ولعل أحمد بن يوسف الملياني هو أكبر شخصية صوفية خصها المؤلفون بالتقاييد والتآليف والأشعار. فأنت لا تكاد تجد عملا في التصوف لا يشير إلى ترجمة الملياني وحياته الروحية. وقبل أن نورد ذلك نذكر أن من بين مؤلفات الملياني نفسه في التصوف (رسالة في الرقص والتصفيق والذكر في الأسواق) (١)، وقد سبق أن عرفنا أن للملياني بعض التآليف الأخرى في التصوف. وإذا كان الملالي من أوائل من عرف بالسنوسي فإن محمد الصباغ القلعي كان من أوائل من عرف بالملياني، حتى أصبح كتابه عنه مصدر كل الدراسات عن أحمد بن يوسف وعن الحياة الصوفية عموما في الجزائر خلال القرن العاشر، ونعني به (بستان الأزهار في مناقب زمزم الأبرار، ومعدن الأنوار، سيدي أحمد بن يوسف الراشدي النسبة والدار). وحياة الصباغ تكاد تكون مجهولة، فهو محمد بن محمد بن أحمد بن علي الصباغ القلعي (نسبة إلى قلعة هوارة) القريبة من تلمسان. فهو إذن من بلد الملياني. وقد ولد الصباغ حوالي سنة ٩٢٣. فقد ذكر أنه كان ما يزال رضيعا لم تنبت أسنانه عندما انهزم الأتراك أمام جيش أبي حمو الذي كان يسانده الإسبان، وذلك سنة ٩٢٤ (٢)، وكان والد الصباغ، المعروف بابن معزة (بتشديد الزاي)، من أتباع أحمد بن يوسف، وكان يدافع عن شيخه ويلازمه ويغسل ثيابه ويعتقد فيه. وقد مات في المعركة التي سقطت فيها القلعة، ومات فيها إسحاق أخو خير الدين بربروس سنة ٩٢٤. وكان ابن معزة أيضا من المشتغلين بالعلم والشعر، وكان دفاعه عن شيخه ضد خصومه بالشعر. أما محمد الصباغ القلعي فنعرف أنه تولى بعض الوظائف، ومنها قضاء القلعة، وهي وظيفة
стр. 632
هامة لا يشغلها عادة إلا من كان من الفقهاء، ومهما كان الأمر فإن القلعي كان من تلاميذ الملياني ومن علماء القرن العاشر الذين غلب عليهم الميل إلى التصوف.
ولم يؤلف الصباغ القلعي كتاب (بستان الأزهار) فقط. ذلك أن له شرحا في أسماء الله الحسنى، وشرحا آخر في الأذكار، وله أيضا (شفاء العليل والفؤاد في شرح النظم الشهير بالمراد)، وهو شرح على قصيدة إبراهيم التازي المعروفة بالقصيدة المرادية في التصوف أيضا والتي مطلعها:
مرادي من المولى وغاية آمالي ... دوام الرضى والعفو عن سوء أحوالي
وتنوير قلبي بانسلال سخيمة ... به أخلدتني عن ذوي الخلق العالي
وإسقاط تدبير وحولي وقوتي ... وصدقي في الأحوال والفعل والقال (١)
ولكن شهرة الصباغ، الذي ألف أيضا في النحو، قامت على كتابه (بستان الأزهار) (٢)، وهو الكتاب الذي جمع فيه أخبار الملياني من الجيل الذي تلاه، وكان الصباغ فيه لا يكاد يفصل التاريخ والوقائع عن الحكايات والأساطير (٣).
وكان (بستان الأزهار) موضع اختصار لبعض المهتمين بحياة الملياني.
ذلك أن الصباغ القلعي قد أكثر في كتابه من الحشو والأخبار المفصلة فعمد بعضهم إلى اختصاره، وأخذ منه ما يتعلق مباشرة بحياة وسيرة الشيخ الملياني. من ذلك (مناقب أبي العباس أحمد بن يوسف الملياني الراشدي) (٤) وما ذكره صاحب (الإعلام بمن حل مراكش) (٥)، كما قام أحدهم بتلخيصه
стр. 633
لمحمد الورتلاني (١)، ومن ذلك رسالة (عقد الجمان في تكملة البستان) التي جمعها الشيخ محمد بن الهاشمي، ونشرها مع النسخة المطبوعة من (بستان الأزهار). ولا بد من الإشارة هنا إلى كتاب الشيخ علي بن موسى الجزائري المسمى (ربح التجارة) والذي تناول فيه حياة أحمد بن يوسف الملياني معتمدا على تأليف الصباغ القلعي.
ويتبين مما ذكرناه مكانة محمد الصباغ القلعي في التصوف، فهو مؤلف وشارح وجامع لأخبار الأولياء والصلحاء، وهو لذلك مصدر هام عن حياة التصوف في القرن العاشر. ومن الغريب أن يجمع هذا الشيخ بين حياة التصوف وبين القضاء الذي يقتضي علما واسعا بالفقه والأحكام وقضايا الناس.
وتعتبر أرجوزة (الفلك الكواكبي) في أولياء منطقة الشلف لأبي عبد الله بن المغوفل، أهم عمل عالج هذا الموضوع بعد (صلحاء وادي الشلف) لموس المازوني (٢)، وقد توفي ابن المغوفل سنة ١٠٢٣، وكان من المرابطين البارزين، ولأهميته حاول العثمانيون الاستفادة من نفوذه الروحي في أول عهدهم. وتذكر المصادر أن ابن المغوفل قد ظهر أمره وهو ما يزال في تونس، وأن المشيخة قد أعطيت له هناك، ثم جاء منطقة الشلف ونزل بومليل حيث ظل يتعبد، ثم انتقل إلى نديلة التي ظل بها إلى وفاته. وكان لابن المغوفل ستة أولاد، اثنان منهم قد رافقا الحملة العثمانية على تلمسان. ويعتبر ابن المغوفل من أصحاب الكرامات، وله قبة بناحية الشلف. وقد قيل إن بعض الناس كانوا يتبركون بأرجوزته فيكتبونها أو ينسخون منها جزءا ويضعونه في خزائنهم للتبرك.
ومهما كانت قيمة الشيخ الروحية فالذي يهمنا منه الآن عمله العلمي، وهو أرجوزته في أولياء وصلحاء الشلف، وقد تحدث فيها على نسب هؤلاء الرجال وعلى مواطنهم، واعتبر ذلك خدمة لأهل الطريقة (القادرية؟) وسلما
стр. 634
للوصول إلى آداب الطريق وإلى الحقيقة، وكتب ذلك بأسلوب موجز مقربا به ما بعد من المسائل والمعارف قائلا:
وبعد فالقصد بهذا الرجز ... تقريب ما نأى بلفظ موجز
سميته (بالفلك الكواكبي) ... وسلم الراقي إلى المراتب
أعني مراتب السلوك للمريد ... في الابتدا والانتهاء للمزيد
وجمع ابن المغوفل أخبار أولياء الشلف في عدة قرون (من السادس إلى التاسع). فتحدث عن أخبارهم وعن مناقبهم، وسمي يعفهم أهل الغوث وآخرين البدور. وتحدث عن خصائص المريدين والأولياء ودرجات كل منهم وسلوكهم نحو الآخرين. والغرص من ذكرهم، كما قال، هو التبرك بهم لينتبه الغافل ويتوب المذنب. ومن هؤلاء الشيوخ رجال سكنوا قرية (البطحاء) لكن قبورهم قد درست باندراسهم إلا ما ندر كالشيخ أبي عمران موسى الشاذلي الذي (أفاق) وسكن قرية أخرى، وهو من علماء الظاهر والباطن، ومن أشراف هوارة. ومنهم أيضا أبو أيوب، والبزاغتي (١)، وراشد، وعبد الجليل المسيلي، وابن أبي العافية، والسعدي صاحب الكرامات التي أخاف بها الأمير لولا أن هذا قد طلب العفو منه وأرسل إليه الهدية فعفا عنه ورضي، ومنهم أحمدوش الملقب بالأحمد الزاهد الذي كان يتقن تجويد القرآن والذي أصبح معلما للصبيان بأجرة مع لذيذ الطعام. وبالإضافة إلى هؤلاء هناك آخرون بغرب وشرق وجنوب القلعة يدافعون عن البلاد، وهم حراس لها ضد ظلم الحكام ولكن (انعكس الأمر بسوء الحال) فذل العزيز وفقر الغني. وذكر المغوفل بعد ذلك شيوخ شيوخه، وخص بالذكر علي الجوثي (؟) الذي قال إن الأرض قد ازينت به وأنه حمل لواء العلم وكان يجمع بين السنة والتصوف وكان يجيد الحديث والتفسير والمنطق والأدب. (فالزمان لا يأتي بمثله) (٢).
стр. 635
والظاهر أن ابن المغوفل كان بسيط المعرفة وأنه سجل في هذه الأرجوزة ما وسعته ذاكرته أو أخبره به الناس ووجده في بعض المصادر عن حياة صلحاء الشلف. وعمله محشو بالأساطير والخرافات والتقاليد الشعبية أكثر من بعض الأخبار والحقائق العلمية. ولكن عمله، على كل حال، يعكس روح العصر (١).
ومن الذين تأثروا بالصباغ القلعي وبابن صعد وبالملالي، ابن مريم صاحب (البستان في ذكر الأولياء والعلماء بتلمسان). وإذا قارنا بين مؤلفات ابن مريم ومؤلفات الصباغ القلعي وجدنا بعض التشابه. ومن المؤكد أن والد ابن مريم قد عاصر القلعي. فقد توفي هذا الوالد سنة ٩٨٥ والغالب على الظن أن القلعي قد عاش إلى نحو ذلك التاريخ أيضا. وكان والد ابن مريم معلما للصبيان، وهي مهنة لا تحتاج إلى علم غزير وفقه عميق، وكل ما تحتاجه هو حفظ القرآن الكريم وبعض المتون ومبادئ العلوم، فإذا عرفنا أن ابن مريم قد ورث هذه المهنة على والده أدركنا أيضا أن ابن مريم، كما تدل على ذلك تآليفه، كان في نفس مستوى أبيه تقريبا. فهو لم يبلغ مبلغ علماء أسرة العقباني أو المقري أو العبادي أو ابن زكري في تلسان، وهذا يفسر إعجابه ربما ببعض العلماء ونظرته إليهم نظرة القداسة لأنه لم يصل إلى مستواهم العلمي، لذلك كثر في (البستان) وصف العلماء بالكرامات والخوارق، والخلط بين العلماء والصلحاء، ولعل ناحية التصوف تمثل ابن مريم في كتابه أكثر مما تمثله ناحية الفقه والعلوم العملية. يضاف إلى ذلك أن قائمة الكتب التي ذكرها لنفسه في آخر كتابه تدل على كونه من (أهل الله) أكثر من كونه (من أهل العلم). فقد ألف حوالي اثني عشر كتابا كلها في التصوف وفروعه. أما كتابه (البستان) فسنتناوله في باب التراجم (٢).
