء يملكون ١٨١ مدرسة منها ٥٨ مدرسة ذات تعليم راق ولكن عدد التلاميذ انخفض إلى ١١٠٠٠ تلميذ، وكان برنامج التعليم عند العلماء يكاد ينحصر في مواد اللغة العربية والدينية، بينما أهملت تقريبا المواد العلمية، ومن فضل هذا التعليم أنه يكون شبابا طليق اللسان والقلم في اللغة العربية واستعمال ما سماه آجرون باللغة العربية الحديثة (١). عرج الشيخ الإبراهيمي على فرنسا في طريقه إلى المشرق سنة ١٩٥٢، وبالإضافة إلى ما أعلن عن اتصالاته بالقادة العرب وحضور نشاط ثقافي كانت تقوم به منظمة اليونسكو فإن تفقد أنشطة الجمعية في باريس كان على رأس أولوياته، وربما كان العلاج من بينها أيضا، كان الإبراهيمي قد أشار في خطبته في سينما دنيا زاد في نوفمبر سنة ١٩٥١ إلى أن نشاط الجمعية في فرنسا ليس على ما يرام، ذلك أن أكثر من مائة ألف مسلم كانوا يعيشون بدون إسلام ولا عروبة، ولم يسافر الإبراهيمي إلى فرنسا وحده بل صحبه إليها نائبه أيضا فوجدا استعدادا من الجالية، وقد مهدا الطريق لشراء مركز للجمعية في باريس ولكننا لا نعرف عن دوره الكثير (٢). الحالة الاجتماعية جاء في دراسة عن مستوى الحياة في الجزائر سنة ١٩٥٤ أن عدد سكان القطر وصل إلى تسعة ملايين و ٥٢٨ ساكنا، منهم مليون و ٤٢، ٠٠٠ أروبي، ويمثل السكان الأوروبيون ١٠ في المائة من مجموع السكان، وأن نمو هؤلاء يتماثل مع نمو سكان فرنسا نفسها، أما هجرة الجزائريين فالتقارير الرسمية تشير إلى أن في فرنسا حاليا ٣٠٠، ٠٠٠ جزائري نصفهم من القبائل، كما لاحظ التقرير أن مليونا ونصفا من السكان يعيشون في الجزائر من النقود التي يرسلها العمال من فرنسا، وأن خمسة وثلاثين مليارا من الفرنكات أرسلت من فرنسا

стр. 4366

إلى الجزائر في شكل حوالات سنة ١٩٥٤ (١) .. الكشافة الإسلامية قبل الثورة كانت الكشافة الإسلامية نشطة ولها انتشار واسع فيما يبدو، وكانت تمثل توجها وطنيا تعبر عنه في بياناتها وآراء قادتها والأناشيد التي كانت تلقنها لأعضائها، وقد وجدنا اهتماما بها من قبل الصحافة الوطنية مثل البصائر والمنار اللتين كانتا تنقلان أخبار الكشافة بتعاطف واضح، بما في ذلك نشر البيانات وأسماء الأفواج والقادة، وابتداء من سنة ١٩٤٨ أصبح هناك جناحان للكشافة وهما الكشافة الإسلامية الجزائرية الوفية لمبادى مؤسسها بوراس، والأخرى شبيبة الكشافة الإسلامية الجزائرية التي انطلقت منذ السنة المذكورة والتي يبدو أنها ذات ميول سياسية معاصرة. تاريخيا، ينسب تأسيس الكشافة الإسلامية إلى محمد بوراس الذي قيل عنه إنه كان يخطط لاتخاذ الكشافة وسيلة لعمل عسكري سياسي ضد الاحتلال الفرنسي، وقد انتهى به الأمر إلى الحكم عليه بالإعدام سنة ١٩٤١، ولد بوراس بمليانة في ١٩٠٨، ولا نعرف الكثير عن تعلمه وأولياته، ولا كيف انتقل إلى العاصمة وسكن ضاحية (بولوغين)، ولكننا نعرف أنه اشتغل ضاربا على الآلة الكاتبة، وأنه كان متزوجا وله أولاد، اتهمه الفرنسيون بالاتصال مع الألمان أثناء الحرب العالمية والمساس بأمن الدولة رغم أن فرنسا ساعة محاكمته وإعدامه كانت تحت حكم فيشي، أي تحت الاحتلال الألماني، ولكن الجزائر عندئذ كانت تعيش وضعا خاصا، وكانت محاكمة بوراس سرية، كما بقي تنفيذ الحكم فيه سرا أيضا مدة طويلة، وقد حوكم معه آخرون، منهم محمد بوشارب من مليانة أيضا ومحمد محمودي (المدية) وأحمد فكراش (بني راتن)، وكانت المحكمة عسكرية برئاسة العقيد (دوماسيل) وبحضور المكلف بالشرطة

