البصائر (١).
كما تكونت في تونس جمعيات تضم الجاليات الجزائرية التي شعرت بضرورة التضامن مع بعضها للتنسيق من أجل القضية الوطنية أو القضايا الاجتماعية، فبالإضافة إلى ما ذكرنا تكونت جمعية الوفاق التي أسسها طلبة وادي ميزاب وأعلنت أن مهمتها الاحتفال بالعلماء وعظماء البلاد والإسلام وتخليد المآثر والذكريات، وهي جمعية تجمع بين النشاط الطلابي والنشاط الاجتماعي (٢).
وهناك جمعية الودادية الجزائرية الإسلامية، وهي جمعية قديمة ترجع إلى سنة ١٩٣٧ ولكننا لا نعرف كم استمرت في نشاطها، وكانت برئاسة السيد قاش الزين، كما ظهرت جمعية أخرى للعمال الجزائريين (٣).
من الجاليات الجزائرية الهامة في تونس جالية السوافة أو أهل سوف، وكان فيهم العمال والطلبة، وقد أسس هؤلاء جمعيات بأسماء بلداتهم الأصلية أو باسم منطقة سوف، وقد وجدت في جريدة (المغرب العربي) اسم جمعية الرابطة القمارية الثقافية (من قمار) واسم كاتبها العام هو التجاني زغودة الذي كتب مقالة طويلة بهذه المناسبة حول الحكم العسكري في منطقة سوف وعن حكم القياد والأغوات، ومنهم آغا قمار (٤).
стр. 4377
كانت الجمعيات والأحزاب التونسية مفتوحة أمام الجزائريين، وقد اشترك فيها البعض بكل نشاط وإيمان بالمصير المشترك، وكانت بالنسبة للبعض مدرسة في العلم وفي السياسة والثقافة والإعلام، فكان رجل مثل زغودة يشارك في تحرير جريدة الزهو وجريدة الزهرة، ووجد رجل آخر مثل عبد الله شريط طريقه في تونس في ميدان التعليم والصحافة، وسنتحدث عن نشاط نخبة من الجزائريين أيام الثورة في تونس.
من التنظيمات التي شاركت في إنشائها شخصيا مع إخوان تونسيين وجزائريين (رابطة القلم الجديد) التي تأسست في يناير سنة ١٩٥٢، وكان رئيسها زميلنا الشاعر والدبلوماسي الشاذلي زوكار، ومن أعضائها التونسيين منور صمادح ومحمد الشابي ونور الدين صمود ومحمد بلحسن، أما من الجزائر فكانت تضم محمد العيد الخطراوي ومحمد علي كرام والجنيدي خليفة .. كانت الرابطة مفتوحة لكل أبناء المغرب العربي، وقد تولى رئاستها الجنيدي خليفة سنة ١٩٥٤ قبل إلقاء القبض عليه، وكان الجنيدي ناقدا، كما كان كرام قصاصا، والخطراوي شاعرا، وكانت الرابطة تربط بين الأدب والحياة والوطنية، وكان شعارها (نريد أدبا تريده الحياة)، وكان طموح الشباب والآمال السياسية والنهضة الثقافية هي الدافع لنا في هذا المضمار، وقد بقيت عضوا في هذه الرابطة إلى أن تخرجت من الزيتونة ورجعت للجزائر سنة ١٩٥٤ (١).
стр. 4378
ونحن نلاحظ أن هناك تجاوبا بين طلبة الجزائر وطلبة المغرب وتونس ربما لم تعهده المنطقة من قبل، فقد تضامن الطلبة الجزائريون في المغرب وتونس مع إخوانهم في كلا البلدين، وكان من نتيجة هذا التضامن الاضطهاد والسجن والتعذيب، حسب جريدة المنار، وقد علقت الجريدة على ذلك بقولها إن الفرنسيين لم يكتفوا باضطهاد الثقافة العربية الإسلامية في الجزائر بل اضطهدوا من يرغب في دراستها في معاهد تونس والمغرب، فقد داهمت الشرطة في هذين البلدين بيوت الطلبة الجزائريين الذين خرجوا للتضامن مع إخوانهم وزجت بهم في السجن وقادتهم إلى مخافر التحقيق وسلطت عليهم التعذيب، واعتبرت أن ذلك يكشف عن حقد الفرنسيين على الثقافة العربية الإسلامية ورجالها (١).
كانت جمعية الطلبة الجزائريين في تونس نشطة وعدد أفرادها كثر، كما كانوا يتعاطون السياسة في أغلبهم، وقد تكاثر عددهم منذ بدأ الشيخ ابن باديس يرسل منهم أو يوجههم للدراسة في الزيتونة، ومن نشاطهم إصدار نشرة وتنظيم محاضرات واستقبال كبار رجال العلم الجزائريين الذين يزورون تونس أو يمرون بها والكتابة في الصحف عن إحياء المناسبات والذكريات الدينية والوطنية، وفي كل عام كانت تتخرج دفعات جديدة من جامع الزيتونة وتعود إلى الجزائر لتمارس التعليم تحت مسؤولية جمعية العلماء أو حزب الشعب، والمعروف أن عددا من الطلبة الجزائريين انضموا أيضا إلى الأحزاب التونسية وأصبحوا قادة فيها، خصوصا خلال العشرينات والثلاثينات من القرن العشرين كالأخضر السائحي ومفدي زكرياء ومحمد العريبي، ومحمد العيد الجباري، وإبراهيم أطفيش والشاذلي المكي وأحمد حماني (٢) ...
стр. 4379
ومما يلاحظ أن من مهام جمعية الطلبة هذه تقويم المنحرفين من الطلبة ومراقبة سيرهم، وإعانتهم، وقد وصفت نفسها بأنها جمعية ثقافية.
وبعد حوالي سنة جدد مكتب جمعية الطلبة فوجدنا فيه أسماء جديدة وأخرى قديمة مما يدل على أن بعض القدماء على الأقل قد تخرجوا والتحقوا بمهامهم في التعليم أو بمواصلة الدراسة في المشرق، جدد المكتب في شهر فبراير سنة ١٩٥٣، وجاءت تشكيلته على النحو التالي: قاسم رزيق - رئيسا، ونائباه خضارة محمد الصالح وأحمد عواق، ودخل عبد الحميد بن هدوقة كاتبا عاما ونائبه هو البشير بن رابح، وعين علي كافي وموسى زغلاش مراقبين بينما أصبح أمين المال هو محمد بوصبيعات ونائبه هو عبد القادر عيساوي، ودخل عضوان جديدان هما رشيد سحري ومحمد السعيد موالكي (١).
ويلاحظ أن عدد الطلبة الخريجين من جامع الزيتونة في ازدياد كل سنة، ففي سنة ١٩٥٢ وحدها تخرج ثمانية وثلاثون (٣٨) طالبا، ٢٣ منهم في الدورة الأولى و ١٥ في الدورة الثانية، وهذا العدد يدل على الإقبال على التعلم بصفة عامة في الجزائر بعد الحرب العالمية الثانية، كما يدل على انتشار المدارس الحرة التي تنشر الثقافة العربية الإسلامية في الجزائر تحديا لعملية الفرنسة التي تقوم بها السلطة الاستعمارية وهي المدارس التي كانت تستوعب الخريجين كإطارات تعليم فيها (٢).
كانت في جامعة الجزائر جمعية طلابية تسمى جمعية طلبة شمال إفريقيا المسلمين، وقد جددت مكتبها أيضا بنهاية سنة ١٩٥١ في قاعة الأفراح
стр. 4380
بالعاصمة، وبعد تقديم التقرير الأدبي والإداري صوت الطلبة على عدة لوائح احتجوا في واحدة منها على طرد الكثير من دار الجامعة، وعلى نظام السجون اللاإنساني سواء في وهران أو الأصنام أو الأغواط، وأعلنوا تضامنهم مع ضحايا القمع، فإذا كان هذا يشير إلى الضحايا من الطلبة فمعنى ذلك أن الطلبة كانوا يتعاطون السياسة مبكرا خلافا للشائع عنهم، وكانت الجمعية - كما يدل اسمها - تشمل الطلبة الجزائريين وغيرهم من طلبة المغرب العربي، كما أعلنوا عن ترحيبهم بفتح مصر معهدا للدراسانت العربية في الجزائر (١).
جمعيات أخرى
وبالإضافة إلى ما ذكرنا ظهرت جمعيات نسائية تقوم بأعمال خيرية وتحتفل بالأعياد الدينية ونحو ذلك من الأنشطة الاجتماعية، فقد احتفلت جمعية النساء المسلمات الجزائريات بالمولد النبوي الشريف في البليدة بتوزيع الملابس والحلويات على عدد من الأطفال المحرومين، وكان عددهم حوالي مائة وخمسين طفلا، وكانت الحفلة من تنشيط نساء يبدو أنهن من العائلات السياسية في المجتمع مثل السيدة تامزالي التي ترأست الحفلة والسيدة شنتوف والسيدة ابن ونيش والسيدة حمود، وكان للفن دور في إحياء الحفلة بالمدائح النبوية على يد المطرب الصاعد عبد الرحمن عزيز (٢).
من الجمعيات التي ظلت نشطة إلى بداية الثورة جمعية المزهر القسنطيني التي أنشأها الأديب أحمد رضا حوحو وبقي يديرها بين ١٩٤٩ و ١٩٥٤، وكانت تقدم حفلات موسيقية ومسرحيات من تأليف حوحو نفسه، وكانت الجمعية ذات جناحين موسيقي ومسرحي، وقدمت أعمالا ناجحة في قسنطينة
стр. 4381
والمدن المجاورة وحتى البعيدة نسبيا مثل بسكرة، بل قامت برحلة تمثيلية في فرنسا، وفي بعض الحفلات كان شباك التذاكر يغلق قل رفع الستارة لكثرة الجمهور، ووصل عدد الممثلين في بعضها إلى الأربعين فردا، وكانت المسرحيات تستوحي التاريخ كما تستوحي الواقع (١).
الشؤون الإسلامية
رجال الدين والمساجد
واصلت فرنسا سياستها الدينية في الجزائر، فالمؤسسات بقيت تحت سلطتها وتعيين رجال (الديانة) الإسلامية كان يتم بقرارات منها، والأوقاف والقضاء والإفتاء والجمعيات الخيرية الإسلامية كلها كانت تابعة لإدارة الشؤون الأهلية بالولاية العامة.
