← Указатели

Указатели · id 14100

تاريخ الجزائر الثقافي

أبو القاسم سعد الله

Полный текст (5 019 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.

стр. 596

المغربي وملاقاة العلماء الذين يرافقونه والأخذ عنهم وربط الصلات العلمية معهم. وقد ذكر العياشي أنه تراسل مع بعض علماء الجزائر أثناء مروره بهذه النواحي أيضا. ويبدو أن سمعة خليفة بن حسن كانت ذائعة في عصره. فهذا الناصري الدرعي صاحب الرحلة الكبرى قد سجل انطباعه أيضا عن ملاقاته بالشيخ خليفة. وقال إنه كان قد سمع به ولم يلقه أثناء ذهاب الركب إلى الحج لأن خليفة بن حسن عندئذ كان في بلاده. أما عند عودة الركب فقد خرج الشيخ خليفة إلى سيدي عقبة للقاء علماء المغرب. وقد حكم الدرعي على منظومة خليفة بن حسن حكما يختلف قليلا عن حكم الفاسي. وهذا نص ما كتبه الدرعي عن هذا اللقاء في رحلته (وكان ممن اجتمعنا به في هذه البلدة المباركة (سيدي عقبة) العالم العلامة المسن البركة، سيدي خليفة بن الحسن السوفي، نسبة إلى سوف، قرى صحراوية على خمس مراحل من بسكرة، وكنا سمعنا به ولم نلقه لمغيبه ببلده (أثناء الذهاب إلى الحج)، وجاء بقصد ملاقات (كذا) الركاب النبوية على عادتهم، وأوقفني على نظمه لأبي المودة خليل، وزاد عليه بعض قيود وتنبيهات. وهو نظم سلس لا بأس به، غير أن صاحبه غير متمكن في الصناعة العروضية، وإنما للنظم عنده سجية، وهو زهاء ثمانية آلاف بيت) (١). سمى خليفة بن حسن نظمه المذكور (جواهر الإكليل في نظم مختصر الشيخ خليل). وكان قد فرغ من نظمه سنة ١١٩٢، عندما أصبح طاعنا في السن. ولم يكن له سوى هذا النظم، الذي امتاز بسلاسته ودقته، بل ألف غير ذلك في الفقه أيضا. فله كتاب يعرف بـ (الكنش) أو الكناش، جمع فيه مسائل فقهية هامة على شاكلة النوازل والفتاوى، وقد قدره من رآه بثلاثمائة صفحة من الحجم الكبير. كما ألف شرحا على السنوسية، ونظم الأجرومية،

стр. 597

وله قصيدة في معرفة الأثر، وفتاوي وآراء اجتماعية سنعرض لبعضها بعد حين (١)، وما تزال آثار خليفة بن حسن القماري لم تجمع ولم تطبع باستثناء نظمه المذكور، فهو مطبوع. ... أما في الفقه الحنفي فلا نعرف أن علماء هذا المذهب قد ألفوا فيه أعمالا هامة. ويعود ذلك بالدرجة الأولى إلى أن معظم القضاة الحنفية كانوا في أول الأمر يأتون من المشرق لمدة قصيرة. وحين أصبحوا يعينون من العائلات التي نشأت في الجزائر كانوا يعتمدون غالبا في أحكامهم وفتاواهم على شروح وحواشي المشارقة. ومن المعروف أن عائلة ابن العنابي قد ساهمت في التأليف على مذهب أبي حنيفة. ولنذكر هنا تأليف محمد بن محمود بن العنابي المعروف (بشرح الدر المختار)، وهو العمل الذي قرظه محمد بيرم التونسي الحنفي أيضا، ولكننا لا ندري ما إذا كان ابن العنابي قد أكمل عمله، والغالب أنه فعل لأنه عاش فترة طويلة بعد تقريظ الجزء الذي انتهى منه. وقد تناولنا ذلك في كتابنا عنه (٢)، وتحتوي المكتبة الوطنية بالجزائر على بعض النصوص في الفقه الحنفي لبعض العلماء الجزائريين مثل الرسالة التي كتبها علي بن محمد الجزائري بعنوان (رسالة في الصلوات) (٣). النوازل والفتاوى والفرائض وبالإضافة إلى ما ذكرنا ترك علماء الجزائر تآليف في الفتاوى والوقف والفرائض وغيرها من القضايا التي تمس جوانب الدين المختلفة. ورغم أن الباحثين قد نسبوا إلى محمد بن العنابي فتاوي كثيرة فإنها على كل حال غير

стр. 598

مجموعة في كتاب واحد، وهي متفرقة هنا وهناك، كما أنها لا تشتمل على فتاوى غيره في القضايا التي تناولها على نحو ما فعل الونشريسي مثلا. ويكاد يكون كل عالم بشؤون الدين، والفقه على الخصوص، قد جمع بعض الفتاوى التي تقل أو تكثر حسب مكانته وحسب نظرة الناس إليه وكثرة وتلاميذه. وليس من غرضنا هنا إحصاء هذه الفتاوى. فقد نسبت إلى أحمد بن الحاج البجائي التلمساني مجموعة من الفتاوى، وروى له ابن عسكر فتوى طويلة دليلا على إتقانه لهذا الفن (١)، ونسبت إلى محمد بن أحمد المعروف بالكمال عدة أجوبة على نوازل فقهية مختلفة، ولكننا لا نعرف ما إذا كانت هذه الأجوبة مجموعة ومحفوظة (٢) ومن ضمن ما ترك عبد العزيز الثميني مجموعة من الفتاوى، كما عرفنا. وذكر صاحب (نيل الابتهاج) لعمر الوزان فتاوى في الفقه والكلام (أبدع فيهما ما شاء) (٣). وهناك بعض الفتاوى ذات الموضوع المحدد كرأي أحد العلماء في قضية معينة عرضت له أو سئل عنها. ولدينا من هذه الفتاوى نماذج كثيرة لا نريد أن نأتي هنا على كل ما عرفناه منها، فقد تناول محمد شقرون الوهراني في عمله المسمى (الجيش الكمين لقتال من كفر عامة المسلمين) (٤) قضية إيمان المقلد في العقائد العاجز عن معرفة الله بالبراهين (هل إيمانه صحيح أو هو كافر وإيمانه فاسد)؟ وبعد أن ذكر الوهراني آراء العلماء اللذين كفروا عامة المسلمين لأنهم مؤمنون بالتقليد، وحكموا باستباحة أموالهم وفساد عقود زواجهم وغير ذلك - أجاب هو إجابة انتهى فيها إلى صحة إيمان المقلدين من العامة. وقد أورد أوجه الخلاف الناشب بين العلماء حول هذه القضية ناقلا ذلك عن المشاهير منهم أمثال الماتريدي وأحمد بن زكري والقاضي عياض

стр. 599

وابن رشد. ورغم اعتراف الوهراني بأن المسألة خلافية فإنه انتهى إلى الأخذ برأي أهل السنة، كما يقول، ونبذ آراء المعتزلة ونحوهم. والملاحظ أن الرأي الذي وصل إليه الوهراني قد سانده فيه، بشهادات مكتوبة، أربعة من علماء تلمسان وهم. إبراهيم بن أحمد الوجديجي ومحمد بن عيسى وأحمد بن ملوكة ومحمد بن العباس. والوهراني المذكور هو نفسه صاحب الفتوى المشهورة التي أفتى فيها مسلمي الأندلس بالبقاء تحت الضغط وإخفاء دينهم والتظاهر بالنصرانية. وقد احتلت قضية اليهود مكانا بارزا في تكفير العلماء خلال العهد العثماني. وكان العلماء بصفة عامة ناقمين على تدخل اليهود الاقتصادي والسياسي في الدولة، ولكن حماية بعض الباشوات والبايات لهم قد جعل العلماء يبلعون نقمتهم. ويظهر ذلك من بعض الفتاوى التي قد تبدو قاسية ضد اليهود. فقد عرفنا موقف عبد الكريم الفكون (الجد) من قضية المسمى المختاري الذي تطاول على الرسول ﷺ والذي أفتى الشيخ بقتله رغم حماية السلطة السياسية في قسنطينة له. وأفتى الشيخ محمد الولي الحفي بإحراق اليهود والنصارى إذا أعلنوا سب الرسول ﷺ ، معتمدا في ذلك على مجموعة من الأحاديث والروايات التاريخية. وقد وضع رسالة في ذلك سماها (السيف الممدود في عنق من أعان اليهود) (١)، وأسهم محمد بن أحمد الكماد في هذه الحملة بإصدار جواب ضمن أجوبة علماء فاس بإبطال ما اشتهر به يهودها من عهد منسوب لرسول الله (٢). ولأحمد البوني فتوى في الحضانة كتبها سنة ١١١٣ ونسخها ولده أحمد الزروق سنة ١١٤٥. ونحن نسوق بعض هذه الفتوى لا لموضوعهاولكن للأفكار التي وردت فيها والتي تلقي ضوءا على تفكير البوني وبعض

стр. 600

علماء عصره. فقد وردت عليه من قسنطينة رسالة يطلبون فيها منه إبداء رأيه كتابة في قضية حضانة انقسم حولها العلماء، وهي طفل ماتت أمه وألف أباه ألفة كبيرة، وعندما طالبت به جدته لأمه (وهي حاضنته الشرعية) أبى وبكى، فما الحكم؟ فقد أفتى البعض ببقائه مع والده وأفتى آخرون بنقله إلى جدته، وكل فريق أيد رأيه بنقول علمية وشرعية. وقد أجاب البوني بأن الوالد أحق بالطفل في هذه الحالة. وأضاف أنه ليس للجدة حق أصلا وإن كان المشهور أن الحضانة حق لها، واستدل لرأيه بأقوال خليل وشراحه من المتأخرين، كما استدل بالعقل، وبرر البوني أخذه برأي المتأخرين بقول القائل: قل لمن لا يرى المعاصر شيئا ... ويرى (١) للأوائل التقديما إن ذاك القديم كان جديدا ... وسيبقى هذا الجديد قديما واستدل أيضا برأي ابن مالك وبالأمثال التي تذهب إلى أن العلم منحة إلهية يرزق بها الله من يشاء، وهي غير مقصورة على الأولين، ورفض البوني الاعتقاد في القول القائل (ما ترك الأول للآخر شيئا) (٢)، ولا شك أن هذا رأي مهم أدلى به البوني قد لا يتناسب مع ما نسب إليه من القول بإسقاط التدبير. وهو يدل على أن روح الاجتهاد والحرية العقلية ما تزال حية حتى عند أمثال البوني الذين جمعوا بين الفقه والتصوف. وقد عرفنا أن قضية تناول الدخان قد شغلت بعض العلماء فألفوا فيها وأفتوا. ومن الذين أفتوا فيها أحمد المقري الذي توجد أجوبته في ذلك مجموعة مع أجوبة غيره (٣)، وألف فيها عبد القادر الراشدي وعبد الكريم الفكون. ولعل الفكون هو أشهر من كتب في هذا الموضوع. فعمله الذي سماه (محدد السنان في نحور إخوان الدخان) يشتمل على عدة كراريس. وقد ضمنه مباحث اجتهادية ونقولا من الفقهاء. وهاجم فيه متناولي الدخان وحكم بتحريمه لأنه، في نظره، يحدث (نشوة وطربا) كالحشيشة. ومن الذين