стр. 4367

(أشياري) المشهور في وقته بالوحشية في التعامل مع الجزائريين، سيما أثناء أحداث ٨ مايو ١٩٤٥ (١) .. في أكتوبر ١٩٥٠ أصدرت (جامعة الكشافة الإسلامية الجزائرية) بلاغا تقول إنها عقدت اجتماعا في مدرسة الثبات بالحراش وإنها درست عدة مسائل منها ربط العلاقات بجمعيات الكشافة في الخارج وتعميم الإرشاد الديني، كما ناقشت الميزانية ووسائل النشر والتأمين ضد الحوادث، وأخيرا قررت إرسال وفود للدعاية في داخل القطر. ومن جهة أخرى أقامت جمعية العلماء وحزب البيان حفلة للكشافة المذكورة في نفس المدرسة، وهي المدرسة التي كان يشرف عليها الشاعر الشهيد الربيع بوشامة، وفي هذه الحفلة أنشدت الأناشيد وألقيت كلمات من قبل الشيخ الربيع بوشامة والتومي بوعلام رئيس جمعية المدرسة وبعض أعضاء حزب البيان وغيرهم من الرياضيين، كما ألقى بوشامة قصيدة بالمناسبة، ومن الملاحظ أن القائد العام لجامعة الكشافة عندئذ هو الطاهر التجيني (٢). وأصدر القائد العام (للكشافة الإسلامية الجزائرية) السيد محفوظ قداش بلاغا يذكر فيه بالاجتماع الذي حصل بتاريخ ٢٨ أكتوبر سنة ١٩٥٠ بالعاصمة والذي عين المسؤولين في اللجنة المسيرة للكشافة وهم: محمود بوزوزو رئيسا وعمر الآغة نائبا له، ومحفوظ قداش كاتبا عاما، وحمدان بن عبد الوهاب أمينا للمال، وصالح الونشي قائدا للجوالة، وقد حددوا نشاطهم ليكون خلال عيد الميلاد وعيد الفصح والصيف، ومما يلفت النظر بشكل خاص أن البلاغ نص على أن الكشافة تعمل على (تكوين شباب مسلم شهم ذي وعي تام). وبمناسبة عطلة الربيع (الفصح) التقى حوالي ٤٠٠ شاب في مختلف

стр. 4368

مخيمات القطر (العاصمة وقسنطينة، ومغنية)، وفي مغنية التابعة لولاية وهران خصص يوم ٢٥ مارس ١٩٥١ للمساعدة على بناء مدرسة حرة، وفي الليل كان الفتيان يقضون أوقاتهم في السمر بالأناشيد وتمثيل الروايات، أما في قسنطينة فقد انتهى المخيم بحفلة مسرحية ساعد على إحيائها الفوج الكشفي المحلي، وكان الهدف من هذا النشاط هو تكوين شباب واع مخلص لدينه ووطنه، حسب تعبير الجريدة (١). ومن جهة أخرى شاركت وفود من الكشافة الإسلامية الجزائرية في مخيمات عالمية شملت عددا من العواصم الأوروبية مثل برلين وإسبانيا ولوكسمبورغ وإيطاليا وفرنسا، وقد أخبرت المنار أن المشرف على مخيم لوكسمبورغ كشاف جزائري مسلم هو القاهد حمدان بن عبد الوهاب، وسبق لوفود الكشافة أن زارت في وقت سابق مدنا في أوروبا الشرقية وهي براغ وبودابست، ولاحظت المنار أن وفود الكشافة تشرف (الجزائر العربية المسلمة) (٢). وكان للكشافة الإسلامية نشرات شهرية بالفرنسية هي: الشبل وهي نشرة خاصة بالأطفال، وصوت الكشاف التي تصدر باللغتين، والجوال، وهي نشرة خاصة بالشبان، وأخيرا النشرة الإخبارية الخاصة بالقادة، كما قررت الحركة الكشفية إصدار نشرة للعموم مرة أو مرتين في السنة لكي تطلعهم عما تم إنجازه من أعمال (٣). وفي السنة الموالية نجد الكشافة نشطة بمناسبة عطلة الربيع أيضا، وشمل نشاطها إقامة مخيمات في تلمسان والأوراس وغيرهما، وأخبرت المنار أن هناك مفاوضات بين الكشافة واتحاد الشبيبة الديموقراطية الجزائرية (؟) وهو اتحاد ربما يرجع إلى بعض الأحزاب والمنظمات اليسارية، والهدف من المفاوضات

