الجبال القريبة من قريته دارسا متأملا يأتيه الناس بالطعام ويرد عليه التلاميذ للدرس، إلى أن استقر به الحال في زاوية بنطيوس.
ومن الواضح أن الأخضري قد أثر بعلمه أكثر مما أثر بتصوفه. فكتبه في العلوم التي أشرنا إليها كانت تدرس في المشرق والمغرب وتوضع عليها الشروح والحواشي. ولم نعرف عنه أنه ألف في التصوف غير (القدسية) وله أيضاء أرجوزة في طبيعة النفس (١). ولكن الأخضري لم يكن كالملياني أو الخروبي يؤلف في الأوراد والأذكار وغيرها من وسائل الدعاية للطرق الصوفية رغم أنه كان نظاما بارعا كما تدل كتبه التي سنتعرف عليها في مكانها من الجزء الثاني، بل هاجم البدع ومن سماهم علماء السوء ودعا إلى العمل بالكتاب والسنة. ويبدو أن عقله كان عقلا رياضيا أكثر منه عقلا صوفيا يميل إلى الغموض والروحانية (٢). وقد نسبت إليه قصيدة طويلة في نبوة (خالد بن سنان العبسي) (٣) ومطلعها:
سر يا خليلي إلى رسم شغفت به ... طوبى لزائر ذاك الرسم والطلل
جلت شواهده عزت دوائره ... ما خاب زائره في الصبح والأصل
ويقال إن الأخضري هو الذي أظهر نبوة خالد بن سنان فى المغرب
стр. 492
العربي وذلك في قوله:
إن النبوة قد لاحت شواهدها ... كيف المحالة والأنوار لم تزل
في خالد بن سنان البدر سيدنا ... أخصه بسلام رائق حفل
ورغم أن الأخضري لم يدع، كما قلنا، التصوف في وقته فإن الجيل اللاحق قد اعتبره من المرابطين الصالحين. فأقيمت على قبره قبة وأصبحت زيارته من المغانم عند الناس حتى العلماء منهم. ودعا إلى زيارة قبره علماء تلك النواحي أمثال مصطفى بن عزوز البرجي وعلي بن عمر الطولقي وعبد الحفيط الخنقي والمختار الجلالي. كما زاره علماء المغرب الذاهبين أو العائدين من الحج كالعياشي والدرعي. ونسبت إلى الأخضري طريقة حتى أن الحسين الورتلاني أقام عند ضريحه ثلاثة أيام يريد الانخراط فيها وأخذ بركة الشيخ، كما ذكرنا من قبل أن ولاة قسنطينة العثمانيين كانوا يعفون زاوية الأخضري وعائلته من دفع الضرائب لمقامه الديني (١).
٤ - محمد بن علي أبهلول:
أشرنا في عدة مناسبات إلى حياة أبهلول وزاويته، ولا نريد هنا أن نكرر ما قلناه (٢). والذي يهمنا عنه في هذا الفصل دوره في التصوف. فقد عرف عنه أنه كان (سفيان العابدين) وأن الناس كانوا يعتقدن فيه العلم والصلاح والزهد وأنه كان، بالإضافة إلى العلوم الشرعية، عالما بالنحو والمنطق والشعر. ومن شعره قصيدة طويلة يشكو فيها إلى الله من أهل وقته شأن معظم المرابطين عندئذ، وبدايتها:
أفوض أمري للذي فطر السما الخ ..
стр. 493
وقد قال عنه أبو حامد المشرفي الذي خصه بتأليف سماه (ياقوتة النسب الوهاجة) إن أبهلول قد (كسا علم التصوف طلاوة وبهجة. وكانت كراماته أوضح من شمس الضحى). وكان أبهلول من أشراف الأندلس الحسنيين جمع بين الشرف والصلاح إلى أن أصبح قطبا واضحا (١). ويبدو أن أبهلول المجاجي كان كالأخضري والثعالبي مشتعلا بالعلم والزهد، ولكن المتأخرين هم الذين نسبوا إليه الكرامات وسموه بالقطب ونحو ذلك. وقد نقل ابن سليمان من خطه بعض الأمور المتعلقة بحفظ القرآن وغيره كبلع قلب الغراب سخنا ممرغا في العسل (٢).
٥ - محمد بن بوزيان والطريقة الزيانية:
غير أن محمد بن بوزيان، مؤسس الطريقة الزيانية، كان على خلاف ذلك. فسيرته تبرهن على أنه كان فعلا يهدف إلى نشر الدعاية للطريقة الشاذلية بالوسائل التي كان قد استعملها من قبل محمد الهواري وأحمد بن يوسف الملياني وأضرابهما من المرابطين الدعاة. وقد كانت زاوية درعة مصدر تأثير صوفي كبير على بعض الجزائريين سواء بدراسة هؤلاء فيها والتتملذ الصوفي وأخذ الورد أو بمرور زعماء الزاوية أنفسهم في الجزائر عند الحج ونحوه. وقد عرفنا أن سعيد قدروة قد توجه إلى سجلماسة وأنه أخذ العلم والتصوف بها. ولعل مجيء الشيخ علي بن عبد الواحد السجلماسي إلى مدينة الجزائر كان لا يخرج عما ذكرناه. ومهما يكن من أمر فإن الشيخ وزيان يعتبر نموذجا آخر لهذه الصلات والتأثير. فقد توفى والده، وهو في عمر مبكر، فخرج من قريته (التحاتة) القريبة من القنادسة، متوجها إلى زاوية سجلماسة حيث كان الشيخ بوبكر بن عزة، زعيم الطريقة الشاذلية، فدرس
стр. 494
عليه القرآن الكريم. وقبل وفاة ابن عزة أخذ عليه بوزيان سر الطريقة أيضا. ثم توجه إلى فاس طلبا للعلم بناء على نصيحة شيخه. وبقي في فاس ثماني سنوات أخذ خلالها عن علماء بارزين في وقتهم، أمثال محمد بن عبد القادر الفاسي، وعبد السلام جسوس وأحمد بن الحاج، ثم عاد إلى مسقط رأسه بالقنادسة.
وتذهب مصادر الطريقة الزيانية إلى أن محمد بن بوزيان هو السابع والثلاثون في سلسلة الطريقة الشاذلية، ومن ضمن المذكورين في هذه السلسلة شيخه بوبكر بن عزة ومحمد بن ناصر الدرعي، بالإضافة إلى أبي مدين الغوث وأبي الحسن الشاذلي والملك جبرائيل. ومنذ عاد بوزيان إلى القنادسة بدأت تظهر عليه الكرامات وجاءه الناس من كل فج وأصبح عندهم قطب أهل التصوف واستوى في ذلك العامة والخاصة. حتى أن معاصره الشيخ عبد الرحمن القرزازي (مؤسس الطريقة القرزازية بالقرب من بني عباس) قد جاءه زائرا ونصح الناس بزيارته. وكان بوزيان يختفي فجأة عن أعين الناس لمدة أسبوع ثم يعود إلى الظهور، وكان يركب الحمار أو يمشي حافي القدمين. وكان غذاؤه من الأعشاب وأوراق الشجر، وكان يغسل ثيابه بنفسه. وقد بنى زاوية بالحجر والطوب أصبحت مقصد الزوار الذين بلغوا أحيانا أربعمائة زائر. وكانوا يأتون إليه بالقمح والشعير والشحم والعسل. وأصبحت القنادسة، بعد بناء الزاوية، غنية بعد فقر ومعرفة بعد أن كانت نكرة وراوية بعد عطش. فقد حفر بوزيان الآبار بالزاوية نفسها وفي غيرها للسابلة ولأهل البلاد الذين كان يعوزهم الماء، وكان يذهب بدوره لزيارة أضرحة مشائخه في سجلماسة حيث قبور ابن عزة وابن ناصر وغيرهما. وكان يزور صديقه المرابط عبد الرحمن القرزازي المعروف أيضا باسم بوفلجة. وكان بوزيان لا يخاف الولاة ولكنه لا يذهب إليهم، فكان موضع احترامهم.
