← Указатели

Указатели · id 14100

تاريخ الجزائر الثقافي

أبو القاسم سعد الله

Полный текст (5 019 стр.). Показаны 4936–4975 · переход к 4941.

стр. 4936

(تتبع المغامرة المعاشة من العائلات الجزائرية في أتون الكفاح). وقد صدقت المجاهد في ذلك، فقد تتبعت (مغامرة) لا تدري مداها ولا عواقبها، مغامرة فجرتها الثورة التي كانت في حاجة إلى جميع أبئنائها، ذكورا وإناثا، مغامرة هوت على التقاليد بفأس من صلب فكسرت أصولا وفروعا وخلقت بذلك واقعا جديدا للجزائر الجديدة، ولم يزد فانون على رصد هذا الوقع، بحكم مهنته، وقدرته على التحليل والصياغة لكتاب يتداوله الناس، وإذا عدنا إلى هذه المغامرة وحديث فانوق عن تحرر المرأة الجزائرية عرفنا لماذا وجه المفكر مالك بن نبي نقده اللاذع لفانون باعتباره لم يعش ذاتية الشعب الجزائري - حسب تعبير ابن نبي - ولم يحس بشخصيته الدينية والتاريخية، رغم تخصصه في التحليل النفسي الحديث (١). الكادحون في الأرض هكذا ترجمت المجاهد كتاب فانون الثاني والأخير الذي ألفه في السنة الأخيرة من حياته، وقد تصدت المجاهد لترجمة هذا الكتاب وقدمته لقرائها عزاء لهم في وفاة صاحبه قائلة إنه لم يمت ولن يموت، واصفة المؤلف بأنه (فقيدنا العظيم) وصاحب مقولة: (هيا بنا يا إخواني ... يجب أن نخلق إنسانا جديدا)، في حديث ضمنه (كل حرارة إيمانه الملتهب وعمق فكره النفاذ، وسمو روحه المشرقة، وغزارة تجربته الثورية الفذة) حسب قولها. لقد كان فانون يعرف - حسب المجاهد - بأن الموت يترصده، وأنه كان يشعر بأن رسالته الثورية لم تكتمل ولن تكتمل إلا إذا أنهاها بعمل يخلد به حياته ومجده يضم خلاصة تجربته ورأيه في بناء المجتمع الجديد بواسطة الكفاح الثوري، فكتب كتابه (الكادحون في الأرض)، ورأت في لحظة من المبالغة المفرطة أن الثوار فقدوا فيه أخا ورفيقا، ومناضلا كبيرا ومفكرا عظيما، وانه

стр. 4937

سيبقى حيا بين الجزائريين إلى الأبد، لأنه ترك وراءه هذه الثروة الفكرية الثمينة التي ستفيد العالم الثالث في سيرته نحو حياة أفضل. لقد قامت المجاهد بترجمة الكتاب إلى العربية خدمة لقرائها لأنه أحدث دويا في أوربا لم يحدثه كتاب من قبل منذ وثيقة ماركس وأنجلز (تقصد البيان الشيوعي سنة ١٨٤٨)، وقد تولت أسرة المجاهد الترجمة وحفظ الحقوق والنشر حتى في اللغات الأخرى غير العربية، وافتتحت نشر الكتاب بنشر المقدمة التي كتبها له جان بول سارتر الذي وصفته المجاهد بأنه (الفيلسوف الفرنسي الكبير)، ثم بعد ترجمة ونشر المقدمة والفصل الأول في جملة من الأعداد بدأت تنشر الفصل الثاني ... ولكنها توقفت فجأة عن ذلك دون أن ندري هل ظهرت ترجمة الكتاب كاملة في نطاق آخر، إن آخر ما نشر من الكتاب موجود في العدد ١٢٠ من المجاهد، وهو الفصل الثاني الذي انتهى بعبارة (يتبع)، ولكن شيئا من ذلك لم يتبع (١). ويبدو أن فانون قد حظي عند الجزائريين بقسط كبير من الاحترام والتبجيل لأنه نصرهم بالفكر والطب عندما نصرهم الناس بالسلاح والمؤونة، وأنه فهمهم من داخل مجتمعهم بعد أن حلل نفسياتهم وتأكد من آمالهم، وهاجم الاستعمار بقلمه كما هاجموه ببنادقهم، ومن عادة الجزائريين أنهم يعطفون على المغبونين، وقد كان فانون مغبونا، وعلى المستضعفين وقد كان مستضعفا، وإذا أحبوا أحدا أو شيئا أحبوه بكل ما يملكون وإذا نفروا منه أبغضوه بكل ما يملكون أيضا، فلا توسط عندهم في المدح أو في القدح، وقد كان الإنصاف يقتضيهم أن يقدموا عنه معاصره ومواطنهم مالك بن نبي، ولكنهم ربما كانوا يشعرون بالأمن إذا مدحوا أجنبيا أو قدحوا فيه بينما يشعرون بالخوف إذا مدحوا واحدا منهم أو قدحوا فيه، كما كان لسيطرة اليسار على الثورة في وسائل الإعلام بالخصوص نصيبه في رفع فانون إلى سدة الفكر الماركسي بينما ابن نبي كان

стр. 4938

يرى أن مرجعية الثورة تتمثل في الإسلام وليس في الشيوعية أو حتى السانسيمونية، وما تزال معظم وسائل الإعلام والتأثير في يد اليسار عندنا إلى اليوم. الدراسات الإسلامية والاجتماعية والسياسية والفانونية الشؤون الإسلامية رغم علمانية الثورة، كما ظهرت في تصرفات وتصريحات قادتها، فإنها أعطت للشؤون الإسلامية اهتماما خاصا، وأهم هذه الشؤون هي التاريخ الإسلامي والقضاء الإسلامي والأوقاف الإسلامية. التاريخ الإسلامي فتحت جريدة المقاومة الجزائرية بابا أسمته (صفحات خالدة من الإسلام) نشرت تحته حياة أسماء بنت أبي بكر الصديق (أول مجاهدة عربية)، و (سيف الله خالد بن الوليد)، و (السلام والإسلام) بمناسبة ذكرى مولد السيد المسيح ﵇، (وطارق بن زياد)، وذكرى (الأمير عبد القادر) بمناسبة مرور ٥٧ عاما على وفاته، و (كفاح الجزائريين بين الماضي والحاضر) , و (مرحبا بك يا رمضان)، و (البطل الخالد الإمام ابن باديس)، ومن (غزوة بدر إلى الكفاح الجزائري)، و (لست أبالي حين أقتل مسلما) (مقارنة بين دور الصحابي خبيب بن عدي وأحمد زبانة)، و (أم الأبطال: تماضر الخنساء)، و (خولة بنت الأزور). وسنكتفي هنا بذكر أعداد جريدة المقاومة الجزائرية التي تناولت المواضيع السابقة، دون ذكر تواريخها، فالأعداد هي: ٣، ٤، ٦، ٨، ٩، ١١، ١٣، ١٥، ١٦، ١٧، وكلها بين سنتي ١٩٥٦ - ١٩٥٧ ومعظمها تحمل الطبعة الثالثة من الجريدة، إن ربط الثورة الجزائرية بوقاشع التاريخ الإسلامي ومواقف رجاله ونسائه البطولية كانت تخدم هدفين الأول إعطاء البعد الروحي للثورة تشجيعا

стр. 4939

للثوار والجماهير، والثاني اعتبار الثورة امتدادا للتاريخ العربي الإسلامي وأنها جزء من معركة متصلة الحلقات، فالهدف ليس هو فقط التحرير الوطني بل هو أيضا تحقيق انتصار الإسلام. موقف الطرق الصوفية يتساءل الدارسون لتاريخ الثورة عن موقف رجال الطرق الصوفية، والعلماء منها، سواء في أولها كرد فعل منهم، أو بعد تمكنها واتضاح برنامجها ومعرفة قادتها، ونحن إلى الآن لم ندرس هذا الموضوع دراسة علمية تاريخية ولم نجد من سلط عليه الأضواء الكافية، ولكننا وجدنا بعض المواقف المتحمسة أو المحسوبة على الاتجاه الإيجابي. فبعد مرور سنتين على الثورة نشرت البصائر أن ثلاث زوايا وجهت إلى رئيس الحكومة الفرنسية برقية تطلب الاعتراف بالجنسية الجزائرية، وهذه الزوايا هي: الزاوية السحنونية في بني وغليس وشيخها هو محمد السعيد الشريف أمقران، وزاوية تومليكين في تغزيرت وشيخها محمد الطاهر آيت عيسى، وزاوية سيدي منصور في أزفون وشيخها محمد الشريف الضاوي، وجميع هذه الزوايا ترجع إلى الطريقة الرحمانية، وكلها أيضا في القبائل، وقالت الجريدة إن هؤلاء الشيوخ طالبوا رئيس الحكومة (جي موليه) بوجوب استعمال الرحمة والمساواة والتسامح مع سائر (المتساكنين) قائلين إن سياسة الاندماج لا يقبلها المسلمون لأن لهم دينهم وتاريمخهم وذاتيتهم ... أما الحل فيكمن في الاعتراف بالجنسية الجزائرية لمصلحة الجميع، وفي نظرهم أن هذا لا يتنافى مع الصداقة بين الجزائر وفرنسا. والملاحظ أن هذه البرقية أرسلت بعد اشتداد الثورة، وبعد إعلان جمعية العلماء عن موقفها في يناير من نفس العام ببيان صادر عن مجلسها الإداري، وكذلك حزب البيان، والنواب، وبعد أن طلبت الجبهة من الجميع اتخاذ مواقف

стр. 4940

صريحة وواضحة، أثناء التحضير لعقد مؤتمر الصومام (١). وصاحب الزاوية السحنونية هو محمد السعيد الشريف السحنوني، كما قلنا، وهو من زعماء الطريقة الرحمانية، ووالد أخينا علي مقران السحنوني، وقد اشتهرت هذه الزاوية بالعلم والكفاح في حوض الصومام، وجد العائلة هو السعيد أمقران الذي قاوم الاحتلال أثناء ثورة ١٨٧١ واستشهد في بني يراثن (نات يراثن)، ومن هذه العائلة محمد وعلي السحنوني الذي شارك في الثورة المقرانية وحكم عليه بالنفي من الجزائر، ثم هرب إلى الحجاز (المدينة المنورة) وفيها تزوج وتوفي (٢). أما الشيخ محمد الشريف السحنوني المعاصر لثورة نوفمبر فقد فكر عند اشتداد الضغط عليه، في الهجرة بعائلته إلى الحجاز، وتعرض للتعذيب والإهانة والتشريد ولم يجتمع شمله بأسرته إلا بعد الاستقلال، فدخل السجن عدة مرات، آخرها سنة ١٩٥٨ حين القوا عليه القبض في منزله بسطيف، وتعرضت زاويته في (تغراست) لهجوم عسكري خرب الزاوية وما فيها، وكان عدد طلابها حوالي خمسين (٥٠) طالبا فساقوهم إلى السجن حيث عذبوا وأهينوا. تخرج محمد الشريف من الزيتونة، وانتصب للتدريس في زاويتيه (السحنونية والوغليسية)، ولم يكن وحده في ذلك، فقد انضم إلى هيئة تدريس الزاويتين عدد من الأساتذة، وجاءهم من تونس الشيخ محمد الحبيب والشيخ الفرشيشي للمساعدة على التدريس، وقد بلغ عدد طلاب الزاويتين خمسمائة وخمسين طالبا (٥٥٠) وكان فيهما أبناء الجزائر والمغرب وجيبوتي وليبيا. وجمع الشيخ محمد الشريف مكتبة غنية بالمطبوعات والمخطوطات بحيث بلغت المخطوطات حوالي ثلاثمائة (٣٠٠) كان قد اقتنى معظمها من تونس من مكتبات الشيوخ المتوفين والتي تباع عادة في المزاد، كما اشترى

