← Указатели

Указатели · id 14100

تاريخ الجزائر الثقافي

أبو القاسم سعد الله

Полный текст (5 019 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

الصوفية من المشرق ومن المغرب، وجاء الدعاة الحقيقيون والأدعياء المزيفون ينشرون أفكارهم وأورادهم بين الناس. وأصبحنا لا نكاد نجد مدينة أو قرية بدون العديد من الزوايا والأضرحة والمشاهد. وعند كل بناية أناس يتبركون ويدعون ويزورون ويتقربون، يقيمون الحضرة ويقدمون الهدايا ويذبحون الذبائح، آتين من كل فج. وأصبح المشاهد المحايد لا يعرف وهو أمام ذلك هل يشاهد مآدب أو مآتم، وهل العابدون يعبدون الله أو يعبدون الشيوخ والمرابطين. وهكذا غرقت الجزائر في هذا العهد في التصوف والدروشة فأصبح العلماء (الفقهاء) يتباهون بأخذ الطرق والأذكار والخرقة والسبحة والمصافحة والأسودين (التمر والماء)، وأصبح الحكام يظهرون كل الاحترام والتبجيل لأهل التصوف الحقيقي والكاذب معا. أما العامة فلا تسأل عن أحوالها وعقائدها ومستواها الخلقي والاجتماعي. لكن بعض رجال الدين قد عارضوا بشدة تسلط العثمانيين بينما وقف بعضهم وسطا تارة يؤيدونهم كمسلمين مجاهدين، ما داموا عادلين، وتارة ينصحونهم عندما ينحرفون أو يسيئون الحكم. ومن الصنف الأول أحمد بن ملوكة التلمساني. فقد قيل إنه اطلع على ما ارتكب عروج عند احتلال تلمسان من فظائع. وبعد خروج عروج إلى جبال بني سناسن خاف أهل تلمسان من عودته والانتقام منهم من جديد فالتجأوا إلى الشيخ أحمد بن ملوكة واشتكوا له ما وقع بهم وما يخشون وقوعه، فانقبض الشيخ واشتد غضبه حتى ضرب الأرض بيده وهو يدعو: (اللهم لا تعده إلى تلمسان! إن اتكالنا عليك). وتذهب الرواية إلى أن الله قد استجاب إلى دعاء الشيخ، لأن عروج قد مات مقتولا (١). وقد أشرنا من قبل إلى سخط الشيخ ابن للو على

стр. 457

القائد حفيظ حاكم تلمسان العثماني وخروج الشيخ من تلمسان تماما. وقد ضيق العثمانيون على الشيخ أحمد التجاني مؤسس الطريقة التجانية، فخرج من الجزائر بأهله وبعض أتباعه وقصد المغرب مهاجرا حيث توفي. وقد أعلم السلطان أنه هرب من جور (الترك وظلمهم) (١). ومن الصنف الثاني (أصحاب الموقف الوسط) عدد من المرابطين الذين لم يؤيدوا العثمانيين كل التأييد، ولم ينقموا عليهم كل النقمة. ومن هؤلاء الشيخ العبدلي، الذي ذكرته المصادر بأنه كان يعظ الحكام العثمانيين عندما يرى منهم ما لا يليق. فقد ذكر صاحب كتاب (كعبة الطائفين) أن سيدي العبدلي كان رجلا صالحا وأنه كان ينجد المسلمين وأهل الذمة عند ارتكاب العثمانيين في تلمسان مواقف تعسفية، وأنه كان يذهب إلى القائد العثماني محمد بن سوري في مقره يعظه ويطلب منه مطالب في صالح أهل البلاد. وتذكر بعض المصادر أن باي قسنطينة حسن بوحنك كان لا يعتقد في الأولياء وأنه كان عنيدا متمردا فلقيه المرابط الشيخ الشليحي فوقعت له معه كرامة مذكورة في مكانها، فما كان من الباي إلا أن تراجع عن موقفه من الأولياء والصالحين وأعطى للمرابط الشليحي قصرا في المكان المعروف باسم (الأربعين شريف) الذي أصبح يعرف فيما بعد باسم (دار الشليحي). كما أنشأ له الباي المذكور زاوية في أولاد عبد النور وأعفاها من الضرائب (٢). وأمثال الباي حسن بوحنك كثير في العهد العثماني. ذلك أن العقيدة في رجال الدين، خصوصا المرابطين، كانت قوية عند العثمانيين كما أسلفنا. فالبحارة منهم كانوا يذهبون، عند خروجهم للغزو، إلى الأولياء والصالحين لنيل بركاتهم. وكانوا يطلقون من البحر عند ذهابهم وإيابهم طلقات مدفعية

стр. 458

معينة احتراما لهم. وإذا هرب منهم أحد الجناة إلى قبة أو ضريح ولي فإن اللاحقين به يتوقفون عند ذلك ولا يتابعونه. وهناك كرامات وعقوبات تروى ضد من خالف هذا التقليد. من ذلك ما روى عن كرامة محمد الهواري ضد مصطفى بوشلاغم باي وهران بعد فتحها الأول، الذي أمر أحد جنوده بإلقاء القبض على شخص لجأ إلى قبة الهواري فانتفخت بطن الجندي، وعاد الإسبان إلى وهران في عهد بوشلاغم أيضا (١). ومن الأحداث التاريخية المعروفة أن الباشا عطشى مصطفى قد هرب، عندما شعر بالخطر، إلى ضريح المرابط ابن علي مبارك بالقليعة لينجو بحياته من مطارديه، ولكن أعداءه عرفوا هدفه فأغلقوا باب الضريح في وجهه إلى أن وصل المطاردون له وقتلوه خنقا. وقد ذهب أحد كبار العثمانيين إلى أحد المرابطين وشاوره في أمر الاستيلاء على السلطة في الجزائر فاقترح عليه أن يتصدق بخمسين دولارا وأن يذبح أربع شياه ويوزعها على الفقراء ثم يتوجه إلى مدينة الجزائر (وكان عندئذ خارجها) ووعده بالفوز في مهماته. فأخذ هذا المسؤول، بعد أن فعل ما أوصاه به المراد، برنس المرابط معه معتقدا أنه سيحميه من كل شر. ومع ذلك فإنه حين وصل قصر الباشا ألقي عليه القبض وأعدم (٢). لذلك كان العثمانيون يتقربون إلى المرابطين بشتى الوسائل كبناء المشاهد والزوايا والوقف عليها. وقد عرف عن الباي محمد الكبير أنه اعتنى ببناء مشهد الولي محمد بن عودة والولي أحمد بن يوسف (٣). وله غير ذلك من الآثار الدينية التي مرت بنا. وهناك عدد من الباشوات الذين كانوا

стр. 459

يسلكون سياسة التقرب من المرابطين. وقد أشرنا إلى مواقف يوسف باشا وحسين خوجة الشريف ومحمد بكداش. وكان بايات قسنطينة يعفون عددا من الزوايا والأضرحة من دفع الضرائب. ومنها زاوية عبد الرحمن الأخضري في بنطيوس. كما تنص الوثائق على ضرورة احترام الناس لعائلته ونسله. فقد وجد أحد الباحثين ما يؤكد ذلك في وثائق كتبت بعد وفاة الأخضري بمائة وأربع عشرة سنة، وجميعها ممهورة بخواتم بايات قسنطينة (١). كما وجد باحث آخر وثائق تتعلق بمنح حقوق من الباشوات إلى أصحاب زاوية بني بومسعود وبني مقران في الجزائر الشرقية، سنة ١٠٩٣ وسنة ١١١٢، ووثائق أخرى تعفي عائلة سيدي عيسى بن سيدي مؤمن ومرابطي أولاد سيدي علي بن محمد الشريف من الضرائب (٢). وقد عرف عن العثمانيين أيضا أنهم كانوا يكثرون من الهدايا والعطايا لرجال الدين عامة، وخصوصا المرابطين، إرضاء لهم وتقربا منهم. وكان بعض المرابطين يطلبون الهدية طلبا. وفي كتاب (منشور الهداية) للفكون نماذج كثيرة على طلب المرابطين العطايا والهدايا من المسؤولين وعلى تورط أدعياء الولاية في الفساد والتحلل نتيجة تحالفهم مع الحكام الظلمة. وقد أشار الورتلاني أيضا إلى عدد من هذه العلاقات. وكان رجال الدولة أحيانا يشترون صمت هؤلاء الأدعياء بالتغاضي عن أعمالهم ولو كانت مضرة بالأخلاق العامة وحتى بالدين. وكان بعض الباشوات يمنحون في مناسبات

стр. 460

معينة جزءا من جزية أهل الذمة إلى الأشراف والعلماء والمرابطين (١). وكان بعض المرابطين والدراويش بدورهم يرشون الولاة ونحوهم ليسكتوا عن ابتزازهم لأموال الناس والتعدي على الحرمات والأعراض. فقد روى أن المرابط قاسم بن أم هانئ كان له رعايا وأتباع كثيرون في قسنطينة ونواحيها وكان له (فقراء يرقصون ويشطحون ولعابهم يسيل، وربما يتضاربون). وقد قيل عنه إنه أنكر التأثير لله وادعى أنه هو الذي يملك التصرف. وكان أصحابه يدفعون الرشى إلى الحكام (٢). وكان الشيخ طراد في عنابة صاحب طريقة ولما توفي تولاها ابنه ودخل في خدمة الأمراء وصار يعطيهم الجبايا والخراج للاستعانة بهم على الفريق الذي يعارضه (٣). ومن جهة أخرى كان الشيخ أحمد بوعكاز قد انتصب الاتخاذ الطريقة والشيخوخة وإعطاء العهد وإقامة الحضرة وقد جاءته الناس بالجبايا من شرق قسنطينة وغربها من إبل وشاه وخيل وبقر حتى صار أهل قسنطينة يقصدونه في ركب، نساء ورجالا، حاملين إليه ما استطاعوا من الرغيف إلى الكساء. وكان بوعكاز يدعي أنه يولي الخطط المخزنية لأرباب الدولة أو ينتزعها منهم. فكان أهل هذه الخطط يعطونه لكي يوليهم المناصب كقائد جيش قسنطينة وغيره. (وهذه عادته وعادة أمثاله) فهو وأمثاله كانوا يقولون أرسلني الأولياء لأحفظ المكان أو أنا شاوش الصالحين (٤). وهكذا يظهر أن العلاقة كانت وطيدة بين المسؤولين العثمانيين وبعض المرابطين والدراويش. وكل طرف كان يستفيد من الآخر. ولا شك أن هذا الصنف من المرابطين لا يمثل المتصوفين الحقيقيين. ذلك أن من سمات المتصوف والزاهد والمرابط الحقيقي الابتعاد عن الدنيا