وكانت القضية التي أثارت الرأي العام الإسلامي في الجزائر وأسالت حبرا غزيرا حوله هي قضية فصل الدين الإسلامي عن الدولة الفرنسية اللائكية، وهذه القضية ربما لم تكن مفهومة إلا للفرنسيين وبعض المسلمين العلمانيين وأنصار الاندماج، أما عامة الناس فلم يكونوا يفهمون أبعادها الحقيقة، ويطول بنا العرض لو رجعنا إلى الموضوع من جميع جوانبه، لذلك نكتفي بالتذكير بما درسناه في كتابنا السابق بأن الليبرالية الفرنسية توصلت سنة ١٩٠٥ إلى فصل الدين عن الدولة ولكنها في الجزائر طبقته على الديانتين المسيحية واليهودية واستثنت منه الإسلام، فأعادت شؤون الديانتين إلى المؤمنين بهما ولكنها شؤون الإسلام تحت الإدارة الاستعمارية ولم تسلمها للمسلمين، ودعواها في ذلك أن الإسلام دين ودولة، وما دامت فرنسا هي الدولة التي تقوم مقام دولة الإسلام فإنها حافظت على شؤونه تحت جناحيها، وعندما أكثر القادة المسلمون من المطالبة بتسليم شؤون دينهم إلى هيئة منهم أظهر الفرنسيون دعوى جديدة وهي
стр. 4382
غياب الجهة التي يسلمون إليها المقاليد الإسلامية، وقد تنازعت في ذلك جمعية العلماء وجهات أخرى في المجلس الجزائري وتيار المرابطين والعلماء الرسميين، وكان ذلك التنازع (الذي كانت تغذيه الإدارة نفسها) بردا وسلاما على الفرنسيين لأنه برر لهم الاحتفاظ بشؤون الديانة الإسلامية تحت أيديهم.
ويبدو أن أتباع حركة الإخوان المسلمين في الجزائر اعتقدوا (مثل غيرهم) أن ثورة الجزائر هي ثورة جهادية بالمعنى الديني للكلمة فاستبشروا بها خيرا ودعموها عن قرب وعن بعد، فانضم إليها من استطاع في الجزائر باسم الجهاد في سبيل الله، وطلب الشهادة، ولكن ذلك كان موقفا غير شامل ولا حاسم، فجمعية العلماء مثلا قد تريثت في الدعوة إلى الجهاد جهارا من الجزائر لأنها كانت تعرف أنها جمعية غير سياسية ولها رسالة محددة، ولم يكن الجهاد والثورة والعمل السياسي المباشر داخلا في برنامجها، ومن جهة أخرى كان دعاة الثورة غير معروفين للجمعية، أما رئيسها (الشيخ الإبراهيمي) فقد أعلن من القاهرة تأييده للثورة والجهاد دون ذكر دعاتها، وأما رجال الدين الرسميون وهم الموظفون لدى الإدارة الفرنسية، فلا حول لهم ولا قوة لأنهم كانوا يأتمرون بأوامر الإدارة، فهم غير مستقلين بأي قرار جماعي.
أما الصنف الثالث من رجال الدين فهم أهل الزوايا والطرق الصوفية، وقد كانوا أيضا مشتتين وليس لهم مؤسسة تجمعهم ولا صوت ينطق باسمهم، وإذا كان هناك صوت منهم فهو صوت صنعته الإدارة نفسها لينطق باسمها وقت الحاجة كاتحاد الزوايا الذي ظهر في الثلاثينات من القرن العشرين لدعم فرنسا في الحرب ضد ألمانيا وإيطاليا.
فكان على مختلف هذه الفئات الدينية أن تتصرف، كل على حدة، بما تراه مناسبا، ولعل صنف الإخوان (وعددهم قليل) كان أكثرهم حيوية وتحررا وأكثرهم وضوحا في رؤية المستقبل، ومنهم الشيخ أبو بكر جابر الذي سبق أن هاجر إلى الحجاز في نهاية الأربعينات أو بداية الخمسينات من القرن العشرين
стр. 4383
بعد أن حاول ممارسة السياسة في الجزائر دون جدوى.
ومن المدينة المنورة حيث كان يدرس في المسجد النبوي بعث الشيخ أبو بكر جابر برسالة إلى السيد محمد خيضر (ممثل جبهة التحرير بالقاهرة) مبديا استعداده الشخصي للمشاركة في معركة التحرير، إلى أي حد كان ملتزما بما قال؟ ذلك لا نعرفه إلا من خلال المراسلات التي تمت بينه وبين محمد خيضر وغيره، وربما من خطبه ودروسه، ويبدو أن جبهة التحرير لم تكن في حاجة إلى حماسة ومواعظ الشيخ جابر وإنما كانت في حاجة إلى مال السعودية وبنادق روسيا ودعم الغرب والشرق على السواء ضد الاستعمار الفرنسي، دون إعطاء الثورة في الخارج أي طابع جهادي أو ديني (١).
أبقى الفرنسيون على بعض المساجد الرسمية في مختلف المدن الجزائرية، وجعلوا على كل مسجد رسمي هيئة تتمثل في الإمام وأحيانا المدرس والقيم والمؤذن وبعض الأعوان الذين يقومون بحاجة المسجد من غلق وفتح ونظافة وصيانة، وأحيانا إقراء القرآن الكريم، وإلى جانب هذه المساجد الرسمية هناك مساجد شعبية بناها الشعب من حر ماله وأوقف عليها ما يلزمها من الأوقاف (الأحباس)، وفي عهد الحركة الإصلاحية ظهرت مساجد حرة كثيرة غير تابعة لا للدولة الفرنسية ولا للزوايا والطرق الصوفية، ولكنها مساجد بناها المتأثرون ي لحركة الإصلاحية للصلاة ودروس الوعظ والإرشاد والإصلاح والوطنية، وهكذا يمكن الحديث عن مساجد رسمية ومساجد شعبية، والمساجد الأخيرة تكثر في الأرياف والقرى والمدن الصغيرة.
أما المساجد الرسمية فموجودة في المدن الكبيرة على الخصوص، وقد ذكرنا في مؤلفا السابق ما فعلته الإدارة الفرنسية بهذه المساجد وكيف استولت
стр. 4384
على أغلبها وضمت أوقافها إلى أملاك الدولة، وهكذا لم يبق في العاصمة مثلا سوى ستة مساجد بينما اختفى الباقي (وكان عددها الإجمالي عند الاحتلال يفوق المائة)، وكانت هناك رقابة دائمة على كل المساجد خوفا من أن تكون بؤرة لأفكار وطنية معادية للسلطة الفرنسية (١).
وفي كل ولاية (وهي ثلاث) كان هناك مفت معين من قبل مصلحة الشؤون الأهلية في الإدارة الفرنسية، كما كان الشيخ إبراهيم بيوض في بني ميزاب هو صاحب السلطة الروحية المعترف بها رسميا رغم أنه كان غير معين من الفرنسيين وإنما انتخبته المجالس المحلية.
الزوايا والتعليم والمحافظة على السند
الزوايا مؤسسات دينية وتعليمية معترف بها، فهي بيوت للعبادة والعلم واستقبال الغرباء، وكثير منها كان يقوم بالتعليم وإقراء القرآن، ومعظم الزوايا التي كانت تقوم بهذا الدور كانت في الأرياف والمناطق النائية، وهي التي كانت تقدم الغذاء الروحي للشعب أمام الجفاف الذي عانت منه التربية والتعليم طبقا للثقافة العربية الإسلامية، وهي التي حافظت على مصادر التراث الوطني كالمخطوطات، وكانت تستقبل أفواج التلاميذ الذين لم يجدوا مكانا لهم في المدارس الأهلية (فرنكو - ميزولمان) أو الذين لم يرغب آباؤهم في إرسالهم إلى هذه المدارس، أما الغذاء الروحي المحض فقد كانت الزوايا تقوم به باستقبال (المقدمين) والمريدين وإنشاد الأذكار وإقامة الحضرة و (الزردات) (الولائم) التي هي تجمعات للتعارف والإعلام والتجنيد والتمويل، كما كانت الزوايا تقوم
стр. 4385
بدور اجتماعي هام وهو الإصلاح بين الناس والمحافظة على الاستقرار الذي هو شيء أساسي للسلم الاجتماعي والإنتاج الاقتصادي، وقد صدق من أسماها (حراس الظل) لأنها حافظت على الهوية والثقافة الوطنية دون ضجيج ولا ادعاء (١).
حقيقة أن الفرنسيين حاولوا توظيف الزاوية لتحقيق مآرب سياسية خاصة بهم، ولكن الزاوية كانت أيضا تستفيد منهم المحافظة على دورها الاجتماعي والعلمي والاقتصادي، وقد بقيت الزوايا مؤسسات فاعلة طيلة عهد الثورة ولعب بعضها دورا إيجابيا لصالح الثورة رجعت به إلى سالف عهدها في المقاومة، ولذلك عانت التخريب والاضطهاد، واضطر بعض زعمائها إلى الاغتراب وانضم مريدوها إلى الثورة وأبلوا فيها البلاء الحسن (٢).
كان لبعض الزوايا دور بارز في الحفاظ على سند القراءات، والمقصود بالسند هنا سلسلة الرواة المتصلة بالحفظ والتواتر إلى القارى الأول وكيفية النطق بالحروف والآيات، أي تجويد القرآن الكريم بقراءة مخصوصة، (انظر لاحقا) فقد حافظت زوايا القبائل وزاوية الهامل وزاوية طولقة وبعض الزوايا في غرب البلاد على التعليم القرآني والعلوم الدينية واللغوية والتاريخ، وهناك زوايا لها سجلات ومدونات واكتسبت شهرة واسعة بين الناس تسير بها الركبان دون سجلات ولا مدونات.
وقد قام محمد السعيد أبوزار بدراسة مفيدة عن أحوال الزوايا في القبائل، وهي زوايا معظمها ترجع إلى الطريقة الرحمانية التي اشتهرت بالعلم والمقاومة، فدرس أحوال زاوية سيدي منصور وزاوية عبد الرحمن اليلولي وغيرهما، كما درس السند الذي اشتهرت به القبائل في القراءات وقواعد تجويد القرآن الكريم.
стр. 4386
يقول الشيخ أبوزار إن على طالب العلم أن يصحب معه قلما ودواة ودفترا يسجل فيه شهادات شيوخه له بالحضور في الدرس الذي تلقاه مع زملائه عن شيوخهم مع ذكر اسم كل منهم، والمراد بالسند هنا هو سد تجويد القرآن أو فن الرواية، وهو من أهم العلوم التي عني بها علماء القراءات، وأكمل سند عثر عليه الشيخ أبوزار هو سند الشيخ أبي القاسم البوجليلي.
فقد ذكر الشيخ البوجليلي نفسه في كتابه (التبصرة في القراءات العشر) أن سند قراءته يبدأ بافتتاحه قراءة القرآن على والده ثم على الشيخ العربي بن الجودي الأخداشي اليتورغي بزاوية سيدي عبد الرحمن اليلولي سنة ١٢٦١ هجرية، ثم على الشيخ الطاهر الجنادي، وقد أخذ الجنادي روايته على الشيخ ابن صالح الوزقاني كما أخذ اليراتني عن الشيخ محمد بن يحيى اليراتني بالزاوية اليلولية، وعن محمد بن علي ابن مالك التقابي المتوفى سنة ١٢٨٢، وقد أخذ اليراتني عن الشيخ محمد بن سبع، وهو عن الشيخ عبد الله بن خراط المتوفى سنة ١٢٦٥، وأخذ ابن خراط وابن يذير اليعلاوي وابن تريغت عن ابن قري عن محمد بن عنتر من أولاد علي حرزون، عرش أولاد علي حرزون، عرش أولاد بترون.
