البعض يقول إن سبب انتقاله يرجع إلى بوادر الحرب العالمية بين فرنسا وألمانيا، في القاهرة التحق الورتلاني بالأزهر الذي وفر له الغطاء كما فعل مع العديد من قيادات العالم الإسلامي سابقا، فأصبح الورتلاني ينشط في حركة الإخوان، ووجد في الشرق مجاله في الخطابة والأضواء، كما وجد الميدان المغاربي فارغا فملأه.
لم يكن هناك أي زعيم سياسي بعد من المغرب العربي في مصر، فلا الخطابي، ولا الفاسي، ولا بورقيبة، ولا الثعالبي، ولا المكي ولا الإبراهيمي
كان في القاهرة عندما حل بها الورثلاني، كان الشيخ الثعالبي يملأ الساحة المشرقية خلال الثلاثينات ولكنه رجع من مصر إلى تونس سنة ١٩٣٧، أي سنة واحدة قبل حلول الورتلاني بمصر، ولم يكن الشيخ أطفيش الرجل المناسب للقيادة عندئذ، ولا حتى الشيخ محمد الخضر حسين الذي جمع بين الأصول الجزائرية والأرومة التونسية، والذي كان رجلا متفرغا للعلم أكثر من السياسة، فكان مجال القيادة في الشؤون المغاربية مفتوحا أمام الورتلاني وحده تقريبا، فأسس هو والشيخ الحسين جبهة الدفاع عن شمال إفريقيا (١٩٤٢) وهي التي مهدت لميلاد مكتب المغرب العربي بزعامة الخطابي سنة ١٩٤٧، كما مهدت أيضا لالتحاق قيادات المغرب العربي بالقاهرة.
لم يكتف الورتلاتي بهذا النشاط الذي شمل التعامل مع الجامعة العربية الجديدة (١٩٤٥)، ونشاط جمعية الشبان المسلمين وحركة الإخوان وإنما صعد سلم الزعامة كخطيب شجاع ومتحدث مؤثر وسياسي داهية، فأرسله الإخوان في مهمة حساسة وخطرة إلى اليمن وغيره، ونتج عن ذلك الشروع في إصلاح الأحوال باليمن ثم حدوث الثورة على الإمام يحيى حميد الدين، وهي الأحداث التي مهدت للثورة اليمنية سنة (١٩٦٢)، وعندما التحق الشيخ الإبراهيمي بالمشرق سنة ١٩٥٢ نسق مع الورتلاتي ما يتعلق بالبعثات الطلابية والعلاقة مع حركة الإخوان، والنهضة الإسلامية، وهي أمور ما زلنا إلى الآن نعرف ظواهرها ولا نعرف بواطنها.
стр. 4902
ولكن كتاب (الجزائر الثائرة) إذا قرئ بتأن يجيب على أسئلة عديدة تلح على الباحثين، فهو كتاب يضم وثائق هامة من الناحية التاريخية تبدأ من ميلاد جبهة الدفاع عن شمال إفريقيا إلى ظهور الكتاب نفسه سنة ١٩٥٦، مرورا بأحداث الثورة المصرية والجزائرية، وكان اسم الفضيل الورتلاني يظهر إلى جانب اسم الشيخ الإبراهيمي في الوثائق الصادرة عن مكتب جمعية العلماء والمتعلقة بتبني الثورة ودعمها شعبيا، ودعوة العالم العربي الإسلامي إلى مساندتها، كما كان اسمه يظهر في المراسلات كالبرقيات والرسائل التي تصدر عن مكتب الجمعية بالقاهرة، وإذا كان الشيخ الإبراهيمي قد جاء إلى مصر عندئذ على كبر وعلى مرض فإن الورتلاني وجد في الإبراهيمي مفتاحا يدير به سياسة الجمعية في المشرق مع الحكومات والمنظمات والشخصيات، ومن الطبيعي أن تثير هذه الشخصية النافذة والمؤثرة حساسية زملائه الذين التحقوا بالقاهرة هاربين من الجزائر بعد حادث بريد وهران واكتشاف المنظمة الخاصة، مثل محمد خيضر وأحمد بن بيلا وحسين آيت أحمد، وأن تتقاطع أحيانا مع نشاط الشاذلي المكي، وأحمد بيوض، وبوجملين هناك، فمن الذي يمثل الجزائر. ومن له الصوت العالي والسمعة الرفيعة، ومن القادر على التأثير في جماهير الشرق وأعيان الشرق، ولولا الثورة المصرية وضباطها الأحرار وإعلان جمال عبد الناصر في (فلسفة الثورة) عن دوائره الثلاث لما استطاع زعيم آخر أن يبز الورتلاني أو يزعزع مكانته كمتحدث باسم الجزائر وجمعية العلماء في المشرق، بل كزعيم من زعماء حركة الإخوان المسلمين.
إن كتاب (الجزائر الثائرة) مجموعة من الوثائق والتصريحات والبيانات والمراسلات غير المنظمة، فهو يشمل مقالات كتبها صاحبه في الصحف، خصوصا: بيروت، المساء، والمنار ... كما يشمل البيانات التي أصدرها مع الإبراهيمي في الثورة وحول الثورة، أو أصدرها وحده، وللكتاب تصدير من عشر صفحات مكتوبة في بيروت في رجب ١٣٧٥ /فبراير ١٩٥٦ وعنوانه (التعاون مقدس والتعارف أقدس) وهو يعني تعارف العرب جميعا، قال
стр. 4903
الورتلاني في التصدير إن جماعة عباد الرحمن (وهي من الإخوان المسلمين التي سهرت على طبع الكتاب) طلبوا منه جمع المقالات التي كتبها في الأيام القريبة ونشرها في الصحف السورية واللبنانية ... فأذن لهم بجمعها ونشرها في كتاب، وقال إنها (بضاعة مطبوخة على عجل) كما طلبوا منه كتابة التصدير لها، وبعد التصدير يأتي مقال عن دوره في انقلاب اليمن ثم مقال: الجزائر تجاهد منذ خمسة قرون ... (١).
وقد قدم للكتاب محمد عمر الداعوق، رائد جماعة عباد الرحمن، وكتب فاتحته رفيق سنو، واشتمل الكتاب على مقابلات تتعلق بالجزائر والمغرب العربي، وهو في بيروت، كما نشر عدة مقابلات ومقالات في جريدتي: الجريدة وبيروت، ويقول في إحدى هذه المقالات إنه (لا وجود للبربر في المغرب العربي لأن البرر تعربوا) وهو رأي يكاد يكون هو رأي الإبراهيمي وابن باديس. ومن مقالاته المنشورة في الكتاب (محنة اللغة العربية في الجزائر)، والورتلاني يحدثنا عن الدين والفرق (جمع فرقة) في المغرب العربي، ومحاربة فرنسا الإسلام علنا في الجزائر، ونريد أسابيع التسلح للجزائر، وبرقيات إلى زعماء المغرب والمشرق العربيين، ودور جمعية العلماء، ونص خطاب الشيخ العربي التبسي في مركز جمعية العلماء يوم ٧ يناير ١٩٥٦، وكتب مفتوحة إلى .. ويقع ما صدر من وثائق عن مكتب جمعية العلماء بالقاهرة من صفحة ١٦٩ إلى صفحة ٢١١ ثم بيان جمعية العلماء عن الجزائر في المؤتمر السنوي يوم ٧ يناير ١٩٥٦، بتوقيع الكاتب العام أحمد توفيق المدني ونائب الرئيس العربي التبسي، وهو البيان التاريخي الذي أعلنت فيه الجمعية دعمها الصريح لجبهة التحرير الوطني.
فكتاب (الجزائر الثائرة) ليس كتابا في التاريخ أو عن التاريخ (رغم ما فيه من إشارات تاريخية) ولكنه كتاب يحتوي على مادة أساسية للمؤرخ، وهي الوثائق، ولا غنى عنه عند كتابة تاريخ الجزائر المعاضر والثورة بالخصوص
стр. 4904
وتاريخ المغرب العربي في المشرق، وعندما كثر التساؤل في الجزائر عن الشيخ الورتلاني ودوره بعد نفيه من مصر على إثر الهمس بالارتباط بالإخوان الذين أصبحوا في نفور مع جمال عبد الناصر، أجابت جريدة البصائر إجابة مقتضبة وغامضة، قالت: إنه في بيروت يدعو للجزائر وقضايا المغرب (العربي) وإنه في صحة جيدة، وهو مستقر هناك، وينشر في أغلب صحف سوريا ولبنان، ويراسل رجال السياسة والحكم (١).
وعندما زار الشيخ العباس بن الشيخ الحسين رئيس جمعية العلماء الشيخ الإبراهيمي في القاهرة ليطلعه على جلية الأمور في الجزائر ويأخذ رأيه في الموقف الذي على الجمعية أن تتخذه من الثورة وما يتصل بها، عرج الشيخ العباس على بيروت والتقى الورتلاني للمشاورة أيضا، ويبدو أن الورتلاني عندئذ (١٩٥٦) كان يعاني من الغربة والنفي والمرض، لأنه قد توفي في تركيا خلال السنة الموالية، وكان ممنوعا من دخول مصر (٢).
تاريخ الجزائر العام
ألف هذا الكتاب الشيخ عبد الرحمن الجيلاني، ولعله هو الكتاب الوحيد الذي اهتم بالتاريخ وسار على منهج تاريخي وانطلق من دافع تاريخي، الشيخ الجيلالي ابن مدرسة الشبيبة الإسلامية، وابن التقاليد الجزائرية العريقة في القصبة وما حولها، سيما تقاليد شيوخ المدرسة الثعالبية من أمثال عبد الحليم بن سماية ومحمد بن شنب، وشيوخ القراءات في الجامع الكبير بالعاصمة، وقد علم وربى أثناء إدارة الشاعر محمد العيد لمدرسة الشبيبة، وظل بعده، وكان كل ما حوله في العين الزرقاء (فونتين بلو) يعبق بالتاريخ عند أبواب مدينة الجزائر القديمة (باب عزون، باب الواد، الباب الجديد ... قصر الجنينة، قصر مصطفى باشا، وحصون المرسى ... وعندما قرر كتابة تاريخ للجزائر كلها كان
стр. 4905
مستوعبا لكل هذه الأماكن وأمثالها في القطر الجزائري كله، فهو لم يكتب تاريخ مدينة ولكنه كتب تاريخ قطر في ضوء التاريخ العربي الإسلامي.
وللشيخ الجيلالي ثقافة عربية وفرنسية وإسلامية عميقة، وله (تفقه) في الدين والدنيا، عمل بالإضافة إلى التعليم في التأليف ومحطة الإذاعة والتلفزيون الفرنسية في الجزائر، وفي مجلة (هنا الجزائر) كما نشر في مجلة الشهاب، وكان يتابع الحركة الإصلاحية ولكنه لم يندمج فيها حسبما نعلم، وله من التآليف غير الكتاب الذي نتناوله ما هو مطبوع مثل (ذكرى الدكتور ابن شنب)، ومسرحية (المولد) النبوي الشريف التي مثلت عدت مرات في وقتها (الخمسينات) في الجزائر وفي غيرها، أما الكتب المخطوطة فمنها (تاريخ الموسيقى العربية) وهو كتاب يبدو هاما في بابه خصوصا وأن المؤلف قد وصفه بأنه (دراسة تاريخية مفصلة في جميع أطوارها وتطوراتها)، ثم مخطوط في (الاستشراق الغربي والثقافة الإسلامية)، ويظهر من عنوانه أنه كتاب ذو قيمة جليلة خصوصا وأن الجيلالي قد عرف نماذج من المستشرقين الفرنسيين في الجزائر، هذه هي المؤلفات المذكورة له عند ظهور الجزء الثاني من تاريخ الجزائر العام (سنة ١٩٥٥)، وقد نشر الشيخ الجيلالي كتبا أخرى ومع ذلك لم ينشر الكتب المعلن عنها، كما أنه توسع في تاريخه بعد ذلك حتى شمل مختلف العصور بما في ذلك فترة الاحتلال الفرنسي، فأصبح الكتاب الآن في عدة أجزاء بدل جزئين.