стр. 4369

هو تكوين جبهة وطنية للشبيبة الجزائرية، وقد ذكرت جمعية الكشافة أنها تعتزم إصدار جريدة باسم صوت الشباب وهي جريدة تربوية إخبارية تهتم بمشاكل الشباب الجزائري، هذا وقد صدر العدد الأول من صوت الشباب فعلا دون أن نعرف بأية لغة، وهي جريدة أصدرها قسم الجوالة في الكشافة الإسلامية (١). وفي نفس الشهر أقامت الكشافة حفلا في سيدي بلعباس في مدرسة التربة والتعليم? التي تديرها جمعية العلماء، وقد خطب فيهم الشيخ محمد القباطي والحبيب بناسي، وصادف ذلك حلول ذكرى وفاة الشيخ ابن باديس فأحيوا هذه المناسبة، وفي خطبتيهما حث الشيخان الشباب على التعلق بالوطن وقالا إن الجزائر بخير ما دام هذا الشباب يؤمن بها، ونوها بالعروبة والإسلام وبمجد الجزائر (٢). وقامت (جمعية الكشافة الإسلامية الجزائرية الحرة) أيضا بأعمال البر والإحسان، فقد وجدنا أحد أفواجها وهو فوج القطب يطعم حوالي ٣٠٠ فقير، كما قام فوجا الاجتهاد والفلاح بإطعام حوالي ٢٠٠ فقير آخرين، ونلاحظ هنا كلمة (الحرة) في هذه الجمعية، فهل كان هناك جمعيتان للكشافة؟ يبدو ذلك (٣). ويبدو أن جمعية الكشافة كانت تتعرض للقمع والاضطهاد من قبل سلطة الاحتلال، ففي ربيع ١٩٥٤ هاجمت الشرطة مقر الكشافة الإسلامية الجزائرية وفتشت أوراقها وأخذت آلتين راقنتين وناسخة دون ترك وصل لحارس المحل، وبعد هذا الحادث اجتمعت الهيئة وأصدرت احتجاجا باعتبارها (منظمة قانونية وتربوية تمثل آلاف الكشفيين وآباءهم وأولياءهم،) وطالبت بإرجاع ما أخذته الشرطة من المقر (٤).

стр. 4370

ومع بداية الثورة وتغير العلاقات مع السلطة الاستعمارية وجدنا الكشافة الإسلامية تتخذ موقفا يمكن وصفه بالمتشدد، فقد نددت بالدعوة التي خرج بها اجتماع شيوخ المدن (رؤساء البلديات) الفرنسيين ورؤساء الغرف الفلاحية والمنظمات (الرجعية) ... ودعوا فيه إلى القمع ضد الجزائريين، لذلك خرجت الكشافة بعد اجتماع عقدته في سطيف خلال شهر يوليو للتنديد بموقف السلطة التي لم تضع حدا لهذه الحملة، واعتبرت الكشافة موقف الشيوخ وزملائهم قد أملاه الحقد العنصري الذي يوسع شقة الخلاف بين عناصر (الأمة الواحدة) (كذا)، وفي الأخير دعا بيان الكشافة جميع العناصر النظيفة في الشعب، وخصوصا الشباب، إلى رفض جميع المناورات الرجعية ... والواقع أن هذا بيان سياسي إلى حد كبير، فقد استنكر التفرقة بين عناصر الأمة الواحدة، والمقصود بذلك هم المسلمون والأوروبيون معا، ودعا البيان إلى عزل العناصر الرجعية، وهذه كلها تعبيرات غامضة ستتحول إلى (هم / نحن) بعد أن فقدت هذه الدعوة معناها لأنها لم تجد آذانا صاغية من الطرف الآخر. ومن الملفت للنظر أن نجد الكشافة تدعو إلى التمسك بمبادى الإسلام ونبذ الإلحاد وإلى التحذير من الانحراف الديني ونشر الأفكار الهدامة بين عناصر أمة تدين بالإسلام السمح، وهي في الواقع تقف ضد القوانين الوضعية أصلا. فقد صدر بلاغ عن هيئة الكشافة هاجم الإلحاد وانتقد ترك البنات يخرجن بدون مرافق، وحذر الأمة من (الهدامين الذين يملون على وأد معنويات هذه الأمة) ودعاها إلى موقف حازم لصد تيار الإلحاد ونشر الأفكار السيئة بين عناصر أمة تدين بالإسلام وتمجد الأخلاق وتقتدي بالرسول ﷺ ، ذلك أن إرسال الفتيان والفتيات إلى الخارج بدون مرافق يحرسهم ويحافظ على أخلاقهم وعاداتهم القومية يعد جريمة في نظر الكشافة الإسلامية الجزائرية، وبشر البيان الأمة بأن (عهدا جديدا للإسلام فوق تراب هذا الوطن سيسود التعاليم الوضعية الأرضية ... لا محالة،) وهذا بالطبع تعريض واضح بالقوانين الفرنسية بل ربما