ونسخ ابن عنتر بيده تسعا وتسعين نسخة من المصحف الشريف ولكنه لم يكمل المائة، ووزعها على مختلف الأماكن، وتميزت نساخته للقرآن بجمال الخط ودقة النقل وصحة الرسم، واجتهد أن تكون النسخة الأخيرة هي المرجع، ولكنه توفي قبل إتمامها، وأخذ هو عن شيخه عبد الرحمن اليلولي، وتوفي سنة ١١٠٥ ودفن ابن عنتر بجوار شييخه اليلولي، وأخذ اليلولي عن شيخه سيدي محمد السعدي دفين غابة مزانة بين دلس وتيقزرت، وهو عن شيخه عبد الرحمن ابن القاضي الفاسي شارح درر ابن بري، وهو عن شيخه عبد الواحد بن عاشر، شارح منظومة مورد الظمآن في رسم القرآن (١).
стр. 4387
يظهر أن الشيخ محمد السعيد أبوزار من المتمكنين في تراث الزوايا والطرق الصوفية بالزواوة (القبائل)، وقد أسهم بعدة مقالات عن التعليم والقراءات والزوايا والمساجد والشيوخ ونظام الطلبة في هذه العلوم والمراكز العلمية ... ومنها زاوية سيدي منصور، فبعد التعريف بالزاوية عموما (وهي كما قال بيت للعبادة والذكر من جهة وبيت للعلم والقرآن من جهة أخرى) ركز على كون سيدي منصور هذا شخصية غير معروفة جاء من الساقية الحمراء حسب التقاليد الشعبية، أي أنه من الأشراف العلويين القاطنين في تافيلالت، وبعد تجواله في الزواوة استقر في بني جناد دائرة أزفون البحرية، كان ذلك أوائل القرن التاسع الهجري، وقد أخذ الشيخ سيدي منصور ينشر القرآن الكريم والعلم الشريف في زاوية أسسها لهذا الغرض، وبتوالي الأيام أصبحت زاويته معهدا علميا له سمعة وشأن، وقد تكلم الشيخ أبوزار عن الزاوية من حيث موقعها ومؤسسها وتمويلها، وشيوخها ... ولو جمعت بحوثه لجاءت في كتاب لا غنى عنه للمتطلعين للمعرفة.
الأوقاف
رغم مرور قرن ورسم على الاحتلال فإن الجزائريين أبقوا على مسألة الأوقاف حية في وجدانهم وكتاباتهم، ففي سنة ١٩٥٢ تحدثت جريدة المنار عن (حرية الدين) في الجزائر ولاحظ أحد كتابها، ويدعى ابن عمار، أن فرنسا تعهدت باحترام الدين الإسلامي عند الاحتلال ومع ذلك لم تف بوعدها، فقد استولت على المساجد الكثيرة وحولتها إلى غير ما أنشئت من أجله كما استولت على الأوقاف، وضرب الكاتب على ذلك مثلا بأوقاف الجامع الكبير بالعاصمة التي كانت تشمل ١٢٥ دارا و ٣٩ حانوتا، وثلاثة مخابز، وتسعة عشر بستانا، أما أوقاف جامع سيدي بومدين بتلمسان فقد كانت تشمل تسع حدائق، وقطعتي أرض، وأربعة بساتين، ومنزلين، ومطحنتين وحماما، وقطعة أرض للحراثة تبلغ ٣٠٠ هكتار، كما لاحظ الكاتب أن فرنسا بعد استيلائها على الأوقاف
стр. 4388
استعملت مداخيلها سلاحا لنشر الجهل وضرب الدين نفسه، ثم تساءل أين كل ذلك اليوم؟ (١).
وقد أثيرت قضية الأوقاف وفقراء المسلمين أيضا على إثر انطلاق الثورة، وسندرس في فصل لاحق تفاصيل هذا الموضوع كما تناولته صحف الثورة نفسها، وكأن الذين أثاروا هذا الموضوع عندئذ أرادوا تذكير الجزائريين بتراثهم المغتصب لمحاسبة الفرنسيين على ما ارتكبوه من جناية باستيلائهم على الأوقاف الإسلامية وحرمان آلاف المسلمين من ثمارها، بل إننا قد نفهم من إثارتها في ذلك الوقت نوعا من تعبئة الرأي العام ضد الاستعمار الذي اعتدى على حرمة الوقف وقدسية الدين.
القضاء
رغم أنا سنتعرض إلى القضاء في فصل آخر فإنا نقول في الفصل الذي نمهد به لدراستنا إنه كان بالجزائر أنواع من الأقضية وأنواع من المحاكم، فقد أنشأ الفرنسيون محاكم جنائية ومحاكم مدنية ومحاكم صلحية ... وأخرى تجارية ... وتعددت المحاكم بتعدد المناطق عسكرية ومدنية، وبتعدد المناطق شرعية وعرفية ... ثم إن هناك محاكم شرعية يحتكم إليها المسلمون في بعض قضاياهم وأخرى فرنسية مدنية يحتكم إليها سكان الجزائر سواء كانوا مسلمين أو أوروبيين.
وهكذا نخرج بنتيجة وهي تعدد القضاء، ولكن رغم تعدده فهو موحد ويصب في خانة القانون الفرنسي ويخدم الدولة الفرنسية. كان القضاء الإسلامي في الجزائر عشية الثورة لا يخرج عن الأحوال الشخصية بين المسلمين، ذلك أن أنواع القضاء الأخرى قد انتزعت منه كالجنائي والتجاري والصلحي (من الصلح) والعسكري، وبالطبع كل ما يتصل
стр. 4389
بالاستئناف، فالقاضي المسلم الذي تعطيه الشريعة حق الحكم في جميع أنواع الأحكام قد جرده القانون الفرنسي من كل الصلاحيات ما عدا البت في قضايا الزواج والطلاق والحضانة والميراث والنفقة وما شابهها.
في المحاكم الإسلامية تسجل جميع العقود الشرعية في سجلات خاصة بالأحوال الشخصية، كما أن هذه المحاكم تقوم بتنفيذ الأحكام التي تصدرها المحاكم الفرنسية في المسائل المدنية، وهذه المحاكم الإسلامية توجد في مختلف مدن الولايات الثلاث وهي قسنطينة ووهران والعاصمة، والقضاة المسلمون تعينهم السلطات الفرنسية وهم مسؤولون لديها.
وبالإضافة إلى المحاكم الشرعية هناك المحاكم العرفية التي تحكم بمقتضى العرف في القبائل فقط منذ السبعينات من القرن التاسع عشر، وقبل هذا التاريخ، كانت القبائل تحكم بمقتضى الشريعة الإسلامية مثلها مثل بقية مناطق الجزائر، ولكن ثورة ١٨٧١ وتدشين السياسة الطائفية الهادفة إلى تفريق الجزائريين وفصلهم عن بعضهم خوفا من وحدتهم ضد المستعمرين جعلت فرنسا تفرض على محاكم القبائل العمل بالعرف وليس بالشريعة الإسلامية، ونحن نقول (تفرض) لأن أهل القبائل أنفسهم احتجوا على القضاء العرفي وطالبوا ببقائهم ضمن المحاكم الشرعية باعتبارهم مسلمين، وعندما فشلوا رفع بعضهم قضاياهم أمام محاكم مناطق أخرى في البلاد تحكم طبقا للشريعة الإسلامية، وقد ادعت فرنسا أن القبائل أنفسهم يريدون الاحتكام إلى أعرافهم بدل القرآن، ومن هذا العرف عدم توريث المرأة، وقد استنكر بعض الكتاب مثل الشيخ أبي يعلى الزواوي عدم توريث المرأة مما يعتبر مخالفا للشريعة الإسلامية، وإمعانا في هذا الموقف أنشأ الفرنسيون كرسيا خاصا بدراسة العرف القبائلي في جامعة الجزائر.
وتنفيذا للعرف القبائلي نشأت خطة القاضي الموثق، ومهمته تسجيل الوثائق الخاصة بالمعاملات، وهذا القاضي لا يصدر أحكاما وإنما ينفذ أحكام
стр. 4390
المحاكم الفرنسية، وهناك عدة مراكز لقضاة التوثيق في القبائل، منها العاصمة وتيزي وزو وبجاية.
كما كان للأباضيين قضاء مستقل ولهم محاكمهم الشرعية طبقا لمذهب عبد الله بن أباض، ومركز المذهب هو وادي ميزاب في جنوب الجزائر، وتوجد أيضا محاكم أباضية في شمال البلاد حيث جالية أباضية في العاصمة وقسنطينة ومعسكر.
هذا هو وضع القضاء في المناطق الشمالية وهي المناطق المسماة بالمدنية، أما في الجنوب حيث الحكم العسكري هو السائد فالقضاة لهم صلاحيات واسعة سواء في المسائل الدينية أو المدنية بين المسلمين، لأنه لا توجد جالية أوروبية في الجنوب، وللقاضي في الجنوب سلطات واسعة كما قلنا خلافا لقضاة الشمال الذين لا يتدخلون في غير الأحوال الشخصية بينما القاضي في الجنوب له سلطة القاضي الشرعي (المسلم) وسلطة قاضي الصلح (الفرنسي) (١).
الحالة الثقافية
التعليم
ولنتحدث الآن باختصار عن أنواع التعليم عشية الثورة، فالتعليم الابتدائي الرسمي كان منتشرا إلى حد ما في أغلب المدن الكبيرة والصغيرة، حيث يتلقى التلاميذ في المدارس أوليات العلوم ويتأهلون منها للشهادة الابتدائية، وهي أساسا مدارس للتلاميذ الأوروبيين وبرنامجها فرنسي، ولكن يمكن لأبناء المسلمين أن يدخلوها إذا وجدوا فيها مكانا، وتضم سنة ١٩٥٢ ثلاثين ألف تلميذ أوروبي وتسعين ألف تلميذ مسلم، كما وجد مدارس فرنسية عربية على
стр. 4391
مستوى الابتدائي موجهة إلى أبناء الجزائريين وعددها حوالي ألفي مدرسة (٢٠٠٠) ولها برنامج يشبه برنامج المدارس التي يتردد عليها أبناء الفرنسيين بحيث لا وجود فيها للغة العربية ولا للعلوم الإسلامية، بالإضافة إلى مدارس لتخريج المدرسين والمدرسات في التعليم الابتدائي (١).