جاء في الاستهلال أن القطر الجزائري هو (واسطة عقد المغرب العربي منذ العصر الحجري والقديم فيما قبل التاريخ، ثم منذ وجد التاريخ وانتظمه في سلكه ورصفه في ديوانه إلى قرب نهاية القرون الوسطى، أي منتهى دولة الموحدين)، إذن فقد غطى في الجزء الأول العصور السابقة لعصر الموحدين وتوقف عند نهاية هذا العصر، أما الجزء الثاني فقد وصل فيه إلى العصر العثماني ولكنه توقف في وسطه فلا هو انتهى عنده ولا هو انتهى منه، لماذا؟ هل حجم الكتاب هو السبب؟ هل لأنه إذا انتهى منه سيتعرض إلى الحملة الفرنسية
стр. 4906
وأسباب الاحتلال وهو لا يريد ذلك عندئذ؟ لقد انتهى في الجزء الثاني بنهاية عصر الباشوات (١٦٥٧)، وهو يقول عن هذا الجزء إنه جعله (لهواة التاريخ ورواد العلم والمعرفة، وسار فيه على منهج الجزء الأول من وضوح التعبير وسهولة الأسلوب واطراد الفصول وانتظام العرض واستيعاب الجمع وإحكام الوضع وصراحة الحكم، متحاشيا كل انحياز) (١).
ويصف الجيلالى انتقال السلطة من الباشا إلى الآغا على يد الديوان الإنكشاري بطريقة تفهمك أن الحكم العثماني في الجزائر كله قائم على مسألة المال، وهو التفكير الذي يقرره المؤرخون الفرنسيون منذ احتلال الجزائر، فالولاة العثمانيون (الباشوات) وخلفاؤهم من بعدهم لا هم لهم إلا جمع المال من كل وجوهه ثم الرجوع به إلى اسطنبول في نهاية الفترة التي يقضونها في الجزائر، يقول الجيلالي إن الباشا شعر بالاستقلال فاشتغل بشؤونه وجمع الأموال بوسائل الرشوة والسرقة، وكانت السلطة في مجلس الشورى للإنكشارية، فحملوه المسؤولية على الإسراف وسوء استعمال السلطة والتعدي على السفن، لأنه كان يرسل السفن لتعتدي (على من؟) ولتقوم بأعمال القرصنة (ضد من؟)، بل كان الباشا يدفع الأهالي إلى ذلك دفعا، ولم تكن اسطنبول تحس بما يجري في الجزائر، وربما حاول الباشا إخضاع الإنكشارية بالاستعانة عليهم بقبائل البلاد مما أدى إلى الحروب، وأخيرا قرر الديوان سحب رعاية الأموال من الباشا وكلف بها أحد الأغوات، بمساعدة الديوان، وكان ذلك يعني نزع السلطة الفعلية من الباشا، وقد انتهى الجيلالي في هذا الجزء بإبراهيم باشا وهو الذي أخذ منه الأغوات زمام الحكم (٢).
يشتمل الجزء الثاني على خريطتين وأربع لوحات مصورة وبعض
стр. 4907
الجداول، وقد سار فيه على منهج الجزء الأول من تقسيمه إلى فصول ودول، وهو يتناول التاريخ في شكله الشمولي: السياسة والاقتصاد والعسكرية والثقافة والعمران، ويذكر لكل فترة مشاهيرها من العلماء وغيرهم، ولكن فهرسه يدل على أنه تناول الدول الآتية: الدولة الحفصية ومشاهيرها في الجزائر، والدولة المرينية ومشاهيرها، والدولة الزيانية ومشاهيرها، ثم القسم الثالث: أي العهد العثماني ومشاهيره، ويفهم من ذلك أن القسمين الأول والثاني قد عالجهما المؤلف في الجزء الأول، ومن الملاحظ أنه جعل عنوان القسم الثالث: الجزائر (المكافحة)، وهو تعبير عصري لم يكن شائعا في العصر العثماني، أما التعبير الشائع عندئذ فهو الجزائر المحروسة، والجزائر المجاهدة ... وقد ظهر هذا (الكفاح) في الحرب بين إسبانيا والأتراك، وكانت الجزائر في نظر الجيلالي (مكافحة) ضد الأسبان، وقد درس بالطبع الدولة التركية - العثمانية، وعصر البايلرباي، وعصر الباشوات.
ومن أراد أن يعرف رأي الجيلالي في التاريخ عموما وفي تاريخ الجزائر خصوصا فعليه بالرجوع إلى الحديث الذي أعطاه إلى جريدة (المنار) عند صدور الجزء الأول من كتابه (١٩٥٣)، فقد جاء فيه أن دافعه لكتابة تاريخ الجزائر هو غموضه وتشعبه وتشتته، وأنه لم يدرس إلى الآن دراسة واضحة، وأنه أراد تطهيره من هذه العيوب، وأن يظهر أن لهذه الأمة تاريخا ماجدا تفتخر به، وقد شرع في كتابة كتابه مع الحرب العالمية الثانية، أي عند انشغال التاس بالحرب، وكان يعتقد أن حالة الطوارى التي فرضتها الحرب سينتج عنها تغيير في الحياة الاجتماعية، فرغب في التعريف بالجزائر في الغابر والحاضر، أما عن مصادره فقال إنه رجع إلى المخطوطات، كما رجع إلى الكتب الأجنبية فيما قبل الإسلام وإلى الكتب العربية فيما بعد الإسلام، ويبدو أنه قد غير رأيه في تقسيم الكتاب لأنه كان سيضع الجزء الأول في مجلدين ثم ضمه إلى بعضه وجعله مجلدا واحدا، وتوقع للكتاب رواجا واسعا يسدد نفقاته، واعتبر قلة القراء هي السبب في خلو الساحة من حركة التأليف والنشر، ووصف طريقته في التأليف
стр. 4908
بأنها تمتاز بالوضوح والتفاصيل والجمع والتنسيق وهو يعتقد بأنه لم يسبق إليه فيما ألف الباحثون في تاريخ الجزائر (١).
والخلاصة أن الجيلالي كتب فعلا تاريخا للجزائر، وأن منهجه فيه وصفي تاريخي، وقد سار فيه حسب الدول، وأسلوبه فيه واضح وحكيم، ولكن مبرراته غير مقنعة أحيانا، وقد سبقه غيره مثل الميلي والمدني ومحمد بن الأمير عبد القادر، والأخير غطى تاريخ الجزائر في (تحفة الزائر) ولكن باختصار، والمدني كذلك في (كتاب الجزائر)، ووصل الميلي في (تاريخ الجزائر) أيضا إلى العهد العثماني، فما الذي يميز كتاب الجيلالي عن هؤلاء؟ ولماذا لم يبدأ من حيث انتهى بعضهم؟ والحق أن كتاب الجيلالي بعد أن انتهى من أجزائه وتوسع فيه قد تفوق على ما سبقه، ولكنه تضخم في عهد الاستعمار بينما بقي نحيفا بالنسبة للعهود الأخرى، فاختل توازنه بعض الشيء لأنه كتب على مراحل وحسب ظروف سياسية ووطنية متقلبة وليس بناء على مخطط علمي دقيق وصارم منذ البداية.
الأمير عبد القادر رائد الكفاح الجزائري
ظهرت الطبعة الأولى لكتاب الأمير عبد القادر ليحيى بوعزيز في تونس سنة ١٩٥٧، وكان بوعزيز آنذاك طالبا بها، وقد ظهر ميله إلى التاريخ وانتماؤه الوطني بهذا العمل المبكر، الذي جاء وسط المعمعة ليسد فراغا كانت الثورة في حاجة إلى ملئه من باب الدعاية لها والتعريف بشخصية وبطولة الأمير التي كانت عنوانا لبطولة الجزائر، وبالفعل أدى الكتاب دوره المتوقع منه رغم خطابيته وعدم إحاطته بالموضوع، وعند طبعه للمرة الثانية غداة الاستقلال عدل فيه مؤلفه بما رآه صالحا بعد حوالي سبع سنوات من صدوره، أهدى بوعزيز كتابه إلى روح الأمير الذي كافح الفرنسيين سبع عشرة سنة، وإلى الشعب الجزائري
стр. 4909
حفيد الأمير عبد القادر المكافح في سبيل العزة والحرية والإخاء والمساواة والسلام ... وفي مقدمة الطبعة الثانية أيضا ذكر بوعزيز أن الكتاب يمثل دراسة مبسطة لحياة هذا البطل وكفاحه وأحداثه التاريخية ... قائلا إنه أدخل عليه بعض التعديل وحذف منه ما رآه غير لازم، ولم يسعه الوقت حتى في الطبعة الثانية للتوسع والمزيد (١).
لقد كتب بوعزيز الكتاب بمناسبة الذكرى السادسة والسبعين لوفاة الأمير وذكرى ميلاده السادسة والخمسين بعد المائة، وذكرى مبايعته بالإمارة، ووصف الكتاب بأنه جهد متواضع وعرض موجز لتاريخ الأمير الحربي وسيرته القلمية، كما أنه محاولة لعرض حياته في مختلف مراحلها وأطوارها، وقد شبهه في القيادة والقدرة السياسية بشخصية جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده، لكنه اختلف عئهما في أنه قام بالكفاح المسلح، وهو ما لم يفعله الشيخان، واعتبر الأمير من أبطال التاريخ وعظماء الرجال وقادة الفكر، واعترف أن دراسته عنه لم يتوفر لها الوقت الكافي لكي تنضج إذ أنه أعدها في حوالي عشرين يوما فقط! وكان دافعه إلى التأليف في هذا المجال هو إهمال الدارسين لشخصية الأمير (أبو الثورات التحريرية الجزائرية) ومنها ثورة أول نوفمبر ١٩٥٤ التي تعتبر امتدادا لثورته المسلحة، لأن الشعب هو الذي واصلها، وهو عاقد العزم على التخلص من الاستعمار (ص ١١)، ويعود الفضل للأمير في وضع أول دستور لدولة حديثة دامت سبعة عشر عاما، وهي دولة لم يعرف التاريخ العربي الحديث مثلها.
قلنا إن إعداد الدراسة قد تصادف مع إحياء ذكرى وفاة الأمير، كان ذلك على يد جمعية الطلبة الجزائريين التي أحيت الذكرى بالمسرح البلدي في تونس، في مارس ١٩٥٧ وقد حضرت هذه المناسبة شخصيات من جبهة التحرير والعالم العربي، والأمير هو صاحب المقولة (وغايتي القصرى اتحاد الملة المحمدية)
стр. 4910
مما يعني في نظر المؤلف أن الأمير من دعاة وحدة الأمة الإسلامية.
والمنهج الذي اتبعه بوعزيز هو المنهج التاريخي الوصفي، فقد قسم الكتاب إلى أربعة أقسام: الأمير الفتى، وهو في هذا يسرد حياته ونشاطه الفكري، والأمير البطل فيحلل دوره من إنشاء الدولة والسهر عليها، والأمير العالم فيذكر ثقافته وعلمه ومؤلفاته، ثم الأمير الشاعر وفيه يعرض لشاعريته وشعره ويذكر نماذج من هذا الشعر الذي تميز بالفروسية والوصف والزهد، وفي الكتاب قائمة مراجع وبعض الصور.