стр. 461

ومجانبة أهل الحكم واتباع قواعد الدين، كما سنعرف بعد قليل. ولكن كثرة هذا الصنف المنحرف خلال العهد العثماني وسكوت أرباب السلطة عليه وتبادل الرشى والهدايا بين الطرفين تدل على المرض الذي أصاب المجتمع الجزائري آنذاك، دينيا وسياسا وأخلاقيا. فهذا الصنف من أدعياء التصوف كان يستعمل جميع الوسائل لاستغلال العامة ونشر الجهل والخرافة بينها. حالة التصوف منذ أواخر القرن التاسع (١٥ م) حث محمد السنوسي على العناية بالأولياء والصلحاء المعاصرين، بدل الاهتمام بالغابرين منهم. وقد نقل عنه أنه قال (إن النفوس في هذه الأزمنة المتأخرة قد يمنعها من الاجتهاد في العمل الصالح ورياضة النفس عنها أن الولاية قد طوي بساطها فترى أن الاجتهاد لا فائدة فيه) (١). وبوحي من هذا الرأي اندفع تلاميذ السنوسي ابتداء من القرن العاشر يؤرخون للمرابطين والأولياء والصلحاء الغابرين والمعاصرين على حد سواء. ثم كثر الاعتناء بالمعاصرين على الخصوص. وبذلك ظهرت تآليف ابن صعد والملالي والصباغ والبطيوي وابن مريم والفكون وابن سليمان والورتلاني وغيرهم. وجميعهم كانوا يتناولون بالدرس والتعريف تراجم الأولياء والصلحاء في مختلف العصور، ولا سيما الذين عاصروهم واتصلوا بهم عن طريق التلمذة مباشرة أو غير مباشرة. وكثرت العناية أيضا بدراسة التصوف وما يتصل به من مناقب وأذكار ومرائي وعلوم أهل الباطن. وقد عرفنا أن عددا من الأساتذة كانوا يتناولون تدريس التصوف في مجالسهم العلمية. فقد عرف سعيد قدورة بتدريسه كتاب (الحكم) و (التنوير) لابن عطاء الله لطلابه. وكذلك كان علي بن عبد الواحد الأنصاري يدرس التصوف من بين المواد الأخرى. وكان عمر الوزان منكبا

стр. 462

على دراسة كتب التصوف وعلوم أهل الباطن حتى أصبح له فيها اليد الطولى. وكذلك كان موسى بن علي اللالتي، ناظم قصيدة (حزب العارفين)، يقرئ تلاميذه في تلمسان كتب الصوفية ويحدثهم عن أخبار أهل التصوف وأحوالهم (١). وقد جاء في رحلة الورتلاني أنه كان يكثر من دراسة أهل التصوف مستندا على مقالة الإمام مالك بن أنس من أن الصوفي الذي لا يتعلم الفقه يعتبر زنديقا وأن عالم أصول الدين الذي لم يدرس التصوف يعتبر فاسقا (٢). وسنلاحظ في دراستنا لإنتاج هذا العهد في الجزء الثاني كثرة التآليف والأشعار المخصصة لعلم التصوف حتى كادت تطغى على جميع الإنتاج الآخر. كذلك كثرت المقارنات بين أهل التصوف في القديم وأهل التصوف المعاصرين، فبالإضافة إلى مقالة السنوسي السابقة نسب إلى أحمد بن يوسف الملياني أنه قارن بين عصره وعصر عبد القادر الجيلاني، قائلا ان الجيلاني كان في القرن السادس والزمن غير فاسد وأهله فضلاء، بينما هو (الملياني) كان يعيش في القرن العاشر المليء بالفساد وانحطاط الأخلاق (٣). وروي عن الملياني أيضا أنه تناقض مع محمد بن علي الخروبي الطرابلسي المتصوف أيضا فقال له هذا (أهنت الحكمة في تلقينك الأسماء للعامة حتى النساء) فرد عليه الملياني بقوله: (قد دعونا الخلق إلى الله فأبوا فقنعنا منهم بأن نشغل جارحة من جوارحهم بالذكر). وقد لاحظ الخروبي بأن الملياني كان على صواب في ذلك، قائلا: (فوجدته أوسع مني دائرة) (٤). وبعد أن روى الفكون عن الغزالي ما قاله عن انحراف متصوفة زمانه وسرد خصالهم الخارجة عن دائرة التصوف الحقيقي، قال: أهذا في زمنه،

стр. 463

فكيف بزمننا؟). وهكذا نجد أن بعض الدارسين قد شعروا بتردي الأحوال الصوفية وضعف الأخلاق بالمقارنة إلى الأزمنة الغابرة. ولا نكاد نجد من (الثوار) الذين رفعوا صوتهم ضد انحراف التصوف عن جادته الحقيقية إلا بعض الأصوات. وكان أقواها بدون ريب هو صوت عبد الكريم الفكون. فهو الذي انتقد متصوفة عصره بشدة ورمى معظمهم بالزندقة واتخاذ التصوف ذريعة للوصول إلى الدنيا واستغلال عقول العامة. ففي مقدمة (منشور الهداية) أوضح الفكون دواعي تأليفه فقال إنها انتشار البدع وسيادة الجاهل وكساد العلم وانحراف أهل الطرق الصوفية عن التصوف الحقيقي وتحالف هؤلاء مع الظلمة واللصوص والولاة الفاسدين. وقد اعتبر الفكون هؤلاء جميعا أنصارا (لحزب الشيطان)، وقام هو للدفاع عن (حزب الله) والجهاد في سبيله بكشف فسادهم وانحرافهم. ولطول المقدمة فإننا نورد منها بعض المقتطفات للدلالة على ما وصلت إليه حالة التصوف في عهده (القرن الحادي عشر - ١٨ م). ولنشر هنا إلى أن الفكون كان هو نفسه متصوفا ولكنه من متصوفة السلف، كما سنشير إلى ذلك في موضعه. ومما جاء في هذه المقدمة. (أما بعد، فلما رأيت الزمان بأهله تعثر، وسفائن النجات (كذا) من أمواج البدع تتكسر، وسحائب الجهل قد أظلمت، وأسواق العلم قد كسدت، فصار الجاهل رئيسا، والعالم في منزلة يدعى من أجلها خسيسا، وصاحب أهل الطريقة قد أصبح وأعلام الزندقة على رأسه لائحة، وروائح السلب والطرد من المولى عليه فائحة، إلا أنهم، أعني الطائفتين، تمسكوا من دنياهم بمناصب شرعية، وحالات كانت قدما للسادة الصوفية، فموهوا على العامة بأسماء ذهبت مسمياتها، وأوصاف تلاشت أهلها منذ زمان وأعصارها، ولبسوا، بانتحالهم لها، على أهل العصر أنهم من أهلها. وربما صارت الطائفة البدعية مقطعا للحقوق، وقسما يقسم بهم في البر والعقوق. والطائفة الأخرى سطرت أناملهم في قراطيس السجلات ما يوهم من لم يرهم ممن يأتي في غابر الزمن أنهم من حزب العلماء، بل ومن مشائخهم الأعلين.

стр. 464

(كل ذلك والقلب مني يتقطع غيرة على حزب الله، العلماء، أن ينتسب جماعة الجهلة المعاندين الضالين المضلين لهم أو يذكروا في معرضهم، وغيرة على جانب السادة الأولياء الصوفية أن تكون أراذل العامة وأندال (كذا) الحمقى المغرورين أن يتسموا بأسمائهم أو يظن بعضهم اللحوق بآثارهم. ولم آل في التنفير من كلتا الطائفتين (١) والتحذير منهم في كل زمان وأوان؛ وبين كل صالح من الإخوان، إلى أن أحسست لسان القول قد نطق بنسبة ما لا يليق ذكره من أفواههم، فشرح الله صدري في أن أعتكف على تقييد يبدي عوارهم، ويفضح أسرارهم، ويكون وسيلة إلى الله في الدنيا والأخرى. فهذا الجهاد الذي هو أحد من السيف في نحور أعداء الله، وناهيك بهم أعداء؛ نسخوا شرع سيدنا ومولانا محمد ﷺ بآرائهم المسطرة بأقلامهم في سجلاتهم، وأحلوا الرشى بأفعالهم، والتمدح بها والعكوف على طلبها، والاعتناء بأخذها في أنديتهم، فهي عندهم من أرفع المكاسب وأسنى المطالب. والطائفة الأخرى أعلنوا بأن سابق الأقدار منوطة بإرادتهم. فزادت بهم العامة شغبا إلى شغبهم، واتخذت أتباعهم ألقابا باسم الشيخوخة والتحذير من أن يغاضوا أو يغتاضوا، فصارت العامة تجانبهم ولا تحط بساحتهم. وأما النكير عليهم، لأربابه في قعر حفير، وربما زاد في إفصاح أحوالهم من أن من مات منهم بنوا عليه وشيدوا بناءات وجعلوا عليهم قبابا من العود وألواحا منقوشة بأسمائهم وما اختاروا لهم من الألقاب التي لا تصلح لهم، وهي من أوصاف سادتنا العلماء العاملين والصلحاء الفاضلين الكاملين. فعظم الباعث على النصح بهذا التقييد) (٢). وانطلاقا من هذا المدخل عرف الفكون بأن الصلاح المؤدي إلى معرفة

стр. 465

الله والقرب منه ليس هو التوسط بالشيخ واتخاذ الحضرة والجذب والكرامة وما إلى ذلك مما كان شائعا في عصره، ولكنه هو اتباع الكتاب والسنة وإجماع الأمة. فقال ان الرجل الصالح هو المواظب على الطاعات والمتجنب للنواهي البعيد عن المتشابه، وهو الذي يكثر من ترديد اسم الله، العارف بالله وبأحكامه، المتبع للمندوبات بعد الواجبات. فهذا الشخص، في نظره، هو الجدير بأن يقصده الإنسان بالأخوة وطلب صالح الدعاء منه (ولا عليك بعد ذلك منه ظهرت عليه كرامة أم لا، كان رفيع القدر أو خامله، فإن أولياء الله متفاوتوا (كذا) الحال في الدنيا، وأما من كان على خلاف ذلك أو بعضه فيجب هجرانه لله خصوصا الطائفة أهل الحضرة المخالطين للظلمة) (١). وفي نظر الفكون ونظر من نقل عنهم كالطرطوشي والبسطامي وزروق والغزالي والأخضري، أن البدع تعتبر خروجا عن الدين وأن التكسب باسم الدين يعتبر جناية لا ولاية (٢). وقد جاءت آراء الفكون في البدع الصوفية بعد أن أثمرت مدرسة محمد السنوسي وأحمد الملياني ومحمد بن علي الخروبي وأضرابهم أوضاعا معينة من التصوف والولاية حتى أصبح كل شيخ مجذوب يعتبر بركة وصالحا، وكل درويش مغفل يعتبر وليا وصاحب كرامات، وكل مستغل للعامة باسم الدين ومتقرب للسلطة باسم الطريقة يعتبر قطبا تأتيه الجبايات ويقصده الناس بالرشى والقرابين ويقصده الحكام بالعطايا والهدايا. وفي ضوء هذا الوضع كتب ابن صعد (النجم الثاقب) وتبعه ابن مريم في (البستان) والبطيوي في (مطلب الفوز) والصباغ في (بستان الأزهار) وابن سليمان في (كعبة الطائفين). وهؤلاء المؤلفون يعتبرون من مثقفي العصر وأصحاب التفكير والرأي، فما بالك بالعامة وأشباهها. فإذا كان المثقفون ينسبون معظم