واستعمل بوزيان تعاليم الطريقة الشاذلية إذا لم يكن قد بالغ فيها بعض الشيء نتيجة التخلف العلمي في المنطقة والحاجة إلى اتخاذ المقنعات عند الناس. فقد أشيعت عنه الكرامات واتخذ السبحة لازمة له حتى كان يقول
стр. 495
عنها (السبحة واللوح إلى خروج الروح). وإذا كان يشير بالسبحة إلى الذكر على الطريقة الشاذلية فهو يشير باللوح إلى قراءة القرآن وإلى العلم عامة. وكان ذلك هو دأبه إذ كانت طريقته تقوم على أداء الذكر ومعرفة السلسلة الشاذلية وسلسلة أهل التصوف السابقين. أما السبحة والخرقة فلم يكن له فيها تقليد معين. وطريقة الذكر عنده هي التي أوردها الشيخ محمد بن يوسف السنوسي في العقيدة الصغرى. وكان سلوكه في بقية حياته يشبه سلوك معظم المرابطين المنتسبين إلى الشاذلية. فقد حج وتزوج عدة مرات، وكان له بنون وبنات. وكان يقبل الهدايا أيضا، ولكن مصادر طريقته تشير إلى أنه كان لا يبالي بلذائذ الطعام والشراب ولا بفاخر الثياب. وبعد حياة حافلة بالنشاط العلمي والصوفي توفي بوزيان بالقنادسة سنة ١١٤٥، فخلفه ابنه محمد الأعرج الذي ظل على رأس الزاوية إلى وفاته أيضا سنة ١١٧٥. وقد استمر أولاده وأحفاده يتوارثون إدارة الزاوية وينشرون منها التعليم ومبادئ الطريقة الشاذلية إلى العهد الفرنسي (١).
٦ - محمد بن عبد الرحمن الأزهري والطريقة الرحمانية:
ورغم أن الطريقة الرحمانية قد ولدت خلال القرن الثاني عشر (١٨ م) فإنها لم تلعب دورا بارزا دينيا وسياسيا ولم تنتشر في أنحاء الجزائر إلا في القرن الثالث عشر. ومؤسسها هو الشيخ محمد بن عبد الرحمن الجرجري المعروف أيضا بنسبته إلى زواوة وإلى الأزهر (الزواوي والأزهري). وهو من قبيلة آيت إسماعيل من عرش قشطولة. وتاريخ ميلاده غير متفق عليه، ولكن بعضهم قدره بين ١١٢٧ و ١١٤٢. وقد توفي بالجزائر سنة
стр. 496
١٢٠٨ (١). وبعد أن تعلم بزاوية الشيخ الصديق بن أعراب بآيت ايراثن توجه إلى المشرق حوالي ١١٥٢ حيث ظل مدة طويلة قدرها بعضهم بثلاثين سنة وقدرها آخرون بربع قرن. ومن أساتذته في الأزهر سالم النفراوي وعمر الطحلاوي وحسن الجداوي والعمروسي. ثم عاد حوالي سنة ١١٧٧ إلى قريته (آيت إسماعيل) لنشر أفكاره وطريقته بين أهل بلاده وأسس زاويته هناك. ويقال إنه قد تلقى تعاليم الطريقة الخلوتية على الشيخ محمد بن سالم الحفناوي عندما كان بالقاهرة (أو مكة؟). وقد أمره شيخه أن ينشرها في الهند والسودان. وفي رسالة من الأزهري إلى بلحسن اليوسفي، نقيبه بتونس، قال إنه قد أقام ست سنوات في دارفور بالسودان الذي توجه إليه بأمر من شيخه الحفناوي ليقرئي السلطان هناك (٢). وكان له في الجزائر أثناء إقامته بالمشرق تلاميذ يتراسلون معه ويعلمهم مبادئ الطريقة الخلوتية. ومن تلاميذه الذين منحهم الإجازة أثناء إقامته في الجزائر بلقاسم بن محمد المعاتقي الذي رفعه إلى رتبة مقدم الطريقة والشيخ العابد بن الأعلى الشرشالي. وسنعرف أن الشيخ أحمد التجاني، مؤسس الطريقة التجانية، قد أخذ عنه أيضا.
وتضمنت مراسلات محمد بن عبد الرحمن الأزهري كثيرا من مبادئ الطريقة الخلوتية. فهي تتحدث عن التصوف وأهل الدائرة وأهل التصريف ومراتب الغوث والقطب وحول ذلك مما يتعلق بأصول التصوف التي أصبحت بدورها أصولا للطريقة الرحمانية. ويذهب بعض المؤرخين إلى أن طريقة الذكر عند الرحمانيين قد تأثرت بالثقافة الهندية، وهو أمر جعل هذا الباحث يرى أن الأزهري قد استجاب فعلا لدعوة شيخه في الذهاب إلى الهند، لأن أمر الشيخ يجب أن يطاع. ويستعمل الرحمانيون الذكر في حلقات ويرددون
стр. 497
اسم الله بالتدرج إلى أن يصلوا إلى حالة (الحال) وهو درجة من الانجذاب والوجد يمارسها المتحلقون بصوت جماعي بقيادة الشيخ أو المقدم (١). ويتمثل إعطاء الورد عند الرحمانيين في التعوذ من الشيطان الرجيم والاستغفار والتشهد وقراءة الفاتحة وبعض الأدعية. ويطلب من المريد أن يذكر الله كثيرا آناء الليل وأطراف النهار، وأن يكرر الشهادة من العصر يوم الجمعة إلى العصر يوم الخميس، أي ستة أيام سواء كان المرء على طهارة أو غير طاهر. والمطلوب منه أيضا قراءة الصلاة الشاذلية وهي اللهم صلي على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه، بعد عصر يوم الخميس إلى عصر الجمعة. ثم يكرر الشهادة من عصر الجمعة إلى الخميس التالي. وهكذا طول حياته. وكل من يعطي الورد يقدم أيضا نصائح إلى المريد فيها الحث على طاعة الله واتباع السنة وتكرير الشهادة سبعين ألف مرة، ونحو ذلك (٢).
وقد انتشرت تعاليم الأزهري في الجزائر، وخصوصا في شرقها ووسطها وفي تونس. وأصبح لها كثير من الأتباع عشية الاحتلال الفرنسي وبعده. ويبدو أنها قد انتشرت بين الفقراء وسكان الأرياف بالخصوص. وقد عرفنا أن بعض الشعراء الشعبيين كانوا ينشرونها في المدن أيضا في أماكن التجمع العامة، مثل أبي القاسم الرحموني في قسنطينة، كما انتشرت في الصحراء الشرقية ومنطقة الجريد بتونس. ومن الملاحظ بهذا الصدد أن محمد بن عبد الرحمن الأزهري قد عاش في الحجاز في عهد ظهور حركة الشيخ محمد بن عبد الوهاب بنجد وتوفيا تقريبا في نفس الوقت. ومع ذلك لا نكاد نجد أي أثر للحركة الوهابية في تعاليم الطريقة الرحمانية في الفترة التي ندرسها.
وأدت زاوية الأزهري خدمة هامة في نشر التعليم أيضا. فقد كان لها
стр. 498
عدد من الأساتذة في حياة الأزهري نفسه. ومن هؤلاء الشيخ أحمد بن الطيب بن الصالح الرحموني الذي وضع سنة ١٢١٢ رجزا في الفقه ظل قضاة جرجرة يستعملونه. وقبل وفاة الأزهري عين خليفته على الزاوية، وهو الشيخ علي بن عيسى المغربي، وترك له جميع كتبه وأرضه وأوقاف الزاوية وغير ذلك. وأشهد على ذلك أهل آيت إسماعيل، وقد ظل الشيخ علي بن عيسى يدير الزاوية تعليما وطريقة من سنة ١٢٠٨ إلى ١٢٥١. ولكن حياة الزاوية بعد ذلك لا تهمنا الآن (١).
٧ - أحمد التجاني والطريقة التجانية:
ومن تلاميذ الأزهري، مؤسس الطريقة التجانية، الشيخ أحمد التجاني. فقد التقى به في زواوة (ولعل ذلك كان في آيت إسماعيل) بعد عودة الأزهري من المشرق. وهناك درس عليه التجاني وأخذ عليه الذكر. ومع ذلك فإن أثر الطريقة الرحمانية على الطريقة التجانية يكاد يكون منعدما. ذلك أن التجاني قد قال، بعد حياة مليئة بالتجارب والتجوال، إن (الفتح) قد جاء من الرسول ﷺ مباشرة، وأنه لم يكن في حاجة إلى أخذ السند من العلماء الآخرين، ولو كانوا مرابطين، لأن (المقصود) لم يأت منهم.