منذ ألف محمد بن الأمير كتابه (تحفة الزائر) لم يهتم الجزائريون بالأمير وأهملوه تقريبا مدة خمسين سنة أو تزيد، ولم يقتحم ميدان الكتابة عنه إلا اثنان، وكلاهما تناوله باللغة الفرنسية، الأول هو كاتب ياسين الذي كتب عنه دراسة صدرت في كتيب صغير حوالي ١٩٤٨ والشريف ساحلي الذي جعل لكتابه عنوانا فكريا وهو (فارس العقيدة) حوالي ١٩٥٥، والكتاب الأخير من الكتب التي سلطت الضوء على دور الأمير في الفكر والدين والثقافة، ودافعت عن بعض الشائعات التي ألصقت به كدخوله الماسونية، والاستسلام دون مواصلة الكفاح حتى النهاية، وفي تلك الفترة ظهر عن الأمير أيضا كتاب بالإنجليزية عنوانه (صقر الصحراء)، لذلك كان كتاب يحيى بوعزيز أول عمل فيما نعتقد ألف باللغة العربية منذ نشر محمد بن الأمير (تحفة الزائر) سنة ١٩١٣، ورغم اشتغال بوعزيز بالتاريخ دراسة وبحثا وتعليما فإننا لا نعرف أنه قد رجع إلى الأمير ووفاه حقه في كتاب يليق بجهاده الطويل (١).
هذه هي الجزائر
من يعرف الشخ أحمد توفيق المدني يعرف أنه ألف في تاريخ الجزائر قبل الثورة، وكان (معلما) في هذا الباب بحيث أحدث تيارا وطنيا قويا وسط
стр. 4911
الجزائريين منذ نفيه من تونس إلى موطن أجداده سنة ١٩٢٥، فهو صاحب تقويم المنصور، وكتاب الجزائر، والمسلمون في صقلية، وحنبعل، وقرطاجنة، وغيرها، وقد ذكرنا بعضا من هذه التآليف في كتابنا التاريخ الثقافي (جزء ٧).
وحين التحق المدني بالجبهة واستقر في القاهرة سنة ١٩٥٦، كان مقره هو مكتب جمعية العلماء الذي كان الشيخ الإبراهيمي والفضيل الورتلاني يشغلانه، والظاهر أن هذا المكتب قد أصبح منذ ١٩٥٦ مقرا أيضا لجبهة التحرير إذ طالما كان هو وليس مكتب المغرب العربي، محل اجتماع قادة الجبهة واستقبال ضيوفهم، وفيه التقيت شخصيا بعدد منهم، كالشيخ الإبراهيمي، وفرحات عباس، وأحمد فرنسيس، والأمين دباغين .... كما التقيت فيه بالمؤلف نفسه عدة مرات، لقد كنت آتيه فأجده معتكفا على تحرير (هذه هي الجزائر)، أو يتخير له الصور والخرائط، أو يصحح تجاربه (البروفات)، إن توفيق المدني قد ألف هذا الكتاب بطلب من زملائه في الجبهة ومن مؤتمر الخريجين العرب وغيرهم الذين كانوا يريدون معرفة مختصر تاريخ الجزائر من مصدر موثوق ومطلع وبأسلوب عربي سهل يسمح بالإطلاع السريع دون أن يمل قارئه.
انتهى المدني منه في يوليو وصدر عن مكتبة النهضة المصرية سنة ١٩٥٦. وكان الشيخ قد التحق بالقاهرة في شهر أبريل، فيكون قد ألف الكتاب في ظرف شهرين ونصف تقريبا، وقد أهداه (إلى ضحايا الحرية في الجزائر ... إلى الشهداء،) ويظهر هدف التأليف من قول أحمد توفيق المدني: (الأمة الجزائرية والقطر الجزائري اسمان خالدان مقدسان توارثهما الجزائريون الحاليون) وهم عشرة ملايين، ألف الله بين قلوبهم في الكفاح، ومع ذلك فإن العالم العربي والعالم عموما لا يعرف عن الجزائر الشيء الكثير)، ذلك أن الاستعمار الفرنسي قد أقام بينهم وبين العالم الإسلامي والعالم العربي والأمم الحرة حواجز وعراقيل، ومع ذلك لم يستطع فرض إرادته، بل إن الشعب الجزائري هو الذي فرض إرادته، لذلك فإن العالم العربي يريد أن يعرف عن الجزائر وشعبها، وهذا ما يقوم به المؤلف.
стр. 4912
ورغم هذا الهدف الواضح من الكتاب فإن المدني ينفي أن يكون كتابه للدعاية، وإنما هو (تسجيل للواقع وتعريف علمي بالفطر والشعب الجزائري)، فهو يعتمد على الصادق من أنباء التاريخ وعلى الثابت من أرقام الإحصاء، ويصف الحالة الحقيقية كأنها الصورة طبق الأصل فلا مبالغة ولا تهويل) (ص ٧)، وقد ذكر في المقدمة رغبة مؤتمر الخريجين أيضا فقال إن الأستاذ محمد فؤاد جلال رئيس المؤتمر قد أبدى رغبته في تأليف عن الجزائر يستجيب لرغبة عربية وطنية، وتجدر الإشارة إلى أن فؤاد جلال وبعض الأعضاء من مؤتمر الخريجين العرب قد زاروا الجزائر سنة ١٩٥٥ والتقوا فيها بأحمد توفيق المدني وبعدد من أعضاء جمعية العلماء بالجزائر العاصمة (١).
منذ البداية أوضح المدني منهجه فقال إن الكتاب يخدم الثورة موضوعيا دون دعاية ولا تهويل، ومع ذلك فأسلوب الشيخ المدني أسلوب سياسي حماسي، وهو يعتمد المنهج التاريخي في تناوله للمعلومات والإحصاء، وقد بناه على ثلاث مراحل هي: التعريف الجغرافي بالقطر الجزائري، وسكان الجزائر، وتاريخ القطر الجزائري إلى الاحتلال الفرنسي، ثم تحطيم أمة أو سياسة فرنسا الاستعمارية تجاه الجزائر، وبعد ذلك تأتي المقاومة ثم (الثورة الكبرى)، ويتضح من ذلك أن جل الكتاب عن الاحتلال والمقاومة والثورة، وأن ما سبق ذلك هو تعريفات ومداخل وليس دراسات، أي أن هدف الكتاب هو الكشف عن أعمال الاحتلال بالجزائر وكيف ردت الجزائر الفعل، في الكتاب معلومات هامة شخصية، لاسيما تلك التي عاشها المؤلف نفسه في الجزائر، فهي معلومات من نوع المذكرات، وفيها آراء ومواقف بعض المجاهدين، ويبلغ الكتاب ٢٤٧ صفحة من الحجم المتوسط، ومنه نحو ٥١ صفحة عن الثورة، كما يضم بعض المصطلحات مثل التربيعة، وأسماء السلاح، وفيه أول منشور للثورة.
стр. 4913
ساهم الشيخ المدني في تاريخ الثورة بالخطابة والكتابة، عضوا في مؤسسات الثورة ووزيرا وسفيرا لها وممثلا للجزائر في الجامعة العربية، وقد عبر عن ذلك في كتبه اللاحقة، خصوصا مذكراته التي اختار لها عنوان (حياة كفاح)، وقد خصص الجزء الثالث من هذه المذكرات لمرحلة الثورة، ولكن هذا الكتاب خارج عن نطاقنا، كما خص تاريخ الجزائر بعدد من الكتب الهامة سواء عن العهد العثماني أو مرحلة الاستعمار الفرنسي، وهكذا لم يظهر بين الجزائريين مؤرخ يتمثل الثورة ويكتب عنها في هذه الفترة، فباستثناء تاريخ الجزائر للجيلالي وإلى حد ما هذه هي الجزائر للمدني لم يكتب عن الجزائر تاريخ بقلم أحد أبنائها عندئذ.
محاضرات عن تاريخ الجزائر
خلال الثورة ألقى الشيخ البشير الإبراهيمي محاضرات عن تاريخ الجزائر على طلبة معهد البحوث والدراسات العربية بالقاهرة، وقد فصله على مراحل وحلله بأسلوبه الأدبي الراقي الرصين، وأخبرنا فيما بعد أنه جمع تلك المحاضرات وقدمها لمعهد البحوث لطبعها في كتاب وتوزيعها على الطلاب وغيرهم من المهتمين، ولكننا لم نعثر على المحاضرات مطبوعة ولا مخطوطة وإنما رأينا منها صفحات نشرت في الجزء الخامس من آثاره، ولم يذكر أي مصدر حتى الآن أنها قد طبعت في كتاب، والإبراهيمي نفسه هو الذي تمنى في هذه المحاضرات أن يقيض الله للجزائر مؤرخا من أبنائها ليكتب تاريخها الحقيقي بمشاعر المواطن لا بمشاعر الغريب عن الوطن ولو كان متعاطفا مع أهله (١).
стр. 4914
الرحلات
ليس لدينا خلال الثورة رحلة مكتوبة على الطريقة التقليدية التي يتحدث فيها صاحبها عن مشاهداته وملاقاته وما وقع له خلالها كما كان يفعل العلماء المغاربة قديما، فالرحلة بالأسلوب القديم لم يكتبها أي جزائري خلال المراحلة الثورية رغم تنقل الكثير من الأفراد من أجل العمل للثورة نفسها، في إفريقيا والبلاد العربية وآسيا والأمريكيتين وأوربا، لقد حج جزائريون واعتمروا وحضروا مؤتمرات وندوات ودعوا لقضية بلادهم هنا وهناك، ولكننا لم نجد من اغتنم الفرصة وكتب رحلته، ولذلك فإن حديثنا عن (الرحلات) هنا فيه تمحل وتعسف، فنحن نشير فقط إلى تقاييد وإلى مدونات لا تدخل في باب الرحلة إلا تجاوزا، ومن ذلك:
رحلة الشيخ الغسيري
المقصود بها سفرة الشيخ محمد الغسيري إلى المشرق العربي عشية الثورة وهي الرحلة التي عنونها بـ (عدت من الشرق) ونشرها في جريدة البصائر على حلقات بلغت حوالي عشرين حلقة (١).
وأساس هذه الرحلة أن دعوة وجهت إلى الكشافة الإسلامية الجزائرية من الكشافة المصرية فتألف وفد برئاسة الشيخ محمد الغسيري فيه أعضاء من جمعية العلماء ومن حزب البيان وربما غيرهم أيضا، ومنهم فرحات عباس وأحمد فرنسيس، ثم توجهوا إلى مصر، فحضروا الاحتفالات واشتركوا في مختلف الأنشطة والتقوا بعدد من الشخصيات الإسلامية والعربية، ومنهم الشيخان البشير الإبراهيمي والفضيل الورتيلاني، عندما وصل وفد الكشافة إلى القاهرة جاء الإبراهيمي من بيروت لتحيتهم وأقام لهم حفل شاي دعا إليه شخصيات عديدة مذكورة في الرحلة، وخطب فيهم كعادته، وكذلك فعل الورتلاني، كما خطب
стр. 4915
فيهم بعض زعماء الإخوان المسلمين، منهم عبد المعز عبد الستار، وانتهى الحفل بنشيد (شعب الجزائر مسلم) الذي نظمه ابن باديس، وهو النشيد الرسمي لجمعية العلماء، وبعد أن وصف الغسيري أحداث الرحلة ومراحلها بالتفصيل انتهت المهمة ورجع الوفد إلى الجزائر، أما الغسيري فقد اغتنم الفرصة وذهب لأداء فريضة الحج مع الشيخ الإبراهيمي فزاد في وصف رحلته إلى السعودية وأداء مناسك الحج ولقاء شخصيات إسلامية أخرى، وتحدث عن توقفهم في بيروت ونشاطهم السياسي والدعوى والفكري ثم عودته إلى مصر، فالجزائر (١).
فيما يخص مرحلة القاهرة فمكة فبيروت ذكر الغسيري أن الإبراهيمي قد تلقى دعوة من الأمير مسعود الذي أصبح هو نفسه الملك سعود، توجه الغسيري من القاهرة إلى جدة، فكان رفيق الإبراهيمي وتلميذه وكاتبه الخاص، خرجا من مكتب جمعية العلماء بالقاهرة محرمين وودعهم في المطار شباب البعثة الطلابية الجزائرية ومدرسوهم، ثم وصف مناسك الحج والاحتفالات المرافقة في مكة ورجوعه إلى القاهرة، ومما يلاحظ أن الغسيري الذي كان يحس بالاضطهاد والقمع الاستعماري في بلاده اغتنم فرصة وجوده في المدينة المنورة وشكا للرسول ﷺ حاله وحال الإسلام مع النصرانية وضعف المسلمين إزاء الأوربيين في بلاده، شكا له من ضياع الأوقاف وادعاء فرنسا أنها دولة إسلامية ومن انعدام التعليم الديني ... حتى بعد قانون ١٩٤٧ أو ما سمي بدستور الجزائر، وهي مناجاة سياسية مقصودة.