стр. 4941

بعضها من المشرق أثناء رحلاته، وكان يتردد على المكتبات المعروفة عندئذ مثل مكتبة رودوسي في الجزائر، والثميني والعسلي والأمين في تونس. وبالإضافة إلى ذلك هناك الدوريات التي كان الشيخ يجتهد في اقتنائها والاشتراك فيها، هذه المكتبة الغنية كان مصيرها مصير الزاوية، فقد نهبت وأتلفت ولم ينقذ منها إلا النادر، فغضب الاستعمار على صاحب الزاوية يطال الزاوية ومكتبتها أيضا (١). ومن جهة أخرى نعرف أن الطريقة التجانية تدخلت بطريقة غير معلنة لإنقاذ حياة الشاعر محمد العيد آل خليفة الذي ألقت عليه السلطات الفرنسية القبض، وكان على وشك تنفيذ القتل فيه، مع آخرين، وبفضل تدخلها تغير الموقف وفرض الفرنسيون على الشاعر الإقامة الجبرية في بسكرة طيلة عهد الثورة، ولكننا إلى الآن لا نملك دليلا قاطعا على تدخل الطريقة التجانية. إذا سألت اليوم قادة الطرق الصوفية وأتباعها المتحمسين ورجال الزوايا عن موقف طريقتهم أو زاويتهم من الثورة فإنهم لا يترددون في وضع محورة براقة أمامك من التضحية والفداء والقيام بالأعمال السرية والعلنية لصالح الثورة والتعرض من أجل ذلك لأخطار لا تعد ولا تحصى، وهم في ذلك لا يختلفون كثيرا عن إخوانهم المنتمين إلى الأحزاب السياسية حماسة وولاء، وفي غمرة هذا السيل من (الأعمال) الباهرة ينسون علاقتهم السابقة واللاحقة بالسلطات الفرنسية عن رضى ومصلحة أو عن كره وتقية، وأمام ذلك لا يستطيع المؤرخ أن يصل إلى الحقيقة عن دور الطرق الصوفية والزوايا من الثورة، ومن ثمة نكتفي هنا بإيراد بعض الأقوال التي نشك منذ البداية في أصالتها إلا إذا دعمتها الوثائق (رسائل، بيانات، تصريحات، محاضر، مذكرات معاصرة للأحداث ...)، والواقع أن هذا المنهج يجب أن يطبق على كل الشخصيات والمؤسسات والتنظيمات التي كان وجودها يكتسي طابعا عاما وله صلة بالجماهير من جهة

стр. 4942

وبالإدرة من جهة أخرى. كنت أطالع عملا قدمه صاحبه إلى ندوة عقدت هذه السنة (٢٠٠٥) عن دور الزوايا والطرق الصوفية في الثورة، فوجدت صاحب الكلمة، يذكر أسماء أشخاص وتضحيات كثيرة منسوبة إلى بعض رجال الطرق الصوفية، بل إنه جعل عدة رؤساء تولوا حكم الجزائر من أتباع هذه الطرق، (ابن بلة وابن جديد وبوتفليقة، وغيرهم كمصالي وآيت احمد)، قد انتموا إلى طرق صوفية كالهبرية أو الرحمانية أو الدرقاوية، وقد فهمنا من البحث أن الثورة صادفت مشيخة محمد عبد اللطيف للطريقة الهبرية، ففي عهده قدمت الطريقة عددا من المجاهدين تطول قائمتهم، وربما يقال إن مشاركة المريدين في الثورة لم تعد ذات قيمة في حد ذاتها لأن الثورة جندت الجميع، وقد انضموا للثورة كمواطنين لا كمريدين، وإنما نحن نبحث في هذا المقام عما فعلت وقالت وكتبت مشيخة الطرق نفسها كحث الناس على الجهاد أو إعلان مطالبها للسلطات الفرنسية وليس تبني أعمال الآخرين ولو كانوا من المريدين. ومهما كان الأمر فقد نسب صاحب الكلمة أعمالا للشخ محمد عبد اللطيف شخصيا مثل جمع السلاح وتحضير الاستفتاء (؟) سنة ١٩٦٢ وفرز أسماء المرشحين لتولي المهام الجديدة في الجزائر المستقلة، ولا شك أن ذلك - إذا صح - كان بعد وقف إطلاق النار. كما جاء الكاتب على ذكر الشيخ محمد المدني، من زاوية سيدي عبد الباقي المنتشرة في وهران وغيليزان، وبناء عليه فإن الشيخ المدني تعرض للتعذيب بعد إلقاء القبض عليه سنة ١٩٥٦، وكان قد انضم إلى منظمة فدائية بوهران، ولم يطلق سراحه إلا سنة ١٩٦٠، كما طال السجن عددا من أقارب الشيخ المدني (وهو أيضا من الطريقة الهبرية) كانوا من المجاهدين في المنظمة الخاصة (١).

стр. 4943

وعلمنا من مصادر شفوية أن الشيخ عبد العزيز بن الهاشمي مقدم الطريقة القادرية في سوف قد أهدى محلات يملكها في تونس إلى جبهة التحرير الوطني، ومنها قصر جعلت فيه مكاتبها، والشيخ عبد العزيز بن الهاشمي هو الذي كان قد (تمرد) على فرنسا سنة ١٩٣٨ في سوف ورحب بوفد جمعية العلماء برئاسة ابن باديس، وأعلن انضمامه إلى هذه الجمعية، فألقت السلطات الفرنسية القبض عليه وعلى من سانده من العلماء وزجت بهم في سجن الكدية بقسنطينة، وقد توفي الشيخ عبد العزيز في تونس بعد الاستقلال. الأوقاف الإسلامية أشرنا في البداية إلى أن استيلاء إدارة الاحتلال على الأوقاف الإسلامية بقي مشكلة حية في ذاكرة الجزائريين طيلة العهد الاستعماري، وقد كتبت جريدة البصائر بتاريخ يونيو ١٩٥٥ خلاصة عن الوقف المعروف بوقف عبد الرحمن القينعي الذي يرجع إلى ١٨٦٤، والقينعي من المحسنين الجزائريين الأثرياء، ترك للمكتب الخيري الإسلامي وقفا لفائدة الفقراء المسلمين في مدينة الجزائر الذين مسهم الضر بعد مصادرة الفرنسيين للأوقاف الإسلامية، وكان مبلغ الوقف أربعة ملايين فرنك سنويا، وهو مع ذلك غير كاف لأن عدد الفقراء كان يتجاوز العشرين ألفا في العاصمة وحدها، وكان للأوروبيين أوقافهم ومكتبهم الخيري أيضا، وكانوا يفرضون ضريبة على الملاهي لفائدة هذا المكتب بينما لا يستفيد المسلمون من هذه الضريبة شيئا رغم أنهم كانوا يدفعون القسط الأكبر منها بحكم دخولهم للملاهي، وتقدر الضريبة بخمسة وتسعين مليون فرنك ونصف المليون، فطالب المسلمون بتقسيم ضريبة الملاهي بينهم وبين الأوروبيين خصوصا وأنه لا يكاد يوجد عند هؤلاء فقراء، ولكن المسألة جاءت معكوسة فقد كان الأوروبيون هم الذين يطالبون بدمج وقف القينعي في رصيدهم الخيري ليستفيدوا أيضا منه، وقد اتهم المسلمون إدارة بلدية العاصمة بأنها تريد

стр. 4944

الاستيلاء على ما بقي من الأوقاف الإسلامية في الوقت الذي يطالب فيه المسلمون بإرجاعها كلها إلى جماعة المسلمين، وفي الوقت الذي أعلن فيه الحاكم العام أن إدارته سترجعها إليهم حسب دستور سنة ١٩٤٧. وبعد مشادات بين عمر بوضربة رئيس المكتب الخيري الإسلامي والحكومة. وبعد تدخل أطراف فرنسية، رضيت الحكومة بمنح قسط من الضريبة إلى المكتب الخيري الإسلامي، لكن الإدارة الاستعمارية طبقت سياسة التمييز فمنحت المكتب الإسلامي الثلث فقط من تلك الضريبة، أي ثلاثين في المائة من المبلغ المذكور بينما المكتب الأوروبي الذي لا يكاد يوجد له فقراء يأخذ منها سبعين في المائة، وقد علقت البصائر على ذلك بقولها: لو قسمت الضريبة مناصفة بين المكتبين لنال المسلمين منها ٤٧ مليونا بدل أربعة (١). أما مقالة نور الدين عبد القادر عن أصل وقف القينعي فقد نشرت سنة ١٩٦٠ واحتوت على معلومات هامة لم نكن قد اطلعنا عليها عندما كتبنا عن الأوقاف في كتابنا السابق، اعتمد نور الدين على عدة وثائق وعلى ثلاثة معاصرين ممن عرفوا القينعي شخصيا وكانوا من المتقدمين في السن. ولد القينعي - بناء على أغلب التقدير - في مدينة البليدة في عهد الداي مصطفى باشا (أوائل القرن التاسع عشر) وهو من قبيلة (بني قينع) القاطنة بين بوينان وتابلاط، وبعد رشده اشتغل بالتجارة، قبل الاحتلال، وكان يتردد على العاصمة، فتكفل بعد الاحتلال بصنع السراويل والبرانيس والشواشي للجند الفرنسي - وهي بضاعة عادة تصنع من الملف الملون المطرز، كما تكفل لهم بصنع المصنوعات الجلدية التي يحتاجها فرسانهم ومشاتهم، فوظف القينعي عمالا وراجت تجارته وكثرت أملاكه وماله، واشترى الأراضي في متيجة كما اشترى العقارات، وكان يتعامل بالربا، ويتابع من يستدين منه أو يتأخر في الرد. على يد الحاكم، وكان حريصا كل الحرص على المال، وحين وفاته لم يمش

стр. 4945

في جنازته إلا عدد قليل، وقد سموا عليه شارعا في حارة الجبل بالعاصمة. كان القينعي يلبس قفطانا، ولا يهتم باللباس إلا في حالات نادرة، ولكنه كان دائما نقي اللباس، وقد أصبح صاحب ثروة ضخمة، وينزل عند صديقه قائد الشمع في البليدة، وكان متواضعا يعيش عيشة بسيطة، ويتصدق على المحتاجين بلا رياء، وكان هدفه هو فعل الخير، وفي كل خميس يذهب إلى ضريح سيدي عبد الرحمن الثعالبي ويحضر قراءة بعض الأحزاب، ويعطي لكل قارى مالا وهو ما يسمى (بحزب القينعي) الذي ما يزال منتظما إلى سنة ١٩٦٠، كما كان يزور ضريح سيدي أحمد الكبير في البليدة. أوقف القينعي أملاكه على فقراء المسلمين بمقتضى رسم مسجل بالمحكمة المالكية بالجزائر بتاريخ ٢٩ مارس ١٨٦٠، وبناء عليه فان كل أملاك القينعي وما سيملكه من عقار ودور ومصوغ وأثاث ينتفع به مادام على قيد الحياة، وبعده يؤول إلى فقراء مدينة الجزائر، وقد أوصى لابنه الوحيد الحاج محمود القينعي بمائة وخمسين فرنكا كل شهر وبالسكنى بلا كراء، كما أوصى لأخته الشقيقة عائشة بخمسة وسبعين فرنكا وبالسكنى بلا كراء في دار قرب جامع سفير، وأخيرا أوصى لزوجته عائشة بنت إسماعيل بخمسة وسبعين فرنكا شهريا، وتكفلت (دار الصدقة) بهذا الوقف عوضا عن مفتي وقاضي المالكية، وكلاهما مذكور في رسم الوقف (١). وهناك معلومات إضافية أوردها نور الدين عن حياة السيد القينعي، منها أنه كان يسكن في زقاق قرب (ضريح) ابن ميمون بحارة الجبل بالجزائر، وأنه توفي في البليدة يوم ٩ يناير ١٨٦٨ وهو في الخامسة والتسعين، وربما كان عمره أقل من ذلك، حسب نور الدين، أما ابنه الحاج محمود فقد توفي قبله بسنوات، وفي سنة ١٩٣٤ جدد قبر القينعي وأحيت (دار الصدقة) ذكراه بهذه المناسبة.