стр. 466

الدراويش إلى الولاية والصلاح والكرامة فكيف يكون موقف بقية الناس منهم؟ فالصباغ، وقد كان قاضيا في وقته، قد نسب كثيرا من الخوارق والكرامات إلى أحمد بن يوسف. وابن مريم، وقد كان من مؤدبي الصبيان، قد نسب كثيرا من ذلك إلى معظم من ترجم لهم ولو كانوا من العلماء المدرسين. فهذا أحمد الورنيدي الذي كان من المدرسين كانت له كرامات منها إقراء الجن ومد يده لستر عورته بعد موته. وهذا سيدي حدوش قد أخبر أن النصارى لن يدخلوا تلمسان إلا مرة واحدة. وقد كلمت حمزة المغراوي فرسه بأنه أتعبها، وكان مكانه يزار ويحمل منه التراب الذي ما علقه مريض إلا شفي. وقد تجمع النحل عند قبر سعيد البجائي وأغار على قافلة حمير كانت تحمل الزرع للنصارى (الإسبان) بوهران فقتل كل الحمير إلا حمير المسلمين. وكان محمد السويدي صاحب كرامات أيضا حتى أنه أكد أنه يستطيع أن يخبر عما يدور بين الرجل وزوجه في الفراش، إلى غير ذلك مما كان يعتبر عند ابن مريم وأمثاله مكاشفات وخوارق. وكانت هذه الكرامات تتدخل في السياسة أيضا. فهذا الشيخ عبد الرحمن اليعقوبي قد تدخل في إعادة حسن باشا بن خير الدين من وادي ملوية قاصدا غزو فاس إلى تلمسان (١). ومع ذلك فإن ابن مريم لا يكاد يذكر واحدا من الأولياء والعلماء إلا نسب إليه معرفة علوم الظاهر والباطن والتعمق في العلوم المعقولة والمنقولة. وقد سار على نهج ابن مريم تلميذه محمد البطيوي. فعدد هو أيضا في كتابه (مطلب الفوز والفلاح) كرامات ومكاشفات الشيوخ الذين ترجم لهم. ومثله محمد بن سليمان في (كعبة الطائفين) حيث اتبع نصيحة شيخه موسى بن علي اللالتي بأن يشرح قصيدة (حزب العارفين) ويعلق عليها ويذكر أهل الصلاح ويغض النظر عن أهل الطلاح (٢). فالتصرف في القرنين العاشر

стр. 467

والحادي عشر، كما نفهمه من المؤلفات المذكورة وأمثالها كان قد اختلط بالبدعة والشعوذة والخرافة، وأصبح عند البعض وسيلة للرشوة والفساد وعند البعض وسيلة لاتخاذ الحضرة ونشر البدعة واستغلال العامة. ولم يعد هو التصوف الذي كان عليه الأوائل الذين كانوا يجمعوا بين العلوم العملية ومعرفة الله عن طريق العمل والنظر والتدبر في خلقه والذين لم يدعوا لأنفسهم كرامة ولا خارقة وإنما كانوا متبعين للقرآن والسنة مكثرين من العبادة، زاهدين في أحوال الدنيا، عاملين من أجل الفوز في الآخرة برضى الله. فثورة الفكون على أدعياء التصوف من معاصريه لها مبرراتها القوية. ويبدو أن دعوته لم يكن لها أثر في ذلك العصر الغارق في الجهل والظلم. فقد نادى أحمد بن ساسي البوني، وهو من الذين جمعوا بين العلم والتصوف، بإسقاط التدبير تماما عن الإنسان واعتبر أن هذا الإنسان مسير لا مخير حتى كان ما أصاب الله به البلاد من تأخر ومن ظلم وفساد كان لمصلحة لا يعلمها إلا هو ولا حاجة للإنسان أن يثور أو يرفض أو ينتقد الظلمة والمفسدين والمتسببين في التخلف. وقد نسب إلى البوني قوله: كل الأمور لمبديها وخالقها ... فما إلى العبد تخيير وتدبير فرب رأى نراه نافعا حسنا ... وما حديث، لعمري، فيه تدبير فالله يعلم ما للعبد مصلحة ... فيه وقد يصحب التعسير تيسير وقد يؤخر مولانا منافعنا ... والعبد ما ضره في ذاك تأخير فاصبر إذا المجازي حكمه برضى ... أما علمت بأن الصبر مأجور (١) وقد جاء الورتلاني في القرن الثاني عشر (١٨ م) فغرق، رغم علمه، فيما غرق فيه ابن مريم والصباغ والبطيوي وغيرهم، وأكثر من الحديث عن أعمال المتصوفة ونسبة الخوارق والكرامات لهم. فقد أخذ يزور القبور ويصلي حولها ولا يكاد يسمع بصالح، حقيقة أو خرافة، إلا زاره وأخذ

стр. 468

البركات منه. ومن جهة أخرى غاص هو إلى أعماق التصوف فدرس النظريات الصوفية من كتبها وسيرة أصحابها، وحاول صيام الدهر فلم يستطع، فقد ظل ثلاثة أيام صائما عن كل شيء إلا جرعة ماء، ثم اضطر لإبطال صومه في اليوم الرابع عندما أحس بالتعب والجوع، واعتبر اللذة التي حصلت له من هذه التجربة لا تعادلها أية لذة. وكان مذهبه في التصوف هو اتباع الطريقة الشاذلية وسلوك علم الباطن ونقد الفقهاء الذين اعتبرهم أعداء للصالحين والأولياء، واعتبر هؤلاء مقربين إلى الله، وأشاد بنبوءة سيدي خالد (خالد بن سنان العيسي)، كما لبس الثياب العادية (١). ولكن الورثلاني كان، كمعظم أتباع الطريقة الشاذلية، يبدي اهتماما بشؤون الدنيا وملذات الحياة. وافتخر الورثلاني بأنه زار عددا كبيرا من الأولياء والصلحاء من تلمسان إلى عنابة ومن بجاية إلى سيدي خالد. وقد خصص قسما كبيرا من رحلته للحديث عن المرابطين والصلحاء والشرفاء. فعدد حوالي خمسين منهم في جبل زواوة وحوالي عشرين في بجاية وضواحيها. وغير ذلك. وكان جميعهم، في نظره، مقربين إلى الله، وأقطابا واضحين، وأطوادا شامخين في العلم والعرفان، وشموسا ساطعة للحق والبرهان، كما أورد عددا من أقطاب التصوف في المشرق الذين لقيهم أثناء حجاته وأجازوه. مثل عبد الوهاب العفيفي الذي أخذ عليه الورثلاني الطريقة الشاذلية ولقنه الذكر وجدد عليه العهد، ومثل الشيخ محمد بن سالم الحفناوي الذي سماه (سلطان العارفين)، وكذلك علي الفيومي الذي أخبر أنه وجده يرقص ويشطح (٢). وملأ الورثلاني رحلته بالحديث عن النبي خالد وضريح الأخضري وسيدي عقبة والصحابي أبي لبابة، وقارن الخنقة بمكة، وزار في بجاية القبر المنسوب لعبد القادر الجيلاني، وتحدث عن حياة أبي مدين الغوث في بجاية وتلمسان، وروى

стр. 469

قصة عبد الحق الإشبيلي مع زنديق بجاية وأميرها. وقال إن الأولياء والصالحين أحياء في قبورهم. وكان يروي عن المشعوذين والحمقى ويعتبر الجميع أولياء صالحين، ونسب إليهم الجذب وطريق القوم (١). ومن الكرامات التي رواها في رحلته أن بعض الأولياء قد أمر الجبل بالانخفاض قانكشفت الكعبة، وأن حيوان المعز قد تحول إلى جلود زيت، وأن ماء زمزم كان يخرج من خلوة أحد الشيوخ، وأن بعضهم قد أقام بقرة بعد ذبحها، وأن آخر قد رقي طفلا مقعدا فقام يمشي (٢) وقال عن أحد المرابطين، وهو علي بن داود، إنه من شعراء الرسول. (ولو كان كلامه بالعريبة لكان يكتب بسواد العين لما فيه من العلم اللدني). وروى أن سعيد الفاني كان عارفا بالله ومجدوبا بالحقيقة، وأنه (الورتلاني) قد سمع بنات أفكاره في الوعظ وطريق الحب الإلهي بالبربرية وأن كلام هذا الشيخ يسلب العقل وأنه يكاد يكون كلام ابن عطاء الله وإنما هذا فاقه لأنه بالعربية. واعتبر الورتلاني رتبة الولاية والصلاح غير مقصورة على العلماء والمثقفين لأن (في عالم عمالتنا للعوام المجذوبين كلام في المعرفة والمحبة والوعظ يحرك القلوب ويفتنها، غير أنه عليه كسوة البربرية، فالذي يفهمه يذوقه ذوقا معتبرا يسلب العقل) (٣). وقد عمت الخرافة المتعلمين والعلماء والدراويش والكتاب على حد سواء. فقد روي عن مفتي المدية لسنة ١١٧٢، وهو الحاج أبو القاسم المغربي، أنه طلب من الناس قراءة دعاء يوم عاشوراء ثلاثمائة وست وستين مرة (٤). وهذا محمد المصطفى بن زرفة، وهو من أوائل القرن الثالث عشر، قد روى أن من كرامات أبي مدين وجود الملح في سبخة ميسرغين وسبخة

стр. 470

السانية قرب وهران، لأن الناس كانوا في حاجة إلى الملح (١). ويتضح مما سيق أن التصوف في العهد العثماني قد شمل مختلف القطاعات ولم يكن مقصورا على القارئين والمتنورين بل جذب إليه العامة وأشباهها. وقد كثر في هذا الجو المشبع بالروحانية المدعون للتصوف والمتكسبون بالدين وبالولاية. وقد رأينا أن هذه الظاهرة قد غطت العهد من أوائل القرن العاشر (١٦ م) إلى أوائل القرن الثالث عشر (١٩ م). والذي يدرس الوضع الاجتماعي والسياسي، كما صوره المداحون الشعبيون أواخر العهد العثماني يدرك مدى عمق هذه الظاهرة وانتشارها. سلوك بعض المتصوفين من دراستنا لسير رجال الدين خلال العهد العثماني نخرج بثلاثة أصناف: صنف العلماء الموظفين والفقهاء المستقلين الذين لا صلة لهم بممارسة التصوف العملي، وهذا الصنف هو الذي تعرضنا له في الفصل السابق. والصنف الثاني هم العلماء الذين غلب عليهم التصوف، وهم في الغالب لا يميلون إلى الوظيفة وإلى التقرب من السلطة إلا إذا أجبروا على ذلك بوجه من الوجوه. أما الصنف الثالث فيضم (المتصوفة) الذين كانوا يدعون العلم، وإذا شئت المنتسبين إلى التصوف والولاية لغرض من الأغراض والذين ساعدتهم الظروف السياسية والاقتصادية على الظهور واستغلال العامة. وفي هذا الفصل نركز على الصنفين الثاني والثالث. وبناء على كل التعاريف المقبولة والمعقولة فإن التصوف الحقيقي هو الذي تتوفر فيه شروط أساسية منها معرفة الكتاب والسنة معرفة دقيقة والعلم بهما والجمع بين العلم والعمل والسعي إلى معرفة الله حق المعرفة عن طريق التأمل والنظر والتفكير في مخلوقاته، بالإضافة إلى التقى والورع والتجرد عن هوى النفس وحب الدنيا والابتعاد عن مغريات السياسة والسلطة وعدم