ولد أحمد التجاني في عين ماضي سنة ١١٥٠ فقرأ بها على شيوخها القرآن وغيره إلى أن بلغ نحو العشرين سنة فتوجه إلى فاس، كما يفعل معظم علماء النواحي الغربية من الجزائر، لأخذ العلم على علمائها، وهناك تبدأ حياته التي تذكرنا بحياة محمد بن بوزيان القريب العهد به، بل والقريب منه
стр. 499
جغرافيا أيضا. وفي فاس لا نعرف أن التجاني قد اشتغل بالعلم العملي. ذلك أنه ظل، كما تروي المصادر، يحوم هنا وهناك ويتلقى الأوراد والأذكار أكثر مما كان يتلقى العلوم الشرعية والأدبية واللغوية. فقد أخذ عن الشيخ الطيب الوزاني شيخ الطريقة الطيبية أوراد هذه الطريقة، كما أخذ عن الشيخ محمد بن عبد الله التزاني المشهور بالريف مبادئ الطريقة الناصرية. ولقي أيضا الشيخ أحمد الصقلي وغيره من (الأقطاب والأولياء) وتبرك بهم.
وبعد فاس قضى التجاني فترة غير قصيرة يتردد على الصحراء وتلمسان. فقد بقي في (الأبيض سيدي الشيخ) خمسة أعوام يتعبد عند ضريح سيدي الشيخ المتبرك به لأن التقاليد تذهب إلى أن سيدي الشيخ كان من نسل أبي بكر الصديق ﵁. كما زار التجاني عين ماضي مسقط رأسه، ولكن لم يمكث فيها طويلا، فهو فيها معروف ولم يكن فيها من العلماء والصلحاء من كان يبحث عنهم. لذلك توجه إلى تلمسان التي بقي بها أيضا حوالي خمس سنوات (١١٨١ - ١١٨٦)، ولكن تلمسان القرن الثاني عشر لم تعد هي تلمسان القديمة، فالعثمانيون كانوا يسيطرون عليها، وأحوالها العلمية والدينية لم تعد ترضي الطموحين أمثال أحمد التجاني. لذلك تاقت نفسه إلى الحج فمر بزواوة حيث أخذ الطريقة الخلوتية على محمد بن عبد الرحمن الأزهري كما أشرنا، وتوقف في تونس ومصر وأخذ عن بعض صلحائهما. وبعد حوالي سنتين في المشرق عاد التجاني إلى تلمسان التي كان يتردد بينها وبين فاس. ثم انعزل عن المدن تماما حين ذهب إلى توات وأبي سمغون. وفي الأخيرة استقر نهائيا بعد قلق وتجوال. ولكن بايات وهران لاحقوه ونغصوا عليه حياته هناك أيضا فاتجه إلى فاس سنة ١٢١١ بأهله. وقد رحب به السلطان سليمان وأحضره مجلسه وأعطاه دارا كبيرة وراتبا. وقد اشتكى التجاني إليه من (جور الترك وظلمهم) (١)، وظل في فاس إلى أن أدركته الوفاة سنة ١٢٣٠.
стр. 500
يذهب أتباع الطريقة التجانية إلى أن الشيخ أحمد التجاني قد أحس يإرهاصات (الفتح) قبل توجهه إلى الحج عندما كان في تلمسان. كما يذهبون إلى أن ذلك كان عبارة عن (الفتح الصغير) أما (الفتح الكبير) فقد جاءه عندما كان في قرية أبي سمغون وعمره إذاك حوالي خمسة وأربعين عاما. والمقصود بالفتح الكبير عندهم هو رؤية الرسول ﷺ الذي أذن له (في تلقين الخلق بعد أن كان فارا من ملاقاتهم). وبعد أربع سنوات وقع له (الفتح الأكبر) بنفس القرية أيضا. وهناك تجمع الناس حوله (١). وهكذا بدأت صفحة جديدة من حياة التجاني، وهي صفحة شبيهة بما كان قد حدث قبله لغيره من المنتسبين للولاية والصلاح والذين أتينا عليهم. فلم يكن التجاني إذن بدعا في هذا التيار، كان التجاتي يقول إن سنده الحقيقي وأستاذه في طريق التصوف هو الرسول نفسه ﷺ ، وأن ما تلقاه من المشائخ الآخرين من الأوراد والسلاسل والعهود لم يرو ظمأه ولم يحقق له المقصود، وأضاف أن الرسول أيضا هو سنده في الورد المعلوم. وأما (المسبحات العشر فأخذناها مشافهة عن شيخنا .. محمود الكردي المصري .. وأما أحزاب الشاذلي ووظيفة زروق ودلائل الخيرات والدور الأعلى فكلها أخذناها بالإجازة فيها عن شيخنا القطب سيدي محمد بن عبد الكريم السمان، قاطن المدينة المنورة) (٢). وهكذا نرى أن التجاني قد جمع خلاصة الطرق السابقة من شاذلية وطيبية ورحمانية وناصرية وغيرها.
وقد ظهرت دعوة التجاني في الوقت الذي بدأ العثمانيون يتوجسون
стр. 501
خيفة من نشاط الطرق الصوفية عموما. ذلك أن ظهور الطريقة الطيبية في المغرب وعلاقتها السياسية بالحكم هناك، كذلك ظهور الطريقة الدرقاوية وامتداد نشاط الطريقتين إلى الجزائر وتردد التجاني بين فاس وتلمسان والصحراء، كل ذلك قد أثار مخاوف العثمانيين في الجزائر. وقد حاولوا وقف نشاط الطريقتين الأوليين اللتين كان عدد من علماء الجزائر قد انضم إليهما. كما حاولوا ضم عين ماضي والأغواط وغيرهما إلى إقليم وهران. لذلك توجه الباي محمد الكبير في حملته المعروفة إلى عين ماضي وقاد حربا هناك ضد أتباع التجاني. كما شملت حملته عدة مدن وقرى صحراوية كالأغواط وشلالة، وعاد من هناك منتصرا (١).
ويذكر محمد بن عبد السلام الناصري الدرعي في رحلته أن أحمد التجاني قد ورد عليهم في المغرب رافضا سكنى بلده ومطلقا زوجه فيها وأنه كان (منزعجا من بعض أمراء الترك بالجزائر). وقال الدرعي انه قد تذاكر معه في ذلك فوجده من انزعاجه وسخطه يرى (تحريم التدريس) في هذا الزمن لذهاب شرطه وهو الامتثال، وتطهير الباطن كالظاهر وتحسين النية. وقد حاول الدرعي إقناعه بأن الأمر عكس ما يراه وأن الناس في ذلك الوقت أحوج إلى التدريس من أي وقت آخر، لأن الجهل عام، وأنه لو أخذ الناس برأيه لانقرض العلم (٢). وتظهر من هذا السياق العلاقة بين التجاني والعثمانيين وموقف التجاني من نشر العلم في ذلك الوقت. فهو، خلافا للمرابطين الآخرين المؤسسين للطرق الصوفية، كان متوسط الثقافة ولم تكن دراسته بالجزائر والمغرب والمشرق تتعدى، كما يظهر من سيرته، حفظ القرآن
стр. 502
الكريم وبعض الأحاديث والأسانيد ومبادئ الطرق الصوفية المذكورة. أما ما أخذه من ذلك عن طريق الإجازة فلا يعول عليه لأن الإجازة كانت عندئذ تعطي تقريبا لكل عابر سبيل. ومن جهة أخرى فإننا لا نعرف أن التجاني قد أسس في الجزائر، كما فعل بعض زملائه المرابطين، معهدا للتعليم أو أنه قد تصدر هو للتدريس. ومع ذلك فإن الطريقة التجانية قد انتشرت ووجدت لها أتباعا في الجزائر وأصبحت ذات أهمية كبيرة اجتماعيا وسياسيا. ولكن أهميتها قد ظهرت، كالطريقة الرحمانية، في العهد الفرنسي وليس في العهد العثماني.
٨ - الحاج مصطفى الغريسي والطريقة القادرية:
كنا أشرنا إلى أن الطريقة القادرية قد ظهرت في الجزائر قبل مجيء العثمانيين (١). وقد اختلطت تعاليمها بالطريقة الشاذلية وغيرها. وكان العثمانيون قد شجعوا القادرية في أول أمرهم. ومن الملاحظ أن بعض الحجاج الجزائريين من العلماء والصالحين كانوا يتوجهون بعد أداء فريضة الحج إلى بغداد لزيارة ضريح الشيخ عبد القادر الجيلاني وتقديم الهدايا الثمينة إلى حراس الضريح، وكانت تلك الزيارة عندهم جزءا مكملا للحج والرحلة من أجله، إذ لا يصح أن يعودوا إلى بلادهم دون الوقوف على ضريح (مولى بغداد) والتبرك به. ورغم أننا لا نعرف قبل زاوية القيطنة أن أحد المرابطين قد أسس زاوية خاصة بالطريقة القادرية فإن تعاليم هذه الطريقة كانت منتشرة خلال العهد الذي ندرسه. وقد أورد محمد بن سليمان مؤلف (كعبة الطائفين) أخبارا عن الطريقة القادرية. وروى الورتلاني من جهته أنه زار في بجاية القبر المنسوب إلى عبد القادر الجيلاني وتحدث عن كراماته.