стр. 4946

وبناء على استنتاج الشيخ نور الدين فإن القينعي كان رجلا حكيما بحيث لم يترك ثروته تتبدد وتضيع في أيدي الورثة، وكانت له خبرة بأمور الدنيا والدين، وهو الذي بنى حمام سيدي عبد الله، وجعل له دكاكين للكراء، وهو الحمام الذي ما يزال موجودا إلى عهد الكاتب نور الدين (١). وقد اشتركت جريدة المقاومة الجزائرية وجريدة المجاهد - بالفرنسية - في نقد سياسة الاستعمار إزاء الأوقاف الإسلامية أيضا، فالجريدة الأولى قالت إنه إلى سنة ١٩٥٤ كانت فرنسا تستحوذ على المؤسسات الدينية وتتصرف في رجال الدين وتستولي على الأحباس (الأوقاف) (٢). أما المجاهد فقد نشرت مقالة مطولة استعرضت فيها تاريخ الأوقاف خلال الاحتلال وجعلت عنوان المقالة ملفتا للتظر وهو (استغلال الأحباس (أملاك الحبس) من قبل الاستعمار الفرنسي)، بدأت ذلك من تاريخ تشريع الوقف على عهد الرسول ﷺ وعهد الصحابة وصولا إلى أوقاف مكة والمدينة في الجزائر، وأوقاف المساجد، مستشهدة بأقوال المستشرق الفرنسي شيربونو وسوتيرا Sautayra، الفقيه فرنسي الذي عمل في الجزائر طويلا، عن أعمال الخير التي يخدمها الوقف مثل المستشفيات والملاجى والأضرحة وبيوت الغرباء والسابلة، والمؤسسات الدينية كالمساجد والزوايا والمدارس القرآنية، وأشارت المجاهد أيضا في الجانب التاريخي إلى قرار الحاكم العام كلوزيل في السابع من ديسمبر ١٨٣٠، وهو القرار الذي وضع أملاك الوقف تحت نظر الدولة المحتلة (الدومين)، ثم ما تلاه من قوانين حول هذا الموضوع، مثل قانون ٩ ديسمبر ١٩٠٥ في فرنسا الذي قضى بفصل الدين عن الدولة والذي طبق في الجزائر على الديانتين اليهودية والمسيحية فقط واستثنيت منه الديانة الإسلامية.

стр. 4947

واستعرض صاحب المقال موقف المقاومة الوطنية من إبقاء الأوقاف في أيدي الفرنسيين، حتى وصل إلى القانون المعروف بقانون ميشيل (سنة ١٩٣٣) الذي سحب دور المساجد من الديانة الإسلامية في العاصمة وأعطى رئاسة المجلس الاستشاري الإسلامي في الولاية إلى أحد الفرنسيين، لقد ظل الجزائريون يطالبون بحقهم في الأوقاف إلى سنة ١٩٤٧ حين صدر ما يعرف (بدستور الجزائر) الذي لم يجب على مسألة الوقف بأسلوب واضح أيضا، فقد نصت مادته رقم ٥٦ على أن المجلس الجزائري (البرلمان المحلي) هو المخول للنظر والإعلان عن إدارة الأوقاف وتطبيق مبدأ استقلال الديانة الإسلامية عن الدولة، ولكن الحكومة والمجلس عملا على تأخير البت في هذا الموضوع إلى اندلاع الثورة. ومن رأي صاحب المقال أيضا أن جمعية العلماء تقدمت منذ ١٩٥٠ إلى المجلس بمشروع لفصل شؤون الدين الإسلامي عن الدولة الفرنسية يعكس تصورها، وقدمت للمشروع بمقدمة تاريخية، واقترحت الجمعية تكوين مجلس إسلامي مؤقت مهمته الاتصال بالإدارة إلى أن تتخلى عن أملاك الوقف للمسلمين، لكن المشروع لم يلفت نظر أعضاء المجلس الجزائري لتعارض ذلك مع رغبة الإدارة الاستعمارية ومع (رغبة الشيوخ المأجورين) عندها ورؤساء الزوايا المتعاملين معها إقطاعيا، وأوضح صاحب المقال أن كل الجزائريين متفقون على عدم المساس بمؤسساتهم الخاصة، كما أنهم عازمون على المحافظة عليها بقوة روحهم الوطنية، إن (استعادة أملاك الأوقاف أصبحت من المطالب المبدئية للثورة الجزائرية التي ستسمح للشعب الجزائري، وقد تحرر وطنه، من اختيار مؤسساته). ويلاحظ الباحث أن المقال انتهى بالربط بين الثورة والأوقاف ولكن لم يقل كيف سينتهي الأمر هل باستعادة العمل بالوقف أو بإلغائه في سبيل الاشتراكية كما حدث في السنوات الأولى للاستقلال؟ لقد ترك صاحب المقال الباب مفتوحا للاجتهاد والتفكير، كما أن اللحظة لم تكن مواتية للحديث عن

стр. 4948

مستقبل المؤسسات الوطنية قبل أن تضع حرب الاستقلال أوزارها (١). عن القضاء الإسلامي عندما أصدرت فرنسا تشريعا تزيد فيه من القيود على الإسلام والمسلمين بادرت جريدة المجاهد إلى استنكاره، فقد كتبت مقالا طويل الذيل انطلاقا من المرسوم الذي أصدره رئيس الجمهورية الفرنسية في الرابع من فبراير ١٩٥٩ يتعلق بإصلاح القواعد الإسلامية في الزواج والطلاق، وقعه الجنرال ديغول ثم رئيس الحكومة ميشال دوبري والوزير المفوض في الجزائر جاك سوستيل. ووزير العدل إدمون ميشليه، قالت المجاهد في لهجة غاضبة: هكذا يقوم فرنسيون، بقناعات نصرانية ويهودية، بفرض القوانين اللائكية الفرنسية على المسلمين الجزائريين فيما يتعلق بالمجال الأكثر قداسة، وهو الحالة المدنية، وفي ذلك طعنة للقرآن بطريقة مبيتة، ولا شك أن المجاهد قد بالغت في ذلك عن قصد لأنها تعرف أن ردود الفعل الشعبية ستكون قوية على التشريع الفرنسي، وهي تريد أن تجند الرأي العام لا ضد التشريع نفسه ولكن ضد الاستعمار. وفي نظر المجاهد أن ذلك التشريع الفرنسي ليس هو الأول من نوعه في المساس بالشريعة الإسلامية على يد الاستعمار الفرنسي، وقد ختمت مقالها

стр. 4949

بقولها إن الجزائريين ليس لهم ما ينتظرونه من الحكومات الفرنسية وإن حريتهم ستكون بأيديهم، وإن هذه ضربة جديدة يتلقاها الإسلام من فرنسا لن تثير ضدها العالم الإسلامي كله فحسب ولكن ستثير ضدها كل المؤمنين بالحرية والمؤمنين بأن الدين ميدان تقرره جماعة المؤمنين نفسها. ولنلاحظ هنا أن الخاتمة لا تنسجم مع سياق المقال، فقد كان المنتظر أن تنهي الجريدة مقالها بالتأكيد على أن الإسلام وشريعته على رأس الهوية الوطنية، ومن ثمة ينسجم رد الفعل الذي تنشده مع الفعل الذي تستنكره، فمن الواضح أن الذين كتبوا المقال كانوا من العلمانيين الذين يرون أن قضايا الدين يقررها أهل ذلك الدين، وهم الممارسون لطقوسه، وأن المسألة كلها مسألة تحرر وعبودية (١). القضاء والثورة إلى الآن لم يدرس القضاء في وقت الثورة دراسة شاملة ومعمقة، وقد صدرت كتب ودراسات عن بعض المجاهدين مثل كتاب سعيد بن عبد الله (العدل عند جبهة التحرير - الوطني) وكتاب الصادق مزهود حول المحاكم في وقت الثورة، كما انعقدت بعض الملتقيات حول تاريخ القضاء وشروطه وقت الثورة، منها الملتقى الذي انعقد في قسنطينة، مارس ٢٠٠٥، وهناك بعض الدوريات التي تناولت هذا الموضوع من قرب أو من بعيد، وفي هذا الصدد نشير إلى كتاب محمد بجاوي (الثورة الجزائرية والقانون) الذي ظهر في بروكسل عن الجمعية الدولية للقانونيين الديموقراطيين، سنة ١٩٦١، وقد ترجم إلى العربية، وهو كتاب هام لدراسة نصوص الثورة ومؤسساتها مثل المجلس الوطني، والحكومة المؤقتة، وجبهة التحرير، كما تناول مبدأ تقرير المصير وبعض المؤسسات الثورية الأخرى، وفي كتاب فرحات عباس (ليل الاستعمار) الذي