стр. 471

التعاون مع الظلمة والمتجبرين. ورغم أن هذه الشروط قد تبدو خيالية أو صعبة المنال فإن الشواهد كثيرة على وجود من توفرت فيه أو كادت. ولعل سيرة عبد الرحمن الثعالبي ومحمد بن يوسف السنوسي وعبد الرحمن الأخضري وعمر الوزان وأمثالهم خير شاهد على ذلك. فهم قد أضافوا إلى العلم الزهد والتصوف والتجرد عن الهوى. فإذا اهتم بعضهم بعلوم الباطن فقط فقد انحرف عن الطريق الحقيقي للتصوف وتحول من العلم إلى الخرافة ومن الولاية إلى الشعوذة. وهذا هو ما حدث لدى الكثيرين في عصر ساد فيه التخلف ونامت فيه أعين الرقباء. فقد ظهر أشخاص هنا وهناك يدعون دعوات ضالة مضرة بالمصلحة العامة، ومع ذلك لم يوقفوا عند حدهم، بل سمح لهم بالنشاط والنمو والانتشار حتى طغوا وعاثوا في الأرض فسادا. وقد تولد عن ذلك انتشار الفوضى الدينية وكثرة الخرافات وحلول السحر محل العلم. ولكن القليل فقط من هذه الأمور قد سجله المؤرخون واهتم به الناقدون والملاحظون. ولا شك أن ما لم يسجلوه أعظم وأخطر. فبالإضافة إلى كتاب الفكون وبعض اللقطات في كتابات ابن العنابي وابن عمار، نجد في كتب الرحالة الأوروبيين كثيرا من الملاحظات الهامة والدقيقة على انتشار (المرابطية) والسحر والتخلف العقلي والعلمي عند هذه الفئة من الناس. وإذا كان الفكون وابن العنابي قد حكما على أصحاب تلك الأمور بأنهم دجاجلة وزنادقة فإن الأجانب قد نظروا إلى ما كانوا يقومون به على أنه من ظواهر التخلف العقلي والاجتماعي عند المسلمين. ولذلك لا نستغرب أن يقول أحد الأوروبيين بأن جميع علوم أهل الجزائر لا تخرج عندئذ عن السر وأن علماءهم (وهو يقصد المرابطين الدراويش) سحرة، كما لا نستغرب أحكام بعضهم على فئة العلماء عامة في الجزائر إذا بدت لنا أحكاما قاسية ومؤلمة. ذلك أنه في الوقت الذي كان فيه علماء أوروبا ينادون بالحرية العقلية لتحرير العامة من ربقة الخرافات ويبدعون علوما وفنونا للنهوض بالإنسان، كان مرابطو الجزائر يلبسون على العامة ويستغلونها أشنع استغلال ويغرقون

стр. 472

العقول في ظلام دامس. فهذا قاسم بن أم هاني، الذي سبقت الإشارة إليه، قد اتخذ طريق الشعوذة لكي يرد ما كان لأسلافه من زكوات وأعشار. وقد قيل عنه انه بدأ بالإكثار من الصوم والصلاة (وهو أمر لا مجال فيه للاستغراب) ولبس الغرارة المرقعة وأكل الشعير، حتى اشتهر أمره بين الناس. وكان قاسم يكثر من الاتصال بأهل البوادي وبأهل قبيلته التي كانت تقطن نواحي نقاوس. وكان هؤلاء يشيعون عنه أخبارا خاصة وخوارق حتى يخيفوا منه اللصوص. ولما أحس بأن دعوته قد نضجت أظهر البدعة فاتخذ الأتباع (الفقراء) والحضرة، وكانوا يذهبون إلى البوادي وينصبون خيمة إزاء القبيلة، وهناك ينادي الشرطي (وهو أحد فقراء الشيخ) بأن شيخه يبرئ من العاهات، ونحو ذلك من أنوع الكرامات، ويقول الشرطي لرئيس القبيلة بأن الشيخ يطلب كذا كذا وإلا فإن القبيلة لا تفلح، وكان الشيخ إذا رأى فرسا جميلة يذهب إلى صاحبها ويقول له إياك أن تبيعها! ثم يأخذها منه إما بدون ثمن وإما بثمن بخس. وإذا رفض صاحب الفرس العرض يهدده الشيخ بالنكبات. ومع ذلك فقد تصدر الشيخ قاسم لإعطاء العهد الصوفي (١). وأمثال الشيخ قاسم كثير. فقد بدأ الشيخ محمد الحاج حياته في نواحي أم دكال (امدكال) متنسكا ومعتزلا للناس، ثم ظهر في البوادي واتخذ زوايا ورعايا تزكي عليه ويأخذ منها الأعشار والجبايا. وأصبح هو يولي من يشاء ويعزل، ويعطي العهد ويمنع. وكان أتباعه يحلفون برأسه. وكان الشيخ الجليس قد ظهر عليه الجذب وكثر الخنا على لسانه والتفوه به، كما يقول الفكون أمام الذكور والإناث على السواء، وكان يأكل الحشيشة ويعطيها لمن يزوره، بل إنه يلزمه بأكلها. وعندما مات له قط (وكانت له قطط كثيرة) أسف عليه وصنع له كفنا وجعل له مشهدا ومدفنا. والغريب أن خاصة وعامة قسنطينة قد جاؤوا للجنازة وتعزية الشيخ في فقيده! (٢).

стр. 473

وفي عنابة ونواحيها ظهر الشيخ طراد وجماعة الشابية وغيرهم. وكان الشيخ محمد ساسي البوني وأبو محمد عبد الكافي من أتباع الشيخ طراد. وكان هذا قد اتخذ طريقة خاصة به كما سبق، وحارب شطر قبيلته واستحل أموال المعارضين له. وشاع عنه أنه كان يأخذ النساء المحصنات ولا يبالي بذوات العدة. وكان يفتخر بأنه (قطب الولاية) وقد أصبح محمد ساسي وهو من الذين جمعوا بين الفقه والإفتاء والتصوف، والشيخ أبو محمد عبد الكافي، وهو عندئذ خطيب وإمام جامع سدي أبي مروان، من أتباعه وكانا يعتقدان فيه العصمة. وقد انتصب محمد ساسي للتدريس في جامع الجمعة (سيدي أبي مروان) وصار عند أهل عنابة رئيس علم الظاهر والباطن. واعتقد فيه أهل البلاد بأنه وريث الشيخ طراد وخليفته. وكان يأخذ الأركاب معه لزيارة قبر شيخه، وادعى مقام الأكابر من الأولياء فذكر في شعره الكثير عبارات مثل الدنان والحان، وزعم أنه قد شرب من كأس الصفوة وجلس على بساط القرب. ومع ذلك لم يقدر أحد أن يرد قوله أو يعترض عليه، بل كان مسموع القول عند الخاصة والعامة (١). وللشيخ محمد ساسي (يوم الختم محفل من ذكور وإناث، وإنشاد واشعار بالجامع الأعظم، ورقص وغناء). ويؤثر عنه أنه قال في كلام غنى به كنت صاحب الخضر والآن أنا سيده. وكان يذكر في قصائده أنه عرج إلى السماء وكشف له الحجاب. وقد اتخذ في داره مستحما سماه (حمام أهل الصفا)، وكان يجمع الأموال على كل طفل في البلد وكان يأخذ من أهل البادية زكوات وجبايات، كما كان يأخذ الأموال من أهل الأندلس القاطنين

стр. 474

في عنابة - وقد قدم عليه رجل مغربي يدعى علي خنجل كان في طريقه إلى المشرق، وكان يدعي أنه (شيخ المشائخ) فاجتمع له الناس وعلى رأسهم محمد ساسي، وجعلت له (ليالي من آلات وتصفيق وشطح وأناشيد)، وعند وداعه حمله الشيخ محمد ساسي على كتفيه إلى السفينة. وكان (أي محمد ساسي) ينشد الأشعار والجمع يرد عليه، بينما كان علي خنجل (يزجل بزجله) أيضا، والجمع يصفق ويشطح ويصيح (١). وكان في تلمسان ونواحيها عدد من هؤلاء المتصوفة الذين خلطوا بين العلم والدروشة وقد ذكر ابن سليمان عددا وافرا منهم. وهو لا يتبع في ذلك طريقة الفكون في نقدهم بل كان يشيد بهم ويتبع خطاهم ويطلب بركاتهم. ومن هؤلاء شيخه موسى اللالتي ومجموعة من الشيوخ. سماهم (وأهل الله) (٢). ومما ذكره عن أحمد بن بوجلال أنه كان حاضرا معه بباب الجياد بتلمسان وكان يقرأ له (أي ابن سليمان) كتاب الاحياء للغزالي، فصار بوجلال يعلو ظهره، وقد قال عنه إن من عادة بوجلال (إذا سمع آية أو كلاما حسنا يحترق بالمحبة، فيتواجد مما وجد حتى لا يملك نفسه فتراه يرتفع في الهواء بجميع جسده وهو جالس، حتى كأنه صبي تقفزه أمه، وتراه يسحب فوق الأرض وهو ماد رجليه ويديه، حتى كأنه يطير بجناحيه أو محمول على الأكف)، وقد توفي الشيخ بوجلال مسموما (٣). دون معرفة الدافع أو الفاعل.

стр. 475

ولو تتبعنا أمثال هؤلاء لطال بنا الحديث، فبطون الكتب مليئة بهذه النماذج. ولا شك أن ما لم يكتب ولم يدون أكثر بكثير مما كتب ودون. والمرابطون درجات في العلم والولاية والكرامة والخوارق. فمنهم، كما رأينا، الجاهل البسيط، والعالم الفقيه، والخطيب الإمام. ومنهم من كان من أهل المدن ومنهم من كان من أهل البادية. وكان بعضهم قد تراجع عما كان فيه من ادعاء الولاية واتخاذ الحضرة وجمع الأموال عن طريقها، مثل الشيخ علي بن حمود العيساوي (من أولاد عيسى)، وأحمد بن بوزيد الأوراسي. وكثيرا ما أدى حب المال وجمعه وادعاء الولاية سببا في تنافس هؤلاء (الأولياء) حتى تسرب ذلك إلى اتباعهم فقامت الحروب بينهم والمشاحنات وترددت بينهم الشتائم والضرب. فقد وقع خلاف شديد بين أتباع علي العابد الشابي (١) وأتباع محمد ساسي عندما دخل الشابي عنابة وانضم إليه بعض الناس. وقد كاد صيت الشابي يغطي على صيت محمد ساسي في عنابة وعلى صيت بوعكاز في غرب قسنطينة. وكان أصحاب الشابي يشيعون عنه أنه الفاطمي أو وزيره. وكان الشابي أيضا يعطي العهد ويقيم الحضرة ويجمع المال حراما وحلالا. وبعد وفاته دفن في عنابة وأصبح قبره (وثنا يعبد)، كما يقول الفكون. ومن الملاحظ أن بعض هؤلاء (الأولياء) كانوا يورثون الطريقة إلى أقاربهم، لأنها مجلبة للمال ومقصد الناس بالاحترام. فالشيخ طراد قد ورث ابنه رئاسة طريقته وأصبح يعطي الولاة الخراج والجباية للاستعانة بهم على المعارضين له. كما أن علي الشابي قد ورث ابن عمه، وهكذا. ويبدو أن جمع الأموال كان الهدف الرئيسي من هذه الحركة. فهذا أحمد بن سليمان المجذوب قد دار عليه الفقر فأقبل على البدعة والحضرة. وهذا الشيخ مخلوف قد تحول إلى الولاية بعد أن مارس العلم ودرس النحو وأقرأ القرآن للصغار وانتشر أمره بين الناس في قسنطينة وبواديها، ومع ذلك