ومهما كان الأمر فإن الشيخ الحاج مصطفى المختاري الغريسي قد
стр. 503
أسس، حوالي سنة ١٢٠٠، زاوية قادرية بالقيطنة، الواقعة على وادي الحمام قرب مدينة معسكر. وكان الحاج مصطفى من علماء الوقت وصلحائه وكان يتردد على الحرمين حتى بلغت حجاته أربع حجات. وفي إحداها توجه إلى بغداد ثم رجع وهو عاقد العزم على بناء زاوية تكون مركزا للتعليم ومبعثا للطريقة القادرية، فكان ما أراد. غير أنه أثناء عودته من الحجة الرابعة توفي في عين غزالة قرب درنة بليبيا، وقد تولى أمر الزاوية من بعده ولده محيي الدين الذي كان من شيوخ العلم المشهود لهم. وهو الذي تولى أيضا تعليم ولده عبد القادر، بطل المقاومة الجزائرية ضد الفرنسيين. وأصبح الشيخ محيي الدين يلقن أوراد الطريقة القادرية للمريدين وينشر العلم من الزاوية التي كانت عبارة عن معهد كما سبق أن أشرنا في فصل التعليم. وبالإضافة إلى نشر العلم وتلقين الورد كانت الزاوية محطة للزائرين والغرباء والفقراء. وقد قيل إن الناس كانوا يتنافسون في النفقة عليها. وبعد وفاة الشيخ محيي الدين سنة ١٢٥٠ تولى ولده محمد السعيد أمر الزاوية، أما ولده عبد القادر فقد تولى أمر المقاومة التي أخذت عليه كل الوقت وأصبح رمزا لجمع الكلمة وتوحيد الشعب تحت راية الوطنية (١).
وكانت العلاقة ودية بين الزاوية القادرية والعثمانيين في أول الأمر. فنحن نعلم أن أحد بايات وهران قد أسهم في بناء مسجدها، ولعله قد أسهم أيضا في أوقافها، ولكن نقمتهم العامة على زعماء الطرق الصوفية قد شملت أيضا زعيم الطريقة القادرية. فقد احتجز الباي حسن، الشيخ محيي الدين أثناء ذهابه إلى الحج ومنعه من ذلك خوفا من نشاطه بعد أن أصبحت الزاوية على درجة كبيرة من الأهمية وبعد أن أصبح الناس يتجمعون بكثرة في الطريق، كما جرت العادة، لتوديع ركب الحج الذي كان محيي الدين على رأسه، ورغم أن الباي قد سمح للشيخ بالحج في موسم آخر فإن ذلك الموقف منه كانت له عواقب هامة. ذلك أن الباي قد أسرع بتسليم وهران إلى
стр. 504
الفرنسيين ساعة الاحتلال، لأنه كان يعرف أنه لا الطريقة القادرية ولا الدرقاوية ولا التجانية ولا غيرها كانت تقف معه. كما أن القادرية قد اندمجت غداة الاحتلال في تيار الحركة الوطنية مستعملة نفوذها الروحي للدعوة إلى الجهاد ضد الفرنسيين (١).
٩ - الطريقة الطيبية في الجزائر:
ولدت الطريقة الطيبية في وزان بالمغرب الأقصى. وكان مؤسسها هو الشيخ عبد الله الشريف المتوفي سة ١٠٨٩. وقد ولد الشيخ في قبيلة بني عروس في جبل علام بالمغرب. وبعد الدراسة في تطوان قصد فاس وتتلمذ على علماء القرويين وانتهى به الأمر إلى أن أسس زاويته بعد تجوال وتأمل وبحث. وكان الشيخ يحتقر شهوات الدنيا، وبدأ حياته فقيرا حتى أنه حين تزوج لم يجد ما يدفعه مهرا إلى أن جاءه المهر عن طريق الكرامة الصوفية. ولكن الزاوية توسعت في عهده حتى أنها كانت تطعم، على ما يقال، أربعة عشر ألف نسمة. وقد تولى الزاوية من بعده أبناؤه وأحفاده، فتولاها ابنه محمد بن عبد الله الشريف، وتوسعت في عهده وأصبح لها فروع ومقدمون في المغرب والجزائر. وجاء بعده ابنه الثاني ثم أخوه الطيب الذي ظل على الزاوية من سنة ١١٢٧ إلى ١١٨١. وفي عهد هذا الأخير (الشيخ الطيب) ازدهرت الزاوية ازدهارا عظيما. ومنذ ذلك الحين أصبحت تعرف (بالطيبية) رغم أن تأسيسها يعود إلى عهد الشيخ عبد الله الشريف كما عرفنا. وتتابع الأحفاد على الزاوية فتولاها الشيخ أحمد من ١١٨١ إلى ١١٩٥ ثم الشيخ علي من ذلك الحين إلى سنة ١٢٢٦، وهكذا.
لقد كانت الطيبية أيضا تستمد أصولها من الطريقة الشاذلية، وهي تعتبر الصلاة على النبي ﷺ أساس الذكر حتى أن الورد الذي لقنه الشيخ عبد الله الشريف لأتباعه كان يتمثل في تكرير الصلاة على النبي أربعا وعشرين ومائة وألف مرة كل يوم وليلة. وكان نشاط الزاوية يقوم على العناية بالفقراء
стр. 505
والغرباء واليتامى والأرامل. والظاهر أن نشاطها في ميدان التعليم كان قليلا على الأقل في الجزائر.
والغالب أن تكون تعاليم الطريقة الطيبية قد جاءت إلى الجزائر أثناء عهد عبد الله الشريف، رغم أننا لا نملك دليلا واضحا على ذلك. فقد كان علماء الجزائر والمغرب يتبادلون الزيارات خلال هذا العهد. ففي أواخر القرن الحادي عشر جاء ابن زاكور كما عرفنا. وفي النصف الأول من القرن الثاني عشر ذهب ابن حمادوش إلى المغرب مرتين، ونعرف من رحلته الثانية أنه قد أقام بتطوان ودرس بها وزار ضريح الشيخ علي الريف عدة مرات. كما تردد على الجزائر أحمد الورززي. وهو أيضا من علماء تطوان كما عرفنا، ولعل تعاليم الطيبية قد تسربت إلى غرب الجزائر عن طريق (الفقراء) منذ ذلك العهد أيضا، ولا سيما في المناطق الجبلية والونشريس والظهرة وبعض المدن مثل مستغانم (١).
ومهما كان الأمر فقد دخلت تعاليمها الجزائر في العهود التالية. فنحن نعرف أنه في عهد الشيخ علي (١١٩٥ - ١٢٢٦) جاء إلى الزاوية بوزان طالبان من مستغانم واشتكيا إلى الشيخ من كثرة الديون التي كانت عليهما فقضى الشيخ حاجتهما وعادا من حيث أتيا. كما أننا نعرف أنه أصبح في وهران مقدم للطريقة الطيبية، وهو الحاج التهامي بن عمر. ولم يكن بعض بايات الغرب يرتاحون لنشاطه فسجنوه مرة، وكانوا يضيقون عليه الخناق. ورغم أن الطريقة الطيبية لم تقم ضد الترك في الجزائر بثورة شبيهة بثورة الطريقة الدرقاوية ضدهم فإنها كانت تثير مخاوفهم لعلاقتها السياسية بالمغرب، سيما وأن السلطان سليمان نفسه كان من أتباعه (٢).