стр. 4950

ظهر في فرنسا سنة ١٩٦٢ معلومات قانونية هامة أثناء الصراع مع الإدارة الفرنسية الاسعمارية. العدل عند جبهة التحرير الوطني يذهب السيد سعيد بن عبد الله إلى أن الشريعة الإسلامية هي القاعدة الأساسية للإجراءات القانونية بين الجزائريين، إشارة إلى دور الدين الإسلامي في القضاء في عهد الثورة، فالشريعة تتناول حياة الإنسان من المهد إلى اللحد بكل تفاصيلها الاجتماعية والمدنية والعائلية والمعاملات، وكل هذه المسائل لها حلولها، ويوجد في النصوص القرآنية ما يجيب على مختلف التساؤلات والإجراءات، ومن الصعب عند المسلم الفصل بين الروحي والزمني، (إن الإسلام يكون الإنسان الثوري)، وكان الواجب الأول للمناضل في جبهة التحرير هو تطبيق الإسلام لأنه هو الذي يعلمه الإيمان والانضباط، ثم إن النضال يعني الجهاد، ومن ثمة يصبح المناضل مجاهدا كما أن الإسلام هو الذي يجند الشعب الجزائري وراء الثورة، وهو المكون الأساسي للحضارة الجزائرية (١). لقد أنشأ جيش التحرير جهازا قضائيا داخل البلاد، فأخذ القضاء مجراه بالتوازي مع الشؤون العسكرية والسياسية للثورة، وقد انتظم ذلك وعمم بعد مؤتمر الصومام ١٩٥٦، وبذلك تخلى الشعب الجزائري تدريجيا عن اللجوء إلى القضاء الفرنسي وفضل عليه القضاء الإسلامي الذي تطبقه الجبهة، حتى في داخل السجون والمحتشدات، كما كان من عواقب إحداث ذلك الجهاز المحافظة والتمسك بالشخصية العربية الإسلامية للجزائر، ومع ذلك فقد واجه القضاء في عهد الثورة صعوبة في التوثيق لأنه كان يجري في ظروف خاصة وسرية، وكان تاريخه هو تاريخ المناضلين أنفسهم، ذلك أن المداولات لم تسجل إلا نادرا، وكانت الوثائق أحيانا تتعرض للتلف تفاديا للمتابعة، ولا يستطيع أي باحث معرفة حقيقة ما جرى إلا بالرجوع إلى الشهادات الشيخصية

стр. 4951

وإلى بعض الوثائق التي قد تكون قد بقيت في حوزة بعض المناضلين (١). كان تنظيم القضاء خاضعا لسلم الجبهة في الإيديولوجية والمستوى والممارسة، فقد كان خاضعا للوصايا العشر التي يعتمد عليها جيش التحرير، وذلك يعني حل الجزائريين مشاكلهم بأنفسهم، وعليهم مقاطعة المؤسسات الاستعمارية وعلى رأسها مؤمة القضاء، وقد أنشأ مؤتمر الصومام المجالس الشعبية لتحل النوازل القضائية، وكانت الثورة دائما خاضعة لمبدأ العمل الجماعي، وكان الإخلاص والنفاد من سمات هذه الإيديولوجية، كما أن تطبيق العدالة يجب أن يكون على كل المستويات دون استثناء طبقا للتفصيل التنظيمي الإداري وطبقا للسلم الذي وضعته الجبهة، كما أن إسناد القضاء إلى ذوي الكفاءة والقدرة كان من سمات هذا العهد، أما مصدر هذا القضاء فهو الشريعة الإسلامية ومصلحة الثورة (٢). حددت الجبهة أنواع العقوبات على الجرائم التي يعاقب عليها القانون، وهي عقوبات متدرجة حسب الجرم، فالأخطاء إما بسيطة وإما خطيرة وإما خطيرة فادحة، ومن الأخطاء البسيطة: عدم دفع الاشتراك، وعدم الاستجابة لدعوة جبهة وجيش التحرير، وقطع الأشجار بدون رخصة، وعدم إبلاغ الجبهة والجيش عن الزواج والميلاد والوفاة، والاستماع إلى صوت البلاد (الإذاعة الفرنسية الموجهة) والتدخين، إلخ، ومن الأخطاء الكبيرة أو الخطيرة: محاولة القتل، وإشعال النيران، والكذب، وتقديم شهادة مزورة، ورفض تقديم المساعدة، والتنقل بدون إذن مسبق من الجبهة أو الجيش، والتغيب عن الاجتماع، والسرقة، والاغتصاب، والزنى، واللواط، والسكر، إلخ، أما الأخطاء الفادحة فمنها الخيانة، وإقامة علاقة مع العدو، والتمرد والعصيان.

стр. 4952

وعدم الانضباط، والجهوية (الفتنة)، وإشاعة روح الهزيمة، والفرار من الزحف، وترك الخدمة، وإفشاء الأسرار، والتخريب المقصود للمعدات، إلخ (١). هناك نوعان من المناشير: منشور أساسي لا يحتمل التأخير، فهو منشور عام ودائم كالذي يتعلق بالخيانة، ومنشور ظرفي كمنع التدخين سنوات ١٩٥٥، ١٩٥٦، ١٩٥٧ لأن التدخين يجلب الربح للعدو، (نفسه ص ٦٥)، ويصف أحمد توفيق المدني القضاء في عهد الثورة (وقد كان يكتب عنه سنة ١٩٥٦) بأنه يتولاه أحد الشيوخ (العلماء أو الطلبة) حسب أهمية السكان ليحكم بين الناس بما أنزل الله، وكان القاضي غالبا ممن تخرج من المدارس الحرة، والغالب هو اختفاء المنازعات لأن الناس اندمجوا في الثورة وتركوا الشجار، وإذا حدث شجار فالقاضي يحله بالإقناع والتراضي (٢). ومن ثمة يظهر أن الجبهة أسست قضاء شرعيا وطنيا لأنه جزء من الشخصية ومقدمة للسيادة المتتظرة، لقد كان الشعب الجزائري حريصا بنفسه على العمل بالشريعة واللجوء إلى العدالة الحقة لأنه عانى من الظلم والجبروت الاستعماري، وكان القضاء شفافا ومعروفا للجميع ومحل احترام من الجميع، بما في ذلك احترام اللغة والعرض، وكان اهتمام الناس بالقضاء المدني أكثر من الجنائي لحاجتهم الماسة إلى القضاء الأول، إن القضاء في وقت الثورة كان أيضا مدرسة للتربية الوطنية ومدرسة لتربية المناضين وترقية الحياة الاجتماعية بين المواطنين، وأهمها المساواة بين الجميع أمام القانون (٣). وقد استفدنا من تجارب المناطلين ودراسات المختصين أن القضاء في وقت الثورة كان قائما أيضا - (بالإطافة إلى تعليمات الشريعة الإسلامية وممارسات القضاة في دولة الأمير عبد القادر، ومعاملات الفرنسيين) - على

стр. 4953

الترغيب والترهيب، إن القاضي كان يعين من قبل المسؤول السياسي ويخضع له، وكان يقوم بعدة وظائف كالتوثيق والتعليم والتفتيش وإصلاح ذات البين والإمامة والإفتاء والتوعية وجمع الزكاة ... وفي التطبيق لم يكن هناك مصطلح واحد معتمد، فهناك مصطلح لجنة العدل في بعض الولايات، ولجنة العدالة، واللجنة الشرعية، والمجلس الخماسي ... فكل ولاية كانت تتصرف حسب إمكاناتها واجتهاداتها في هذا الميدان، بل وحسب العرف والقضية المطروحة، ولكن ما يميز القضاء هو السرعة في تنفيذ الأحكام خلافا للقضاء الاستعماري الذي كان يترك القضية تنام سنوات طويلة في أدراج المحاكم، وقد رجع القبائل إلى حكم الشريعة بدل العرف، كما منع الحبس لأن الشريعة لا تلجأ إليه لعرمانه رب العائلة من أداء مهمته. كان القضاء في البداية في شكل تعليمات وأوامر تصدر عن جيش التحرير ولكن مؤتمر الصومام هو الذي أسس قواعد للقضاء وأعطاه بعدا وطنيا شاملا، بينما يرى البعض أن سنة ١٩٥٨ (بداية الحكومة الؤقتة) هي سنة تأسيس القضاء. وكان القاضي يعين من بين المتخرجين من جامعي الزيتونة والقرويين ومن معهد ابن باديس وبعض الزوايا (والقاضي هو الذي يشرف على الأحوال الشخصية أيضا)، ومما يذكر أنه كان يوجد أكثر من ١٥٠ متخرجا من كلية الحقوق، ومع ذلك لم يول أي منهم على القضاء، ومما يذكر أن الولاية الأولى هي التي بدأت تتعامل بالقضاء سنة ١٩٥٨ حسب (تعليمة)، وكانت تقيم المجالس القضائية ذات الخمسة أعضاء: فمجلس القسمة من خمسة، ومجلس المنطقة من خمسة، ومجلس الناحية من خمسة، ومجلس الولاية من خمسة، والخامس هو دائما القاضي نفسه، وهو رجل مدني، وكانت العقوبات تتمثل في الغرامات المالية، والتعزير وحتى الجلد، وليس هناك طعن في الأحكام، ومن الناحية الإحصائية فقد ذكر أن حوالي ٣٠٠ شخص حكم عليهم بالقتل، وقد ذكر الباحثون أن بعض التجاوزات في الأحكام قد وقعت (١).

стр. 4954

الثورة الجزائرية والقانون عالج محمد بجاوي مسألة القضاء زمن الثورة وأعطاها أهميتها القانونية، فقد جاء في كتابه (الثورة الجزائرية والقانون) أن جبهة التحرير أنشأت في المناطق المحررة عدة مؤسسات منها: جمعية الشعب، وهي نواة لبنيان سياسي إداري كان مؤتمر الصومام قد وضع أسسه وحدد دوره، فقد حلت الجمعية محل الإدارة الفرنسية ومحل الحاكم الفرنسي، وبذلك أصبح الجزائريون في المناطق المختلفة يديرون شؤونهم بأنفسهم، وقد أعلنت قاعدة المؤتمر أن المجالس العمومية والبلدية والجماعات قد انتهت وهي جميعا من رموز الإدارة الفرنسية، وزادت استقالة عدد من الموظفين ومساعدي السلطات الفرنسية مثل القياد وحراس الغابات والمزارع ... الفراغ السياسي والإداري، لأنه لم يتقدم أحد ليخلف المستقيلين، وبذلك تلاشت الإدارة الفرنسية فتخلى عنها الشعب، ونشأ حكم ثناني يشمل جباية الضرائب والتموين وإقامة العدل وتجنيد المجاهدين والسهر على الأمن والتعليم. أما من حيث التطبيق فقد انتخب كل دوار جمعيته المنصوص عليها المؤلفة من خمسة أفراد، وهي الخلية التنظيمية للدوار، ولهذه الجمعية لجنة اتصال بالسلطات المركزية للجبهة، مؤلفة من ثلاثة أفراد، وهي (اللجنة) المسؤولة على المستوى المحلي على إحصاء السكان واستقبال المجاهدين وجباية الضرائب وتوفير الأمن وحفظ السجلات المدنية وإقامة مخازن أو مستودعات لتخزين المحاصيل وبناء المدارس والسهر على مصادر المياه وافتتاح الورشات، بالإضافة إلى لجان أخرى تسمى اللجان المختصة على مستوى القطاع في الأرياف، ولجان التموين ومهمتها شراء الغذاء والكساء وتوزيع المؤونة ... ولجان المعونة لإغاثة المحتاجين والمنكوبين بسبب الحرب، وكذلك اللجان المدرسية لمكافحة الأمية وتعليم الأطفال بين السادسة والعاشرة، فكان في كل دوار مدرسة بالإضافة إلى دروس مسائية للبالغين.