стр. 636
ويبدو أن حياة ابن مريم لم تتوفر لمترجميه حتى الآن لذلك كان جل اعتماد من ترجم له على ما ذكره هو في آخر كتابه (البستان) (١). والسبب في ذلك على ما يظهر عدم اطلاع هؤلاء المترجمين على عمل تلميذه عيسى البطيوي، صاحب كتاب (مطلب الفوز والفلاح في آداب طريق أهل الفضل والصلاح). ومن حسن الحظ أننا اطلعنا على هذا العمل وأخذنا منه ترجمة ابن مريم وهي في عدة صفحات، وبناء على البطيوي فإن ابن مريم كان في القرن الحادي عشر، كمحمد بن يوسف السنوسي في القرن التاسع، وهو يسميه (شيخنا المديوني) واعتبره من مصادر كتابه المذكور، بل إنه اعتبره من الشيوخ (المنزهين) عن الخلل، وقد سماه أيضا (شيخنا وبركتنا ووسيلتنا الى ربنا السيد الإمام، الحسن النظام .. محمد بن محمد المكنى بابن مريم). وقال البطيوي في موضع آخر إن الله قد من عليه بملاقاة (الإمام الصوفي الهمام درة أقرانه، وسنوسي زمانه، أبي عبد الله المذكور بيانه، فجمعت النفس والعين من مشاهدته، ومن جميل لقائه، وتزودت منه ما ينفعني الله به دنيا وأخرى) ووصف البطيوي شيخه بأنه لم ير مثله قيام ليل وتلاوة قرآن وحرصا على العلوم ونشرها. وذكر أن ابن مريم كان في الحنايا بالقرب من تلمسان، وأنه كان كثير المطالعة للكتب وأنه كان يقول: (ما أردت كتابا إلا ومكنني الله منه دون تعب). وأنه قد ترك عند وفاته نحو ستمائة كتاب.
والمهم في هذا الصدد أن البطيوي قد أورد أيضا ما وجده بخط ابن مريم عن شيوخه في القراءة والتربية، وما رواه له محمد ابنه (ابن مريم) الذي حدث البطيوي أيضا عن مشائخ وتلاميذ أبيه، وهم كثيرون، ومما ذكره أيضا أن ابن مريم قد أخذ التصوف عن محمد بن يوسف السنوسي (٢). أما عن
стр. 637
تآليف ابن مريم فقد قال البطيوي إن له نحو ثلاثة عشر تأليفا، منها شرح الرسالة وشرح على مقدمة ابن رشد، وآخر على الرقعي، وآخر على القرطبي، وآخر على حكم ابن عطاء الله، إلى غير ذلك. ومن الملاحظ أن البطيوي، قد جعل كتاب شيخه في المناقب، إذ سماه (البستان في مناقب أولياء تلمسان)، وقال إنه كتاب (في مناقب الصالحين)، وهذا في الواقع أصح، لأن ابن مريم كان في الحقيقة يؤلف في مناقب الصالحين والأولياء. ومهما كان الأمر فسنعود إلى هذا الكتاب أثناء الحديث عن التراجم كما وعدنا. وحسبنا الإشارة إلى أن كتاب البطيوي (مطلب الفوز) يعتبر من المصادر الجديدة لحياة ابن مريم (١)، أما ابن سليمان فقد أفادنا أن محمد نجل ابن مريم قد توفي سنة ١٠٥٣ ولكنه لم يذكر وفاة ابن مريم نفسه (٢). وكما ترجم البطيوي لشيخه ابن مريم ترجم هذا لأحد أفراد عائلة البطيوي، وهو محمد بن محمد بن عيسى البطيوي التلمساني. وكان محمد البطيوى معاصرا لابن مريم ومن أقرباء العالم الشهير سعيد المقرى. وذكر ابن مريم أن لمحمد البطيوي (وهو غير صاحب كتاب مطلب الفوز) تقاييد وأذكارا وأورادا، وقال عنه إنه متصوف وأنه يقرئ العلم ويعظ في أحوال الآخرة، وإنه قد توفي في المدينة المنورة دون ذكر تاريخ وفاته (٣).
لم يكن (مطلب الفوز) لعيسى البطيوي من كتب المناقب بالمعنى التقليدي للكلمة، ولكنه (في آداب طريق أهل الفضل والصلاح) كما جاء في عنوانه. ومع ذلك فقد أدرج فيه عددا من المناقب المتعارف عليها كحديثه
стр. 638
عن ابن مريم وعن أخيه (أخو عيسى البطيوي)، أحمد بن ونيس، وأحمد الولهاصي، وعن محمد بن يوسف السنوسي وغيرهم. وكان البطيوي يتبع في مناقبه الطريقة التقليدية أيضا، فهو يذكر حياة المترجم له وأعماله وكراماته وميزاته الصوفية. وقد قال عن أخيه أحمد بن ونيس انه كان صاحب كرامات ومكاشفات ورؤى، كرؤياه للرسول ﷺ في المنام (١)، وهكذا في كل الرجال الذين ترجم لهم.
ويجدر بنا الآن أن نعرف أكثر عن حياة عيسى البطيوي وعن كتابه (مطلب الفوز)، وتعتبر حياته كحياة معظم العلماء الجزائريين الذين عاشوا خلال القرن الحادي عشر، أمثال سعيد المقري وسعيد قدورة والفكون، ولكن البطيوي، رغم أهمية كتابه، لم يكن من علماء التدريس، أي لم يكن من الفقهاء العاملين في الفتوى والرأي، ولكنه كان من العلماء المنكبين على دراسات التصوف والزهد، أولئك المحرومين من الوظائف العامة، أمثال شيخه ابن مريم وصاحب قصيدة (حزب العارفين) موسى بن علي اللالتي. وقد ذكر البطيوي أن اسمه: عيسى بن محمد اليحوي الراسي البطوي (كذا). ولعل كتابة النسبة الأخيرة من تحريف النساخ (٢).
والبطيوي من مواليد أواخر القرن العاشر، فقد ذكر أنه قرأ القرآن على الشيخ أحمد بن أبي بكر السوسي، عندما مر عليهم قاصدا الحج، حوالي تمام المائة العاشرة بنحو العامين، وذكر أنه قرأ القرآن أيضا على ابن عمته وارث العساسي (الغساني؟) الذي عده من (الأدباء المجاهدين) وقد توفي
стр. 639
وارث هذا سنة ١٠٣٣، وانتقل البطيوي أيضا للدراسة على الشيخ أحمد بن إبراهيم الراسي البطيوي الذي توفي بدوره سنة ١٠٣٩، وعدد البطيوي شيوخه الكثيرين، وأخبر أنه رحل إلى مدينة فاس سنة ١٠٠٢ أو سنة ١٠٠٣، وأخذ العلم بها على عدد من الشيوخ، كما كان يفعل كثير من الجزائريين، ويهمنا أن نلاحظ أن البطيوي قد ذهب أيضا إلى تلمسان وأخذ العلم بها على شيوخ ذكرهم وقدرهم، وهم سعيد المقري، وابن مريم، وأحمد الولهاصي. وقرأ على المقري العقيدة الكبرى للسنوسي، وأشاد كثيرا بشيخه ابن مريم، كما عرفنا، أما علاقته بالولهاصي فقد أضاف إلى الوجه العلمي منها المكاشفات، وأخبر أنه استشار مرة شيخه الولهاصي في امرأة يتزوجها فأشار عليه بعدم الزواج منها، وحلت له امرأة محلها عن طريق الكرامة. وما دام كتاب (مطلب الفوز) غير منته في النسخة التي اطلعنا عليها فلا نستطيع أن نعرف أكثر من هذا عن حياة البطيوي منه، ولا نعرف الآن من ترجم له أو تناول كتابه هذا بالتعريف. فمعلوماتنا عن حياته إذن مستمدة من الجزء المتوفر لدينا من كتابه.
أما الكتاب نفسه فهو موسوعة هامة عن الحياة الدينية والاجتماعية في ذلك العصر، وهو في هذا يذكرنا بكتاب (كعبة الطائفين) لمحمد بن سليمان الذي ألف بعده بقليل، فكلاهما يتخذ التصوف منطلقا، ولكنه يتضمن أخبارا كثيرة عن الحياة الاجتماعية والسياسية والثقافية. وكتاب البطيوي يقع في جزئين كبيرين ومكتوب بخط جيد، وقد أخبر أنه ألفه لما رأى شعائر الإسلام قد كثرت والهمم قد قصرت وانحراف الناس عن الدين الصحيح قد أصبح واضحا، وتجنبهم عن الآخرة قد بات واقعا. لذلك تاقت نفسه إلى وضع تأليف يجمع فيه (من الديانات والآداب ما يحتاجه المريد السالك) فالكتاب إذن في آداب الطريق والسلوك الصوفي.
قسم عيسى البطيوي كتابه الى مقدمة وثمانية أبوابا وخاتمة. وجعل كل باب مقسما إلى فصول. فالخطة إذن جيدة تدل على ذوق سليم وروح علمية صحيحة، وقد جعل المقدمة في وجوب تعلم العلم النافع وفي فضائل
стр. 640
العلم والعلماء العاملين. أما الأبواب فهي على النحو التالي:
الباب الأول: في وجوب معرفة قواعد الإيمان.
الباب الثاني: في وجوب معرفة قواعد الإسلام والعمل بها.
الباب الثالث: في آداب المريد مع خالقه.
الباب الرابع: فيما يجب للنبي ﷺ على أمته.
الباب الخامس: في وجوب حفظ جميع الجوارح الظاهرية والباطنية من المخالفة.
الباب السادس: في الترغيب في محبة الله.
الباب السابع: في المشيخة.
الباب الثامن: في حكم الجهاد والرباط وفضائلهما وتمني الموت.
أما الخاتمة فقد جعلها في ذكر وصايا صحيحة مجربة (يستعان بها على صعب هذا الزمان، معتمدا في ذلك كله على أئمة السلف). ولا شك أن الباب الثامن من أهم أبواب الكتاب، لاسيما إذا عرفنا دور المرابطين الاجتماعي والسياسي في القرن العاشر والحادي عشر. وقد كانت النواحي الغربية، كما أشرنا، تعيش في توتر مستمر نتيجة الوجود الإسباني على السواحل، كما أن الباب الثالث والسابع مهمان في دراسة سلوك المتصوفين عندئذ، ومن المهم مقارنة ذلك بما جاء في الكتب المشابهة له في الموضوع والزمان مثل (كعبة الطائفين).