стр. 506
١٠ - الطريقة الدرقاوية والطريقة الحنصالية:
وفي أعقاب العهد العثماني انتشرت الطريقة الدرقاوية في غرب الجزائر. وهي تنسب إلى الشيخ محمد العربي الدرقاوي (١). ويبدو أن عددا من علماء الجزائر قد انجذبوا نحو هذه الطريقة وأصبحوا من مريديها في ذلك العهد (١٢٢٠) ولما كانت الدرقاوية قد انتشرت في الوقت الذي تفاقم فيه الضعف السياسي للحكم العثماني في الجزائر فإن رد فعل هذا الحكم ضدها كان عنيفا. ثم ان الدرقاوية نفسها لم تدخر وسعا في إضعاف العثمانيين. فقد هاجمتهم في عقر دارهم وعلى جبهتين هامتين: إقليم قسنطينة وإقليم وهران. وكادت تهز النظام بكامله كما عرفنا (٢).
أما تعاليم الدرقاوية فهي متفرعة عن الشاذلية. وكانت لأتباعها سبح وخرق وأوراد وحلقات ذكر وطرق للاجتماع والانتخاب ونحو ذلك. وقد حاول الدرقاويون أن يعلموا الناس طرق العودة إلى الإسلام الأول فتقشفوا ومنعوا اللباس الفاخر والتزين، ولم يحلقوا الشعر، بل لبسوا الرث من الثياب وابتعدوا عن أمور الدنيا. وكانوا يجتمعون في المناطق النائية والصعبة.
стр. 507
وهناك ينتخبون رؤساءهم ويضعون برامجهم وخططهم، وقد تركز نشاطهم في الجزائر في منطقة الونشريس ومن زعمائهم فيها عبد القادر الشريف، الذي سبق الحديث عنه، وابن الأحرش المغربي المسمى البودالي محمد بن عبد الله (١) الذي قاد الثورة في نواحي قسنطينة. وما زلنا لا ندري ما العلاقة، إن كانت، بين الطريقة الدرقاوية والحركة الوهابية المتعاصرتين. ومهما كان الأمر فإن تحول الدرقاويين من التصوف إلى السياسة قد أضر بهم لأن الحكومتين الجزائرية والمغربية عندئذ قد تفاهمتا على كبح جماح طريقتهم. ولم يلعب الدرقاويون دورا بارزا في الحياة السياسية في الجزائر بعد الاحتلال الفرنسي (٢).
أما الطريقة الحنصالية فقد أسسها الشيخ يوسف الحنصالي الذي كان من ضواحي قسنطينة واشتهر أمره في عهد البايات المتأخرين حتى كانت داره تعتبر ملجأ لا يمسه أحد بسوء. والظاهر أنها لم تنتشر انتشارا واسعا كالطرق الأخرى. ولاشك أن للحنصالية علاقة وطيدة بالشاذلية أيضا وبالخلوتية (الرحمانية). والحنصاليون يذكرون الله بطريقة فردية بعبارة (أستغفر الله) مائة مرة وكذلك الشهادة مائة مرة. وعند صلاة الصبح يستغفرون الله خمسين مرة ويكررون الشهادة مائة مرة. وهم يفعلون نفس
стр. 508
الشيء عند صلاة المغرب (١). ومن أشهر رجال الحنصالية الشيخ أحمد الزواوي الذي عاصر صالح باي وثار عليه كما أسلفنا. ثم أخذها عنه بعض علماء قسنطينة أمثال الشيخ أحمد المبارك الذي تولى بهذه المدينة التدريس والفتوى وترك بعض التآليف. وقد قيل إن عائلة المبارك (المعروفة أيضا باسم عائلة العطار) أصبحت كلها حنصالية (٢). ويبدو أن الطريقة الحنصالية لم تكن على علاقة طيبة أيضا مع العثمانيين. فبالإضافة إلى ثورة أحمد الزواوي على صالح باي وجدنا أبا القاسم الرحموني الحداد يعرض في شعره بسوء الأحوال السياسية والاقتصادية في عهده ويشيد في نفس الوقت بالطريقة الحنصالية والرحمانية.
عبد الكريم الفكون ونقد المتصوفين
ونعتقد أنه لا يمكن أن تتضح معالم هذا الفصل إلا بالحديث عن ناقد سلوك المرابطين في وقته، وهو عبد الكريم الفكون. ولهذا السبب أيضا أخرنا الحديث عنه إلى هذا المكان. ففي دراستنا لإنتاج المتصوفين، وهو كثير، لم نجد منهم من انتقد معاصريه انتقادا لاذعا ودعا إلى ما يمكن أن نسميه (بالتصوف السلفي) إلا الأخضري وعبد الكريم الفكون (٣).
ولد عبد الكريم الفكون في قسنطينة سنة ٩٨٨. وهي السنة التي توفي فيها جده عبد الكريم الفكون فسمي عليه. فهو إذن عبد الكريم بن محمد بن عبد الكريم الفكون. وبعد حياة حافلة بالعلم والعمل توفي في نفس المدينة سنة ١٠٧٣. وقد كانت أسرة الفكون، كما أشرنا، تتمتع باحترام واسع في
стр. 509
قسنطينة لتحالفها منذ البداية مع العثمانيين. ورغم أن جده كان يجمع بين العلم والتصوف فإنه قد تعامل مع السلطات العثمانية فذهب على رأس وفد قسنطينة إلى العاصمة، ولكن حصل ما أوجب فراره مع زميله الشيخ عبد اللطيف المسبح إلى زواوة ثم أعيد إلى العاصمة وسجن، ثم رضيت عليه الدولة وأعادته إلى قسنطينة مكرما (١). وأصبحت أسرة الفكون منذئذ في خدمة الدين والدولة، فيها مشيخة الإسلام وإمارة الحج، وكان لها امتيازات اقتصادية ومعنوية لا حصر لها. فقد كانت من أغنى الأسر في قسطينة تملك العقارات والأراضي وتعيش عيشة راضية هنية. وكانت لها زاوية خاصة تطعم منها الفقراء وتنشر العلم وتستقبل الضيوف من الجزائر وخارجها، وتبث منها آثارها وتأثيرها.
وبعد وفاة عبد الكريم الفكون الجد تولى ابنه محمد (والد المترجم له) جميع وظائف والده من إمامة وخطابة بالجامع الكبير في قسنطينة. وكان محمد الفكون، كما يقول عنه ابنه، فقيها ومتصوفا أيضا، يقوم الليل ويدرس العلم. ولم نعرف أن العثمانيين الذين جددوا له ما كان لوالده من وظائف دينية قد منحوه لقب شيخ الإسلام. فقد توفي محمد الفكون أثناء عودته من الحج في مكان بين الحجاز ومصر سنة ١٠٤٥. ولكن عائلة الفكون قد بلغت مجدها الديني والدنيوي في عهد عبد الكريم الفكون الحفيد. فقد تولى وظائف والده مباشرة بعد وفاته كما أسندت إليه إمارة ركب الحج. ذلك أن الوثائق تتحدث عن تجديد تسميته أميرا لركب الحج سنة ١٠٤٨ من قبل علي باشا. ومما جاء في إحدى الوثائق أنه (الشيخ العالم القدوة التقي .. الناسك الأبر النحرير المؤلف .. البليغ سيدي عبد الكريم الفكون) وأنه قد أذن له بضرب الطبل والاتجاه بالمسلمين كما كان ويكون رقاس الرسول ﷺ وأن أحدا لا يمانعه ولا يعارضه ولا يدافعه لأنه أحق بإمارة ركب الحج، وهو جدير بالقيام بها حق القيام. وقد أرسلت هذه الوثيقة (وهي أمر من الباشا)
стр. 510
إلى (القواد والعمال والخاص والعام ببلد قسنطينة) (١).