стр. 4955

ويهمنا هنا اللجان القضائية التي كانت تتألف من أربعة أشخاص وهي لجان مكلفة بإقامة العدل في سائر القطاع التابع لها، وكانت هناك الشرطة الريفية التابعة للجمعية الشعبية على مستوى الدوار، وهي تتكون من ثلاثة أفراد، وكذلك حراس الغابات من الحرائق وحماية مصادر المياه، أما مصالح الأمن في القطاع فكان يشرف عليها المسؤول السياسي، بحيث هناك شرطيان أو ثلاثة في كل دوار، وهم يختارون من قدماء المجاهدين في جيش التحرير، وكانوا يضيفون إلى مهمتهم التقاط الأخبار والمعلومات (١). دراسة الصادق مزهود لقد كان الهدف من إقامة القضاء في الثورة هو منع الشعب من التقاضي أمام القضاء الفرنسي، وقد استجاب الناس لهذا التحول وفهموا مغزاه وأهميته، فكانت قضاياهم البسيطة تحل عن طريق الأقارب والأصهار، أما قضايا العقار ونحوها فقد أجلت، لقد ظهر التشريع الخاص بالقضاء العسكري في ١٢ أبريل ١٩٥٨ عن طريق لجنة التنسيق والتنفيذ، وكان القضاء قبل ذلك يمارس عن طريق لجان العدل الثورية، وهي اللجان التي طرحت عليها مسائل بسيطة ومسائل متوسطة وأخرى خطيرة، فحمل البريد والحراسة ودفع الاشتراك عد من المسائل البسيطة، وعدم التوقف عن التدخين والإهمال والتراخي في قتل الكلاب عد من المسائل المتوسطة، أما عدم الاستقالة بعد توجيه الإنذار وإفشاء الأسرار للعدو ... فقد عد من المسائل الخطيرة. ويتبين من الدراسة أن هناك مرحلتين لإقامة العدل زمن الثورة: مرحلة ١٩٥٤ - ١٩٥٦ ومرحلة ١٩٥٨ وما بعدها، ففي المرحلة الأولى كانت الثورة منشغلة بالعمل العسكري ولم تعط الجانب السياسي أهمية كبيرة، أما من حيث الهيكلة فالقضاء عرف المنازعات التي يكون المجاهد طرفا فيها، وهذه تحال

стр. 4956

على القائد مسؤول الفوج، والمنازعات بين المواطنين أنفسهم وهذه وجدت حلها بين مسؤول الفوج ومسؤول الدشرة، أما القضاء في المرحلة الثانية فقد انتظم، كما سبق، بعد مؤتمر الصومام في شكل مجالس شعبية منتخبة مهمتها التموين والسياسة والإعلام والأمن، بالإضافة إلى لجان شعبية أخرى تهتم بمختلف النواحي، وهذا كله كان قبل التشريع الذي صدر عن لجنة التنسيق والتنفيذ في أبريل ١٩٥٨ (١). مقاصد القرآن كتاب لمحمد الصالح الصديق صدر عشية الثورة، وتناول مقاصد الشريعة، وفيه ثقافة دينية واجتماعية عميقة، وقد تولى صاحبه مهمات حساسة في الثورة سواء داخل الجزائر أو خارجها، ووقع ما جاء في كتابه على واقع الأمور، وقد استقبل النقاد والمراجعون الكتاب بالثناء على صاحبه وبالتنويه بفائدته، والشيخ الصديق من الذين تخرجوا من الزيتونة وتمتعوا بثقافة أدبية ودينية وتاريخية عالية، وقبل المقاصد كان قد أصدر (أدباء التحصيل)، طبع المقاصد في المطبعة العربية بالعاصمة سنة ١٩٥٦، وكتب عنه الشيخ حمزة بوكوشة في البصائر بالعدد ٣٥٩ على أنه الجزء الأول من كتاب قيم، وعرف به أيضا الشيخ محمد منيع فمدحه بإتقان التحقيق والتدقيق في البحث واعتبر الكتاب مفخرة للجزائر، وأنه كتاب يدرس القرآن الكريم ويستخرج أحكامه، وأنه خدم به الوطن والأمة (٢). وفي نظر مولود الطياب أن المؤلف قد يكون سبقه السلف في الموضوع ولكن الاجتهاد وارد، غير أن الطياب استدرك بأنه لا اجتهاد مع العقائد ومعنى الدين، وأن ما يحمد للصديق أنه عالج مواضيع بأسلوب شيق، وجمع بين

стр. 4957

الثقافة الدينية والأدبية، وتمنى أن يتناول المؤلف مستقبلا الحياة اليومية لأن فيها مجالا للحديث عن رسالة الإسلام الإنسانية وعدالته الديموةراطية (١). آيات وأحاديث كتاب صنفه جلول البدوي، وقيل عنه إنه كتاب ديني مدرسي. ويبدو من عنوانه أنه كتاب تعليمي موجه إلى تلاميذ المغرب في عهد الاستقلال (٢). تفسير الشيخ بيوض حياة الشيخ إبراهيم بيوض مبسوطة في عدد من المؤلفات العامة، وأهمها ما كتبه عنه محمد ناصر، ولد بالقرارة (بني ميزاب) سنة ١٨٩٩ وأنشأ معهد الحياة فيها ومارس التعليم فيه وأداره، وقام بإرسال البعثات الطلابية إلى تونس وغيرها، وتولى القيادة الروحية في المنطقة برئاسته لمجلس العزابة ثم لمجلس عمي سعيد، كما تولى القيادة العلمية والثقافية ودخل عضوا في جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، وغرضنا هو النظر في إنتاجه الديني في عهد الثورة، فقد كان للشيخ باع في التأليف أيضا، ابتدأ الشيخ منذ ١٩٣٥ يفسر القرآن الكريم بطريقة علمية إصلاحية متأثرا، كما قال محمد ناصر بمنهج الشيخ محمد عبده في تفسير المنار، وقد كرس الشيخ بيوض حياته لهذا التفسير حتى أتمه سنة ١٩٨٠، ويمتاز أسلوبه بالتحليل وتبسيط المسائل اقترابا من عقل القارى المعاصر، قائلا عن منهجه (جعلت كتاب الله عمدتي في الدعوة إلى الله، وكنت حربا على الاستعمار) (٣). وبالإضافة إلى تفسير القرآن شرح الشيخ كتاب (فتح الباري) في الحديث

стр. 4958

الشريف لابن حجر الذي ابتدأه سنة ١٩٣١، وانتهى منه سنة ١٩٤٥ - وقد احتفل بختمه للقرآن الكريم احتفالا رسميا، وأدركته الوفاة ١٤ يناير ١٩٨١. وللشيخ بيوض جولات مع الاستعمار تحدث عنها بالتفصيل محمد ناصر. ومما يذكر أن الشيخ كان أحد أعضاء الهيئة التنفيذية التي تولت تسيير شؤون الجزائر بين إعلان وقف إطلاق النار وإعلان الاستقلال، متوليا فيها الشؤون الثقافية والتعليمية، وربما يكون الشيخ بيوض هو الوحيد بين علماء الجزائر الذي استطاع أن يواصل تفسير القرآن وقت الثورة، وربما يذكرنا نضاله في إتمام تفسيره نضال سلفه محمد بن يوسف أطفيش (القطب) قبله بأقل من قرن (١). في طريق الهجرة عرفنا أن مالك وارى أديب وصحفي من أدباء فترة الخمسينات، وله إنتاج شعري وقصصي، فقد كان من المساهمين المواظبين في مجلة هنا الجزائر، قام ومرافقه محرر القسم العربي بالإذاعة بزيارة لعدد من المدن الفرنسية واللقاء مع المغتربين الجزائريين، وبعد شهرين كتبا تحقيقا أذيع في الإذاعة الفرنسية بالجزائر، ثم قرر مالك واري نشر التحقيق في كتاب بعنوان (في مسالك الهجرة) تعميما للفائدة وإطلاع من يهمه شأن هجرة الجزائريين إلى فرنسا، في الكتاب حديث عن الحالة النفسية للمغتربين وعن آمالهم ونجاح بعضهم وخيبة آمال الآخرين منهم، وذكاء البعض وسذاجة الباقي، وهو كتاب يذكرنا بأكباش إدريس الشرايبي وغيره من أدباء شمال إفريقيا الذين تناولوا قضية وربما مأساة المهاجرين، وللتحقيق قيمة أدبية أيضا فهو غير مكتوب بأسلوب صحفي فقط بل فيه لمسات شعرية وفلسفية وإنسانية، وكان صاحبه دقيقا في تعبيره، حسب الناقد مولود الطياب. ولا غرو في ذلك فمالك واري من مثقفي مرحلته، تلقى تعليمه الأبتدائي

стр. 4959

في مسقط رأسه إيغيل علي، ثم تعليمه الثانوي والعالي في العاصمة، وجمع أشعارا وقصصا شعبية قبائلية وترجمها إلى الفرنسية ونشرها في بعض المجلات، ومنها (هنا الجزائر)، وبعد الحرب العالمية الثانية دخل الإذاعة العربية التابعة لإذاعة فرنسا، وأصبح فيها من المحررين كما كان من المعتمدين، في المجلس الجزائري، وله كما قلنا أعمال أدبية منها قصة بعنوان (الحب في الرحا) و (عيشوش الجلابية أميرة تقرت)، وكل أعماله كتبت بالفرنسية، وقد راجع أحدهم كتاب مالك واري في القسم الفرنسي من مجلة هنا الجزائر، وهذه المراجعة تحتوي على تفصيل محتوى الكتاب، مع صورة للمؤلف (١). أما أحمد توفيق المدني فقد راجع الكتاب في البصائر بعد إهداء المؤلف كتابه إليها، ومن رأي المدني أن واري خبير في شؤون الهجرة وأنه انتبه إليها منذ الصغر عندما كان ما يزال في سقط رأسه حين لاحظ أن زملاءه في الدراسة يغادرون قريتهم إلى فرنسا للعمل، ولذلك عول على زيارتهم والاطلاع على أحوال غربتهم وأسباب هجرتهم، وهكذا زارهم سنة ١٩٥٣ في أهم المدن التي يتواجدون فيها بفرنسا وخرج بكتابه المذكور عنهم، وقد لاحظ واري أن الهجرة أثرت في عدد كبير من الأمر حتى اضطرت إلى الالتحاق بعائليها لكي تعيش في الغربة أيضا، وكان المدني يعرف واري شخصيا وقد أسماه (الكاتب القدير والصحافي الشهير وصديقنا) (٢). رسائل من السجن كتب أحمد طالب الإبراهيمي هذه الرسائل بالفرنسية وهو في السجن ثم ترجمت إلى العربية بأسلوب راق بقلم الصادق مازيغ وتقديم رينيه حبشي أحد الذين راسلهم المؤلف، كما أن أحمد طالب كتب مقدمة للترجمة العربية سنة ١٩٦٦ عندما كان على رأس وزارة التربية الوطنية، أي بعد انقلاب ١٩٦٥