стр. 601

هاجمهم الفكون العلماء المشارقة عموما لتساهلهم في مسائل الدخان ونحوها، وقال إنهم يتناولون الدخان في المساجد وأنهم لا يعظمونها لأنهم ينامون فيها ويحلقون رؤوسهم فيها. وخص الفكون عليا الأجهوري بالهجوم لقوله بأن مسألة التدخين تتعلق بأمزجة الأشخاص، فإن أسكر فهو حرام وإن لم يسكر فهو حلال، ورغم نقد الفكون لأهل التصوف في كتابه (منشور الهداية) فإنه في كتابه (محدد السنان) قد بنى تحريم الدخان على رأي الفقهاء والصوفية. فقال إن (غالب المتورعين من الفقهاء، ومعهم جميع الصوفية أرباب البصائر الصافية يصرحون بالتحريم). وهو يعتقد أن الفقهاء إذا اختلفوا في مسألة وكان معهم الصوفية فالذي يجب الأخذ به هو الرأي الذي معه الصوفية (لأن الله يؤيدهم وهوى النفوس مفقود منهم فلا ينطقون إلا عن حق وصواب) (١)، ومن الواضح أن الفكون هنا يقصد المتصوفين الحقيقيين الذين عقد لهم فصلا خاصا في كتابه (منشور الهداية) وليس المتصوفين الدجالين الذين سماهم هناك أدعياء الولاية. وألف في نوازل الأرض وعمارتها وما يتصل بذلك عدد من علماء الجزائر أيضا. ومن هؤلاء عبد العزيز الثميني في كتابه (التكميل لبعض ما أخل به كتاب النيل)، وهو عمل في أحكام عمارة الأرض من تشييد المنازل والمدن والقرى وفتح الطرقات وغرس البساتين وتقسيم المياه وأحكام الشركات في العقار والمنقولات وحدود الملكية وتحديد المضرات وأحكامها وأحكام المشاع. وكان الثميني قد اختصر به كتاب (أصول الأرضين) لأحمد بن محمد بن أبي بكر (٢).

стр. 602

وفي هذا النطاق ألف محمد المصطفى بن زرفة برسم الباي محمد بن عثمان الكبير كتابا سماه (الاكتفاء في حكم جوائز الأمراء والخلفاء) تناول فيه أحكام الأرض المفتوحة عنوة وصلحا، وتجارة الأمراء وهداياهم والديون ونحو ذلك مما كان يشغل بال الباي المذكور ويثير بعض الخلافات بينه وبين علماء وقته. وقد قسم ابن زرفة كتابه، الذي ألفه سنة ١١٩٩، إلى أربعة فصول أو أقسام، وتكلم في الفصول الثلاثة على حقوق الأمراء (مثلا - البايات) في مسائل الضرائب والهدايا والتجارة وأوضاع أملاك المدينين وغير ذلك. وأما الفصل الرابع فقد خصصه لموارد بيت المال وطريقة استعمالها، وطريقة توزيع غنائم الحرب، وأحوال الأعراب المغلوبين بقوة السلاح على أرضهم ومصير هذه الأرض إذا كانت مفتوحة عنوة أو صلحا. وأكثر ابن زرفة من النقود على الفقهاء المتقدمين من أهل المشرق والأندلس والمغرب. ولا شك أن ابن زرفة، الذي كان كاتب الباي وقاضيه، قد حاول أن يبرر أعمال الباي وأن يعطيه سلاحا فقهيا. يعتمد عليه في معاملة الثوار وإسكات العلماء ونحو ذلك من الأمور التي كانت تثير الجدل (١). وهناك مؤلفات أخرى وفتاوي أصدرها أصحابها بعد ممارسات في شؤون الحياة. من ذلك (تقييد) عبد الرحمن الأخضري فيما يجب على المكلف (٢)، وفتوى خليفة بن حسن القماري في العمل بمعرفة أثر السارق المتهم، وذلك بعدة مراسلات بينه وبين علماء الخنقة حول هذه النقطة.

стр. 603

وقد أجابهم الشيخ خليفة بقصيدة أوضح فيها ضرورة العمل فقهيا بما ذكر، فأذعنوا لرأيه (١)، كما ألف مصطفى بن رمضان العنابي كتابا اسمه (الروض البهيج في أحكام العزوبة والتزويج) بعد أن وقعت له أمور في زواجه (٢). ومن علماء هذه الأسرة محمد ابن العنابي الذي أفتى كثيرا في مسائل العصر وجمعت له من ذلك مجموعات ما تزال محفوظة في المكتبات العامة والخاصة، كما أنه ألف كتابا هاما في موضوعه وهو ضرورة منافسة الأوروبيين في تقدمهم الصناعي والتقني والعسكري والأخذ عنهم في ذلك وتجاوزهم فيه، وهو كتاب (السعي المحمود في نظام الجنود). وقد أكثر فيه من نقول العلماء واستعمل فيه القياس في مسائل عديدة، وطالب سلاطين آل عثمان بتجديد الدولة وإصلاح النظم، كما أيدهم في القضاء على الإنكشارية وهاجم الفقهاء المتزمتين. وما دمنا قد تناولنا هذا الكتاب بالتحليل والدرس والنقد في مكان آخر فلنكتف منه هنا بهذا المقدار (٣). ويتصل بعلم الفقه موضوع التركات والأوقاف والفرائض. ولا نعرف أن هناك تأليفا خاصا بقضايا الوقف غير رسالة أحمد بن عمار المسماة (رسالة في مسألة وقف) (٤)، وهي جديرة بالقراءة والتأمل لاحتوائها أيضا على آراء اجتهادية هاجم فيها ابن عمار الجمود العقلي في وقته وضعف العارضة عند علماء عصره، وهناك أيضا (رسالة في الوقف) كتبها محمد

стр. 604

ابن العنابي (١)، وهي في موضوع واقف نص على أن من مات قبل الاستحقاق يقوم ولده مقامه. أما سعيد بن محمد العقباني التلمساني، الذي كان خطيب وقاضي تلمسان خلال القرن الحادي عشر، فقد وضع شرحا خصصه للإرث ونحوه. وقد قسم الكتاب إلى أبواب تناول فيها الولاء والإقرار والوصايا والمناسخة الخ. كما شرح الألفاظ لغة واصطلاحا، وذكر الأحكام وطرق التوصل إلى حل التركات، ويبدو أن عمله عبارة عن شرح هذه لأحد أعمال القلصادي في الفرائض، فالنسخة التي اطلعنا عليها متآكلة الأطراف وعليها حواشي لبعضهم (٢). ويتصل علم الفرائض اتصالا وثيقا بالفقه والحساب معا. لذلك وجدنا عددا من العلماء المشتغلين به كانوا أيضا مشتغلين بالحساب. وسنشير إلى هذه العلاقة في الفصل الخاص بالعلوم. فقد نظم عبد الرحمن الأخضري متن (الدرة البيضاء) في خمسمائة بيت، وهي في الفرائض والحساب. وقد قسمها إلى ثلاثة أقسام: الحساب، والتركات، والقسمة. وكان الأخصري قد بدأ الشرع ثم سرقت منه النسخة ولكنها أعيدت له بعد مدة. والمعروف أنه أكمل شرح القسم الثاني على الأقل. أما الأول فليس من المؤكد أنه هو الذي شرحه، وكذلك القسم الثالث. وقد نصت طبعة القاهرة سنة ١٨٩١ للدرة البيضاء على أن القسم الثاني قد شرحه الأخضري بنفسه وكذلك القسم الثالث ما عدا الفصول الثلاثة الأخيرة. أما القسم الأول فقد نصت على أن الأخضري لم يشرحه، ولكنها لم تذكر من شرحه: فهل هو شرح عبد اللطيف المسبح؟ لقد ذكر الفكون أن عبد اللطيف المسبح المرداسي قد شرح (الدرة البيضاء) أو على الأقل أكمل ما لم يشرحه الأخضري منها (٣). وقد اعتنى

стр. 605

المسبح ببعض أعمال الأخضري الأخرى كشرحه على (مختصر) الأخضري في العبادات وآداب الدين، وهو (أي المختصر) الذي شرحه الفكون أيضا. وقد سمى المسبح شرحه (عمدة البيان في معرفة فروض الأعيان). وكان قد أكمله سنة ٩٨٥ (١). ويبدو أن علم الفرائض قد تدهور بمرور الزمن، وكان ذلك نتيجة ضعف العناية بالحساب والرياصيات عموما. وهذا ما جعل الفكون في القرن الحادي عشر يحكم بانقراض علم الفرائض تقريبا. فقد لاحظ وهو يتحدث عن محمد بن نعمون بأنه كان يعتمد على ولديه في الدرس وفي مسائل الوثائق والفرائض، لأن ثلاثتهم (معهم معرفة مبادئ الفرائض قسمة وبعض مسائل وصايا الصحيح ومناسخات دون ما عدى ذلك من أبوابها ومشكلاتها لانقراض العلم في كل الأقطار فيما أعلمه، اللهم إلا ما شذ) (٢)، غير أن علم الفرائض قد شهد نهضة قوية على يد عبد الرزاق بن حمادوش في القرن الثاني عشر، لأنه كان منشغلا بالعلوم، كالطب والرياضيات والفلك، وألف عدة تآليف، كما سنعرف في فصل العلوم. ويظهر اهتمامه بعلم الفرائض والوثائق من النماذج والجداول التي ساقها في رحلته. فقد ضرب هناك عدة أمثلة وأظهر كيفية حل المشاكل الفرضية بسهولة ويسر وبطريقة مختصرة، وكان في ذلك معتدا بنفسه وعلمه حتى أنه سخر ممن لا يتقن هذه المعلومات البسيطة في نظره (٣)، ومن الذين عاصروا ابن حمادوش وكتبوا في الفرائض أيضا محمد بن عبد الرحمن بن حسين العنابي. فقد وجدت له شرحا في هذا الموضوع طبقا للمذهب الحنفي، ولم نستطع أن نتوصل إلى عنوان هذا الشرح (٤).