стр. 4371

بالوجود الفرنسي (١). جمعيات رياضية وطلابية كانت جمعية الطلبة المسلمين تقوم بأنشطة رياضية وغيرها، ويبدو أن هناك فرقا عديدة مسؤولة على هذه الأنشطة التي تهدف إلى التعارف وجمع كلمة الشباب لأهداف وطنية بعيدة، فقد اشتركت الفرق الإسلامية المشهورة على حد تعبير جريدة المنار، وهي المولودية الجزائرية، والاتحاد الرياضي الإسلامي البليدي، والاتحاد السطيفي، والمولودية القسنطينية في تنظيم دورة كروية كانت نتيجتها إحراز الاتحاد الرياضي الكأس الذي سلمه له الصيدلي عبد الله بن احبيلس، وهذا يدل على تعاون الشباب مع الجيل السابق لهم كما يدل على التعاون بين الشباب والنخبة. وهناك أنشطة أخرى فنية ورياضية تدل على الانسجام الذي كان بين الطلبة والكشافة والشعب، كما تدل على التوجه الوطني والقومي والإسلامي لهذه المنظمات، فقد أقيمت حفلة شاي اشترك فيها بعض العامة وألقى فيها رئيس جمعية الرياضيين بنادي المولودية السيد عبد السلام كلمة شكر فيها الحاضرين على مساهمتهم في نشاط الطلبة، كان هذا في مدينة الجزائر، أما في البليدة فقد أقيمت حفلة أسهم فيها الطلبة بتقديم مسرحية عن (غزوة بدر)، وقد سمتها الجريدة (الرواية المشهورة)، ونفهم من ذلك أن الرواية قد مثلت من قبل وأنها معروفة للجمهور، والمهم هو أن الرواية قد لاقت نجاحا كبيرا ربما لموضوعها، وهو تاريخ الإسلام والسيرة النبوية الشريفة والربط بين الماضي الحاضر، بين مجاهدة الكفار ومقاومة الاستعمار. وفي نفس المناسبة أو الحفلة شارك أحد الشبان، ويدعى زينات، رئيس الفرقة الكشفية، بمحاورة فكاهية، كما اشتركت فيها الفرقة الموسيقية للمسرح

стр. 4372

البلدي ببعض الأغاني الشرقية، وتلفت نظرنا هنا كلمة (الشرقية) وهي بدون شك تعني العربية مما يدل على شعور الناس بالتوجه الحضاري للشباب الجزائري المتشبع بالروح الوطنية، وفي هذا الحفل ظهر اسم الشاب عبد السلام سابق الذكر والذي حث الشعب على تقديم المساعدة للطلبة الذين سينهضون حسب رأيه، بالأمة في المستقبل، كما خطب طلاب آخرون داعين إلى نفس الفكرة، ولا ندري إن كان الشاب عبد السلام هو نفسه عبد السلام بلعيد الذي سيرد اسمه يد قليل أو هو شخص آخر (١). ومهما كان الأمر فإن جمعية الطلبة المسلمين لشمال إفريقيا بالجزائر قد جددت مكتبها في ٦ ديسمبر ١٩٥٣، فكان فيه عدد من الأسماء التي سيظهر أصحابها على الساحة السياسية والثقافية والنضالية، فكانت التشكيلة على النحو التالي: صابر صادق الشريف - رئيسا، مراد علي - كاتبا عاما، اسكندر نور الدين وبلحاج محيي الدين - نائبين له، زرهوني الطاهر - أمينا للمال، وقد اتفقوا على تعيين الرئيس السابق للجمعية، وهو عبد السلام بلعيد رئيسا شرفيا (٢). كان الوعي الوطني والإسلامي كبيرا بين فئة الطلبة المغاربة عموما والجزائريين خصوصا للظروف التي أحاطت بقضيتهم بد تطور الأحداث في كل من تونس والمغرب، وبعد جمعية الطلبة في الجزائر وجمعية طلبة شمال إفريقيا في فرنسا قرأ عن تكوين تنظيم جديد للطلبة المغاربة في الجزائر يبدو أنه كان يضم من كانوا يدرسون في جامعة الجزائر، وكان الدافع إلى تكوين هذا التنظيم هو تعدد الهيئات الطلابية وتشتتها وتكاثر عدد الطلبة المسلمين (المغاربة؟) وظهور مشاكل كان على الطلبة مواجهتها باعتبارهم الفئة الواعية، ولعل المقصود بالمشاكل هنا هو المشاكل السياسية وتجاذب الأحزاب لعناصر الطلبة والضغط على هؤلاء لاتخاذ قرار بشأن مستقبل أوطانهم، والقائمة التي تحمل