стр. 476

كان يخفي دعوته على العلماء وأضرابهم. ولما توفي وجدت عنده أموال طائلة أوصى ببعضها للطلبة، وأخذت الدولة باقيها، واتهمت زوجه بإخفاء المال. وقد كان المال وراء حركة محمد ساسي أيضا لأنه كان يتقاضاه على كل طفل ومن المهاجرين الأندلسيين، بالإضافة إلى أخذه من سكان البوادي. غير أن بعض المتصوفة كانوا أصلا أغنياء فلم يكونوا في حاجة إلى التكسب باسم الدين، وقد ذكر شارح قصيدة (حزب العارفين) أن والده كان من الأثرياء ومن المتصوفة أيضا حتى أن ابنه (أي الشارح) قد أخذ عليه كثيرا مما يتعلق بأذواق أهل التصوف وسلوك الطريقة. ولكن البعض كانوا يدعون الولاية والصلاح لأغراض أخرى كمخالطة النساء (وقد روى الفكون من ذلك عدة نماذج)، وتوفير الطعام بلا تعب، لأن بعضهم كان يدخل البيوت فيأكل ويشرب ويخرج. كما كان بعضهم يمشي في السوق ويأخذ ما شاء من الفواكه والأطعمة دون أن يعترض طريقه أحد. فإذا حاول أحد الاعتراض عليه ضربه الشيخ ضربا مبرحا أو دعا عليه دعاء مهلكا. ولم يكن كل المنتسبين إلى الولاية والصلاح على الشاكلة التي وصفناها. فقد كان فيهم الخيرون الذين أبت ضمائرهم إلا أن تستيقظ لفعل الخير وخدمة الصالح العام. ومن هؤلاء الشيخ بلغيث (١)، الذي كان من المتحصلين على قسط من العلم أخذه في قسنطينة وتونس حتى صار من أهل الفقه والمعرفة وذاع صيته بين الناس وكان من الصالحين (الفنانين)، إذا صح التعبير، فقد استعمل الموسيقى (أو السماع) بيده واتخذ طريقة خاصة به وبنى زوايا عديدة، ولكنه كان يبذل المال لتحرير الأسرى المسلمين الذين يقعون في قبضة النصارى وفي ترميم المساجد أو في صرفه على الفقراء والمساكين. ومن ناحية أخرى كان الشيخ الموهوب بن محمد بن علي الزواوي عارفا بالله

стр. 477

حاجا البيت، انتصب لتدريس النحو على المكودي، وكان لا يتوانى عن إصلاح ذات البين في أهله بزواوة وفي إطعام الطعام للفقراء، بل كان يمشي (مع القوافل والسفار المجتازين ببلادهم لكي يأمنوا عن مكر أهل ذلك الوطن) (١). وقد اتخذ الشيخ الموهوب أيضا الحجاب والخلوة. ولا شك أن ذلك هو الدور الأساسي للمرابطين الصالحين، ولا سيما في الأرياف والبوادي حيث انعدمت السلطة أو كادت. فمرافقة القوافل ومراقبة الأمن العام ووعظ الناس وإرشادهم إلى أمور دينهم والإحسان إلى الفقراء ونشر التعليم ومبادئ الدين وإصلاح ذات البين، كل ذلك كان من مهمات المرابطين. وقد روى الورتلاني كثيرا من ذلك. بل لقد قام هو شخصيا في عدة مناسبات بإصلاح ذات البين ورد الناس في ناحيته وغيرها إلى طريق الدين. وقد لاحظ مرة أنه ذهب إلى بلاد القبائل لذلك الغرض، لأن القتال كان لا يكاد يتوقف بين المسلمين هناك وأن حكم السلطان غير نافذ فيهم لتحصنهم بالجبال حتى أن عددا من القرى قد أصابها الخراب من الفتن. وقال في مناسبة أخرى ان أقليم البابور خال من يد السلطان وأحكامه (فالوطن سائب) ولاحظ أيضا أن من عادات أهل ناحيته القبيحة قطعهم الميراث عن النساء وعملهم بإرث الأخ لأخيه، إذا مات، في ماله وزوجه (٢). وكان الورتلاتي وأمثاله من أهل الزوايا يتدخلون لإصلاح هذه الحالة ويعلمون الناس شؤون دينهم وينشرون الأخوة الإسلامية بينهم. وقد جاء في كتاب (كعبة الطائفين) أخبار أخرى عن دور هؤلاء أمثال محمد بن علي العبدلي، ومحمد عاشور وعبد القادر السماحي، وبلقاسم بن صابر (٣).

стр. 478

وأهم ما كان يميز سلوك المرابطين في نظر المعاصرين لهم هو الخلوة والشيخوخة والكرامة. فكل مرابط، سواء كان حقيقة أو ادعاء، كان يختفي مدة عن أنظار الناس قبل الاعلان عن دعوته. وقد جرت العادة أن هذه الخلوة تكون في البراري والبوادي والأماكن المنعزلة حيث لا يراه الناس إلا لماما. وقد تكون الخلوة مجرد حفرة في جبل أو سقيفة في خلاء أو خيمة. فإذا اشتهر أمر المرابط أعلن الشيخوخة (كونه شيخ طريقة) واتخذ زاوية يستقبل فيها المريدين ويتلقى فيها الأموال والجبايات ويدرس فيها خططه. ولكي يقنع الناس بدعوته عليه أن يثبت، أو على الأقل أن يشيع أتباعه عليه بين الناس، أنه صاحب كرامات ومكاشفات وأحوال، وأنه يرى ما لا يراه الآخرون، ويطبع على ما لا يطلعون عليه من الأسرار والبواطن. وقد قال الورتلاني بهذا الصدد بأن المرابطين يكتبون في اللوح المحفوظ. وقد سبق أن أشرنا إلى أن موسى بن عيسى المازوني قد حذر من الاعتراض عليهم حتى بالقلب لأنهم، كما قال، (جواسيس القلوب). ويضاف إلى هذه الميزات عند المرابطين الجذب واتخاذ الحضرة، وهي تجمع (الفقراء) المؤمنين بدعوة الشيخ للذكر الذي يتحول عند البعض وبالتدرج إلى رقص معين وبحركات موزونة وموقوتة وبأصوات منغومة تعلو وتنخفض بإشارات معينة من الشيخ أو المقدم. وقد يكون في هذه (الحضرات) أمور ليس بينها وبين الدين والعبادة أية صلة، كالغيبوبة وسيلان اللعاب والتضارب والزعاق ونحو ذلك. وقد أصبح من شعار بعض المرابطين أيضا زيارة القبور في جماعات وإظهار أحوال خاصة واتخاذ المشاهد والوعدات، وذلك لخلق مناسبة تذبح أثناءها الذبائح وتقدم الهدايا والأموال للشيخ واجتماع الناس على اختلاف جنسهم وأعمارهم للتجمع في المكان المتفق عليه الذي قد يكون زاوية الشيخ نفسها. وقد أضاف بعضهم إلى ذلك

стр. 479

ألفاظا معينة من الأذكار وخطوط الرمل وكتابة الأحجبة ونحو ذلك من أساليب الشعوذة وممارسة السحر. وكانت المرائي أيضا من ميزات المرابطين. ذلك أن معظمهم كان يدعي رؤية الأنبياء والرسل والححابة والملائكة، كما كانت الاستخارة هي وسيلة الرؤية الصوفية. ولا شك أنه ليس كل المرابطين كانوا على هذه الشاكلة، فبعضهم كانوا متصوفين حقيقيين، كما لاحظنا، لا هم لهم في عقائد الناس فيهم ولا في مالهم ولا في اكتساب الجاه والوظيف من السلطان، وإنما كانوا متفرغين إلى العلم والعبادة بقلب صاف وعين باصرة. وبعضهم لم يتخذ أثناء حياته زاوية ولم يعلن شيخوخة ولا طريقة وإنما أتباعه هم الذين بالغوا في ذلك ونسبوا إليه ما لم يقل أو يفعل وشيدوا له القبة أو الزاوية واعتقدوا فيه المعتقدات غير الصحيحة التي كان لا يقرها لو كان حيا. ولا شك أن بعضهم قد اتخذ تلك الأساليب وسائل كما لاحظ الفكون، للوصول إلى أغراض دنيوية معينة زالت بزوال أصحابها ولم يبق من شهرتهم وأفعالهم سوى بعض القباب أو المساجد أو الأساطير والذكريات لدى الناس. فكثير من عبارات (سيدي فلان) التي نجدها اليوم لا تاريخ لأصحابها، وعلى الباحثين أن يفتشوا عنها في ذواكر العامة لعلهم يجدون لها أصولا تاريخية (١). ولعل من الأمور التي كان الفقهاء ينكرونها على المتصوفة والمرابطين استعمالهم الآلات الموسيقية وأكل الحشيشة وتناولهم المنبهات كوسيلة من وسائل الانتشاء. والظاهر أن الحاجة إلى الموسيقى عند أهل التصوف نبعت من استعمال الأذكار وتنغيم الأوراد في جماعة عند الحضرة وحلقات الذكر، وكما كانت الأصوات الموسيقية والغناء مساعدة للعمال على عملهم الشاق،

стр. 480

وللرعاة على التغلب على الوحدة وجذب قطعان الماشية وللأطباء على مداواة مرضاهم، كذلك كان رجال التصوف يستعملون الموسيقى لإثارة الوجد وتحريك العواطف والتسامي بها نحو درجات النشوة والسكر بدون خمر. وقد مر بنا أن الشيخ محمد ساسي كان يستعمل في حضرته الإنشاد والأشعار والموسيقى في جماعة بالإضافة إلى التصفيق والغناء والرقص. كما عرفنا أن الشيخ بلغيث كان يستعمل الآلات الموسيقية بيده. وربما اتخذت بعض الطرق الصوفية مداحين يمدحونها بالأشعار الملحونة ويشيعون أمرها بين الناس والغناء بذلك في محلات عامة كالمقاهي ونحوها. فقد قيل إن الشيخ أبا القاسم الرحموني الحداد كان يمدح الطريقة الرحمانية والحنصالية بأشعاره التي كان يرددها في المقاهي ونحوها حيث الحشاشون والندمان (١). وقد ذكر الفكون في كتابه المشار إليه أن بعض أدعياء التصوف كانوا يتناولون الحشيشة والدخان والقهوة، وأن بعضهم كان يصرح في شعره بألفاظ الخمر والدنان (٢). ويكاد يكون من المتفق عليه أن المتصوف يميل إلى التقشف والتضحية بملذات الدنيا في سبيل اللذة الأخرى التي يسعى إليها. فهو لا يأكل المرققات والمحشيات ولذيذ الأطعمة والأشربة، وإنما يكتفي من الطعام بما يقيم الأود ويسد الرمق من كسرة الشعير وشرب الماء القراح. كما كان المتصوف لا يلبس الثياب الفاخرة ولا المطرزات ولا المذهبات ولا الخواتم ونحوها. وكل ما كان يعنيه من ذلك ثياب متواضعة تقيه غائلة الحر والقر كالغرارة المرقعة والعمامة البالية والحذاء الخشن. وتلك كانت الصورة المتبادرة إلى أذهان الناس عن أهل التصوف في العهود المتأخرة، وهي صورة تقربهم إلى الدراويش والمجاذيب (وأهل الله)، وليست بالطبع هي صورة المتصوف الحقيقي كما رسمها الغزالي أو أبو الحسن الشاذلي وغيرهما من كبار رجال التصوف المعتمدين على المعرفة العلمية. فهناك إذن فرق بين صورة المتصوف العالم وصورة المتصوف الدرويش، ولسوء الحظ أن كثيرا