стр. 4960

بحوالي ستة أشهر، ومحتوى الكتاب عبارة عن رسائل كتبها المؤلف أثناء سجنه بفرنسا، حيث تنقل على الأقل بين سجنين من أول مارس ١٩٥٧ إلى ٢ سبتمبر ١٩٦١، والمعروف أن أحمد طالب كان طالبا في فرنسا عندما قامت الثورة في الجزائر، وكان من مؤسسي (الاتحاد العام للطلبة المسلمين الجزائريين) في ١٩٥٥ وأسندت إليه رئاسته لمدة عام على حد علمنا، وكان وهو طالب يساهم في تحرير جريدة (الشاب المسلم) التي أنشأتها جمعية العلماء باللغة الفرنسية لمخاطبة المثقفين الجزائريين بهذه اللغة. بدأ الكاتب رسائله بأخيه ثم انصرف إلى المناضلين الجزائريين بدون تحديد، مستعملا عبارة (إلى مناضل جزائري)، ومنها رسائل إلى أعلام معروفين، وإلى علماء وكتاب ورجال دين وفلاسفة وقادة، مثل ريني حبشي. وماكسيم رودنسون، وجاك بيرك، وألبير كامو، وحيدر بمات، وهكذا فالرسائل تشمل الإفريقي والأوروبي والآسيوي، والجزائري والفرنسي، وأثناء تصفحي للكتاب لفتت نظري رسالة بتاريخ ٦ أغسطس ١٩٦٠، أي عقب انتهاء المؤتمر الرابع للطلبة المسلمين الجزائريين في تونس (بئر الباي)، وهو المؤتمر الذي حضرته ممثلا لفرع الاتحاد بالقاهرة، والرسالة موجهة إلى حرف (م) الذي لعله مسعود آيت شعلال الذي أعاد المؤتمر انتخابه رئيسا، ومهما كان الأمر فقد هنأه أحمد طالب بنجاح المؤتمر بناء على مقال قرأه في جريدة (لوموند) يوم ٤ أغسطس، واستغرب كيف لم يتعرص المؤتمر إلى انتساب الجزائر إلى العروبة والإسلام (وهو التعبير العزيز على والده) بينما تعرض كريم بلقاسم إلى ذلك في تصريح صرح به أصالة عن الحكومة المؤقتة. واستمر أحمد طالب في نقده لبعض نتائج المؤتمر فقال إنه ليس من حق الاتحاد ملازمة الصمت إزاء هذه القضية لأن الثقافة هي مجال نشاط الاتحاد و (لا مفر من أن يكون لعروبتنا محتوى ثقافي في جوهره)، وأضاف أنه يسلم أن الصمت لم يكن شاملا، ونصح أحمد طالب الاتحاد في هذه المرحلة بالاهتمام بأمرين الأول تكوين الإطارات (وهو ما تفعلونه) وضبط محتوى

стр. 4961

للثقافة الجزائرية، وهو ما يحتاج إلى المزيد من جهودكم، ومما يؤسف أنكم تتركون المبادرة لسواكم) (١). ليل الاستعمار هذا الكتاب ألفه فرحات عباس في سبتمبر ١٩٦٠ أو ربما بعد عزله عن الحكومة المؤقتة، ولكنه لم ينشره في حينه ربما لأنه كان يعكس وجهة نظر شخصية بينما الثورة كانت تسير وفق الروح الجماعية، أما نشره فقد حصل بعد وقف القتال، وكان الجرح في نظره قد التأم، والكتاب عبارة عن عجالة تاريخية ضد الاستعمار الفرنسي في الجزائر ابتداء من سنة ١٨٣٠، ألفه كما قال إنسان مستعمر، ومع ذلك بقي متمسكا بأصوله وأجداده، ولكنه لا ينكر (فضل) فرنسا وأوروبا في بث الحضارة، كما أنه لا يعتبر كتابه تاريخا لأن ذلك من اختصاص المؤرخين - إذن ماذا؟ إنه صفحة إدانة وعرض لما جرى من علاقات ومعاملات غير متساوية (عنصرية) بين الجزائريين والفرنسيين، إنه (شهادة في نظر صاحبه، نزيهة مجردة من كل حقد وضغينة فيما يهم وطنه)، ولذلك لم نتناوله في كتب التاريخ. وقد تعهد المؤلف أن يشرح لأبناء وطنه من الشباب الأسباب التي حدت به وبأمثاله إلى الثورة المسلحة بدل الوسائل السلمية والسياسية، للقضاء على (خرافة الجزائر فرنسية)، وهو يعتبر أن ذلك يخدم البلدين (الجزائر وفرنسا) معا، مستشهدا بمقولة (جان جوريس): إن الشجاعة هي البحث عن الحقيقة والجهر بها، وقد نوه عباس بفضل الثورة الجزائرية على المستعمرات الأخرى لأنها تحملت العبء الأكبر من التضحيات لتحطيم التنين الاستعماري، ولا سيما المغرب وتونس، ولولا الثورة الجزائرية لما تلفظ مسؤول فرنسي بكلمة استقلال. من أقسام كتاب (ليل الاستعمار) هذه العناوين: ما وراء الحركة الفرنسية.

стр. 4962

مائة وثلاثون سنة من التقتيل والقوانين العنصرية في الجزائر، الثورة بالقانون أمر مستحيل أو تجربة جيل المؤلف، وأخيرا من العمل السري إلى تكوين جبهة التحرير الوطني إلى الجهاد في سبيل الاستقلال. صحراؤنا في غمرة التجارب النووية الفرنسية في الصحراء الجزائرية، وعقب استقلال تونس والمغرب، وعند بدء الحديث عن البترول وجمهورية الصحراء ونحو ذلك من المشاريع الاستعمارية الضخمة وأطماع الطامعين - قام محمد الميلي الذي كان من أبرز إعلاميي الثورة عندئذ، بتأليف كتاب صغير الحجم كبير الفائدة في وقته، كتبه بأسلوب صحفي شيق عنوانه (صحراؤنا) تحدث فيه عن الصحراء تاريخا وسكانا وآثارا، ثم عن المشاريع الاقتصادية الفرنسية والأجنبية عموما وعن الشركات الطامعة في استغلال بترول الصحراء ومشتقاته وتعقيداته في الوقت الذي كانت فيه الثورة على أشدها، والفكرة الرئيسية في الكتاب هي كشف المخططات الاستعمارية، والدعوة إلى الاستفادة من ثروات الصحراء في نطاق المغرب العربي وإفريقيا (١). الجزائر: الأمة والمجتمع (٢) كتاب ملي بالأفكار ألفه مصطفى الأشرف من مجموع بحوث نشرها خلال الخمسينات ما عدا بعضا نشره خلال الفترة الانتقالية أو بعد الاستقلال، وقد قامت بحوث الأشرف على استنطاق التاريخ من كتب ووثائق الفرنسيين أنفسهم، كما تتبع تفاعل البيئة الوطنية مع الاحتلال في المدن والأرياف، فكان كل بحث يثير الكثير من الجدل كما يثير المقارنات مع ما يجري اليوم في العالم من انتهاكات تقوم بها الدول الكبرى لا لشيء إلا لأنها كبرى، أما تفسير الأشرف

стр. 4963

للأحداث التاريخية والعلاقات الاجتماعية فهو التفسير الماركسي - الوطني. وهذه عناوين البحوث الرئيسية (ولا نرى داعيا لذكر تواريخ نشرها): بين الاستعمار والإقطاعية، والوطنية في البوادي والأرياف، والجوانب النفسية في الغزو الاستعماري، ومسيرة الجزائر إلى الحرية، ومسيرة القومية التحريرية إلى الوحدة، والاتجاه الثوري في المدن، وتنظيم المقاومة والكفاح، والخط الثابت في سلوك الاستعمار سياسيا وعسكريا، ١٨٣٠ - ١٩٦٠، والجوانب المجهولة من الثورة الجزائرية، والجزائر المستقلة من النكسة إلى الوحدة، ووقائع وآفاق ثورية، ونظرات اجتماعية حول الحركة القومية والثقافة في الجزائر، ومعظم البحوث منشورة في الأزمنة الحديثة التي يصدرها جان بول سارتر، وهناك بحث منشور في مجلة الحضور الإفريقي. الطب والصحة العامة لم تظهر كتب في علمنا عن الصحة العامة والنشاط الطبي خلال الثورة. حقيقة أن هناك دراسات طبية وصحية سواء في الأرشيف أو المجلات، وهناك أطباء جزائريون انضموا للثورة وساهموا فيها وهم أصحاب اختصاص أو هم طلاب، ومنهم الدكتور ابن زرجب والدكتور دباغين والدكتور فرنسيس والدكتور هدام وأحمد طالب والأمين خان والعقيد حسن، وعشرات غيرهم كانوا في الميدان السياسي أو في ميدان المعركة نفسها، ولا نعرف أن هؤلاء أو بعضهم كتبوا تجاربهم بعد الثورة أيضا ما عدا جمال الدين بن سالم. انظروا أسلحتنا! انظروا أطباءنا ! هذا كتاب جمع فيه مؤلفه تجربته كطبيب مناضل في جيش التحرير في الولاية الثالثة خلال الثورة، نشأ جمال بن سالم في بوسعادة وسطيف حيث تلقى التعليم الابتدائي والثانوي، ثم واصل دراسته في الطب بجامعة مونبلييه في فرنسا، وكانت له ثقافة سياسية قبل التحاقه بفرنسا لأن والده الدكتور عيسى بن

стр. 4964

سالم، كان عضوا في حزب البيان ونائبا في المجلس الجزائري، وكان من النواب الواحد والستين الذين استقالوا دفعة واحدة من المجلس بعد أن لم يعودوا يمثلون إلا أنفسهم، وقد التحق الوالد بعد ذلك بتونس حيث مارس الطب في مستشفى الحبيب تامر إلى انتهاء الثورة. في الصيف كان جمال يأتي إلى الجزائر لزيارة الأهل فيخوض فيما يخوضون ويتبادل الرأي معهم فيما يجري في الجزائر وفرنسا، كان الطلبة في الواجهة، وخصوصا بعد ١٩٥٥، وعليهم أن يقرروا موقفهم من الثورة، فقد أسسوا الاتحاد العام، ثم قرروا الإضراب عن الدراسة والامتحانات في مايو ١٩٥٦، ماذا يفعلون بعد ذلك؟ التحق بعضهم بالثورة مباشرة، وآخرون بتونس أو المغرب أو البلدان الأوروبية لمواصلة الدراسة، ولكن آخرين كان عليهم أن يلتحقوا بجيش التحرير ويصبحوا من الكوادر الطبية. كان جمال عندئذ في السنة الثانية رفقة محمد خميستي رئيس فرع الاتحاد العام للطلبة في مونبلييه ورئيس الاتحاد قبل اعتقاله، تعلم جمال مبادى الجراحة في البرج صيف ١٩٥٥ عند زيارته العائلية، وبنصيحة من والده سمح له الطبيب الجراح (قرانج) بممارسة مبادى الجراحة، وفي هذا الصيف أيضا حدثت أحداث شهر أغسطس (أوت) المعروفة في سكيكدة فكانت موضع الحديث بينه وبين زملائه، وقد انضم إليهم المسؤول السياسي في البرج، وكانت الشائعات تروج حول أعمال الجبهة وحاجتها إلى الممرضين والأطباء، وعن الحركة المصالية، وجماعة مكافحي الحرية الشيوعية، جاء جمال إلى تونس على ظهر سفينة من مرسيليا، كان ذلك في نهاية شهر ديسمبر ١٩٥٦ بعد أن تبين أن دورة أكتوبر قد انتهت بدون امتحانات، التحق بأبويه اللذين سكنا في سيدي بوسعيد، وانضم إلى جبهة وجيش التحرير، كان أحمد محاس هو ممثل الجبهة في تونس، أما ما يتعلق بالطب فقد كان تحت إشراف الدكتور محمد نقاش، في تونس عوضت الكوادر الطبية الجزائرية عندئذ الكوادر الفرنسية، وقد وجد الجزائريون ترحيبا خاصا من أهل تونس.