стр. 606

وهكذا يتضح أن مساهمة الجزائريين في العلوم الشرعية مساهمة هامة. ولو عثر على كل مؤلفاتهم أو جلها، ودرست دراسة متخصصة ونقدية لخرجنا من ذلك بتراث غزير. وعسى أن يتواصل البحث في هذا الموضوع الجليل. ذلك أننا عرفنا أن أساس التفكير الجزائري خلال العهد العثماني كان قائما على العلوم الشرعية. فدراسة هذه العلوم إذن ستكشف أكثر فأكثر عن نوعية هذا التفكير ومكانته.

стр. 607

الفصل الثاني علم الكلام - التصوف - المنطق

стр. 608

في عصر ساد فيه التصوف كل شيء في الحياة تقريبا، لا يمكن أن يكون إنتاج علمائه إلا مصبوغا بالزهد والموعظة والالتزام بمبادئ المتصوفين والزهاد (١). ولا يضارع إنتاج الجزائريين في التصوف والمواعظ إلا إنتاجهم الأدبي الذي تلون أيضا بلون التصوف، كما سنرى. ويتصل بالتصوف علم الكلام والمنطق. ولذلك تناولناهما في هذا الفصل أيضا. وليس هناك كتب فلسفية بالمعنى الدقيق للكلمة، فإذا وجدنا شيئا من ذلك، كالجدل والمطارحات ونحوها أدرجناها في هذا الفصل أيضا لصلتها بالمنطق والكلام. أما المواعظ والأذكار ونحوها فقد أضفناها إلى التصوف. ونظرا لأهمية يحيى الشاوي في علم الكلام والردود أفردنا له ترجمة في هذا الفصل. علم الكلام شاع لدى الجزائريين استعمال تعبير علم الكلام وعلم التوحيد على حد سواء. وكانوا يعتبرون هذا العلم من أهم العلوم بل هو أهمها. فقد عرفه مصطفى الرماصي في القرن الثاني عشر بما يلي: (علم الكلام أوثق العلوم دليلا، وأوضحها سبيلا، وأشرفها فوائد، وأنجحها مقاصد، إذ به تعرف ذات الحق وصفاته، ويصرف عنه ما لا يليق به ولا تقبله ذاته) (٢). ورغم هذا

стр. 609

الإلحاح من الرماصي على ضرورة تعلم علم الكلام فإن الورتلاني، الذي عاش في نفس العصر، قد روى أن علماء الخنقة كانوا لا يتعلمون علم الكلام لأنه في نظرهم لا يحتاج إلى دليل. ولعل بعض العلماء كان يهرب من التعمق في علم الكلام لأن ذلك يؤدي في نظرهم إلى الكفر أو الخروج عن الدين. وليست الخلافات المذهبية والفلسفية إلا نتيجة لمدارسة علم الكلام والتعمق فيه والتمادي في الاستباط والبحث عن الأدلة. والعقائد السائدة لدى الجزائريين هي عقائد الأشعري، وهي عقائد جمهور أهل السنة (١). وكانت مؤلفات محمد بن يوسف السنوسي في العقائد هي المصدر المحلي لدراسة علم الكلام. وقد اصطبغت هذه المؤلفات بالصبغة الصوفية. ورغم أن السنوسي كان يجمع بين علمي الظاهر والباطن فإن شارحيه ومحشيه ودارسي مؤلفاته قد مالوا، تبعا لروح العصر، إلى علوم الباطن. وقد أصبح كل من خالف هذا التيار يتهم بالتجسيم والاعتزال والإيمان بظواهر النصوص، ومن ثمة يحكم عليه بالكفر والزندقة. حدث هذا لعبد القادر الراشدي مفتي قسنطينة في القرن الثامن عشر الميلادي (٢)، فقد اتهمه علماء بلده بالكفر والإلحاد لقوله بالتجسيم. وقد انتصر محمد بن الترجمان للأشعري ضد الماتريدي في رسالته (الدر الثمين) التي سنتحدث عنها. وفي إجابته عن قضية تتعلق برؤية الله في الدنيا والآخرة، صرف ابن العنابي الرأي القائل بالمشاهدة الحسية في الدنيا إلى أنه رأى المعتزلة وأنه لا يقول هو به بل يتبع رأي أهل السنة (لوضوح أدلتهم) (٣).

стр. 610

وتبعا لانتشار المذاهب الإسلامية والمبالغة في التصوف شاعت في الجزائر أيضا تفسيرات كثيرة تتخذ علم الكلام منطلقا لها. فبالإضافة إلى ذات الله وصفاته درس علماء الكلام إيمان العالم وإيمان المقلد، واختلفوا حول ذلك، كما اختلفوا حول تعلق قدرة الله تعالى بالحيز أو لا. فهذا محمد البوزيدي، أحد علماء قسنطينة في القرن الحادي عشر (١٧ م) كان، كما يقول الفكون، صاحب دعوة كبيرة في علم الكلام. فكان يدرس عقائد السنوسي ومختصر ابن الحاجب الفقهي. وكان يقول بأن (المقلد غير مؤمن وأن العامة مختلف في إيمانها) كما كان يقول إن (قدرة الله لا تتعلق بتحيز الجوهر). ويبدو أن البوزيدي لم يكن وحده في هذا التفسير، فقد أكد الفكون أن (هذا مذهب سرى في جل أهل المغرب سريان النار في الهشيم) (١). ولا ندري من أين جاء هذا المذهب إلى أهل المغرب، ولكن من المؤكد أنه ليس مذهبا جديدا. سيطرت إذن مؤلفات محمد السنوسي في التوحيد سيطرة تامة على الدارسين لهذا العلم طيلة العهد العثماني. ولم يكن ذلك مقصورا على الجزائر وحدها بل تجاوزها إلى معظم الأقطار العربية والإسلامية، غير أن الذي يهمنا هنا هو سيطرة هذه المؤلفات على الدارسين في الجزائر. وأهم مؤلفات السنوسي المشار إليها هي ما يعرف بالعقائد السنوسية، وهي العقيدة الصغرى والعقيدة الوسطى والعقيدة الكبرى، ولكن أهم الجميع هي الأولى لوضوحها واختصارها، وهي المعروفة أحيانا باسم (أم البراهين). وليس معنى هذا أن العقيدتين الأخريين لم يهتم بهما الدارسون، ولكن معناه أن جهودهم قد تركزت في التدريس والشرح حول العقيدة الصغرى، ويليها العقيدة الوسطى فالكبرى. فأنت لا تكاد تجد عالما خلال هذا العهد لم يدرس لطلابه (صغرى السنوسي)، كما كانت تسمى، أو يتناولها بالشرح والتحشية وأحيانا بشرح المشروح وتحشية المحشى. وقد كثرت هذه الشروح

стр. 611

والحواشي على صغرى السنوسي حتى أصبحت بشكل ظاهرة في حد ذاتها، وكأن الفكر الفلسفي والديني قد تجمد عندها فلم يعد قادرا على الخوض في مسائل التوحيد إلا من خلال عمل السنوسي. وقبل أن ننتقل إلى الحديث عن شروح عقائد السنوسي نشير إلى عمل آخر في التوحيد كان أيضا قد شغل العلماء في العهد المذكور، ونعني به منظومة أحمد بن عبد الله الجزائري، المعروفة باسم (المنظومة الجزائرية). وكان الجزائري معاصرا للسنوسي، كما عرفنا، وقد نظمها وهو ما يزال شابا (١)، وأرسل بها إلى محمد السنوسي بتلمسان لشرحها فقام هذا بشرح المنظومة شرحا ظل هو أيضا مصدرا آخر هاما للتقليد بين العلماء في هذا الميدان (٢). ورغم سهولة (المنظومة الجزائرية) وقربها من عقول الدارسين الشادين، فإن شرح السنوسي عليها هو الذي حببها للعلماء والطلاب على حد سواء، وقد أخذت، هي الأخرى، شهرة واسعة ليس في الجزائر فحسب بل في العالم الإسلامي أيضا، إذ لا تكاد تخلو مكتبة قديمة من مخطوطة منها. ويمكن القول، بدون مبالغة، إن دراسة التوحيد في الجزائر خلال العهد العثماني كانت تقوم على إنتاج السنوسي والجزائري، بالإضافة إلى (إضاءة الدجنة) لأحمد المقري. وكما شرح السنوسي منظومة الجزائري شرح أيضا أرجوزة محمد بن عبد الرحمن الحوضي المعروفة (بواسطة السلوك) (٣). وقد عرف فيها