وتظهر منهجية البطيوي أيضا في ذكر مصادره وموقفه منها، فقد ذكر عددا من المصادر التي أخذ منها في كتابه، ومن ذلك (الجواهر الحسان) وهو تفسير عبد الرحمن الثعالبي، وشرح الحكم لابن عباد التلمساني (١)،
стр. 641
والسهروردي في علم التصوف، وابن فرحون، ومحمد بن يوسف السنوسي الذي سماه (حجة الإسلام)، والغزالي الذي سماه (شيخ الإسلام)، و (شيخنا المديوني) وهو يقصد به محمد بن مريم صاحب (الحسان)، كما أن البطيوي قد اعتمد على مصادر أخرى، مكتوبة وشفوية، لإثراء كتابه، وقد نبه إلى أن الخطأ محسوب عليه وحده وليس على مصادره، لأن أولئك الأئمة في نظره (منزهون) عن الخلل (١).
وإذا كانت المناقب هي ذكر الفضائل فإن الفكون لم يخصص كتابه (منشور الهداية) للفضائل وحدها، ومن ثمة لم يكن كل كتابه مناقب، وقد قسم كتابه إلى مقدمة وثلاثة فصول وخاتمة، وجعل عنوان الفصل الأول هكذا (في من لقيناه من العلماء والصلحاء المقتدى بهم، ومن قبل زمنهم ممن نقلت إلينا أحوالهم وصفاتهم تواترا، أردنا التنبيه عليهم وذكر ما كانوا عليه وزمانهم وتواريخ وفاتهم). فهذا الفصل إذن يمكن اعتباره في المناقب لأنه ذكر فيه فضائل هذا الصنف من العلماء والصلحاء المقتدى بهم. أما الفصلان الثاني والثالث فقد جعلهما في نقد المتشبهين بالعلماء، والمتشيهين بالصلحاء، ذلك أن عنوان الفصل الثاني هو (في المتشبهين بالعلماء، وهم الذين قصدنا بهذا التقييد إيضاح أحوالهم)، وعنوان الفصل الثالث هو (في المبتدعة الدجاجلة الكذابين على طريق الصوفية المرضية). فهما إذن فصلان بعيدان كل البعد عن المناقب، حتى الخاتمة التي جعلها (في إخوان العصر وما هم عليه) مليئة بالنقد والغمزات اللاذعة لإخوانه المعاصرين له. بل إن عنوان الكتاب نفسه يدل على أن صاحبه لم يقصد به المناقب المتعارف عليها وإنما أراد به نقد أحوال أدعياء العلم والتصوف في وقته، فهو (منشور الهداية في كشف حال من ادعى العلم والولاية). وكان الفكون يجمع بين علوم
стр. 642
الظاهر وعلوم الباطن، فهو من العلماء الفقهاء المؤمنين بالتصوف التأملي المنكرين للبدع والخرافات التي انحطت بقيمة العقل والعلم. وكان في كتابه هذا ثائرا، كما كان في كتابه (محدد السنان في نحور إخوان الدخان)، فهو يهاجم الانحراف والابتداع في الدين والوصولية. وقد تعرض في (منشور الهداية) لحياة أكثر من سبعين شخصا (١). فلا غرابة أن يتعرض إلى النقد بسببه.
فإذا اعتبرنا أن الفصل الأول فقط من كتابه هو الخاص بالمناقب، فإن مقاييسه فيه تختلف كثيرا عن مقاييس ابن مريم والبطيوي والمغوفل وابن سليمان وغيرهم ممن كتبوا في المناقب. فهؤلاء كانوا يبالغون في أوصاف الشيخ ونسبة الكرامات إليه وخوارق العادات، وقد لا يكون له حظ من العلم على الاطلاق، أما الفكون فقد ذكر في هذا الفصل العلماء العاملين الذين لا يكادون يتميزون عن غيرهم إلا بالتأليف والتدريس والمواقف الصلبة ضد المغريات الدنيوية، وقد ذكر من هؤلاء جده عبد الكريم الفكون، وعمر الوزان، ومحمد العطار، وأحمد الغربي شارح (رسالة عمر بن الخطاب في القضاء) (٢)، ومحمد الكماد، وعبد اللطيف المسبح، الخ. وحتى هؤلاء وأضرابهم لم يخل حكمه عليهم من غمزات أيضا. فإذا كان مؤلفو المناقب الآخرين يعاملون شخصياتهم معاملة الملائكة أو المنزهين عن الأخطاء، فإن الفكون كان يعامل شخصياته على أنهم بشر يتخاصمون ويتآمرون، فيهم الخير والشر، والصلاح والطلاح. وقد كان بدون شك أكثر قسوة في معاملة شخصياته في الفصلين الثاني والثالث، وحسبنا الآن من كتابه ما ذكرناه له من مناقب (٣). أما كتابه كمجموعة من التراجم فسنعود إليه في الفصل الخاص بالتاريخ
стр. 643
والغريب أن كتب المناقب الشاملة لعصر أو منطقة أخذت تضعف بعد عمل الفكون. حقا ان بعض العلماء قد كتب بعد ذلك تراجم كأحمد بن عمار في كتابه (لواء النصر في فضلاء العصر)، ولكن مثل هذا العمل لا يعتبر من باب المناقب الصوفية المعروفة. ويمكن أن يدخل في المناقب (عقد الجمان النفيس) لعبد الرحمن التجاني الذي تناول أشراف إغريس، و (الدرة المصونة) لأحمد البوني الذي تناول علماء وصلحاء عنابة. و (سبيكة العقيان فيمن بمستغانم وأحوازها من الأعيان) لمحمد بن محمد الموفق المعروف بابن حوا الذي تناول صلحاء نواحي الشلف، وكتاب (التعريف بالأحبار المالكين الأخيار) لابن علي الشريف الشلاطي.
وهناك أعمال في المناقب تناولت شخصا بعينه. وهذا ما نحاول الوقوف عنده قليلا. فالشيخ علي البهلولي، الذي كان معاصرا للفكون، قد وضع تقييدا، حسب تعبير الفكون، في الثائر أحمد بن عبد الله الذي توفي عقب الحرب التي دارت بينه وبين ثائر آخر يدعى يحيى السوسي (١)، وقد أوضح البهلولي في تقييده أن أحمد بن عبد الله هو الفاطمي وأنه لم يمت وأنه المهدي المنتظر، وكان للبهلولي عقيدة خاصة راسخة في هذا الشيخ. ولم يكن البهلولي من البسطاء، كما قد يظهر، ذلك أن الفكون، وقد عرفنا موقفه من متصوفة عصره، قد قال عنه انه كان (فطنا لقنا، صاحب شعر كثير وفصاحة وفهم، وله إنشادات شعر كثير) (٢)، وكان للبهلولي أيضا أخ يدعى عبد الرحمن، يقف ضد البدع، وقد ألف في ذلك قصيدة أرسلها إلى الفكون لشرحها، وتوفي الأخوان، علي وعبد الرحمن البهلولي، في حياة الفكون. ورغم أننا لا نعرف بالضبط متى كتبت سيرة محمد بن بوزيان، مؤسس
стр. 644
الطريقة الزيانية، فإن الظاهر أن مصطفى بن الحاج البشير قد ألف كتابه (طهارة الأنفاس والأرواح الجسمانية في الطريقة الزيانية الشاذلية) بعد وفاة شيخه بزمن قليل، ونفس الشيء يقال عن كتاب (فتح المنان في سيرة الشيخ سيدي الحاج محمد بن أبي زيان)، الذي لا نعرف الآن مؤلفه، وإذا كان (فتح المنان) واضحا أنه في مناقب أبي زيان فإن (طهارة الأنفاس) قد جمع بين مناقب الشيخ ومنهاج الطريقة الزيانية في سلوكها وأورادها وتاريخها (١)، ونحن نغامر بذكر هذين المصدرين عن أبي زيان وطريقته في انتظار الكشف عن زمن تأليفهما، وقد مجد مؤلفا الكتابين مؤسس الطريقة الزيانية وبينا فضائله ومزاياه وكراماته ومناقبه.
وقام بعض الأتباع المتحمسين للطريقة الدرقاوية بوضع تأليف تناول حياة شيخ الطريقة وأوضح مبادئها ودافع عنها، ومن هؤلاء محمد بوزيان بن أحمد المعسكري الغريسي الذي سمى كتابه (كنز الأسرار، في مناقب مولانا العربي الدرقاوي وبعض أصحابه الأخيار)، ومحمد الغريسي كان من أتباع الطريقة الدرقاوية التي حارب أصحابها العثمانيين أوائل القرن الثالث عشر، وقد توفي سنة ١٢٧١ (١٨٥٤) قبل إتمام عمله الذي وصل فيه إلى أربع كراريس، ويوجد كتابه تحت الاسم الذي ذكرناه، كما يوجد تحت اسم (في مناقب الشيخ أبي حامد العربي بن أحمد الدرقاوي الحسني وتلامذته). ويبدو أن الاسمين ليس من وضع المؤلف نفسه، وأن بعض النساخ فقط هم الذين أضافوا الاسم هنا وهناك على بعض النسخ (٢)، وهو، كما عرفنا، في مناقب الشيخ الدرقاوي المغربي، وفي بعض أصحابه الذين عضدوه في الجزائر مثل عبد القادر بن الشريف، ويبدو من الخطة أن محمد الغريسي كان ينوي أن
стр. 645
يوسع كتابه ليشمل عددا كبيرا من زعماء الطريقة الدرقاوية ونشاطهم.
شروح في التصوف:
رغم وفرة الشروح الفقهية والنحوية وغيرها فإن شرح الأعمال الصوفية قليل نسبيا. وتوجد لدينا أراجيز وقصائد ومتون نثرية تتناول التصوف، عمد بعض الجزائريين إلى شرحها، وهذا يشمل الأصول التي كتبها جزائريون أيضا أو كتبها غيرهم. وأهم عمل اطلعنا عليه في هذا الميدان شرح (عقد الجمان النفيس) وشرح (قصيدة حزب العارفين).
لقد شغلت القصيدة السينية المعروفة بسينية ابن باديس أو (النفحات القدسية) لأبي الحسن علي بن باديس كثيرا من الشراح والمعلقين، وموضوعها هو الإشادة بعبد القادر الجيلاني، ومطلعها (١).
