درَّةُ الضَّرْعِ لحَدِيث أم زَرع
تأليف
مُحَمَّد بن عبد الْكَرِيم بن الْفضل الرَّافِعِيّ الْقزْوِينِي الْمُتَوفَّى ٥٨٠ هـ (*)
ضبط نَصه وعلق عَلَيْهِ
مَشْهُور حسن سلمَان
دَار ابْن حزم
стр. 2
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
[المقدمة]
الحمد لله مبدع الأصل والفرع، الممتن بعد الإبداع بالضرع والزرع؛ والصلاة على رسوله محمدٍ المخصوص بأوسع الذرع، واتبع الشرع، وبعد:
فهذه (درة الضرع لحديث أم زرع) أسأل اللَّه أن ينفع بها من يراجعها، ويقف عليه ويطالعها.
стр. 3
نص الحديث
قَرَأْتُ عَلَى الإِمَامِ وَالِدِي ﵀ سَنَةَ ثلاث وستين وخمسمائة: أَخْبَرَكُمُ الْحَسَنُ الْغَزَّالُ، أَنْبأَ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الزِّيَادِيُّ، أَنْبَأَ عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ الْخُزَاعِيُّ، أَنْبَأَ الْهَيْثَمُ بْنُ كُلَيْبٍ، ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى، ثَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ، أَنْبَأَ عِيسَى بْنُ يُونُسَ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَخِيهِ عبد الله بن عروة عن عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: جلست إحدى عشرة امرأة فتعاهدن وَتَعَاقَدْنَ أَنْ لا يَكْتُمْنَ مِنْ أَخْبَارِ أَزْوَاجِهِنَّ شَيْئًا:
قَالَتِ الأُولَى: زَوْجي لَحْمُ جملٍ غَثٍّ عَلَى رَأْسِ جبلٍ وَعِرٍ، لا سهلٍ فَيُرْتَقَى، وَلا سمينٍ فَيُنْتَقَى أَوْ يَنْتَقِلُ.
قَالَتِ الثَّانِيَةُ: زَوْجِي لا أَبُثُّ خَبَرَهُ، إِنِّي أَخَافُ أَنْ لا أذره، إن أذكره أذكر عجره وبجره.
عيسى بن يونس.
وآخرون رووه عن هشام عن أبيه من غير إِدْخَالُ عَبْدِ اللَّهِ بَيْنَهُمَا، كَمَا ذَكَرْنَا فِي رِوَايَةِ أَبِي عُبَيْدٍ مِنْهُمْ: أَبُو مُعَاوِيَةَ، وَأَبُو أُوَيْسٍ، وَعُقْبَةُ بْنُ خَالِدٍ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي الزِّنَادِ، وَعَبْدُ الْعَزِيزِ الدَّرَاوَرْدِيُّ، وَإِدْخَالُهُ بَيْنَهُمَا أَصَحُّ.
وَكَمَا وَقَعَ الاخْتِلافُ فِي الإِسْنَادِ وَقَعَ في المتن.
стр. 9
الكلام على رفعه ووقفه
فَمِنْهُمْ مَنْ وَقَّفَ بَعْضَهُ عَلَى عَائِشَةَ وَرَفَعَ بَعْضَهُ، كَمَا فِي الرِّوَايَةِ الْمَسْبُوقَةِ أَوَّلا.
وَمِنْهُمْ مَنْ رَفَعَ الْجَمِيعَ: فَعَنْ مُوسَى بْنِ إِسْمَاعِيلَ عن سعيد بن سلمة بْنِ أَبِي الْحُسَامِ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَخِيهِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قال رسول الله ﵌: (كنت لك كأبي زرعٍ لأم زرع)، ثُمَّ أَنْشَأَ يُحَدِّثُ بِحَدِيثِ أُمِّ زَرْعٍ وَصَوَاحِبِهَا، وحكى أولاً قول التي قالت: زوجي عياياء، والتي
قالت: زوجي لحم جمل عث، وَالَّتِي قَالَتْ: زَوْجِي الْعَشَنَّقُ، وَالَّتِي قَالَتْ: زَوْجِي إذا شرب اشتف، والتي قالت: زَوْجِي لا أَبُثُّ خَبَرَهُ. قَالَ عُرْوَةَ: هَؤُلاءِ خَمْسٌ يَشْكُونَ.