стр. 612

الحوضي علم التوحيد أيضا بأنه (أشرف العلوم) وأنه أساس جميع العلوم. وفيها نظم جميع مسائل التوحيد المتعارف عليها، وجعلها سهلة مفهومة التعبير قريبة المعنى (يقرأها الصبيان في المكاتب) وتؤدي إلى إدراك قضايا التوحيد حتى يخرج قارئها من التقليد الأعمى في معرفة الله، كما أنه جعلها في متناول الكبار المنصفين من العلماء لاختصارها لمسائل المطولات. وقد كان الحوضي شاعرا بالسليقة ولذلك كانت أرجوزته سلسة العبارة وجيدة. ورغم أن أحمد بن زكرى التلمساني، المعاصر للسنوسي أيضا، قد اشتهر، كما عرفنا، بدراسة التوحيد والتأليف فيه، فإن شهرته فيه لم تبلغ شهرة زميله السنوسي. ومع ذلك فقد كانا فرسي رهان في هذا الميدان. فقد ألف أحمد بن زكري رجزا في التوحيد سماه (محصل المقاصد به تعتبر العقائد)، وهو الذي وصفه ابن عسكر بأنه عمل بلا نظير (١)، وهو أيضا الرجز الذي اعتذر السنوسي عن شرحه قائلا إنه لا أحد يقدر على ذلك سوى الناظم نفسه. ورغم صعوبة عمل ابن زكرى فقد قام الورثلاني في القرن الثاني عشر بشرح (محصل المقاصد)، ولكنه أخبر أنه لم يتمه. فإذا عدنا إلى عقائد السنوسي، وجدنا أن شراحها كثيرون، ومن أوائل من شرح العقيدة الصغرى تلميذه ومترجمه محمد بن عمر الملالي (٢)، كما تناولها أحمد بن أغادير الذي كان، كما يقول ابن عسكر، من جبال بني راشد. ونحن لا نعرف عن هذا الشرح أكثر مما ذكره عنه صاحب (دوحة الناشر). فقد قال إن كتب ابن أغادير كانت منبعا للباحثين، ولا سيما في علم التوحيد والشريعة، كما أنه قد نسب إليه (تعاليق) لا ندري موضوعها. ولكن شهرة ابن أغادير ظلت كشهرة السنوسي وابن زكرى، تقوم على علم

стр. 613

التوحيد (١). وحوالي نفس الفترة قام الشيخ عمر الوزان في قسنطينة بشرح الصغرى أيضا (٢). ومن تلاميذ الوزان عبد الرحمن الأخصري، الذي شرح أيضا صغرى السنوسي، وهو الشرح المذكور ضمن مؤلفاته (٣). وقد عرف الأخضري بنظم العلوم المختلفة ومنها مسائل التوحيد، وينسب إليه رجز في ذلك أيضا. ولكن ليس من المعروف ما إذا كان قد شرحه بنفسه. ومن الذين كتبوا عن العقيدة الصغرى للسنوسي وتناولوها بالتدريس والتعليق، سعيد قدورة. فقد كان من مشاهير المدرسين، كما سبق. وكان لا يكاد يترك علما يدرسه لطلابه إلا ووضع عليه شرحا أو حاشية. ومن ذلك شرحه لعقيدة السنوسي. فقد درسها لطلابه متنا وشرحا، ثم بدا له أن يضيف إلى شرح السنوسي نفسه فوائد كان قدورة يستحسنها وزوائد كان قد قيدها من هنا وهناك، وقرر أن يجعل كل ذلك (حاشية) على الشرح المذكور. وقد اتبع قدورة في حاشيته نفس الأسلوب المتبع عندئذ وهو شرح الألفاظ والمعاني والاستنتاج بالتعاليق الدينية وما يجر إليه الظرف من أحكام (٤). وهناك عالم آخر لم يبلغ شهرة قدورة ولكنه لا يقل عنه ورعا وعلما، وهو مصطفى الرماصي. فقد وضع أيضا حاشية على شرح صغرى السنوسي. وبعد أن أشار إلى أن الصغرى عظيمة الفائدة (لبركة مؤلفها) وأن السنوسي أشهر من ألف في عمل الكلام رغم كثرة المعتزين به، قال إن بعض المعاصرين من إخوانه قد طلبوا منه وضع حاشية عليها فأجابهم إلى طلبهم.

стр. 614

ولم يذكر الرماصي المنهج الذي سار عليه في تعليقه بل دخل مباشرة في عمله فبدأ يبين ألفاظ ومعاني كلام السنوسي. فكلامه إذن كلام تقليدي، وإنما أضاف إليه معارفه الخاصة وأسلوبه. وهذه الحاشية تعتبر جهدا ضخما إذا حكمنا من حجمها (١). وقام الورتلاني بشرح وتحشية عمل السنوسي أيضا. فالورثلاني، كما عرفنا، كان مولعا بعلم التوحيد، وقد ناقش فيه علماء الخنقة وانتصر له وبين أنه ضرورى لمعرفة الله، وأنه ضروري أيضا للمتصوف. وكان السنوسى، الذي يسمونه أحيانا (شيخ الموحدين) قد قال عن علم الكلام (ليس علم من علوم الظاهر يورث معرفته تعالى ومراقبته إلا علم التوحيد وبه يفتح له في فهم العلوم كلها. وعلى قدر معرفته به يزداد خوفه منه تعالى وقربه منه) (٢). لذلك وضع الورثلاني شرحا على خطبة أو مقدمة شرح السنوسي على صغراه، كما وضع حاشية على شرح السكتاني المراكشي على صغرى السنوسي أيضا. وقد أخبر الورثلاني في رحلته أنه أطلع الشيخ الحطاب في مصر على هذين العملين فاستحسنهما، وكان ذلك أثناء توجهه إلى الحج (٣). ومن هذه الإشارة نفهم أن الورثلاني قد أكمل الشرح والحاشية. والورثلاني من العلماء القلائل الذين وضعوا أيضا شرحا على وسطى السنوسي. وهذا كله يبرهن على عنايته بعلم التوحيد. ولكن الورثلاني لم يكن وحده في هذه العناية. فقد عرفنا أن معظم العلماء كانوا يدرسون علم التوحيد ويكتبون فيه. ومن هؤلاء ابن مريم. فهو تبعا لمدرسة السنوسي، قد جمع أيضا بين التصوف وعلم الكلام وألف في الاثنين. ومن تآليفه في علم الكلام (كشف اللبس والتعقيد عن عقيدة أهل

стр. 615

التوحيد)، وشرح له على مختصر الصغرى للسنوسي (١). كما قام الشيخ خليفة بن حسن القماري بشرح الصغرى أيضا، والظاهر أنه شرح كبير لأنه قد قسمه إلى خمسة أقسام وجعل كل قسم أجزاء، وهكذا (٢). ورغم عناية ابن حمادوش بالفلك والطب فإنه تأثر بتيار العصر فكتب شرحا على العقيدة الكبرى سماه (مباحث الذكرى في شرح العقيدة الكبرى). وقد قال إنه مزج به ألفاظها واستخرج به نضارها (فجاء بحمد الله يرضي الناظرين ويعين القاصرين، مشتملا على خمسة وستين مبحثا)، وأخبر ابن حمادوش أن شرحه قد اشتمل على تسع عشرة كراسة (٣). وقد وضع محمد بن عبد المؤمن أرجوزة في العقائد والفروع، كما سبق، وجعل جزأها الأول في العقائد أو علم الكلام وبدأها بقوله: الله موجود قديم باقي ... مخالف للخلق بالإطلاق وقائم بنفسه وأحد ... ذاتا وفعلا صفة يعتقد ثم الوجود صفة نفسية ... والخمسة الأخرى غدت سلبية وأرجوزة ابن عبد المؤمن، بقسميها، سهلة واضحة، لأن صاحبها أيضا من العلماء الأدباء والأدباء العلماء كما يقول ابن حمادوش. وقد أجاز ابن عبد المؤمن بهذه الأرجوزة الرحالة المغربي ابن زاكور ورخص له في شرحها إذا أراد (٤). وقد أصبحت (إضاءة الدجنة في عقائد أهل السنة) لأحمد المقري تنافس عقيدة السنوسي في الأهمية. فقد عرفنا أن المقري كان من المبرزين في الحديث والتوحيد بالإضافة إلى الأدب والتاريخ، وهو على خلاف معظم علماء عصره لم يكن من المتصوفة. كتب المقري (إضاءة الدجنة) نظما بلغ فيه حوالي خمسمائة بيت تناول فيها أصول الدين وقضايا التوحيد. وقام

стр. 616

بتدريسها في مكة ومصر ودمشق، وأجاز بها بعض العلماء الذين كانوا يحضرون درسه فيها، ومنهم أحمد الشاهين بدمشق. وقد لخص المقري كل ذلك في هذه الأبيات: وإنني كنت نظمت فيه ... لطالب عقيدة تكفيه سميتها (إضاءة الدجنة) ... وقد رجوت أن تكون جنه وبعد أن أقرأتها بمصر ... ومكة بعضا من أهل العصر درستها لما دخلت الشاما ... بجامع في الحسن لا يسامي (١) ولأهميتها وسلاستها قام عدد من العلماء بشرحها. ولا يعرف أن ناظمها قد شرحها بنفسه اللهم إلا إملاءاته على طلابه حين تدريسها. فقد أخبر المقري أن معاصره عبد الكريم الفكون القسنطيني كان ينوي وضع تقييد على (إضاءة الدجنة) (٢). ولا ندري إن كان الفكون قد قام فعلا بذلك، فقد رأيناه شديد النقد للمقري في أخلاقه، كما أن الفكون لم يذكر ذلك في مؤلفاته التي أشار إليها في كتابه (منشور الهداية). والغالب على الظن أنه لم يفعل. ولكن الذي قام بشرحها فعلا وأعجب بصاحبها هو محمد بن المختار بن الأعمش العلوي الشنقيطي. وذكر محمد بن الأعمش دافعه في وضع شرح على (إضاءة الدجنة) وهو كون المقري قد جعلها (في نظم عجيب وأسلوب غريب. ونفخ فيها ما في المطولات بأوجز لفظ وأحسن ترتيب). والملاحظ أن ابن الأعمش قد اعتمد في شرحه على عقائد السنوسي أيضا (٣). وهناك شروم أخرى على إضاءة الدجنة (٤).