стр. 481

من متصوفة الجزائر خلال العهد العثماني كانوا من الصنف الثاني. ومع ذلك فإن هناك أمثلة على أن المتصوفة الجزائريين كانوا في أغلبهم ماديين. ذلك أن الكثيرين منهم كما أشرنا، كانوا من أتباع الطريقة الشاذلية، وهي لا تنكر التمتع بنعم الحياة. فقد قيل عن أبي الحسن الشاذلي إنه لم يقل بالتجرد عن الدنيا وملذاتها. وهو نفسه قد عاش في أغلب الظن مكرما في تونس والقاهرة، وترك أسرة، وإنما قال بتدريب النفس على فعل الخير وإعادتها بالتدريج إلى أحكام الشرع عن طريق الذكر، سواء كان بطريقة جماعية أو فردية. ولذلك عرف أتباع الشاذلية بامتلاك الثروة وتوافد الهدايا والعطايا عليهم في الجزائر، وكذلك كان أمر الزوايا اليوسفية والقادرية والتجانية والزيانية وغيرها. وهناك أمور كانت تميز المرابط عن الفقيه، فالأول بحكم انهماكه في العبادة وبحثه عن الوسائل الروحية التي تصعد به إلى مصاف المرضي عنهم كان بعيدا عن ساحة الفقيه الذي كان اهتمامه بقضايا الناس اليومية وبما يجد من أمور وقضايا تحتاج إلى فتوى وتخريجات وتأويلات وأقيسة. وكان المرابط، من جهة أخرى، يستعمل في كثير من الأحيان لغة شعرية روحانية لا يدركها إلا هو، فهي رموز لأشياء قد وضعها بنفسه. أما الفقيه فقد كانت لغته قريبة من الواقع، وهو يستمد مسائله من النصوص والشواهد الحسية. وليس هناك بالنسبة إليه خيال ولا روحانية. ولهذه الاختلافات كانت هناك خصومة أحيانا بين الفقهاء وأهل التصوف، كل منهم يتهم الآخر بالفسوق والإلحاد والزندقة، إذا لم يهدر كل منهم دم الآخر. كان الفقهاء يميلون إلى العلوم العقلية ويدرسون النحو والبيان والفلك كوسائل لفهم القرآن والحديث ومشاكل الناس، بينما كان المرابطون يكثرون من دراسة العقائد والتصوف والفلسفة بل كان بعضهم لا يدرس أصلا وإنما يأخذ التصوف عن طريق التقليد والإجازة وانتظار الرؤيا والمكاشفة والفتح، غير أن بعض هؤلاء وأولئك لم يكونوا من المغالين. فقد درس الفكون النحو والتصوف معا ولكنه فرق بين الشعوذة والتصوف الحقيقي. ودرس الوزان التصوف وعلوم

стр. 482

الحديث. وتفقه الورتلاني في مختلف العلوم رغم أنه مال إلى المتصوفين ضد الفقهاء. وسئل محمد بن عبد الرحمن الأزهري مؤسس الطريقة الرحمانية عن تعلم النحو فأجاب بجواز تعلمه (١). وقد كانت المعركة بين المتصوفة والفقهاء على مستوى العالم الإسلامي كله وليست خاصة بالجزائر. بعض المرابطين وأهم الطرق الصوفية كان معظم المرابطين الجزائريين قبل العهد العثماني من أتباع الطريقة الشاذلية، كما سبقت الإشارة. وكان تأثير هذه الطريقة يأتي عن طريق طلب العلم في المغرب الأقصى وتونس أو عن طريق الحج. ذلك أن مثقفي الجزائر، كما مر بنا، كانوا كثيرا ما يقصدون طلب العلم خارج بلادهم التي كانت تفتقر إلى المعاهد العليا والجامعات. وأثناء إقامتهم في فاس أو في تونس، في القاهرة أو في الحرمين، في دمشق أو بغداد أو القدس، كانوا يأخذون العهد عن شيوخ الطرق، وهو أمر كان شائعا عندئذ ولا حرج فيه، بل كان يعتبر جزءا من ممارسة العلم، ولا شك أن المغرب الأقصى كان مركزا عاما لنمو الطرق الصوفية بعد سقوط الأندلس وتحول كثير من علماء الدين وأصحاب التصوف إلى هناك. ففي المغرب ظهرت مدارس صوفية عديدة، سنية وغير سنية، وكان بعض أصحابها يتدخلون في السياسة والحكم وبعضهم قد اتخذوا الخلوة واعتزلوا الناس. ومن جهة أخرى جاءت من تونس عدة طرق ولا سيما الشابية التي هزت الشرق الجزائري بالحروب والدروشة الصوفية (٢). كما كان المشرق الإسلامي مصدرا لتصدير المذاهب الصوفية النابعة من البلاد العربية أو الواردة من فارس والهند وإسطانبول.

стр. 483

ومع ذلك فلا نعرف أن البكداشية والنقشبندية قد انتقلتا إلى الجزائر حتى بعد دخول العثمانيين، والطريقة الوحيدة التي وجدت أرضية صلبة في الجزائر هي القادرية، وهي قد وصلت قبلهم، ولكنها ازدهرت أثناء حكمهم. غير أن هذا لا يعني عدم وجود التأثير الطرقي الآخر. فقد ورد على الجزائر خلال العهد المدروس علماء ودراويش من المشرق، أمثال الملا علي، الذي ذكره الفكون والذي أقام في قسنطينة والجزائر، والشيخ فتح الله الذي سبقت إليه الإشارة، ومحمد تاج العارفين العثماني التونسي، ولا شك أن الأفكار والمذاهب كانت تنتقل مع هؤلاء ومع الجنود والعائلات إلى أكثر المناطق عزلة في الجزائر. وكانت بين المرابطين مراسلات حول معطيات التصوف. ومن ذلك وصية أحمد بن ناصر الدرعي لمرابطي الجزائر التي سماها (وصية لفقراء الجزائر) (١). ومنها رسائل عبد العزيز بن خليفة القسنطيني نزيل المغرب الأقصى إلى تلاميذه. وقد قيل إنه قد وصل إلى مرتبة الغوث والقطب، وأنه كان صاحب كرامات (٢). وقد اطلعنا على رسائل الأزهري مؤسس الطريقة الرحمانية التي بعث بها إلى تلدميذه عندما كان في القاهرة. كما رأينا عددا من رسائل محمد العربي الدرقاوي إلى أتباعه بالجزائر. وكان بعض العلماء يحصلون على مكانة بارزة في العلم والتصوف بعد تجوال وسياحة علمية ثم ينشرون ما حصل لهم بين معاصريهم. وكان بعضهم يخطط للثورة وطلب السلطان أيضا أمثال الشيخ يحيى الأوراسي. وكان التأثير الطرقي غير مباشر في معظم الأحيان. فبعد هجرة الجزائريين إلى الشرق كانوا يتلقون مبادئ الطرق غير الموجودة في بلادهم،

стр. 484

مثل النقشبندية، ثم تسربت إلى الجزائر عن طريقهم. وقد روى العياشي أن شيخه عيسى الثعالبي قد تلقى ذكر الطريقة النقشبندية في المشرق وأنه هو الذي لقنه له في المدينة المنورة وألبسه الخرق الثماني المنصوص عليها عندهم. وكان الثعالبي قد تلقى مبادئ النقشبندية على الشيخ صفي الدين القشاشي المدني (١). وكان الثعالبي من أتباع الطريقة الشاذلية أيضا. ولعله أخذها قبل مغادرته للجزائر على أستاذيه سعيد قدورة وعلي بن عبد الواحد الأنصاري. لذلك قيل عن الثعالبي إنه كان مقبولا عند أهل الظاهر وأهل الباطن. فهو، كما يقول العياشي (لم يتنسك تنسك المتنطعين من المتصوفة ولم يسترسل مع العادات استرسال المسرفين، بل سلك في ديانته أقوم سبيل، واقتدى من الكتاب والسنة بأهدى دليل، مع اعتقاد تام في سالكي طريق القوم) (٢). ورغم أن الثعالبي قد تلقى العلم والتصوف على مشائخ متعددين في المغرب والمشرق فإنه لم يتحول عن الطريقة الشاذلية. ومما يذكر أنه قد أصبح ذا بسطة في الرزق أثناء حياته في المشرق. وهذا يؤكد انتشار الطريقة الشاذلية لدى الجزائريين من جهة ومادية هذه الطريقة من جهة أخرى، وعدم ابتعادها عن الكتاب والسنة. ومن أتباع هذه الطريقة في أوائل العهد العثماني أحمد بن يوسف الملياني . ١ - أحمد بن يوسف الملياني: توجد حياة الملياني مسرودة في عدد من المصادر، ولكن أهمها تأليف تلميذه محمد الصباغ القلعي المسمى (بستان الأزهار في مناقب زمزم الأخيار ومعدن الأنوار سيدي أحمد بن يوسف الراشدي النسب والدار) (٣) وتأليف الشيخ علي بن موسى في القرن الماضي المعروف باسم (ربح التجارة ومغنم السعادة فيما يتعلق بأحكام الزيارة) (٤). وليس غرضنا هنا الترجمة للملياني

стр. 485

ولا لغيره من المرابطين ولكن ذكر النقاط البارزة من حياتهم التي تشير إلى تأثرهم وتأثيرهم على معاصريهم ومن بعدهم في ميدان التصوف على الخصوص. فهو من قلعة بني راشد، قرب تلمسان، ومن خريجي مدرسة تلمسان الفكرية أواخر القرن التاسع، وهي مدرسة محمد بن يوسف السنوسي، ثم هو من تلاميذ أحمد زروق البرنوصي. وقد تقلب أيضا في عدة أوضاع نتيجة للتدهور السياسي الذي كانت تشهده تلمسان الزيانية في آخر عهدها. فقد تعرض للاضطهاد والسجن والمطاردة، كما عرفنا وكان عليه أن يبحث عن حلفاء لحماية حركته النامية التي أسسها على مبادئ الطريقة الشاذلية بعد أن جاب المشرق وأدى فريضة الحج. وقد تزوج مرارا وكان له أبناء كما عرفنا. وكان لا يرفض الهدايا ولا الملابس الفاخرة ولا الموائد الغنية طبقا لتعاليم الشاذلية التي لا تمانع في ذلك بشرط أن يؤخذ أو يترك لله، حسب قولهم. وكان للملياني خصوم من الساسة ومن الفقهاء، بل حتى من التجار لأسباب ليست كلها معلومة. وكانت له زاوية برأس الماء يستقبل فيها الأتباع ويتقبل الهدايا ونحوها. وقد توفي سنة ٩٣١ ودفن بمليانة حيث ضريحه إلى اليوم. انتشرت طريقة الملياني الشاذلية في الجزائر وفي المغرب الأقصى بسرعة أثناء حياته، وهي ظاهرة قليلة الوجود، لأن معظم المرابطين قد اشتهرت طريقتهم وأخبارهم الصوفية بعد وفاتهم. وكان الملياني يناول تلاميذه الأذكار ويشكلون دائرة للذكر الجماعي مع استعمال الغناء والموسيقى أو الأناشيد والآلات، كما كانوا يعبرون. وكان تلاميذه قد اضطهدوا أيضا في المغرب الأقصى والجزائر (١)، واضطر الملياني نفسه إلى الكتابة إلى أهل