كذلك كان التعليم الثانوي مجانيا أيضا، وله مؤسساته الخاصة وهي الثانويات (الليسيات) الموزعة على الولايات الثلاث: الجزائر ووهران وقسنطينة، وله برنامج فرنسي أيضا، وهناك معاهد (كوليجات) منتشرة في عدد من المدن ولها برنامجها الخاص القائم على اللغة الفرنسية، إضافة إلى ثلاث ليسيات خاصة بالبنات، وكل المدارس الثانوية تؤهل التلاميذ للحصول على شهادة الباكلوريا التي هي المفتاح لدخول التعليم العالي، ولكن يمكن لطلبة المدارس الثانوية أن يختاروا اللغة العربية الفصحى أو الدارجة كلغة أولى أو كلغة ثانية، وتوجد في الثانويات سنة ١٩٥٢ عشرة آلاف طالب وخمسة آلاف طالبة، أما المعاهد فتشمل ستة آلف طالب وأربع آلاف طالبة، وأكثر هؤلاء الطلبة أوروبيون.
وهكذا لاحظ أن التعليم الثانوي يشمل ٢٥ ألف طالب وطالبة، أغلبهم فرنسيون، أما عدد المسلمين الذين يزاولون دراستهم الثانوية سنة ١٩٥٠ فكان لا يتجاوز الألف طالب.
فإذا انتقلنا إلى التعليم العالي الذي تمثله جامعة الجزائر الوحيدة فإنه يقدم البرهان على وجود سياسة مدروسة لتجهيل شباب الجزائر، فالجامعة التي كانت تضم أربع كليات (الحقوق، والآداب، والطب والصيدلة، والعلوم) وفيها معهد للدراسات العربية حديث العهد - كانت لا تضم سوى حوالي أربعة آلاف (٤١٣٠) طالب معظمهم من الأوروبيين (لغفلة الآباء أو لعجزهم عن القيام بتكاليف التعليم العالي) حسب تعبير الشيخ المدني، ولكن هذه الملاحظة ليست
стр. 4392
كلها صحيحة، لأن خطوة الدخول إلى الجامعة تبدأ من الباكالوريا ولأن شروط القبول في الجامعة شروط تعجيزية وعنصرية (١).
تباشير نهضة تعليمية
تحدث محمود بوزوزو عن اضطهاد التعليم العربي الحر والانبعاث الإسلامي في الجزائر، ولاحظ أن هذا التعليم قائم على كاهل الشعب، وأنه لا يتعدى التعليم الابتدائي وله برنامج بسيط يشمل قواعد الدين وقواعد اللغة وبعض الجغرافيا والتاريخ الإسلامي، ثم إن الأطفال الذين يتلقونه هم الذين تركتهم المدرسة الفرنسية في الشارع فإذا تخرجوا منه فإنه ليس لهم وظيفة تنتظرهم، بل حتى الذين واصلوا الدراسة بعده في المعاهد الإسلامية خارج الوطن وعادوا بشهادات ليس لهم مكان في الوظيفة.
ولاحظ بوزوزو أن الحاكم العام عندئذ (شوطان) قد منع تدريس التاريخ والجغرافيا والحساب في المدارس العربية الحرة، وهناك اضطهادات للمدارس الحرة ولمعلميها سبق الحديث، عنها بدعوى عدم الاستظهار برخصة أو عدم ملاءمة المكان للدراسة، وغير ذلك من التعلات.
ومن رأي بوزوزو أن النهضة الإسلامية قد بدأت في الشرق (باكستان، اندونيسيا، مصر ...) وأن الجزائر تسير على طريق الحياة الحديثة والنهضة أيضا، وأن هناك قيما إسلامية أو ما سماه انبعاثا، وأن للإسلام وقيمه حافظا لا ينام وهو الله سبحانه، وما يجري من انبعاث إسلامي في الشرق إنما هو عبرة للجميع، ولن يوقف تياره في الجزائر أحد (٢).
وفي نطاق هذا الانبعاث الملحوظ نوهت الجريدة بتدشين معلمين وهما
стр. 4393
مسجد بلكور بالعاصمة ودار الطلبة في قسنطينة، بالنسبة للمسجد رسمت له المنار صورة مجسمة واعتبرته برهانا على حرص المسلمين على دينهم، ونوهت بالمتبرعين لبناء المسجد ووعدت بالكتابة عنه تحت عنوان الإسلام بين الحرص والإهمال (١).
أما دار الطلبة فقد افتتحت في ٨ نوفمبر من نفس السنة، وقد أوردت الجريدة وصفا حيا للاحتفال الشعبي الذي حضرته شخصيات علمية واجتماعية، كما وصفت التنظيم والكلمات التي ألقيت في الحفل، وحضور بعض الضيوف كوفد تونس الذي كان برئاسة الشيخ علي النيفر الذي عددا من علماء الزيتونة، وكان مقدم الحفل هو الشيخ أحمد توفيق المدني، وقد تبارى الشعراء في هذا الحفل، ومنهم محمد العيد وأحمد سحنون ومفدي زكرياء، وكانت قصائدهم إذا قرئت قراءة مستقبلية نجدها إرهاصات بالثورة المظفرة، كان خطيب الحفل الرسمي هو الشيخ محمد خير الدين النائب الثاني لرئيس جمعية العلماء، ويبدو أن النائب الأول وهو الشيخ العربي التبسي، كان غائبا ربما يؤدي فريضة الحج، كما أن الشيخ الإبراهيمي كان في القاهرة عندئذ، ولذلك أرسل كلمة سمعها الحاضرون من تسجيل صوتي مع مقدمة من قبل الشيخ الفضيل الورتلاني الذي كان أيضا في القاهرة، ولكن صوت الإبراهيمي كان غير واضح في التسجيل، ومع ذلك استمر الحاضرون في الاستماع إليه دون فهم، وبد الخطب والشعر طلب مقدم الحفل، الشيخ المدني، التبرع بالمال فجمع في ظرف ساعة نحو عشرة ملايين فرنك (٢).
التعليم العربي الرسمي
التعليم الابتدائي العربي الرسمي ليس له مدارس خاصة به، كما أن اللغة العربية لا تعلم في المدارس الابتدائية الفرنسية، كما أشرنا، أما (المدرسون)
стр. 4394
فهم عادة موظفون رسميون معينون من قبل إدارة التعليم، مع مباركة الحاكم العام، وعددهم حوالي خمسين مدرسا موزعين على المساجد في المدن، ومهمتهم إقراء من يرغب في علوم الدين واللغة كالتوحيد والفقه والنحو، وليس لهؤلاء برنامج مسطر يسيرون علي هداه.
أما التعليم الثانوي العربي الرسمي فله مدرستان إحداهما في تلمسان والثانية في قسنطينة، وكلتاهما تعلم الفقه والأدب العربي واللغة الفرنسية والتاريخ الطبيعي وبعض المواد العلمية، والناجحون من هاتين المدرستين يواصلون دراستهم في المدرسة الثعالبية الجزائر (العاصمة)، وهي مدرسة عليا تغير نظامها منذ سنة ١٩٥١ فأصبحت تدعى الكوليج الفرنسي - الإسلامي، ومنها يتخرج القضاة الشرعيون ووكلاء المحاكم الشرعية وكذلك المدرسون الرسميون الذين أشرنا إليهم، كما أن الناجحين في الامتحان النهائي في هذه المدرسة العليا يمكنهم أن يدخلوا معهد الدراسات العربية التابع للجامعة حيث يقضون سنتين يحصلون بعدهما على دبلوم، وحوالي ١٩٥٣ خصصت الثعالبية للبنات المسلمات وانتقل الطلبة إلى الثانوية الفرنسية - الإسلامية الجديدة في بن عكنون التي تدعى اليوم عمارة رشيد.
التعليم العربي الحر
أمام هذا الإهمال للغة العربية، رغم اعتراف دستور ١٩٤٧ بها، تنادى الجزائريون لإحياء لغتهم فأسسوا لها المدارس الحرة في مختلف المدن، كما سبق، وهي مدارس تتوفر في أغلبها على شروط التدريس الحديث مع برامج تربوية وطنية، وقد نجح المشروع رغم العراقيل، بإقبال الشعب عليه، وهو المشروع الذي بدأت الحركة الإصلاحية في تطبيقه منذ العشرينات من القرن العشرين بقيادة الشيخ عبد الحميد بن باديس، كما كانت الكتاتيب القرآنية العتيقة تقوم بتحفيظ القرآن وتعليم قواعد اللغة ومبادى الدين الإسلامي، وإلى جانبها عدد من الزوايا التعليمية التي أخذت على عاتقها انتشال الناشئة من حمأة الجهل.
стр. 4395
وفي سنة ١٩٥٢ أصبح هناك حوالي ثلاثمائة مدرسة حرة لتعليم القرآن الكريم واللغة العربية ومبادى العلوم العصرية، ولكن ليس كل المدارس كانت على مستوى واحد من النظام والتطوير، وكانت جمعية العلماء بالأساس هي التي تشرف على هذا النوع من المدارس الحرة في حوالي ١٤٠ مدرسة من الثلاثمائة المذكورة، وكانت تسير بها حسب برنامج موحد ومنظم، وهي تضم حوالي خمسة وثلاثين ألف تلميذ، أي في المدارس المائة والأربعين (١).
وفي سنة ١٩٥٣ تحولت المدرسة الثعالبية التي كانت في قلب القصبة إلى مدرسة حديثة تقع في ضاحية ابن عكنون (ثانوية عمارة رشيد حاليا) وأصبح اسمها المدرسة الفرنسية - الإسلامية وهي خاصة بالذكور، وقد تولى إدارتها الشيخ أحمد بن زكري، ومن شيوخها السيد محمد الحاج صادق الباحث والمترجم أيضا، أما البنات فقد خصصت لهن مدرسة جديدة بالقبة (حسيبة بنت بوعلي حاليا) ابتداء من سنة ١٩٥٩، ومن شيوخها: ولد رويس، وعويسي المشري، ونور الدين عبد القادر .. وقد عاصرنا بعضهم يوم انتقلوا للتدريس في الجامعة بعد الاستقلال، أما معهد الدراسات العربية فقد كان موقعه جهة جامع كتشاوة بساحة الشهداء، وكان تحت إدارة المستشرق هنري بيريز إلى عشية الاستقلال (٢).
إن التعليم العربي الحر، كما لاحظنا، كان مقصورا على التعليم الابتدائي، غير أنه يمكن القول إن هناك ما يشبه التعليم الثانوي الحر أيضا، وهذا النوع كانت تقوم به بعض الزوايا مثل زاوية الهامل وزاوية اليلولي وزاوية ابن الحملاوي ومعهد الحياة في ميزاب ومساجد الجنوب عموما، فهذه
стр. 4396
المؤسسات كانت تعلم العلوم الإسلامية والفقه وعلوم اللغة ومختلف المواد المكملة لثقافة عربية إسلامية متينة.