стр. 617

ولمحمد بن الترجمان رسالة في التوحيد سماها (الدر الثمين في تحقيق القول في صفة التكوين). والنسخة التي اطلعنا عليها منها يبدو أنها بخط المؤلف نفسه، الذي عاش في القرن الثاني عشر للهجرة. ورغم قصرها (خمس ورقات) فقد تناول فيها ابن الترجمان أهم المسائل التي كانت تدور بين الأشعرية والماتريدية. ورتبها على فصول ومقدمة وخاتمة. أما المقدمة فعن مدلول التكوين لغة وما يتعلق به، وأما الفصول الثلاثة فهي كما يلي: ١) في تحقيق مذهب الماتريدي في صفة التكوين. ٢) في تحقيق مذهب الأشعري فيه. ٣) في مسائل اختلف فيها الأشعرية والماتريدية من علم الكلام. وقد جعل الخاتمة في بيان الخلاف بين أهل السنة والمعتزلة في صفات الأفعال. ويبدو ابن الترجمان، الذي لا نعرف عن حياته الآن إلا النزر اليسير، متمكنا من المسائل الخلافية وكأنه كان من أعيان رجال الدين والفلسفة في زمانه. وقد جاء في خاتمة الرسالة ما يلي: (قاله وكتبه الفقير إلى رحمة ربه المنان، أسير ذنبه محمد بن الترجمان، الشريف الجزائري) (١). ومن جهة أخرى ذكر ابن سليمان أن لشيخه بلقاسم بن عثمان الدارجي كتابا سماه (كتاب الحقائق) نقل منه ابن سليمان كلام هذا الشيخ في عقائد السنوسي وغيرها (٢). وقد فاخر أبو راس بأنه لم يتفوق عليه في كثرة التأليف إلا السيوطي، ومن تآليفه بالطبع ما يتناول مسائل التوحيد وقضايا الدين عموما. من ذلك (الزهر الأكم في شرح الحكم) في التوحيد، و (رحمة الأمة في اختلاف الأئمة)، و (قاصي الوهاد في مقدمة الاجتهاد) كلاهما في المذاهب. وحين عد أبو راس تأليفه جعل التوحيد أحد أقسامها. وكان ولوعا بمناقشة مسائل

стр. 618

علم التوحيد مع علماء عصره في حله وترحاله، حتى أنه سجل من ذلك في (عجائب الأسفار) وفي غيره عدة مسائل تناقشها معهم في الجزائر وتونس ومصر والحجاز. كما سجل ملاحظاته على علاقة الوهابية بمذهب الإمام ابن حنبل. ورغم سيطرة التصوف على علماء العصر فإن أبا راس لم يكن من المتصوفة، وكان في حياته العلمية والدنيوية شبيها بأحمد المقري: كثير الحفظ والتأليف، كثير المدح للأمراء والأعيان، غير أن المقري كان أقوى منه أدبا، ولا نستغرب بعد ذلك أن نجد أبا راس قد قام بشرح صغرى السنوسي، فهو لم يكد يترك متنا إلا شرحه، حتى أنه قد شرح بعض الأعمال ثلاث مرات. وكل من عبد العزيز الثميني ومحمد بن العنابي قد اهتم بالتوحيد أيضا، وكان كلاهما من رجال الدين البارزين في عصرهما. أما الثميني فقد اهتم بقضايا المذهب الإباضي الفقهية والاجتماعية، ولكنه لم يهمل علم الكلام، فقد ذكر له من تآليفه فيه شرح يدعى (النور) وهو على النونية في علم الكلام. كما أن كتاب (التاج) الذي اختصر فيه (منهاج الطالبين) لخميس العماني يتناول مسائل التوحيد والفقه (١). أما ابن العنابي فقد تناول مسائل كثيرة في التوحيد في فتاويه الكثيرة، ولكن أهم ما سجلناه له هو جوابه على سؤال وجه إليه وكتبه بخط يده في رسالة صغيرة. وقد افتتح الجواب بهذه العبارة (ورد علي سؤال نصه، بعد عنوان، إذا قيل حيث كان أهل الحق مطبقين على أن الحق تعالى يرى في الآخرة بالأبصار وأن الرؤية عبارة عن الإدراك. فأقول، اعلم أن المدركات تنقسم إلى ما يدخل في الخيال كالصور المتخيلة والأجسام المتلونة المتشكلة، وإلى ما لا يدخل في الخيال كالذات العلية وكل ما ليس بجسم كالعلم والقدرة والإرادة وغيرها ..) وقد قارن ابن العنابي في إجابته بين مذهب أهل السنة ومذهب المعتزلة في هذه المسألة، ولكنه غلب في النهاية مذهب أهل السنة قائلا: (ونحن لا نقول به (يعني مذهب

стр. 619

المعتزلة) لضيق مجاله فنسلمه لأربابه، سالكين مسلك الجمهور من أهل السنة لوضوح أدلتهم ..) (١). ولا شك أن هناك من علماء الجزائر من ألف في التوحيد أيضا، غير من ذكرنا، ولكن إنتاجهم لم يصل إلينا. ومن هؤلاء عبد القادر بن خدة الراشدي (٢)، وأحمد المقري (٣)، فقد كانا من رجال الفتوى والقضاء، كما كانا مدرسين ومؤلفين (٤). ومن جهة أخرى وضع عبد الرحمن باش تارزي نظما في كلمتي التوحيد ثم شرحه بنفسه وسمي الشرح (غنية المريد في شرح نظم مسائل كلمتي التوحيد) (٥). وهو مطبوع متداول. ولأهمية يحيى الشاوي في علم الكلام رأينا أن نفرد له ترجمة في آخر الحديث عن إنتاج الجزائريين في هذا العلم. يحيى الشاوي إذا حكمنا على يحيى الشاوي من مؤلفاته فإنه يعد من كبار علماء الظاهر في القرن الحادي عشر (١٧ م). ذلك أن معظم مؤلفاته لا تكاد تخرج عن التوحيد والنحو والمنطق، وهي جميعا من علوم أهل الظاهر. كما أن سيرته تدل على أنه كان كذلك. فقد طاف في البلاد الإسلامية من الجزائر إلى

стр. 620

مصر والحجاز ودمشق وإسطانبول واتصل بالوزراء والسلاطين والوجهاء، ونال حظوة عندهم، كما أنه كان من نقاد العصر وأهله. وهذا كله دليل على أنه لم يكن من المتصوفة أو علماء الباطن. وهو في هذا يذكرنا بمكانة معاصريه ومواطنيه عبد الكريم الفكون وأحمد المقري وعيسى الثعالبي، ولكنه، مع ذلك، يظل متميزا عنهم باختصاصه وشخصيته. ولد يحيى بن محمد بن محمد الشاوي النائلي (١) في مليانة في تاريخ لا نعرفه بالضبط ولكنه لا يخرج عن أوائل القرن الحادي عشر. وقرأ بمسقط رأسه على الطريقة المتبعة عندئذ في الكتاتيب من حفظ القرآن الكريم وحفظ المتون وبدايات العلوم. ولم نكن نعرف أن مليانة عندئذ كانت تعيش حياة علمية مزدهرة أو كان فيها علماء بارزون. غير أننا نعرف أن زاوية أبهلول المجاجي قرب تنس، كانت مشهورة بعلمائها وطلابها. فكان أهل تلك النواحي (ومنهم أهل مليانة) يقصدونها للقراءة الثانوية قبل أن ينتشروا في الأرض بحثا عن المزيد من العلوم في مدينة الجزائر وفي تلمسان، وفي فاس وغيرها. ومن أجل ذلك وجدنا سعيد قدورة قد تتلمذ على شيخ الزاوية محمد بن علي أبهلول كما سبق، قبل أن يتوجه إلى المغرب لمواصلة دراسته. ولعل يحيى الشاوي قد سار على نفس الدرس. فقد عرفنا من سيرته أنه تلقى العلوم على محمد بن محمد أبهلول، وهو نفس الشيخ الذي درس عليه قدورة أيضا بعض الوقت. وبعد أن قضى الشاوي فترة في زاوية أبهلول المجاجي لا ندري كم طولها، توجه إلى تلمسان فأخذ بها العلم على بعض شيوخها الذين لا نعرف منهم الآن سوى سعيد المقري الشهير. فهل توجه الشاوي بعد ذلك إلى فاس؟ ذلك ما لا ندريه الآن، لأننا لم نجد في سيرته أنه زار المغرب الأقصى.

стр. 621

لكن من المؤكد أن يحيى الشاوي قد قضى فترة من الوقت في مدينة الجزائر تلميذا ومدرسا. فالمعروف عنه أنه تتلمذ فيها على شيخيها البارزين عندئذ، علي بن عبد الواحد الأنصاري، وسعيد قدورة. وقد توفي الأول سنة ١٠٥٧ وتوفي الثاني سنة ١٠٦٦. وهذا يعني أن الشاوي كان بمدينة الجزائر قبل ١٠٥٧. وفي وقت لاحق تتلمذ الشاوي على عيسى الثعالبي قبل مغادرة هذا الجزائر سنة ١٠٦١. ويبدو أن يحيى الشاوي قد زار أيضا قسنطينة وعنابة وبجاية لأخذ العلم، ولكننا لا نملك دليلا الآن على ذلك. ولا نعرف أن الشاوي أثناء إقامته بالجزائر، قد تقرب من السلطة الحاكمة، كما فعل أساتذته (قدورة والأنصاري والثعالبي)، ولكن هذا الجو المشحون بالتوتر والطموحات والمنافسات سيؤثر عليه لا محالة بقية حياته، بعد أن سافر إلى المشرق. ومهما كان الأمر فإن منابع العلم في الجزائر، على طولها وعرضها، لم ترو ظمأه فاختار الرحلة إلى المشرق. ولا ندري الآن إن كان وراء رحلته هذه عامل سياسي (١)، كما كان وراء رحلة المقري والثعالبي عوامل سياسية. لا شك أن الشاوي تلقى في الجزائر العلوم المدروسة عندئذ وهي التفسير والتوحيد والحديث والفقه والنحو والمنطق. وقد اشتهرت زاوية أبهلول المجاجي بالتفسير والحديث كما عرفنا. وقد عرفنا أن الشاوي قد أخذ على الأقل علم المنطق عن عيسى الثعالبي. ذلك أنه اضطر إلى أن يسير مع الثعالبي ثماني مراحل، وهو في طريقه إلى المشرق، لكي يأخذ عنه علم المنطق، إلى أن تمكن من درسه عليه (٢). وقد تحدثت مصادر الشاوي أنه