لقد انتهت الرحلة بزيارة الرئيس المصري الجديد اللواء محمد نجيب الذي أحسن استقبالهم وأخذوا معه الصور، وأهداهم صورته، بينما هم أهدوه شعار الكشافة الإسلامية الجزائرية، وأخيرا توجهوا إلى دار الإذاعة المصرية وسجلوا كلمات وأناشيد أذيعت في حينها، تحدث الغسيري عن درس الثلاثاء
стр. 4916
الذي ألقاه الإبراهيمي في نادي الإخوان المسلمين، وعن نشاط مكتب جمعية العلماء بمصر وزواره الذين لا يكاد ينقطع سيلهم، ولاسيما حجاج المغرب العربي، وأعيان الشرق أمثال الحاج أمين الحسيني ومحيي الدين القليبي، وللوفد صور مع الإبراهيمي والحسيني والورتلاني وبعض شيوخ الأزهر، وأخيرا حيا الغسيري من استقبلهم وقدم لهم النصائح وهم في الطريق من قسنطينة إلى المشرق، كما حيا مصر ورجالها ومواقفها في الدفاع عن العروبة والإسلام، ولم تتحدث الرحلة - في الأجزاء التي اطلعنا عليها - عن شخصيات من أمثال الأمير محمد بن عبد الكريم الخطابي ولا عن زعماء مكتب المغرب العربي من أمثال محمد خيضر وأحمد بن بلة والحسين آيت أحمد، فهل كان لعلاقة هؤلاء الباردة بالشيخ الإبراهيمي دخل في السكوت عنهم أو أن نشاطهم كان ما يزال محدودا؟ (١)
في رحلة الغسيري لقطات هامة جديرة برحالة دقيق النظر يتمتع بحاسة لاقطة للناس والأشياء، ولا نستطيع أن نلم بها جميعا هنا ولكننا نذكر هذه المقارنات الموحية، ففي إحدى الحلقات قارن الغسيري بين أهل جبل لبنان وأهل جبل الأطلس: فلاحظ أن الطفل يجد المدرسة في الأول ولا يجدها في الثاني بينما الطبيعة جميلة في الجبلين، واشتكى من أن المسافر المسلم بعد قيام دولة إسرائيل لم يعد يستطيع حتى التحليق فوق فلسطين، بينما اكتفى العرب برفع قضيتها إلى الأمم المتحدة.
وجد الوفد العائد من الحج مع الشيخ الإبراهيمي في استقباله في مطار القاهرة عبد الله الجابر الصباح وزير المعارف الكويتي والجالية الجزائرية وعلى رأسها الورتلاني وطلبة البعثة وأحمد طالب نجل الإبراهيمي وجماعة من علماء الأزهر، وبعد استراحة في مكتب جمعية العلماء توجهوا إلى منزل عبد العزيز العلي، أحد أعيان الكويت، ضيوفا على مائدته، وظلوا أسبوعا في مصر وهم
стр. 4917
من ضيافة إلى أخرى، ولم يسع الغسيري سوى دعوة من استضافوهم لزيارة الجزائر باسم جمعية العلماء وبالخصوص باسم الشيخين العربي التبسي ومحمد خير الدين، نائبي الشيخ الإبراهيمي، اللذين بقيا في الجزائر.
طار الغسيري عائدا من مصر إلى تونس عبر ليبيا (بني غازي فطرابلس ثم إلى مطار العوينة)، ومن تونس أخذ القطار إلى الجزائر فوصل قسنطينة حيث استقبل فيها ضيوفه وأعضاء الكشافة، وقد دامت رحلته شهرين، وهي رحلة يرجع الفضل فيها إلى الكشافة وجمعية العلماء وحكومة الثورة في مصر ثم إلى الملك سعود، لذلك شكر الغسيري هؤلاء جميعا كما شكر الإبراهيمي والورتلاني، أما نص الرحلة فقد كتبه من سكيكدة بعد استقراره بها حيث كان يعلم ويدير مدرسة (١).
رحلة الشيخ الإبراهيمي
رحل الإبراهيمي إلى المشرق في يناير ١٩٥٢ واستمر فيه إلى ما بعد الاستقلال، وخلال أكثر من عشر سنوات تجول في مختلف البلاد العربية وباكستان، وكان نشطا رغم تقدم السن به، كما كان محل عرفان وتقدير من بعض الحكومات العربية والإسلامية ومن علمائها ورجالات الثقافة فيها، وكان نشاطه محصورا في مجالين: الحصول على منح دراسية للطلاب الجزائريين والتعريف بالقضية الجزائرية، ورغم النقد الذي وجه إليه في إهمال شؤون جمعية العلماء بالجزائر (باعتباره رئيسا لها) طول غيابه فإنه استطاع أن يكسب مكانة للجزائر وأن يكسب منحا لطلابها.
كما كان الإبراهيمي نشطا في حركة الإخوان المسلمين الذين كانوا يدعمون قضية الجزائر باعتبارها قضية إسلامية حساسة، كما كان بعض أهل القلم من الإخوان يكتبون في جريدة البصائر التي يشرف عليها الشيخ نفسه، وقد
стр. 4918
ترأس الإبراهيمي عدة مؤتمرات وشارك في بعضها سواء في باكستان أو في غيرها، من ذلك رئاسته المؤتمر الإسلامي أوائل ديسمبر ١٩٥٣، وفي يناير ١٩٥٤ كان في عمان (الأردن) حيث كان من أعضاء لجنة المؤتمر الأخير، وهي لجنة تضم رجالا من أمثال سعيد رمضان أحد زعماء الإخوان وصاحب مجلة (المسلمون)، والشيخ القليببي التونسي وسيد قطب، والورتلاني، وبعض السعوديين، وقابلوا الملك حسين، وكان الإبراهيمي هو الذي تكلم أمامه باسمهم، رغم أننا نعلم من مصادر أخرى أن الإبراهيمي كان لاذع النقد للفرع الهاشمي بالأردن، كما تجول الإبراهيمي والورتلاني في الكويت ودمشق وبغداد، وعنوان هذه الجولة هو (تفقد البعثات الطلابية الجزائرية والعمل لصالح الدعوة الإسلامية) (١).
أما خلال الثورة فقد تجول الإبراهيمي في عواصم عربية وإسلامية عديدة داعيا للقضية الجزائرية، ولكننا لا نجد جولاته مسجلة ما عدا بعض الخطب والبرقيات والرسائل، وهي مذكورة في الجزء الخامس من آثاره، ولو أنه سجل انطباعاته ودون مشاهداته ونشاطه لحصلنا من ذلك على رحلة ضخمة ذات فوائد جمة، ويجب أن نقول إن مقالاته في البصائر تحت عنوان (من نفحات المشرق) تحمل بذورا طيبة من نوع الرحلة المنشود (٢).
رحلة الشيخ التبسي
الشيخ العربي التبسي هو النائب الأول للشيخ الإبراهيمي في جمعية العلماء، وأحد الأعضاء الخطباء والفقهاء العاملين فيها بكل تفان وصدق، وكان قد درس وتخرج من الأزهر سنة ١٩٢٧ تقريبا، وأدى فريضة الحج عشية الثورة
стр. 4919
ومكث في المشرق عدة أسابيع وتجول في مدنه وبعض عواصمه، ولكنه لم يسجل رحلة، حسب علمنا، وقد شارك خلال انتقاله إلى مصر فالحجاز في أنشطة هامة دونها بعض الطلبة، ولو دونها بنفسه لكانت ربما ذات قيمة خاصة، سيما ونحن نعلم أنه عاش في مصر سابقا وله مجال واسع للمقارنة بين ما عرفه في العشرينات وبين ما وجده بعد نحو ثلاثة عقود.
وعلى كل حال فإنه أثناء غياب الإبراهيمي كان التبسي هو الذي يدير شؤون جمعية العلماء في الجزائر وفي أوقات حرجة، وقد اندلعت الثورة وهو الرئيس الفعلي للجمعية، فكان عليه أن يسيرها وسط زعاع وهزات عنيفة، انتهت باستشهاده سنة ١٩٥٧.
سافر الشيخ التبسي إلى مصر بالجو في ٨ يوليو ١٩٥٤، فوجد في استقباله بالقاهرة الشيخين الإبراهيمي والورتلاني والسيد أحمد بيوض (ممثل حزب البيان) والشاذلي المكي (ممثل حزب الشعب)، وجمعا من أعضاء الجالية الجزائرية والبعثة الطلابية وبعض علماء الأزهر، وربما بعض أعضاء الإخوان المسلمين أيضا، وللأسف لا يوجد وصف مفصل عن تنقلاته ومقابلاته ومشاهداته ما عدا ما كتبه السيد البشير كاشة الذي لخص نشاط الشيخ في المدينة المنورة (١).
كان البشير كاشة من طلاب البعثة الجزائرية، فرصد نشاط الشيخ التبسي في المدينة المنورة، فقال إنه اجتمع مع الشيخ عبد العزيز بن باز (أحد القضاة عندئذ وقد أصبح مفتي المملكة) والأمير سعود الفيصل، وكان السيد أحمد بوشمال (أحد أعيان قسنطينة) مرافقا للشيخ التبسي في أداء فريضة الحج، قضى الشيخ تسعة أيام بالمدينة مقيما في فندق التيسير، وبعد زيارة الأماكن الإسلامية، استقبله الملك سعود في قصره بجدة، وفي مكة تعرف على شخصية بارزة من الإخوان المسلمين وهو سعيد رمضان الذي طلب منه المشاركة في المكتب
стр. 4920
الدائم للمؤتمر الإسلامي العالمي الذي انعقد حديثا بالقدس فقبل الشيخ الدعوة - حب الراوي - وفي الحفل السنوي الذي أقامه الإخوان المسلمون حضر الشيخ التبسي، وتكلم علماء مصريون وسعوديون، وفي مناسبة أخرى نظمها الإخوان أيضا تكلم الشيخ التبسي، وبعد الانتهاء من مناسك الحج غادر الشيخ مكة متوجها إلى لبنان للقاء الشيخ الإبراهيمي فكانت جملة أيامه في الأماكن المقدسة شهرا (١).
عاد الشيخ التبسي إلى الجزائر وجاءت الوفود المهنئة إلى مركز الجمعية بالعاصمة، وقد تحدث عن رحلته الناجحة معربا عن رأيه أن الحكومات العربية سائرة في طريق النمو في الحجاز والشام ومصر، وأهم ما روته البصائر بهذه المناسبة هو حديثه عن الشيخين الإبراهيمي والورتلاني، فقد قال عن الأول إنه في الجزائر معروف بالأدب ورجاحة الفكر ... أما في المشرق فقد وجد من يفهمه، وهو في طليعة رجال العلم والدين والاجتماع .. فهو (أي الإبراهيمي) مستشار المراجع الإسلامية والعربية، أما الورتلاني فقد قال عنه كلاما غامضا وهو أنه منشغل بحل مشاكل الشعوب الإسلامية، فأنت لا تدري هل هذا الكلام يعني المدح أو القدح، وقد نوه التبسي بدور كل منهما وبجهودهما في رعاية البعثات الطلابية، فهما نعم السفيران للجزائر.
وأذكر بهذا الصدد أن الشيخ التبسي قد راسلني برسالتين على الأقل أوائل سنة ١٩٥٦ عندما كنت في القاهرة، انتقد فيهما زميله ورئيسه الشيخ الإبراهيمي على تصرفاته مع البعثات الطلابية وعلى تفضيله البقاء في المشرق على الرجوع إلى الجزائر في ذلك الظرف العصيب.