ألا صل إلى بغداد فهي منى النفس ... وحدث بها عمن ثوى باطن الرمس
وما دام الأمر يتعلق بشخصية يجلها الصوفيون ويتبركون بها فإن أحمد بن محمد الحاج البجائي التلمساني قد عمد إلى شرح القصيدة المذكورة في عمل سماه (أنس الجليس في جلو الحناديس عن سينية ابن باديس). وقد كان ابن الحاج من قضاة بجاية وله مؤلفات أخرى في السيرة النبوية تتمثل في شرحه للقصيدة الشقراطسية (٢). ولاحظ ابن الحاج أنه لا يعرف أحدا قبله وضع شرحا على القصيدة. وقد جمع في شرحه بين التحليل الأدبي والصوفي. واعتذر بقوله: (اعلم أن هذه القصيدة ليست لي فيها رواية، ولا شاركت فيها من له بها دراية، ولا وقفت على نسخة منها عتيقة، تكون النفس بصحبتها وثيقة، ولا عثرت على شرح لها أمامي، أجعله إمامي، ولكني أتحرا (كذا) من ألفاظ نسخها ما أراه يليق بمقصدها، ومن معانيها ما
стр. 646
يغلب على ظني أنه مراد مقصدها ...) (١) ومن جهة أخرى عرف القرن العاشر أيضا شرح محمد الصباغ القلعي لقصيدة إبراهيم التازي في التصوف. وقد سمي القلعي شرحه، كما عرفنا، (شفاء الغليل).
وحوالي القرن الحادي عشر ألف عبد الرحمن بن عبد الله بن أحمد التجاني رسالة في صلحاء ناحية غريس قرب معسكر سماها (عقد الجمان النفيس في ذكر الأعيان من أشراف غريس) (٢). وقد تناول هذه الرسالة بالشرح عدد من المعاصرين لها والمتأخرين، منهم أبو راس الناصر، الذي عاش في نفس المنطقة. واطلعنا على شرح لهذه الرسالة قام به محمد الجوزي بن محمد الراشدي المزيلي سماه (فتح الرحمن في شرح عقد الجمان). وقد أخبر المزيلي أنه لقي مؤلف العقد فسلمه نسخة منه وكلفه بشرحه بعد تردد. ويبدو أن العلاقة بين الرجلين كانت علاقة الشيخ بتلميذه، فقد جرت العادة أن لا يشرح الند لنده، إلا إذا كانا متفاوتين سنا، ومع ذلك فإن المزيلي لم يخبر أنه كان تلميذا للتجاني ولا يذكره بألفاظ توحي بذلك، وإنما أخبر أن (عقد الجمان) قد أعجبه وشعر بأهميته فتاقت نفسه إلى شرحه.
ومهما كان الأمر فإن محمد المزيلي قد أوضح خطته في شرحه منذ البداية فقال إنه وشحه بأحاديث رائقة، وقصص لائقة، وأخبار فائقة، وختمه بتكميل ذكر فيه الخلفاء الأبرار، والملوك والثوار، في كل النواحي والأقطار. وهذه الخطة تعني أنه لم يقسم عمله إلى فصول أو أبواب، ولم يقتصر فيه على (أعيان غريس) كما جاء في الرسالة المشروحة بل جمح به القلم والفكر إلى عوالم أخرى، فراح يطوف هنا وهناك، وكاد يتخلى تماما عن موضوعه
стр. 647
الأصلي. لذلك جاء الكتاب مليئا بالحشو والاستطرادات التي لا تمت بأية صلة إلى الموضوع. فكأن المزيلي كان يستعرض معلوماته ليبرهن على سعة اطلاعه ومعارفه في التاريخ واللغة والأدب والأخبار، وقد وقع في هذا أيضا غيره من الشراح الذين كانوا يعمدون إلى التخفيف عن القارئ، في نظرهم، من السآمة والملل. لذلك تضخم الكتاب (أي فتح الرحمن) حتى كاد يصل إلى ألف ورقة (١). ومع ذلك فإن فيه، بالإضافة إلى الموضع الأصلي، أخبارا هامة عن المجتمع مبثوثة هنا وهناك، من ذلك أنه أخبر عن حالة غريس في وقته (وقد كانت تحت السلطة العثمانية وقريبة من عاصمة الإقليم) وهي حالة لا تسر. فقد قال إن في غريس (عصابة من ذوي الضلال، شأنهم سفك الدماء وهتك الحرام وأخذ الأموال). كما شكا حاله وحال الناس هناك من الظلم والتعدي والحاجة. ومما يذكر أنه ألف الكتاب في غريس نفسها.
وقد اشتهر محمد بن أحمد الشريف الجزائري بشروحه الكثيرة على أعمال غيره وعلى بعض الأحاديث النبوية. من ذلك شرحه لقصيدة الدمياطي (شمس الدين محمد الدروطي الدمياطي) اللامية في التصوف.
وقد سمي الجزائري شرحه عليها (القول المتواطي في شرح قصيدة الدمياطي) (٢). أما الورتلاني صاحب الرحلة فقد خص بالشرح قصيدة نادرة لعبد الرحمن الأخصري في التصوف تعرف بـ (القدسية)، وهي قصيدة في آداب السلوك ونكران البدع لا يعرف أن الأخضري قد شرحها، رغم شهرته بشرح منظوماته بنفسه. وقد اطلعت على نسخة من شرح الورتلاني الذي سماه (الكواكب العرفانية والشوارق الأنسية في شرح ألفاظ القدسية) وبرر الورتلاني قيامه بهذا العمل كون بعضهم قد ألح عليه في شرح هذه القصيدة
لعدم وجود شرح عليها، وهو ينقل كثيرا عن غيره مثل القشيري وأحمد
стр. 648
زروق، معترفا بأنه قد اعتمد في عمله على (نقول ذوي التحقيق) (١) ولا غرابة في ذلك فقد عرفنا أن الورتلاني كان من أقطاب التصوف في القرن الثاني عشر.
ومن أهم الأعمال الصوفية التي اطلعنا عليها شرح محمد بن سليمان بن الصائم، المسمى (كعبة الطائفين وبهجة العاكفين في الكلام على قصيدة حزب العارفين). وقصيدة (حزب العارفين) نظمها موسى بن علي اللالتي التلمساني، واشتهرت في وقتها (القرن الحادي عشر) وتناولها أكثر من واحد بالشرح والتعليق والتبرك. وهي قصيدة في أهل التصوف وفي أحوال العصر، ومكتوبة باللغة العامية الواضحة. وكان الناظم شيخا للشارح وهو الذي طلب من تلميذه شرح القصيدة وأوصاه أن لا يشرح بعض أجزائها في حياته، وهي الأجزاء التي تتناول أهل الطلاح. والشرح الذي اطلعنا عليه ضخم جدا بلغ أكثر من مائة وست وأربعين ورقة بالخط الرقيق، ومع ذلك فالنسخة غير كاملة. وجال محمد بن سليمان في (كعبة الطائفين) جولات واسعة وأطلق عنان القلم ليكرع من جميع الأنهار. وكثيرا ما كان يستمد معلوماته من العصر وأهله وأحوال بلاده في القديم والحاضر. وقد درسنا النسخة التي اطلعنا عليها دراسة مستفيضة واستخرجنا منها ما يتعلق بالحياة الاجتماعية والسياسية وبحياة العلماء ورجال التصوف في القرن الحادي عشر. أما الجزء الخاص بالتصوف المحض، وهو أساس الكتاب فقد اكتفينا بالإشارة إليه والتنويه بأهميته.
стр. 649
وتبعا للناظم تحدث محمد بن سليمان عن عدد من رجال التصوف الجزائريين والمسلمين عموما. والقائمة تشمل تقريبا كل الأسماء التي تعرضنا إليها حتى الآن (التازي، السنوسي، الثعالبي، الهواري ...) والقصيدة وشرحها من هذه الزاوية يعتبران من أعمال المناقب. وقد شكا كل من الناظم والشارح من أحوال العصر ومن ظلم الحكام والفوضى ومن اللامبالاة تجاه العلماء ورجال الصلاح. وها هو محمد بن سليمان يلخص ذلك في قوله (لم نجد نحن في هذا الأخير من القرن الحادي عشر. إلا العقارب واللفاع، والشقاق والنزاع، وظهور الهمج الرعاع، المؤثرين سبل الشر والابتدع، وما لنا عن دفع ما نزل بنا من قدرة ولا حول، ولا قوة لنا على التحول عن أهل هذا الحال ولا طول ..) (١) أما علماء التصوف من المسلمين فقد ذكر منهم الغزالي وابن الفارض والجيلاني. وحسبنا الآن من هذا الكتاب التنويه بأهميته في التصوف في عصر المؤلف، سيما في غرب البلاد، فهو يعتبر استمرارا لعمل ابن مريم وعيسى البطيوي، كما يعتبر مكملا لعمل عبد الكريم الفكون عن التصوف في شرق البلاد. أما الذي يرغب في معرفة تفاصيل أكثر عنه فعليه بالرجوع إلى دراستنا المشار إليها (٢).
وقبل أن نختم هذه النقطة نشير إلى أن عبد القادر المشرفي قد وضع نظما سماه (عقد الجمان الملتقط من قعر قاموس الحقيقة الوسط)، وهو في
стр. 650
الواقع نظم لرسالة منسوبة إلى محمد بن علي الخروبي، واسمها (الدرة الشريقة في الكلام على أصول الطريقة). ورغم أن عمل المشرفي هو نظم لنثر فقد قام ابنه، محمد الطاهر المشرفي، بشرح نظم والده، ولا نعرف الآن العنوان الذي أطلقه المشرفي الابن على شرحه، غير أننا نعرف أن هذا الشرح قد حظي بتقريظين أحدهما من أبي راس (وهو تلميذ المشرفي الأب) والثاني من قاضي مدينة الجزائر في وقته وهو محمد بن مالك (١).
المواعظ والردود:
سنتناول في هذا القسم المؤلفات والمنظومات والمناقشات المتعلقة بالتصوف والفلسفة ونحوهما. ويشمل ذلك الأذكار والأدعية والأوراد وغيرها من المواد الصوفية. ولا يمكن إحصاء ذلك لكثرته وعدم توفره كله بين أيدينا. ذلك أن أبسط ما يبدأ به بعض الزهاد والمتصوفة كتابة الأذكار والأدعية. بما في ذلك المدائح النبوية التي تأخذ طابع التوسل لا طابع السيرة. ولا شك أن بعض العلماء قد اشتهر بالإنتاج في هذا الميدان أكثر من بعض، فقد عرف محمد الخروبي في القرن العاشر وأحمد البوني في القرن الثاني عشر بوفرة الإنتاج في هذا الباب.