فِي غَيْرِ هَذِهِ الرِّوَايَةِ: اجْتَمَعَ نِسْوَةٌ ذَوَامٌّ وَنِسْوَةٌ مَوَادِحٌ لأَزْوَاجِهِنَّ بِمَكَّةَ، وَكَانَ الْمَوَادِحُ سِتًّا وَالذَّوَامُّ خَمْسًا.
стр. 10
عَنِ الزُّبَيْرِ بْنِ بَكَّارٍ - بِرِوَايَاتٍ مُخْتَلِفَةٍ - قَالَ: حَدَّثَنَيِ مُحَمَّدُ بْنُ الضَّحَّاكِ الْخُزَامِيُّ، عَنْ عَبْدِ العزيز بن محمد الدراوردين عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عائشة قالت: دخ علي رسول الله ﵌ وَعِنْدِي بَعْضُ نِسَائِهِ، فَقَالَ: (يَا عَائِشَةُ، أَنَا لَكِ كَأَبِي زَرْعٍ لأُمِّ زَرْعٍ) قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَمَا حَدِيثُ أَبِي زَرْعٍ لأُمِّ زَرْعٍ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﵌: (إِنَّ مِنْ قريةٍ مِنْ قُرَى الْيَمَنِ كَانَ بِهَا بَطْنٌ مِنْ بُطُونِ أَهْلِ الْيَمَنِ، وَكَانَ مِنْهُنَّ إِحْدَى عَشْرَةَ امْرَأَةٍ، وَأَنَّهُنَّ خَرَجْنَ إلى مجلس من مجالسهن، فقال بعضهم لِبَعْضٍ: تَعَالَيْنَ، فَلْنَذْكُرْ بُعُولَتَنَا بِمَا فِيهِمْ وَلا نَكْذِبُ، فَقِيلَ لِلأُولَى: تَكَلَّمِي، فَقَالَتِ: اللَّيْلُ لَيْلُ تِهَامَةَ وَالْغَيْثُ غَيْثُ غَمَامَةٍ وَلا حَرٌّ وَلا قُرٌّ.
قَالَتِ الثَّانِيَةُ - وَهِيَ عَمْرَةُ بِنْتُ عُمَرَ وفي اسم الرابعة فَهَذِهِ بِنْتُ أَبِي هَزُومَةَ وَزَادَ فَقَالَ اسْمُ أم زرع عاتكة.
стр. 11
أسماؤهن
وأعلم أنه حكى عن ابن دريد أسماؤهن مرتبة على رواية عيسى بن يونس المذكورة أولا، وفي ترتيبهن في الروايتين تفاوت بين:
- التي قالت: زوجي لحم جمل غث! هي الأول في تلك الرواية، والرابع في الرواية الأخيرة.
- والتي قالت: زوجي لا أبث خبره! هي الثانية في تلك الرواية، والتاسعة في الرواية الأخيرة.
فلا يصح أخذ أسمائهن على ذلك الترتيب، من المذكور في الرواية الأخيرة، بل ينبغي أن يقال اسم واحدة منهن كذا وواحدة كذا، أو ينظر في الترتيبين، فيطبق أحدهما على الأخرى ويقضى بموجبه.
стр. 12
قول الأولى
قولها: لحم جملٍ غث: أي مهزول، يقول: غثثت يا جمل تغث، وغثثت تغث غثاثة وغثوثة، وأغث اللحم أيضا.
الوعر: الذي لا يوصل إليه إلا بتعب ومشقة.
والانتقاء: استخراج النقي من العظم، وهو المخ! وذكر أن المقصود هاهنا هو الشحم وأنه يجوز أن يكون المعنى: أنه يرغب فيه ويختار، يقال: انتقيت الشيء أي تخيرته. والانتقال بمعنى التناقل، كالاقتسام بمعنى التقاسم! وقيل: انتقل ونقل واحد أي ليس بسمين يرغب الناس فيه ويتناقلونه إلى بيوتهم. وينتقي وينتقل روايتان مشهورتان، وقد يجمع بينهما على الشك.
غرض المرأة وصف زوجها بقلة الخير، وبعده مع القلة، وشبهته باللحم الغث الذي لا نقي فيه، أو الذي
стр. 13
لا ينتقله الناس إلى بيوتهم، لزهدهم فيه، ومع ذلك هو على رأس جبل صعب لا يوصل إليه إلا بتعب.
وقولها: (لا سهل فيرتقي)، من صفة الجبل! وقولها: (ولا سمين فينتقى أو ينتقل)، م صفة اللحم.