стр. 4965

وأثناء وجوده في تونس كان جمال يمارس الطب مع الدكتور العقبي في مستشفى سوسة، بعض الوقت، وفي تونس العاصمة التقى بالعقيد عميروش، ووقع تعيينه في الولاية الثالثة، فدخلها في سيارة مغطاة، مع ستة من الطلبة خمسة منهم في الطب وسادسهم في الرياضيات، فمروا بساقية سيدي يوسف ثم سوق أهراس ومنها إلى قلعة بني عباس. في الولاية الثالثة اشتغل جمال بن سالم في المنطقة الأولى مع الضابط سي حميمي، كان ذلك بطلب من القائد عميروش نفسه، استعان ابن سالم لاستحضار ذكرياته بعناصر من جيش التحرير الأحياء خصوصا سي حميمي (حامد دهيل)، وهو يعتبر كتابه هذا من نوع (الكرونيك) أو ثبتا بالأحداث التي عاشها بين ١٩٥٤ - ١٩٦٢، وأهداه إلى زملائه المكافحين، تلاميذ الثانويات، وطلاب الجامعات الذين التحقوا - رغم أنهم لم يكملوا دراستهم وكانوا يجهلون الأمكنة وظروف العيش في الجبال - ليكافحوا إلى جانب أهل الريف ضد عدو يفوقهم عددا وعدة، وبعض هؤلاء الطلاب - مثل ابن سالم نفسه - كانوا قبل ذلك منعمين يعيشون عيشة راضية، وكان أبوه متزوجا من عائلة تامزالي الغنية. لا شك أنه لم يكن وحده عندما شعر وهو في الميدان أنه خير وريث للحضارة العربية الإسلامية وخير معبر عن صوت الأجداد، وأنه هو وزملاؤه قد رفعوا التحدي في وجه الاستعمار باسم: المفاوضات هي الحرب، وقد ذكر أنه عندما كان في مونبلييه كان يعرف أنه في كلية أنشئت أصلا من أجل الطب العربي حيث كان يتردد عدد من طلاب العالم، واعتبر ذلك تكريما للإسلام، وكان عدد الطلبة الجزائريين في جامعة مونبلييه كبيرا نسبيا حتى أن اثنين منهم أصبحا عضوين في مكتب الجمعية العامة للطلبة. أما محتوى الكتاب فهو مقسم إلى قسمين: الأول فيه هذه أسلحتنا وهؤلاء أطباؤنا، والثاني قمة سي حميمي، والواقع أن القسم الأول هو الأكبر حجما (ص ٧ - ٢٤٧)، أما القسم الثاني فيضم من (ص ٢٤٩ - ٢٨٩)، ومن

стр. 4966

فصول القسم الأول المواضيع التالية: طبيب جيش التحرير، كوكبة من السلاح والأطباء، مجلس المنطقة، مجلس الولاية، أسرى الحرب، معسكرات الاعتقال (١). عن تاريخ الطب أما إذا رجعنا إلى الجانب التاريخي فإننا نجد نور الدين عبد القادر قد ترجم لحياة عمر الخيام (الجانب الطبي منه)، وأرجوزة ابن سينا في الطب مع الطبيب الفرنسي هنري جاهيي H.Jahier وقد نشرت الدراسة عن الأرجوزة في باريس ١٩٥٤، ثم قدمها نور الدين في مجلة هنا الجزائر (٢). وفي هنا الجزائر أيضا قام نور الدين بترجمة (الطبيب الشيخ ابن حمادوش) كما سماه، وهو عبد الرزاق صاحب رحلة لسان المقال التي حققنا جزأها الثاني، وقاموس العقاقير إلخ، وقد رجع نور الدين في هذه الترجمة لعدة مصادر، منها ابن سينا والأنطاكي والحفناوي وابن البيطار، وذكر من كتب ابن حمادوش كتاب تعديل المزاج وكشف الرموز أيضا، وقال إن الأول يقع في نحو أربعين صفحة، وأما الثاني فهو مطبوع متداول، وإن ابن حمادوش قد توفي في آخر القرن الثاني عشر للهجرة عن نحو ثمانين سنة، ولاحظ نور الدين أن الأدوية التي دونها ابن حمادوش هي التي كان يتداوى بها أهل الجزائر، وأنها معروفة اليوم (وقته) عند العشابين، وإن ابن حمادوش كان يداوي الناس من الحمى، وسمع أن له رحلة إلى الأقطار المشرقية ولكن نسخها قليلة جدا، وإن له تقاييد عن تاريخ مدينة الجزائر، ولا ندري مدى اسفادة الناس في الميدان من قاموس ابن حمادوش وأعشابه وأدويته أثناء الثورة (٣).

стр. 4967

شارك أحد الجزائريين، وهو الشيخ أحمد بن حمودة في مؤتمر عن ابن سينا بطهران سنة ١٩٥٥، وقدم هذا الجزائري (وهو مدرس سابق بمعهد الدراسات الإسلامية بالجزائر) بحثا عنوانه (مختصر علم الهيئة) لابن سينا، وقد شارك ابن حمودة (باسم الجزائر) رغم أن الجزائر ليست دولة، وكان عدد الدول المشاركة في المؤتمر ٢٦ دولة، بيتما تحدث آخرون عن ابن سينا الفيلسوف والطبيب والأديب بمناسبة ذكراه الألفية، وقد أخبر ابن حمودة أن لمختصر علم الهيئة نسختين إحداهما في الجزائر والأخرى في المتحف البريطاني، وتحصل على نسخة من كل منهما، ثم حلل الكتاب بناء على الرسوم الثمانية التي رسمها ابن سينا للعالم بناء على أن الأفلاك تسعة، وأكد ابن حمودة أن الكتاب رغم عنوانه، غير مختص بعلم الهيئة بل يشمل أخبار الفلسفة والطب والهندمة والجغرافيا الطبيعية، وكان ابن سينا قد اعتمد فيه على كتاب المجسطي (بطليموس)، وجاء ابن حمودة بخلاصة كتاب بطليموس وهي تقول بنظرية مركزية الشمس وبرأي كوبرنيك التي تقول إن للشمس حركات عديدة منها الحركة الدورانية الدائمة واليومين والحركة الانتقالية السنوية، ومهما كان الأمر فإن هذا النشاط العلمي كان خارج نطاق الثورة عندئذ (١). وثائق عن الطب في الأرشيف عثرنا في الأرشيف عن دراسة موثقة عن الصحة العامة بناء على مصادر مختلفة، منها تقارير الأمم المتحدة، ونعني بذلك الوضع الصحي في الجزائر سنة ١٩٥٧: المستشفيات وأنواع المرض الشائعة، وأدويتها، والصيدليات، وتناولت الدراسة وضع خطة وطنية للصحة، وإعداد قاعدة مبادئها وتنظيمها ووسائلها وموظفيها، ولكن التقرير لا يتحدث عن الثورة والأطباء فيها إلا قليلا، من ذلك قوله: نظمت الأمور الصحية بالتدرج من قبل مصالح جيش التحرير بالتنسيق مع وضع شبكة سياسية وعسكرية وإدارية في كل الولايات، وفي سنة

стр. 4968

١٩٥٦ كانت مصلحة الصحة للثورة تستطيع معالجة المناضلين في المستشفيات، ومن بين ما أشارت إليه الدراسة هو التقرير الطبي للمؤتمر الذي انعقد في مدينة تيارت سنة ١٩٥٩، ويبدو أن هناك لبسا في التاريخيين المذكورين (١). بمناسبة إحياء الذكرى ٣٢ لميلاد العالم الفرنسي (باستور) قامت مجلة هنا الجزائر بتلخيص ما قام به المعهد من أعمال في الجزائر، ولهذه الخلاصة جانب تاريخي نتركه الآن، وأما الجانب العملي فإنه تمثل فيما يلي: ١ - اكتشاف نقل القمل للأمراض ولا سيما الحمى المزمنة، وإن التيفوس موجود في القملة نفسها، وبداية استعمال غبار د، د، ت لقتل القمل. ٢ - النجاح في علاج مرض السل عن طريق ب. س. ج. ٣ - عرف مرض (القرع) وأسبابه. ٤ - أمراض العين. ٥ - اختراع مصل لعلاج سم العقرب. ٦ - أمراض الإبل من الذباب والماشية، وكذلك مرض بيوض النخلة وتأثير الحشرات والبعوض على النباتات، وعلاج ذلك. وقام معهد باستور بمحاضرات عن حمى المستنقعات (٢). وحول النشاط الطبي أيضا انعقد المؤتمر السابع والعشرون للأطباء العرب في دمشق سنة ١٩٥٩ وشارك فيه وفد جزائري برئاسة الدكتور علي مرداسي، وقدم الوفد تقريرا عن وضع اللاجئين الجزائريين في المحتشدات وحرمانهم من وسائل الصحة، وفي النهاية أصدر المؤتمر لائحة حول الجزائر طالبت منظمات الصليب الأحمر والهلال الأحمر في العالم بالسعي لوضع حد لمعسكرات الاحتشاد والعمل على احترام ميثاق جنيف لإطلاق سراح الأطباء والصيادلة

стр. 4969

والممرضين الجزائريين الموقوفين، وإبداء تضامن الأطباء المجتمعين مع الشعب الجزائري، وقد أشادت المجاهد بدور سوريا في مساندة الجزائر ودور الروح العربية والعروبة وسخاء سوريا نحو الجزائر سيما عند انعقاد أسبوع التضامن مع الجزائر (١). اقترح برنامج الصومام خطة لتنظيم المصالح الصحية تشمل: - جراحين وأطباء وصيادلة ليكونوا على اتصال بعمال المستشفيات. - تنظيم العلاج والحصول على الأدوية والضمادات. - إقامة عيادات في الأرياف للإشراف على معالجة المرضى أو من كانوا في دور النقاهة (٢). في تقرير طويل كتب عن الوضع الصحي في الجزائر خلال الثورة جاء وصف لحالة المستشفيات الريفية التي أقامتها الثورة والحاجة إلى الممرضات والنواحي الإيجابية والسلبية في المنظومة الصحية للثورة، فعندما بدأت الثورة عملية فصل السكان عن الإدارة الاستعمارية في مختلف المجالات بدأ طلب السكان للممرضات والممرضين لأنهم أصبحوا نادرين، كانت الممرضات يعملن في المستشفيات الريفية، وكن يمثلن الاحتياطات في التطبيب، فضاعفن من عملهن بالوسائل المتوفرة مع السكان المدنيين الذين رحبوا بهن كنساء لأن التطبب سابقا كان يقوم به الرجال، لقد لعب ممرضات جيش التحرير دورا حاسما في العمل الصحي، ولا سيما في الأرياف، ونتيجة ذلك النشاط ظهر في مختلف الولايات مشكل إقامة المستشفيات في الأرياف للمدنيين، سيما في الولايتين الثالثة والرابعة. وهكذا وضعت ميزانية خاصة لدى الجيش للمساعدات الطبية الاجتماعية تخص السكان المدنيين، وبدأت تنظيمات الثورة تدفع أثمان الدواء والإجلاء