стр. 4373

أسماء المنظمين لهذا التجمع لا تدل على مشاركة طلبة من المغرب أو من تونس وإنما الأسماء كلها فيما يبدو جزائرية. ومهما كان الأمر فإن التنظيم الجليد قد نشأ في عاصمة الجزائر وأطلق عليه اسم (الاتحاد الإسلامي للطلبة المغاربة)، ونلاحظ هنا أن جميع التنظيمات التي تجمع الطلبة تحمل كلمة (الإسلامي) والإسلامية في عنوانها، وكان رئيس التنظيم الجديد هو محمد أمير الذي هو في نفس الوقت رئيس طلبة شمال إفريقيا المسلمين بباريس، وقد ذكر أن مركز الاتحاد هو ٢٣ جادة روبيرتسو، الجزائر، أما الحاضرون فهم: محمد أمير من جمعية طلبة شمال إفريقيا بباريس، معيزة الطاهر من نفس الجمعية في طولون، رزيق قاسم عن جمعية الطلبة الجزائريين الزيتونيين بتونس، الطرش محمد عن جمعية الطلبة الجزائريين القرويين بفاس، قائد الطاهر عن تلاميذ سائر المدارس الثانوية بالجزائر، الضيف عبد الحميد عن تلاميذ سائر المدارس الثانوية بقسنطينة (١). حقيقة أننا لم نقرأ عن نشاط هذا التنظيم ولكنه يدل على خطوة متقدمة من أجل تجميع القوى الطلابية لصالح الحركة الوطنية، ولعل الدافع لتكوين التنظيم هو حزب الشعب/ حركة الانتصار الذي كان يعمل على تأطير النخبة الجديدة في صفوفه، وربما لأول مرة يتكون تنظيم من طلبة يدرسون في المدارس الفرنسية في الجزائر وفرنسا مع طلبة يدرسون في المغرب (القرويين) وتونس (الزيتونة)، ومن الملاحظ أنه لا يوجد من يمثل ثانويات وهران، ومهما كان الأمر فإن هذا التنظيم يعتبر خطوة جريئة نحو تكوين الاتحاد العام للطلبة المسلمين الجزائريين بعد ثلاث سنوات. جمعيات جزائرية في تونس تكونت في تونس جمعيات طلابية غير التي أشرنا إليها، وكانت في شكل

стр. 4374

بعثات يشرف عليها شيوخ من بني ميزاب، أمثال أبي اليقظان ومحمد علي دبوز، وهذه البعثات جاءت بنتائج باهرة إذ تخرج منها عدد هام من الطلبة الذين توجه كثير منهم للتعليم في المدارس الحرة ومنهم من توجه إلى الاقتصاد والسياسة. ويهمنا من هذه الجمعيات تلك التي تكونت سنة ١٩٣٤ في تونس والتي تولاها الشاذلي المكي في فترة حافلة بالأحداث في القطرين وزيارة ابن باديس لتونس ثلاث مرات في هذا العهد وإلقاء محاضرات وعقد لقاءات عن مستقبل القطرين، وهذه الجمعية هي التي أصدرت نشرة بعنوان (الثمرة الأولى) ظهر عليها الطابع الوطني والإسلامي، وقد اشترك في الكتابة فيها الشيخ أبو يعلى الزواوي واعتذر لهم عن الكتابة الشيخ مبارك الميلي والشاعر مفدي زكرياء، بينما كتب فيها أحمد حماني ومحمد الشبوكي والأخضر السائحي ... وإذا كانت الحرب العالمية الثانية قد جمدت نشاط هذه الجمعية كما تقلص خلالها عدد الطلبة الدارسين في الزيتونة فإن الجمعية عادت إلى نشاطها بعد الحرب، وبعد أن تولتها قيادة تنتمي إلى جمعية العلماء مثل أحمد بوروح وعبد الرحمن شيبان آلت إلى قيادة موالية لحزب الشعب/ حركة الانتصار على رأسها محمد مرازقة وعمار النجار، وقد أصدرت القيادة الجديدة نشرة (الثمرة الثانية)، ومن الملاحظ أن الذي كتيب لها التصدير هذه المرة هو مصالي الحاج زعيم حزب الشعب، وقد دفع بكلمته الطلبة نحو السياسة باعتبارهم نخبة مثقفة هي التي عليها أن تقود البلاد في المستقبل، وهو اتجاه كان الحزب قد بدأ في تطبيقه في الجزائر أيضا، والملاحظ أيضا أن مصالي تحدث عن (دور شبيبتنا المثقفة في تكوين الحركة الوطنية بمغربنا)، أي أن كلامه يصدق على الجزائر وغيرها وكأنه كان ما يزال يتحدث بلغة نجم شمال إفريقيا، وفي هذا النطاق دعاهم إلى قيادة الجماهير مستقبلا باعتبارهم نخبة مثقفة .. بعد أن تكون قد تشبعت بروح الحضارة العربية، وهذا الكلام إذا قرى على أنه من قلم زعيم فإنه يدل على قناعته بمشروع فكري للمستقبل.