ولمشيخة الإسلام امتيازات كثيرة وجميعها أعطت لعائلة الفكون، وعلى رأسها عبد الكريم الفكون الحفيد، صلاحيات اقتصادية وروحية تكاد تكون مطلقة. ويمكن تلخيص هذه الأمتيازات فيما يلي: قيادة بعثة الحج مع الحق الكامل في اختيار أعضاء القافلة والاستفادة من هذه المهمة ماديا بقدر الإمكان، وإدارة جميع أوقاف الجامع الكبير الهائلة بدون مراقبة ولا محاسبة، وإعفاء جميع الأوقاف التابعة للعائلة وجميع أملاكها في المدينة وفي الريف من الضرائب ومن كل الغرامات، والإعفاء أيضا من الغرامات والسخرة وحق دخول المدينة والخروج منها وحق توفير الطعام والسكن للجنود والموظفين العثمانيين، كما يستفيد خدم عائلة الفكون أيضا من هذه الإجراءات وكذلك رعاتها ومساعدوها والمتصلون بها، وأيضا تستفيد العائلة من نيل الهدايا والعطايا العقارية وغيرها. ومن حق العشر من الزرابي والخشب الممحول من نواحي الأوراس إلى قسنطينة، ومن حق المكس على أسواق الخضر والفواكه (٢). ومن جهة أخرى فإن جميع من يلتجئ إلى العائلة، سواء في المنزل أو غيره، ولو خارج المدينة، مصون لا يتعرض لأي عقوبة ولو ارتكب أكبر جريمة. وكل من مد شيخ الإسلام يده لحمايته لا يجوز التعرض له. كما أن لشيخ الإسلام الكلمة العليا في تطبيق الشريعة الإسلامية والسهر عليها. وقد كان عبد الكريم الفكون في السادسة والخمسين عندما تولى تلك الوظائف وعندما ألف كتابه (منشور الهداية) أيضا. وإذا كنا لا نستغرب موالاته للنظام العثماني عند ثورة ابن الصخري التي أشرنا إليها
стр. 511
(سنة ١٠٤٧) وغيرها فإننا نستغرب ثورته هو على ولاة هذا النظام الاستبدادي والمتعفن في قسنطينة عند تناوله لتراجم العلماء والمرابطين والمتصلين بالعثمانيين في كتابه. فكيف جمع بين الوظيف والنقد؟.
ومهما كان الأمر فقد تعلم الفكون على والده في زاوية العائلة وتربى على الثروة والجاه. ثم أخذ ينشد العلم حيث وجده ويتدرج في الحياة العامة. ومن شيوخه البارزين في قسنطينة محمد التواتي المغربي الذي أخذ عنه النحو والتصريف. وقد أثر التواتي دون غيره على الفكون فكان عقله عقلا ناقدا، وكان أسلوبه واضحا فثار على الغموض والبدع والانحراف، وأبى إلا أن يكون الدين ناصعا قويما سلفيا. ويدل على ذلك كتاباه (محدد السنان في نحور إخوان الدخان) و (منشور الهداية في كشف حال من ادعى العلم والولاية). ورغم أن الكتابين متصلان موضوعا إلى حد كبير فإن الذي يهمنا هو الثاني. وبالإضافة إلى هذين الكتابين نظم الفكون ديوانا كاملا في مدح الرسول ﷺ ، وألف شرحا على أرجوزة المكودي في التصريف، وآخر على مختصر عبد الرحمن الأخضري سماه (الدرر في شرح المختصر)، وله تقييد على مسألة وقف، وسربال الردة في القراءات، وفتح الهادي في النحو، ومجموعة خطب ورسائل وأشعار كثيرة. كما وعد بأنه سيسجل تقييدا على كرامات الشيخ عمر الوزان. وله غير ذلك. وسنعرض نحن إلى هذه التآليف
في مكانها من الجزء الثاني.
وللفكون مراسلات كثيرة مع علماء عصره، من ذلك مراسلاته مع سعيد قدورة (وهو يكتبه كدورة). ومراسلاته مع أحمد المقري صاحب (نفح الطيب) التي أشار إليها في (منشور الهداية)، كما جاء في (نفح الطيب) ما يؤكد ذلك (١). وقد روى مرويات الفكون تلميذه عيسى الثعالبي الذي تتلمذ أيضا على الشيخ محمد التواتي (٢). كما تراسل الفكون مع العالم التونسي
стр. 512
إبراهيم الغرياني القيرواني ومحمد تاج العارفين العثماني. وكانت له علاقة طيبة مع العياشي صاحب الرحلة الذي حج معه سنة ١٠٦٤ عندما كان الفكون أميرا لركب الحج الجزائري. وقد طلب منه العياشي عندئذ الاتصال بحضرته والانخراط في سلك طريقته، أي الطريقة الزروقية (١)، كما نزل عنده في قسنطينة العالم العثماني المللا علي ونشأت بينهما علاقات ودية، كما أشرنا. ولا نستطيع الآن أن نحصي مراسلاته واتصالاته، فهي كثيرة ومتنوعة، وجميعها تدل على مكانته العلمية في قومه وفي العالم الإسلامي عموما. فآراؤه إذن كانت تقوم على تجربة واسعة وعلوم غزيرة. ذلك أنه بالإضافة إلى التأليف كان له تلاميذ كثيرون يقصدونه من زواوة وعنابة ومتيجة والجزائر وغيرها، وكان مدرسا ناجحا في وقته (٢).
نقد الفكون علماء عصره سواء في الجزائر أو غيرها، وعاب على فقهاء المشرق تساهلهم في المسائل الفقهية. وقال إنهم كانوا يشربون الدخان في المساجد ولا يعظمونها حيث يأكلون فيها وينامون ويحلقون رؤوسهم. كما عاب عليهم تساهلهم في منح الإجازات وعدم احترام العلم. أما علماء بلاده فقد آخذهم على نقطتين بارزتين تعتبران مدار فلسفته في الإصلاح عندئذ، الأولى بيع ضمائرهم بقبول الرشوة وخدمتهم المطلقة للولاة وتضحيتهم بالعلم والأخلاق. والثانية انحراف المرابطين بادعائهم التصوف والولاية واتخاذهم الحضرة والوعدة وأكلهم الحشيش والاجتماع على الرقص الصوفي والغناء بهدف الحصول على المال واستغلال العامة والتحالف مع السلطة
стр. 513
أيضا للوصول إلى نفس الغرض. وإذا نظرنا إلى النماذج التي ساقها فإننا نحكم بأن صيحته كانت قد جاءت في وقتها. فقد كثر أدعياء الولاية والدجالون والمشعوذون حتى غطى البلاء السهل والوعر. ولا حاجة هنا إلى العودة إلى ذكر النماذج التي جاء بها. وقد كنا سقنا أيضا تعريفه للمتصوف الحقيقي في مقابلة المتصوف الدجال الذي كان ينتقده، وهو تعريف فيه ثورة صارخة ضد البدع والخرافات، وفيه دعوة واضحة إلى التصوف السلفي القائم على العلم والعمل معا. ويجد المرء في عدة أماكن من (منشور الهداية) نداء إلى ضرورة استخدام العقل والعمل بالاجتهاد. ومع ذلك لا يمكن أن يوصف الفكون بأنه كان متساهلا في تصوفه. فقد حكم عليه معاصروه أيضا بأنه كان محافظا وأن له مقاييس ثابتة في التصوف الإسلامي السلفي. وكان يرى أن التصوف قد تدهور تدريجيا. فجيل القرن العاشر (١٦ م) كان أفضل في تصوفه من جيل القرن الحادي عشر وهكذا. وقد وصفه زميله أحمد المقري بأنه كان (مائل إلى التصوف، ونعم ما فعل!) (١). ووصفه العياشي بأنه كان منزويا شديد الانزواء والانقباض عن الخلق ومجانبا علوم أهل الرسوم. وكان لا ينفك عن التوجه إلى الحرمين الشريفين رغم كبر سنه (٢).
...
وهكذا يتضح أن الجزائر خلال العهد العثماني كانت غنية بالمرابطين والطرق الصوفية. ولكن مرابطيها قد ابتعدوا شيئا فشيئا عن العلم والعمل به واقتربوا في أغلبهم من التدجيل والخرافة. ولم تكن لديهم فلسفة في التوحيد ولا عقيدة واضحة في الدين. وكل ما كانوا يفعلونه هو بناء الزوايا وادعاء الكرامات وإعطاء العهود والأوراد وتلقين الأذكار وجمع المال والهدايا من
стр. 514
الفقراء واستغلال العامة ماليا. وقليل منهم من سلك طريق الزهد والتصوف لله وعاش لدينه وعلمه. ومعظم الطرق الصوفية كانت نسخة مكررة لبعضها، ولا تكاد تختلف سوى في الزمن والبيئة أو في الاعتدال والمبالغة. ولا نكاد نجد طريقة أصيلة نابعة من ظروف سياسية أو دينية استوجبت ظهورها محليا. فقد كانت جميع الطرق مستوردة الأفكار من أجزاء العالم الاسلامي الأخرى، إما من المغرب (الدرقاوية، الطيبية، الزيانية الخ ..) وإما من المشرق (القادرية، الخلوتية، الخ ..) يضاف إلى ذلك الشابية التي انتشرت من
تونس، ومع ذلك فإن المرابطين وطرقهم قد لعبوا دورا بارزا في الحياة الثقافية والسياسية للبلاد. ذلك أن كثيرا من الأشعار والتآليف في المناقب والتصوف والسير قد ظهرت خلال هذا العهد. وكانت معظم الزوايا، كما عرفنا، مراكز للتعليم ومخازن للكتب، كما كانت الطرق الصوفية مصدر قلق للولاة الظالمين يخشون بأسها وثورتها، وكثيرا ما هددت كيانهم. ولذلك خصصنا هذا الفصل لدراسة دور المرابطين والطرق الصوفية.