стр. 486

توات ينهاهم عن اضطهاد أتباعه هناك. وقد سمى أتباعه (بالفقراء) وقال إن الله قد أعطاه علم الظاهر والباطن وادعى أنه نائب عن رسول الله ﷺ ، وأن الله قد أحيى به طريق أهل التحقيق، ونسب إليه أنه قال عن السبحة انها كالمهماز للفرس وأنه طلب من الله تعالى تحقيق ثلاثة أمور فحققها له في ليلة واحدة، وهي العلم بدون مشقة (علم الظاهر والباطن) وبلغه فوق مبلغ الرجال، وأراه الرسول في اليقظة لا في المنام. ونسب إليه أيضا قوله (جميع من أكل معي أو شرب أو جالسني أو نظر في لا أسلم فيه غدا يوم القيامة). وقد أشرنا من قبل إلى أنه كان يلقن الأسماء للعامة، بما في ذلك النساء، وأنه قال إنه قد دعا الناس إلى الله فأبوا فاكتفى منهم بشغل جارحة من جوارحهم بذكر الله. وقد ترك الملياني بعض التآليف التي لا تخرج عن مذهبه في التصوف وطريقته سنعرض إليها في مكانها من الجزء الثاني (١). ومن الممكن القول بإن حركة الملياني قد أثرت على معاصريه سياسيا ودينيا. فقد هز الدولة الزيانية بالتجمعات التي كان يعقدها في رأس الماء وفي تلمسان وفي وهران ونواحي البطحاء، وهي المناطق التي كانت مستعدة للاضطرابات والثورة لتراخي قبضة الدولة عنها. كما هز أتباعه كيان الدولة في المغرب الأقصى حتى اضطر أمير فاس إلى محاربتهم ومطاردتهم (٢). وكان تحالف الملياني مع العثمانيين من بين الأسباب التي أدت إلى زيادة الاضطراب والفوضى لدى الزيانيين. ولا شك أن قصة الملياني تقدم، كما قلنا، نموذجا واضحا على تداخل السياسة والتصوف في القرن العاشر (١٦ م) من جهة وعلى مدى تأثير الطريقة الشاذلية في الجزائر من جهة أخرى. ونفس

стр. 487

النموذج في الواقع نجده عند محمد بن علي الخروبي الطرابلسي. ٢ - محمد بن علي الخروبي: نسب الخروبي إلى صفاقس وطرابلس والجزائر. كما عرف عنه أنه كان صاحب حظوة عند العثمانيين. ولعله زار أو تربى في إسطانبول قبل قدومه إلى الجزائر. وكان قد تشبع بالروح الصوفية السائدة عندئذ في المشرق من شاذلية وقادرية وبكداشية وغيرها. وقد قيل إنه أخذ العلم عن علماء مشارقة ومغاربه. ومن هؤلاء أحمد زروق دفين مصراته ومحمد بن عبد الله الزيتوني ومحمد بن مرزوق، وتلاميذ عبد الرحمن الثعالبي ومحمد بن يوسف السنوسي. وجميعهم يمثلون أقطالب حركة التصوف في المغرب العربي. وليس من المعروف أين ولا متى ولد الخروبي ولكن نسبته إلى صفاق وإلى طرابلس قد تكون فيها إشارة إلى موطنه الأصلي. أما وفاته فقد كانت سنة ٩٦٣ بالجزائر. وقد خدم الخروبي الوجود العثماني في المغرب العربي، وخصوصا في الجزائر خدمة جليلة بقلمه ودرسه وطريقته الصوفية. فبالإضافة إلى نشاطه الديني والمذهبي في الجزائر لصالحهم قام بعدة سفارات إلى المغرب كما أشرنا. وهناك وجد استقبالا حسنا من الولاة والعلماء على حد سواء (١). فقد زار فاس ومراكش وغيرهما وأخذ عليه علماء المغرب أيضا. وكان فصيح اللسان وجريئا. وقد تولى الخطابة في أحد مساجد الجزائر. كما عرف عنه أنه كان جماعا للكتب، وقد قيل إنه ترك خزانة كتب ضخمة في مراكش. ويبدو أن الخروبي قد خصص جهده للتأليف والدعاية لصالح الطريقة الشاذلية والدفاع عنها. ورغم تصوف الخروبي وصلاحه فقد كان، مثل معاصره أحمد الملياني وأضرابه، لا يستنكف من خدمة السلطان وقبول الهدايا والعيش عيشة رغدة. وركز الخروبي في تآليفه على الأوراد والأذكار

стр. 488

وعلوم التصوف كما اشتغل بمناقشة مسائل قد تعتبر اليوم غير ذات بال كحلق شعر التائب. ونسب إليه بعضهم تفسيرا للقرآن قام به وهو في الجزائر (١). وقد ظلت شروح الخروبي على حكم ابن عطاء الله في التصوف وعلى الصلاة المشيشية (نسبة إلى عبد السلام بن مشيش ناشر الطريقة الشاذلية) وعلى أصول الطريقة لأحمد زروق وعلى كفاية المريد، ونحوها، موضع دراسة المرابطين والعلماء فترة طويلة. وقد نسب إلى الخروبي قوله عن (كفاية المريد) إن الواجب على كل سالك (متصوف أو مرابط) أن يحصلها. ونحن لا نشك في ذلك لأنه بين فيها طريقة السلوك، كما بين ذلك في شرح الصلاة المشيشية ورسالة الطرق الصوفية (٢). ويظهر تأثير الخروبي على معاصريه من وجهين: حماية الدولة في الجزائر له واحتماؤه هو بها في دعوته التي كانت تتجاوب مع تيار العصر، وتسخير فكره وقلمه ولسانه لخدمة الطريقة الشاذلية والطرق القريبة منها كالقادرية. وإذا كان الوجه الأول واضحا بما ضربناه من أمثلة على حظوته وتمتعه بثقة العثمانيين، فإن الوجه الثاني في حاجة إلى بعض الإيضاح. ذلك أن الخروبي في مركزه، كخطيب ومؤلف، استطاع أن ينشر مبادئ الطريقة الشاذلية بشكل لم يحصل من قبل. حقا إن محمد بن يوسف السنوسي قد أثر على أجيال المتصوفين بدراسته للعقائد وتحبيبه علم التوحيد للدارسين ودفاعه عن أهل التصوف البدعي، ولكن الخروبي قد بسط قواعد التصوف في شرحه على الحكم العطائية، كما بسط مبادئ الطريقة الشاذلية، ولا سيما في شرحه على (كفاية المريد) وعلى (الصلاة المشيشية) حتى أصبح هنان

стр. 489

الشرحان لازمة كل مريد وصفة كل مرابط خلال العهد الذي ندرسه. ولم يستطع أحد بعده أن يحتل مكانته أو يفند أقواله. فقد قام عبد الرحمن الأخضري وهو من المعاصرين للخروبي ومن تلاميذه، كما سنرى، ببعض الأعمال المشابهة، ولكنه لم يصل إلى درجته في التأثير في التصوف. ولهذه المكانة التي تمتع بها الخروبي لدى المعاصرين في ميدان التصوف خصصنا له هذا الحيز من الفصل. ٣ - عبد الرحمن الأخضري: ولو لم يكن للخروبي من التلاميذ غير عبد الرحمن الأخضري لكفاه. ورغم قصر حياة الأخضري حسب معظم الروايات. فإنه قد أثر على معاصريه والأجيال اللاحقة أيضا بكتبه وسلوكه، وخصوصا المتون التي نظمها وشرحها في المعاني والبيان والفرائض والحساب والمنطق والفلك والأسطرلاب. ومن أعماله التي تهمنا في هذا المجال قصيدته (القدسية) في التصوف، وهي التي قام الحسين الورتلاني بشرحها وتدريسها. ولد الأخضري في بنطيوس من قرى نواحي بسكرة. وهناك نما وشب وأخذ العلم عن والده وشقيقه الأكبر. وكان والده محمد الصغير من علماء الوقت أيضا، فألف (أي الوالد) حاشية على خليل وكتابا في التصوف أيضا، هاجم فيه من سماهم بـ (الدجاجلة) الذين انحرفوا في رأيه عن منهج الشرع القويم. ولعل الأخضري قد تأثر في هذا المجال بوالده كما أن جده محمد عامر كان من علماء الوقت فجمع أيضا عملا في الفتاوى الفقهية. وتذكر بعض الروايات أن الأخضري قد طلب العلم أيضا بقسنطينة وأخذه على الشيخ عمر الوزان. كما طلبه بتونس وأخذه على مشائخ جامع الزيتونة. ولكن هذه الرواية غير مؤكدة، سيما إذا عرفنا أن حياة الأخضري نفسها ما تزال غامضة. ذلك أن معظم المترجمين له يذهبون إلى أنه قد عاش ثلاثا وثلاثين سنة فقط (٩٢٠ - ٩٥٣) (١). وإنه لم يتزوج في حياته. ولكن بعض الباحثين شك في

стр. 490

ذلك لأن هناك عائلتين، واحدة في بنطيوس، والأخرى في المقران، تدعيان الانحدار من نسل الأخضري، ومن جهة أخرى فإن نضجه العلمي لا يمكن أن يتحقق إلا إذا كان الأخضري قد تقدم في السن. ومهما كان الأمر فقد قضى الأخضري حياته في التعليم والكتابة في زاوية عائلته في بنطيوس وتخرج على يديه تلاميذ عديدون. وكان يذهب في الصيف إلى الهضاب العليا (سطيف ونواحيها) للابتراد فأدركته الوفاة في أحد الأصياف في كجال سنة ٩٥٣، بناء على معظم الروايات. ولم يدع الأخضري أثناء حياته كرامة ولا كشف ستر ولا إدراك علم الظاهر والباطن، وإنما كان عالما عاملا يؤلف المتون ويشرحها ويجمع الكتب ويفهمها ويجلس للدرس ويخرج التلاميذ، شأن العلماء الصالحين. غير أن المتأخرين، في عصر أصبح العقل فيه يتقبل كل ناعقة، هم الذين نسبوا إليه الكرامات الكثيرة التي منها أن صاحب دعوى قد ظهر وادعى أنه يطعم الناس التمر الرطب في غير وقته. فذهب إليه الأخضري ووضع يده على زنده فإذا التمر يصبح روث بهائم. ومنها أن الأرض قد طويت بجثمانه بعد وفاته في كجال فعاد به الناس إلى مسقط رأسه لدفنه في فترة قصيرة، ورجعوا في نفس اليوم. وهناك كرامات أخرى تتعلق بكتبه التي سرقت منه وبغضبه على حكام الوقت وعلى اللصوص. وكان الأخضري قد تلقى ورد الطريقة الشاذلية والزروقية على الشيخ محمد بن علي الخروبي عند مرور هذا بالزاب (حيث بنطيوس) في طريقه إلى الحج. كما درس الأخضري على مرابط قرية ليشانة غير البعيدة من مسقط رأسه، وهو الشيخ عبد الرحمن بن القرون. ولعله قد تأثر أيضا بتعاليم عمر الوزان الذي يجمع بين العلم والعمل به وبين التصوف والفقه، كما سبق أن عرفنا. وقد أخذ الأخضري يتجول في