стр. 4375

وهكذا نلاحظ أن جمعية الطلبة في تونس كانت في مرحلتها الأولى وطنية باديسية الاتجاه وفي مرحلتها الثانية وطنية مصالية الاتجاه. ولذلك لا نستغرب أن يتمسك كل فريق باتجاهه بعد ذلك وأن تنشأ في تونس جمعيتان للطلبة الجزائريين في فاتح الخمسينات من القرن العشرين: جمعية الطلبة وهو الاسم القديم وجمعية البعثة وهو الاسم الجليد، والأخيرة هي التي عادت بأتباعها إلى الاتجاه الباديسي باعتباره هو الاتجاه الأصلي، وبين ١٩٤٨ و ١٩٥٤ خف نشاط جمعية الطلبة ربما لميول الطلبة نحو الدراسة بدل السياسة وربما للأزمة التي عرفها حزب الشعب وهي الأزمة التي كادت تصيب نشاط خلايا الحزب بالشلل. وقد عشت شخصيا هذه الفترة بتونس وعرفت بعض مجرياتها وقادتها، ومما يكر أن جمعية العلماء قد عينتني سنة ١٩٥٢ مسؤولا على جمعية البعثة التي حلت محل جمعية الطلبة في شارع عبد الوهاب برحبة الغنم بينما بحثت جمعية الطلبة عن مكان آخر لها لأن مركز شارع عبد الوهاب كان حسبما فهمت عندئذ مؤجرا من قبل جمعية العلماء من السيد علالة. ومهما كان الأمر فإنني أذكر أن من بين الأنشطة التي قامت بها جمعية البعثة شتاء سنة ١٩٥٢ تمثيل رواية (الخليفة العادل عمر بن عبد العزيز) بإشراف السيد محمد الحبيب التونسي، فقد سافرنا بها إلى الجزائر ومثلناها في عدد من المدن (قسنطينة، جيجل، باتنة ...) وجمعنا منها تبرعات مالية للقيام بنشاطنا في تونس، وكانت تلك الجولة قد جعلتني أكتشف مناطق هامة من الجزائر في وقت مبكر من حياتي، ومن الأنشطة التي قامت بها جمعية البعثة إجراؤها مسابقة بين الطلبة الجزائريين عنوانها (أملك في مستقبل بلادك)، وقد اشترك فيها عدد من الطلبة وتكونت لها لجنة تحكيم من أساتذة جامع الزيتونة، وفازت فيها مجموعة من الطلبة منهم عبد الله ركيبي ومحمد الدريدي ومحمد بغدادي، وقد نشرت أعمالهم مع صورهم في جريدة