وقد عرفنا أن من كتاب الأذكار والأدعية في أوائل القرن العاشر أحمد بن يوسف الملياني ومحمد (بوعبدل) المغوفل. وذكر أبو راس أن المغوفل كان (أحد أعجوبات الدهر في علمه وورعه وكراماته يشهد لعلمه قصيدة مدح بها رسول الله ﷺ ، فيها سبعون بيتا، وليس فيها حرف يستحق النقط، بل كلها عواطل من النقط. وكفى به حجة) (٢)، وينسب إلى المغوفل كثير من الأشعار الدينية والصوفية، ومنها رجزه الذي أتينا عليه في مناقب أهل الشلف. وإذا عدنا إلى (دوحة الناشر) لابن عسكر وجدنا عددا من المترجم لهم قد خاضوا ميدان التصوف، ومنهم عبد العزيز بن خليفة
стр. 651
القسنطيني الذي كتب (رسائل صوفية)، وكان يعتقد فيه أنه صعد إلى مرتبة الغوث والقطب، وكان له تلاميذ كثيرون، وهم الذين كتب إليهم الرسائل المذكورة والتي ما زالت، لحسن الحظ، محفوظة، وكان القسنطيني في وقته من أصحاب الخوارق والكرامات (١).
أما محمد بن علي الخروبي فقد ترك عدة أعمال في التصوف أشرنا إلى بعضها، كما أشرنا إلى تأثيره الديني على معاصريه، ولا شك أن أهم أعماله الصوفية هو شرح الصلاة المشيشية، وأصول طريقة الشيخ زروق، وشرح الحكم لابن عطاء الله، يضاف إلى ذلك رسالته في الطرق الصوفية، ورسالته في الرد على أبي عمرو القسطلي المغربي والتي سماها (ذات الإفلاس إلى خواص أهل مدينة فاس).
وعلى ذكر الردود نذكر أن الشيخ أبا القاسم بن سلطان القسنطيني قد ألف، وهو بتطوان، كتابا في مجلدين رد فيه على طائفة العكازين (وهي الطائفة الملعونة التي لا زالت لها بقية في بلاد المغرب بقبيلة بني حسن .... أبدع النقل فيهم مزيفا أقوالهم الفاسدة) (٢). وقد ترجم لأبي القاسم القسنطيني صديقه أحمد بن القاضي صاحب (درة الحجال) فوصفه بالورع والتبحر في الفقه وقوة العارضة في الخطابة بقصبة تطوان. ومن ثمة ندرك أن القسنطيني لم يكن مجرد رحالة وإنما أطال الإقامة بتطوان وتولى بها الوظيفة المذكورة. كما وصفه ابن القاضي بأنه كان من العلماء المعقوليين. ومدح ابن القاضي كتاب القسنطيني في الرد على (الطائفة الأندلسية) وزعيمها محمد الأندلسي، (أجاد فيه كل الإجادة وناضل عن السنة السمحاء)). وقد اطلع ابن القاضي على هذا الكتاب سنة ٩٩٥ وقال عنه إنه في مجلدين، وأن (من أراد الوقوف على شناعتهم (يعني الطائفة التي يسميها الأندلسية) جملة وتفصيلا، وما قيل في هذه الطائفة الملعونة، فليطالع تأليف الفقيه الإمام أبي القاسم بن سلطان
стр. 652
القسنطيني، نزيل تطوان، فقد أبدع فيهم وزيف أقوالهم وبين فسادها). ونحن نعلم من ترجمة ابن القاضي أيضا أن القسنطيني قد أخذ العلم على أحمد المنجور المغربي. أما في المشرق فقد أخذ عن جماعة منهم عبد الرحمن التاجوري وعلي البكري الصديقي، وكان القسنطيني قد حج. وله رحلة لا ندري مكانها. وكان ميلاده بعد سنة ٩٣٠، أما تاريخ وفاته فمجهول لدينا الآن، ومهما كان الأمر فإنه كان على قيد الحياة سنة ٩٩٥ (١).
ومن كتب الردود التي اتخذت طابعا فلسفيا (النبل الرقيق) ليحيى الشاوي، وهي الرسالة التي رد بها على رسائل وآراء معاصره نور الدين الكوراني نزيل المدينة في وقته، فقد اتهمه الشاوي باتباع آراء المعتزلة والقول بالاتحاد واستنقاص الرسل. ولذلك حكم بكفره وأوجب قتله. ولم يسلم من هجوم الشاوي، أثناء ردوده، بعض العلماء المغاربة أيضا، ومنهم عبد الله العياشي ومحمد بن سليمان. وكان الشاوي يتحدث على لسان المغاربة عموما ويدافع عن أهل السنة ويغض من شأن المتصوفة وعلماء الباطن. ولكن محمد بن رسول البرزنجي نزيل المدينة أيضا قد تصدى للرد على الشاوي بلسان الكوراني، وسمى رده (العقاب الهاوي (٢)). واتهمه عدة اتهامات لا تليق بالعلماء المبجلين. ولكن رد البرزنجي فيه أخبار عن حياة الشاوي بمصر وإسطانبول وعلاقته بالعلماء في وقته ورجال الدولة. حقا إن بعض هذه الأخبار مبالغ فيه، ولكن السياق على العموم صحيح.
ومن هذه الأخبار كون الشاوي قد ارتكب في الجزائر ما أوجب إخراجه منها، وأنه خرج إلى مصر وصار شيخ الركب المغربي عدة مرات، وأنه ذهب إلى إسطانبول مرتين، وأنه لقي هناك بعض الإكرام فاغتر وبطر لأخذ في منازعة الأولياء وتكفيرهم ونفى التصوف عن بعضهم، وطعن في عرض
стр. 653
محمد بن سليمان وعبد الله العياشي المغربيين. وإنه أخذ كثيرا من وظائف علماء مصر أثناء إقامته بها. ثم توجه ثانية إلى إسطانبول فنجح بعض الشيء حيث قربه رجال الدولة أول الأمر ثم انقلبوا عليه كما انقلب عليه أهل مصر فرفعوا عنه وظائفه. ولم يعد من إسطانبول هذه المرة سوى بعجوز هي، حسب رأي البرزنجي، أكبر من أمه، كما قيل عنه إنه أهدى كتابا له إلى ابن السلطان، وقدم هدايا إلى رجال الدولة وتوجه إلى أبوابهم. وعادى الصوفية لأجلهم. ومع ذلك رجع صفر اليدين.
ونحن نعرف من سياق الرد والاعتراض أن الكوراني قد كتب رسالة (مسلك السداد إلى مسألة خلق أفعال العباد) فراسله حولها بعض علماء المغرب مستفسرين عما جاء فيها، ومنهم محمد بن عبد القادر الفاسي. فرد الكوراني برسالة أخرى سماها (نبراس الإيناس بأجوبة سؤالات أهل فاس) أجاب بها أيضا من سأله عن مسألة الغرانيق. ثم كتب الكوراني رسالة أخرى سماها (إمداد ذوي الاستعداد لسلوك مسلك السداد). ونتبين من هذه الرسائل أن الكوراني كان يتناول موضوعات جدلية بين المسلمين كمسألة الغرانيق ومسألة الاتحاد ومسألة خلق الأفعال ونحوها. كما نتبين صلته بعلماء المغرب من المراسلات التي كانت بينهم وبينه ومن وصول رسائله إليهم ثم من صلاته بعلمائهم الزائرين والمجاورين بالمدينة أمثال العياشي الذي قال عنه الشاوي إنه هو الذي شهر الكوراني في المغرب. ونحن نعرف من هذا الرد أن الشاوي أيضا قد زار الكوراني في المدينة وجلس إليه وعرف رسائله.
أما الشاوي فقد بدأ رسالته (النبل الرقيق) بقوله: (أيها الموفقون والعصابة المحققون، إن أهل الدين وخصوصا أهل المغرب (يعني المغرب العربي) لهم غيرة على نفي الاعتفاد في الأولياء والزهاد)، ولكن همة أهل المغرب قد تقاصرت عن ذلك بفعلة عبد الله العياشي (وهو يسميه الشيطان) الذي سكن المدينة أياما وكان جاهلا بعلم المعقول غير عالم برتبة الرسول. وأن العياشي قد تعرف على الكوراني الذي كان يظهر التصوف والتقشف وأنه قد أظهر للعياشي شيئا من علم المنطق فاغتر به ونقل أخباره إلى علماء
стр. 654
المغرب وشهره بينهم، وهذا في نظر الشاوي مفسد لأهل الإسلام ولا سيما المغاربة.
ولقد كتب الكوراني رسالته في أن العبد يخلق أفعاله بنفسه فكان في ذلك، في نظر الشاوي متبعا للمعتزلة في قولهم إن العبد يخلق أفعاله لأنه مستقل في إرادته وقدرته. ثم قال الكوراني أيضاء بالتجسيم حيث قال في (وجاء ربك) جاء هو ولم يؤول فيقول جاء أمر ربك. كما أنه قال بالاتحاد فزعم أن الله موجود في كل جرم. وأخيرا خلص إلى التنقيص من الرسل وذلك في مسألة الغرانيق التي حار في تخريجها العلماء. ولذلك نادى الشاوي بالحرب ضد الكوراني فقال حرفيا: (إن هذا الرجل ساب بلا شبهة في ذلك فيقتل ولا يقبل توبته إن وجد للإسلام ناصرا .. فقد جمع الاعتزال والاتحاد والتجسيم ونسبة الكفر للنبي ﷺ ، فالواجب على كل مسلم أن يأخذ بثأر الدين وبثأر النبي ﷺ بالبيان وبالبنان وباللسان وبالسنان، أعادنا الله من بلائه) (١).
وإذا كنا لا نعجب من هذه المهاترات بين علماء الوقت واتهام بعضهم البعض بالزندقة والتقرب للملوك وبيع الضمير العلمي فإننا نعجب حقا من ضيق الأفق الذي كانوا يتمتعون به فيحكمون بالقتل على من لم يوافقهم في الرأي. وكأنهم هم الذين وضعهم الله لتنفيذ أحكامه في الأرض. ولا شك أن من أسباب تخلف المسلمين فكريا عندئذ هذه السيوف المشرعة على رقاب كل من خالف الرأي العام، وهي السيوف التي يزعم أصحابها أنهم يحاربون بها الإلحاد والزندقة والفساد.