ذكر الخطابي أنها أشارت ببعد خيره إلى سوء خلقه، وترفعه بنفسه تيهاً، وأرادت أنه مع قلة خيره يتكبر على عشيرته وأهله، وبقولها: (ولا سمين فينتقل) إلى أنه ليس في جانبه طرف وفائدة، يحتمل بذلك سوء عشرته له.
ويروى بدل لحم جمل غث: لحم جمل قحر، وهو المسن المهزول.
قَالَ أبو بكر بن الأنباري: ويروي (على رأس قوز وعث) القوز: رمل مرتفع يشبه الرابية، والجمع أقواز والوعث الذي لا تثبت القدم فيه لسيلانه وسهولته.
стр. 14
ذكر في (الصحاح) أن القوز: الكثيب الصغير.
ويروي مع ذلك (ليس بلبد فيتوقل) واللبد: المستمسك الذي ليس هو بسائل ولا منهال، والتوقل: الإسراع في المشي، يقال: توقل الوعل في الجبل.
стр. 15
قول الثانية
قول الأخرى: زوجي لا أبث خبره، أي لا أظهره ولا أشيعه.
والعجر: جمع عجرة، وهي العقد في الأعصاب والعروق المجتمع تحت الجلد.
والبجر: جمع بجرة، وهي انتفاخ يحصل في البطن والصرة، يقال منه: رجل أبجر وامرأة بجراء! وقيل: العجر في الظهر خاصة، والبجر في البطن! وقيل: العجر في الجنب والبطن، والبجر في السرة.
وغرضها أني لا أنشر خبره كيلا يفتضح.
стр. 16
ومرجع الكناية في قولها: (أن لا أذره) فيه قولان:
- أحدهما: أنها ترجع إلى الخبر، والمعنى: إني أخاف أن لا أقطع لكثرة عيوبه، وسعة مجال المقال، وقيل: معناه لا أترك منه شيئا.
- الثاني: أنها ترجع إلى الزوج، أي هو مع كونه حقيقا بالمفارقة أخاف أن لا أفارقه لما بيننا من العلق والأسباب.
وبالأول قَالَ ابن السكيت، ويشهد له روى في بعض الروايات أنها قالت بعده: (ولا أبلغ قدره).
стр. 17
وأرادت بالعجر والبجر: عيوبه الباطنة وأسراره.
يروى أن عليا ﵁ لما رأى طلحة ﵁ صريعا قَالَ: (إلى اللَّه أشكو عجري وبجري) يريد همومي وأحزاني.
стр. 18
قول الثالثة
زوجي العشنق العشنق: الطويل وقيل الطويل العنق يريد أن له طولا بلا نفع ومنظرا بلا مخبر فإن نطقت بما فيه طلقها وإن سكتت تركها معلقة لا كذوات الأزواج ولا كالأيامى.
ويروي بعد ذلك: (على حد سنان مذلق) والمذلق المحدد أي لقيت معه على حد سنان.
عن إسماعيل بْن أبي أويس وغيره أن العشنق المقدام الشرس وعلى هذا فما بعده بيان له وحكى
стр. 19
أبو بكر بن الأنباري عنه أن العشنق القصير ونسب فيه إلى التصحيف وذكر أنه إنما قَالَ الصقر المقدام الجريء.
стр. 20
قول الرابعة
قول الرابعة: زوجي كليل تهامة. . . إلى آخره.
تهامة: ما نزل عن نجد من بلاد الحجاز.
والقر والقرة: البرد، ويقال: قررت، أي: أصابني البرد، والسآمة: الملال.
وليل تهامة طلق ى يؤذي بحر ولا برد، فشبهته به في خلوه من الأذى والمكروه.
وقولها: ولا حر ولا قر قيل معناه: ولا ذو حر ولا قر، كما يقال: فلان عدل، أي ذو عدالة. وقيل: يحتمل أن تريد لا حر فيها ولا قر.
قولها: ولا مخافة ولا سآمة! أي: ليس فيه خلق أخاف بسببه منه، أو ساء مني أو أساء منه.
ويروى: (ولا مخافة ولا وخامة)، والوخامة: الثقل، يقال: طعام وخيم أي ثقيل، وزاد بعضهم: (ولا يخاف خلفه ولا أمامه).
стр. 21
قَالَ ابن الأنباري: معناه إن ساكني تهامة لا يخافون من خلفهم ولا أمامهم لامتناعهم بالجبال وتحصنهم فيها.