стр. 4376

البصائر (١). كما تكونت في تونس جمعيات تضم الجاليات الجزائرية التي شعرت بضرورة التضامن مع بعضها للتنسيق من أجل القضية الوطنية أو القضايا الاجتماعية، فبالإضافة إلى ما ذكرنا تكونت جمعية الوفاق التي أسسها طلبة وادي ميزاب وأعلنت أن مهمتها الاحتفال بالعلماء وعظماء البلاد والإسلام وتخليد المآثر والذكريات، وهي جمعية تجمع بين النشاط الطلابي والنشاط الاجتماعي (٢). وهناك جمعية الودادية الجزائرية الإسلامية، وهي جمعية قديمة ترجع إلى سنة ١٩٣٧ ولكننا لا نعرف كم استمرت في نشاطها، وكانت برئاسة السيد قاش الزين، كما ظهرت جمعية أخرى للعمال الجزائريين (٣). من الجاليات الجزائرية الهامة في تونس جالية السوافة أو أهل سوف، وكان فيهم العمال والطلبة، وقد أسس هؤلاء جمعيات بأسماء بلداتهم الأصلية أو باسم منطقة سوف، وقد وجدت في جريدة (المغرب العربي) اسم جمعية الرابطة القمارية الثقافية (من قمار) واسم كاتبها العام هو التجاني زغودة الذي كتب مقالة طويلة بهذه المناسبة حول الحكم العسكري في منطقة سوف وعن حكم القياد والأغوات، ومنهم آغا قمار (٤).

стр. 4377

كانت الجمعيات والأحزاب التونسية مفتوحة أمام الجزائريين، وقد اشترك فيها البعض بكل نشاط وإيمان بالمصير المشترك، وكانت بالنسبة للبعض مدرسة في العلم وفي السياسة والثقافة والإعلام، فكان رجل مثل زغودة يشارك في تحرير جريدة الزهو وجريدة الزهرة، ووجد رجل آخر مثل عبد الله شريط طريقه في تونس في ميدان التعليم والصحافة، وسنتحدث عن نشاط نخبة من الجزائريين أيام الثورة في تونس. من التنظيمات التي شاركت في إنشائها شخصيا مع إخوان تونسيين وجزائريين (رابطة القلم الجديد) التي تأسست في يناير سنة ١٩٥٢، وكان رئيسها زميلنا الشاعر والدبلوماسي الشاذلي زوكار، ومن أعضائها التونسيين منور صمادح ومحمد الشابي ونور الدين صمود ومحمد بلحسن، أما من الجزائر فكانت تضم محمد العيد الخطراوي ومحمد علي كرام والجنيدي خليفة .. كانت الرابطة مفتوحة لكل أبناء المغرب العربي، وقد تولى رئاستها الجنيدي خليفة سنة ١٩٥٤ قبل إلقاء القبض عليه، وكان الجنيدي ناقدا، كما كان كرام قصاصا، والخطراوي شاعرا، وكانت الرابطة تربط بين الأدب والحياة والوطنية، وكان شعارها (نريد أدبا تريده الحياة)، وكان طموح الشباب والآمال السياسية والنهضة الثقافية هي الدافع لنا في هذا المضمار، وقد بقيت عضوا في هذه الرابطة إلى أن تخرجت من الزيتونة ورجعت للجزائر سنة ١٩٥٤ (١).

стр. 4378

ونحن نلاحظ أن هناك تجاوبا بين طلبة الجزائر وطلبة المغرب وتونس ربما لم تعهده المنطقة من قبل، فقد تضامن الطلبة الجزائريون في المغرب وتونس مع إخوانهم في كلا البلدين، وكان من نتيجة هذا التضامن الاضطهاد والسجن والتعذيب، حسب جريدة المنار، وقد علقت الجريدة على ذلك بقولها إن الفرنسيين لم يكتفوا باضطهاد الثقافة العربية الإسلامية في الجزائر بل اضطهدوا من يرغب في دراستها في معاهد تونس والمغرب، فقد داهمت الشرطة في هذين البلدين بيوت الطلبة الجزائريين الذين خرجوا للتضامن مع إخوانهم وزجت بهم في السجن وقادتهم إلى مخافر التحقيق وسلطت عليهم التعذيب، واعتبرت أن ذلك يكشف عن حقد الفرنسيين على الثقافة العربية الإسلامية ورجالها (١). كانت جمعية الطلبة الجزائريين في تونس نشطة وعدد أفرادها كثر، كما كانوا يتعاطون السياسة في أغلبهم، وقد تكاثر عددهم منذ بدأ الشيخ ابن باديس يرسل منهم أو يوجههم للدراسة في الزيتونة، ومن نشاطهم إصدار نشرة وتنظيم محاضرات واستقبال كبار رجال العلم الجزائريين الذين يزورون تونس أو يمرون بها والكتابة في الصحف عن إحياء المناسبات والذكريات الدينية والوطنية، وفي كل عام كانت تتخرج دفعات جديدة من جامع الزيتونة وتعود إلى الجزائر لتمارس التعليم تحت مسؤولية جمعية العلماء أو حزب الشعب، والمعروف أن عددا من الطلبة الجزائريين انضموا أيضا إلى الأحزاب التونسية وأصبحوا قادة فيها، خصوصا خلال العشرينات والثلاثينات من القرن العشرين كالأخضر السائحي ومفدي زكرياء ومحمد العريبي، ومحمد العيد الجباري، وإبراهيم أطفيش والشاذلي المكي وأحمد حماني (٢) ...