ونحن نعرف أن الشيخ التبسي قد استقبل في مصر من قبل رجال الدولة وكان محل رعاية أهل الفكر والسياسة والدين، ولكن الأيام برهنت على أنه كان متفائلا كثيرا في رأيه، فالحكومات العربية لم تكن رشيدة كما وصفها ولا
стр. 4921
الشعوب الإسلامية كانت يقظة عارفة بحقوقها وواجباتها، ولا حتى العلاقة مع الشيخين الإبراهيمي والورتلاني كانت على ما يرام بسبب موقفهما من البعثات الطلابية وربما بسبب الوضع في الجزائر عندئذ وحتى بعض التنافس أيضا (١).
رحلة الباهي فضلاء
في العام الأول للثورة سافرت جماعة من أهل الفن إلى القاهرة بقيادة الباهي فضلاء واتصلت بالأوساط المسرحية والسينمائية، كانوا كبقية الفنانين الجزائريين في ذلك الوقت، يحلمون بزيارة مصر لأنها بلغت درجة كبيرة في عالم الفن، ولكن هذه الرحلة خيبت أحلام الجماعة، بدأت المبادرة منذ حلت الفرقة المصرية بقيادة يوسف وهبي في الجزائر قبل عام تقريبا (١٩٥٤)، فقد عرضوا على هذا الفنان الكبير فكرة زيارة مصر فوافقهم على ذلك ووعدهم بتسهيل المهمة، وقد سافر معهم محمد الطاهر فضلاء أحد المعجبين بيوسف وهبي.
كانت الرحلة بالسيارة، مرورا بتونس وطرابلس، وقد سجلت الفرقة بعض الانطباعات والمشاهدات واللقاءات في كل مكان حلت به، ولكنها لم تدون ذلك بالتفصيل، وعندما حلوا بطرابلس التقوا بفرقة ليبية هاوية جديدة بقيادة مصطفى الأمير، رحب بهم الليبيون واستضافوهم، بل طلبوا منهم الاشتراك في تمثيل إحدى المسرحيات فلبوا الطلب، وقدموا رواية (الصحراء) ليوسف وهبي، وهي الرواية التي سبق أن مثلت على مسارح الجزائر، وأحرزت نجاحا باهرا، حسب الراوي.
واصلوا السير نحو القاهرة التي حلوا بها آخر شهر نوفمبر ١٩٥٥ ونزلوا ضيوفا على يوسف وهبي، وقد أتاح لهم فرصة حضور التدريبات الجارية يوميا
стр. 4922
في مركز فرقته، وطلب من ممدوح أباظة - عميد المعهد العالي للتمثيل - أن يسمح لهم بحضور المحاضرات التي كانت تلقى على الرجال والنساء، انتقد الباهي فضلاء نظام المعهد، ذلك أنهم كانوا يعتقدون أن المعهد مثل الكونسرفتوار الفرنسي، فثبت له أنه لا مقارنة بين الاثنين، ولكنه استثنى من هذا الحكم القاسي بعض الأساتذة المحافظين في نظره، على قيمة الفن في مصر مثل جورج أبيض وأحمد البدوي وأحمد علام وفتوح نشاطي وعبد الرحيم الزرقاني، ولاحظ أيضا أن مستوى الدروس غير رفيع وأن الطلبة يتغيبون عن الدروس، وأن شروط الالتحاق بالمعهد صعبة، وقد أفهمهم جورج أبيض أن الفنانين (شيوخ الفن) قد انصرفوا عنه إلى المادة، وجلس معهم طويلا وشرح لهم سبب تخليه عن إدارة الفرقة المصرية (لأن الفن في مصر يحتضر) ... وحضر ثلاثة منهم (الباهي وكشرود ونظيرة) تمثيل رواية (عطيل) ورحب بهم أحمد البدوي المشرف على التمثيل.
ومن الذين قابلوهم أيضا زكي طليمات الذي نصحهم بالرجوع إلى وطنهم والعمل فيه لأن المعهد العالي لا يفيدهم في شيء، ويبدو واضحا أن أفراد الرحلة كانوا ربما يسعون إلى التسجيل في الدراسة في المعهد المذكور ولكنهم وجدوا الشروط غير متوفرة، كذلك قابلوا المخرج صلاح أبو سيف وسعوا لديه إلى المشاركة في بعض الأفلام فرحب بالفكرة ولكنه اشترط عليهم ضمان بيع فيلمه في شمال إفريقيا، وبعد ذلك رجع الفنانون (المغامرون) إلى الجزائر خائبين من شروط صلاح أبو سيف ومن هبوط الفن، واكتفوا بآراء الفنانين الناقمين على الوضع الفني في مصر، وقد اتضح لهم أنهم كانوا يبنون آمالهم على الرمال (١).
стр. 4923
رحلة الشيخ العباس
عندما اشتدت الثورة واختلط الأمر على القادة والسياسيين بالنسبة لاتخاذ المواقف كان على جمعية العلماء أيضا أن تتشاور وأن تنتهي إلى قرار، فأرسلت الشيخ العباس بن الشيخ الحسين الرجل الفقيه والسياسي فيها تحت غطاء الحج يحمل إلى الشيخ الإبراهيمي بعض التفاصيل عن الوضع في الجزائر، وليرجع منه برأي بصفته رئيسا لها، كان الشيخ العباس، معروفا بالجمع بين عضوية الجمعية والتعاطف مع حزب الشعب وأنه رجل زاوية ودهاء سياسي، وقد نشرت البصائر خبرا مختصرا عن عودته إلى الجزائر ومقابلته لرئيس الجمعية في القاهرة ولقائه بالشيخ الورتلاني في بيروت التي كان منفيا إليها لصلته بالإخوان المسلمين، كما سبق، وقابل الشيخ العباس أيضا البعثة الطلابية في مصر واسمتع إلى شكواها مما حصل بينها وبين الشيخ الإبراهيمي، ومن سوء تفاهم وشد وجذب بين مكتب الجمعية (بقيادة الإبراهيمي) ومكتب المغرب العربي (بقيادة خيضر) (١).
ومما يذكر أن الشيخ العباس رجع إلى القاهرة في نفس السنة وانضم إلى الوفد الخارجي لجبهة التحرير، وسافر إلى السودان والسعودية وغيرهما لأداء مهمات وطنية، وكان من النشطين المخلصين للقضية، وقد زارني في بيتي في المعادي، والتقينا عدة مرات في القاهرة.
رحلة المختار اسكندر
محمد مختار اسكندر من مواليد المدية سنة ١٩٢٣، وله رحلة سماها (رحلة إلى الشرق أو ثلاثين يوما في الحرية)، وسبب سفره إلى سورية حضوره لمؤتمر كشفي عربي، وقد سجل في رحلته انطباعه وقال إنه يعتبرها وثيقة هامة، وهي ما تزال مكتوبة بقلم الرصاص، ولم يدخل عليها أي تغيير، كما قال، كان
стр. 4924
الشيخ اسكندر مدرسا واعظا في نادي الترقي بالعاصمة عشر سنوات (١٩٤٦ ١٩٥٦)، ومهما كان الأمر فإن الرحلة كانت (قبل اندلاع الثورة)، وليته حرر رحلته ونشرها لتعرف وتعم فائدتها (١).
رحلة محمد الصالح رمضان
هذه رحلة ينطبق عليها وصف الرحلات السياحية والاستطلاعية، وهي من رحلات العرب والمسلمين إلى الغرب، وكان سببها المشاركة في ندوة عالمية للشباب جرت في عاصمة بولندا، (وارسو = فارصوفيا) سنة ١٩٥٥، وقد رجع محمد الصالح رمضان الذي كان من رجال جمعية العلماء ومن تلاميذ الشيخ عبد الحميد بن باديس، رجع من الرحلة وهو مبهور بالحرية رغم أنه كان في بلاد كانت تعيش وراء الستار الحديدي بمفهوم ذلك الوقت.
ولد الشيخ رمضان سنة ١٩١٤ بالقنطرة إحدى بوابات الصحراء، ولا ندري كتف وصلت الدعوة إلى أمثاله من رجال الإصلاح، ولكن يبدو أن المشاركة كانت واسعة وكانت في نطاق الكشافة، وكان الشيخ رمضان احد قادة الأفواج الكشفية في الجزائر وله في ذلك أناشيد ومشاركات في المخيمات، وكان الوفد الجزائري كبيرا وممثلا لمختلف الاتجاهات السياسية، ولا ندري هل كانت المشاركة منسقة او أن كل حزب أو جماعة اتصلت بالدعوة على حدة، ونحن نعرف ان من بين المشاركين في هذه التظاهرة الشيخ الحفناوي هالي، صديق الشيخ رمضان وأحد اعضاء جمعية العلماء أيضا، وأحد المذكورين المنوه بهم في ارحلة، وله مع صديقه مساجلات وحوارات، كما علمنا أن من بين المشاركين مصطفى الأشرف والممثل مصطفى كاتب، وقد استغرقت الرحلة حوالي عشرين يوما.
العنوان الذي اختاره رمضان رحلته هو (سوانح وارتسامات عابر سبيل)
стр. 4925
وتعنى خواطر ومشاهدات عابر سبيل، وقد قسمها إلى ثلاثة أقسام: الرحلة إلى بولونيا، وفرصوفيا مدينة المهرجان، وأخيرا من وحي الرحلة، أطلق الشيخ رمضان فيها العنان لقلمه الرومانسي عندئذ ليصف الناس والطبيعة وآثار الحرب العالمية الثانية على بولندا، ونهضتها بعد كل ما جرى لها، مع الحلم بأن تستقل الجزائر أيضا وتنهض وتتمع بالحرية، ولذلك فإن في الرحلة ربطا بين أحداث الثورة (١٩٥٥) وبين مشاعر عابر السبيل وهو في أوروبا يلتقي بشباب العالم المتحرر، وصف رمضان الرحلة بحرا من الجزائر ثم برا إلى بولونيا ابتداء من ٢٥ يوليو ١٩٥٥، وقد سحرته الأجواء الأوروبية من ربيع وشباب وحرية، ومر بأجزاء من إيطاليا والنمسا وبراغ، وخص سويسرا أثناء الرجوع، بوصف جغرافي وتاريخي وكأنها هي المقصودة بالرحلة، وقد دخل منها إلى ليون (فرنسا) ثم توجهوا إلى مرسيليا حيث أخذوا الطائرة عائدين إلى الجزائر، يوم ١٤ أغسطس ١٩٥٥.
اهتم رمضان بالآثار والمعالم، فوصف ما حدث للعاصمة فرصرفيا على يد ستالين وهتلر، ووصف نهر الفستول، وقصر الثقافة ومتحفه وصوره، وفي الرحلة بعض القصائد الجميلة التي تحرك المشاعر ساجل بها صديقه الشيخ هالي، بعض القصائد يحتوي على ١٠٢ بيتا، والظاهر أن رمضان سجل انطباعاته حين كان يقوم بالرحلة ثم حين رجع منها، ولم يحررها إلا خلال السبعينات، ثم نشرها على حلقات في جريدة (الشعب) ابتداء من أول أغسطس ١٩٨٧.
والشيخ رمضان مثقف بالعربية والفرنسية، وله أسلوب عربي متين وجميل، وله عدة مؤلفات شعرا ونثرا، منها ألحان الفتوة، والناشئة المهاجرة (مسرحية)، وقد اهتم بآثار ابن باديس، وبالأدب العربي، وتولى التعليم والتفتيش وتوجيه التعليم في الحركة الإصلاحية، كما تولى إدارة مدرسة دار الحديث في تلمسان سنوات طويلة قبل الثورة، وبعد الاستقلال تولى إدارة التعليم الديني في وزارة الأوقاف، ولا ندري لماذا تأخر في نشر (ارتساماته)
стр. 4926
عن رحلته إلى سنة ١٩٨٧ (١).