стр. 622

تصدر للتدريس في الجزائر قبل أن يتوجه إلى المشرق. والغالب على الظن أن ذلك كان بمدينة الجزائر، ولا سيما في الفترة التي أعقبت وفاة قدورة والأنصاري وهجرة الثعالبي، أي بين ١٠٥٧ و ١٠٧٤ وهو تاريخ هجرته هو إلى المشرق. ولا ندري الآن أين جلس الشاوي للتدريس ومن سانده في ذلك وهل كان موظفا رسميا أو مدرسا حرا. وعلى كل حال فقد كان الشاوي يتمتع بحافظة قوية وذكاء وقاد، ولعله كان صاحب طموح كبير أيضا فلم يجد في الجزائر ما يشبع نهمه العلمي وطموحه الشخصي فاختار الهجرة. وتعكس حياة الشاوي في المشرق هذه الشخصية اللامعة ذات الطموح البعيد. فبعد أداء فريضة الحج عاد إلى مصر سنة ١٠٧٤ واستقر بها فترة، وفي مصر أخذ العلم على عدد من المشائخ منهم البابلي والمزاحي والشرابلي وأجازوه. كما أنه تولى إفتاء المالكية، وجلس للتدريس في الأزهر فأقرأ الفقه على خليل وشرح المرادي على ألفية ابن مالك وشروح عقائد السنوسي، كما أقرأ شرح الجمل للخونجي في المنطق وتولى التدريس في المدارس المعروفة بالأشرطية والسليمانية والصرغتمية , وقد تتلمذ عليه عدد من العلماء وأجازهم أيضا، كما سبق في الفصل الأول من هذا الجزء، ومن هؤلاء عبد الله بن سالم البصري وعلي بن إبراهيم الأبريججي. وفي دمشق كان للشاوي مجلس علمي مهاب في الجامع الأموي يحضره علماء دمشق. وقد شهدوا له ومدحه شعراؤها، وطلب منه علماؤها الإجازة. وفي إسطانبول حضر الدرس الذي كان يحضره السلطان وشارك في المباحث التي كانت تجري فيه فلفت إليه الأنظار واشتهر بالعلم بين الناس حتى قربه المفتي والوزير الأول هناك. وتكررت زيارته لإسطانبول فكان يحظى في كل مرة بالتقدير من أصحاب السلطة. وفي إسطانبول أيضا جلس لتدريس التفسير والنحو والتوحيد. وقد أجاز بهذه العلوم بعض علماء الشام، ومنهم المحبي صاحب (خلاصة الأثر) وهكذا كانت للشاوي حياة علمية خصبة في ميدان

стр. 623

التدريس وفي ميدان التأليف، كما سنرى. حياة الشاوي في المشرق تذكر المرء بحياة المقري فيه أيضا. فكلاهما هاجر من بلاده بعد أن جرب فيها التدريس والحياة السياسية (١). وكلاهما اتخذ الحج طريقا للهجرة ثم استقر في مصر أولا ثم منها إلى غيرها من بلاد العرب والإسلام. وكلاهما كان يتمنع بعلم غزير وبحافظة نادرة وذكاء قوي وطموح شخصي كبير واستعداد لركوب سفينة الحياة والخوض بها لجج البحار هادئة وهائجة. وكلاهما أيضا تقرب من أصحاب الجاه والسلطان ونال عندهم حظوة كبيرة مكنته على الأقل من تحقيق بعض أمانيه العلمية، ولم يجد كل منهما هذه الحظوة في بلاده. وقد كانت للمقري شاعرية قوية تفتح له أبواب الأمراء والعلماء، أما الشاوي فيبدو أن الذي كان يساعده على ذلك هو علمه وشخصيته وجرأته. فقد كان كثير الانتقاد لأهل عصره وغيرهم، وكان يقول إذا اعترض عليه في ذلك أنه بانتقاده لهم مثاب (٢). وكان، كما يقول المحبي سريع البديهة حسن المحاضرة يجيب بلا تكلف. وفي إجازته لبعض علماء الشام هاجم الفلاسفة لقولهم بنفي الصفات. أقول لكل فلسفي يدينه ... ألا لعنة الرحمن تعلو مزورا أجبريل فلك عاشر يا عداتنا ... أعادي شرع الله نلتم تحيرا بأي طريق قلتم عشر عشرة ... ونفى صفات والقديم تحجرا حكمتم على الرحمن حجرا محجرا ... ومتعكم خلق الحوادث دمرا (٣) ويبدو أن الشاوي كان سليط اللسان أيضا. فقد كتب رسالة رد فيها

стр. 624

على نور الدين إبراهيم بن حسن الكوراني وحكم عليه فيها بالزندقة بل بالكفر، وطالب بقتله. واسم هذه الرسالة يدل على أن الشاوي كان لا يتورع عن الدخول في المهاترات والخوض في المناظرات إلى أقصى الحدود، إذ هو (النبل الرقيق في حلقوم الساب الزنديق). والمهاترات بين العلماء ليست غريبة في حد ذاتها ولكن اتهام الشاوي للكوراني بالزندقة والكفر والمطالبة بقتله لأجلها هو محل الغرابة. ولا نعتقد أن ذلك كان لضيق أفق الشاوي وإنما لحدة مزاجه. والغريب أيضا أن محمد بن رسول البرزنجي قد انتصر للكوراني وكتب رسالة لاذعة في نقد الشاوي يدل عنوانها فقط على هبوط المستوى العلمي عند الجميع، فهو (العقاب الهاوي على الثعلب العاوي، والنشاب الكاوي للأعشى الغاوي، والشهاب الشاوي للأحول الشاوي) (١). ورغم تقرب الشاوي من السلطة فإننا لم نجده قد استخدم علمه للمدح ونحو ذلك. فقد نال حظوة لدى ولاة مصر وعلمائها ولا سيما بعد رجعته الأولى من إسطانبول، فهم الذين مكنوه من التدريس في المدارس المذكورة، وشملوه برعايتهم. وكذلك كان الحال عند عودته إلى مصر ثانية من إسطانبول أيضا فقد تفرغ هذه المرة للتأليف، وبذلك يكون قد دخل مصر وأقام بها ثلاث مرات على الأقل، الأولى بعد الانتهاء من الحج والثانية والثالثة بعد زيارتين لإسطانبول. أما إسطانبول فقد توجه إليها مرتين وفي كلتيهما كان يحظى بالتقدير والتبجيل. ففي الأولى أكرمه شيخ الإسلام يحيى المنقاري والوزير الأول (الصدر الأعظم)، وحضر درس مجلس السلطان كما عرفنا، بالإضافة إلى إكرام كبار الدولة والأعيان له. وفي الثانية أنزله مصطفى باشا، مصاحب السلطان، في داره معززا مكرما. لماذا كل هذه الحظوة والتقدير؟ ذلك ما لا تكشف عنه الوثائق. فالمترجمون للشاوي لا يتحدثون عن ذلك، وإنما يوحي كلامهم أن ذلك يدل

стр. 625

على مكانته العلمية. ولكن هذا لا يكفي في نظرنا. فالشاوي كان من الجزائر وهي كانت تتبع السلطنة العثمانية وكان يعرف الكثير عن أحوال الجزائر والمغرب العربي السياسية والعلمية، فإكرامه والحديث إليه وإنزاله تلك المنزلة ليست لشخصه فقط بل لأمور أخرى وراء ذلك. ولعل الأيام تكشف هذه الأمور. والمعروف أن الشاوي قد أكرم في غير إسطانبول بعد زيارته لها امتدادا للعناية الرسمية به. أما في دمشق فيبدو أن احترامه كان قائما على علمه وأن الذين اتصلوا به واتصل بهم هم العلماء وليس الأمراء. واعترافا من الشاوي بفضل السلطان محمد عليه جعل أحد كتبه في النحو باسم هذا السلطان (١)، وهو التأليف الذي قرظه له أيضا شيخ الإسلام المنقاري وبعض العلماء الآخرين. حج الشاوي سنة ١٠٧٤ كما عرفنا، ثم سمي أمير ركب الحجيج المغاربة. وذهب عدة مرات مع قافلة الحجيج إلى مكة (٢). وفي إحدى هذه المرات حضره أجله، وهو في سفينة الحجاج، سنة ١٠٩٦، وكان ذلك في أخريات أيامه كما يقول المحبي. فقد اختار أن يسافر إلى الحج بحرا فأدركته الوفاة وهو في بحر القلزم (البحر الأحمر) ودفن برأس أبي محمد. ثم جاء به ولده، عيسى الشاوي، إلى مصر ودفنه في مقبرة المالكية، وهي المقبرة التي كان يحيى الشاوي نفسه قد جددها (٣). والغريب أن الذين ترجموا للشاوي لم يتحدثوا عن أسرته. فهل جاء بها من بلاده؟ أو تزوج بمصر أو غيرها كما فعل زميلاه المقري والثعالبي؟

стр. 626

ألف الشاوي عدة تآليف في النحو والتوحيد وغيرهما. وها نحن نذكر ما عرفنا له منها: ١ - حاشية على شرح أم البراهين (العقيدة الصغرى) للسنوسي في التوحيد (١). ٢ - التحف الربانية في جواب الأسئلة اللمدانية، في العقائد (٢). ٣ - توكيد العقد فيما أخذه الله علينا من العهد (٣) (لعله هو نفسه الحاشية على أم البراهين؟). ٤ - فتح المنان في الأجوبة الثمان (٤). ٥ - قرة العين في جمع البين (٥). ٦ - نظم لامية في إعراب اسم الجلالة جمع فيه أقوال النحاة وشرحها. ٧ - مؤلف صغير في أصول النحو جعله على أسلوب كتاب الاقتراح للسيوطي (وهو الذي جعله الشاوي باسم السلطان وقرظه له شيخ الإسلام). ٨ - شرح التسهيل لابن مالك في النحو. ٩ - حاشية على شرح المرادي في النحو أيضا (٦). ١٠ - النبل الرقيق في حلقوم الساب الزنديق (ردود ومطارحات). ١١ - أجوبة على اعتراضات أبي حيان على ابن عطية والزمخشري (في التفسير). وهذه المؤلقات توجد في المشرق، ولا سيما إسطانبول، وبعضها في