стр. 491

الجبال القريبة من قريته دارسا متأملا يأتيه الناس بالطعام ويرد عليه التلاميذ للدرس، إلى أن استقر به الحال في زاوية بنطيوس. ومن الواضح أن الأخضري قد أثر بعلمه أكثر مما أثر بتصوفه. فكتبه في العلوم التي أشرنا إليها كانت تدرس في المشرق والمغرب وتوضع عليها الشروح والحواشي. ولم نعرف عنه أنه ألف في التصوف غير (القدسية) وله أيضاء أرجوزة في طبيعة النفس (١). ولكن الأخضري لم يكن كالملياني أو الخروبي يؤلف في الأوراد والأذكار وغيرها من وسائل الدعاية للطرق الصوفية رغم أنه كان نظاما بارعا كما تدل كتبه التي سنتعرف عليها في مكانها من الجزء الثاني، بل هاجم البدع ومن سماهم علماء السوء ودعا إلى العمل بالكتاب والسنة. ويبدو أن عقله كان عقلا رياضيا أكثر منه عقلا صوفيا يميل إلى الغموض والروحانية (٢). وقد نسبت إليه قصيدة طويلة في نبوة (خالد بن سنان العبسي) (٣) ومطلعها: سر يا خليلي إلى رسم شغفت به ... طوبى لزائر ذاك الرسم والطلل جلت شواهده عزت دوائره ... ما خاب زائره في الصبح والأصل ويقال إن الأخضري هو الذي أظهر نبوة خالد بن سنان فى المغرب

стр. 492

العربي وذلك في قوله: إن النبوة قد لاحت شواهدها ... كيف المحالة والأنوار لم تزل في خالد بن سنان البدر سيدنا ... أخصه بسلام رائق حفل ورغم أن الأخضري لم يدع، كما قلنا، التصوف في وقته فإن الجيل اللاحق قد اعتبره من المرابطين الصالحين. فأقيمت على قبره قبة وأصبحت زيارته من المغانم عند الناس حتى العلماء منهم. ودعا إلى زيارة قبره علماء تلك النواحي أمثال مصطفى بن عزوز البرجي وعلي بن عمر الطولقي وعبد الحفيط الخنقي والمختار الجلالي. كما زاره علماء المغرب الذاهبين أو العائدين من الحج كالعياشي والدرعي. ونسبت إلى الأخضري طريقة حتى أن الحسين الورتلاني أقام عند ضريحه ثلاثة أيام يريد الانخراط فيها وأخذ بركة الشيخ، كما ذكرنا من قبل أن ولاة قسنطينة العثمانيين كانوا يعفون زاوية الأخضري وعائلته من دفع الضرائب لمقامه الديني (١). ٤ - محمد بن علي أبهلول: أشرنا في عدة مناسبات إلى حياة أبهلول وزاويته، ولا نريد هنا أن نكرر ما قلناه (٢). والذي يهمنا عنه في هذا الفصل دوره في التصوف. فقد عرف عنه أنه كان (سفيان العابدين) وأن الناس كانوا يعتقدن فيه العلم والصلاح والزهد وأنه كان، بالإضافة إلى العلوم الشرعية، عالما بالنحو والمنطق والشعر. ومن شعره قصيدة طويلة يشكو فيها إلى الله من أهل وقته شأن معظم المرابطين عندئذ، وبدايتها: أفوض أمري للذي فطر السما الخ ..

стр. 493

وقد قال عنه أبو حامد المشرفي الذي خصه بتأليف سماه (ياقوتة النسب الوهاجة) إن أبهلول قد (كسا علم التصوف طلاوة وبهجة. وكانت كراماته أوضح من شمس الضحى). وكان أبهلول من أشراف الأندلس الحسنيين جمع بين الشرف والصلاح إلى أن أصبح قطبا واضحا (١). ويبدو أن أبهلول المجاجي كان كالأخضري والثعالبي مشتعلا بالعلم والزهد، ولكن المتأخرين هم الذين نسبوا إليه الكرامات وسموه بالقطب ونحو ذلك. وقد نقل ابن سليمان من خطه بعض الأمور المتعلقة بحفظ القرآن وغيره كبلع قلب الغراب سخنا ممرغا في العسل (٢). ٥ - محمد بن بوزيان والطريقة الزيانية: غير أن محمد بن بوزيان، مؤسس الطريقة الزيانية، كان على خلاف ذلك. فسيرته تبرهن على أنه كان فعلا يهدف إلى نشر الدعاية للطريقة الشاذلية بالوسائل التي كان قد استعملها من قبل محمد الهواري وأحمد بن يوسف الملياني وأضرابهما من المرابطين الدعاة. وقد كانت زاوية درعة مصدر تأثير صوفي كبير على بعض الجزائريين سواء بدراسة هؤلاء فيها والتتملذ الصوفي وأخذ الورد أو بمرور زعماء الزاوية أنفسهم في الجزائر عند الحج ونحوه. وقد عرفنا أن سعيد قدروة قد توجه إلى سجلماسة وأنه أخذ العلم والتصوف بها. ولعل مجيء الشيخ علي بن عبد الواحد السجلماسي إلى مدينة الجزائر كان لا يخرج عما ذكرناه. ومهما يكن من أمر فإن الشيخ وزيان يعتبر نموذجا آخر لهذه الصلات والتأثير. فقد توفى والده، وهو في عمر مبكر، فخرج من قريته (التحاتة) القريبة من القنادسة، متوجها إلى زاوية سجلماسة حيث كان الشيخ بوبكر بن عزة، زعيم الطريقة الشاذلية، فدرس

стр. 494

عليه القرآن الكريم. وقبل وفاة ابن عزة أخذ عليه بوزيان سر الطريقة أيضا. ثم توجه إلى فاس طلبا للعلم بناء على نصيحة شيخه. وبقي في فاس ثماني سنوات أخذ خلالها عن علماء بارزين في وقتهم، أمثال محمد بن عبد القادر الفاسي، وعبد السلام جسوس وأحمد بن الحاج، ثم عاد إلى مسقط رأسه بالقنادسة. وتذهب مصادر الطريقة الزيانية إلى أن محمد بن بوزيان هو السابع والثلاثون في سلسلة الطريقة الشاذلية، ومن ضمن المذكورين في هذه السلسلة شيخه بوبكر بن عزة ومحمد بن ناصر الدرعي، بالإضافة إلى أبي مدين الغوث وأبي الحسن الشاذلي والملك جبرائيل. ومنذ عاد بوزيان إلى القنادسة بدأت تظهر عليه الكرامات وجاءه الناس من كل فج وأصبح عندهم قطب أهل التصوف واستوى في ذلك العامة والخاصة. حتى أن معاصره الشيخ عبد الرحمن القرزازي (مؤسس الطريقة القرزازية بالقرب من بني عباس) قد جاءه زائرا ونصح الناس بزيارته. وكان بوزيان يختفي فجأة عن أعين الناس لمدة أسبوع ثم يعود إلى الظهور، وكان يركب الحمار أو يمشي حافي القدمين. وكان غذاؤه من الأعشاب وأوراق الشجر، وكان يغسل ثيابه بنفسه. وقد بنى زاوية بالحجر والطوب أصبحت مقصد الزوار الذين بلغوا أحيانا أربعمائة زائر. وكانوا يأتون إليه بالقمح والشعير والشحم والعسل. وأصبحت القنادسة، بعد بناء الزاوية، غنية بعد فقر ومعرفة بعد أن كانت نكرة وراوية بعد عطش. فقد حفر بوزيان الآبار بالزاوية نفسها وفي غيرها للسابلة ولأهل البلاد الذين كان يعوزهم الماء، وكان يذهب بدوره لزيارة أضرحة مشائخه في سجلماسة حيث قبور ابن عزة وابن ناصر وغيرهما. وكان يزور صديقه المرابط عبد الرحمن القرزازي المعروف أيضا باسم بوفلجة. وكان بوزيان لا يخاف الولاة ولكنه لا يذهب إليهم، فكان موضع احترامهم. واستعمل بوزيان تعاليم الطريقة الشاذلية إذا لم يكن قد بالغ فيها بعض الشيء نتيجة التخلف العلمي في المنطقة والحاجة إلى اتخاذ المقنعات عند الناس. فقد أشيعت عنه الكرامات واتخذ السبحة لازمة له حتى كان يقول

стр. 495

عنها (السبحة واللوح إلى خروج الروح). وإذا كان يشير بالسبحة إلى الذكر على الطريقة الشاذلية فهو يشير باللوح إلى قراءة القرآن وإلى العلم عامة. وكان ذلك هو دأبه إذ كانت طريقته تقوم على أداء الذكر ومعرفة السلسلة الشاذلية وسلسلة أهل التصوف السابقين. أما السبحة والخرقة فلم يكن له فيها تقليد معين. وطريقة الذكر عنده هي التي أوردها الشيخ محمد بن يوسف السنوسي في العقيدة الصغرى. وكان سلوكه في بقية حياته يشبه سلوك معظم المرابطين المنتسبين إلى الشاذلية. فقد حج وتزوج عدة مرات، وكان له بنون وبنات. وكان يقبل الهدايا أيضا، ولكن مصادر طريقته تشير إلى أنه كان لا يبالي بلذائذ الطعام والشراب ولا بفاخر الثياب. وبعد حياة حافلة بالنشاط العلمي والصوفي توفي بوزيان بالقنادسة سنة ١١٤٥، فخلفه ابنه محمد الأعرج الذي ظل على رأس الزاوية إلى وفاته أيضا سنة ١١٧٥. وقد استمر أولاده وأحفاده يتوارثون إدارة الزاوية وينشرون منها التعليم ومبادئ الطريقة الشاذلية إلى العهد الفرنسي (١). ٦ - محمد بن عبد الرحمن الأزهري والطريقة الرحمانية: ورغم أن الطريقة الرحمانية قد ولدت خلال القرن الثاني عشر (١٨ م) فإنها لم تلعب دورا بارزا دينيا وسياسيا ولم تنتشر في أنحاء الجزائر إلا في القرن الثالث عشر. ومؤسسها هو الشيخ محمد بن عبد الرحمن الجرجري المعروف أيضا بنسبته إلى زواوة وإلى الأزهر (الزواوي والأزهري). وهو من قبيلة آيت إسماعيل من عرش قشطولة. وتاريخ ميلاده غير متفق عليه، ولكن بعضهم قدره بين ١١٢٧ و ١١٤٢. وقد توفي بالجزائر سنة
следующие страницы →