بهذا يتبين أنه رغم تعدد الأماكن التي اختلف إليها الجزائريون وتعدد الأهداف من زيارتهم لها فإنهم (باستثناء النادر) لم يتركوا، حسب علمنا، رحلة مكتوبة نرجع إليها اليوم أو نسجلها في قائمة الرحلات.
الدراسات الفلسفية
مالك بن نبي
جاء في غلاف أحد كتب مالك بن نبي أنه ولد في قسنطينة سنة ١٩٠٥ من عائلة بقيت فيها المعاني الدينية حية بينما مالت بعض العائلات الأخرى إلى الحداثة، وابن نبي يضع عائلته في هذا الصف، ولم يغادره هذا الشعور سواء في دراسته الإسلامية العالية أو في دراسته التقنية العلمية، ويبدو أن الحداثة التي قصدها ابن نبي تختلف عن تلك التي تشيع اليوم بين جيل من المثقفين، فهي ببساطة تعني عنده مفهوم التقدم والإيمان بالتطور والتغيير.
عندما تسأل مالك بن نبي عن بعض القضايا الاجتماعية والتاريخية قد لا يفصح عن رأيه بكل وضوح، ولكن تأكد من أنه عندما يحلل الاستعمار والفقر فسيكون فصيحا كل الفصاحة، وكل من ابن نبي وفرانز فانون وجد في الاستعمار والفقر موضعا للبحث في الإنسان الجزائري وحالة المسلمين المحرومين، وكما قلنا إن الثورة لم تلد أديبا عبقريا فكذلك نقول إنها لم تلد فيلسوفا نابغة، فهي لم تنتج فلاسفة ومحللين لتطور الحضارة، ولكنها بالقياس إلى ما أنتجت في التاريخ والأخلاق والسياسة، تفوقت في ميدان الفلسفة، وربما الأدب أيضا، ويكفي أنها فجرت عبقرية مالك بن نبي في الفلسفة ومفدي زكرياء في الشعر، وإن كان كل منهما قد ظهر أثناء المخاض الذي سبق الثورة.
لقد سئل ابن نبي سنة ١٩٥٣ عن الاتحاد بين الجزائريين في وجه العبث
стр. 4927
الإداري الاستعماري، كان ذلك في الاستفتاء الذي طرحته جريدة (لمنار)، فقال إنه بإمكانه الجواب على السؤال مباشرة، وهو يبقى على هامش المقصود، وإن الشيء الذي يهم هنا هو إدراك الدستور الذي من شأنه أن يرفع نصب الحياة من الحضيض الذي نشاهده اليوم إلى المستوى الذي يطمح إليه الفرد أو الجمع بطبيعة الشيء المسطر في غريزة بني الإنسان، وفي نظره (أن المشكل قبل كل شيء عائد إلى أصول اجتماعية عامة لا تخص طورا من الحياة البشرية دون الأطوار الأخرى، ولا عنصرا منها دون العناصر الأخرى بل تشملها وتهمها كلها في جميع مراحلها تارة من حضيض إلى حظ وتارة من حظ إلى حضيض) (١).
ألف مالك بن نبي عددا من الكتب قبل الثورة وأخرى أثناء الثورة، والباقي بعدها، فمن الصنف الأول: الظاهرة القرآنية، ولبيك، وشروظ النهضة، ومن الصنف الثاني: الآسيوية - الإفريقية (١٩٥٥) الذي كتبه بالفرنسية ثم ترجم إلى العربية، وفي البناء الجديد (١٩٥٨) الذي طبع بالعربية في بيروت ولا ندري ما إذا كان قد كتب هذا الكتاب أصلا بالفرنسية، وهو الغالب، ومشكل الثقافة (١٩٥٧)، لكن الغالب أنه مترجم عن الفرنسية، وصراع الأفكار في البلدان المستعمرة (١٩٥٨)، وقد يكون كتبه أصلا بالفرنسية، وفكرة كومونويلث إسلامي (١٩٥٩)، ولعله بالفرنسية أصلا، وميلاد مجتمع (١٩٦٠)، وفي مهب المعركة (١٩٦١)، وهناك كتيب بعنوان استعاثة الجزائر (١٩٥٧) SOS. وله من الكتب بعد الاستقلال عدد شبيه بما ذكرنا، وربما يكون ابن نبي أكثر المؤلفين الجزائريين إنتاجا فكريا خلال الثورة، في مجال يتضاءل فيه عادة الإنتاج الفكري وتكثر فيه الحركة والكلام، والملاحظ أن كل الكتب التي ألفها خلال الثورة طبعت في القاهرة ما عدا كتاب في البناء الجديد، كما أن استغاثة الجزائر طبع بالعربية والفرنسية (٢).
стр. 4928
من مؤلفات مالك بن نبي التي ظهرت مع الثورة كتابه (هوية الإسلام) الذي نشر في باريس ١٩٥٤، وهو الكتاب الذي كان قد فرغ من تحريره سنة ١٩٥٠، ولكن مقدمته مكتوبة في يونيو ١٩٥٤، ويبدو أنه لم يدخل عليه تعديلات رغم الحوادث التي جرت بعد تحريره، ولا سيما حوادث فلسطين، وجاء فيه أن ما يصنع تاريخ العالم الإسلامي اليوم ليس المؤامرات الخارجية التي تشل نهضته مؤقتا ولكن العمل الخفي والمستميت لحركيته العميقة، وقد خصص مالك بن نبي هذا الكتاب للعمل من أجل توجيه هذه الحركية، وأعجب بما قام به المستشرق الإنجليزي هارولد جيب في كتابه (الاتجاهات الحديثة للإسلام) حتى أنه أحال عليه الفصلين الثاني والثالث من هوية الإسلام، ولكنه لم يتابعه في الأفكار، واختار طريقه الخاص في التفكير، فرد عليه مثلا فيما يتعلق (بالأوتوميزم) وقال إنها ليست خاصة بالعقل العربي، كما ذهب إلى ذلك جيب، بل هي ظاهرة بشرية عامة، كما أنه لم يتفق مع جيب في القول بـ (الاتجاه الإنساني) للحداثة العربية، وهو الاتجاه الذي استعاره جيب من الثقافة الغربية، وأحال ابن نبي على كتابه (الظاهرة القرآنية)، ولا سيما فصل العلاقة بين القرآن والإنجيل، واتهم الأوربيين بوصف الدول الإسلامية بالمتأخرة دون أن يقولوا إنهم هم الذين تسببوا في تأخرها، وتساءل لماذا كان على المثقفين المسلمين أن يبحثوا عن (الإنسانية) في أوروبا مثلا وفي استطاعتهم أن يجدوها في ثقافتهم وتقاليدهم.
قسم ابن نبي كتابه هوية الإسلام إلى فصول هي: مجتمع ما بعد الموحدين (أو ظاهرة الدورة التاريخية)، والنهضة (أو الحركة الإصلاحية أو الحداثية)، وفوضى العالم الإسلامي الحديث (العوامل الداخلية والخارجية)، وفوضى العالم الغربي، والطرق الجديدة، وإرهاصات العالم الإسلامي، وفي الخاتمة عالج ما أسماه (المستقبل الروحي للإسلام)، وفي غلاف الكتاب جاء أن ابن نبي لا ينتمي إلى أي حزب، وأنه يتعاون بانتظام مع جريدة (الجمهورية الجزائرية) لسان حال حزب البيان، كما أنه تعاون مع جريدة (الشاب المسلم)
стр. 4929
وهي جريدة الشباب المنتمي إلى الحركة الإصلاحية (جمعية العلماء) والمتعاطفين معها، وجاء في الغلاف أيضا أن هدف الكتاب هو جعل الأوربي يفهم العالم الإسلامي فهما حقيقيا، وقد طلب ابن نبي من القارى المسلم أن يعي مؤهلاته التقليدية والأوضاع الحاضرة لعصره.
استقبل القراء (هوية الإسلام) استقبالا يليق به، فقد جاء في وقت تستعد فيه الأمة كلها لنفض غبار اليأس، وحمل السلاح لاسترجاع الحرية والاستقلال .. فكان الكتاب إدانة منطقية واعية للاستعمار وتبشيرا بإرهاصات نهضة شاملة للإسلام والجزائر، فكتب عنه أحمد توفيق المدني في البصائر، والمولود الطياب في هنا الجزائر، ونوها به أيما تنويه، واعتبرا المؤلف فيلسوفا عالما ومؤرخا دقيقا للحضارة ومنظرا واعيا لمسيرة الإسلام، وانطلاقا من دولة الموحدين التي كانت آخر الحصون الصلبة في نظر المؤلف، وترجم المدني عنوان الكتاب (هوية الإسلام) بينما ترجمه الطياب (رسالة الإسلام)، وأطلق عليه ثالث وجهة الإسلام، ولكن المعنى واحد تقريبا: فقال المدني إن المؤلف متضلع في الهندسة والرياضيات وأنه يحسن الفرنسية أكثر من أبنائها، وإن الكتاب فلسفي علمي يدرس حالة العالم الإسلامي بعد سقوط دولة الموحدين وسقوط العالم الإسلامي تحت الاستعمار ودخوله في حالة جمود وتخلف، وقال إن المؤلف قد أشاد بالنهضة الإسلامية الحديثة التي من آثارها ظهور جماعة الشبان المسلمين والإخوان المسلمين (١).
أما مولود الطياب فقد كان أكثر غمزا لابن نبي حين قال إنه سبق له أن أخرج كتبا عن الإسلام وهي معروفة وإن كانت غير مفهومة، أما في كتابه هذا (رسالة الإسلام) فهو يقدم آراء بطريقة واضحة شافية، وأنه يمتاز بفهم دقيق ولا يصدره إلا بعد تجربة ودراية، وأنه يدقق في مكانة الثقافة ومعناها (وهو أمر نادر عند المفكرين المشارقة)، ومالك ابن نبي أكثر فهما للإسلام من الغربيين
стр. 4930
باعتباره يكتب عنه من الداخل (وهذا رأي ابن نبي في فرانز فانون - انظر سابقا)، فهو من أهل الدين نفسه، واقترح الطياب ترجمة رسالة الإسلام إلى العربية، وهو ما حصل فعلا بعد حين، إنه كتاب في نظره يتناول قضية التجديد والتقليد ويقدم نظرة شاملة لنهضة الإسلام (١).
ومن الواضح أن رسالة الإسلام أو هوية الإسلام جاء في وقته، لأن الثورة كانت تبحث عن إيديولوجية تقودها، وهي تفتقر، إلى ذلك الحين، إلى مرجعية تعتمد عليها في صياغة قوانينها وسير حركتها، ولا ندري الآن مدى رواج ومقروئية مالك ابن نبي في أوساط نخبة الثورة حتى نعرف مدى تأثيره على سير شؤونها وتفكير رجالها، غير أن هناك دلائل تدل على أن فكر مالك بن نبي لم يؤثر على نخبة الثورة بقدر ما أثر عليها الفكر الماركسي ممثلا في كتابات فرانز فانون وأمثاله.
وبعد ١٩٦٢ أصدر ابن نبي كتابا آخر سماه (آفاق جزائرية) ناقش فيه قضايا هامة كانت ما تزال تشغل أهل الفكر الثوري عامة ... ويهمنا أنه ناقش فيه قضايا الحرية والمفهومية وميراث الجزائر من الاستعمار، وعالج فيه مسألة الإنسان الجزائري وكيف خلقت منه الثورة إنسانا جديدا، غير أنه رجع إلى أصله بمجرد وقف القتال وإعلان نهاية الثورة، كما تناول الفرق بين (البوليتيك) (احتراف العمل السياسي) والسياسة، إنه كتاب يعبر عن الروح الثورية التي لم تصمد أمام التهافت على الكسب ورأس المال والسباق إلى المناصب ابتداء من أعضاء الحكومة المؤقتة، حسب تعبيره (٢).