وفي هذا المجال نشير إلى أن معهد عبد الحميد بن باديس الذي أسسته جمعية العلماء بقسنطينة قد أصبح فرعا من فروع جامع الزيتونة يحتذي حذوه في البرنامج والشيوخ، فكانت امتحانات المعهد تجري بحضور لجنة زيتونية هي التي تعتمد النتائج، ويحق لطلبة المعهد بعد ذلك الالتحاق بجامع الزيتونة إذا أرادوا، ونفس الإجراءات خضع لها أيضا المعهد الكتاني وطلبته في قسنطينة، وقد بلغ الذين كانوا يزاولون تعليمهم باللغة العربية في الزوايا والمعاهد نحو ثلاثة آلاف طالب، وهو عدد ضئيل بالنسبة لشعب تعداده قرابة تسعة ملايين ويعتبر اللغة العربية إحدى عناصر هويته الوطينة.
أما التعليم العالي الحر فلا وجود له، لذلك اكتفى الطلبة الراغبون في مواصلة تعليمهم العالي بلغتهم العربية بالتوجه إلى جامع الزيتونة لتعلم الدين والثقافة، وقد تجاوز عددهم فيه الألف والستمائة طالب في بعض الأوقات، وهم يتحملون المشقة الشديدة من أجل تحصيل العلم ودراسة التراث الإسلامي، كما اتجه بعضهم صوب جامعات المشرق العربي، وهذا الخلل في التعليم الوطني هو الذي جعل جمعية العلماء مثلا تسعى إلى إرسال بعثات طلابية إلى الأزهر الشريف وإلى غيره من المعاهد الإسلامية في المشرق، كما سترى (١).
معلمو جمعية العلماء
كان معلمو المدارس الحرة التابعة لجمعية العلماء يعانون مختلف المشاكل لأنهم هدف لاضطهاد الاستعمار وقمعه، فقد كانوا يتعرضون للحبس والتغريم والمحاكمة كالمجرمين، وكانوا يحبسون مع هؤلاء حتى أنه في
стр. 4397
مجلس واحد - حسب الشيخ الإبراهيمي - ينادي المنادي على المتهم بالسرقة وبفتح مدرسة بدون رخصة يوم الجمعة بطريقة يقصد بها الإهانة والإذلال (١).
ففي مغنية مثلا مدرسة ابتدائية حرة اسمها التقدم، تعرضت لمهاجمة الشرطة التي جاءت تبحث وتعتقل عددا من التلاميذ بحجة أن آباءهم أو مدير المدرسة قد أعطاهم مناشير يعلقونها على الجدران، وهو محمد أدراعو وأسماء التلاميذ المعتقلين وسنهم التي كانت تتراوح بين ست وعشر سنوات، كانت هذه المدرسة قد بدأت التعليم سنة ١٩٤٩، وبعد ثلاث سنوات طلب من القائمين عليها رخصة فتحها، ولم تذكر الجريدة ما إذا كانت هذه المدرسة الحرة تابعة لجمعية العلماء أو لحزب الشعب.
كما أن السلطات الفرنسية في مستغانم اعتقلت الشيخ ابن الدين المعلم في المدرسة الحرة وأودعته السجن أربع سنوات بدعوى أنه قد علم التلاميذ أناشيد ثورية، وقد علقت الجريدة على ذلك بقولها إنه على كل حال لم يدع إلى حمل السلاح وإنما كان يعلمهم تعاليم الإسلام، وأن ما حدث لهذا المعلم بمثل صورة صادقة لما يجرى في الجزائر وطن العروبة والإسلام، كما اعتقل الشيخ الزروقي أحد معلمي المدرسة الحرة بمستغانم لأنه كان يعلم الأطفال الأناشيد أيضا، وحكم عليه بأربع سنوات سجنا وبغرامة مالية قدرت بـ ٢٥٠، ٠٠٠ فرنك (٢).
ومن جهة أخرى أغلقت السلطات الفرنسية مدرسة بلفور الحرة الواقعة بضاحية الحراش في العاصمة بعد عامين من فتحها، وكانت هذه المدرسة تحت إشراف جمعية تهذيبية شعبية، وكان إغلاقها قد تم بناء على أمر صادر من الوالي العام نفسه، وحجته في ذلك هي أن المدرسة لا تمتلك رخصة قانونية (٣).
стр. 4398
تلك نماذج فقط لما كان يحدث لمعلمي المدارس الحرة سواء كانت تابعة لجمعية العلماء، وهو الأغلب، أو كانت تابعة لحزب الشعب، والمقصود بالمعاملة السيئة التي يخضع لها المعلمون هو منع مقنع لتعليم اللغة العربية وقمع واضح لتيار الوعي الوطني حتى لا يتجذر في الشباب فيستيقظ ويعمل على استقلال بلاده.
بعثات جمعية العلماء
سنت جمعية العلماء سنة حميدة وهي إرسال بعثات طلابية للدراسة في معاهد الشرق العربي والإسلامي، ويبدو أن تمويل هذا المشروع كان بمساع قام بها الفضيل الورتلاني وآخرون ثم جهود الشيخ البشير الإبراهيمي، مسايرة للنهضة العربية الإسلامية، وكان التمويل قد انطلق من مصر وباكستان والسعودية، ثم توسع إلى دول عربية أخرى كالعراق وسورية والكويت، وكان الإبراهيمي قد سافر إلى المشرق في فاتح عام ١٩٥٢ من أجل إجراء اتصالات شخصية لتدبير المنح للطلبة المبعوثين أو الذين تعتزم الجمعية إرسالهم، بالإضافة إلى حضور مؤتمر في باكستان، والتعريف بالحركة الإصلاحية في الجزائر، كان ذلك هو ظاهر الأمور من سفره.
وفي نوفمبر ١٩٥٣ أعلن الشيخ محمد خير الدين في حفل افتتاح دار الطلبة أن بعثات الجمعية قد بلغت ستين طالبا، وأنها ستصل إلى ثلاثمائة (٣٠٠) طالب، ووعد سامعيه بأن الجمعية تخطط لإرسال طالبات أيضا إلى المشرق، وأنها تتوقع أن يكون لها اختصاصيون في مختلف المجالات العلمية (١).
لا نعرف بالضبط عدد الطلبة الجزائريين في مصر قبل شروع جمعية العلماء في إرسال بعثاتها، كان القسم العام في الأزهر الشريف هو الجهة
стр. 4399
الوحيدة تقريبا في المشرق التي تستقبل الطلبة الجزائريين الذين تقطعت بهم سبل الدراسة، وتشير بعض الوثائق إلى وجود طلبة جزائريين في مصر قبل بعثات الجمعية وإن كنا لا نعرف عددهم بالضبط، فقد نشرت المنار مراسلة من قاسم الجزائري (ربما هو قاسم زيدون) ذكر فيها تضامن الطلبة الجزائريين، جامعيين ومدرسيين وأزهريين، حسب تعبيره، مع مصر في يوم الشهداء، ولكن المراسل لم يذكر عدد ولا أسماء المشاركين في المظاهرة التي جرت في القاهرة (١).
نشرت البصائر لسان حال جمعية العلماء شروط المشاركة في بعثات جمعية العلماء، ومن أولها أن يكون الطالب قد تخرج من مدارس الجمعية أو من معهد عبد الحميد بن باديس، وأن يكون حاصلا على الشهادة الابتدائية وأن لا يتجاوز عمره ست عشر سنة، كما يمكن أن يلتحق بخريج مدارس الجمعية تلاميذ السنتين الأولى والثانية في المعهد، وحدد خريج المعهد بأنه هو الحاصل على الشهادة الأهلية ولم يتجاوز عمره العشرين سنة، وآخر الشروط أن يوفر الطالب تسعين ألف فرنك وجواز سفر.
بهذه الشروط استطاعت الجمعية أن ترسل عددا من الطلبة وهم في سن المراهقة، وهي سن لا تؤهله للغربة الطويلة والبعيدة عن الأهل والوطن، وفي ذلك مغامرة جنت منها العائلات والطلبة والجمعية نفسها مشاكل كثيرة رغم الهدف النبيل الذي كان وراء إرسال البعثات ورغم الاحتياطات التي اتخذتها الجمعية ليكون الطلبة تحت أنظار صارمة ورعاية حكيمة، ويبدو أنه حدث تهافت على الالتحاق بالبعثات من كل من يمت للجمعية بصلة في محاولة للالتفاف على الشروط المعلنة، وقد حاولت أنا من موقعي في تونس كمسؤول على جمعية البعثة الزيتونية التابعة لجمعية العلماء أن أستفيد من الاشتراك في البعثات ولكني لم أنجح لأني لم أكن من الذين درسوا في معهد ابن باديس.
стр. 4400
وأعرف أن خالي الحفناوي هالي والشيخ الطاهر التليلي حاولا إشراك ابنيهما في البعثات باعتبارهما من معلمي الجمعية ولكنهما لم ينجحا لقيام الثورة وتوقف البعثات إلى المشرق من جهة ولوقوع مشاكل بين الطلبة والمشرفين عليهم في المشرق أدت إلى فصل بعض الطلبة من جهة أخرى، وقد أحدث فصل بعض الطلبة من البعثة ضجة في أوساط الجمعية والعائلات بالجزائر بينما كان الشيخ الإبراهيمي في المشرق وقد حالت ظروف الثورة دون التواصل الواضح بهذا الشأن، ومهما كان الأمر فإن الطلبة الذين فصلوا قد نشرت أسماؤهم في جريدة البصائر وعددهم عشرة، من مصر والكويت والعراق (١).
ومهما يكن من أمر فإننا إذا عدنا إلى أوليات النشاط الطلابي نجده يتمثل في طلبة سوريا والكويت، ثم تأتي القاهرة، والعراق والسعودية، والمعروف أن جمعية العلماء أخذت في إرسال البعثات إلى المشرق العربي منذ فاتح الخمسينات، وقد التحق الشيخ الإبراهيمي نفسه بالمشرق في فاتح ١٩٥٢، وكانت البعثات بين عشرة طلاب وأكثر أو أقل إلى كل العواصم العربية (بغداد، دمشق، القاهرة، الكويت ...) (٢)
اللغة العربية
رغم أن قانون (دستور) الجزائر سنة ١٩٤٧ قد نص على ترسيم اللغة العربية فإن تطبيقه ظل حبرا على ورق، وكانت الأحزاب والجمعيات تطالب بتطبيقه واحترام اللغة العربية في المدارس الحرة والاعتراف بشهادات الخريجين من جامع الزيتونة والقرويين والأزهر الشريف وغيرها من المعاهد
стр. 4401
الإسلامية، وقد ذكر فرحات عباس أن البيان الذي صاغه سنة ١٩٤٣ جعل الاعتراف باللغة (العربية لغة رسمية كالفرنسية من المطالب الأساسية، كما طالب البيان بالتعليم المجاني والإجباري لجميع الأطفال (١).