стр. 22
قول الخامسة
قول الخامسة: زوجي إن دخل فَهِدَ! أي: كان كالفهد قيلك وصفته بلين الجانب، لأن الفهد لين المس، كثير السكون، وقيل: وصفته بالنوم والتغافل والفهد كذلك، والمعنى: أنه يتغافل عن أحوال البيت، وإن وجد فيها خللا استحق اللوم به أغضى.
وأَسِد: وأستأسد، أشبه الأسد في الإقدام.
قولها: ولا يسأل عما عهد! أي: هو كريم لا يسأل عما ترك في البيت من زاد وطعام.
ويروي بعده: (ولا يرفع اليوم لغد)، وهو من القوة والكرم أيضا.
وعن إسماعيل بْن أبي أويس أنها أرادت بقولها: (إن دخل فهد) أنه يثب عليها وثبة الفهد وسريع الوثب.
стр. 23
قَالَ الشارحون: وعلى هذا فهذه المرأة ذمت منه شيئا، ومدحت شيئا. ويجوز أن يقال: كنت به عن قوة مجامعته، أو سرعة رغبته فيها وفي معاشرتها.
ويروى: (أن دخل أسد وإن خرج فهد) على العكس مما سبق، قالوا: وهذا ذم، وعلى هذا فقد روى: (ولا يسأل عما عهد) أي: لا يكلم لسوء خلقه، ويجوز أن يحمل (إن دخل أسد) على شدة طلبه لها وتعلقه بها (وإن خرج فهد) على غفلته عن غيرها، فيخرج عن أن يكون ذما.
стр. 24
قول السادسة
قول السادسة: زوجي إن أكل لف، أي: ضم وخلط صنوف الطعام بعضها ببعض، إكثارا من الأكل، يقال: لف الكتيبة بالأخرى إذا خلط.
ويروى (أن أكل رف) قَالَ ابن الأنباري: يقال: رف يرف أي أكل، ورف يرف أيضا امتص، والوجه الحمل على المعنى الثاني، وفيه وصف بالشره والخسة، وقيل: (رف) أي أكل كثيرا.
قولها: وإن شرب اشتف، أي: استقصى ولم يسئر فيه سؤراً، والشفافة: بقية الشراب في الإناء،
стр. 25
فالاشتفاف: شرب تلك البقية! تصفه بالشره وقلة الشفقة عليها.
قولها: وإن اضطجع التف، أي: ينام ناحية ملتفا بثوبه، لا يضاجعني ولا يتحدث معي.
أما قولها: ولا يولج الكف ليعلم البث، فالبث: أشد الحزن الذي تباثه، ثم فيه قولان:
- قَالَ أبو عبيد: أحسبها كان ببعض جسدها داء أو عيب تكتئب منه، فقالت: إنه لا يدخل اليد ليتعرض له كرما منه، ولم يساعده الأكثرون، منهم ابن الأعرابي وابن قتيبة وأبو سليمان وقال: أول كلامها ذم فكيف
стр. 26
تمدحه على الأثر وتصفه بالكرم. وقد عدها عروة ب الزبير من الذامات.
- ثم منهم من قَالَ: أرادت أنه لا يضاجعني، ولا يتعرف ما عندي من حب قربه، ويوافقه ما روى (وإذا اضطجع التف).
وقيل: أرادت لا يدخل يده في أموري يعرف ما أكرهه ويصلحه.
وقيل: أرادت أني إذا كنت عليلة لم يجئني، ولم يدخل يده تحت ثيابي ليعرف مالي.
ونصر ابن الأنباري أبا عبيد، فقال: إن النسوة تعاقدان على أن لا يكتمن شيئا من أخبار أزواجهن، فلا يبعد أن يكون فيهن من يذم شيئا من زوجها، ويمدح شيئا، وإنما عدها عروة من الذامات لابتدائها بالذم.
стр. 27
قول السابعة
قول السابعة: زوجي عياياء أو غياياء: الشك في اللفظتين منسوب إلى عيسى بْن يونس، والذي صححه أبو عبيد والمعظم: العين، وعدوا الغين تصحيفاً.
والعياياء: فعالاء من العي، وهو من الإبل والناس: الذي عيي بالضرب! ترميه باللعنة.
والطباقاء: المعجم الذي انطبق عليه الكلام، أي انغلق، وقيل: هو الأحمق الذي انطبقت عليه الأمور فلا يهتدي إلى الخروج منها، وقيل: هو الذي لا يأتي النساء، وقيل: هو الثقيل الصدر عند المباضعة.