стр. 627

المغرب الأقصى وفي تونس. فالحاشية على أم البراهين توجد في المغرب وإسطانبول، والتحف وفتح المنان في المغرب، وحاشية المرادي في إسطانبول وتوكيد العقد في تونس وإسطنبول، وقرة العين في تونس، ولعل منها ما هو موجود في مصر أيضا لأنه عاش فيها. وله إجازات متفرقة كما عرفنا. وقد اطلعنا له من هذه التآليف على أجوبته المعروفة (بالتحف الربانية). ولكون الأجوبة فيها بعض الآراء أكثر من تقرير المسائل تقريرا جامدا، رأينا أن نقدمها هنا. فهي أولا أجوبة على عدة أسئلة وردت عليه من بعضهم في مسائل التوحيد مثل: (هل خلق الله للعالم دفعة واحدة جائز كما هو العقيدة أم مستحيل كما توهمه بعض الطلبة؟) و (ما هو الدليل الجملي الذي يخرج المقلد بمعرفته من الخلاف الواقع، وهل هو حدوث العالم؟). وقد أوضح الشاوي أن الإلحاح عليه من بعض من حضر دروسه في العقائد هو الذي دفعه إلى هذه الأجوبة كما بين أنه لقي أثناء تجواله وترحاله من (طاعته غنم وإجابته حتم). ومن هذا نفهم نحن أن الذي يكون قد طلب منه الأجوبة هو شيخ الإسلام أو الصدر الأعظم وأمثالهما. وقد بنى الشاوي إجابته على (قاعدة المواهب) معتذرا عن التقصير والنقصان. ورغم إيمانه بأن (بعض مدخرات العلوم قد بقيت للمتأخرين مما عسر فهمه على كثير من المتقدمين) فإنه رفض أن يكون مجتهدا أمام رجال السنة عندما سئل عن قول العلماء (إن المصيب في العقليات واحد مع اختلاف أهل السنة كالأشعري والرازي في الأحوال نفيا وإثباتا). فقد قال الشاوي بهذا الصدد (أما ما طلبتم مني من تعيين المصيب من المخطئ في أئمة أهل السنة فهيهات الدخول بين أنياب الحيات لوجوه: أحدها إني لست من أهل الاجتهاد، حتى أخوض تلك الفيافي والوهاد، وثانيها بتقدير اقتحامي وعظيم احترامي .. أكون كواحد منهم واجتهادي كاجتهادهم). وقد يبدو لنا هذا تناقضا من الشاوي مع نفسه فهو من جهة يؤمن بإمكان عسر مدخرات العلوم على فهم كثير من المتقدمين، ومن جهة أخرى لا يجرؤ على مخالفة أقطاب أهل السنة في

стр. 628

اجتهادهم. كما أن هذا الموقف قد لا ينسجم مع سلاطة اللسان التي ظهر بها الشاوي في ميادين أخرى. ومهما كان الأمر فإنه قد أجاب على هذه الأسئلة الصعبة في ظرف يومين فقط، وجمع المادة الضرورية (من دواوين عدة، في أقرب مدة) فجاءت في حوالي خمسين صفحة. وهذه الترجمة القصيرة لحياة الشاوي لا تكشف عن جميع جوانب نشاطه العلمي. فقد رأيناه واسع العلم، كثير الترحال، متعدد الاختصاص، مجانبا لعلوم أهل الباطن، حتى اتهمه خصومه بمعاداة أهل التصوف ، متبعا طريق أهل السنة، حافظا ومدافعا عن علوم الظاهر في وقت ساد فيه روح التصوف جميع مظاهر الحياة الإسلامية في بلاده وفي المشرق. وقد ساهم هو في إنارة الطريق كزميله وأستاذه الفكون. وإذا كان الفكون قد تراجع في آخر عمره وتصوف، فإن الشاوي قد ظل فيما يبدو على مذهبه الأول. لذلك كان له خصوم وأنصار. وإذا كنا نأسف له على شيء هنا فهو أنه قضى عمره في شرح الشروح وتحشية الحواشي، ولم يعمد إلى طرق أبواب جديدة، كما فعل أحمد المقري. فقد بلغت (حاشية المرادي) حوالي سبعمائة صفحة، وبلغ (توكيد العقد) أكثر من ثلاثمائة صفحة، ولو أنه استعمل علمه الغزير ونقده اللاذع في التأليف في الفلسفة والمنطق ونقد العصر وأهله لكان عمله أجدى للأجيال اللاحقة. ولكن الشاوي، مهما قيل عنه، سيبقى من أبرز علماء عصره لا في الجزائر فحسب ولكن في العالم الإسلامي كله. التصوف: بقدر ما سيطرت روح التصوف على الحياة العلمية والاجتماعية في الجزائر خلال العهد العثماني، بقدر ما كثر إنتاج العلماء في هذا الميدان. فنحن نجد الكثير من الكتب والرسائل والتقاييد والمنظومات التي تتناول التصوف من قريب أو من بعيد كالأذكار والأوراد، والردود، والمناقب، والمواعظ، والحكم، والشروح الخاصة بقصائد صوفية، والمداح النبوية

стр. 629

التي تنظر إلى الرسول ﷺ وسيرته نظرة صوفية روحانية. ومن الطبيعي أننا لن نقدر على تنأول كل ذلك هنا، إما لأن الإنتاج ليس كله في متناولنا، وإما لأن حجم الكتاب لا يسع الجميع. ورغم تقادم الزمن فقد ظلت أعمال ابن صعد (النجم الثاقب) على الخصوص، وأعمال محمد بن يوسف السنوسي، وتأليف أحمد النقاوسي (الأنوار المنبلجة) على قصيدة ابن النحوي، وأعمال الحوضي والجزائري (أحمد بن عبد الله)، وعبد الرحمن الثعالبي ومرائي الفراوسني والمازوني (صلحاء الشلف)، وغيرهم مصدرا هاما للتأليف في علم التصوف وفروعه، فسنرى أن ابن مريم والفكون والورتلاني والبطيوي ومحمد بن سليمان والصباغ القلعي وأضرابهم كانوا يعيشون في الغالب على تراث المذكورين. وقد أصبحت عبارة (الصلحاء) وأصحاب الولاية تتكرر في أعمال المتأخرين وأصبح المؤلفون لا يؤلفون إلا وفي أذهانهم أهل التصوف سواء كانوا معاصرين لهم أو متقدمين عنهم. وكان معظم المؤلفين يقرون الحركات الصوفية والتعمق فيها ولا يتناولون أصحابها بالنقد أو يتهمونهم بخرق قوانين علم التصوف كما شرعه أربابه الأولون، ولا نكاد نجد الاستثناء في هذا الحكم إلا عند الأخضري والفكون في كتابه (منشور الهداية) وبعض الإشارات عند ابن العنابي وابن عمار. فكان صوت الفكون في القرن الحادي عشر شبيها بصوت أبي الحسن الصغير السوسى الذي أمر السنوسي في رسالته (نصرة الفقير) بحرق كتبه، متهما له باتباع علوم أهل الظاهر فقط، بل حكم السنوسي بحرمة النظر في تأليفه (١). وكانت حملة الفكون على (فقراء) عصره وابن العنابي على (دراويش) عصره تشبه حملة أبي الحسن على المتصوفة أيضا. وكان الفكون قد جند بعض طلابه وأنصاره ضدهم أيضا فكتب عبد الرحمن البهلولي شعرا في نقد البدع، وانتشرت الدعوة بين بعض

стр. 630

المتعلمين لولا أن العصر كان عصر التصوف وليس عصر الفقه والنظر العقلي. وكان التأليف في التصوف أكثر من تدريسه على عكس بعض العلوم الأخرى. ذلك أن بعضا ممن سنذكرهم من المؤلفين في علم التصوف وفروعه لم يكونوا مدرسين. أما الذين جمعوا بين التدريس والتأليف في التصوف فعددهم قليل أيضا. ومن هؤلاء عمر الوزان الذي سبق الحديث عنه. فقد انقطع للتدريس ورفض منصب القضاء، وجمع بين الفقه والتصوف، وإذا حكمنا من حديث الفكون عنه فإن الوزان كان أولا من أهل التصوف منقطعا لقراءة كتب المتصوفة ومعتنيا بطريقتهم ولا ينفك عن كتب الوعظ والروحانيات، ولكنه بإلهام خارق تحول إلى الحديث الشريف واعتكف على البخاري يحفظه متنا وسندا (١). أما محمد أبهلول المجاجي وتلميذه سعيد قدورة فقد اشتهر كل منهما بتدريس التصوف، ولكننا لا نعرف أنهما قد ألفا فيه. المناقب الصوفية: وقبل تناول المناقب نود أن ننبه إلى أننا سنختصر الحديث فيها هنا ونفرد لها في فصل التاريخ والتراجم مكانا خاصا. وحسبنا من المناقب هنا موضوعها، وهو التصوف وحياة المتصوفين وتعداد فضائلهم. ومن أوائل كتب المناقب كتاب (المواهب القدسية في المناقب السنوسية) الذي ألفه محمد بن عمر بن إبراهيم الملالي عن حياة وأعمال محمد بن يوسف السنوسي. وكان الملالي من تلاميذ السنوسي فجمع في كتابه ما سمعه منه ومن أخيه، علي السنوسي، ومن المعاصرين له. ويهمنا هنا أن نلاحظ أن الملالي قد خصص على الأقل فصلين من كتابه للنواحي الصوفية عند السنوسي، وأنه قد خص المقدمة بالحديث عن أحوال الأولياء في الدنيا (لتنشيط النفوس لسماع ما سيأتي) (٢).