واتهم بعض الكتاب فرنسا بالتناقض في موقفها من العربية، فقال إن فرنسا تدافع عن التعليم والثقافة في منظمة اليونسكو ولكنها تضطهد اللغة العربية ومدارسها وثقافتها في الجزائر، كما اتهمها بمحاربة الدين الإسلامي واللغة العربية (اللغة القومية) مع أن المدارس الحرة لا تطلب من فرنسا سوى رفع يدها وترك الشعب يتعلم لغته كما يريد، ومن الإجحاف في نظره أن يطالب الجزائري بالاستظهار بالرخصة حسب قانون ١٩٣٨ ولكنه عندما يتقدم لطلبها يؤجل الجواب إلى ما بعد تقارير الشرطة، كما أن فرنسا لا تعترف بالشهادات العلمية الصادرة من المعاهد الإسلامية (٢).
وتحت عنوان (واجبنا نحو لغة الضاد) تحدث نفس الكاتب (المطالع) عن الجهود التي تبذلها باكستان نحو اللغة العربية بينما هي مضطهدة في الجزائر، كما لاحظ أن التعلم باللغة العربية يتراجع في الأوساط الموسرة التي تقبل بدلا منها على تعلم اللغة الفرنسية، أما الطبقات الفقيرة فلها عذرها في عدم إرسال أبنائها إلى المدارس العربية التي لا مجانية فيها, في الوقت الحاضر، وقد عزا الكاتب ذلك إلى كون السلطة الفرنسية قد وضعت يدها على شؤون البلاد (يقصد الأوقاف التي كانت تمول التعليم).
وقد استمر الكاتب في التعليق على موقف الطبقة الغنية والطبقة الفقيرة من التعليم بالعربية، فاتهم الطبقة الأولى التي سماها المستنيرة بالاعتزاز باللغة الفرنسية على حساب العربية رغم أن أبرز ما يتميز به الفرنسيون هو الاعتزاز بلغتهم القومية، ومن رأيه أن نشر اللغة العربية يتوقف على عاملين: الأول
стр. 4402
الإكثار من المدارس الحرة، والثاني الإكثار من الصحافة العربية وتنشيط حركة التأليف وتهذيب لغة المسرح وتعريب لغة المجالس والمسامرات في النوادي الأدبية والسياسية وبث روح الاعتزاز باللغة العربية وتنظيم حملة واسعة لمكافحة الأمية بها، وهي اقتراحات في جوهرها بناءة وواقعية وتدل على أن (المطالع) رجل ذو خبرة واسعة بأوضاع الجزائر (١).
وقد كتب الشيخ علي مرحوم عما أسماه (محنة العربية) في الجزائر، والمقالة كتبها في البصائر وتعرض فيها لحال معلمي ومتعلمي اللغة العربية أمام محاولات الفرنسيين منع تدريسها وتعلمها، ودور المعلمين في المدارس الفرنسية الذين اتهمهم بالعمل على منع التلاميذ من تعلم العربية في مدارس جمعية العلماء ناقلا عن بعضهم قوله: (يجب ألا يوجد في الجزائر سوى لغة واحدة وشريعة واحدة،) وفسر الشيخ مرحوم ذلك بأنه يعني القضاء نهائيا على العربية والإسلام، واتهم أولئك المعلمين بالمكر والتعصب واعتبر موقفهم حربا معلنة، ودليله في ذلك اضطهاد مدارس جمعية العلماء (٢).
وفي هذا النطاق أعلنت جريدة المنار من أول عدد شعارها الوطني والقومي، وهو الشعار الذي يذكرنا بشعار الحركة الإصلاحية: (الإسلام ديننا، العربية لغتنا، الجزائر وطننا)، لم تذكر المنار من هو صاحب الأبيات الثلاثة التي ازينت بها، وعنوان الأبيات هو (لمن تعيش؟) والجواب:
عش للجزائر كوكبا ... يجلي الدياجي نيرا
عش للعروبة صارما ... يحمي حماها مشهرا
ولتغد للإسلام ... حجته إذا اشتد المرا (٣).
والغريب في هذا المجال هو أن أحد أعمدة المسرح منذ العشرينات من
стр. 4403
القرن العشرين وهو محيي الدين باش تارزي، قد اعتز بالثقافة الفرنسية بدل العربية واعتبر نفسه وسيطا ثقافيا بين قومه والفرنسيين، بل عبر عن موقف إنسان مستلب الهوية، فقد حاوره صحفي فرنسي من مجلة (الوثائق الجزائرية) اسمه أندريه صاروي Sarrouy فقال له: إذا كنت مرتبطا بالثقافة الفرنسية الكلاسيكية فلأني على يقين أن مبادرتي تجد هوى وتفهما لدى الأوساط الإسلامية، إن إخواني في الدين الذين يعودون إلى أصول متواضعة ومتطورة أصبحوا اليوم متشبعين بالثقافة الفرنسية، عن طريق اتصالهم المتواصل بالأوروبيين، فأصبحت لديهم عقلية فرنسية، إنهم يفكرون ويشعرون بالفرنسية، وهم معجبون بالأسماء اللامعة في تاريخكم وأدبكم، وليس هناك أعز لدى تلميذ في المدرسة العربية - الفرنسية من أن يعرف عن ظهر قلب قصة لافونتين) (١).
إن مثل هذه الآراء ما تزال تعشش بيننا اليوم، وليس هناك من سبيل للتخلص منها سوى تطبيق مبادى الثورة وعزل أصحاب هذه الآراء التي لا تعبر إلا على تذبذب وحيرة أصحابها، ولعل باش تارزي كان فقط يجامل ذلك الصحفي الفرنسي، أو أنه قد غير رأيه بعد سنوات الكفاح الطويلة من أجل إقرار هوية الشعب الجزائري القائمة فعلا على الدين الإسلامي والعروبة الثقافية والوطن الجزائري، وهي العناصر التي بنيت عليها ثقافة الشعب الجديدة منذ الفتح عبر المسيرة الحضارية الطويلة التي اشتركت فيها الرموز السياسية والثقافية (الملوك والعلماء)، كل في مجاله.
من قضايا الثقافة والأدب
إذا حكمنا من القضايا التي كانت تداولتها الصحافة فإن الجزائر كانت عشية الثورة تعيش زخما ثقافيا مبشرا بانطلاقة جديدة، حقيقة أن حركة النشر بالعربية تكاد تكون معدومة والكتب التي طبعت خلال العشرية ١٩٤٥ - ١٩٥٤
стр. 4404
تعد على الأصابع، ولا تختلف حركة النشر بالفرنسية كثيرا عنها بالعربية، ولا نعرف أن هناك مطابع جديدة نشأت بعد مطبعة البصائر، ولا دور نشر جديدة، أما الصحف فقد ظهر بعضها عشية الثورة مثل المنار وهنا الجزائر، وكلتاهما قامت بدور هام في الحركة الثقافية رغم اختلاف اتجاههما.
والصحف التي تناولت بالنقاش قضايا ثقافية وأدبية هي البصائر وهنا الجزائر والمنار على الخصوص، كان أحمد رضا حوحو يثير من وقت لآخر زوبعة في نقاشه مع بعض الكتاب والنقاد سيما منذ ظهر كتابه (مع حمار الحكيم) الذي تناوله بالنقد أو التعريف أكثر من واحد، فكان حوحو يتأفف من النقاد ويدافع عن وجهة نظره وأصالة فكره، وقد كتب أيضا عمن أسماهم (أدباء المظهر)، ففي العدد ٣٠١ من البصائر قال حوحو عن مولود الطياب الذي انتقده في كتابه مع حمار الحكيم: إنه لا يعرف النقد وإنه غير موهوب فيه، وقد كنت أيضا من بين من تناول كتاب حوحو في البصائر.
وظهرت ردود مختلفة من الكتاب على صفحات البصائر حول المقالة التي كتبها الشيخ عبد الوهاب بن منصور بعنوان (ما لهم لا ينطقون)، وهو يعني بهم الأدباء والمثقفين الذين ليس لهم دور فيما يجري من حولهم من قضايا الفكر والثقافة والمجتمع، وقد نطق أكثر من كاتب لمناقشة هذا الموضوع الذي يحمل في طياته تهمة بالسكوت على المنكر، والجدير بالذكر أنني كنت أيضا من بين الناطقين، كما دار بيني وبين المرحوم رابح بونار نقاش في البصائر حول إرهاصات النهضة في الجزائر ودور المثقفين، وكان الشيخ البشير الإبراهيمي يثير في افتتاحيات البصائر قضايا ذات بعد كبير مثل قضية فصل الدين عن الدولة، والعدالة تحت الاستعمار، وعلاقة الطرق الصوفية والعلماء الرسميين بالإدارة الفرنسية، كما أثارت المنار قضية هامة وهي الوحدة الوطنية وعوامل تحقيقها، فاشترك عدد كبير من المثقفين والسياسيين ورجال الدين بالكتابة حول تحقيق الوحدة بحيث عبر كل منهم عما رآه الطريق الأمثل لتحقيقها.
стр. 4405
ومن الذين أجابوا على استفتاء الوحدة مالك بن نبي، فقال إن جوابه على السؤال موجود في كتابه (شروط النهضة)، ومع ذلك شارك قائلا إن الذي يهمنا هنا هو إدراك الدستور الذي من شأنه أن يرفع نصب الحياة من الحضيض الذي شاهده إلى المستوى الذي يطمح إليه الفرد أو المجتمع بطبيعة الشيء المسطر في غريزة بني الإنسان، وفي نظره أن المشكل في الجزائر إنما هو قبل كل شيء عائد إلى أصول اجتماعية عامة لا تخص طورا من الحياة البشرية دون الأطوار الأخرى ولا عنصرا منها دون العناصر الأخرى بل تشملها في جميع مراحلها، تارة من حضيض إلى حظ وتارة من حظ إلى حضيض (١).
ومن جهته حدد الشيخ العربي التبسي إجابته على أسئلة المنار حول الوحدة فقال إن الاتحاد ضروري لأنه هو المنقذ في الوقت الحاضر ويعني به تكتل الشعب بأسره، وإن في بقاء الأحزاب إطالة لعمر الاستعمار، وكان قد نادى بالاتحاد الشعبي لا الحزبي منذ سنة ١٩٤٥، أما الوسائل فتتمثل عنده في إلغاء التنظيمات السياسية القديمة، بما في ذلك المؤسسات التي تحمل اسم (الفرنسية المسلمة) ووضع مبادى تتسع لجميع سكان الجزائر، وإخراج العناوين الدينية من الحياة السياسية، فلا قال (مسلم فرنسي) وإنما يقال (جزائري)، ودعا الشيخ إلى عقد مؤتمر عام تعلن فيه الوحدة الشعبية (٢).
ومن جهته كان الشيخ الحفناوي هالي يكتب في زاوية من البصائر عن موضوعات عديدة تحت عنوان (ندوتي)، بينما يشاركه أو يخالفه الرأي بعض المتتبعين للحركة الثقافية مثل العلاقة الأدبية بين المشرق والمغرب والإصلاح الاجتماعي.