стр. 4379

ومما يلاحظ أن من مهام جمعية الطلبة هذه تقويم المنحرفين من الطلبة ومراقبة سيرهم، وإعانتهم، وقد وصفت نفسها بأنها جمعية ثقافية. وبعد حوالي سنة جدد مكتب جمعية الطلبة فوجدنا فيه أسماء جديدة وأخرى قديمة مما يدل على أن بعض القدماء على الأقل قد تخرجوا والتحقوا بمهامهم في التعليم أو بمواصلة الدراسة في المشرق، جدد المكتب في شهر فبراير سنة ١٩٥٣، وجاءت تشكيلته على النحو التالي: قاسم رزيق - رئيسا، ونائباه خضارة محمد الصالح وأحمد عواق، ودخل عبد الحميد بن هدوقة كاتبا عاما ونائبه هو البشير بن رابح، وعين علي كافي وموسى زغلاش مراقبين بينما أصبح أمين المال هو محمد بوصبيعات ونائبه هو عبد القادر عيساوي، ودخل عضوان جديدان هما رشيد سحري ومحمد السعيد موالكي (١). ويلاحظ أن عدد الطلبة الخريجين من جامع الزيتونة في ازدياد كل سنة، ففي سنة ١٩٥٢ وحدها تخرج ثمانية وثلاثون (٣٨) طالبا، ٢٣ منهم في الدورة الأولى و ١٥ في الدورة الثانية، وهذا العدد يدل على الإقبال على التعلم بصفة عامة في الجزائر بعد الحرب العالمية الثانية، كما يدل على انتشار المدارس الحرة التي تنشر الثقافة العربية الإسلامية في الجزائر تحديا لعملية الفرنسة التي تقوم بها السلطة الاستعمارية وهي المدارس التي كانت تستوعب الخريجين كإطارات تعليم فيها (٢). كانت في جامعة الجزائر جمعية طلابية تسمى جمعية طلبة شمال إفريقيا المسلمين، وقد جددت مكتبها أيضا بنهاية سنة ١٩٥١ في قاعة الأفراح

стр. 4380

بالعاصمة، وبعد تقديم التقرير الأدبي والإداري صوت الطلبة على عدة لوائح احتجوا في واحدة منها على طرد الكثير من دار الجامعة، وعلى نظام السجون اللاإنساني سواء في وهران أو الأصنام أو الأغواط، وأعلنوا تضامنهم مع ضحايا القمع، فإذا كان هذا يشير إلى الضحايا من الطلبة فمعنى ذلك أن الطلبة كانوا يتعاطون السياسة مبكرا خلافا للشائع عنهم، وكانت الجمعية - كما يدل اسمها - تشمل الطلبة الجزائريين وغيرهم من طلبة المغرب العربي، كما أعلنوا عن ترحيبهم بفتح مصر معهدا للدراسانت العربية في الجزائر (١). جمعيات أخرى وبالإضافة إلى ما ذكرنا ظهرت جمعيات نسائية تقوم بأعمال خيرية وتحتفل بالأعياد الدينية ونحو ذلك من الأنشطة الاجتماعية، فقد احتفلت جمعية النساء المسلمات الجزائريات بالمولد النبوي الشريف في البليدة بتوزيع الملابس والحلويات على عدد من الأطفال المحرومين، وكان عددهم حوالي مائة وخمسين طفلا، وكانت الحفلة من تنشيط نساء يبدو أنهن من العائلات السياسية في المجتمع مثل السيدة تامزالي التي ترأست الحفلة والسيدة شنتوف والسيدة ابن ونيش والسيدة حمود، وكان للفن دور في إحياء الحفلة بالمدائح النبوية على يد المطرب الصاعد عبد الرحمن عزيز (٢). من الجمعيات التي ظلت نشطة إلى بداية الثورة جمعية المزهر القسنطيني التي أنشأها الأديب أحمد رضا حوحو وبقي يديرها بين ١٩٤٩ و ١٩٥٤، وكانت تقدم حفلات موسيقية ومسرحيات من تأليف حوحو نفسه، وكانت الجمعية ذات جناحين موسيقي ومسرحي، وقدمت أعمالا ناجحة في قسنطينة
следующие страницы →