انتهى الجزء الأول ويليه الجزء الثاني
стр. 515
المحتوى
стр. 516
_________
فئات المجتمع ....................................................................................... ١٤٨
دور المدن .......................................................................................... ١٦٨
الحياة الدينية والأدبية والفنية ........................................................................ ١٨٥
الجهاد أو الإحساس المشترك ....................................................................... ١٩٧
الثورات ضد العثمانيين ............................................................................ ٢٠٩
الفصل الثالث: المؤسسات الثقافية ................................................................ ٢٢٥
الأوقاف ......................................................................................... ٢٢٧
المساجد ........................................................................................ ٢٤٥
الزوايا والرباطات ............................................................................... ٢٦٢
المدارس والمعاهد العليا ......................................................................... ٢٧٣
المكتبات ...................................................................................... ٢٨٥
الفصل الرابع: التعليم ورجاله .................................................................. ٣١١
سياسة التعليم ................................................................................. ٣١٣
وسائل التعليم ................................................................................. ٣٢١
المعلمون - أجور المعلمين - التلاميذ - تعليم المرأة
المناهج ....................................................................................... ٣٣٨
في التعليم الابتدائي - في التعليم الثانوي - المواد
المدروسة - حوافز التعليم وأهدافه
بعض كبار المدرسين ......................................................................... ٣٥٦
سعيد قدورة - علي الأنصاري - سعيد المقري - عمر الوزان
الفصل الخامس: فئة العلماء ................................................................. ٣٨٥
مكانة العلماء ووظائفهم وميزاتهم .............................................................. ٣٨٨
تنافس العلماء وأخلاقهم ..................................................................... ٤٠٢
علاقة العلماء بالحكام ...................................................................... ٤٠٩
هجرة العلماء .............................................................................. ٤٢٣
العلماء المسلمون في الجزائر .............................................................. ٤٣٢
من قضايا العصر ....................................................................... ٤٤٤
стр. 517
_________
الفصل السادس: المرابطون والطرق الصوفية ................................. ٤٥٧
حركة التصوف عشية العهد العثماني ......................................... ٤٥٩
موقف العثمانيين من رجال التصوف ......................................... ٤٦٤
حالة التصوف ............................................................... ٤٧٢
سلوك بعض المتصوفين ..................................................... ٤٨١
بعض المرابطين وأهم الطرق الصوفية ........................................ ٤٩٣
الملياني - الخروبي - الأخضري - أبهلول -
بوزيان والزيانية - الأزهري والرحمانية - التجاني
والتجانية - الغريسي والقادرية - الطيبية - الدرقاوية والحنصالية
عبد الكريم الفكون ونقد المتصوفين .......................................... ٥١٩
стр. 518
دار الغرب الإسلامي
بيروت - لبنان
لصاحبها: الجيب اللمسي
شارع الصوراتي (المعماري) - الحمراء، بناية الأسود
تلفون: ٣٥٠٣٣١ - ٠٠٩٦١١: Tel / خلوي: ٦٣٨٥٣٥ - ٠٠٩٦١٣: Cellulair فاكس: ٧٤٢٥٨٧ - ٠٠٩٦١١: Fax / ص. ب. ٥٧٨٧ - ١١٣ يروت، لبنان
DAR AL - GHARB AL - ISLAMI B.P.: ١١٣ - ٥٧٨٧ Beyrouth, LIBAN
الرقم: ٣٣٧/ ٢٠٠٠/ ١١/ ١٩٩٨
التنضيد: كومبيوتايب - بيروت
الطباعة: دار صادر، ص. ب , ١٠ - بيروت
стр. 519
HISTOIRE CULTURELLE DE
L'ALGERIE
PAR
Professeur Aboul Kacem Saadallah
Université d'Alger
Tome ١
١٥٠٠ - ١٨٣٠
DAR AL - GHARB AL - ISLAMI
стр. 520
HISTOIRE CULTURELLE DE
L'ALGERIE
стр. 521
الدكتور أبو القاسم سعد الله
تاريخ الجزائر الثقافي
الجزء الثاني
(١٥٠٠ - ١٨٣٠)
دار الغرب الاسلامي
стр. 522
١٩٩٨ دار الغرب الإسلامي
الطبعة الأولى
دار الغرب الإسلامى
ص. ب. ٥٧٨٧ - ١٣١ بيروت
جميع الحقوق محفرظة. لا يسمح بإعادة إصدار الكتاب أو تخزينه في نطاق إستعادة المعلومات أو نقله بأي شكل كان أو بواسطة وسائل إلكترونة أو كهروستاتية، أو أشرطة ممغنطة، أو وسائل ميكانيكية، أو الاستنساخ الفوتوغرافي، أو التسجيل وغيره دون إذن خطي من الناشر.
стр. 523
تاريخ الجزائر الثقافي
стр. 524
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
تنبيهات
- للإحالة على الدوريات ذكرنا اسم الدورية بين قوسين فتاريخها فالصفحة فإذا ذكرنا رقما قبل التاريخ فهو عدد الدورية.
- للإحالة على الكتب المطبوعة ذكرنا أول مرة ما يتعلق بتعريف الكتاب فإذا أشير إليه بعد ذلك نذكر عنوانه بين قوسين فالصفحة منه وإذا كان له أجزاء ذكرنا رقم الجزء تليه الصفحة ويفصل بينهما خط مائل.
- للإحالة على مصدر مخطوط ذكرنا مكانه ورقمه وبعض أوصافه ومكملاته ما أمكن مثل حالته وصفحه أو ورقة الخ.
- وهناك بعض المصادر كنا اطلعنا عليها مخطوطة ثم نشرت، مثل (الثغر الجمالي) و (التحفة المرضية)، فإذا كانت الإحالة مطلقة فتعني المطبوع، وإلا فإن عبارة "مخطوط " تذكر إزاءها.
- لم نختصر عناوين المكتبات مثل: المكتبة الوطنية - تونس، المكتبة الوطنية - الجزائر، الخزانة العامة - الرباط، الخ. تفاديا للالتباس وتسهيلا، للبحث.
- لم تكتب أسماء المؤلفين الأجانب باللاتينية إلا نادرا. وقد حاولنا في نطقها الرجوع إلى أصل لغة المؤلف مثلا شيلر وليس شالير كما هو في الفرنسية، الخ.
- في فهرسة الأعلام اتبعنا التنظيم الأبجدي العالمي، مع الاستغناء عن "ابن" و "أبو".
- زيادة في التوضيح نذكر أسماء المجلات الآتية مع أصلها باللاتينية
- (أنال) annales
стр. 525
- (روكاي) Recueil des notes et mémoires de Constantine
- (نشرة جغرافية وهران) Bulletin de la Société de géographie d'Oran
- (المجلة الإفريقية) Revue Africaine
- (المجلة الآسيوية) Journal Asiatique
- (مجلة العالم الإسلامي) تعني - المجلة التي تحمل هذا الاسم بالإنكليزية والفرنسية، ولكننا فرقنا بينهما بذكر عبارة "بالإنكليزية"، أو "بالفرنسية".
Revue du Monde Musulman
Moslen world review
Société de Géographie D'alger et de L'afrique du nord = Sgaan
- مجلة الجمعية الجغرافية لمدينة الجزائر وشمال إفريقية.
стр. 526
الفصل الأول
العلوم الشرعية
стр. 527
حول التقليد والتجديد
نقصد هنا بالعلوم الشرعية الدراسات القرآنية كالتفسير والقراءات، والحديثية كرواية الحديث ودرايته، بما في ذلك الأثبات والإجازات، والفقهية من العبادات والمعاملات كالنوازل. وقد كثرت هذه الدراسات بين الجزائريين خلال العهد العثماني حتى أنه يمكن القول بأن أغلب إنتاج الجزائر خلال هذا العهد يكاد ينحصر في العلوم الشرعية والصوفية والمجالات الأدبية. ورغم أن معظم الإنتاج في العلوم الشرعية كان يفتقر إلى الأصالة والجدة، فإن كثرة التأليف فيه يبرهن على سيطرة العلوم المذكورة على الحياة الفكرية عندئذ. ولا شك أن ذلك يعود بالدرجة الأولى إلى كون القرآن والحديث كانا المنبع الذي يستمد منه الجزائريون كل ألوان تفكيرهم وأنماط حياتهم.