وفي البصائر أيضا كان عبد المجيد الشافعي وعمار النجار ومحمد منيع وغيرهم يتطرقون إلى مواضيع تثير بدورها ردود أفعال بين الكتاب بل بين
стр. 4406
أصحاب المكتبات والمطابع، فطابع الشافعي بطبع كتب المثقفين الجزائريين في الجزائر بدل الاعتماد على الكتب المشرقية ولا سيما الكتب التعليمية، منتقدا عناية أصحاب الكتبات بجلب كتب المشارقة وإهمال كتب الأدباء الجزائريين.
وهاجمت البصائر مجلة هنا الجزائر لإهانتها الدين الإسلامي مرة بطريقة مباشرة وأخرى غير مباشرة، فتحت عنوان (الإذاعة تهين الدين) قالت البصائر إن الإذاعة مثلت رواية (أيوب) بصوته، وإنها تلقت احتجاجات من المواطنين على ذلك، وإنها تدعمهم وتستنكر عمل الإذاعة معهم، أما الإهانة غير المباشرة فحين قدمت الإذاعة رواية سخيفة (ولم تسمها) لأحد المنبوذين ممن لا يدرون ما العلم وما الفن، فالإذاعة بذلك قد أهانت الذوق والفن.
عرف عبد المجيد الشافعي بقصصه التي بدأها بـ (الطالب المنكوب)، فكان ظهوره واهتمامه بهذا الفن مبكرا، ولم يكتف بالتعبير عن ذلك بمقالة أو بقصة وإنما تابعه في سلسلة من الأعمال، انتهت حسب علمنا وسط الخمسينات، ولكن الشافعي لم يتطور كثيرا أثناء رحلته الأدبية، شأن بعض رفاقه في الدرب، ومن أعماله قصة (ضحايا الجهل في بلادنا)، وهي قصة فتاة كانت تدرس في المدرسة، وكانت في غاية الحسن والجمال والذكاء والمثابرة وفجأة أمرها والدها أن تلازم البيت رغم أنها على وشك الحصول على الشهادة الابتدائية، فاعتمدت على نفسها في الدراسة في البيت لكي تحقق أملها، ولكن قواها تراجعت وتراجع معها الأمل من تحقيق هدفها، وبقيت بين التشاؤم والتفاؤل إلى أن بشرتها أمها بأنها ستزف إلى رجل غني قريبا وقد ختم الشافعي قصته بطلاق الفتاة وضياع عمرها، فتأست بصاحباتها اللائي لم يدرسن أصلا، وللشافعي ألوان أخرى من هذا النمط القصصي الاجتماعي الذي يستوحي المدرسة والمجتمع، والشافعي هو أيضا صاحب (خواطر مجموعة) التي علق عليها بعض الكتاب عند ظهورها قبل الثورة (١).
стр. 4407
بينما كتب محمد فيلالي عن عقم الأديب مقالة قال فيها إن الأديب الجزائري يكرر نفسه وليس مبدعا، وأنه لفظي وحشوي، ولاحظ أن القراء لا يشتركون في النقد (١).
وبين سنتي ١٩٥١ - ١٩٥٢ تعرضت المنار إلى وجوب الاهتمام بالمناهج التربوية وتعليم التاريخ والجغرافيا مما يجعل التربية مستوحاة من تعاليم الإسلام والتراث والشخصية الوطنية.
كما فتحت مجلة هنا الجزائر بابا دائما عنوانه (حديث الكتب والمجلات) كان مولود الطياب يتناول فيه الكتب الصادرة حديثا سواء كانت جزائرية أو غيرها، ويهمنا الآن منه ما تناوله الطياب قبل الثورة، فقد تناول حسب علمنا، كتاب القول المأثور من كلام الشيخ عبد الرحمن المجذوب، واعتبره وثيقة عن حياة أهل شمال إفريقيا في القرن العاشر الهجري، كما عرف بالخواطر المجموعة لعبد المجيد الشافعي وبكتب حوحو وغيره من الإنتاج الجزائري (٢).
ففي العدد ٢٨٥ من البصائر مقالة وصفية لحفل افتتاح مدرسة باتنة الجديدة باعتبارها معقلا جديدا للعروبة والإسلام، وهي مقالة مصورة لمن حضر الحفلة من العلماء والشعراء والأعيان، والشعر والخطب التي ألقيت، وفي العدد ٢٥٨ مقالة نقدية تضايق فيها حوحو من النقاد الذين تناولوا كتابه (مع حمار الحكيم) عنوانها (آه من هؤلاء النقاد)، وفي نظره أن نقدهم لم يكن في المستوى لأنهم يلجأون إلى الألفاظ الرنانة والأفكار المجترة، وقد رد على بعضهم بعبارات ساخرة لكونه لا يحب توفيق الحكيم ولا يقرأ له، قائلا إن موضوعاته هو جزائرية محض وهي تختلف عن موضوعات الحكيم.
وفي نفس العدد من البصائر (٢٨٥) مقالة نقدية لي من حلقتين بعنوان (أرض الملاحم)، وهي المقالة التي نشرت أيضا في مجلة الآداب اللبنانية.
стр. 4408
وفيها نماذج من الشعر الملحمي ودعوة إلى كتابة الشعر الواقعي.
اهتمت هنا الجزائر وكذلك البصائر بالتعريف بالتراث والعائلات، كما اهتمتا بالمدن والعلاقة الحضارية مع الشرق والمواسم الدينية والتراجم التي تذكر الأمة بأمجادها وتاريخها رغم أن هنا الجزائر كانت دورية رسمية، وكانت لا تكتب عن هذه الرموز من وجهة نظر وطنية ولكن معرفية فقط، فقد حقق أحمد الأكحل في نسب الشيخ عبد القادر المجاوي الذي يسمونه شيخ الجماعة، وانتهى إلى أنه من أشراف ترارة وأن أصلهم من نواحي تطوان.
وتناول غيره (ربما هو عبد الرحمن الجيلالي) زيارة الشيخ محمد عبده للجزائر سنة ١٩٠٣ وجاء بمعلومة جديدة عن هذه الزيارة، وهي أن لقاء الشيخ أبي القاسم الحفناوي والشيخ عبده في السفينة بمرسيليا كان صدفة فقط بينما الرواية الأخرى تذهب إلى أنه كان لقاء مرتبا من قبل السلطة الفرنسية، كما أن الحفناوي سأل عبده عن بعض مسائل التفسير وتلقى الإجابة عليها، وأن الحفناوي كرر زيارة عبده في الجزائر وهو أمر تنفيه الرواية الأخرى، وأن عبده كان معجبا بالحفناوي، وأن من الذين حضروا الاجتماع مع الشيخ عبده في مسجد المحسن مصطفى الأكحل: يوسف بن سماية، وعبد الرزاق الأشرف، ومفتي المالكية محمد بن زاكور، ومفتي الحنفية محمد بوقندورة، والمدرس بجامع سفير محمد قايد علي، وإثارة موضوع كهذا في هذه السنة له دلالة خاصة لأننا أشرنا إلى أن التركيز كان واضحا على علاقات الجزائر بالمشرق (١).
أما البصائر فكانت تتحدث وبالصور، عن الثورة المصرية واستقبالات رجال الجمعية من قبل قيادة هذه الثورة، وظهرت عدة مقالات وصور لشخصيات بارزة من حركة الإخوان المسلمين، أبرزها مقالات سيد قطب، وظهر شيوخ الأزهر بجلابيبهم على صفحاتها وصفحات وليدتها (الشاب المسلم) التي تصدر بالفرنسية، وكتب الإبراهيمي بعض مقالاته بعنوان من
стр. 4409
نفحات الشرق، وأصدرت البصائر عددا خاصا (ممتازا) عن مصر أثناء صدامها مع الأنجليز، كما اهتمت بتطور السعودية وتحدثت عن الملك عبد العزيز بإعجاب ورثته بعد وفاته، وكذلك اهتمت بأحداث المغرب ونفي سلطانه، ثم عودته ظافرا إلى وطنه، ونقلت أخبار وصور وفد جمعية العلماء الذي توجه إلى المغرب لتحية وتهنئة السلطان.
من ذلك رثاء محمد العيد للملك عبد العزيز آل سعود وقد نشرها في المنار في أول يناير ١٩٥٤، ومطلع القصيدة:
لك الويل من نعي به هتف البرق ... فريع له الإسلام واضطرب الشرق (١).
حاول محمد منيع إنشاء رابطة باسم (الرابطة القلمية)، ولكنه لم يوفق، وكان قد وعد بوضع قانونها الأساسي بنصيحة من أحمد توفيق المدني، ولكن الأدباء كما قيل، تقاعسوا عن المساندة، وقد كتب منيع كلمة بعنوان (صرخة في واد) وأهداها إلى أبي القاسم سعد الله تحسر فيها على مشروعه الذي لم ير النور (٢).
الأدب وجبهة الدفاع عن الحرية
نشرت المنار شعرا للصادق نساخ في تحية جبهة الدفاع عن الحرية، وكان نساخ من تلاميذ محمد العيد، وكان متفائلا بالجبهة التي رأى أنها ستوحد الشعب من حولها فجعل عنوان شعره (اجمعوا الشعب حولكم)، كما نظم قطعة (يا نجم) التي تذكرنا بقصيدة شيخه محمد العيد (يا ليل) معنى ووزنا.
أما محمد العيد فقد نظم في نفس المناسبة قصيدته السياسية المبشرة بالثورة والتي عنوانها (يا قوم هبوا)، وقد جاء فيها:
стр. 4410
يا قوم هبوا لاغتنام حياتكم ... فالعمر ساعات تمر عجالى
الأسر طال بكم فطال عناؤكم ... فكوا القيود وحطموا الأغلالا
لا أمن إلا في ظلال مرفرف ... حر لنا عال ينير هلالا كما نظم محمد العيد قطعة جميلة وهادفة دعا فيها أهل وهران إلى الثقافة، بدأها بقوله:
العصر عصر ثقافة الأذهان ... فإلى الثقافة يا بني وهران (١)
كما توجد في المنار قطع شعرية وطنية وصفية صاغها شعراء متحمسون للنضال السياسي والتحرر الوطني رأوا في اجتماع جبهة الدفاع عن الحرية أملا في الوحدة والخلاص من الاستعمار، وقد شارك في هذه (الحملة) الشعرية أيضا أحمد بوعدو وأبو بكر بن رحمون الذي علق أملا عريضا على الجبهة فقال:
ارفع لواء الفاتحين ... واهتف بعزم المؤمنين (٢)
ومن الكتب التي ظهرت في هذه الأثناء (فارس العقيدة) للشريف ساحلي. وهو كتاب يتناول حياة الأمير عبد القادر الذي اعتبره المؤلف مغمورا رغم ما كتبه عنه الأجانب، سيما في الجزائر التي دافع عنها ولأن قوة الحديد والنار هي التي وضعت حدا لعمله العظيم، ولاحظ الساحلي أن قليلا من الجزائريين فقط كتبوا عن الأمير والأقل منهم من درس حياته وفهمها حق الفهم، فجاء كتابه في وقت تحتاج البلاد إلى معرفة هذا البطل المغوار، ينقسم فارس العقيدة إلى قسمين الأول يدرس الأمير مفكرا والثاني يدرسه إنسانا، ولا يحاول المؤلف أن يقدم ترجمة كاملة للأمير وإنما قدمه في مختلف ألوانه وظلاله ومختلف جوانبه، كما درس بعض الأحداث فحللها بدقة، وتمنى المراجع أن يترجم الكتاب إلى
стр. 4411
العربية (١).