جوز الزمخشري أن يكون اللفظا (غياياء) بالغين من الغيابة، وهي السحابة، ويقال: غابينا عليه بالسيوف أي: أظللنا، وهو العاجز الذي لا يهتدي لأمر كأنه في
стр. 28
ظلمة وغياية أبدا، وقيل: يجوز أن يكون م الغي، وهو الانهماك في الشر، وأيضا الخيبة، وقد فسر به قوله تعالى: (فَسَوفَ يَلقَونَ غَيّاً).
قولها: كل داء له داء، الداء العيب والمرض، والمعنى: أن العيوب المتفرقة في الناس مجتمعة فيه، وعلى هذا فقولها له: (داء) خبر لقولها: (كل داء)، وفي (الفائق) أنه يحتمل أن يكون (له) صفة لداء و (داء) خبر الكل أي كل داء فيه بليغ متناهٍ، كما يقال: إن زيداً لزيد، ويراد وصفه بالكمال.
قولها: شجك، أو فلك، الشج: الجرح في الرأس والوجه، والفل: الكسر، قيل: أرادت كسر العظام من الضرب، وقيل: كسر القلب بأخذ المال والأثاث، وقيل: كثير الحجة بالخصومة والعذل، ومنهم من قال: أرادت بالفل الطرد والإبعاد، والمعنى: أنه سيء الخلق يضرب امرأته بحيث يشج أو يفل أو يجمعهما معا، والسماع في شجك وفلك وكلالك كسر
стр. 29
الكاف، لأن المحاورة كانت بين النسوة، فكأنها قالت: إن كنت زوجته أيتها المخاطبة شجك أو فلك.
стр. 30
قول الثامنة
وقول الثامنة: المس مس أرنب، حملوه على الوصف بحسن الخلق، ولين الجانب، كما أن الأرنب لين عند المس، ويجوز أن تريد لين بشرته ونعومتها.
والزرنب! قيل: هو نبات طيب الريح، وقيل: شجر طيب الريح، وقيل: الزعفران. وقد يقال: (ذرنب) بالذال، وهما لغتان كزبر وذبر.
وأرادت طيب ذكره في الناس، وثناؤهم عليه، أو طيب عرفه
стр. 31
ويروى بعد الكلمتين (أغلُبُه، والناس يَغْلِب) وفيه وصفة بالقوة والشجاعة وحسن الخلق مع الأهل.
стр. 32
قول التاسعة
قول التاسعة: زوجي، رفيع العماد، العماد: عود الخباء، كنّت بارتفاعه عن شرفه وارتفاع بيته.
والنجاد: حمالة السيف، وهو ما يتقلد به! كنت به، عن امتداد قامته، وحسن منظره.
قولها: عظيم الرماد، كناية عن كثرة ضيافته، وقد تشير به إلى طبخه اللحوم والأطعمة التي يحوج طبخها إلى النيران العظيمة، وذكر أن أهل البلاغة يسمون مثل هذه الصنعة الأرداف، وهو: التعبير عن الشيء ببعض لواحة.
قَالَ أبو سليمان الخطابي: يحتمل أن تريد أنه لا يطفىء ناره ليلاً ليهتدي بها الضيفان فيغشونه.
стр. 33
والنادي: والندى والمنتدى: مجلس القوم ومجتمعهم، وقد يجعل النادي اسماً للقوم، وفسر به بعضهم قوله تعالى: (فَليَدعُ نَادِيَهُ). والكريم يقرب بيته من النادي ليظهر ويعرف فيغشى، وقد يقصد الشريف به تسهيل إتيانه على القوم.
ويروى بعد هذه الكلمات (لا يشبع ليلة يضاف، ولا ينام ليلة يخاف)، وأرادت بالأول: أنه يؤثر الضيفان بطعامه، والثاني: أنه يستعد ويتأهب للعدو ويأخذ بالحذر.
стр. 34
قول العاشرة
قول العاشرة: زوجي مالك وما مالك، أرادت به تعظيمه والتعجب من أمره.
قولها: مالك خير من ذلك، أي: هو فوق ما يوصف به من الجود والأخلاق الحسنة، وقد تريد إشارة إلى الذين مدحتهم من قبل، وتقول: هو خير منهم.
وذكروا لقولها: له إبل كثيرات المبارك، قليلات المسارح، معاني:
أشهرها: وبه قَالَ أبو عبيد وابن السكيت: أنه يتركها تبرك بفنائه لتكون معدة للضيفان فيطعمهم من
стр. 35
لحومها وألبانها، وقل ما يسرحها لئلا يتأخر القرى لبعدها.