стр. 4970

عن المدن أو عن المستشفيات الفرنسية المدنية، وكان على المصلحة الطبية للجيش أن تعيد تنظيم نفسها من جميع الوجوه، فتأتي بالمتطوعين في التمريض والممرضات السابقات والمعاونات التقنيات، والفتيات، والطلبة الذين أضربوا عن الدروس، فكان هؤلاء جميعا يمثلون الإطارات الجديدة في ميدان الطب والتمريض، وهكذا جاء طلبة الطب والأسنان والصيدلة فكانوا هم المؤطرين والمعلمين في نفس الوقت، وتسهيلا لمهمتهم أنشى منصب (مسؤول الصحة في المنطقة)، وأصبح هناك لا مركزية ومواصلات سريعة في حالة الطوارى من نقطة إلى أخرى بعينها، وكان من مهمة مسؤول الصحة نشر وتقديم النصائح الصحية على مستوى جيش التحرير، وفي المجتمع المدني كان كل مسؤول على الدوار أو المجموعة الريفية من السكان أن يطبق النصائح الطبية لجيش التحرير، وكان أكبر نقص عاناه هذا القطاع هو النقص في المواد الطبية نظرا لحالة الحرب، مثلا هناك فقر في سيارات الإسعاف أو المروحيات لإجلاء مستشفيات تقع في عمق الريف حيث من الصعب ممارسة العمليات الجراحية المستعجلة، بحيث لا توجد إلا الوسائل البدائية (١). وتشير بعض المصادر إلى وجود مستشفيات ودور نقاهة لجيش التحرير خارج الحدود الجزائرية أيضا، فقد روى الشيخ أحمد توفيق المدني أنه كان للجبهة مستشفى في العرائش (المغرب)، وأنه زار المستشفى شخصيا عندما كان وزيرا للثقافة، كما زار دار النقاهة المخصصة لمرضى جيش التحرير بطنجة، وقال إنه كان حول الدار سبعة عشر هكتارا من الأشجار الباسقة (٢). وقد تطوع بعض الطلبة الذين كانوا يدرسون الطب وجعلوا أنفسهم تحت تصرف النظام، فهناك رسالة بعث بها علي بسطة الذي كان طالبا في الطب في

стр. 4971

جامعة باريس أعلن فيها وضع نفسه تحت تصرف جبهة التحرير (١). وقد انعقد مؤتمر طبي في المغرب المستقل سنة ١٩٥٩، ولعله هو الأول من نوعه، حضره أطباء من مختلف أقطار المغرب العربي وافتتحه الملك محمد الخامس، ولا ندري من مثل الجزائر فيه، ولكن يبدو أن الأطباء الجزائريين أخذوا منه درسا في التعامل مستقبلا، وهذه الفكرة طرحتها جريدة المجاهد التي نقلت أخبار المؤتمر. كما انعقد في تونس قريبا من ذلك التاريخ مؤتمر مغاربي خاص بأطباء العيون حضره الدكتور شوقي مصطفاي الذي خطب في جلسة الاختتام، وقال إنه يحمل إلى الأطباء تحيات زملائهم أطباء الجزائر عامة وأطباء العيون خاصة. ولا ندري أيضا هل كان في الوفد الجزائري أعضاء آخرون ومن هم. وهكذا كانت الجزائر حاضرة في الميدان الصحي في داخل الولايات وحاضرة في المؤتمرات والندوات التي تتعلق بالطب على المستوى الخارجي (٢).

стр. 4972

الفهارس العامة ١ - فهرس الأشخاص ٢ - فهرس الأماكن ٣ - فهرس الكتب والمجلات والجرائد ٤ - فهرس الجمعيات والروابط ... ٥ - محتوى الكتاب

стр. 4973

١ - فهرس الأشخاص

стр. 4974

_________ أبو فراس الحمداني: ٥٢٣ أبو يعلى الزواوي: ٣٥، ٥٠ أبو يوسف يعقوب: ٤٢٤ أبو يوسف يوسف: ١٦١ أبي نصر الفارابي: ٦٤٥ ابن إسماعيل: ٥٤٦، ٥٤٩ ابن البيطار: ٦٣١ ابن التركي: ٥٤٦، ٥٤٩ ابن تومي: ١٥١ ابن تومي (سيدة): ٩٨ ابن حجر: ٦٢٣ ابن الحملاوي: ٥٦، ٢٤٦ ابن حورة: ٤٦٦ ابن خليل: ١٥١ ابن الدين: ٥٨ ابن سهلة: ٣٧٨ ابن سينا: ٣٩٨، ٦٣١، ٦٣٢ ابن صالح الزرقاني: ٤٧ ابن قزمان: ٣٦٣ ابن عدة بن زرجب: ١٤٦، ١٤٧، ١٥٣ - ١٥٥، ٣٠٤، ٤٤٣، ٦٢٨ ابن عربية: ١٥١ ابن عيسى سواحي: ١٥٢ ابن كريو: ٥٤٩ ابن مقلة: ٤٣٢ ابن ملحة: ١٥١ ابن مليح: ٨٢ ابن ونيش (سيدة): ٤١ ابن يوسف بن خدة: ١٠٤، ١٠٩، ١١٠، ١١٥، ١١٩، ١٢٢، ١٤١، ٢٥٥ أحريز (سيدة): ١٤٦ أحمد بوروح: ٣٥ أحمد بوده: ٧١، ٢٢٢، ٢٢٣ أحمد بيوض: ٥٦٧، ٥٨٤ أحمد البدوي: ٥٨٧ أحمد بومنجل: ١٢٢، ٢١٦ أحمد بوشمال: ٥٨٤، ٦٣٨ أحمد أمين: ٦٤٥ أحمد الأخضر: ٩٦ أحمد بوضربة: ١٣١ أحمد بلا فريج: ٢٩٧ أحمد بن ذياب: ٢٠٢، ٤٤٠، ٤٤٢، ٤٤٥، ٤٦٨، ٤٩٢، ٥٤١، ٥٤٣، ٤٤٦، ٥٥١ أحمد بن زكري: ٥٦، ٤٥٠، ٥٤٢ أحمد بن عمار: ٤٩، ٣٦٧ أحمد بن القبطان: ٣٦٧ أحمد توفيق المدني: ٢٣، ٢٤، ٥٢، ٥٤، ٧٠، ٧٢، ٩٠، ٩١، ٩٢، ٩٣، ١٣٠، ١٣١، ٢٠٨، ٢٠٩، ٢٢٢، ٢٣٧، ٢٣٨، ٢٣٩، ٢٤٣، ٢٤٦، ٢٥٢، ٢٥٤، ٢٥٥، ٢٥٦، ٢٦٥، ٢٦٦، ٢٧٩، ٢٨٢، ٢٨٧، ٢٨٩، ٢٩١، ٢٩٣، ٣٠٨، ٣٢٠، ٣٢٩، ٤٣٧، ٤٣٨، ٤٤٠، ٤٤١، ٤٤٢، ٤٤٨، ٤٦١، ٥٠٦، ٥٢٧، ٥٥٠، ٥٥٣، ٥٥٩، ٥٦٤، ٥٧٣، ٥٧٥، ٥٧٨، ٥٩٤، ٦٢٤، ٦٣٥، ٦٣٩، ٦٦٨

стр. 4975

_________ أحمد بن بللا: ٢٠٣، ٢٣٧، ٢٥٢، ٢٥٣، ٦٣٧، ٢٥٤، ٥٦٧، ٢٨١، ٢٨٥، ٢٩٥، ٣٩٠ أحمد بن خلوف: ٥٤٦ أحمد بن عاشور: ٤٧٤ أحمد الأكحل: ٦٩، ٢٠٢، ٤٤٢، ٤٤٦، ٤٩٦، ٤٩٢، ٥٤٠، ٥٤١، ٥٤٣، ٥٤٤، ٥٤٦، ٥٥٠، ٥٩٦، ٦٤٥ أحمد حماني: ٣٥، ٣٩ أحمد خطاب: ١٥١ أحمد خليفي: ٣٥٧، ٣٧٢ أحمد دوغان: ٤٩١ أحمد راشدي: ٣٩١ أحمد رضا حوحو: ٤١، ٦٥، ٦٨، ١٤٦، ١٥٣، ١٥٦، ١٧٨، ١٩٨، ٢٨٢، ٢٨٨، ٣٠٤، ٤٢٢، ٤٣٢، ٤٣٨، ٤٤٠، ٤٤١، ٤٤٥، ٤٥٢، ٤٥٣، ٤٦٤، ٤٦٩، ٤٧١، ٤٧٤، ٤٨١، ٤٩٠ أحمد زبانة: ٣٢٨، ٥٠٦، ٥٠٧، ٦٠٣ أحمد زكي أبو شادي: ٢٠٢، ٥٤٦ أحمد سحنون: ٢٣، ٥٤، ٧٣، ١٧٠، ٤٤١، ٤٤٣، ٤، ٨٩، ٤٩٢، ٤٩٤، ٥٥٠، ٥٥٣ أحمد السقاف: ٦٦٠ أحمد سري: ٣٤٧، ٣٧١، ٣٨٠ أحمد السرحاني: ٧٢ أحمد سعيد: ٨٢، ٨٣ أحمد الشامي: ١٨٩ أحمد شقار الثعالبي: ٤٦٧ أحمد الشقيري: ٢٠ أحمد المعطي حجازي: ٢٨٣، ٢٨٨. ٢٨٩، ٦٦٠، ٦٦١ أحمد عروة: ١٥١ أحمد عوات: ٤٠ أحمد علام: ٥٨٧ أحمد الغزاوي: ٦٦١ أحمد فرجاج: ٢٩١ أحمد فرنسيس: ١٢٢، ١٥٢، ٢٤٧، ٢٥٢، ٥٧٦، ٦٢٨، ٦٣٨، ٦٤٧ أحمد فكراش: ٢٧ أحمد وهبي: ٣٧٢، ٣٧٥ أحمد طالب الإبراهيمي: ١٠٨، ١٠٩، ٢٩٨. ٣٠٠، ٤٧٩، ٥٨١، ٦٢٤، ٦٢٦، ٦٢٨ أحمد معاش: ٢٥٠، ٢٥١، ٤٩٢، ٥١٣، ٥٣٥، ٥٣٩ أحمد محساس: ١١٣، ٢٥٣، ٦٢٩ أحمد مظهر: ٦٥٨ أحمد منور: ٤٣٨، ٤٥٤ الأخضر السائحي: ٣٩، ٢٠٢، ٤٩٢، ٥٤٩، ٥٥٠ الأخضر بن طوبال: ١٢٦، ١٣٠ إدريس الشرايبي: ٤٤٥، ٤٦٨، ٦٢٣ إدمون ميشليه: ٦١٢ أديب الشيشكلي: ٥٢٠ أراغون: ١٦٠، ١٧٨، ١٩٠ أرزقي بوزيدة: ٢٣٩ أرزني صالحي: ٢٤٦، ٢٩١ أزواو معمري: ٣٩٧، ٤٠٥، ٤٠٦، ٤١٩، ٤٣٣ إسحاق النديم: ٣٦٨ أسعد بيوض التميمي: ٥٦٢، ٥٦٣، ٥٦٤
следующие страницы →