ومن الأمثلة على مشاركة الشعر في الحياة الجديدة عشية الثورة افتتاح مدرسة باتنة سنة ١٩٥٣، وتدشين دار الطلبة بقسنطينة في نفس السنة، فعندما نشرت البصائر الخبر جعلته تحت عنوان (باتنة تشيد معقلا للعروبة والإسلام)، وقد ظهر في المقال المصور زعماء الحركة الإصلاحية عندئذ: خير الدين وأحمد توفيق المدني وأحمد السرحاني ومحمد العيد والشيخ نعيم النعيمي والطاهر الحركاتي، كما ظهر عدد من أنصار الإصلاح من السياسيين والمحسنين والنواب، وأذكر أن الشيخ الإبراهيمي قد أرسل تسجيلا صوتيا خاطب فيه جمهور باتنة وهنأه بالمدرسة وطلب منه المزيد من البذل والسخاء في سبيل الإسلام واللغة العربية والجزائر، وبهذه المناسبة ألقى محمد العيد رائعته التي جاء فيها بإرهاصات ثورية ساخنة:
وما التسجيل للآثار إلا ... ببذل المال أو بذل الضحايا
حذار من الشقاق فإن أقمتم ... عليه عصاكم انفلقت شظايا (٢)
كما نشير إلى تدشين دار الطلبة بقسنطينة، وهي الدار التي بنيت تحت إشراف جمعية العلماء لتكون إقامة لطلبة معهد عبد الحميد بن باديس بعد أن تكاثر عددهم، حضر حفل الافتتاح رجال الجمعية ووفد من علماء جامع الزيتونة وأنصار الإصلاح، وقد ألقيت قصائد معبرة عن الفكر الإصلاحي والمشاعر الوطنية والدعوة إلى الاتحاد بين الأحزاب والنهضة الإسلامية.
من شعراء هذا الحفل مفدي زكرياء الذي ظهر بعد غياب طويل وألقى قصيدته المؤثرة التي عبر فيها عن خيبة أمله في الأحزاب والسياسة وأعلن فيها دعمه لمنهج جمعية العلماء، وقد جاء فيها:
стр. 4412
وما الزعامة أقوال وشقشقة ... إن الزعامة إصلاح وتشييد
وما النضال احتجاجات على ورق ... إن النضال كفاءات ومجهود
وما الجهاد (جدار أنت تكتبه).
.. إن الجدار كبعض الناس جلمود
هذي المدارس كالأعلام قائمة ... للعلم يحرسها قوم مناجيد
وهذه بعثات العلم شاخصة ... للشرق يكلأها في الشرق تأييد
جاء (البشير) فزكاها وأرسلها ... فصائلا كلها عزم وتأكيد
جمعية العلماء المسلمين ومن ... للمسلمين سواك اليوم منشود؟
خاب الرجآ في سواك اليوم فاضطلعي ... بالعبء مذ فر دجال ورعديد
سيروا ولا تهنوا فالشعب يرقبكم ... وجاهدوا فلواء النصر معقود
أمانة الشعب قد شدت بعاتقكم ... فما لغيركم تلقى المقاليد
فابنوا المدارس في عرض البلاد فما ... غير المدارس للتحرير تمهيد
أما زميله الشاعر محمد العيد فهذا الميدان ليس غريبا عنه فطالما خب فيه وأوضع كما يقولون، ولكن قصيدته كانت من أنجح شعره الإصلاحي خصوصا وقد جاءت بعد سكوت دام أيضا طويلا وبعد ابتعاد عن الحفلات والأضواء والتوجه بدلا منها نحو المحراب الصوفي والحياة الروحية، وهذه طالعة القصيدة. هات البشائر للجزائر هاتها ... إن الجزائر أبصرت غاياتها
سنذكر نموذجا للشاعر الديني والإصلاحي أحمد سحنون من قصيدتيه إلى المعلم ثم إلى التلميذ، ولكن هذا النمط من الشعر أخذ يختفي بعد قيام الثورة ودخول الشعر السياسي ساحة المعركة.
стр. 4413
الفصل الثاني
الثقافة في نصوص الثورة
قضايا الهوية عالجتها وثائق الحركة الوطنية بإسهاب في مختلف مراحلها، ومن العبث أن نكررها هنا، فمن عهد الأمير عبد القادر إلى عهد الأحزاب السياسية تحدث الجزائريون عن تراثهم ومكوناتهم الفكرية واللغوية والدينية كعناصر وحدة منصهرة في التاريخ لا انفصام لها، وكان ذلك واضحا في كل عمل جماعي قاموا به، بما في ذلك نخبة المدن في القرن التاسع عشر إلى برنامج النجم وحزب الشعب والمؤتمر الإسلامي وجمعية العلماء وأحباب البيان والحرية وحزب البيان ... إلى المؤتمر الثاني لحزب الشعب الذي انعقد عشية الثورة (١٩٥٣) والذي نص على أن ثقافة الجزائر ثقافة وطنية مرتبطة بالثقافة العربية الإسلامية وأن التربية الوطنية في الجمهورية الجزائرية ستكون مرتبطة بالثقافة العربية الإسلامية، ومن ثمة فإنه من المؤكد أن بيان أول نوفمبر كانت له مرجعية واضحة لو أراد محرروه العودة إليها واستلهامها، ولكن هل فعلوا؟
يقر مصطفى الأشرف الذي قام ببحوث مكثفة في تاريخ الجزائر أثناء الثورة بأن الحركة الوطنية (القومية) لم تتمخض على مذهب عقائدي يؤسس للمستقبل، لأن مهمتها قد انحصرت منذ نشأتها في تحرير التراب الوطني، ولا يجوز أن نطالبها بشيء آخر، فهل هذا الحكم ينسجم مع ما أشرنا إليه من تحديد الحركة الوطنية لمعالم عقيدتها منذ عهد الأمير عبد القادر؟ لعل الأشرف يريد بالعقيدة هنا الايديولوجية الاشتراكية التي أسس لها برنامج طرابلس الذي كان
стр. 4414
الأشرف أحد صناعه على الورق ولكنه لم يستطع تطبيقه على أرض الواقع. ومن جهة أخرى يقر الأشرف بأن فكرة الثورة لم تنبع من الريف الذي اكتفى بالمحافظة على الأرض انطلاقا من غريزة حب البقاء، وأن المجتمع الريفي أصبح هيكلا خاليا من أية ثقافة ومن أي وعي سياسي، بل هو مجرد هيكل للمحافظة على العادات والتقاليد، ولكنه هو العمدة في تحرير البلاد، أما فكرة الثورة فقد نبعت من المدينة، ولعل الأشرف كان يقيس وضع الجزائر في القرن التاسع عشر بوضع فرنسا في القرن السادس عشر عند ظهور الوعي القومي السياسي على أنقاض الإقطاع الريفي، كما أنه لم يري المسألة الثقافية، ولو تمعن لتأكد أن خميرة الثقافة الوطنية التي هي منطلق هويتنا قد بقيت في الريف وليس في المدينة (١).
الثقافة في بيان أول نوفمبر
تناول بيان أول نوفمبر بالشرح والتعليق عدد من الكتاب والمؤرخين فرأى فيه البعض وثيقة كاملة تضمن كل ما يعبر عن الجزائر في ثورتها وما هو أبعد من ثورتها، ورأى فيه آخرون وثيقة ظرفية الهدف منها توضيح الأسباب الداعية إلى تفجير الثورة وشروط الصلح ووقف القتال مع العدو والهدف من الثورة وهو استرجاع الاستقلال الذي اغتصبه المحتلون سنة ١٨٣٠، فهل تعرض البيان إلى المسألة الثقافية؟ وهل كان صائغوه مؤهلين للحديث عن ماضي وحاضر ومستقبل الجزائر الثقافي؟ إلى أي حد كان بيان أول نوفمبر معبرا عن الهوية الثقافية للجزائر؟ إن الذين تناولوه بالتحليل معظمهم من المتعاطفين مع أصحابه وبالتالي رأوا فيه وثيقة كاملة تضمن كل هموم الجزائر ومشروع مجتمعها أثناء الثورة وما بعد الاستقلال، ولكن الذين انتقدوه رأوا فيه وثيقة كتبت على عجل وبقلم بسيط وفكر ساذج، وكان همها الوحيد انطلاق الثورة وليس بناء المستقبل.
стр. 4415
جاء في البيان (١) أن (على فرنسا أن تعترف رسميا بالقومية الجزائرية وبإعلان صريح رسمي تلغي بمقتضاه جميع القوانين والقرارات والمراسيم التي جعلت الجزائر أرضا فرنسية رغم تاريخ الشعب الجزائري ورغم التاريخ والجغرافية واللغة والديانة والعادات)، كما نص البيان على ضرورة إجراء مفاوضات مع الممثلين الحقيقيين للشعب الجزائري على أساس احترام السيادة الجزائرية التي هي جزء لا يتجزأ ... (ومن جهتنا نتعهد بضمان المصالح الفرنسية الثقافية والاقتصادية ..).
واضح من هذا النص أن البيان يتحدث عن (القومية) (الوطنية) الجزائرية وأن مقومات هذه القومية هي التاريخ والجغرافيا واللغة والديانة والعادات المشتركة، ومن المفهوم، وليس بالتصريح، أن اللغة المقصودة هي اللغة العربية، وأن الديانة المقصودة هي الإسلام، وأن التاريخ يعني هنا التاريخ الجزائري المرتبط بالتاريخ العربي الإسلامي لأن تاريخ الجزائر منذ الفتح هو جزء من هذا التاريخ العربي الإسلامي. ولكن لماذا لا يعبر البيان عن ذلك صراحة؟ إن البعض يرون أن التصريح بهذه المقومات القومية، لو أعلن، قد تعزل الأقليات الأوروبية عن دعم الثورة، كما يرى البعض أن محرري البيان أنفسهم كانوا مترددين في موضوع اللغة والإسلام والتاريخ لأن تكوينهم لم يكن يتضمن هذه المقومات، وهم كوطنيين يساريين ربما يريدون تفادي التمسك بمبادى تعتبر رجعية في حينها، ثم من