ومن الذين ترجم لهم ابن مريم في (البستان) طاهر بن زيان الزواوي
стр. 655
الذي ألف عملين على الأقل في التصوف، الأول (نزهة المريد في معاني كلمة التوحيد) والثاني (رسالة القصد إلى الله). والغالب على الظن أن الزواوي، الذي يعرف أيضا بالقسنطيني، قد توفي بالمدينة، لأن ابن مريم عندما ترجم له قال عنه: (نزيل المدينة المنورة) (١).
وبالإضافة إلى ذلك ألف بركات بن باديس رسالة سماها (مفتاح البشارة في فضائل الزيارة). أظهر فيها نبوة خالد بن سنان العبسي، تمشيا مع ما ذهب إليه عبد الرحمن الأخضري قبله في قصيدته الشهيرة.
سر يا خليلي إلى رسم شغفت به ... طوبى لزائر ذاك الرسم والطلل
وقد نقل ابن باديس في رسالته عدة نقول في الموضوع، من مثل (الجمان في مختصر أخبار الزمان) للشطيبي، وقصيدة الأخصري وغيره، وأخبار خالد بن سنان من كتب المتقدمين (٢). وفي نفس الموضوع ألف الشيخ علي بن مسعود الونيسي، أحد قضاة قسنطينة، رسالة جمع فيها أيضا آراء علماء المسلمين في نبوة خالد بن سنان العبسي. ومن الذين نقل آراءهم مصطفى الرماصي القلعي، وعبد الرحمن الأخضري، وعبد الله العياشي وأحمد بن ناصر الدرعي (٣)، ومن جهة أخرى ألف محمد ساسي البوني عملا في الوعظ سماه (النور الوضاح الهادي إلى الفلاح) وعملا آخر في فضائل
стр. 656
الزيارة، لا ندري موضوعه، ولعله يعني زيارة الأضرحة عامة أو زيارة قبر الرسول خصوصا.
...
أما المواعظ والأذكار فقد ألف فيها محمد بن سليمان بن الصائم، كتابا سماه (حياة القلوب وقوت الأرواح في عمارة الملوين وأوراد المساء والصباح). ألفه، كما قال، بعد أن فرغ من كتابه الآخر (كعبة الطائفين)
بحوالي عشر سنوات، في جبل بني يزناسن، سنة ١٠٦٦، ويبدو أنه كان عندئذ في حالة صوفية غير عادية، لأنه قال إن الله قد فتح عليه فجمع الثمار (التي أنشأت (كذا) عن غرس هذه الأشجار)، وليس (حياة القلوب) شرحا لإحدى القصائد الوعظية، ولكنه فيما يبدو مجموعة من الفتوحات والنقول التي جادت بها قريحة ابن سليمان وهو في حالة خاصة (١)، وفي موضع مشابه نظم الشاعر الصوفي محمد بن محمد الموفق المعروف بابن حوا قصيدة سماها (الريحانة المروحة على القلوب المقترحة) وذلك سنة ١١٧٦ (٢). أما ابن علي الشريف الشلاطي فقد أخبر أن من بين مؤلفاته كتابا بعنوان (في الوعظ والأذكار وحكايات الصالحين الأبرار). ومن الواضح أنه تأليف في التصوف موجه، فيما يبدو، إلى أتباع الزاوية التي كان المؤلف نفسه رئيسا لها في شلاطة (٣).
وفي آداب الدين والآداب عامة ألف عبد اللطيف المسبح كتابا هاما سماه (عمدة البيان في معرفة فروض الأعيان)، وقد شرح فيه تأليفا مختصرا
стр. 657
لعبد الرحمن الأخضري، لأن هذا التأليف (قد اشتمل على المهم من أمور الديانات مخلص من شوائب الاختلافات، ولم نقف على من شرح من الفقهاء ألفاظه). والكتاب في آداب الدين والدنيا كالصلاة والسلام وفروض الكفاية. وكان المسبح من علماء الرياضيات أيضا. وقد فرغ من شرحه المذكور سنة ٩٨٥ (١).
ولم يؤلف عبد الكريم الفكون (منشور الهداية)، فقط، بل إن له أعمالا أخرى في التصوف أيضا جديرة بالذكر، من ذلك قصيدة له في التوسل بالله سماها (سلاح الذليل في دفع الباغي المستطيل)، أولها:
بأسمائك اللهم أبدي توسلا ... فحقق رجائي يا إلهي تفضلا
ويبدو أنه استعملها كدعاء عند الشدة التي لحقته من بعض البغاة، كما أن أحذ تلاميذه، وهو محمد وارث الهاروني قد نسخها منه واعتمدها ضد عمه الذي بغى عليه واشتكى إلى الفكون منه، ويقول الفكون ان المغاربة أيضا قد استنسخوها منه (فهي شهيرة بينهم) (٢). ومن جهة أخرى وضع الفكون تقييدا بعد مرض أصابه وتمكن من قلبه حوالي سنة، فكان بسببه لا ينام ويتصبب عرقا حتى أيس منه الجميع واختل شطره الأيسر. والغالب على الظن أن هذا التقييد (الذي لم يفصح عن محتواه) لا يخرج عن شكر الله والتوسل إليه. وللفكون نظم آخر سماه (شافية الأمراض لمن التجأ إلى الله بلا اعتراض) وهو النظم الذي سماه أيضا (العدة في عقب الفرج بعد الشدة) وأوله:
بك اللهم مبدي الخلق طرا توسلي ... وفي كل أزماتي عليك معولي
وهو من نوع الأول في التوسل إلى الله بالرسول ﷺ وبأصحابه والتابعين والفقهاء والأولياء.
стр. 658
ولعل أهم عمل كتبه الفكون في هذا الباب هو ديوانه الذي خصصه لمدح الرسول ﷺ ، فقد نظم عدة قصائد في هذا المعنى ورتبها على حروف الهجاء، مضمنا كل حرف من الحروف حروفا تقرأ من أول كل بيت في الحرف فإذا جمعت يخرج منها (اللهم اشفني بجاه محمد، آمين) (١)، وهو الديوان الذي رآه العياشي المغربي وأخبر أن الفكون قد كتب عليه ما يمدح به عند الغمة، وساعة الغياهب المدلهمة، والتزم فيه أن يجعل مبدأ كل سطر حرفا من حروف: الهي بحق الممدوح اشفني، آمين، وقال العياشي إن جملة ذلك خمس وعشرون حرفا من كل قصيدة مثلها أبيات، فقافية الهمزة مثلا تذهب هكذا:
أبدرا بدرت في الخافقين سعوده ... ونورا به الأكوان أضحت تلألأ
له في العلى أعلى العلى رتبة وفي ... مراقي ذرى العرفان قدما مبوأ
أضاء وجود الكائنات ببعثه ... وطلعته الغرا من الشمس أضوأ
إلى أن يصل إلى خمسة وعشرين بيتا في حرف الهمزة، ونفس عدد الأبيات في حرف الباء، ومثله في كل حرف من الحروف الهجائية. وقد أخبر العياشي أيضا أن الفكون قد انتهى من هذا الديوان سنة ١٠٣١ (٢)، أي عندما كان عمره ثلاثا وأربعين سنة. فمساهمة الفكون في باب التصوف إذن مساهمة كبيرة، سواء نظرنا إليه كمنتج أو ناقد لأصحابه.
وحوالي سنة ١٠٤٠ أكمل أبو الحسن علي بن عبد الرحمن البجائي شرح رسالة في التصوف سماها (محجة القاصدين وحجة الواجدين). شرح به رسالة عبد العزيز المهدوي المسماة (الرسالة المحتويه على إشارات أهل الدلالة). ورتب الشرح على مقدمة جعلها فيما ينبغي أن يكون عليه طالب طريق القوم، وأربعة أقسام، الأول في كلام الشيخ عبد العزيز المهدوي،
стр. 659
والثاني في بيان بعض كلام العارفين. والثالث في شرح بعض الأحاديث النبوية المتصلة بالموضوع، والأخير في شرح بعض الآيات أيضا (١)، وقد أجهد علي البجائي نفسه في هذا العمل حتى وصل في الشرح إلى ١٧٩ ورقة، ورغم أننا لا نعرف له أعمالا أخرى في هذا الباب فإنه بهذا العمل قد برهن على اتقان صناعة التأليف في التصوف ومستلزماتها.
أما عبد الله بن عزوز التلمساني المعروف أيضا بالمراكشي السوسي، فقد ألف تقييدا في التصوف بعنوان (تنبيه التلميذ المحتاج) وهو في الجمع بين الشريعة والطريقة والحقيقة (٢)، ويبدو من العنوان أن ابن عزوز كان من أنصار الجمع بين التصوف والفقه أو من الذين يجمعون بين علم الظاهر وعلم الباطن، ومما جاء في مقدمته قوله: (وبعد فقد اختلج في صدري أن أصنف هذا الكتاب في الجمع بين الشريعة والطريقة والحقيقة وفي الرد على من أحدث فيها ما ليس منها على مذهب الصوفية .. فإن أعظم العلوم مقاما .. هو العلم الجامع بين الشريعة والطريقة والحقيقة الكفيل بأسرار اللهوت، والكاشف عن أسرار الجبروت ..) وقد جعله في سبعة فصول هي:
١ - في فضائل العلم بالشريعة.
٢ - في فضائل العلم بالطريقة.
٣ - في فضائل العلم بالحقيقة. .
٤ - في الرد عل من بدع في الشريعة ما ليس فيها من أقوال وأفعال وأحوال.
٥ - في الرد على من بدع في الطريقة ما ليس فيها.
٦ - في الرد على من بدع في الحقيقة ما ليس فيها.
٧ - في صفة أخلاق الجامع بين الشريعة والطريقة والحقيقة وأقواله وأفعاله وأحواله (٣).
стр. 660
ولابن عزوز أيضا مؤلفان آخران حول نفس الموضوع تقريبا أولهما سماه (إظهار البدع وأرهاط المبتدعة)، وقد نادى فيه بنبذ البدع والعودة إلى الكتاب والسنة. وقال: (إن البدع في هذا الزمان لا نهاية لها، لكنهم (كذا) منحصرون في اثنين وسبعين بدعة، وكل بدعة عملت فرقة وافترقت بهذه الأمة على اثنين وسبعين فرقة كلهم ظالمين مضلين يدعون إلى النار، وأصل هذه البدع هم أربعة طوائف: طائفة بعض المؤلفين وطائفة الفقراء المدعون (كذا) الولاية بالوهم وطائفة الملوك المتجبرين، وطائفة القضاة الباغون (كذا)). ثم أوضح ما ابتدعته كل طائفة بالتفصيل وأنكر عليهم أفعالهم جميعا (١).