وأهم ما تميزت به العلوم الشرعية في هذا العهد التقليد والتكرار والحفظ. فالفقهاء قلما اجتهدوا أو استقلوا بآرائهم، بل كانوا يقلدون سابقيهم تقليدا يكاد يكون أعمى. فإذا ما حاول أحدهم أن يشذ عن هذا التيار أقاموا عليه الدنيا وأقعدوها، واجتمع عليه المجلس الشرعي الذي كانت تتدخل فيه الدولة. وفي أحسن الأحوال كان يحكم على المستقل برأيه بعزله من وظيفته. أما في أسوأ الأحوال فالحكم عليه بالتكفير والزندقة. ومع ذلك حاول بعض الفقهاء تحطيم هذا الجدار. ومنهم عبد الكريم الفكون في القرن الحادي عشر (١٧ م)، وأحمد بن عمار في القرن الثاني عشر، ومحمد بن العنابي في أوائل القرن الثالث عشر. وقد سقنا في الجزء الأول عدة نماذج من ثورة الفكون على الجمود العقلي لدى فقهاء عصره. ونود أن نضيف هنا
стр. 528
قوله عن ظاهرة الحفظ لدى هؤلاء الفقهاء. فقد استشهد ذات مرة، وهو ينعي على صديقه أحمد المقري عدم دقته العلمية واعتماده على الحفظ، بكلام أبي بكر ابن العربي من أن "العلم ليس بكثرة الرواية وإنما هو ما يظهر عند الحاجة إليه في الفتوى من الدراية، وأن السرد للمعلومات إنما حدث عند فساد القلوب بطلب الظهور والتعالي عن الأقران وكثرة الرياء في الأعمال". وقد علق الفكون على هذا من أن ما قاله ابن العربي يعبر عن الواقع في الجزائر وغيرها، فلا ترى إلا من يقول قال فلان قال فلان أو يذكر نص التأليف بدون تغيير. فإن صادف الحكم الحكم نجا وإلا أصبح كالصيد في الشبكة. وهم يفعلون ذلك حبا للمدح وصرفا لقلوب الخاصة والعامة إليه. ولو (سئل عن وجه الجمع بين المتشابهين أو الفرق بين المسألتين يقول النص هاكذا (كذا)، ويستظهر بحفظ النصوص، وهل هذا إلا جمود في غاية الجمود) (١).
ويعتبر نقد الفكون في غاية الصراحة والدقة. ذلك أننا لا نعرف أن فقهاء الجزائر الذين عاشوا في القرن الأول من العهد العثماني قد نادوا بتقديم الاجتهاد العقلي (الدراية) على التقليد (الرواية). فهم كانوا يرددون أقوال المتقدمين ويحفظونها حفظا سطحيا لا عقل فيه ولا تفكير، ويسردون المسائل كما هي في الكتب لا كما تقبلها أو ترفضها عقولهم. ويتظاهرون بالحفظ وقوة الحافظة، وكل العلم عندهم ما حواه القمطر. فإذا عدت إلى كتاب كـ (البستان) لابن مريم تجده لا يترجم لأحد الفقهاء إلا قال عنه إنه كان يحفظ كذا وكذا من الكتب. وقد وصف أحمد المقري معاصروه بأنه كان أحفظ أهل زمانه حتى قال فيه أحدهم بأنه لا يعرف في وقته أحفظ منه، وعندما خرج المقري من المغرب إلى المشرق قيل عنه "خلت البلاد من مثله ومضاهيه " (٢). وكثيرا ما وصف المقري بأنه (حافظ المغرب الأوسط)، وهو نفس الوصف الذي أطلق على غيره أيضا، ولا سيما أبو راس الناصر.
وظاهرة الحفظ والتقليد قد جمدت الإنتاج في العلوم كلها، وخصوصا العلوم
стр. 529
الشرعية، وجعلته عبارة عن تكرار ونقل رتيب لأعمال الآخرين.
وإذا كان ابن عمار قد عاب على فقهاء عصره جمودهم العقلي وترهل الفكر عندهم فإن ثورته لم تصل إلى حدة ثورة الفكون ولا ثورة محمد بن العنابي، والواقع أن ابن العنابي كان من أوائل الفقهاء الذين لم يكتفوا بنقد الجمود العقلي بل أضاف إلى نقده اللاذع الدعوة إلى استعمال الاجتهاد والأخذ بأسباب الحضارة الغربية، والحد من نشاط الدراويش الذين أضروا في نظره بالمجتمع الإسلامي. وكأن ابن العنابي قد جاء ليوضح ما دعا إليه الفكون. ففي كتابه (السعي المحمود في نظام الجنود) نقد ابن العنابي معاصريه من الفقهاء بشدة وسخر من أفكارهم ومظهرهم، كما نادى بضرورة النهضة الإسلامية على أساس المنافسة بين العالم الإسلامي والعالم الأوروبي والسباق مع الحضارة الأوروبية والفوز عليها فيما تفننت فيه من أنواع الاختراعات والمبتكرات الصناعية والتقنية والحربية. وكان له رأي أيضا في الديمقراطية السياسية وتوزيع الثروة واختيار الأكفاء في الإدارة ونحو ذلك مما كان شبه محرم طرقه على الفقهاء قبله (١).
وظاهرة التقليد، بالإضافة إلى تخلف الثقافة عموما، كانت مسؤولة على ندرة الإنتاج في العلوم الشرعية التي تحتاج إلى ثقافة واسعة وعميقة كالتفسير. ذلك أن مفسر القرآن الكريم يحتاج إلى ثقافة دينية وتاريخية ولغوية قوية لكي يقدم على عمله، بالإضافة إلى استقلال عقلي كبير، وهذا ما لم يتوفر للجزائريين خلال العهد العثماني. فمجال الثقافة، كما عرفنا، كان محدودا، وميدان استثمارها كان أيضا محدودا. وإذا توفر جانب من جوانبها المذكورة (الدينية، التاريخية، اللغوية والاستقلال العقلي) فإن بقية الجوانب لا تتوفر. لذلك قل مفسرو القرآن من الجزائريين، وضحلت دراسات الحديث باستثناء بعض الفروع كرواية الأسانيد والأثبات ومنح الإجازات فيها. أما الدراسات الفقهية فقد كانت تقليدية أيضا. ولم يستطع أحد من
стр. 530
العلماء في العهد العثماني أن يكتب عملا في الفقه شبيها بـ (معيار) أحمد الونشريسي. كما لم يكتب أحد منهم (فيما وصل إلينا) عملا في التفسير يشبه (الجواهر الحسان) للثعالبي. فإنتاج الجزائر إذن من العلوم الشرعية كاد ينحصر في مجالات واهية لتفسير القرآن الكريم، وبعض العناية بالقراءات، وفي مجموعة من الأثبات والإجازات، بالإضافة إلى أعمال فقهية تتناول فروعا من العبادات والمعاملات، وسنحاول الآن أن ندرس كل علم من هذه العلوم على حدة.
التفسير
يمكن أن نتناول التفسير من ناحيتين. ناحية التدريس وناحية التأليف.
أما تدريس التفسير فقد كان شائعا بين العلماء البارزين. ومن الذين اشتهروا بذلك محمد بن علي أبهلول، وابن للو التلمساني، وعبد القادر الراشدي القسنطيني، وأبو راس الناصر. ورغم أننا لا نملك الوثائق الآن فإن أمثال سعيد قدورة، وأحمد بن عمار، وسعيد المقري ربما تناولوا أيضا التفسير في مجالس دروسهم التي اشتهروا بها. ومن الطبيعي أن نقول إنه ليس كل من تناول التفسير أجاد أو جدد فيه. ذلك أن ظاهرة التقليد والحفظ كانت مسيطرة على العلماء في جميع الميادين، ومن بينها ميدان التفسير. فنحن نتصور أن
معظم المفسرين للقرآن الكريم في مجالس الدروس، كانوا يكررون في الغالب أقوال المفسرين المتقدمين، وقلما يخرجون عليها برأي جديد يتلاءم مع العصر.
ومن جهة أخرى فإن الوثائق تعوزنا في الوقت الراهن، فليس هناك ما يدل على نوع الطريقة (١) التي كان يستعملها أمثال أبهلول وابن لَلُّو والراشدي