стр. 631

ولعل أحمد بن يوسف الملياني هو أكبر شخصية صوفية خصها المؤلفون بالتقاييد والتآليف والأشعار. فأنت لا تكاد تجد عملا في التصوف لا يشير إلى ترجمة الملياني وحياته الروحية. وقبل أن نورد ذلك نذكر أن من بين مؤلفات الملياني نفسه في التصوف (رسالة في الرقص والتصفيق والذكر في الأسواق) (١)، وقد سبق أن عرفنا أن للملياني بعض التآليف الأخرى في التصوف. وإذا كان الملالي من أوائل من عرف بالسنوسي فإن محمد الصباغ القلعي كان من أوائل من عرف بالملياني، حتى أصبح كتابه عنه مصدر كل الدراسات عن أحمد بن يوسف وعن الحياة الصوفية عموما في الجزائر خلال القرن العاشر، ونعني به (بستان الأزهار في مناقب زمزم الأبرار، ومعدن الأنوار، سيدي أحمد بن يوسف الراشدي النسبة والدار). وحياة الصباغ تكاد تكون مجهولة، فهو محمد بن محمد بن أحمد بن علي الصباغ القلعي (نسبة إلى قلعة هوارة) القريبة من تلمسان. فهو إذن من بلد الملياني. وقد ولد الصباغ حوالي سنة ٩٢٣. فقد ذكر أنه كان ما يزال رضيعا لم تنبت أسنانه عندما انهزم الأتراك أمام جيش أبي حمو الذي كان يسانده الإسبان، وذلك سنة ٩٢٤ (٢)، وكان والد الصباغ، المعروف بابن معزة (بتشديد الزاي)، من أتباع أحمد بن يوسف، وكان يدافع عن شيخه ويلازمه ويغسل ثيابه ويعتقد فيه. وقد مات في المعركة التي سقطت فيها القلعة، ومات فيها إسحاق أخو خير الدين بربروس سنة ٩٢٤. وكان ابن معزة أيضا من المشتغلين بالعلم والشعر، وكان دفاعه عن شيخه ضد خصومه بالشعر. أما محمد الصباغ القلعي فنعرف أنه تولى بعض الوظائف، ومنها قضاء القلعة، وهي وظيفة

стр. 632

هامة لا يشغلها عادة إلا من كان من الفقهاء، ومهما كان الأمر فإن القلعي كان من تلاميذ الملياني ومن علماء القرن العاشر الذين غلب عليهم الميل إلى التصوف. ولم يؤلف الصباغ القلعي كتاب (بستان الأزهار) فقط. ذلك أن له شرحا في أسماء الله الحسنى، وشرحا آخر في الأذكار، وله أيضا (شفاء العليل والفؤاد في شرح النظم الشهير بالمراد)، وهو شرح على قصيدة إبراهيم التازي المعروفة بالقصيدة المرادية في التصوف أيضا والتي مطلعها: مرادي من المولى وغاية آمالي ... دوام الرضى والعفو عن سوء أحوالي وتنوير قلبي بانسلال سخيمة ... به أخلدتني عن ذوي الخلق العالي وإسقاط تدبير وحولي وقوتي ... وصدقي في الأحوال والفعل والقال (١) ولكن شهرة الصباغ، الذي ألف أيضا في النحو، قامت على كتابه (بستان الأزهار) (٢)، وهو الكتاب الذي جمع فيه أخبار الملياني من الجيل الذي تلاه، وكان الصباغ فيه لا يكاد يفصل التاريخ والوقائع عن الحكايات والأساطير (٣). وكان (بستان الأزهار) موضع اختصار لبعض المهتمين بحياة الملياني. ذلك أن الصباغ القلعي قد أكثر في كتابه من الحشو والأخبار المفصلة فعمد بعضهم إلى اختصاره، وأخذ منه ما يتعلق مباشرة بحياة وسيرة الشيخ الملياني. من ذلك (مناقب أبي العباس أحمد بن يوسف الملياني الراشدي) (٤) وما ذكره صاحب (الإعلام بمن حل مراكش) (٥)، كما قام أحدهم بتلخيصه

стр. 633

لمحمد الورتلاني (١)، ومن ذلك رسالة (عقد الجمان في تكملة البستان) التي جمعها الشيخ محمد بن الهاشمي، ونشرها مع النسخة المطبوعة من (بستان الأزهار). ولا بد من الإشارة هنا إلى كتاب الشيخ علي بن موسى الجزائري المسمى (ربح التجارة) والذي تناول فيه حياة أحمد بن يوسف الملياني معتمدا على تأليف الصباغ القلعي. ويتبين مما ذكرناه مكانة محمد الصباغ القلعي في التصوف، فهو مؤلف وشارح وجامع لأخبار الأولياء والصلحاء، وهو لذلك مصدر هام عن حياة التصوف في القرن العاشر. ومن الغريب أن يجمع هذا الشيخ بين حياة التصوف وبين القضاء الذي يقتضي علما واسعا بالفقه والأحكام وقضايا الناس. وتعتبر أرجوزة (الفلك الكواكبي) في أولياء منطقة الشلف لأبي عبد الله بن المغوفل، أهم عمل عالج هذا الموضوع بعد (صلحاء وادي الشلف) لموس المازوني (٢)، وقد توفي ابن المغوفل سنة ١٠٢٣، وكان من المرابطين البارزين، ولأهميته حاول العثمانيون الاستفادة من نفوذه الروحي في أول عهدهم. وتذكر المصادر أن ابن المغوفل قد ظهر أمره وهو ما يزال في تونس، وأن المشيخة قد أعطيت له هناك، ثم جاء منطقة الشلف ونزل بومليل حيث ظل يتعبد، ثم انتقل إلى نديلة التي ظل بها إلى وفاته. وكان لابن المغوفل ستة أولاد، اثنان منهم قد رافقا الحملة العثمانية على تلمسان. ويعتبر ابن المغوفل من أصحاب الكرامات، وله قبة بناحية الشلف. وقد قيل إن بعض الناس كانوا يتبركون بأرجوزته فيكتبونها أو ينسخون منها جزءا ويضعونه في خزائنهم للتبرك. ومهما كانت قيمة الشيخ الروحية فالذي يهمنا منه الآن عمله العلمي، وهو أرجوزته في أولياء وصلحاء الشلف، وقد تحدث فيها على نسب هؤلاء الرجال وعلى مواطنهم، واعتبر ذلك خدمة لأهل الطريقة (القادرية؟) وسلما

стр. 634

للوصول إلى آداب الطريق وإلى الحقيقة، وكتب ذلك بأسلوب موجز مقربا به ما بعد من المسائل والمعارف قائلا: وبعد فالقصد بهذا الرجز ... تقريب ما نأى بلفظ موجز سميته (بالفلك الكواكبي) ... وسلم الراقي إلى المراتب أعني مراتب السلوك للمريد ... في الابتدا والانتهاء للمزيد وجمع ابن المغوفل أخبار أولياء الشلف في عدة قرون (من السادس إلى التاسع). فتحدث عن أخبارهم وعن مناقبهم، وسمي يعفهم أهل الغوث وآخرين البدور. وتحدث عن خصائص المريدين والأولياء ودرجات كل منهم وسلوكهم نحو الآخرين. والغرص من ذكرهم، كما قال، هو التبرك بهم لينتبه الغافل ويتوب المذنب. ومن هؤلاء الشيوخ رجال سكنوا قرية (البطحاء) لكن قبورهم قد درست باندراسهم إلا ما ندر كالشيخ أبي عمران موسى الشاذلي الذي (أفاق) وسكن قرية أخرى، وهو من علماء الظاهر والباطن، ومن أشراف هوارة. ومنهم أيضا أبو أيوب، والبزاغتي (١)، وراشد، وعبد الجليل المسيلي، وابن أبي العافية، والسعدي صاحب الكرامات التي أخاف بها الأمير لولا أن هذا قد طلب العفو منه وأرسل إليه الهدية فعفا عنه ورضي، ومنهم أحمدوش الملقب بالأحمد الزاهد الذي كان يتقن تجويد القرآن والذي أصبح معلما للصبيان بأجرة مع لذيذ الطعام. وبالإضافة إلى هؤلاء هناك آخرون بغرب وشرق وجنوب القلعة يدافعون عن البلاد، وهم حراس لها ضد ظلم الحكام ولكن (انعكس الأمر بسوء الحال) فذل العزيز وفقر الغني. وذكر المغوفل بعد ذلك شيوخ شيوخه، وخص بالذكر علي الجوثي (؟) الذي قال إن الأرض قد ازينت به وأنه حمل لواء العلم وكان يجمع بين السنة والتصوف وكان يجيد الحديث والتفسير والمنطق والأدب. (فالزمان لا يأتي بمثله) (٢).

стр. 635

والظاهر أن ابن المغوفل كان بسيط المعرفة وأنه سجل في هذه الأرجوزة ما وسعته ذاكرته أو أخبره به الناس ووجده في بعض المصادر عن حياة صلحاء الشلف. وعمله محشو بالأساطير والخرافات والتقاليد الشعبية أكثر من بعض الأخبار والحقائق العلمية. ولكن عمله، على كل حال، يعكس روح العصر (١). ومن الذين تأثروا بالصباغ القلعي وبابن صعد وبالملالي، ابن مريم صاحب (البستان في ذكر الأولياء والعلماء بتلمسان). وإذا قارنا بين مؤلفات ابن مريم ومؤلفات الصباغ القلعي وجدنا بعض التشابه. ومن المؤكد أن والد ابن مريم قد عاصر القلعي. فقد توفي هذا الوالد سنة ٩٨٥ والغالب على الظن أن القلعي قد عاش إلى نحو ذلك التاريخ أيضا. وكان والد ابن مريم معلما للصبيان، وهي مهنة لا تحتاج إلى علم غزير وفقه عميق، وكل ما تحتاجه هو حفظ القرآن الكريم وبعض المتون ومبادئ العلوم، فإذا عرفنا أن ابن مريم قد ورث هذه المهنة على والده أدركنا أيضا أن ابن مريم، كما تدل على ذلك تآليفه، كان في نفس مستوى أبيه تقريبا. فهو لم يبلغ مبلغ علماء أسرة العقباني أو المقري أو العبادي أو ابن زكري في تلسان، وهذا يفسر إعجابه ربما ببعض العلماء ونظرته إليهم نظرة القداسة لأنه لم يصل إلى مستواهم العلمي، لذلك كثر في (البستان) وصف العلماء بالكرامات والخوارق، والخلط بين العلماء والصلحاء، ولعل ناحية التصوف تمثل ابن مريم في كتابه أكثر مما تمثله ناحية الفقه والعلوم العملية. يضاف إلى ذلك أن قائمة الكتب التي ذكرها لنفسه في آخر كتابه تدل على كونه من (أهل الله) أكثر من كونه (من أهل العلم). فقد ألف حوالي اثني عشر كتابا كلها في التصوف وفروعه. أما كتابه (البستان) فسنتناوله في باب التراجم (٢).
следующие страницы →