أصول الحضارة العالمية
لقد سبق لنا أن تناولنا بعض أعمال عبد الرحمن بن الحفاف في كتابنا التاريخ الثقافي، ولا نود أن نطيل الحديث عنها الآن وإنما نريد أن نذكر ما عثرنا
стр. 4931
عليه من معلومات حول المؤلف حتى تكتمل الصورة بعض الشيء، (والمختصر المفيد) عنه هو الذي كتبه أحمد الأكحل في صورة تأبين أو خبر وفاة للشيخ ابن الحفاف سنة ١٩٥٧ (١٣٧٦ هـ) فهو عبد الرحمن بن الحفاف حفيد الشيخ علي بن الحفاف مفتي المالكية في القرن الثالث عشر الهجري والمتوفى سنة ١٣٠٧، أما عبد الرحمن فقد توفي عن أكثر من ثمانين سنة، قضى معظمها في المطالعة، وهو من قدماء المدرسة الثعالبية بالعاصمة، وقد دخل سلك القضاء وترقى فيه إلى أن أصبح (باش عدل) أو رئيس العدول في المحكمة المالكية، ولكنه استقال من المنصب وتفرغ للعلم في وضع شبيه بما فعل بعد مالك بن نبي حين تخلى عن وظيفة القضاء وتوجه إلى فرنسا لدراسة الهندسة الكهربائية، كان ابن الحفاف عارفا بالفرنسية والعربية، وكان كثير البحث في الآداب والفلسفة والدين وعلم الاجتماع، وله بالفرنسية عدة كتب.
من مؤلفاته تمهيد لدراسة الإسلام الذي وضعه ليكون دليلا لمن لا يعرف العربية وتاريخ الإسلام من أبناء جلدته، فهو كتاب صغير الحجم في حضارة الإسلام وتاريخه، وقد رد فيه على بعض الشبهات حول الرسول ﷺ وحول الشريعة، ومن مؤلفاته أيضا تاريخ الحروف الهجائية أو تاريخ الأبجدية، ومنها كتاب أصول المدنية (الحضارة) الذي نحن بصدده (١).
هذا الكتاب تتبع فيه المؤلف تاريخ الحضارات القديمة، ومنها الحضارة الفينيقية والحضارة البابلية، وقدم الرأيين القائلين باتصال أو انفصال الحضارات بعضها عن بعض، وانتهى إلى أن الحضارات متصلة وغير مستقلة عن بعضها، مستدلا بما انتهى إليه غوساف لوبون من تواصل الحضارات، فقد كان ابن الحفاف يبحث عن أم الحضارات ما دامت الفروع والامتدادات واحدة، إن الذين يقولون باستقلال كل حضارة راعوا الخصائص المميزة لكل منها، أما الذين يقولون بتواصل الحضارات فنظروا إلى أخذ بعضها عن بعض والخصائص
стр. 4932
المشتركة التي تتضح في مختلف الحضارات مهما تباعدت في الزمان أو المكان، وفي نظره أن الاكتشافات الأثرية المتأخرة تؤكد الرأي القائل بعدم استقلالية كل الحضارة عن الأخرى.
وتعرض ابن الحفاف أيضا إلى أصول مكان شمال إفريقيا وهي المسألة الشائكة التي لم يبت فيها، في نظره، (أكثرية المؤرخين)، وقد انتهى حولها إلى الرأي القائل بأن سكان شمال إفريقيا عرب قدموا من المشرق في إحدى موجات الهجرات القديمة، ووافقه على ذلك الناقد مولود الطياب، لكنه اختلف معه في الاعتماد على دليل اللغة وحدها بالنسبة إلى أهل شمال إفريقيا، والدليل على ذلك أن بعض اللهجات، كالقبائلية (حدث عليها من التطورات ما جعل الكثير من مصادرها عربية) (١).
ولو بحثنا في آثار عبد الرحمن بن الحفاف لوجدنا ربما تراثا هاما ومعلومات مكتوبة تفيد هذا البحث وأمثاله في مرحلة الثورة، فالرجل كان متقدما في السن عندما طبع كتابه أصول الحضارة (١٩٥٥)، وقد عاش حوالي سنتين فقط بعد ذلك، وتناولت البصائر وغيرها هذا الكتاب وأشاد الكتاب بصاحبه على أنه كان يحمل رسالة وفكرة إلى قرائه في وقت اشتدت فيه قوة الاستعمار واختلطت مفاهيم الحضارات ونكران حق الشعوب الأخرى في التقدم والازدهار، ومن الملفت للنظر أن كتب ابن الحفاف المذكورة قد نشرت في العقد الأخير من حياته، لماذا؟ وهل له كتب أخرى مخطوطة؟
من وحي الثورة الجزائرية
الجنيدي خليفة من جيل الثورة، تولى مسؤوليات على المستوى الطلابي في تونس والقاهرة خلال الخمسينات، وكان عندئذ طالبا في الفلسفة بجامعة القاهرة، وقد عرفناه في جامع الزيتونة فكان كثير المطالعة متحرر الفكر غير ملتزم بما تقدمه البرامج الزيتونية من معارف في التوجه والمعلومات، وهو من
стр. 4933
طلبة حزب الشعب النشطين في تونس قبل الثورة وطلبة جبهة التحرير الفاعلين أثناء الثورة، وقد اعتقل وسجن أثناء الثورة قبل استقلال تونس، ونشر بعض أعماله الفكرية والنقدية في جرائد تونس قبل رحيله إلى القاهرة، وأثناء وجوده في تونس والقاهرة كتب فصولا في شكل رسومات (كما عبر عنها) أو يوميات وقصصا ورسائل وتأملات فلسفية بين ١٩٥٤ و ١٩٦٢، وسجل مع بعضها مكان الكتابة وهو تونس، والباقي سكت عنه، والغاب أنه كتبه في القاهرة، استعمل الجنيدي الأسلوب الفلسفي وطرق مواضيع تتصل بالثورة كتهريب السلاح ودور الطلبة وحياتهم أثناءها والتفجيرات الذرية الفرنسية في الصحراء الجزائرية التي أعطاها عنوانا هو (خلاصة علمية)، وبعض هذه المواضيع نشره في مجلة الآداب البيروتية مثل رسالة من سجين جزائري (١٩٥٨)، وتمثال الحقد (١٩٦٢)، كما نشر في مجلة الفكر التونسية (١٩٥٩).
يقول الجنيدي عن عمله إنه كتبه في شكل يوميات ليست بصيغة الماضي بعد أن فصلت بينه وبين هذا الماضي حقبة طويلة، ومناسبة هذه اليوميات كانت إحدى السهرات بين الراوي - وهو المؤلف - وصديق قديم له، بدأها يوم أول نوفمبر ١٩٥٤ حين دخوله الامتحان في تونس وكيف فوجى بخبر الثورة في الجزائر على صفحات إحدى الجرائد بعد أن طال العهد على ترديد الناس مقولة تقول إن هناك شيئا ما سيحدث في الجزائر، وها قد حدث، وعاش الراوي ردود الفعل الآنية واللاحقة لدى الشباب وهم يتهيأون للانضمام إلى الثورة لأنها قد أرجعت لهم شيئا مفقودا منذ أجيال وهو الكرامة، وتوالت اليوميات في أسلوب قصصي مباشر، وروى فيها كيف التحق بالحرب وكيف تردد بين تونس والمشرق للدراسة، إن أجزاء هامة من كتاب (من وحي الثورة الجزائرية) متصلة اتصالا مباشرا بالثورة، وقد صاغها مؤلفها كما قلنا صياغة فلسفية، ولذلك أدرجناها هنا (١).
стр. 4934
لقد عاش الجنيدي في القاهرة حتى نال الليسانس من ثم رجع إلى الجزائر وفيها حصل على الدكتوراه في علم النفس والفلسفة، وساهم في أنشطة اتحاد الكتاب الجزائريين ودراسة أفكار الثورة وتولى عدة مسؤوليات جامعية، وقد أدركه الموت سنة ١٩٩٣ تاركا عدة بحوث ودراسات في تخصصه ولكن آثاره لم تجمع ولم تدرس حتى الآن دراسة تليق بدور صاحبها في الثورة والثقافة.
كتب فرانز فانون
اعتبر بعض الجزائريين الطبيب النفساني فرانز فانون فيلسوف الثورة الجزائرية وصنفوه ضمن أبنائها المخلصين وأعطوه لقب الأخ والرفيق والمناضل، ولكنهم توقفوا عن وصفه (بالمجاهد) لأنه كان ومات نصرانيا أو ملحدا، وفانون أصبح بعد أن اختار الجزائر وطنا له، مواطنا له نفس حقوق وواجبات الجزائريين، وقد دفن بعد وفاته داخل الحدود الجزائرية، وكان قبل وفاته يداوي المجاهدين واللاجئين، ثم تولى وظائف سامية في الثورة، منها ممثل (سفير؟) الجزائر في أكرا عاصمة غانا، وبهذه الصفة أصبح صلة وصل بين الجزائر وإفريقيا بل و (الكادحين) على وجه الأرض، ولد فانون في جزر المارتينيك حيث يرجع إلى أصول إفريقية وفرنسية، فهو شبيه بسلفه (توماس أوربان)، رجل هجين، أبوه فرنسي وأمه زنجية، وبعد ثقافة طبية ونفسية عميقة جاء الجزائر ومارس فيها الطب النفسي وانضم للثورة سرا لأنه أعجب بها وبأسلوبها في الكفاح وعلق عليها آمالا عراضا في تحرير الإنسان عموما والإنسان الإفريقي خصوصا، فكتب عنها بعض الكتب، منها:
- السنة الخامسة للثورة الجزائرية.
- الكادحون (أو المعذبون) في الأرض، وها نحن نتناولهما باختصار على الترتيب.
стр. 4935
السنة الخامسة للثورة
عندما صدر هذا الكتاب اعتبر وثيقة دامغة ضد الاستعمار، ووثيقة أخرى تكشف عن تطور المجتمع الجزائري بسبب الثورة، ووثيقة ثالثة لتحرير الإنسان المضطهد حيثما كان، وقد كشف فيه فانون عن أوجه العلاقة المستورة التي كانت بين المستعمر والمستعمر، فتخاطفه الناس وترجموه إلى عدد من اللغات وحللوا آراء صاحبه وصوبه البعض وخطأه آخرون، ودون أن نرجع إلى ما قاله هؤلاء أو أولئك دعنا نذكر ما قالته جريدة (المجاهد) التي كانت سباقة إلى تبني آراء فانون ونقلها إلى قرائها.
تعرض كما قلنا، لما طرأ على المجتمع الجزائري من تطور بعد الثورة مثل علاقة الابن بالأب، وفي هذا المقال عناوين اهتمت جريدة المجاهد بإبرازها مثل: التناقضات التي نشأت داخل الأسرة وداخل الأمة في نظر فانون الذي جاء على لسانه ذات مرة: هذا أول نوفمبر ١٩٥٤ وعليك أن تختار ... أما عنوان مقال المجاهد كله فهو: (الأسرة الجزائرية في الثورة) (١).
وفي المقال الثاني حللت المجاهد مسألة المرأة في الكتاب: كيف تطورت نتيجة للثورة، لقد كانت البنت، في نظر فانون، دائما خلف الابن، مثل كل المجتمعات التي تقوم على خدمة الأرض بحيث يصبح ميلاد الولد عندها أكثر احتفاء من ميلاد البنت، ذلك أن الأب يرى الطفل رفيقا له في خدمة الأرض وخليفة له بعد وفاته، فالولد هو الذي يصبح الحامي أو الولي على أمه وعلى إخوته، أما البنت فتبقى ثانوية لأخيها، ومن محتويات هذا المقال: الثورة تحرر المرأة، وتجربة المقاومة السرية، وعندما تكون زوجة مناضل مناضلة، والزوجان الجديدان، وغيرها من المواضيع، وعلقت الجريدة على هذا التحليل للواقع الجزائري سنة ١٩٥٩ بقولها إنه هو الواقع الناتج مباشرة عن الثورة، وافتخرت الجريدة بأنها تنشر منه هذه الصفحات عشية ظهوره، وهي تحاول أن
стр. 4936
(تتبع المغامرة المعاشة من العائلات الجزائرية في أتون الكفاح).