أما مؤلف ابن عزوز الثاني فهو (نور الحياة فيما يجب للخالق على المخلوقات وفي كيفية النظر والتفكير في خلق الأرض والسماوات). وقد جاء فيه (وبعد فإن أعظم العلوم مقاما .. هو العلم بما يجب لله الخالق البديع على مخلوقاته ومصنوعاته. وقد اختلج في صدري وخطر في روعي أن أصنف هذا الكتاب. وأجعله ثلاثة أبواب وإحدى وعشرين فصلا، في كل باب سبعة فصول). والأبواب الثلاثة هي:
١ - في معرفة الله الخالق البديع.
٢ - في عبادة الله التي تجب للخالق.
٣ - في كيفية النظر والتفكر في مصنوعات الصانع، وأهم نقاط الكتاب هي: عقائد العامة، وعقائد الخاصة، وعقائد الأولياء، ثم عقائد خاصة الخاصة ثم الشهادتان والصلاة والزكاة والجهاد والتفكر في الروح والنفس، وصورة الإنسان .. الخ (٢).
стр. 661
وقد عد له بروكلمان ثلاثة مصنفات أخرى في التصوف وهي: (لباب الحكمة) الذي تناول فيه علم الحروف وأسماء الله الحسنى، و (الأجوبة النورانية)، و (أثمد البصائر في معرفة حكم المظاهر). وذكر له بروكلمان أيضا كتابا آخر مرة في باب الطب ومرة في باب التصوف وهو (ذهاب الكسوف ونفي الظلمة في علم الطب والطبائع والحكمة) (١)، ومن هذه الكتب ندرك أن ابن عزوز كان ماهرا في عدة علوم، وليس في التصوف وحده.
وهذا الموضوع (الجمع بين التصوف والطب) قد عالجه أيضا أحمد بن ساسي البوني ومحمد بن أحمد الشريف الجزائري. وليس من سبيل هنا لإحصاء كتب البوني التي تعالج هذا الموضوع، فقد عرفنا أن مؤلفاته تزيد على المائة في مختلف العلوم، وحسبنا الإشارة إلى ما اطلعنا عليه. فقد ألف عملا سماه (إعلام أهل القريحة في الأدوية الصحيحة) وآخر سماه (مبين المسارب في الأكل والطب مع المشارب) وسنعود إلى هذين الكتابين في فصل العلوم، أما ما يعنينا منه هنا فهو كتابه (تلقيح الأفكار بتنقيح الأذكار) ويبدو أن هذا هو جزء فقط من عمل آخر له اسمه (حط الوراد على حب الأوراد) (٢). وللبوني أيضا كتاب في التصوف سماه (المجالس) وهو عبارة عن واحد وخمسين مجلسا للوعظ والارشاد، وكل مجلس يبدأ هكذا. (الحمد لله الذي ..) وفي النص تتكرر عبارة (إخواني)، وفيه أشعار يبدو أنها للمؤلف مسوقة للتسلية أيضا والعبرة، والنص مسجع في أغلبه، وفي الكتاب حكايات وأمثال وأدعية، وفيه ينهى المؤلف عن شرب الخمر والدخان ومجالس اللهو واتباع الهوى. وقد عرض فيه بالعثمانيين وميلهم إلى المجون والعبث حيث ذكر أن بعض الشباب قد خرجوا من (دار بعض الأتراك وهم سكارى يتمايلون وقد خلعت عنهم خلع الأستار) (٣).
стр. 662
أما محمد بن أحمد الشريف الجزائري فقد عالج موضوع الطب والتصوف من خلال الحديث النبوي على الخصوص، فهو الذي ألف (المن والسلوى في تحقيق معنى حديث لا عدوى). ولكن معظم مصنفاته الأخرى تعالج موضوع التصوف والفقه. من ذلك (الدر المعنوي في شرح حزب النووي). وقد اشتمل الحزب على أذكار وأدعية. وقدم محمد الجزائري إلى شرحه بثلاث فوائد الأولى في آداب الذكر والدعاء، والثانية في فضائلهما، والثالثة في التعريف بمؤلف الحزب، ووعد أنه سيجعل نص الحزب في متناول الناس بعدما أصبح غامضا عند البعض. وقد ختم عمله بهذا الدعاء الذي كان يعرض فيه بما كان يجري في وقته، والذي قال إنه مناسب (لدفع ما حدث في هذه الأيام من الكدر). والدعاء هو (اللهم استر عوراتنا، وأمن روعنا، اللهم منزل الكتاب، مجرى السحاب، هازم الأحزاب، اللهم منزل الكتاب، سريع الحساب، اهزم الأحزاب، اللهم اهزمهم وزلزلهم .. اللهم إنا نعوذ بك من أن يفرط علينا أحد أو يطغى) (١) الخ، ومن مؤلفات محمد الجزائري في التصوف أيضا (استجلاب المسرات بشرح دلائل الخيرات) و (تعمير الوقوت بسمع ما قيل في دعاء القنوت)، وله في هذا المعنى حوالي عشرة مؤلفات بين مختصر ومطول ذكرها في إجازته التي أتينا عليها (٢).
وهناك محمد بن سعيد الهبري الذي كتب (أجوبة ورسائل ونصائح وتفسير بعض كلام الأيمة وتفسير ما أشكل من كلام أهل الحقيقة). وكان
стр. 663
الهبري قد ولد بمستغانم ورحل إلى المغرب وتونس وطرابلس بحثا عن صاحب الوقت. وأدركته الوفاة بطرابلس سنة ١٠٩٣. والظاهر أن الهبري كان يبحث عن ضالته الصوفية خارج الجزائر. وما زلنا لم نطلع على عمله المذكور لنعرف منه مستواه الثقافي وأهدافه العلمية (١).
ولابن الترجمان رسالة في فضل الصلاة على النبي ﷺ . وهي بدون عنوان ومرتبة على أبواب وفصول مثل باب في الصلاة عليه، وباب في محبته، وباب في حياته الخ. وينقل حمدان بن الترجمان عن مشائخ من المغرب والمشرق. ومن مشائخه الجزائريين بركات بن باديس القسنطيني الذي يسميه (شيخنا) وأحمد بن ساسي البوني، وهو ينقل خصوصا من كتاب شيخه البوني (تلقيح الأفكار)، الذي أشرنا إليه، كما ينقل عن زعيمي مدرسة التصوف والزهد في الجزائر: محمد بن يوسف السنوسي وعبد الرحمن الثعالبي (٢)، كما قام أحمد بن مزيان بوضع رسالة في الصلاة على النبي ﷺ حاز بها، كما يقول الورتلاني (قصب السبق)، كما خمس البردة، وكان صوفيا متمكنا.
وقد حشا الورتلاني رحلته بأحاديث طويلة عن التصوف وأهله، سواء في جولاته بالجزائر أو في تنقلاته في المشرق، وبالإضافة إلى ذلك ألف الورتلاني عدة تآليف تضمنت معلومات طيبة عن التصوف، من ذلك شرحه على القدسية الذي أشرنا إليه في الشروح، وتأليفه المسمى (شوارق الأنوارفي تحرير معاني الأذكار) (٣)، وللورتلاني أيضا رسالتان أشار إليهما في
стр. 664
الرحلة، الأولى في قول بعض الأولياء (وقفت على ساحل وقفت الأنبياء دونه) المنسوب لأبي الحسن الشاذلي والثانية في قول بعض الأولياء أيضا (نسجت برنسا من ماء) المنسوب لأحمد بن يوسف الملياني، ومن جهة أخرى ذكر الورتلاني في الرحلة أنه بينما كان في المدينة المنورة طلب منه الشيخ عبد الكريم السمان كتابة شرح على صلاة وضعها، وقد قام الورتلاني بهذه المهمة (١). يضاف إلى ذلك مدائح الورتلاني النبوية مثل قصيدته الميمية التي بلغ فيها خمسمائة بيت، وتشطيره لبردة البوصيري، وهكذا أسهم الورتلاني في ميدان التصوف تأليفا وسلوكا، وقد عرفنا أنه كان صاحب كلمة مسموعة في قومه وأنه كان يعتبر نفسه من الأشراف الواضحين.
أسهم محمد بن عبد الرحمن الأزهري الجرجري بدوره في إعلاء صرح التصوف في الجزائر، كما أسهم أتباعه في ذلك بالتأليف ونحوه. ومن أعمال الأزهري شرحه على رسالة عبد الله الرفاعي المسماة (قوته قولي) (٢). وقد أشرنا إلى رسائل الأزهري عن التصوف التي أرسلها من القاهرة إلى تلاميذه وأتباعه، وهي رسائل عن أهل الدائرة وأهل التصريف والغوث ومراتب القطابة، الخ .. وهذه الرسائل تشتمل أيضا على بعض رسائل أصحابه الموجهة من أسرة أولاد عزوز بتونس وأولاد علي بن عمر بالجزائر (٣)، وقد ألف مقدمو الطريقة الرحمانية وزعماؤها أعمالا في التصوف أيضا. من ذلك أرجوزة الشيخ محمد بن عزوز البرجي، التي شرحها بنفسه وسماها (رسالة المريد)، ورسالة الشيخ علي بن عمر الطولقي المعروفة باسم (فاكهة الحلقوم في نبذة قليلة من أحوال القوم) (٤). كما أن عبد الرحمن باش تارزي، مقدم
стр. 665
الطريقة الرحمانية وقاضي قسنطينة، قد نظم قصيدة في التصوف (١)، أوضح فيها مبادئ وقواعد الطريقة الرحمانية، وهذه القصيدة، التي تعرف (بالمنظومة الرحمانية)، هي التي شرحها ابنه مصطفى باش تارزي.