والثاني: وبه قَالَ ابن أبي أويس، إنه يكثر منها النحر لأضيافه بعدما بركت، فتكون قليلة إذا سرحت، وإن كانت كثيرة عند البروك.
الثالت: إن كثرتها عند البروك لكثرة من تبعها وانضم إليها طمعا في رفقها، فإذا ظفروا بما يبغون تفرقوا عنها، فكانت قليلة إذا سرحت.
الرابع: قيل أرادت بكثرة المبارك أنها محبوسة للأضياف، فتقام للحلب مرة بعد أخرى، فيتكرر بروكها بعد الإقامة.
والمعزف: العود والمقصود أن إبله قد اعتادت منه إكرام الضيفان بالنحر لهم وبسقيهم وإتيانهم بالمعازف، فإذا سمعت صوت المعزف أيقنت بالنحر.
في (الفائق) أنه قد قيل: أن المزهر الذي يزهر
стр. 36
النار، يقال: زهر النار وأزهرها، أي: أوقدها، أي: إذا سمعن صوت موقد النار.
ويروي في آخر كلامها: (وهو أمام القوم في المهالك) أي: مقدمهم في الحرب لشجاعته.
стр. 37
قول الحادية عشرة
(أم زرع)
قول أم زرع: زوجي أبو زرع وما أبو زرع، قيل: تكنية الزوجين بزرع كان على عادة العرب في تكنية الأبوين باسم من ولد بينهما، كأم الدرداء وأبي الدرداء وأم الهيثم وأبو الهيثم في الصحابة.
وقولها: أناس من حلي أذني، أي حركها بما حلاهما به من القرطة. والنوس: تحريك الشيء المتدلي، والإناسة: تحريكه.
стр. 38
قولها: ملأ من شحمٍ عضدي، أي سمنتي بحسن التعهد، واكتفت بالعضد عن سائر
الأعضاء فإنهما إذا سمنا سمن سائر البدن.
وقولها: وبجَّحَني فبَجِحَتْ إليَّ نفسي، قال ابن الأنباري: أي عظمني فعظمت عند نفسي. وقال أبو عبيد: فرحني ففرحت وعظمت عند نفسي.
ويروي (فبجِحْتُ إلى نفسي) يقال بجح بالشيء وبحج به، أي فرح.
قولها: ووجدني في أهل غُنَيْمَةٍ بِشِقٍّ فَجَعَلَنِي فِي أَهْلِ صَهِيلٍ، وَأَطِيطٍ، قيل: (شق) موضع بعينه، ثم أبو عبيد فتح الشين، وكسرها غيره، وذكر الهروي أن الصواب الفتح، وقال ابن أبي أويس: المعنى بشق
стр. 39
جبل لقلتهم وقلة غنمهم، وهذا يصح على رواية الفتح، أي: بشق في الجبل كالغار ونحوه، وعلى رواية الكسر، أي: في طرف منه وناحية.
قَالَ آخرون: المعنى بجهدٍ ومشقةٍ يحتملونها في معيشتهم، كما في قوله تعالى: (إِلا بِشِقِّ الأَنفُسِ).
والمقصود: أني كنت في قومٍ قليلي العدد والمال، فلم يأنف من فقر قومي وضعفهم، فنكحني ونفاني إلى قومه، وهم أهل خيل وإبل.
والأطيط: هاهنا صوت الإبل، وقد يسمى صوت غير الإبل أطيطاً.
قولها: ودائسٍ ومنق، فقد قيل: الدائس البيدر، والمنق: الغربال، وقيل: الدائس الذي يدوس الطعام بعد الحصاد! تريد أنهم أصحاب زرع أيضا، ويروى
стр. 40
(منق) بكسر النون من النقيق، وفسر بالمواشي والأنعام، وقيل: أرادت الدجاج، أي هم أصحاب طير.
قولها: فعنده أقول فلا أقبح، أي لا يرد قولي، ولا يقال لي: قبحك اللَّه.
والتصبح: نوم الصبحة، وهو أن تنام بعدما تصبح! تريد أنها مخدومة مكفية المؤنة لا تحتاج إلى البكور. وقيل: أرادت لا أنبه ولا أزعزع حتى أقضي وطري من النوم.
قولها: وأشرب، فأتقمح: أي أرفع رأسي عن الإناء للري والاستغناء عن الشرب، من قولهم: (بعير قامح) إذا رفع رأسه من الحوض فلم يشرب، ويروي (فأتقنح) بالنون، أي: أقطع الشرب من الري. وقيل: أشرب على الري، وذلك مع عزة الماء