وقد صدقت المجاهد في ذلك، فقد تتبعت (مغامرة) لا تدري مداها ولا عواقبها، مغامرة فجرتها الثورة التي كانت في حاجة إلى جميع أبئنائها، ذكورا وإناثا، مغامرة هوت على التقاليد بفأس من صلب فكسرت أصولا وفروعا وخلقت بذلك واقعا جديدا للجزائر الجديدة، ولم يزد فانون على رصد هذا الوقع، بحكم مهنته، وقدرته على التحليل والصياغة لكتاب يتداوله الناس، وإذا عدنا إلى هذه المغامرة وحديث فانوق عن تحرر المرأة الجزائرية عرفنا لماذا وجه المفكر مالك بن نبي نقده اللاذع لفانون باعتباره لم يعش ذاتية الشعب الجزائري - حسب تعبير ابن نبي - ولم يحس بشخصيته الدينية والتاريخية، رغم تخصصه في التحليل النفسي الحديث (١).
الكادحون في الأرض
هكذا ترجمت المجاهد كتاب فانون الثاني والأخير الذي ألفه في السنة الأخيرة من حياته، وقد تصدت المجاهد لترجمة هذا الكتاب وقدمته لقرائها عزاء لهم في وفاة صاحبه قائلة إنه لم يمت ولن يموت، واصفة المؤلف بأنه (فقيدنا العظيم) وصاحب مقولة: (هيا بنا يا إخواني ... يجب أن نخلق إنسانا جديدا)، في حديث ضمنه (كل حرارة إيمانه الملتهب وعمق فكره النفاذ، وسمو روحه المشرقة، وغزارة تجربته الثورية الفذة) حسب قولها.
لقد كان فانون يعرف - حسب المجاهد - بأن الموت يترصده، وأنه كان يشعر بأن رسالته الثورية لم تكتمل ولن تكتمل إلا إذا أنهاها بعمل يخلد به حياته ومجده يضم خلاصة تجربته ورأيه في بناء المجتمع الجديد بواسطة الكفاح الثوري، فكتب كتابه (الكادحون في الأرض)، ورأت في لحظة من المبالغة المفرطة أن الثوار فقدوا فيه أخا ورفيقا، ومناضلا كبيرا ومفكرا عظيما، وانه
стр. 4937
سيبقى حيا بين الجزائريين إلى الأبد، لأنه ترك وراءه هذه الثروة الفكرية الثمينة التي ستفيد العالم الثالث في سيرته نحو حياة أفضل.
لقد قامت المجاهد بترجمة الكتاب إلى العربية خدمة لقرائها لأنه أحدث دويا في أوربا لم يحدثه كتاب من قبل منذ وثيقة ماركس وأنجلز (تقصد البيان الشيوعي سنة ١٨٤٨)، وقد تولت أسرة المجاهد الترجمة وحفظ الحقوق والنشر حتى في اللغات الأخرى غير العربية، وافتتحت نشر الكتاب بنشر المقدمة التي كتبها له جان بول سارتر الذي وصفته المجاهد بأنه (الفيلسوف الفرنسي الكبير)، ثم بعد ترجمة ونشر المقدمة والفصل الأول في جملة من الأعداد بدأت تنشر الفصل الثاني ... ولكنها توقفت فجأة عن ذلك دون أن ندري هل ظهرت ترجمة الكتاب كاملة في نطاق آخر، إن آخر ما نشر من الكتاب موجود في العدد ١٢٠ من المجاهد، وهو الفصل الثاني الذي انتهى بعبارة (يتبع)، ولكن شيئا من ذلك لم يتبع (١).
ويبدو أن فانون قد حظي عند الجزائريين بقسط كبير من الاحترام والتبجيل لأنه نصرهم بالفكر والطب عندما نصرهم الناس بالسلاح والمؤونة، وأنه فهمهم من داخل مجتمعهم بعد أن حلل نفسياتهم وتأكد من آمالهم، وهاجم الاستعمار بقلمه كما هاجموه ببنادقهم، ومن عادة الجزائريين أنهم يعطفون على المغبونين، وقد كان فانون مغبونا، وعلى المستضعفين وقد كان مستضعفا، وإذا أحبوا أحدا أو شيئا أحبوه بكل ما يملكون وإذا نفروا منه أبغضوه بكل ما يملكون أيضا، فلا توسط عندهم في المدح أو في القدح، وقد كان الإنصاف يقتضيهم أن يقدموا عنه معاصره ومواطنهم مالك بن نبي، ولكنهم ربما كانوا يشعرون بالأمن إذا مدحوا أجنبيا أو قدحوا فيه بينما يشعرون بالخوف إذا مدحوا واحدا منهم أو قدحوا فيه، كما كان لسيطرة اليسار على الثورة في وسائل الإعلام بالخصوص نصيبه في رفع فانون إلى سدة الفكر الماركسي بينما ابن نبي كان
стр. 4938
يرى أن مرجعية الثورة تتمثل في الإسلام وليس في الشيوعية أو حتى السانسيمونية، وما تزال معظم وسائل الإعلام والتأثير في يد اليسار عندنا إلى اليوم.
الدراسات الإسلامية والاجتماعية والسياسية والفانونية
الشؤون الإسلامية
رغم علمانية الثورة، كما ظهرت في تصرفات وتصريحات قادتها، فإنها أعطت للشؤون الإسلامية اهتماما خاصا، وأهم هذه الشؤون هي التاريخ الإسلامي والقضاء الإسلامي والأوقاف الإسلامية.
التاريخ الإسلامي
فتحت جريدة المقاومة الجزائرية بابا أسمته (صفحات خالدة من الإسلام) نشرت تحته حياة أسماء بنت أبي بكر الصديق (أول مجاهدة عربية)، و (سيف الله خالد بن الوليد)، و (السلام والإسلام) بمناسبة ذكرى مولد السيد المسيح ﵇، (وطارق بن زياد)، وذكرى (الأمير عبد القادر) بمناسبة مرور ٥٧ عاما على وفاته، و (كفاح الجزائريين بين الماضي والحاضر) , و (مرحبا بك يا رمضان)، و (البطل الخالد الإمام ابن باديس)، ومن (غزوة بدر إلى الكفاح الجزائري)، و (لست أبالي حين أقتل مسلما) (مقارنة بين دور الصحابي خبيب بن عدي وأحمد زبانة)، و (أم الأبطال: تماضر الخنساء)، و (خولة بنت الأزور).
وسنكتفي هنا بذكر أعداد جريدة المقاومة الجزائرية التي تناولت المواضيع السابقة، دون ذكر تواريخها، فالأعداد هي: ٣، ٤، ٦، ٨، ٩، ١١، ١٣، ١٥، ١٦، ١٧، وكلها بين سنتي ١٩٥٦ - ١٩٥٧ ومعظمها تحمل الطبعة الثالثة من الجريدة، إن ربط الثورة الجزائرية بوقاشع التاريخ الإسلامي ومواقف رجاله ونسائه البطولية كانت تخدم هدفين الأول إعطاء البعد الروحي للثورة تشجيعا
стр. 4939
للثوار والجماهير، والثاني اعتبار الثورة امتدادا للتاريخ العربي الإسلامي وأنها جزء من معركة متصلة الحلقات، فالهدف ليس هو فقط التحرير الوطني بل هو أيضا تحقيق انتصار الإسلام.
موقف الطرق الصوفية
يتساءل الدارسون لتاريخ الثورة عن موقف رجال الطرق الصوفية، والعلماء منها، سواء في أولها كرد فعل منهم، أو بعد تمكنها واتضاح برنامجها ومعرفة قادتها، ونحن إلى الآن لم ندرس هذا الموضوع دراسة علمية تاريخية ولم نجد من سلط عليه الأضواء الكافية، ولكننا وجدنا بعض المواقف المتحمسة أو المحسوبة على الاتجاه الإيجابي.
فبعد مرور سنتين على الثورة نشرت البصائر أن ثلاث زوايا وجهت إلى رئيس الحكومة الفرنسية برقية تطلب الاعتراف بالجنسية الجزائرية، وهذه الزوايا هي: الزاوية السحنونية في بني وغليس وشيخها هو محمد السعيد الشريف أمقران، وزاوية تومليكين في تغزيرت وشيخها محمد الطاهر آيت عيسى، وزاوية سيدي منصور في أزفون وشيخها محمد الشريف الضاوي، وجميع هذه الزوايا ترجع إلى الطريقة الرحمانية، وكلها أيضا في القبائل، وقالت الجريدة إن هؤلاء الشيوخ طالبوا رئيس الحكومة (جي موليه) بوجوب استعمال الرحمة والمساواة والتسامح مع سائر (المتساكنين) قائلين إن سياسة الاندماج لا يقبلها المسلمون لأن لهم دينهم وتاريمخهم وذاتيتهم ... أما الحل فيكمن في الاعتراف بالجنسية الجزائرية لمصلحة الجميع، وفي نظرهم أن هذا لا يتنافى مع الصداقة بين الجزائر وفرنسا.
والملاحظ أن هذه البرقية أرسلت بعد اشتداد الثورة، وبعد إعلان جمعية العلماء عن موقفها في يناير من نفس العام ببيان صادر عن مجلسها الإداري، وكذلك حزب البيان، والنواب، وبعد أن طلبت الجبهة من الجميع اتخاذ مواقف
стр. 4940
صريحة وواضحة، أثناء التحضير لعقد مؤتمر الصومام (١).
وصاحب الزاوية السحنونية هو محمد السعيد الشريف السحنوني، كما قلنا، وهو من زعماء الطريقة الرحمانية، ووالد أخينا علي مقران السحنوني، وقد اشتهرت هذه الزاوية بالعلم والكفاح في حوض الصومام، وجد العائلة هو السعيد أمقران الذي قاوم الاحتلال أثناء ثورة ١٨٧١ واستشهد في بني يراثن (نات يراثن)، ومن هذه العائلة محمد وعلي السحنوني الذي شارك في الثورة المقرانية وحكم عليه بالنفي من الجزائر، ثم هرب إلى الحجاز (المدينة المنورة) وفيها تزوج وتوفي (٢).
أما الشيخ محمد الشريف السحنوني المعاصر لثورة نوفمبر فقد فكر عند اشتداد الضغط عليه، في الهجرة بعائلته إلى الحجاز، وتعرض للتعذيب والإهانة والتشريد ولم يجتمع شمله بأسرته إلا بعد الاستقلال، فدخل السجن عدة مرات، آخرها سنة ١٩٥٨ حين القوا عليه القبض في منزله بسطيف، وتعرضت زاويته في (تغراست) لهجوم عسكري خرب الزاوية وما فيها، وكان عدد طلابها حوالي خمسين (٥٠) طالبا فساقوهم إلى السجن حيث عذبوا وأهينوا.
تخرج محمد الشريف من الزيتونة، وانتصب للتدريس في زاويتيه (السحنونية والوغليسية)، ولم يكن وحده في ذلك، فقد انضم إلى هيئة تدريس الزاويتين عدد من الأساتذة، وجاءهم من تونس الشيخ محمد الحبيب والشيخ الفرشيشي للمساعدة على التدريس، وقد بلغ عدد طلاب الزاويتين خمسمائة وخمسين طالبا (٥٥٠) وكان فيهما أبناء الجزائر والمغرب وجيبوتي وليبيا.
وجمع الشيخ محمد الشريف مكتبة غنية بالمطبوعات والمخطوطات بحيث بلغت المخطوطات حوالي ثلاثمائة (٣٠٠) كان قد اقتنى معظمها من تونس من مكتبات الشيوخ المتوفين والتي تباع عادة في المزاد، كما اشترى