وكثرت الرسائل الصوفية مع أوائل القرن الثالث عشر (١٩ م) على يد العلماء ورجال الطرق بعد أن غني هذا الاتجاه بانتشار طريقتين جديدتين هما الرحمانية والتجانية، وبعد ثورة الطريقة الدرقاوية، كما أن أتباع الطريقة الحنصالية والزيانية والقادرية قد نشروا قواعدهم وعقائدهم في رسائل وقصائد وكتب صوفية، وليس بوسعنا هنا الإلمام بكل ذلك وضرب الأمثلة عليه، ومن المعروف أن الشيخ محمد بن عبد الله الزجاي قد اعتنق طريقة الجنيد في فاس وأنه ألف عدة كتب في التصوف منها (المرائي المكية في آداب الطريق والأدعية)، وتأليف آخر في شرح أسماء الله الحسنى (٢). وتنسب إلى المفتي محمد بن الشاهد قصيدة توسلية (وقد كان شاعرا مجيدا) مطلعها: بأسمائك الحسنى فتحت توسلي ... ومنك رجوت العفو اسمى مطالبي ويمكن أن نضيف إلى هذا الموضوع القصائد التي رثي أو مدح بها أصحابها الأولياء والصلحاء والتوسل بها، وفي هذا الباب نذكر قصيدة محمد بن أحمد بن مالك في رثاء الثعالبي: أيا جيرة حلوا بخير مقام ... لكم قد سما قلبي وطاب مقامي (٣)
стр. 666
ومن الواضح أن إنتاج الجزائريين في التصوف، بجميع فروعه وفنونه، لو جمع ودرس لجاء في مجلدات، ويظهر أن بعض هذا الإنتاج قد تناول قضايا التصوف العامة، كما عرفها العالم الإسلامي على اتساع أطرافه، وبعضه قد تناول قضايا إقليمية خاصة كأصول بعض الطرق وتصرفات بعض المتصوفة، والتأليف في بعض الأولياء والصلحاء، ولكن الجميع يكشف عما وصل إليه الفكر الجزائري الفلسفي والصوفي خلال العهد العثماني، ونود أن نلاحظ من جهة أخرى أن الإنتاج الذي تناول التصوف من الناحية الفلسفية وعلاقته الخاصة بالتشريع والفقه، وبالعلوم الدنيوية، يعتبر إنتاجا قليلا، ومهما كان الأمر فإن علاقة التصوف والتوحيد علاقة وطيدة ب المنطق أيضا، ولذلك يجب أن نعالج هذه النقطة الآن.
المنطق:
إذا حكمنا على إنتاج الجزائريين في علم المنطق مما وجدنا لهم منه فإنه إنتاج قليل بل نادر، فباستثناء عمل علماء القرن التاسع (١٥ م)، أمثال ابن القنفذ والسنوسي والمغيلي فإن ما بقي منسوبا إلى علماء العهد العثماني يكاد يعد على أصابع اليد الواحدة، وفي نظرنا أن هذا النقص في علم هام كعلم المنطق، يعود إلى سببين رئيسيين الأول صعوبة هذا العلم، لأنه يتطلب الاطلاع الواسع على كتابات الأولين والأجانب والإضافة عليها ونقدها، ولثاني طغيان علم التصوف على الجزائريين، كما رأينا، وهو علم حدا بأصحابه، ولا سيما الذين بالغوا فيه، إلى الاكتفاء بعلوم الباطن واعتبار علم المنطق من علوم الظاهر التي قد تؤدي إلى الكفر والإلحاد والزندقة. حقا ان بعض المدرسين قد اشتغلوا بالمنطق كسعيد قدورة، كما اشتغل به بعض العلماء أمثال ابن حمادوش، ولكن قيمة علم المنطق ظلت مجهولا أو معدومة إلى جانب قيم العلوم الأخرى، والغريب أن بعض العلماء قد غلب عليهم المنطق وادعوا التفوق فيه، كما أخبر بذلك عبد الكريم الفكون عن
стр. 667
الشيخ علي الغربي بقسنطينة في القرن العاشر (١٦ م)، ومع ذلك فقد كان علي الغربي من المفتين والقضاة وأهل الشورى (١)، وقد سبق القول إن يحيى الشاوي قد اضطر إلى مماشاة شيخه عيسى الثعالبي عدة مراحل حتى يتعلم عليه علم المنطق إلى أن حذقه عليه (٢).
ويعتبر عبد الرحمن الأخضري أبرز من ألف في المنطق خلال العهد العثماني، ولم تقتصر شهرة الأخضري على تأليفه هو، نظما وشرحا، ولكن على ما جذب إليه من اهتمام العلماء الآخرين لشرح ودراسة عمله في المنطق، وقد ظلت أعمال الأخضري في هذا الميدان حية ومدروسة إلى هذا القرن، ومن جهة أخرى كان عمل الأخضري في المنطق موضع اهتمام علماء المسلمين في المغرب والمشرق والسودان والهند، كما أنه من الأعمال المطبوعة المتداولة، ومن الواضح أن الأخضري يجيد علم المنطق ولكنه نجح في اختصار قواعده وتوضيحها في متنه المعروف بـ (السلم المرونق)، وفي شرحه الوافي والسهل عليه وهو الشرح الذي أصبح عمدة الأستاذ والتلميذ على حد سواء، وهكذا نجد أنفسنا أمام عمل خالد فرض نفسه على الدراسات المنطقية حوالي أربعة قرون، ومن أواخر من ترجمه ودرسه وقدمه للقراء الأجانب، المستشرق الفرنسي لوسياني في أوائل هذا القرن (٣).
نظم الأخضري وشرح (السلم المرونق) وهو ابن إحدى وعشرين سنة فقط، حسب قوله:
ولبني إحدى وعشرين سنة ... معذرة مقبولة مستحسنة
стр. 668
وبلغ الرجز وحده مائة وثلاثة وأربعين بيتا، وأوضح فيه أن دراسة المنطق قد تتناقض في الظاهر مع دراسة الدين، ولكنه دافع عن ذلك وأثبت أن لا تعارض ولا تناقض، رغم أن دراسة غير الحذر قد يؤول به الأمر إلى الشك. وقسم الأخضري المعرفة إلى قسمين معروفين: التصور والتصديق، والفكرة البسيطة المدركة بالبداهة والفكرة المعقدة التي لا تدرك إلا بعد استعمال العقل والنظر، وقد نجح في توضيح أسباب الخطأ في التعليل وغير ذلك من القضايا المتصلة بهذا العلم، ولأهمية السلم قارنه لوسياني (بحديقة الجذور الإغريقية) (Jardin des racines Grecques) لكلود لانسلو، كما قارنه حاجي خليفة بعمل إيساغوجي (١).
وقد تبارى العلماء في شرح السلم والتعليق عليه، من ذلك شروح إبراهيم الباجوري، ومحمد الأنبابي، ومحمد البناني وسعيد قدورة، والذي يهمنا الآن هو الشرح الأخير، ويعتبر بعضهم أن قدورة تتلمذ على الأخضري، وهو بعيد، لأن المشهور أن الأخضري قد توفي سنة ٩٥٣ عن اثنين وثلابين سنة، بينما توفي قدورة سنة ١٠٦٦. (ونحن لا نعرف تاريخ ميلاده، ولكنه بدون شك كان أواخر القرن العاشر)، فالأخضري كان، كما يغلب على الظن شيخ شيوخ قدورة، كما أنه كان شيخ شيوخ عبد الكريم الفكون (٢).
وعلى كل حال فقد عمد قدورة إلى وضع حاشية على السلم بدأها هكذا (الحمد لله الذي علم الإنسان من حقائق التصورات ما لم يكن يعلم، وأطلعه على دقائق التصديقات الموصلة إلى طريقة الرشد)، وكان قدورة، الذي عرفنا أنه كان من علماء الظاهر والباطن، يمهد بذلك لإقناع من قد
стр. 669
يعترض على التأليف في علم المنطق، فقد برر عمله بأن الأخضري في شرحه على السلم قد أغفل بعض الأمور التي يجب التنبيه عليها. وبكل تواضع قال قدورة إن عمله لا يعدو أن يكون (مضافا لشرح المصنف (الأخضري) كالتذييل لما أغفله الناظم في شرحه، مظهرا لمقاصده، ومستخرجا، بعض فوائده)، وسار قدورة في شرحه هذا على النهج الذي سلكه في شروحه الأخرى الفقهية وغيرها في تفسير ألفاظ المتن والاستشهاد لذلك بالقرآن والحديث والأشعار، ثم تفسير الألفاظ بلاغيا ونحويا، وأخيرا تفسير المعاني المقصودة من وضع التأليف كله، وهو ينقل في ذلك عن سابقيه أمثال السنوسي والمغيلي وسعيد العقباني (١) وجاء في رحلة ابن زاكور أن أبا عبد الله بن خليفة له شرح أيضا على سلم الأخضري (٢).
وبعد حوالي قرن من وفاة قدورة جاء عبد الرزاق بن حمادوش لا ليشرح السلم ولكن ليعود إلى مختصر السنوسي في المنطق ويشرحه، وقد سمي ابن حمادوش عمله بـ (الدرر على المختصر). وهو يقع، كما أخبر بنفسه، في حوالي تسع وسبعين ورقة، (ثماني كراريس). وقد أشاد به واعتبره من أهم تآليفه، وكان ابن حمادوش قد قرأ، عندما كان في المغرب، مختصر السنوسي في المنطق على الشيخ أحمد بن المبارك وأجازه به، كما أنه قد صححه في الجزائر على العالم المغربي أحمد الورززي عند زيارة هذا للجزائر سنة ١١٥٩، وقد أعطاه الورززي شهادة بذلك تدل على براعة ابن حمادوش في معالجة هذا الموضوع، وشهد لابن حمادوش على ذلك أيضا عدد من علماء الجزائر منهم عبد الرحمن الشارف وأحمد بن عمار، وكان ابن عمار معروفا بعلمه ومروءته، وعند تقريظه لكتاب (الدرر) أعلن ابن عمار أنه كتاب صغير الحجم كثير الفائدة وأجاز قراءته وشجع عليه، وكان تقريظه له شعرا ونثرا:
стр. 670
هنيئا هنيئا أيا مختصر ... بشرح بديع جموع أغر
وكان ابن حمادوش قد اعتز بهذه الآراء وسجلها في رحلته بشيء من الإعجاب (١).
ومن أواخر من ألف في المنطق في العهد العثماني، أبو راس الناصر، وعبد العزيز الثميني، فقد ذكر أبو راس أن له شرحا على سلم الأخضري سماه (القول المسلم في شرح السلم)، ولعل له غيره في المنطق أيضا. فقد كان عالما بشؤون الدين والدنيا كما عرفنا، وذكر في رحلته (فتح الإله ومنته) تآليفه مبوبة، واطلعنا على ذلك وسجلنا له الكتاب المذكور في المنطق، غير أنه لا يستبعد أن يكون له غيره مما لم نسجله (٢). أما الثميني فقد وضع شرحا على (مرج البحرين) لأبي يعقوب يوسف بن إبراهيم الورجلاني. وقد سمي الثميني شرحه (تعاظم الموجين في شرح مرج البحرين) (٣)، وقد بدأ شرحه بهذه العبارة الهامة كفاتحة (نحمدك يا من نطقت بآيات وجوب وجوده أجناس الكائنات ..) وقد عرفنا أن كلا من أبي راس والثميني لم يكونا من علماء التصوف، وهذا يتماشى مع اهتمامهما بعلم المنطق.